ومن صال على نفسه أو حرمته أو ماله آدمي أو بهيمة فله الدفع عن ذلك بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به
الشروح عليها
(ومن صال على نفسه أو حرمته) كأمه وبنته وأخته وزوجته، (أو مال آدمي أو بهيمة فله) أي للمصول عليه (الدفع عن ذلك بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به) ،
فإذا اندفع بالأسهل حرم الأصعب لعدم الحاجة إليه،
ذلك، بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به) لأنه لو منع من ذلك لأدى إلى تلفه، وأذاه في نفسه، وحرمته وماله، ولأنه لو لم يجز ذلك لتسلط الناس بعضهم على بعض.
لا زيادة له على هذه المسألة.
«وَمَنْ صَالَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ أَوْ ماله آدَمِيٌّ أَوْ بَهِيمَةٌ» الصول معروف، وهو الاقتحام والتعدي،
فمن صال على نفسه آدمي، أو صال على حرمته ـ أي: حريمه ـ أو صال على ماله آدمي، وسواء كان الصائل يريد القتل، أو يريد الفاحشة وانتهاك العرض والعياذ بالله، أو يريد الأذية التي دون القتل، ودون انتهاك العرض،
وكذلك نقول في المال، وكذلك نقول في الحُرْمة والأهل.
وقوله:«آدمي» فاعل «صال».
وقوله:«أو بهيمة» يعني حيواناً، وسمي الحيوان بهيمة؛ لانبهام أمره؛ حيث إنه لا ينطق ولا يفصح عما في نفسه، لكن ذكروا في آيات الرسول ﷺ أن جملاً جاء إلى النبي ﷺ يشكو صاحبه بأنه يجيعه، فسأل النبي ﷺ صاحبه فأخبره، فأمره أن يحسن إليه ، وهذا إنما يكون على سبيل الآيات، والآيات خوارق للعادة. «فَلَهُ الدَّفْعُ عَنْ ذلِكَ بِأَسْهَلِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ دَفْعُهُ بِهِ»«فله» اللام للإباحة، يعني لا يجب عليه أن يستسلم، بل له أن يدافع، ولكن يدافع بأسهل ما يغلب على الظن دفعه به،
فإن كان يندفع بالتهديد فلا يضربه،
وإن كان يندفع بالضرب باليد فلا يضربه بالعصا،
وإن كان يندفع بربط إحدى يديه فلا يربط الاثنتين،
وإن كان يندفع بربط اليدين دون الرجلين، فلا يربط الرجلين،
فإن لم يندفع إلا بالقتل فله قتله،
ولهذا قال المؤلف:
فَإِنْ قُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَيَلْزَمُهُ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ وَحُرْمَتِهِ دُونَ مَالِهِ،
وَمَنْ دَخَلَ مَنْزِلَ رَجُلٍ مُتَلَصِّصاً فَحُكْمُهُ كَذلِكَ.
«فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إِلاَّ بالقَتْلِ فَلَهُ ذلِكَ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، فَإِنْ قُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ»؛ لأن النبي ﷺ سئل عن الرجل يأتي إلى الرجل يريد أن يأخذ ماله، فقال:«لا تعطه»، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال:«قاتله»، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال:«فأنت شهيد»، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال:«هو في النار»، فالرسول ﷺ قال:«قاتله»، وعليه فإذا لم يندفع إلا بالقتل فليقاتل، وليس عليه ضمان ولا كفارة.
وأما بناؤه على القواعد فلأن ما ترتب على المأذون ليس بمضمون؛ وأنا مأذون لي أن أدافع عن نفسي.
