ومالك نصاب
الشروح عليها
(وَمَالِكِ نِصَابٍ) أَوْ أَكْثَرَ حَيْثُ لَا يَكْفِيهِ لِعَامِهِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
ص (وَمَالِكُ النِّصَابِ) ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ،
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ لَهُ دَارٌ وَخَادِمٌ وَلَا فَضْلَ فِي ثَمَنِهِمَا مِمَّنْ سِوَاهُمَا أُعْطِيَ مِنْ الزَّكَاةِ،
وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا فَضْلٌ لَمْ يُعْطَ وَيُعْطَى مِنْهَا مَنْ لَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، إنْ كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ لِكَثْرَةِ عِيَالٍ أَوْ نَحْوِهِ أَبُو الْحَسَنِ، قَوْلُهُ " فِيهِمَا فَضْلٌ " يُرِيدُ فَضْلًا يُغْنِيهِ لَوْ بَاعَهُمَا وَاشْتَرَى غَيْرَهُمَا،
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ: إنْ كَانَ يَفْضُلُ مِنْ ثَمَنِهِمَا عِشْرُونَ دِينَارًا لَمْ يُعْطَ، انْتَهَى، وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ مَالِكَ النِّصَابِ لَا يُعْطَى أَبُو الْحَسَنِ اُنْظُرْ جَعَلَهُ هُنَا إنْ كَانَ لَهُ دَارٌ وَخَادِمٌ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ،
وَفِي الْأَيْمَانِ مَنْ لَهُ دَارٌ وَخَادِمٌ عَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَ وَلَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ حَقٌّ عَلَيْهِ وَأَخْذَ الزَّكَاةِ حَقٌّ لَهُ وَالْغِنَى الْمَرَاعِي الْعَيْنُ وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ أَوْ فَضْلَةُ بَيْتِهِ عَلَى الْقُنْيَةِ،
فَإِنْ كَانَتْ لَهُ دَارٌ وَخَادِمٌ لَا فَضْلَةَ فِيهِمَا، أَوْ كَانَ فِيهِمَا فَضْلَةٌ يَسِيرَةٌ أُعْطِيَ مِنْ الزَّكَاةِ،
وَإِنْ كَانَ فَضْلَةٌ بَيِّنَةٌ لَمْ يُعْطَ انْتَهَى،
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْهِبَاتِ، قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ مَنْ لَهُ الْمَسْكَنُ وَالْخَادِمُ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَثْرَةُ الثَّمَنِ فِيهِ فَضْلٌ، انْتَهَى.
وَفِي ابْنِ يُونُسَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعْطَى مِنْهَا مَنْ لَهُ الدَّارُ وَالْخَادِمُ وَالْفَرَسُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ هَذَا فِي بَلَدٍ يَحْتَاجُ فِيهِ لِلْفَرَسِ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ هَلْ يُعْطِي الْفَقِيه مِنْ الزَّكَاةِ إذَا كَانَتْ لَهُ كَتَبَ يَحْتَاج إلَيْهَا] (فَرْعٌ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ: وَهَلْ يُعْطَى مِنْهَا الْفَقِيهُ إذَا كَانَتْ لَهُ كُتُبٌ يَحْتَاجُ إلَيْهَا كَمَا يَحْتَاجُ الْمُجَاهِدُ لِلْفَرَسِ، وَهَذَا الَّذِي يَقْتَضِيَهُ النَّظَرُ؟ انْتَهَى.
وَفِي التَّوْضِيحِ خَلِيلٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِعْطَاءُ لِلْفَقِيهِ الَّذِي عِنْدَهُ كُتُبٌ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِ عُمَرَ، وَقَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ، انْتَهَى، وَيَعْنِي بِهِ أَبَا الْحَسَنِ الصَّغِيرَ وَبَعْدَهُ فِي التَّوْضِيحِ اللَّخْمِيُّ.
وَنَقَلَ عَنْهُ كَلَامًا آخَرَ فَيُتَوَهَّمُ كَثِيرٌ أَنَّهُ عَزَاهُ لِلَّخْمِيِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَفِي الْبُرْزُلِيِّ فِي جُمْلَةِ سُؤَالٍ سَأَلْتُ ابْنَ أَبِي زَيْدٍ مَا نَصُّهُ:
فَلَوْ كَانَتْ لَهُ كُتُبُ فِقْهٍ قِيمَتُهَا كَثِيرَةٌ، فَقَالَ: هَذَا لَا غِنَى لَهُ عَنْهَا الْبُرْزُلِيُّ، كَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ يَقُولُ: إذَا كَانَتْ فِيهِ قَابِلِيَّةٌ فَيَأْخُذُهَا،
وَلَوْ كَثُرَتْ كُتُبُهُ جِدًّا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ قَابِلِيَّةٌ فَلَا يُعْطَى مِنْهَا شَيْئًا إلَّا أَنْ تَكُونَ كُتُبُهُ عَلَى قَدْرِ فَهْمِهِ خَاصَّةً فَتُلْغَى، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ بَيْعِهَا وَعَلَى الْمَنْعِ فَهِيَ كَالْعَدَمِ وَعَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ الْكَرَاهَةِ، فَقَالَ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ: فَلَا نَمْنَعُهُ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ وَلَا تُبَاعُ عَلَيْهِ فِي الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَالشَّرْعُ لَا يُجْبِرُ عَلَى مَكْرُوهٍ الْبُرْزُلِيُّ وَلَعَلَّهَا تَجْرِي عَلَى مَسْأَلَةِ تَزْوِيجِ أُمِّ وَلَدِهِ فِي غَيْبَتِهِ وَعَدَمِ وُجُودِ مَا يُنْفَقُ عَلَيْهَا، انْتَهَى.
وَفِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ لِلْجُزُولِيِّ الشَّيْخُ،
وَإِذَا كَانَتْ عِنْدَهُ كُتُبٌ هَلْ يُعْطَى أَوْ تُبَاعُ عَلَيْهِ؟ .
فَإِنْ كَانَتْ كُتُبَ التَّارِيخِ تُبَاعُ عَلَيْهِ،
وَإِنْ كَانَتْ لِلطِّبِّ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ طَبِيبٌ غَيْرُهُ بِيعَتْ عَلَيْهِ وَلَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ طَبِيبٌ لَا تُبَاعُ عَلَيْهِ وَيُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ،
وَإِنْ كَانَتْ لِلْفِقْهِ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ تُرْجَى إمَامَتُهُ أُعْطِيَ مِنْ الزَّكَاةِ وَلَا تُبَاعُ عَلَيْهِ،
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا تُرْجَى إمَامَتُهُ تُبَاعُ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ بَيْعِهَا وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ لَا تُبَاعُ وَيُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الثَّعَالِبِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ أَبِي الْحَسَنِ: وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ، ذَكَرَ الْخِلَافَ فِيهِ ابْنُ رُشْدٍ، وَالْقِيَاسُ عَلَى مَنْ لَهُ دَارٌ وَخَادِمٌ وَفَرَسٌ أَنَّهُ يَأْخُذُ، وَهَذَا فِيمَنْ كَانَتْ فِي عَقْلِهِ فَضْلَةٌ، وَكَانَ مُدَرِّسًا فَقِيهًا لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا وَالْأَحْسَنُ فِي هَذَا أَنْ يَأْخُذَ،
وَأَمَّا كُتُبُ النَّحْوِ وَالْأَدَبِ فَلَيْسَتْ مِثْلَهَا، انْتَهَى.
ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ بِلَفْظِهِ،
وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَهُوَ حَسَنٌ مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أُصُولِ الْمَذْهَبِ
[فَرْعٌ الْيَتِيمَةَ تُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ مَا تَصْرِفُهُ فِي ضَرُورِيَّاتِ النِّكَاحِ] (فَرْعٌ) تَقَدَّمَ عَنْ الْبُرْزُلِيِّ أَنَّ الْيَتِيمَةَ تُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ مَا تَصْرِفُهُ فِي ضَرُورِيَّاتِ النِّكَاحِ وَالْأَمْرِ الَّذِي يَرَاهُ الْقَاضِي حَسَنًا فِي حَقِّ الْمَحْجُورِ فَعَلَى هَذَا فَمَنْ لَيْسَ مَعَهَا مِنْ الْأَمْتِعَةِ وَالْحُلِيِّ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ النِّكَاحِ تُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ مِنْ بَابِ أَوْلَى فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَنْبِيه السُّؤَالَ مَكْرُوهٌ لِمَنْ لَهُ أُوقِيَّةٌ مِنْ فِضَّةٍ] (تَنْبِيهٌ)
قَالَ فِي التَّمْهِيدِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الثَّانِي عَشَرَ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ» الْحَدِيثُ فِيهِ أَنَّ السُّؤَالَ مَكْرُوهٌ لِمَنْ لَهُ أُوقِيَّةٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَالْأُوقِيَّةُ إذَا أُطْلِقَتْ فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهَا الْفِضَّةُ دُونَ الذَّهَبِ وَغَيْرِ، هَذَا قَوْلُ الْعُلَمَاءِ، وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فَمَنْ سَأَلَ وَلَهُ هَذَا الْحَدُّ وَالْعَدَدُ مِنْ الْفِضَّةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فَهُوَ مُلْحِفٌ، وَالْإِلْحَافُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْإِلْحَاحُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي ذَلِكَ، وَالْإِلْحَاحُ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ مَذْمُومٍ، فَقَالَ: مَدَحَ اللَّهُ قَوْمًا، فَقَالَ {لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} ، وَلِهَذَا
قُلْت: إنَّ السُّؤَالَ لِمَنْ مَلَكَ هَذَا الْقَدْرَ مَكْرُوهٌ، وَلَمْ أَقُلْ إنَّهُ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَحِلُّ يَحْرُمُ الْإِلْحَاحُ فِيهِ وَغَيْرُ الْإِلْحَاحِ،
وَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لَهُ وَمَا جَاءَ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ فَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ، وَهَذَا مَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَلَا تَحِلُّ الزَّكَاةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ رَبِيعَةَ،،
وَأَمَّا غَيْرُ الزَّكَاةِ مِنْ التَّطَوُّعِ فَجَائِزٌ لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ، ثُمَّ قَالَ: الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِهِ يَعْنِي مَالِكًا أَنَّهُ لَا يُحَدُّ فِي الْغَنِيِّ حَدًّا لَا يُتَجَاوَزُ إلَّا عَلَى قَدْرِ الِاجْتِهَادِ الْمَعْرُوفِ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ،
وَكَذَلِكَ يُرَدُّ مَا يُعْطَى لِلْمِسْكِينِ الْوَاحِدِ مِنْ الزَّكَاةِ إلَى الِاجْتِهَادِ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ، ثُمَّ أَطَالَ فِي ذَلِكَ فَانْظُرْهُ وَانْظُرْ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَيْضًا «أَعْطُوا السَّائِلَ، وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ» وَهُوَ الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الثَّالِثِ مِنْ أَحَادِيثِ رَبِيعَةَ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ» يُرِيدُ: الصَّدَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ،
وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَغَيْرُ مُحَرَّمَةٍ عَلَى أَحَدٍ غَيْرِ مَنْ ذَكَرْنَا عَلَى حَسَبِ مَا وَصَفْنَا فِي هَذَا الْبَابِ، إلَّا أَنَّ التَّنَزُّهَ عَنْهَا حَسَنٌ وَقَبُولُهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ لَا بَأْسَ بِهِ، وَمَسْأَلَتُهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ بُدًّا، انْتَهَى.
وَفِي تَبْصِرَةِ ابْنِ مُحْرِزٍ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَصَّارُ: مَنْ كَانَ مَعَهُ مَا يَقُومُ بِهِ لِأَدْنَى عَيْشٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ فَالْمَسْأَلَةُ لَهُ حَلَالٌ،
وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطَى فِي دُفْعَةٍ وَاحِدَةٍ مَا يَقُومُ بِعَيْشِهِ إلَى آخِرِ عُمْرِهِ (قُلْت) وَالْأَصْلُ فِي هَذَا حَدِيثُ «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ فَقَدْ سَأَلَ إلْحَافًا» فَمَنَعَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ كَانَ عِنْدَهُ أُوقِيَّةٌ مِنْ السُّؤَالِ وَلَعَلَّهَا لَا تَكُونُ غَنَاءٌ لِمِثْلِهِ،
وَأَمَّا إعْطَاؤُهُ مِنْ الزَّكَاةِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ لِكُلِّ فَقِيرٍ وَلَا تَحِلُّ لِلْأَغْنِيَاءِ فَمَنْ كَانَ غَنِيًّا مُتَكَفِّفًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطَى مِنْهَا وَالْغِنَى فِي النَّاسِ مُخْتَلِفٌ فَمِنْهُمْ مِنْ يُغْنِيهِ الْقَلِيلُ لِقِلَّةِ عِيَالِهِ وَخِفَّةِ مُؤْنَتِهِ، وَمِنْهُمْ مِنْ لَا يُغْنِيهِ إلَّا الْكَثِيرُ لِكَثْرَةِ عِيَالِهِ وَشِدَّةِ مُؤْنَتِهِ فَهَذَا مِمَّا يُجْتَهَدُ فِيهِ،
وَأَمَّا إعْطَاءُ الْفَقِيرِ مَا يُغْنِيهِ أَوْ يَزِيدُ عَلَى غِنَاهُ فَإِنَّ ذَلِكَ سَائِغٌ؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ مَا أَخَذَ كَانَ فَقِيرًا، وَالصَّدَقَةُ مُبَاحَةٌ لِلْفُقَرَاءِ، وَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْنَا فِيهَا حَدٌّ مَعْلُومٌ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ، انْتَهَى. وَنَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ،
وَقَالَ فِي الْعَارِضَةِ فِي بَابِ مَنْ تَحِلُّ لَهُ الزَّكَاةُ مَا نَصُّهُ - الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ - وَقَدْ يَكُونُ السُّؤَالُ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا
أَمَّا وُجُوبُهُ فَلِلْمُحْتَاجِ، وَأَمَّا الْمَنْدُوبُ فَأَنْ يَعْنِيَهُ وَتَتَبَيَّنَ حَاجَتُهُ إنْ اسْتَحْيَا هُوَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ بَيَانُهُ أَنْفَعَ وَأَنْجَحَ مِنْ بَيَانِ السَّائِلِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْأَلُ لِغَيْرِهِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ، انْتَهَى. وَرَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِ الْمَغَارِبَةِ مَا صُورَتُهُ: قَالَ بَعْضُهُمْ الْإِنْسَانُ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَخْذِ الصَّدَقَةِ عَلَى قِسْمَيْنِ: طَالِبٌ لَهَا، وَغَيْرُ طَالِبٍ فَالطَّالِبُ لَهَا عَلَى قِسْمَيْنِ: مُحْتَاجٌ، وَغَيْرُ مُحْتَاجٍ فَالْمُحْتَاجُ يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ مُطْلَقًا وَغَيْرُ الْمُحْتَاجِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْأَخْذُ مُطْلَقًا، وَأَعْنِي بِالْمُطْلَقِ سَوَاءٌ كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْ الْمُتَصَدِّقِ وَاجِبًا عَلَيْهِ كَالزَّكَاةِ أَوْ تَطَوُّعًا، وَأَعْنِي بِغَيْرِ الْمُحْتَاجِ مَنْ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى طَلَبِ التَّطَوُّعِ أَوْ قُوتُ سَنَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى طَلَبِ الْوَاجِبِ وَالْمُحْتَاجُ عَلَى عَكْسِهِ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ غَيْرُ الطَّالِبِ لَهَا عَلَى قِسْمَيْنِ أَيْضًا: مُحْتَاجٌ، وَغَيْرُ مُحْتَاجٍ فَالْمُحْتَاجُ يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ وَغَيْرُ الْمُحْتَاجِ يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ التَّطَوُّعِ دُونَ الْوَاجِبِ،
وَأَمَّا قَدْرُ الْمَأْخُوذِ لِمَنْ يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ فَلَا حَدَّ لَهُ وَلَا غَايَةَ، انْتَهَى. مَا رَأَيْتُهُ وَهُوَ حَسَنٌ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَعْزُوٍّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَمَالِكِ نِصَابٍ) قَالَ الْمُغِيرَةُ: لَا يُعْطَى مَنْ لَهُ الْمَسْكَنُ وَالْخَادِمُ مِنْ الزَّكَاةِ إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ فَضْلٌ يَبْلُغُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا ظَاهِرٌ بَيِّنٌ إذْ «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُعَاذًا عَلَى الصَّدَقَةِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَيَضَعَهَا فِي فُقَرَائِهِمْ» ، وَالْفَقِيرُ مَنْ تُوضَعُ فِيهِ وَالْغَنِيُّ مَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَا مَعْنَى لِمَنْ قَالَ مَالِكُ النِّصَابِ غَنِيٌّ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ مَنْ مَلَكَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ مِنْ شَعِيرٍ قِيمَتُهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِ فِيهَا وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَقِيرٌ مِسْكِينٌ غَيْرُ غَنِيٍّ، فَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيُّ أَوْلَى بِالصَّوَابِ.
ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: مَنْ كَانَ لَهُ نِصْفُ نِصَابٍ عَيْنًا وَمِنْ الْعُرُوضِ مَا يُسَاوِي النِّصْفَ الْآخَرَ فَلَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ،
وَإِنْ كَانَ لَهُ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ مِنْ طَعَامٍ وَلَمْ تُسَاوِ نِصَابَ الْعَيْنِ فَلَا يَضُرُّهُ،
وَإِنْ سَاوَاهُ فَلَا يُعْطَى بِخِلَافِ الْكُتُبِ.
وَلَوْ كَانَتْ لَهُ كُتُبُ فِقْهٍ قِيمَتُهَا أَكْثَرُ مِنْ نِصَابٍ بِأَنَّهُ يُعْطَى لِأَنَّهُ لَا غِنَى لَهُ عَنْهَا، ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا إنْ كَانَتْ فِيهِ قَابِلِيَّةٌ وَإِلَّا فَلَا يُعْطَى مِنْهَا شَيْئًا إلَّا أَنْ تَكُونَ كُتُبُهُ عَلَى قَدْرِ فَهْمِهِ خَاصَّةً فَتُلْغَى. وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ بَيْعِهَا وَعَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ بِالْكَرَاهَةِ فَالشَّرْعُ لَا يُجْبِرُ عَلَى مَكْرُوهٍ. رَاجِعْ نَوَازِلَ السَّيِّدِ مُفْتِي تُونِسَ الْبُرْزُلِيُّ قَالَ: وَهَذَا كَتَزْوِيجِ أُمِّ الْوَلَدِ لِعُسْرِ سَيِّدِهَا وَمَغِيبِهِ وَقَدْ قَالَ نَحْوَ هَذَا عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ فِي الْحُكْمِ بِالْإِجَارَةِ عَلَى الصَّلَاةِ.
اللَّخْمِيِّ: قِيلَ مَنْ كَانَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ نِصَابٍ وَلَا كِفَايَةَ فِيهِ حَلَّتْ لَهُ الزَّكَاةُ. وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ غَنِيٌّ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي اسْمِ الْفُقَرَاءِ وَلِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ يَعِيشُ إلَى ذَهَابِ مَا فِي يَدَيْهِ؟ وَلَا خِلَافَ فِيمَا بَيْنَ الْأَمَةِ فِيمَنْ كَانَ لَهُ نِصَابٌ وَهُوَ ذُو عِيَالٍ وَلَا يَكْفِيهِ لَهُمْ مَا فِي يَدَيْهِ أَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي عَدَدِ الْأَغْنِيَاءِ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ أَنْ يُعْطَى انْتَهَى، اُنْظُرْ أَنْتَ هَذِهِ النُّصُوصَ وَانْظُرْ قَوْلَ اللَّخْمِيِّ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ يَعِيشُ فَمِنْ نَحْوِ هَذَا أَيْضًا إعْطَاءُ الْيَتَامَى لِشُوَارٍ.
وَقَدْ نَصَّ شَارِحُ الرِّسَالَةِ ابْنُ الْفَخَّارِ أَنَّهُ لَا يُجْهَرُ عَلَى الْيَتَامَى مِنْ الزَّكَاةِ.
(ص) وَمَالِكِ نِصَابٍ (ش) يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ لِمَنْ مَلَكَ نِصَابًا لِكَثْرَةِ عِيَالِهِ وَلَوْ كَانَ لَهُ الْخَادِمُ وَالدَّارُ الَّتِي تُنَاسِبُهُ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكْفِيَهُ الَّذِي مَعَهُ حَوْلًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: وَكِفَايَةِ سَنَةٍ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ) وَمُقَابِلُهُ مَا رَوَاهُ الْمُغِيرَةُ عَنْ مَالِكٍ.
