وبكنيف نحى ذكر الله
الشروح عليها
(وَبِكَنِيفٍ) أَيْ عِنْدَ إرَادَةِ دُخُولِهِ (نَحَّى) أَيْ بَعُدَ (ذِكْرَ اللَّهِ) نَدْبًا فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ وَكُرِهَ لَهُ الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ كَدُخُولِهِ بِوَرَقَةٍ أَوْ دِرْهَمٍ أَوْ خَاتَمٍ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُنْ مَسْتُورًا أَوْ خَافَ عَلَيْهِ الضَّيَاعَ وَإِلَّا جَازَ، وَوُجُوبًا فِي الْقُرْآنِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهُ فِيهِ مُطْلَقًا قَبْلَ خُرُوجِ الْحَدَثِ أَوْ حِينَهُ أَوْ بَعْدَهُ
وَكَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ دُخُولُهُ بِمُصْحَفٍ كَامِلٍ أَوْ بَعْضِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَالٌ فِيمَا يَظْهَرُ كَمَسِّهِ لِلْمُحْدِثِ إلَّا لِخَوْفِ ضَيَاعٍ أَوْ ارْتِيَاعٍ فَيَجُوزُ وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ بِكَنِيفٍ بَلْ غَيْرُهُ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ حُرْمَةَ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِهِ مُقَيَّدَةٌ بِحَالِ خُرُوجِ الْحَدَثِ
وَكَذَا بَعْدَهُ حَالَ الِاسْتِنْجَاءِ عَلَى التَّحْقِيقِ
وَكَذَا بَعْدَ ذَلِكَ بِالْمَكَانِ الَّذِي قَضَى فِيهِ وَلَيْسَ بِمُعَدٍّ
وَيُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِيَدٍ فِيهَا خَاتَمٌ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ أَوْ اسْمُ نَبِيٍّ وَقِيلَ يُمْنَعُ
(قَوْلُهُ: أَيْ عِنْدَ إرَادَةِ دُخُولِهِ) الْأَوْلَى حَذْفُ إرَادَةِ؛ لِأَنَّ التَّنَحِّيَ عَنْ الذِّكْرِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ الدُّخُولِ بِالْفِعْلِ
(قَوْلُهُ: وَكُرِهَ لَهُ الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ) أَيْ فِي الْكَنِيفِ قَبْلَ خُرُوجِ الْحَدَثِ أَوْ حِينَ خُرُوجِهِ أَوْ بَعْدَهُ
وَكَذَا يُكْرَهُ الذِّكْرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الطُّرُقِ وَفِي الْمَوَاضِعِ الْمُسْتَقْذَرَةِ وَاحْتَرَزَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ بِاللِّسَانِ عَنْ الذِّكْرِ بِقَلْبِهِ وَهُوَ فِي الْكَنِيفِ، فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ إجْمَاعًا
(قَوْلُهُ: كَدُخُولِهِ بِوَرَقَةٍ) هَذَا تَشْبِيهٌ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ الْكَرَاهَةُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِجَوَازِ دُخُولِهِ بِمَا ذُكِرَ
(قَوْلُهُ: فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ) رَاجِعٌ لِلْوَرَقَةِ وَالدِّرْهَمِ وَالْخَاتَمِ وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ بَلْ مِثْلُهُ إذَا كَانَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالتَّوْضِيحِ وَبَهْرَامَ مِنْ الْحُرْمَةِ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ كَمَا قَالَهُ ح وَتَبِعَهُ عج
(قَوْلُهُ: أَوْ خَافَ عَلَيْهِ الضَّيَاعَ) الْأَوْلَى وَخَافَ بِالْوَاوِ؛ لِأَنَّ جَوَازَ الدُّخُولِ بِمَا ذُكِرَ مُقَيَّدٌ بِأَمْرَيْنِ وَلَا يَكْفِي أَحَدُهُمَا
(قَوْلُهُ: وَوُجُوبًا فِي الْقُرْآنِ) أَيْ قِرَاءَةً وَكَتْبًا كَمَا فِي عبق فَقَوْلُ الشَّارِحِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهُ فِيهِ وَكَذَا كَتْبُهُ
(قَوْلُهُ: فِيمَا يَظْهَرُ) مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ مَنْعِ دُخُولِ الْكَنِيفِ بِمَا فِيهِ قُرْآنٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ كَامِلًا أَوْ كَانَ بَعْضَهُ كَانَ لِذَلِكَ الْبَعْضِ بَالٌ أَوْ لَا تَبِعَ فِيهِ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ وَالتَّوْضِيحَ وَقَدْ رَدَّهُ ح وعج وَقَالَا: إنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَاسْتَظْهَرَ الْأَوَّلُ كَرَاهَةَ دُخُولِ الْكَنِيفِ بِمَا فِيهِ قُرْآنٌ وَأَطْلَقَ فِي الْكَرَاهَةِ فَظَاهِرُهُ كَانَ كَامِلًا أَوْ بَعْضًا وَاسْتَظْهَرَ الثَّانِي التَّحْرِيمَ فِي الْكَامِلِ وَمَا قَارَبَهُ وَالْكَرَاهَةَ فِي غَيْرِ ذِي الْبَالِ كَالْآيَاتِ وَاعْتَمَدَ هَذَا الْأَشْيَاخُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي المج
