وهو أمين فلا ضمان وَلَوْ شَرَطَ إثْبَاتَهُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِسِمَةِ الميت
الشروح عليها
(، وَهُوَ) أَيْ مَنْ تَوَلَّى الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ أَوْ مَنْ تَوَلَّى الْعَيْنَ الْمُؤَجَّرَةَ مِنْ مُؤَجَّرٍ بِالْفَتْحِ كَرَاعٍ، وَمُسْتَأْجِرٍ كَمُكْتَرِي الدَّابَّةِ وَنَحْوِهَا (أَمْنٌ فَلَا ضَمَانَ) عَلَيْهِ إنْ ادَّعَى الضَّيَاعَ أَوْ التَّلَفَ كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ أَوْ لَا وَيَحْلِفُ إنْ كَانَ مُتَّهَمًا لَقَدْ ضَاعَ، وَمَا فَرَّطْتُ، وَلَا يَحْلِفُ غَيْرُهُ
وَقِيلَ يَحْلِفُ مَا فَرَّطْتُ وَبَالَغَ عَلَى عَدَمِ الضَّمَانِ بِقَوْلِهِ (وَلَوْ شُرِطَ) عَلَيْهِ (إثْبَاتُهُ) أَيْ الضَّمَانِ (إنْ لَمْ يَأْتِ بِسِمَةِ الْمَيِّتِ) فَلَا ضَمَانَ،
وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا لَكِنْ كَلَامُهُ يُوهِمُ صِحَّةَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ مَعَ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ مَعَ أَنَّهُ يُفْسِدُهُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُنَاقِضٌ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، سَوَاءٌ زَادَتْ عَلَى التَّسْمِيَةِ أَوْ نَقَصَتْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا أَنْ يَسْقُطَ الشَّرْطُ قَبْلَ الْفَوَاتِ، وَإِلَّا صَحَّتْ الْإِجَارَةُ، وَالْفَوَاتُ هُنَا بِانْقِضَاءِ الْعَمَلِ فَإِسْقَاطُهُ فِي أَثْنَائِهِ كَإِسْقَاطِهِ قَبْلَهُ فِي إفَادَةِ الصِّحَّةِ
(قَوْلُهُ: مِنْ مُؤَجِّرٍ، وَمُسْتَأْجِرٍ) أَيْ، وَهَذَا الصَّنِيعُ أَوْلَى مِنْ قَصْرِ تت لَهُ عَلَى الثَّانِي حَيْثُ قَالَ، وَهُوَ أَيْ الْمُسْتَأْجِرُ أَمِينٌ فَعَلَى هَذَا يَضْمَنُ الرَّاعِي إذَا ادَّعَى الضَّيَاعَ أَوْ التَّلَفَ، وَهَذَا وَإِنْ قِيلَ بِهِ فِي الرَّاعِي الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ قَوْمٍ كَالصَّانِعِ إلَّا لِبَيِّنَةٍ تُصَدِّقُهُ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَقَدْ أَلَّفَ صَاحِبُ الْمِعْيَارِ رِسَالَةً فِي الرَّدِّ عَلَى صَاحِبِ ذَلِكَ الْقَوْلِ
وَكَذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ رَحَّالٍ أَلَّفَ رِسَالَةً فِي الْأُجَرَاءِ وَالصُّنَّاعِ وَتَعَرَّضَ فِيهَا لِلرَّدِّ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: كَانَ) أَيْ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ كَالثَّوْبِ أَوْ لَا كَالدَّابَّةِ
(قَوْلُهُ: وَلَا يَحْلِفُ غَيْرُهُ) هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَحْلِفُ مَا فَرَّطْت) أَيْ أَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى التَّفْرِيطِ،
وَأَمَّا الضَّيَاعُ فَيُصَدَّقُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ حَلِفٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الضَّيَاعَ نَاشِئٌ عَنْ تَفْرِيطِهِ غَالِبًا فَيَكْفِي حَلِفُهُ مَا فَرَّطْت،
وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يَحْلِفُ مُطْلَقًا أَيْ عَلَى الضَّيَاعِ وَالتَّفْرِيطِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ شُرِطَ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الضَّمَانَ سَاقِطٌ عَنْهُ،
وَلَوْ شُرِطَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَأْتِ بِسِمَةِ مَا مَاتَ مِنْهَا كَانَ ضَامِنًا وَلَمْ يَأْتِ بِهَا فَهَذَا الشَّرْطُ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِالضَّمَانِ
ص (وَهُوَ أَمِينٌ) ش: قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَمَنْ اكْتَرَى مَاعُونًا، أَوْ غَيْرَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي هَلَاكِهِ بِيَدِهِ، وَهُوَ مُصَدَّقٌ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ قَوْلُ الشَّيْخِ: مُصَدَّقٌ يُرِيدُ، وَيَحْلِفُ إنْ كَانَ مُتَّهَمًا لَقَدْ ضَاعَ، وَلَا فَرَّطْت، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، إنْ كَانَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ،
وَقِيلَ: يَحْلِفُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: يَحْلِفُ غَيْرُ الْمُتَّهَمِ مَا فَرَّطَ انْتَهَى.