(قَوْلُهُ: لَكِنْ يُشْتَرَطُ إلَخْ) أَيْ: فَيُعْطَى مَا يُكْمِلُ بِهِ السَّنَةَ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(و) لِ (مَالِكِ نِصَابٍ) أَوْ أَكْثَرَ لَا يَكْفِيهِ لِسَنَتِهِ لِغَلَاءٍ أَوْ كَثْرَةِ عِيَالٍ فَيُعْطَى مَا يُكْمِلُ بِهِ الْعَامَ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَرَوَى الْمُغِيرَةُ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا تُعْطَى لِمَالِكِ نِصَابٍ. وَدَفْعُ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَكِفَايَةِ سَنَةٍ وَفِي جَوَازِ دَفْعِهَا لِمَدِينٍ ثُمَّ أَخْذِهَا: تَرَدُّدٌ.
. وَجَابٍ، وَمُفَرِّقٌ [منح الجليل] وَ) جَازَ
لا زيادة له على هذه المسألة.
ومالك نصاب؛ يعني أنه يجوز دفع الزكاة لمالك نصاب أو أكثر حيث كان ما ذكر لا يكفيه، وهذا هو المشهور. قاله في التوضيح،
فإن من الناس من لا يكفيه ذلك لكثرة عياله، ومنهم من يكفيه لعدم ذلك فيه،
وقيل: لا يعطى لمالك نصاب؛ لأنه قال: تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فجعل مالك النصاب غنيا، رواه المغيرة عن مالك. وروي عن مالك أنه يجوز إعطاء من له أربعون درهما،
وقال عمر بن عبد العزيز: لا بأس أن يعطى من له الدار والخادم والفرس، والظاهر أنه يجوز الإعطاء للفقيه الذي عنده كتب، قياسا على قول عمر، وقاله أبو الحسن الصغير،
وقال اللخمي: واختلف في قوله عليه الصلاة والسلام: (لا تحل الصدقة لغني (١) )، فقيل: من كانت له كفاية وإن كانت دون النصاب،
وقيل: من كان له نصاب لحديث: (أمرت أن آخذها من أغنيائهم وأردها على فقرائهم (٢) )،
وقيل: من كان له أكثر من نصاب ولا كفاية له حلت له؛ وهو ضعيف لأنه غني تجب عليه الزكاة، فلم يدخل في اسم الفقير؛ ولأنه لا يدري، هل يعيش حتى يفرغ ما بيده أم لا؟ ولا خلاف بين الأئمة فيمن له نصاب وهو ذو عيال ولا يكفيه ما بيده أن الزكاة واجبة عليه؛ وهو في عدد الأغنياء. قاله في التوضيح.
وقال الشبراخيتي عند قوله: "ومالك نصاب" ، ما نصه: لا يكفيه لبقية سنته فيعطى ما يكفيه لمنتهاها. انتهى. قال: وظاهر المصنف أنه لا يجوز دفعها لمالك أكثر من نصاب،
ولو كان لا يكفيه لعامه وهو خلاف ما عليه ابن عبد البر، وعليه فقوله: "ومالك نصاب" ، لا مفهوم له،
وكذلك مالك أكثر منه إذا كان لا يكفيه. انتهى.
وقال: وجاز دفعها لمالك نصاب أو أكثر منه حيث كان لا يكفيه لعامه. انتهى. وسيأتي عند قوله: "وكفاية سنة" ، ما يفيد أن المراد بقولهم: جاز دفع الزكاة لمالك النصاب -حيث كان النصاب لا يكفيه لعامه- ما يكفيه إلى الوقت الذي ينال فيه عطية مثلا، وليس المراد حقيقة السنة، وبهذا يعلم أن قوله: وعدم كفاية بقليل لخ، معناه ليس عنده ما يكفيه لوقت ينال فيه عطاء؛ بأن يكون لا شيء له أوله ما لا يكفيه لذلك الوقت والله سبحانه أعلم.
تنبيهات: الأول: قال في المدونة: ومن له دار وخادم لا فضل في ثمنهما عما سواهما أعطي من الزكاة،
وإن كان فيهما فضل لم يعط، ويعطى منها من له أربعون درهما إن كان أهلا لذلك لكثرة عيال ونحوه. أبو الحسن: قوله فيهما فضل، يريد فضل يغنيه لو باعهما واشترى غيرهما،
وقال المغيرة: إن كان يفضل عن ثمنهما عشرون دينارا لم يعط. انتهى. وهذا على أصله من أن مالك النصاب لا يعطى. أبو الحسن: انظر جعله هنا إذا كان له دار وخادم يعطى من الزكاة،
وفي الأيمان: من له دار وخادم عليه أن يكفر ولا يجزئه الصوم، والفرق أن الكفارة حق عليه، وأخذ الزكاة حق له، والغِنَى الراعى: العين وعروض التجارة أو فضلة بينةٌ عن القنية،
فإن كانت له دار وخادم ولا فضلة فيهما أو كان فيهما فضلة يسيرة أعطي من الزكاة،
وإن كانت فضلة بينة لم يعط. انتهى.
وقال في النوادر في آخر كتاب الهبات: ولا بأس أن يعطى من الزكاة من له المسكن والخادم، إلا أن تكون كثيرة الثمن فيه فضل. انتهى.
وفي ابن يونس عن المدونة: قال عمر بن عبد العزيز: لا بأس أن يعطى منها من له الدار والخادم والفرس، أبو الحسن عن بعض أشياخه: هذا في بلد يحتاج فيه للفرس. انتهى. قاله الحطاب. الثاني: قال أبو الحسن الصغير: هل يعطى منها الفقيه إذا كانت له كتب يحتاج إليها، كما يحتاج المجاهد للفرس؟ وهذا الذي يقتضيه النظر. انتهى. نقله الحطاب.
وفي التوضيح: خليل: والظاهر أنه يجوز الإعطاء للفقيه الذي عنده كتب، قياسا على قول عمر، قاله أبو الحسن؛ يعني به أبا الحسن الصغير.
وفي البرزلي في جملة سؤال سأله ابن أبي زيد ما نصه: فلو كانت له كتب فقه قيمتها كثيرة، فقال هذا لا غنى له عنها. البرزلي: كان شيخنا يقول: إن كانت فيه قابلية فيأخذها ولو كثرت كتبه جدا،
وإن لم تكن له قابلية فلا يعطى منها شيئا إلا أن تكون له كتب على قدر فهمه خاصة فتلغى، وهذا كله على القول بجواز بيعها، وعلى المنع فهي كالعدم، وعلى مذهب المدونة من الكراهة، فقال بعض المغاربة: فلا تمنعه من أخذ الزكاة ولا تباع عليه في الدين لأنه مكروه، والشرع لا يجبر على مكروه. البرزلي: ولعلها تجري على تزويج أم ولده في غيبته، وعدم وجود من ينفق عليها. انتهى.