(قَوْلُهُ: كَمَسِّهِ لِلْمُحْدِثِ) أَيْ كَمَا يَحْرُمُ مَسُّ الْمُصْحَفِ الْكَامِلِ أَوْ بَعْضِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَالٌ لِلْمُحْدِثِ وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ هَذَا قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ؛ لِأَنَّ الْمُحْدِثَ قَامَ بِهِ وَصْفٌ مَنَعَهُ مِنْ الْمَسِّ وَلَا كَذَلِكَ مَنْ فِي الْخَلَاءِ حَيْثُ لَمْ يُحْدِثْ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: إلَّا لِخَوْفِ ضَيَاعٍ إلَخْ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ
وَكَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ دُخُولُهُ بِمُصْحَفٍ إلَخْ قَوْلُهُ: أَوْ ارْتِيَاعٌ) أَيْ فَزَعٌ مِنْ جِنٍّ
(قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ) أَيْ مَعَ سَاتِرٍ لَهُ يُكِنُّهُ مِنْ وُصُولِ الرَّائِحَةِ إلَيْهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجَيْبَ لَا يَكْفِي؛ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ مُتَّسِعٌ كَمَا قَالَهُ طفى فِي أَجْوِبَتِهِ وَعُلِمَ مِمَّا قُلْنَاهُ أَنَّ جَوَازَ الدُّخُولِ بِالْمُصْحَفِ مُقَيَّدٌ بِأَمْرَيْنِ: الْخَوْفِ وَالسَّاتِرِ فَأَحَدُهُمَا لَا يَكْفِي خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الشَّارِحِ تَبَعًا لعبق
(قَوْلُهُ: بَلْ غَيْرُهُ) أَيْ مِثْلُ الْفَضَاءِ كَذَلِكَ فَإِذَا جَلَسَ فِي الْفَضَاءِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ نَحَّى ذِكْرَ اللَّهِ فِيهِ نَدْبًا فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ وَوُجُوبًا فِي الْقُرْآنِ
(قَوْلُهُ: بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّ حُرْمَةَ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِهِ مُقَيَّدَةٌ إلَخْ) أَيْ.
وَأَمَّا فِيهِ فَمُطْلَقَةٌ فَالْقِرَاءَةُ فِيهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْحَدَثِ حَرَامٌ،
وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَلَا تَحْرُمُ.
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ إلَخْ) هَذَا الْقَوْلُ قَدْ رَجَّحَهُ ح وَقَوْلُهُ: أَوْ اسْمُ نَبِيٍّ أَيْ مَقْرُونٌ بِمَا يُعَيِّنُهُ كَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا مُجَرَّدُ الِاشْتِرَاكِ
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ يُمْنَعُ) هُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ
قَالَ فِي الْمَدْخَلِ وَمَا رُوِيَ مِنْ الْجَوَازِ عَنْ مَالِكٍ فَرِوَايَةٌ مُنْكَرَةٌ حَاشَاهُ أَنْ يَقُولَ بِذَلِكَ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ لَا تَصِلُ لِلْخَاتَمِ وَإِلَّا مُنِعَ اتِّفَاقًا.
ص (وَبِكَنِيفٍ نَحَّى ذِكْرَ اللَّهِ) ش: تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ (وَالْكَنِيفُ) بِفَتْحِ الْكَافِ مَوْضِعُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَيُسَمَّى الْمُذْهَبَ وَالْمِرْفَقَ وَالْمِرْحَاضَ قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَفِي النِّهَايَةِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ وَجَدْنَا مَرَافِقَهُمْ قَدْ اُسْتُقْبِلَ بِهَا الْقِبْلَةَ يُرِيدُ الْكُنُفَ وَالْحُشُوشَ وَاحِدُهَا مِرْفَقٌ بِالْكَسْرِ وَفِي الصِّحَاحِ (الْمِرْفَقُ) وَالْمِرْفَقُ مَعًا بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَبِالْكَسْرِ هُوَ مَا ارْتَفَقْت بِهِ مِنْ الْأَمْرِ وَانْتَفَعْت بِهِ ثُمَّ، قَالَ: وَمَرَافِقُ الدَّارِ مَصَابُّ الْمَاءِ وَنَحْوِهَا.