(فَرْعٌ:) وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ فِي رَدِّ الشَّيْءِ الْمُسْتَأْجَرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ وَتَقَدَّمَ فِي الْعَارِيَّةِ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ فَانْظُرْهُ وَانْظُرْ الْمُقَدِّمَاتِ وَانْظُرْ التَّوْضِيحَ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ فِي شَرْحِ
قَوْلِهِ: وَإِنْ ادَّعَى الرَّدَّ إلَخْ
(تَنْبِيهٌ:) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالْمُسْتَأْجِرُ أَمِينٌ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَعْنِي أَنَّ مَنْ مَلَكَ مَنْفَعَةً بِعِوَضٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: فِي تَلَفِ الذَّاتِ الَّتِي قَبَضَهَا لِاسْتِيفَاءِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ الذَّاتُ مِنْ نَوْعِ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ كَالْحَيَوَانِ، أَوْ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ كَالْجَفْنَةِ، أَوْ لَا. هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ وُجُودَ الْخِلَافِ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ،
وَمَنْ أَثْبَتَهُ لَمْ يُثْبِتْهُ عُمُومًا كَمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ، بَلْ هُوَ مَقْصُورٌ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا يُغَابُ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ فِي إجَارَةِ الْحُلِيِّ وَالثِّيَابِ مِنْ كِتَابِ الْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ اسْتَأْجَرَ فُسْطَاطًا، أَوْ بِسَاطًا أَوْ غَرَائِرَ، أَوْ آنِيَةً إلَى مَكَّةَ ذَاهِبًا وَجَائِيًا جَازَ ذَلِكَ،
فَإِنْ ادَّعَى حِينَ رَجَعَ ضَيَاعَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي الْبُدَاءَةِ صُدِّقَ فِي الضَّيَاعِ وَلَزِمَهُ الْكِرَاءُ كُلُّهُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ عَلَى وَقْتِ الضَّيَاعِ،
فَإِنْ كَانَ مَعَهُ قَوْمٌ فِي سَفَرِهِ فَشَهِدُوا أَنَّهُ أَعْلَمَهُمْ بِضَيَاعِ ذَلِكَ، وَطَلَبَهُ بِمَحْضَرِهِمْ حَلَفَ، وَسَقَطَ عَنْهُ مِنْ يَوْمِئِذٍ حِصَّةُ بَاقِي الْمُدَّةِ انْتَهَى.
، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ وَحُكْمُ اكْتِرَاءِ الْعُرُوضِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ حُكْمُ بَيْعِ الثُّنْيَا يُفْسَخُ الْكِرَاءُ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْمُكْتَرِي بِإِسْقَاطِ الشَّرْطِ،
فَإِنْ فَاتَ الْكِرَاءُ كَانَ عَلَى الْمُكْتَرِي الْأَكْثَرُ مِنْ الْكِرَاءِ الْمُسَمَّى، أَوْ كِرَاءُ الْمِثْلِ عَلَى غَيْرِ شَرْطِ الضَّمَانِ،
ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: فِي الدِّمْيَاطِيَّةِ فِيمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً بِالضَّمَانِ: إنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَيُرَدُّ إلَى كِرَاءِ مِثْلِهِ مِمَّا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فَظَاهِرُهُ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْمُسَمَّى، أَوْ أَقَلَّ وَمَعْنَاهُ إنْ فَاتَ الْكِرَاءُ، وَأَنَّهُ يُفْسَخُ قَبْلَ فَوْتِهِ،
وَإِنْ تَرَكَ الْمُكْرِي الشَّرْطَ، وَهُوَ الْقِيَاسُ خِلَافُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ اهـ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ أَمِينٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ بِكَسْرِ الْجِيمِ، فَيَكُونُ أَشَارَ إلَى هَذَا وَيُمْكِنُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى الْمُسْتَأْجَرِ بِالْفَتْحِ، وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِ،
وَلَوْ شَرَطَ إثْبَاتَهُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِسِمَةِ الْمَيِّتِ، وَيَكُونُ مُشِيرًا بِذَلِكَ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا ضَمَانَ عَلَى الرُّعَاةِ إلَّا فِيمَا تَعَدَّوْا فِيهِ، أَوْ فَرَّطُوا فِي جَمِيعِ مَا رَعَوْهُ مِنْ الْغَنَمِ وَالدَّوَابِّ لِأُنَاسٍ شَتَّى، أَوْ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ،
ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا اشْتَرَطَ عَلَى الرَّاعِي الضَّمَانَ فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ بِغَيْرِ ضَمَانٍ نَافَ عَلَى التَّسْمِيَةِ،
أَوْ نَقَصَ قَالَ غَيْرُهُ: وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ التَّسْمِيَةِ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا قَالَ: وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَا إنْ شَرَطُوا عَلَى الرَّاعِي أَنَّهُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِسِمَةِ مَا مَاتَ مِنْهَا ضَمِنَ فَلَا يَضْمَنُ،
وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا، وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ مِمَّنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: وَلَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاعِي فِيمَا تَلِفَ، أَوْ ضَلَّ، وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ إنْ اُتُّهِمَ أَنَّهُ مَا فَرَّطَ، وَلَا تَعَدَّى، وَلَا دَلَّسَ وَيَضْمَنُ إنْ فَرَّطَ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ نَامَ مَغْلُوبًا فِي إبَّانِ النَّوْمِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ مِنْ ذَلِكَ مَا يُنْكَرُ،
وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ الضَّمَانَ فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ، وَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِيمَا رَعَى انْتَهَى.
وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلَوْ شَرَطَ إلَى آخِرِهِ صَحِيحٌ فِي نَفْيِ الضَّمَانِ إلَّا أَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ مَعَ صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِفَسَادِهِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ لُزُومُ أُجْرَة الْمِثْلِ بِالْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ] (مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ فِي الْإِرْشَادِ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ: وَتَلْزَمُ بِالْفَاسِدَةِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ عِنْدَ الْفَوَاتِ بِمَا تَفُوتُ بِهِ مِنْ انْقِضَاءِ الْعَمَلِ وَنَحْوِهِ نَعَمْ وَكُلُّ مَا يُفِيتُ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ يُفِيتُ الْإِجَارَةَ الْفَاسِدَةَ؛ لِأَنَّهُ كَالْبَيْعِ فِيمَا يَحِلُّ