وفي شرح الرسالة للجزولي: الشيخ: وإذا كانت عنده كتب، هل يعطى أو تباع عليه؟
فإن كانت كتب التاريخ تباع عليه،
وإن كانت للطب نظر، فإن كان في البلد طبيب غيره بيعت عليه ولا يعطى من الزكاة،
وإن لم يكن في البلد طبيب لا تباع عليه ويعطى من الزكاة،
وإن كانت للفقه نظر، فإن كان ممن ترجى إمامته أعطي من الزكاة ولا تباع عليه،
وإن كان ممن لا ترجى إمامته تباع على القول بجواز بيعها، وعلى القول بالمنع لا تباع، ويعطى من الزكاة. انتهى.
وقال الثعالبي بعد ذكره كلام أبي الحسن: وَقَدُ اختلف فيه، ذكر الخِلافَ فِيهِ ابن رُشْدٍ، والقياس على من له خادم ودار وفرس أنه يأخذ، وهذا فيمن كانت في عقله فطنة ، وكان مدرسا مفتيا لا يستغني عنها، والأحسن في هذا أن يأخذ،
وأما كتب النحو والأدب فليست مثلها. انتهى. قاله الحطاب. الثالث: تقدم عن البرزلي أن اليتيمة تعطى من الزكاة ما تصرفه في ضروريات النكاح، والأمر الذي يرى القاضي حسنا في حق المحجور، فعلى هذا فمن معها من الأمتعة والحلي ما هو من ضروريات النكاح، تعطى من الزكاة من باب أولى. فتأمله. والله أعلم. قاله الحطاب. الرابع: ما حكم السؤال؟ قال عبد الباقي: هو مكروه. انتهى.
وفي الحديث: (من سأل وله أوقية فقد سأل الناس إلحافا (١) )؛ أي إلحاحا، قال ابن عبد البر: السؤال لمن ملك هذا القدر مكروه، وليس بحرام، والمراد أوقية الفضة؛ وهي أربعون درهما. انتهى.
وقال الأجهوري بعد نقله كلاما لابن عبد البر: فقد استفيد منه أن في سؤال صدقة التطوع قولين بالكراهة والنع،
وفي تبصرة ابن محرز ما ظاهره الحرمة، فإنه قال: أبو الحسن القصار: من كان معه ما يقوم به لأدنى عيش لم يجز له أن يسأل،
وإن لم يكن له شيء فالمسألة له حلال، فقوله: لأدنى عيش،
ظاهره: ولو قل زمنه. انتهى. وهذا الذي ذكرته إنما هو في سؤال ما يحل،
وأما ما لا يحل كسؤال الغني للزكاة فإن سؤاله حرام،
وقال الفاكهاني: -يتعجب ممن قال بكراهة السؤال مطلقا مع وجود السؤال في زمنه صلى الله عليه وسلم ثم السلف الصالح من غير نكيح- فالشارع لا يقر على مكروه. انتهى.
وفي قوله: من غير نكير، نظر ففي الأحاديث الكثيرة الواردة في ذم السؤال كفاية في إنكار ذلك. قاله ابن زكري.
وفي البخاري عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم (٢) )، قال القسطلاني: بل كله عظم، ومزعة بضم الميم أي القطعة من اللحم أو النتفة منه؛ وهي بضم الميم كما علمت وسكون الزاي وفتح العين المهملة، وزاد في القاموس كسر الميم، وحكى ابن التين فتح الميم والزاي،
وفي العارضة: وقد يكون السؤال واجبا أو مندوبا،
فأما الواجب فللمحتاج، وأما المندوب فلمن تُعِينُهُ وَتُبَيِّنُ حاجته إن استحيا هو من ذلك أو رجا أن يكون بيانه أنفع وأنجع من بيان السائل كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل لغيره في أحاديث كثيرة.
وفي الحطاب: ورأيت بخط بعض المغاربة ما صورته، قال بعضهم: الإنسان بالنسبة إلى أخذ الصدقة على قسمين: طالب، وغير طالب، فالطالب لها على قسمين: محتاج وغير محتاج، فالمحتاج يجوز له الأخذ مطلقا، وغير المحتاج يحرم عليه الأخذ مطلقا؛ وأعني بالمطلق سواء كان ما يأخذه من المتصدق واجبا عليه كالزكاة أو تطوعا، وأعني بغير المحتاج من عنده قوت يومه بالنسبة إلى طلب المتطوع، أو قوت سنة بالنسبة إلى طلب الواجب، والمحتاج عكسه، والقسم الثاني وهو غير الطالب لها على قسمين أيضا: محتاج وغير محتاج، فالمحتاج يجوز له الأخذ مطلقا: وغير المحتاج يجوز له الأخذ من التطوع دون الواجب،
وأما قدر المأخوذ لمن يجوز له الأخذ فلا حد له ولا غاية. انتهى ما رأيته وهو حسن إلا أنه غير معزو. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب. قوله: وهو حسن أفاد به أنه مرضي عنده،
ومن تأمل ما مر علم أن هذا يعتمد عليه وأنه صحيح،
إلا أن قوله: وأما قدر المأخوذ لمن يجوز له الأخذ فلا حد له ولا غاية، خاص بصدقة التطوع كما هو ظاهر، ويأتي ما يدل له عند قوله: "وكفاية سنة" ، لكن نقل الحطاب ما يفيد أنه يعطى الفقير من الزكاة ما يزيد على غناه. والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله عنه. وإلا أن قوله أن غير المحتاج حيث لم يكن طالبا يجوز له الأخذ من التطوع، قال فيه علي الأجهوري: ما لم يعلم أو يظن أن الدافع دفع له على ظن صفة ولم يكن متلبسا بها، وانظر إذا شك في ذلك هل يكون الحكم كذلك فيحرم الأخذ أم لا،
وأما الطالب غير المحتاج فإنما حرم عليه الأخذ من صدقة التطوع؛ لأن طلبه مظنة أن الدافع يعتقد أو يظن أنه محتاج. انتهى. قوله: وانظر إذا شك في ذلك لخ، الظاهر جواز الأخذ حينئذ، والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله عنه.
وقال النووي رحمه الله تعالى: اتفق العلماء على النهي عن السؤال من غير ضرورة، قال: واختلف أصحابنا في سؤال القادر على الكسب على وجهين: أحدهما التحريم لظاهر الأحاديث،
والثاني يجوز مع الكراهة بثلاثة شروط: أن لا يُلِحَّ، ولا يذل نفسه زيادة على ذل السؤال، ولا يؤذي المسؤول،
فإن فقد شرط من ذلك حرم. انتهى. واعلم أن ما أتى من غير مسألة ولا استشراف نفس أي تطلعها يسوغ أكله وقبوله،
أما المسألة وما أتى عنها فقد مر حكمهما،
وأما ما لم يأت عن مسألة لكنه استشرفت نفسه إليه، فالذي يفيده كلام الشيخ العارف بالله تعالى ابن عباد رضي الله عنه أنه مكروه، أو خلاف الأولى، فإنه قال رضي الله عنه في شرح الحكم: الاستشراف إلى الناس مذموم وقادح في التوحيد، فلا ينبغي أن يأخذ المريد عطاء على هذا الوجه،
وفي حديث مسلم والبيهقي: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطي عمر رضي الله عنه العطاء، فيقول له عمر: أعطه يا رسول الله من هو أفقر إليه مني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذه فتموله أو تصدق به، وما أتاك من هذا المال وأنت غير مستشرف ولا سائل فخذه،
وما لا فلا تتبعه نفسك (١) ). قال سالم بن عبد الله: فمن أجل ذلك كان عمر لا يسأل الناس شيئا، ولا يرد شيئا أعطيه.