انْتَهَى، وَرَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِهِمْ فِي حَاشِيَةِ الصِّحَاحِ أَنَّ الْمِرْفَقَ مِنْ مَرَافِقِ الدَّارِ مَفْتُوحُ الْمِيمِ وَالْفَاءِ قَالَ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ أَهْلُ الدَّارِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي مُقَدَّمَةِ فَتْحِ الْبَارِي (الْمَرَاحِيضُ) جَمْعُ مِرْحَاضٍ وَهُوَ بَيْتُ الْخَلَاءِ مَأْخُوذٌ مِنْ الرَّحْضِ وَهُوَ الْغَسْلُ. انْتَهَى،
وَفِي الصِّحَاحِ رَحَضْت يَدِي وَثَوْبِي أَرْحَضُهُ رَحْضًا غَسَلْتُهُ، وَالثَّوْبُ رَحِيضٌ وَمَرْحُوضٌ وَالْمِرْحَاضُ خَشَبَةٌ يُضْرَبُ بِهَا الثَّوْبُ إذَا غُسِلَ وَالْمِرْحَاضُ الْمُغْتَسَلُ. انْتَهَى، وَزَادَ فِي الْمُحْكَمِ وَالْمِرْحَاضُ الْمُغْتَسَلُ وَمِنْهُ قِيلَ لِمَوْضِعِ الْخَلَاءِ: الْمِرْحَاضُ. انْتَهَى. وَيُقَالُ لَهُ: الْحُشُّ،
قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: الْحُشُوشُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِهَا وَشِينَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ الْمَرَاحِيضُ وَالْكُنُفُ وَأَصْلُهَا مِنْ الْحَشِّ، قَالَ: وَهُوَ النَّخْلُ الْمُجْتَمِعُ يُقَالُ هُنَا بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِهَا وَكَانُوا يَسْتَتِرُونَ بِهَا عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ أَوْ مِنْ الْحَشِّ بِالْفَتْحِ وَهُوَ الدُّبُرُ؛ لِأَنَّهُ يَكْتَنِفُ الْكُنُفَ وَيَتَبَرَّزُ مِنْهُ فِيهَا انْتَهَى.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد «أَنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْخَلَاءَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ» وَمَعْنَى مُحْتَضَرَةٍ أَيْ تَحْضُرُهَا الشَّيَاطِينُ وَقَوْلُ الْقَاضِي عِيَاضٍ: إنَّ (الْحَشَّ) إذَا كَانَ مَعْنَاهُ الدَّبَرَ بِالْفَتْحِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُقَالُ بِالضَّمِّ،
وَفِي الصِّحَاحِ وَالْحَشُّ يَعْنِي بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ الْمَخْرَجُ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْضُونَ حَوَائِجَهُمْ فِي الْبَسَاتِينِ،
وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ: الْمِحَشَّةُ الدُّبُرُ،
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْحُشُوشُ مَوْضِعُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، الْوَاحِدُ حَشٌّ بِالْفَتْحِ وَأَصْلُهُ مِنْ الْبُسْتَانِ، وَيُقَالُ لِمَوْضِعِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ الْخَلَاءُ بِالْمَدِّ وَأَصْلُهُ الْمَكَانُ الْخَالِي ثُمَّ نُقِلَ إلَى مَوْضِعِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ.
قَالَ الدَّمِيرِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: قَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ: سُمِّيَ بِذَلِكَ بِاسْمِ شَيْطَانٍ فِيهِ، يُقَالُ لَهُ: خَلَاءٌ، وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثًا
وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يَتَخَلَّى فِيهِ أَيْ يَتَبَرَّزُ وَجَمْعُهُ أَخْلِيَةٌ، وَيُقَالُ لَهُ: الْكِرْيَاسُ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ،
وَفِي الصِّحَاحِ الْكِرْيَاسُ الْكَنِيفُ فِي أَعْلَى السَّطْحِ،
وَقَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ وَمَا يُدْرَى مَا يُصْنَعُ بِهَذِهِ الْكَرَائِسِ، وَالْكَرَائِسُ الْمَرَاحِيضُ تَكُونُ عَلَى السُّطُوحِ
وَأَمَّا مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ لَا عَلَى سَطْحٍ فَإِنَّمَا هُوَ كَنِيفٌ. انْتَهَى
وَأَمَّا (الْكَرَابِسُ) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ فَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: هِيَ ثِيَابٌ خَشِنَةٌ وَاحِدُهَا كِرْبَاسُ، قَالَ: وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْكَرَابِيسُ جَمْعُ كِرْبَاسَ وَهُوَ الْقُطْنُ وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ عَلَيْهِ قَمِيصٌ مِنْ كَرَابِيسَ،
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَصْبَحَ وَقَدْ اعْتَمَّ بِعِمَامَةٍ مِنْ كَرَابِيسَ سَوْدَاءَ انْتَهَى،
وَأَمَّا الْبَرَازُ فَإِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى الْفَضَاءِ،
وَفِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ كَانَ إذَا أَرَادَ الْبَرَازَ بَعُدَ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ فِي النِّهَايَةِ (الْبَرَازُ) بِالْفَتْحِ اسْمٌ لِلْفَضَاءِ الْوَاسِعِ فَكَنَّوْا بِهِ عَنْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ كَمَا كَنَّوْا عَنْهُ بِالْخَلَاءِ انْتَهَى وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ عَنْ الثَّلَاثِ: الْبَرَازَ فِي الْمَوْرِدِ وَالظِّلِّ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ
قَالَ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْبَرَازُ هَاهُنَا مَفْتُوحٌ وَهُوَ الْفَضَاءُ الْوَاسِعُ.
وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ يَقُولُونَهُ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّهُ بِالْكَسْرِ مَصْدَرٌ مِنْ الْمُبَارِزَةِ فِي الْحَرْبِ قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ بَعْضُ مَنْ صَنَّفَ فِي أَلْفَاظِ الْمُهَذَّبِ: إنَّهُ بِالْكَسْرِ لَا بِالْفَتْحِ؛ لِأَنَّهُ بِالْكَسْرِ كِنَايَةٌ عَنْ ثِقَلِ الْغِذَاءِ وَهُوَ الْمُرَادُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ هُوَ الظَّاهِرُ وَالصَّوَابُ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ: الْبِرَازُ بِالْكَسْرِ ثِقَلُ الْغِذَاءِ وَهُوَ الْغَائِطُ، وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَلَيْهِ فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْمَعْنَى عَلَيْهِ ظَاهِرٌ وَلَا يَظْهَرُ مَعْنَى الْفَضَاءِ الْوَاسِعِ هُنَا إلَّا بِكُلْفَةٍ فَإِذَا لَمْ تَكُنْ الرُّوَاةُ عَلَيْهِ لَمْ يُصَرْ إلَيْهِ انْتَهَى (قُلْت)
بِخِلَافِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْفَتْحُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي النِّهَايَةِ
(وَبِكَنِيفٍ نَحَّى ذِكْرَ اللَّهِ) الْحَاوِي: قَاضِي الْحَاجَةِ نَحَّى اسْمَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجُزُولِيُّ: مِنْ آدَابِ الْحَدَثِ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْخَلَاءَ بِمَا فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى إكْرَامًا لَهُ كَالدِّرْهَمِ وَالْخَاتَمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُعَامَلَ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِالدِّرْهَمِ عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ اسْمُ اللَّهِ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ بِهِ. سَنَدٌ: جَوَّزَ مَالِكٌ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ وَمَعَهُ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ اسْمُ اللَّهِ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيِّ: وَاخْتُلِفَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِخَاتَمٍ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ، فَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَاخْتُلِفَ فِي اسْتِنْجَائِهِ بِشِمَالٍ بِهَا خَاتَمٌ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ، وَقَبَّحَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ:" إنِّي لَأَفْعَلُهُ ".
(ص) وَبِكَنِيفٍ نُحِّيَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقْدِيمُ يُسْرَاهُ دُخُولًا وَيُمْنَاهُ خُرُوجًا عَكْسُ مَسْجِدٍ وَالْمَنْزِلُ يُمْنَاهُ بِهِمَا (ش) يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ إرَادَةِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ أَنْ يُنَحِّيَ أَيْ يُبْعِدَ ذِكْرَ اللَّهِ الْكَائِنَ مَعَهُ بِوَرَقَةٍ أَوْ دِرْهَمٍ أَوْ خَاتَمٍ إنْ أَمْكَنَ
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مَسْتُورًا وَقَيَّدَ ذَلِكَ الْقُرْطُبِيُّ بِغَيْرِ الْمَسْتُورِ وَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ وَحَرَزَ بِسَاتِرِ مَا يُوَافِقُهُ وَمِنْ الْآدَابِ تَقْدِيمُ يُسْرَاهُ عِنْدَ الدُّخُولِ لِلْكَنِيفِ وَيُمْنَاهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ تَكْرِيمًا لَهَا وَمِثْلُ الْكَنِيفِ الْمَكَانُ الدَّنِيءُ كَالْحَمَّامِ وَمَوَاضِعِ الظُّلْمِ
بِخِلَافِ الْمَسْجِدِ فَيُقَدِّمُ الْيُمْنَى فِي الدُّخُولِ وَالْيُسْرَى فِي الْخُرُوجِ إلَّا أَنَّهُ يَضَعُ يُسْرَاهُ عَلَى ظَاهِرِ نَعْلِهِ لِيَلْبَسَ الْيُمْنَى قَبْلَهَا وَفِي الدُّخُولِ يَخْلَعُ يُسْرَاهُ قَبْلَ يُمْنَاهُ وَيَضَعَهَا عَلَى ظَاهِرِ نَعْلِهِ لِتَسْتَمْتِعَ يُمْنَاهُ بِاللُّبْسِ ثُمَّ يَخْلَعُ يُمْنَاهُ وَيُقَدِّمُهَا فِي الدُّخُولِ،
وَأَمَّا الْمَنْزِلُ فَيُقَدِّمُ يُمْنَاهُ دُخُولًا وَخُرُوجًا إذْ لَا أَذَى وَلَا عِبَادَةَ.