وَيَحْرُمُ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى، وَأُجْرَةِ الْمِثْلِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ الْفَاسِدَةِ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ الْأَكْثَرُ، وَقَدْ يُحْكَمُ بِالْمُسَمَّى فَقَطْ لِشَبَهِ الصَّحِيحَةِ، وَقَدْ تَسْقُطُ لِانْتِفَاءِ الْمُوجِبِ فَانْظُرْ ذَلِكَ كُلَّهُ انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ ادَّعَى الرَّاعِي أَنَّ بَعْضَ الْغَنَمِ لَهُ] (مَسْأَلَةٌ:)
قَالَ فِي الطُّرَرِ: وَإِذَا ادَّعَى الرَّاعِي أَنَّ بَعْضَ الْغَنَمِ لَهُ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِسَبَبٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ فَيَحْلِفُ، وَنَقَلَهُ عَنْ نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ الصَّانِعُ هَذَا مَتَاعُ فُلَانٍ وَقَالَ فُلَانٌ لَيْسَ هُوَ لِي] (مَسْأَلَةٌ) إذَا قَالَ الصَّانِعُ: هَذَا مَتَاعُ فُلَانٍ،
وَقَالَ فُلَانٌ: لَيْسَ هُوَ لِي فَالظَّاهِرُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الصَّانِعِ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ: إذَا احْتَرَقَ الْخُبْزُ فِي الْفُرْنِ فَقَالَ الْفَرَّانُ: هُوَ لِفُلَانٍ،
وَقَالَ صَاحِبُهُ: لَيْسَ هُوَ لِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْفَرَّانِ قَالَهُ ابْنُ زَرْبٍ،
ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ اللَّخْمِيِّ مَا مَضْمُونُهُ: إنْ كَانَ مَا يَعْمَلُ لِلنَّاسِ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ،
وَإِنْ كَانَ يَعْمَلُ بِنَفْسِهِ لَمْ يُصَدَّقْ فَانْظُرْهُ وَأَظُنُّهُ فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ:) قَالَ فِي الطُّرَرِ فِي تَرْجَمَةِ وَثِيقَةٍ بِاسْتِئْجَارِ جَمَاعَةٍ لِرِعَايَةِ غَنَمٍ: لَا يُجْبَرُ أَهْلُ الْأَفْرَانِ وَأَهْلُ الْأَزْحَاءِ وَأَهْلُ الْحَمَّامَاتِ عَلَى طَبْخٍ، وَلَا طَحْنٍ، وَلَا غَيْرِهِ،
وَكَذَلِكَ الصُّنَّاعُ كُلُّهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْقَضَاءَ بِطُلَيْطُلَةَ عَلَى جَبْرِ الْفَرَّانِ عَلَى طَبْخِ خُبْزِ جَارِهِ إذَا امْتَنَعَ بِمِثْلِ مَا يُطْبَخُ بِهِ خُبْزُ مِثْلِهِ انْتَهَى.
(وَهُوَ أَمِينٌ فَلَا ضَمَانَ) ابْنُ يُونُسَ: الْقَضَاءُ أَنَّ الْأَكْرِيَاءَ وَالْأُجَرَاءَ فِيمَا أُسْلِمَ إلَيْهِمْ كَالْأُمَنَاءِ عَلَيْهِ لَا يَضْمَنُونَهُ إلَّا الصُّنَّاعُ وَالْأَكْرِيَاءُ عَلَى حَمْلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْإِدَامِ خَاصَّةً إذْ لَا غِنَى عَنْهُ، فَضَمِنَا لِصَلَاحِ الْعَامِلَةِ كَالصُّنَّاعِ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِهَلَاكِهِ بِغَيْرِ سَبَبِهِمْ أَوْ يَكُونُ مَعَهُمْ أَرْبَابُهُ لَمْ يُسَلِّمُوهُ إلَيْهِمْ فَلَا يَضْمَنُوا، وَسَوَاءٌ حَمَلُوهُ عَلَى سَفِينَةٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ رَحْلٍ.
قَالَ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ: وَإِنْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ ضَمَانَ الْعُرُوضِ لَمْ يَلْزَمْ إلَّا أَنْ يُخَالِفُوا فِي شَرْطٍ يَجُوزُ.
وَمِنْ الِاسْتِغْنَاءِ: الْمُكْتَرِي مُصَدَّقٌ فِيمَا ادَّعَى إبَاقَهُ مِنْ الْعَبِيدِ وَتَلَفَهُ مِنْ الدَّوَابِّ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةً إلَى مَوْضِعٍ فَضَيَّعَ فَذَهَبَتْ ضَمِنَهَا فَإِنْ وَجَدَهَا وَقَدْ زَادَتْ أَوْ نَقَصَتْ أَوْ كَانَتْ عَلَى حَالِهَا فَهِيَ لَهُ بِمَا غَرِمَ فِيهَا،
وَلَوْ لَمْ يُضَيِّعْهَا فَذَهَبَتْ لَمْ يَضْمَنْ. (وَلَوْ شَرَطَ إثْبَاتَهُ) . ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا شَرَطَ الْحَامِلُونَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِي الطَّعَامِ أَوْ أَنَّ عَلَيْهِمْ ضَمَانَ الْعُرُوضِ، وَمَا لَا يُضْمَنُ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَالْعَقْدُ فَاسِدٌ. (إنْ لَمْ يَأْتِ بِسِمَةِ الْمَيِّتِ) لَوْ قَالَ " وَلَوْ لَمْ يَأْتِ " لَكَانَ أَوْلَى. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا ضَمَانَ عَلَى الرُّعَاةِ إلَّا فِيمَا تَعَدَّوْا فِيهِ أَوْ فَرَّطُوا فِي جَمِيعِ مَا رَعَوْا مِنْ الْغَنَمِ وَالدَّوَابِّ وَلِأُنَاسٍ شَتَّى أَوْ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ،
وَإِذَا اُشْتُرِطَ عَلَى الرَّاعِي الضَّمَانُ فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا هَلَكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَطُوا عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِسِمَةِ مَا مَاتَ مِنْهَا ضَمِنَ فَلَا يَضْمَنُ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا.