وفي الحديث أيضا: (ما جاءك من غير مسألة ولا إشراف نفس فخذه فإنما هو رزق ساقه الله إليك (٢) ). الإشراف: التعرض للشيء والحرص عليه، قال أبو داود: وسألت عنه أحمد، فقال: هو بالقلب،
وقال يعقوب بن محمد: سألت أحمد عنه، فقال: هو أن يقول في نفسه يبعث إلي فلان بكذا، نقله ابن زكري. وعلم مما مر مصرف صدقة التطوع؛ فهي مباحة لكل أحد من غير طلب إن لم تكن على صفة مفقودة في المتصدق عليه حيث لم يكن محتاجا: ومع الطلب تجوز للمحتاج ولا تجوز لغير المحتاج، وقد مر حديث: (من سأل وله أوقية فقد سأل الناس إلحافا (٣) )، قال ابن عبد البر: المراد أوقية من الفضة لأن الأوقية إذا أطلقت فإنما يراد بها الفضة دون غيرها، والأوقية أربعون درهما،
فمن سأل وله هذا القدر من الفضة أو ما يقوم مقامه فهو مُلْحِفٌ، والإلحاف في كلام الرب الإلحاح باتفاق جميع أهل اللغة، والإلحاح على غير الله مذموم؛ لأنه قد مدح الله بضده، فقال: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} ، والسؤال لمن ملك هذا القدر مكروه وليس بحرام،
وأما ما يحرم فيحرم الإلحاح فيه وغير الإلحاح والتعرض له، وما جاء من غير مسألة فله أكله إن كان من غير الزكاة بلا خلاف؛ لأنه يجوز أكل الصدقة غير الزكاة للغني والفقير، وقد جاء في الحديث: (أعطوا السائل وإن جاء على فرس (١) )،
وقال في محل آخر: إن صدقة التطوع غير محرمة على أحد غير من ذكرنا، إلا أن التنزه عنها أحسن وقبولها من غير مسألة لا بأس به، ومسألتها غير جائزة إلا لمن لا يجد. انتهى.
ويجوز أن يعطى في صدقة التطوع لأحد ما يقوم بعيشه إلى آخر عمره،
وفي الموطإ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أرسل إلى عمر رضي الله عنه بعطاء فرده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم رددته؟ فقال: يا رسول الله أليس قد أخبرتنا أن خيرا لأحدنا أن لا يأخذ من أحد شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك عن المسألة،
وأما ما كان من غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله، فقال عمر رضي الله عنه: والذي بعثك بالحق نبيئا لا أسأل أحدا شيئًا ولا يأتيني من غير مسألة إلا أخذته (٢) ). وروى الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (ما الذي يعطي من سعة بأعظم أجرا من الذي يقبل إذا كان محتاجا (٣) ). الخامس: في الحديث: الصدقة لا تحل لغني يريد المفروضة، والمعروف من مذهب مالك أنه لا يحد في الغني حدا لا يتجاوز إلا على قدر الاجتهاد المعروف من أحوال الناس.
نقله ابن زكري. قال: وإلى عدم التحديد في الغنى ذهب الشافعي وغيره من أهل العلم. انتهى. السادس: اعلم أن للسائل حقا فلا ينبغي رده، ولا سيما وقد ورد في فضل الصدقة ما ورد، فقد روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه جاءه سائل، فقال له ابن عباس: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فتصوم وتصلي؟ قال: نعم، قال: سألت وللسائل حق، إنه لحق علينا أن نصلك فأعطاه ثوبا،
وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من مسلم يكسو مسلما ثوبا إلا كان في حفظ الله تعالى ما دام عليه منه خرقة (٤) )، وروى إمامنا مالك والشيخان والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما تصدق أحد بصدقة من طيب -ولا يقبل الله إلا طيبا- إلا أخذها الرحمن بيمينه،
وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فَلُوه أو فصيله )، قوله: فتربوا؛ أي تكبر، وكف الرحمن هنا كناية عن محل قبول الصدقة [الذي ] توضع فيه، وإلا فلا كف لله تعالى ولا جارحة، تعالى الله عما يقول الظالمون والمجسمون علوا كبيرا، والفلو المهر أول ما يولد، والفصيل ولد الناقة أول ما يفصل من أمه. قاله في التيسير. وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينا رجل في فلاة من الأرض إذ سمع صوتا في سحابة: اسق حديقة فلان فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه حرة،
فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء فتبع الماء،
فإذا رجل قائم في حديقة يحول الماء بمسحاته، فقال له يا عبد الله: ما اسمك؟ قال: فلان، الاسم الذي سمع في السحابة، فقال له يا عبد الله لم سألتني عن اسمي؟ قال: سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان لاسمك، فما تصنع فيها؟
قال: أما إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثه، وأرد فيها ثلثه (٣) ). الحرة بفتح الحاء: الأرض ذات الحجارة السود، والشرجة واحدة الشراج وهي مسائل الماء إلى السهل من الأرض، والمسحاة: المجرفة من الحديد. وروى النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبق درهم مائة ألف درهم، قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟
قال: كان لرجل درهمان فتصدق بأحدهما، وانطلق الآخر إلى عُرْض ماله وأخرج منه مائة ألف درهم فتصدق بها (٤) ). وروى الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد رضي الله عنه أن أعرابيا، قال: يا رسول الله أخبرني عن الهجرة، قال: (ويحك إن شأنها شديد، فهل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فهل تمنح منها؟ قال: نعم، قال: فتحلُبها يوم ورودها؟ قال: نعم، قال: فاعمل من وراء البحار فإن الله لن يترك من عملك شيئا (٥) )، وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء (١) )، وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان من السماء، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا (٢) )،
وفي أخرى يقول الله تعالى: (يا ابن آدم أَنفق أُنفق عليك (٣) )، وروى النسائي عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد ينفق من كل مال له زوجين في سبيل الله إلا استقبلته صحبة الجنة كلهم يدعوه إلى ما عنده، قيل: وكيف ذاك؟ قال: إن كان إبلا فبعيرين وإن كان بقرا فبقرتين (٤) )، وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دينارا أنفقته في سبيل الله، ودينارا تنفقه في رقبة، ودينارا تصدقت به على مسكين، ودينارا تصدقت به على أهلك (٥) )، وروى الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة (٦) )، وأخرج رزين عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تصدقوا فيوشك الرجل أن يمشي بصدقته، فيقول الذي يعطاها: لو جئت بها بالأمس قبلتها،
فأما الآن فلا حاجة لي فيها فلا يجد من يقبلها منه (٧) )، وروى الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب فلا يجد أحدا يأخذها منه، ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به من قلة الرجال وكثرة النساء (٨) ).