(قَوْلُهُ: وَبِكَنِيفٍ إلَخْ) حَمَلَهُ الشَّارِحُ عَلَى وَرِقَةٍ أَوْ دِرْهَمٍ أَوْ خَاتَمٍ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ وَسَكَتَ عَنْ نَفْسِ الذِّكْرِ قِرَاءَةً وَالْقُرْآنُ كَتْبًا وَقِرَاءَةً بَعْضًا وَكُلًّا، وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ تَنْحِيَةُ الْقُرْآنِ
وَيُنْدَبُ تَنْحِيَةُ غَيْرِهِ مِنْ الذِّكْرِ نُطْقًا بِأَنْ يَسْكُتَ لِحُرْمَةِ نُطْقِهِ فِيهِ بِقُرْآنٍ وَكَرَاهَتِهِ بِذِكْرٍ وَكَتْبًا وُجُوبًا فَيَجِبُ تَنْحِيَةُ كَامِلِ مُصْحَفٍ وَلَوْ مَسْتُورًا كَانَ مَا ذَكَرَ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالْكَتْبِ حَالَ نُزُولِ خَبَثٍ وَاسْتِبْرَاءٍ وَبَعْدَهُمَا وَقَبْلَهُمَا وَمِنْ الْمُحَرَّمِ أَيْضًا مَا إذَا أَحْدَثَ بِمَوْضِعٍ لَيْسَ مُعَدًّا لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فَلَمَّا تَمَّ حَاجَتَهُ أَرَادَ الْقِرَاءَةَ وَهَذَا مَا لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ مِنْ ارْتِيَاعٍ أَوْ خَوْفِ ضَيَاعٍ فَيَجُوزُ
وَيُكْرَهُ الدُّخُولُ فِي مَحَلِّ الْخَلَاءِ بِشَيْءٍ فِيهِ قُرْآنٌ أَوْ ذِكْرٌ غَيْرُ مَسْتُورٍ مَا لَمْ تَدْعُ إلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَوْ غَيْرَ مَسْتُورٍ خِلَافًا لعب
وَيَجُوزُ التَّحَرُّزُ بِبَعْضِ قُرْآنٍ مَسْتُورًا لَا بِجَمِيعِهِ فِيمَا يَظْهَرُ وَفِي شَرْحِ شب وَانْظُرْ لَوْ جَعَلَ الْمُصْحَفَ كَامِلًا حِرْزًا هَلْ يَجُوزُ دُخُولُ الْخَلَاءِ بِهِ بِالسَّاتِرِ أَمْ لَا وَرَجَّحَ الْحَطَّابُ الْكَرَاهَةَ بِاسْتِنْجَاءٍ بِيَدٍ فِيهَا خَاتَمٌ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ مِنْ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ الْجَوَازِ وَأُنْكِرَ وَالتَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ (فَإِنْ قُلْت) سَيَأْتِي أَنَّهُ يَحْرُمُ الِاسْتِجْمَارُ بِالْمَكْتُوبِ وَهُوَ يُرَجِّحُ الْقَوْلَ بِحُرْمَةِ الِاسْتِجْمَارِ بِالْخَاتَمِ الْمَكْتُوبِ.