(ص) وَهُوَ أَمِينٌ فَلَا ضَمَانَ (ش) يُرِيدُ أَنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَ شَيْئًا فَادَّعَى ضَيَاعَهُ أَوْ تَلَفَهُ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ وَلَا يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ عَلَى الْأَصَحِّ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ أَمْ لَا وَالضَّمِيرُ فِي وَهُوَ لِمَنْ تَوَلَّى الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ أَوْ لِمَنْ تَوَلَّى الْعَيْنَ الْمُؤَجَّرَةَ وَكُلٌّ مِنْهُمَا شَامِلٌ لِلْمُؤَجَّرِ كَالرَّاعِي وَالْمُسْتَأْجِرِ كَمُكْتَرِي الدَّابَّةِ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ وَيَحْلِفُ إنْ كَانَ مُتَّهَمًا لَقَدْ ضَاعَ وَمَا فَرَّطْت وَلَا يَحْلِفُ غَيْرُ الْمُتَّهَمِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ
وَقِيلَ يَحْلِفُ مُطْلَقًا وَقِيلَ يَحْلِفُ غَيْرُ الْمُتَّهَمِ مَا فَرَّطَ انْتَهَى (ص) وَلَوْ شَرَطَ إثْبَاتَهُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِسِمَةِ الْمَيِّتِ (ش) يُرِيدُ أَنَّ الضَّمَانَ سَاقِطٌ عَنْهُ وَلَوْ اُشْتُرِطَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَأْتِ بِسِمَةِ مَا مَاتَ مِنْهَا ضَمِنَ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ فَهُوَ مُبَالَغَةٌ فِي عَدَمِ الضَّمَانِ لَكِنْ رُبَّمَا أَوْهَمَ كَلَامُهُ صِحَّةَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ مَعَ أَنَّهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُنَافٍ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ سَوَاءٌ زَادَتْ عَلَى التَّسْمِيَةِ أَوْ نَقَصَتْ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِنَّمَا يَفْسُدُ الْكِرَاءُ حَيْثُ لَمْ يَسْقُطْ الشَّرْطُ قَبْلَ الْفَوَاتِ وَإِلَّا صَحَّتْ الْإِجَارَةُ وَالْفَوَاتُ بِانْقِضَاءِ الْعَمَلِ كَمَا يَدُلُّ لَهُ مَا ذَكَرَهُ الْحَطَّابُ عَنْ الْإِرْشَادِ فَإِسْقَاطُهُ فِي أَثْنَاءِ الْعَمَلِ يُعْمَلُ بِهِ كَإِسْقَاطِهِ قَبْلَهُ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ أَمِينٌ) أَيْ: فِي غَيْرِ الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ،
وَأَمَّا فِيهِمَا فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْخِيَانَةِ حَتَّى تَثْبُتَ الْأَمَانَةُ أَوْ يُصَدِّقَهُ رَبُّهُ أَوْ كَانَ بِحَضْرَةِ رَبِّهِ وَالْمُرَادُ بِحَضْرَةِ رَبِّهِ مُصَاحَبَتُهُ وَلَوْ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ
فَلَوْ صَاحَبَهُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ ثُمَّ فَارَقَهُ وَادَّعَى تَلَفَهُ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ مُصَاحَبَتَهُ بَعْضَ الطَّرِيقِ وَمُفَارَقَتَهُ فِي بَاقِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا فَارَقَهُ لَمَا عُرِفَ مِنْ حِفْظِهِ وَاحْتِرَازِهِ وَلَا كَذَلِكَ إذَا لَمْ يُصَاحِبْهُ أَصْلًا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا إذَا فَارَقَهُ اخْتِيَارًا وَالْمُرَادُ بِالطَّعَامِ مَا تُسْرِعُ إلَيْهِ الْأَيْدِي مِنْ سَمْنٍ أَوْ عَسَلٍ وَلَحْمٍ وَزَيْتٍ وَشَيْرَجٍ مَثَلًا لَا كَقَمْحٍ وَفُولٍ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ بِالْكَسْرِ يُصَدَّقُ مُطْلَقًا،
وَأَمَّا الْمُسْتَأْجَرُ بِالْفَتْحِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَأْجَرُ عَلَيْهِ غَيْرَ طَعَامٍ أَوْ طَعَامًا كَقَمْحٍ مِمَّا لَا تُسْرِعُ إلَيْهِ الْأَيْدِي فَيُصَدَّقُ،
وَأَمَّا الَّذِي تُسْرِعُ إلَيْهِ الْأَيْدِي كَالزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ فَلَا يُصَدَّقُ وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِثْبَاتِ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ
(قَوْلُهُ وَقِيلَ يَحْلِفُ مُطْلَقًا) أَيْ: كَانَ مُتَّهَمًا أَمْ لَا قَائِلًا لَقَدْ ضَاعَ وَمَا فَرَّطْت
(قَوْلُهُ وَقِيلَ يَحْلِفُ غَيْرُ الْمُتَّهَمِ مَا فَرَّطْت) أَيْ: وَلَا يَحْلِفُ عَلَى الضَّيَاعِ فَيُصَدَّقُ مِنْ غَيْرِ حَلِفٍ عَلَيْهِ وَالْفَرْقُ أَنَّ غَيْرَ الْمُتَّهَمِ إذَا وَقَعَ مِنْهُ ضَيَاعٌ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ تَفْرِيطِهِ غَالِبًا فَيَكْفِي حَلِفُهُ مَا فَرَّطَ.
(تَنْبِيهٌ) لَا ضَمَانَ عَلَى السِّمْسَارِ لَا فِي الثَّمَنِ وَلَا فِي السِّلْعَةِ الَّتِي يَبِيعُهَا ابْنُ رُشْدٍ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ بَيْعَ سِلْعَةٍ مِنْ رَجُلٍ عَيَّنَهُ وَهُوَ مُنْكِرٌ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَضْمَنُ لِتَفْرِيطِهِ بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ وَلَوْ جَرَى الْعُرْفُ بِتَرْكِهِ؛ إذْ لَيْسَ هَذَا مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُرَاعَى فِيهَا ذَلِكَ.
(وَهُوَ) أَيْ الْمُسْتَوْلِي عَلَى شَيْءٍ بِإِجَارَةٍ أَوْ كِرَاءٍ سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَأْجِرًا أَوْ مُؤَجِّرًا (أَمِينٌ) عَلَى مَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ: (فَلَا ضَمَانَ) عَلَيْهِ لِمَا تَلِفَ أَوْ ضَاعَ بِغَيْرِ تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ مِنْهُ. ابْنُ رُشْدٍ اتِّفَاقًا.
وَلَوْ شَرَطَ إثْبَاتَهُ، إنْ لَمْ يَأْتِ بِسَمْتِ الْمَيِّتِ، أَوْ عَثَرَ بِدُهْنٍ، أَوْ طَعَامٍ بِآنِيَةٍ فَانْكَسَرَتْ، وَلَمْ يَتَعَدَّ. أَوْ انْقَطَعَ الْحَبْلُ.