مسألة: لو أني قاتلته دفاعاً عن نفسي، وأهلي، ومالي، ثم طالبني أولياؤه بالقصاص، وقالوا: أنت قتلته، فنحن نطلب أن تقتل، فقال: إني مدافع عن نفسي، قالوا: هات الشهود، قال: لو كان هناك شهود ما هاجمني، قالوا: ليس عندك إلا دعوى، أنت الذي دعوته إلى بيتك لتقتله، إذاً نطالب بأن تقتل، فماذا يصنع؟
الجواب: القضاء يحكم بقتله؛ لأن النبي ﷺ يقول:«لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم»،
ولو أننا قبلنا مثل هذه الدعوى لكان لكل إنسان يمتلئ قلبه حقداً على شخص أن يدعوه إلى بيته،
فإذا أتى إلى البيت قتله، وادعى أنه هو الذي اعتدى عليه وعلى حرمته، فلما كان ذلك ممكناً غير ممتنع صار من ادعى خلافه فعليه البينة، وإلا فيقتل، ويوم القيامة يحكم بينهم الحكم العدل عز وجل،
أما نحن في الدنيا فليس لنا إلا الظاهر فقط، وهذا لا شك أنه جارٍ على قواعد الشرع في ظاهر الأمر.
ولكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : إنه يجب أن ينظر في القرائن؛ لأن وجود البينة في مثل هذه الحالات متعسر، أو متعذر، ولأن هذا يقع كثيراً، أن يصول الإنسان على أحد، ثم يدافع المصول عليه عن نفسه حتى يصل إلى درجة القتل، فينظر في هذا إلى القرائن،
فإذا كان المقتول معروفاً بالشر والفساد، والقاتل معروفاً بالخير والصلاح فالقول قول القاتل، وحينئذٍ لا ضمان عليه؛ لأن قول الرسول ﷺ :«البينة على المدعي» هذا بالاتفاق، والبينة كل ما أبان الحق وأظهره،
وإذا قامت القرينة القوية الظاهرة على صدق الدعوى فإنه يجب العمل بمقتضاها، كما قلنا في دعوى الرجل لباساً في يد غيره، وهو ليس عليه لباس؛
فإن القول قول المدعي، كما لو رأينا رجلاً ليس عليه غترة، وآخر يلبس على رأسه غترة وأخرى بيده، وهو هارب والآخر يركض وراءه، يقول: أعطني غترتي، فهذه قرينة ظاهرة تؤيد دعوى المدعي فيعمل بها،
وكذلك في مسألة القسامة ففيها قتل، لكنها مبنية على القرينة، فجعلت الأيمان في جانب المدعي، فقول شيخ الإسلام رحمه الله هو الحق في هذه المسألة، ولا يمكن إصلاح الخلق إلا بهذا؛ لأنه ما أكثر الذين يعتدون على الناس الآمنين، الوادعين في بيوتهم، المعروفين بالصلاح وبعدم العدوان، فيصول هذا المجرم عليه،
فإذا دافع المسكين عن نفسه فقتله؛ لأنه لم يندفع إلا بالقتل، ضمناه!!
أما إذا كان يمكن دفعه بدون القتل فَقَتَلَه فإنه يضمن؛ لأن هذا دفع صيالة، فيجب أن يكون بالأسهل فالأسهل.
وإذا خاف أن يبدره بالقتل؛ لأن معه السلاح، فهل له أن يبادر بالقتل؟ نعم، له أن يبادر،
فلو كان هذا المجرم معه سلاح، وأشهره على المصول عليه،
وقال: مكني من نفسك، أو من أهلك، وإلا قتلتك، وخاف إن امتنع أن يقتله، فله أن يبادر بقتله؛ لأن هذا غاية قدرته، ولا يمكن أن يستسلم لهذا ليقتله،
فإن قلت: ألا يمكن أن يهدد فلا يفعل؟ فالجواب: بلى، يمكن، ولكن لا يأمن أن يقتله؛ لأنه يريد أن ينجو بنفسه؛ لأنه سيقتل بكل حال،
إما من هذا الرجل، أو من السلطات، فسيقدم على القتل.