وفي صحيح البخاري أنه صلى الله عليه وسلم، قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عَدْلٌ، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه (١) ). قوله: سبعة يشمل النساء فيما يمكن أن يدخلن فيه شرعا، فلا يدخلن في الإمامة العظمى ولا في ملازمة المسجد؛
لأن صلاتهن في بيوتهن أفضل، وقوله: في ظله إضافة الظل إليه سبحانه إضافة تشريف، كناقة الله: والله تعالى منزه عن الظل؛ إذ هو من خواص الأجسام، والمراد ظل عرشه كما في حديث سلمان عند سعيد بن منصور بإسناد حسن، وقوله: يوم لا ظل إلا ظله؛ أي يوم القيامة، وقوله: عدل، بسكون الدال هو الذي يضع الشيء في محله، يقال: رجل عدل ورجال عدل وامرأة عدل، أو العدل الجامع للكمالات الثلاثة: الحكمة والشجاعة والفقه؛
أو العدل المطيع لأحكام الله، والمراد به من له نظر في شيء من أمور المسلمين من الولاة والحكام، ولابن عساكر: إمام عادل اسم فاعل،
وفي حديث سلمان: (أفنى شبابه ونشاطه في عبادة الله تعالى (٢) )، وقوله: تحابا في الله أي لا لغرض دنيوي، وقوله: اجتمعا عليه؛ أي على الحب في الله أي لم يقطعهما عارض دنيوي، سواء اجتمعا حقيقة أم لا، وقوله: وتفرقا عليه؛ أي لم يزالا على ذلك حتى فرقهما الموت. والله سبحانه أعلم. وقوله: منصب بكسر الصاد أي صاحبة نسب شريف، وقوله: دعته أي إلى نفسها للزنى كما يدل عليه السياق، وقوله: فقال، أي بقلبه أو لسانه ليزجر نفسه، وقوله بصدقة أي تطوعا وقوله: فأخفاها حتى لا تعلم لخ؛
أي لو قدرت الشمال رجلا متيقظا لما علم صدقة اليمين للمبالغة في الإخفاء، وصور بعضهم إخفاء الصدقة، بأن يتصدق على الضعيف في صورة المشتري منه، فيدفع له مثلا درهما فيما يساوي نصف درهم، فالصورة مبايعة والحقيقة صدقة، وقوله: ففاضت عيناه. أسند: الفيض إلى العين مع أن الفائض هو الدمع لا العين، مبالغة لأنه يدل على أن العين صارت دمعا، ونظم العلامة أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل السبعة المذكورة،
فقال: وقال النبي المصطفى إن سبعة … يظلهم الله الكريم بظله محب عفيف ناشئ متصدق … وباك مصل والإمام بعدله وزيد ثامن؛ وهو رجل كان في سرية مع قوم بلغوا العدو فانكشفوا فحمى آثارهم،
وفي لفظ أدبارهم حتى نجوا ونجا أو استشهد، وتاسع، وهو رجل تعلم القرآن في صغره فهو يتلوه في كبره، وعاشر وحادي عشر، وهما رجل يراعي الشمس لمواقيت الصلاة، ورجل إن تكلم تكلم بعلم وإن سكت سكت عن حلم، وثاني عشر: رجل تاجر اشترى وباع فلم يقل إلا حقا، وثالث عشر ورابع عشر: من أنظر معسرا أو وضع له، وخامس عشر: أو ترك لغارم، وسادس عشر: من أنظر معسرا أو تصدق عليه، وسابع عشر: أو أعان خُرِقا؛
أي الذي لا صنعة له ولا يقدر أن يتعلم صنعة، وثامن عشر وتاسع عشر والعشرون: من أَعان مجاهدا في سبيل الله، أو غارما في عسرته، أو مكاتبا في رقبته، الحادي والعشرون: من أظل رأس غاز،
والثاني والثالث والرابع والعشرون: الوضوء على المكاره، والمشي إلى المساجد في الظلم، وإطعام الجائع؛ ومعنى الوضوء على المكاره أن يكره نفسه على الوضوء كما في شدهّ البرد، والخامس والعشرون: من أطعم الجائع حتى يشبع، والسادس والعشرون أن سيد التجار رجل لزم التجارة التي دل الله عز وجل عليها من الإيمان بالله ورسوله وجهاد في سبيله،
فمن لزم البيع والشراء فلا يذم إذا اشترى ولا يمدح إذا باع، وليصدق الحديث ويود الأمانة، ولا يتمنى للمؤمنين الغلاء،
فإذا كان كذلك كان أحد الذين في ظل العرش، وسنده ضعيف. والسابع والعشرون: أوحى الله تعالى إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام: يا خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار،
وإن كلمتي سبقت لمن حسّن خلقه أن أظله تحت عرشي، وأسقيه من حظيرة قدسي، وأدنيه من جواري. والثامن والتاسع والعشرون: من كفل يتيما أو أرملة، الثلاثون والحادي والثاني والثلاثون: أتدرون من السابق إلى ظل الله يوم القيامة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (الذين إذا أعطوا الحق قبلوه،
وإذا سُئِلوه بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم ).
وفي سنده، ابن لهيعة: والثالث والثلاثون: وصل على الجنائز لعل ذلك يحزنك،
فإن الحزين في ظل الله، والرابع والثلاثون: الوالي العادل ظِلُّ الله،
فمن نصحه في نفسه وفي عباد الله أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، والخامس والثلاثون: من أراد أن يظله الله بظله فلا يكن على المؤمنين غليظا وليكن بالمؤمنين رحيما، والسادس والثلاثون: من يصبر عند الثكل، والسابع والثامن والثلاثون: عن فضيل ابن عياض، قال: بلغني أن موسى قال: أي رب، من يظل تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك؟ قال: يا موسى الذين يعودون المرضى، ويشيعون الهلكى، والتاسع والثلاثون: شيعة علي ومحبوه: وهو حديث ضعيف، والأربعون: والحادي والثاني والأربعون: عن أبي الدرداء أن موسى قال: يا رب من يساكنك في حظيرة القدس.