(قَوْلُهُ: وَتَقْدِيمُ يُسْرَاهُ) وَبَدَلِهَا فِي حَقِّ الْأَقْطَعِ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَيَلْحَقُ بِهَا الْعَصَا عِنْدَ قَطْعِهَا وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ تَقْدِيمَ الْيُمْنَى يُوَرِّثُ الْفَقْرَ وَقَوْلُهُ دُخُولًا وَخُرُوجًا مَنْصُوبَانِ عَلَى التَّمْيِيزِ أَيْ يُقَدِّمُ دُخُولَ يُسْرَاهُ
وَإِمَّا عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ فِي الدُّخُولِ وَالْمُرَادُ بِهِ فِي حَالَةِ الدُّخُولِ
وَإِمَّا عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ لِمُقَدَّرٍ أَيْ خَارَجَ خُرُوجًا وَدَاخَلَ دُخُولًا أَوْ عَلَى الْحَالِيَّةِ مُؤَوَّلَيْنِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ أَيْ حَالَةَ كَوْنِهِ دَاخِلًا وَخَارِجًا وَإِعْرَابُهُ تَمْيِيزًا فَاسِدًا؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ وَالْخُرُوجَ لَيْسَ مَنْسُوبًا لِلْيُسْرَى وَالْيُمْنَى، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْسُوبٌ لِلشَّخْصِ
(قَوْلُهُ: عَكْسَ مَسْجِدٍ) مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَيَفْعَلُ ذَلِكَ عَكْسَ فِعْلِ مَسْجِدٍ أَوْ مَرْفُوعٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَذَلِكَ عَكْسُ فِعْلِ مَسْجِدٍ وَالْمَنْزِلُ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ وَالْبَاءُ بِمَعْنَى فِي أَيْ وَالْمَنْزِلُ يُقَدِّمُ لَهُ يُمْنَاهُ فِي الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ
(قَوْلُهُ: مَا يُوَافِقُهُ) أَيْ مَا يُوَافِقُ كَلَامَ الْقُرْطُبِيِّ
(قَوْلُهُ: عِنْدَ الدُّخُولِ لِلْكَنِيفِ) قَالَ الْحَطَّابُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ هَذَا الْأَدَبَ خَاصٌّ بِالْكَنِيفِ بَلْ صَرَّحَ بِهِ الْبِسَاطِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ الدَّمِيرِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَهَذَا الْأَدَبُ لَا يَخْتَصُّ بِالْبَيَانِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ بَلْ يُقَدِّمُ الْيُسْرَى إذَا بَلَغَ مَوْضِعَ جُلُوسِهِ مِنْ الصَّحْرَاءِ،
فَإِذَا فَرَغَ قَدَّمَ الْيُمْنَى
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمَنْزِلُ فَيُقَدِّمُ إلَخْ) هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ مَنْزِلُهُ بِالْمَسْجِدِ فَيُقَدِّمُ يُسْرَاهُ دُخُولًا وَيُمْنَاهُ خُرُوجًا مُرَاعَاةً لِحُرْمَةِ الْمَسْجِدِ وَيَظْهَرُ أَنَّ عِلَّةَ تَقْدِيمِ الْيُمْنَى فِي الْخُرُوجِ وَالدُّخُولِ تَكْرِمَتُهَا بِتَقَدُّمِهَا.
(وَبِكَنِيفٍ) أَيْ عِنْدَ دُخُولِهِ صِلَةٌ عَامِلُهَا (نَحَّى) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مُشَدَّدَةً أَيْ أَبْعَدَ وَاجْتَنِبْ نَدْبًا (ذِكْرَ اللَّهِ) غَيْرَ الْقُرْآنِ فَيُكْرَهُ فِيهِ كَدُخُولِهِ بِوَرَقَةٍ أَوْ دِرْهَمٍ أَوْ وَيُقَدِّمُ يُسْرَاهُ دُخُولًا، وَيُمْنَاهُ خُرُوجًا عَكْسَ مَسْجِدٍ وَالْمَنْزِلُ يُمْنَاهُ بِهِمَا، وَجَازَ بِمَنْزِلٍ: وَطْءٌ، وَبَوْلٌ، مُسْتَقْبِلَ قِبْلَةٍ [منح الجليل] خَاتَمٍ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى بِلَا سَاتِرٍ وَلَا خَوْفِ ضَيَاعٍ إلَّا جَازَ وَوُجُوبًا فِي الْقُرْآنِ فَتَحْرُمُ قِرَاءَتُهُ فِيهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْحَدَثِ وَحَالَهُ وَبَعْدَهُ وَإِدْخَالُ مُصْحَفٍ كَامِلٍ أَوْ بَعْضُهُ وَلَوْ يَسِيرًا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَخَلِيلٌ وَبَهْرَامُ وَرَدَّهُ الْحَطَّابُ مُسْتَظْهِرًا كَرَاهَةَ إدْخَالِ الْقُرْآنِ الْكَنِيفَ ظَاهِرُهُ وَلَوْ مُصْحَفًا كَامِلًا وَاسْتَظْهَرَ عج الْحُرْمَةَ فِي الْكَامِلِ وَمَا قَارَبَهُ وَالْكَرَاهَةَ فِي غَيْرِهِمَا وَاعْتَمَدَهُ الْأَشْيَاخُ إلَّا لِخَوْفِ ضَيَاعٍ أَوْ ارْتِيَاعٍ بِشَرْطِ سَتْرِهِ بِمَا يُكِنُّهُ وَمِثْلُ الْكَنِيفِ غَيْرُهُ حَالَ خُرُوجِ الْحَدَثِ وَبَعْدَهُ وَفِي مَنْعِ كَرَاهَةِ الِاسْتِنْجَاءِ بِيَدٍ فِيهَا خَاتِمٌ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ نَبِيٌّ أَوْ مَلَكَ قَوْلَانِ مَحَلُّهُمَا إذَا لَمْ تَصِلْ النَّجَاسَةُ لِلْخَاتَمِ وَإِلَّا مُنِعَ اتِّفَاقًا، وَتُكْرَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرُ فِي الطَّرِيقِ وَالْمَوْضِعِ الْقَذِرِ وَإِجْرَاءُ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرُ عَلَى الْقَلْبِ بِدُونِ حَرَكَةِ لِسَانٍ لَا يُعَدُّ قِرَاءَةً وَلَا ذِكْرًا فَلَا يُكْرَهُ فِي الْكَنِيفِ وَنَحْوِهِ إجْمَاعًا.