فإذا قال قائل: ألا يمكن أن يكون المسدس الذي في يده لعبة صبيان؟ بلى يمكن، ولكن هو الآن في حال لا يتمكن من الاطلاع، ولا من التثبت، وهو خائف لو تأخر لحظة قضي عليه، فالمسألة ليست عقلية، بل تصرفية، فهذا أدنى ما يقدر على التصرف فيه، ولهذا قال العلماء: إن خاف أن يبدره بالقتل فله أن يبادر بالقتل،
بخلاف ما إذا لم يخف، فلا بد أن يدفع بالأسهل فالأسهل. وقوله:«أو بهيمةٌ» كبعير صال على هذا الإنسان يريد أن يقتله، أو صال عليه ذئب يريد أن يأكل غنمه، ولم يندفع الجمل أو الذئب إلا بالقتل، فهل يضمن؟ الجواب: لا يضمن؛ لأن الصائل لا حرمة له؛ لأنه مؤذٍ، والمؤذي إن كان طبيعته الأذى قتل وإن لم يَصُل، كالفأرة، والحية، والعقرب، وما أشبهها،
وإن لم يكن طبيعته الأذى فإنه يقتل حال أذيته، مثل الجمل، لكن لو ادعى صاحب الجمل أن الجمل لم يَصُل، فما الحكم؟
أما المذهب فيلزمه الضمان؛ لأن الأصل حرمة مال المسلم، فالأصل أن هذا الجمل محترم، إلا إذا قامت البينة على أنه صال عليه، ولم يندفع إلا بالقتل.
والصحيح ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يرجع في ذلك إلى القرائن،
فإذا علم أن هذا القاتل الذي ادعى أنه صِيل عليه رجل صالح، ولا يمكن أن يعتدي على حق غيره إلا بموجب شرعي،
فإن القول قوله، ولكن لا بد أن يحلف؛ لأن اليمين تكون في جانب أقوى المدعيين،
وأما إذا كان غير معروف بالصلاح فإن الأصل ضمان مال الغير واحترامه.
وقوله:«وَيَلْزَمُهُ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ» أي: يلزم من صال عليه آدمي أو بهيمة أن يدافع عن نفسه وجوباً، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ،
ومن استسلم للصائل الذي يريد قتله فقد ألقى بنفسه إلى التهلكة، ووقع فيما نهى الله عنه، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ ، فأمر بقتلهم حتى عند المسجد الحرام مع حرمته وتعظيمه، ولقوله عليه الصلاة والسلام : أرأيت إن قاتلني؟ قال:«قاتله»، ولأن نفسه محترمة وأمانة عنده، ومسؤول عنها أمام الله، فوجب عليه أن يدافع عنها، ولأنها نفس محترمة، ونفس الصائل نفس معتدية، ليس لها حرمة، ومعلوم أنه يجب فداء النفس المحترمة بالنفس المعتدية،
وأن تتلف النفس المعتدية لإبقاء النفس المحترمة، فهذه تدل على وجوب المدافعة عن النفس.
فالحاصل أنه يجب الدفاع عن نفسه، لكن هل يستثنى من هذا شيء؟ اختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم: يستثنى من ذلك حال الفتنة ـ نعوذ بالله من الفتنة ـ إذا اضطرب الناس، وافتتنوا، وصار بعضهم يقتل بعضاً، لا يدري القاتل فيما قَتَل، ولا المقتول فيما قُتِل، فتنة مائجة، فإنه في هذه الحال لا يلزمه الدفع، واستدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام :«إنها ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي»، فقيل: يا رسول الله، أرأيت إن دخل بيتي، هل أقتله أم لا؟
قال:«لا تقتله» وقال عليه الصلاة والسلام: «فإن بهرك شعاع السيف فألقِ رداءك على وجهك» يعني: واستسلم، واستدلوا أيضاً بفعل عثمان رضي الله عنه فإن الصحابة طلبوا منه أن يدفعوا عنه الذين خرجوا عليه، ولكنه رضي الله عنه أبى،
وقال: لا تقاتلوا ، فإذا كانت فتنة فلا تقاتل.