ومن يستظل بظلك يوم لا ظل إلا ظلك؟ قال: أولئك الذين لا ينظرون بأعينهم الزنى، ولا يبتغون في أموالهم الربا: ولا يأخذون على أحكامهم الرشا،
والثالث والرابع والخامس والأربعون: رجل لم تأخذه في الله لومة لائم، ورجل لم يمد يده إلى ما لا يحل له، ورجل لم ينظر إلى ما حرم عليه وفيه عنبسة وهو متروك، والسادس والأربعون: من قرأ إذا صلى الغداة ثلاث آيات من سورة الأنعام إلى: {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} وهو ضعيف، والسابع والثامن والتاسع والأربعون: واصل الرحم وامرأة مات زوجها وترك عليها أيتاما صغارا، فقالت: لا أتزوج على أيتامي حتى يموتوا أو يغنيهم الله، وعبد صنع طعاما فأطاب صنعته وأحسن بضعته ودعا عليه اليتيم والمسكين فأطعمهم لوجه الله، والخمسون والحادي والخمسون: رجل حيث توجه علم أن الله معه، ورجل يحب الناس لجلال الله وفيه متروك،
والثاني والخمسون: المؤذن في ظل رحمة الله حتى يفرغ من أذانه وفيه متهم بوضعه،
والثالث والرابع والخامس والخمسون: من فرج عن مكروب من أمتي، وأحيا سنتي، وأكثر الصلاة علي، والسادس والسابع والثامن والخمسون: حملة القرآن في ظل الله مع أنبيائه وأصفيائه، والتاسع والخمسون: المريض، والستون: أهل الجوع في الدنيا، والحادي والستون، الصائمون،
والثاني والستون: من صام من رجب ثلاثة عشر يوما وهو شديد الوهاء،
والثالث والستون: من صلى ركعتين بعد ركعتي المغرب قرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد خمس عشرة مرة؛ وهو منكر، والرابع والستون: أطفال المؤمنين. والخامس والستون: ابن الرجل الذي مات ابنه،
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أما ترضى أن يكون ابنك مع ابني إبراهيم يلاعبه تحت ظل العرش) ؟، والسادس والستون: من ذكر بلسانه وقلبه، والسابع والثامن والتاسع والستون: رجل لا يعق والديه، ولا يمشي بالنميمة، ولا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله. انظر القسطلاني ). السابع: روى رزين عن علي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بادروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها (٢) )، وروى الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم أنه، قال: (لما خلق الله الأرض جعلت تميد وتتكفأ، فأرساها بالجبال فاستقرت، فتعجبت الملائكة عليهم السلام من شدة الجبال، فقالت: ربنا هل خلقت خلقا أشد من الجبال؟
قال: نعم الحديد، قالوا: فهل خلقت خلقا أشد من الحديد؟ قال: نعم النار، قالوا: فهل خلقت خلقا أشد من النار؟ قال: نعم الماء، قالوا: فهل خلقت خلقا أشد من الماء، قال: نعم الريح، قالوا: فهل خلقت خلقا أشد من الريح؟ قال: نعم ابن آدم إذا تصدق بيمينه فأخفاها عن شماله (٣) ). ولله در الجزائري حيث يقول: فاعجب لقدرة مولانا التي بهرت … إذ زاد ما في الهوى ثقلا على ثقل وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة: اليد العليا خير من اليد السفلى، والعليا هي النفقة والسفلى هي السائلة (٤) )، رواه في التيسير عن الستة إلا الترمذي، ومراده بالستة: الشيخان مسلم والبخاري، وإمامنا مالك رحمه الله وأصحاب السنن: أبو داود والترمذي والنسائي.
وروى الشيخان والنسائي عن عدي بن حاتم رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا النار ولو بشق تمرة (١) )،
وفي رواية: (من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تعغ فليفعل (٢) )، وروى الخطيب عن أبي هريرة رضي الله عنه: (لو مرت الصدقة على يد مائة لكان لهم من الأجر مثل أجر المبتدئ من غير أن ينقص من أجره شيئا (٣) )، رواه في الجامع الصغير، وروى أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قيل يا رسول الله: (أي الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل وابدأ بمن تعول (٤) )، الجهد بالضم الطاقة، والمقل: الذي له مال قليل؛
فهو يعطي بقدر ماله، وروى أبو داود أن سعد بن عبادة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (أي الصدقة أعجب إليك؟ قال: الماء (٥) )، وروى إمامنا مالك عن زيد بن أسلم رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعطوا السائل ولو جاء على فرس (٦) )، ولأبي داود عن علي رضي الله عنه: (للسائل حق ولو جاء على فرس (٧) )، وأخرج مالك ومسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، ولا تواضع عبد لله إلا رفعه الله (٨) ).
وروى أبو داود والنسائي عن عوف بن مالك رضي الله عنه، قال: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوما وبيده عصا فقد علق رجل قِنْوَ حَشَفٍ، فجعل يطعن فيه ويقول: لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب من هذا إن رب هذه الصدقة يأكل حشفا يوم القيامة (٩) )، القنو: العذق بما فيه من الرطب، وروى البخاري ومسلم والنسائي عن جرير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (ليتصدق الرجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره … حتى
قال: ولو بشق تمرة، فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من ثياب وطعام، حتى تهلل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء،
ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ). وروى الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال رجل: لأتصدقن الليلة بصدقة، فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق، فقال: اللهم لك الحمد على سارق لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على سارق وزانية، لأتصدقن بصدقة فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني، فقال: اللهم لك الحمد على سارق وزانية وغني،
فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت،
أما السارق فلعله أن يستعف عن سرقته،
وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها،
وأما الغني فلعله أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله تعالى (٢) ). انتهى. وهذه الأحاديث في التيسير، وفيه عنه صلى الله عليه وسلم: (خير الصدقة ما كان على ظهر غنى وابدأ بمن تعول (٣) )، رواه البخاري وأبو داود والنسائي. الثامن: اعلم أنه لا ينبغي لك أن تنفق ما بيدك وتبقى تتكفف الناس،
فإن ذلك مذموم، فقد روى أبو داود والنسائي عن أبي سعيد رضي الله عنه (أن رجلا دخل المسجد بهيئة بذة -والنبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالصدقة- فتصدق فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ثوبين، ثم قال: تصدقوا فطرح الرجل أحد [ثوبيه (٤) ]، فقال صلى الله عليه وسلم: أترون إلى هذا الذي رأيته بهيئة بذة فأعطيته ثوبين ثم قلت تصدقوا فطرح أحد ثوبيه خذ ثوبك وانتهره )، وروى أبو داود عن جابر رضي الله عنه، قال: (جاء رجل بمثل بيضة من ذهب، فقال: يا رسول الله أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها، فأعرض عنه فأتاه من قبل ركنه الأيمن، فقال مثل ذلك، فأعرض عنه فأتاه من قبل ركنه الأيسر، فقال مثل ذلك فأعرض عنه، فأتاه من قبل خلفه فقال مثل ذلك، فأخذها صلى الله عليه وسلم فخذفه بها
فلو أصابته لأوجعته، وقال: (يأتي أحدكم بجميع ما يملك، فيقول: هذه صدقة، ثم يقعد يتكفف الناس، خير الصدقة ما كان على ظهر غنى (١) ) يتكفف الناس: يسألهم ويطلب منهم ما يأخذ ببطن كفه، وروى النسائي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الصدقة على المسكين صدقة: وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة (٢) ).
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.