لا زيادة له على هذه المسألة.
وبكنيف نحى ذكر الله هذا هو القسم الخاص بالكنيف، يعني أنه إذا كان يريد قضاء الحاجة بكنيف فإنه لا بد له من أن ينحى؛ أي يبعد ذكر الله عن الكنيف كان الذكر نطقا بأن يسكت؛ أو غيره بأن يكون مصاحبا له مكتوبا عنده في شيء خاتما أو رقا أو غيرهما، فيزيله ويبعده فيترك النطق بالقرآن وجوبا في الكنيف، والمكتوب فيه ندبا كغير القرآن مطلقا، وهذا إذا لم يكن المكتوب بساتر، وإلا جاز، والمراد بالساتر ما يكنه من جلد وغيره، والظاهر أن الجيب لا يكفي؛
لأنه ظرف متسع. قاله الرماصي. نقله بناني. والكنيف بفتح الكاف الموضع العد لقضاء الحاجة، ويسمى: المذهب، والمرفق، والمرحاض: والحُش، والمستراح، وبيت الراحة.
وفي حديث أبي أيوب: (وجدنا مرافقهم قد استقبل بها القبلة (١) )؛ يعني مراحيضهم، والمرفق بكسر الميم وفتح الفاء وبالعكس. والمرحاض مأخوذ من الرحض، وهو الغسل،
وفي الصحاح رحضت يدي وثوبي أرحضه رحضا عسلته، والحش بفتح الحاء وجمعه حشوش بضم الحاء، وأصله من الحش بضم الحاء وفتحها؛ وهو النخل المجتمع كانوا يستترون به عند قضاء الحاجة. أو من الحش بالفتح، وهو الدبر؛ لأنه يكشف عند الكنيف، والمحشة أيضا الدبر.
وفي الحديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن محاش النساء (٢) )، ويقال لموضع قضاء الحاجة الخلاء بالمد، وأصله المكان الخالي: وأورد فيه حديثا.
وقيل إنه يتخلى فيه؛ أي يتبرز فيه، وجمعه أخلية والكرياس الكنيف بياء مثناة تحتية من الكرس للبول، والبعر المتلبد.
وفي حديث أبي أيوب: (وما أدري ما يصنع بهذه الكراييس (٣) )؛ وهي مراحيض تكون في السطوح، والبراز بالكسر ثفل الغذاء، وبالفتح اسم للفضاء الواسع.
وفي الحديث: (كان إذا أراد البراز أبعد (٤) ).
وفي الحديث أيضا: (اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد والظل وقارعة الطريق (٥) ).
وفي الحطاب: قال الجوهري وغيره من أئمة اللغة: البراز بالكسر ثفل الغذاء، وهو الغائط، وأكتر الرواة عليه، فيتعين المصير إليه ولأن المعنى عليه ظاهر، ولا يظهر معنى الفضاء الواسع هنا إلا بكلفة فإذا لم تكن الرواة عليه لم يصر إليه. انتهى.
بخلاف الحديث الأول فإنه يتعين فيه الفتح كما تقدم عن النهاية. قاله الحطاب. ولابد من الرجوع لتوضيح كلام المنصف. قال الشيخ محمد بن الحسن بناني: محصل ما في الحطاب وغيره أن المعتمد حرمة قراءة القرءان في الكنيف،
وأما الذكر فيه أو الدخول بما فيه ذكر أو قرءان فمكروه، وما يفهم من كلام التوضيح، وابن عبد السلام، والشارح من التحريم غير ظاهر، وأطلق الحطاب كراهة الدخول بما فيه قرءان فظاهره سواء كان كاملا أم لا. واستظهر الشيخ علي الأجهوري التحريم في الكامل. انتهى. ومقابل المعتمد يقول بجواز ذلك، وهو الذي يفهم من كلام ابن رشد،
ومن كلام عياض في الإكمال،
ومن كلام صاحب الطراز، ومن كلام البرزلي، وعلى هذا فيحمد إذا عطس وهو يبول كما أجاب به ابن القاسم من سأله عن ذلك؛ فقال له: نعم، والدليل لابن القاسم من جهة الأثر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث (١) )، وما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله في أحيانه (٢) )،
ومن طريق النظر أن ذكر الله يصعد إلى الله فلا يتعلق به من دناءة الموضع شيء، قال الله تعالى {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} ، فلا ينبغي أن يمنع من ذكر الله إلا بنص ليس فيه احتمال، وما روي عن ابن عباس من تأويل إذا دخل الخلاء على معنى إذا أرادكما هو موجود في بعض الآثار،
فإن ثبت فأكثر ما فيه ارتفاع النص على الجواز لا المنع،
وإن لم يثبت المنع وجب أن يبقى على الأصل في جواز الذكر عموما، وما روي من أنه صلى الله عليه وسلم سلم عليه رجل وهو يبول فقال: (إذا رأيتني على هذه الحالة فلا تسلم فإنك إن فعلت لم أرد عليك (٣) ) لا دليل فيه، فقد يحتمل أن عدم رده في تلك الحالة بعد أن نهاه أدب له على مخالفته، ولكونه على غير طهارة على ما كان عليه في أول الإسلام أنه لا يذكر الله إلا على طهارة حتى نسخ ذلك انتهى.