والصواب أن الفتنة إذا كان يترتب على المدافع فيها شَرٌّ أكبر، أو كانت المدافعة لا تجدي لكثرة الغوغاء، ففي هذه الحال لا يجب الدفع، وإلا وجب الدفع لما ذكرت فيما سبق، وتحمل النصوص الواردة في ذلك على هذه الحال،
وكذلك ما ورد عن عثمان رضي الله عنه؛ لأن عثمان رأى أن أهل المدينة لو دافعوا لالتهمهم هؤلاء الخارجون؛ لأنهم عدد كبير لا طاقة لأهل المدينة بمدافعتهم.
ويرى بعض العلماء أنه يلزم الدفع مطلقاً،
وأن الأحاديث الواردة في ذلك فيما إن كان الإنسان لا يستطيع المدافعة؛ لأن مدافعته إذا كان لا يستطيع لا
فائدة منها. «وَحُرْمَتِهِ» يعني يلزمه الدفع عن حرمته، أي: أهله، كزوجته، وابنته، وأمه، وأخته، وما أشبه ذلك؛ لأن حماية النفوس ـ كما ذكرنا فيما سبق ـ واجبة،
أما ماله فيقول المؤلف:
«دُونَ مَالِهِ» فلا يلزمه الدفاع عنه؛ لأن حرمة المال دون حرمة النفس، ولكن يجوز الدفاع عن ماله وإن قل، حتى وإن كان جرة حبر، أو ريشة قلم.
وقال بعض العلماء: إنه إذا كان المال يسيراً فإنه لا يجوز أن يدافع عنه مدافعة تصل إلى القتل؛ لأن حرمة النفس أعظم من حرمة المال، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن الأحاديث عامة «من قتل دون ماله فهو شهيد» وهو عام،
وقال الرجل: إن طلب مني مالي؟ فقال ﷺ :«لا تعطه» وهذا عموم أيضاً، فالصواب العموم، وليست المسألة من باب المقابلة والمكافأة؛ لأنه لو كانت من باب المقابلة والمكافأة لقلنا: إنه لا يجوز المدافعة، إلا إذا كان المال الذي صيل عليه بقدر الدية، وهذا لم يقل به أحد، بل المقاتلة من أجل انتهاك حرمة المال.
مسألة: لو أن أحداً نظر إلى بيتك من خصاص الباب فهل هو كالصائل؟
الجواب: ليس كالصائل، بل هذا تفقأ عينه بدون مدافعة، هكذا جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام ـ، وهذا يقول فيه شيخ الإسلام رحمه الله : إنه ليس من باب دفع الصائل، لكنه من باب عقوبة المعتدي.
أما لو كان الباب مفتوحاً، وجاء الرجل، ووقف عند هذا الباب المفتوح، وجعل يتفرج على البيت، فهل له أن يفقأه؟ لا؛ لأن الذي أضاع حرمة بيته صاحب البيت،
أما إذا كان الباب موصداً فإن هذا الرجل قد حفظ حرمته. مسألة: رجل وجد على امرأته رجلاً ـ والعياذ بالله ـ يزني بها، فهل عقوبته من باب دفع الصائل؟
الجواب: لا، لكنه من باب عقوبة المعتدي،
فإذا وجده على أهله فله أن يذهب إلى السيف، ثم يقدَّه نصفين، بدون إنذار؛ لأن هذا ـ كما قال شيخ الإسلام أيضاً ـ من باب عقوبة المعتدي، وقد وقعت هذه القضية في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد دخل رجل على أهله، فوجد عليها رجلاً، فأخذ بالسيف فقدَّه نصفين، فطالب أولياء المقتول بدمه، ثم ارتفعوا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال الرجل: والله يا أمير المؤمنين إن كان أحد بين فخذي أهلي فأنا قد قتلته، فقال: ما تقولون؟
قالوا: نعم، فأخذ عمر رضي الله عنه السيف وهزه،
وقال له: إن عادوا فعد ؛ لأن هذا من باب عقوبة المعتدي، بمعنى أننا نعاقب هذا الفاعل بدون إنذار.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.