قاله الحطاب. واعلم أنه لا ينبغي أن يختلف في استحباب ترك الذكر والقراءة من غير ضرورة في ذلك الموضع، ولا في استحباب ترك النزول إليه بكل ما فيه ذكر،
وأن الجواز إذا أطلق في ذلك فالمعنى أنه ليست فيه كراهة شديدة لا أنه مستوي الطرفين أعني فعله وتركه؛ لأن السكوت عن كل كلام مستحب. قاله الحطاب. واعلم أن القراءة في الطرق مكروهة. واعلم أن الذكر عند نفس قفاء الحاجة، ونفس الجماع لا يكره بالقلب إجماعا،
وأما الذكر باللسان حالته فليس مما شرع لنا ولا ندبنا إليه ولا نقل عن أحد من الصحابة، بل يكفي في هذه الحالة الحياء والمراقبة. وذكر نعم الله تعالى في إخراج هذا القذر المؤذي الذي لو لم يخرج لقتل صاحبه، وهذا من أعظم الذكر،
ولو لم يكن باللسان. قاله الحطاب. وقد كره مالك أن تعطى الدراهم فيها أسماء الفه تعالى اليهودَ والنصارى، والحامل من كلامهم في مسألة الاستنجاء بالخاتم الذي فيه ذكر الله ثلاثة أقوال: التحريم؛ وهو الذي يفهم من كلام التوضيح وابن عبد السلام وابن العربي وصاحب المدخل، وهو الراجح لملاقاة اسم الله للقذر، وليس كدخول الكنيف به للعلة المذكورة. والكراهة والجواز؛ وهو غير ظاهر، وهي رواية منكرة.
قال في الدخل: هي رواية منكرة عند أهل المذهب من آخرهم، ومثل هذا لا ينبغي أن ينسب إلى آحاد العلماء فضلا عن الإمام مالك. انتهى.
وفي المدخل: ولم يمنع الشارع من ذكر الله تعالى في حال من الأحوال إلا في موضع الخلاء فإنه يكره، ولا بأس بذكر الله هنالك للارتياع وما يشبهه، وليس بمكروه. انتهى.
ويجوز نقش اسم الله تعالى في الخاتم على المشهور وهو الصحيح،
وقيل لا يجوز، وقد روي عن ابن عباس أنه يكره ذكر الله على حالتين على خلائه، وهو يواقع أهله.
البرزلي: وأما قراءة القرآن أو الذكر في المواضع الدنِسَة بنجاسة أو قذارة فينبغي أن ينزه ذكر الله عن ذلك،
وقال مالك رحمه الله: إني لأعظم أن يعمد إلى دراهم فيها ذكر الله فيعطاها نجسا فأعظم ذلك إعظاما شديدا، وكرهه وفي آخر كتاب الفروق أنه يكره الدعاء في مواضع النجاسات والقاذورات. قاله الحطاب. وعلم مما قررت أن قوله: "وبكنيف نحى ذكر الله" لا فرق بين كونه مكتوبا في رقاع أو منقوشا في خاتم ونحوه كما في الشارح.
وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم: (كان إذا دخل الخلاء نزع خاتمه )،
وقال الشيخ عبد الباقي ومفهوم قوله: "بكنيف" عدم وجوب وندب تنحية ما ذكر بموضع أحدث فيه غير كنيف،
وفي كراهة قراءته بعده به وحرمتها قولان. واتفق على المنع حال نزول خبث واستبراء بغير كنيف. انتهى. وفيه: ومنع أيضا استنجاء بيد فيها خاتم فيه اسم الله واسمُ نبي من الأنبياء كاسم الله على الأصح. وفيه: أنه يجوز الدخول بالقرءان لارتياع أو خوف ضياع مستورا فيهما كالتحرز ببعضه فقط بساتر لا بجميعه فيما يظهر.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.