وَلَمْ يُغْرَ بِفِعْلٍ:
[منح الجليل] ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيُصَدَّقُ فِي دَعْوَى التَّلَفِ أَوْ الضَّيَاعِ وَلَوْ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ. ابْنُ يُونُسَ الْقَضَاءُ أَنَّ الْأَكْرِيَاءَ وَالْأُجَرَاءَ فِيمَا أُسْلِمَ إلَيْهِمْ كَوْنُهُمْ أُمَنَاءَ عَلَيْهِ فَلَا يَضْمَنُونَهُ إلَّا الصُّنَّاعَ وَالْأَكْرِيَاءَ عَلَى حَمْلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْإِدَامِ خَاصَّةً لِتَسَارُعِ الْأَيْدِي لَهَا، فَضَمِنُوا فِي صَلَاحِ الْعَامَّةِ كَالصُّنَّاعِ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِهَلَاكِهِ بِغَيْرِ سَبَبِهِمْ، أَوْ يَكُونَ مَعَهُ أَرْبَابُهُ لَمْ يُسَلِّمُوهُ إلَيْهِمْ فَلَا يَضْمَنُونَ، سَوَاءٌ حَمَلُوهُ عَلَى سَفِينَةٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ رَجُلٍ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ضَمَانَهُ، بَلْ (وَلَوْ شُرِطَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (إثْبَاتُهُ) أَيْ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْلِي عَلَى شَيْءٍ بِإِجَارَةٍ أَوْ كِرَاءٍ (إنْ لَمْ يَأْتِ) الْمُسْتَوْلِي (بِسِمَةٍ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ عَلَامَةِ الْحَيَوَانِ (الْمَيِّتِ) أَيْ الَّذِي يُدَّعَى مَوْتُهُ، فَشَرْطُهُ لَغْوٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَأْتِ بِهَا.
فِي الْمَوَّازِيَّةِ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " إنْ شَرَطَ الْحَمَّالُونَ أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِي الطَّعَامِ أَنَّ عَلَيْهِمْ ضَمَانَ الْعُرُوضِ وَمَا لَا يُضْمَنُ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَالْعَقْدُ فَاسِدٌ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ التَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ إنْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ ضَمَانَ الْعُرُوضِ فَلَا يَلْزَمُهُمْ إلَّا أَنْ يُخَالِفُوا فِي شَرْطٍ يَجُوزُ وَمِنْ الِاسْتِغْنَاءِ الْمُكْتَرِي مُصَدَّقٌ فِيمَا ادَّعَى إبَاقَهُ مِنْ الْعَبِيدِ وَتَلَفَهُ مِنْ الدَّوَابِّ. وَفِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " لَا ضَمَانَ عَلَى الرُّعَاةِ إلَّا فِيمَا تَعَدَّوْا فِيهِ أَوْ فَرَّطُوا فِي جَمِيعِ مَا رَعَوْا مِنْ الْغَنَمِ وَالدَّوَابِّ لِنَاسٍ شَتَّى أَوْ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ،
وَإِذَا شَرَطَ عَلَى الرَّاعِي الضَّمَانَ فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ وَلَا يَضْمَنُ مَا يَهْلِكُ. ابْنُ الْقَاسِمِ
وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَطُوا عَلَى الرَّاعِي إنْ لَمْ يَأْتِ بِسِمَةِ مَا يَمُوتُ مِنْهَا يَضْمَنُ فَلَا يَضْمَنُ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا.
وهو أمين فلا ضمان؛ يعني أن من ذكر من مستأجر كمكتري الدابة مثلا وأجير كالراعي أمين فيما أسلم إليه،
وإذا كان أمينا فلا ضمان عليه فيما ادعى تلفه بغير تفريط. قال الخرشي: يريد أن من استأجر شيئا فادعى ضياعه أو تلفه فإنه يصدق ولا يضمنه لأنه أمين على الأصح، كان مما يغاب عليه أم لا،
وفي كتاب سحنون: قول بضمانه. اهـ.
وقال البناني: قال ابن يونس: قال ابن حبيب: وقال ابن المسيب والأوزاعي ومكحول والحسن: يضمن الراعي المشترك ولا يضمن من يرعى لرجل واحد خاصة. ابن يونس: رأوا الراعي المشترك كالصانع لأنه أجير مشترك. اهـ.
قال في التكميل: وظاهره أن ابن حبيب حاكٍ لمذهب الأربعة لا قائل به ولذا لم ينقله ابن عرفة، وأفتى بتضمينه العبدوسي. اهـ.
وقال الخرشي: وجد عندي في نصه: ولا ضمان على المستأجر ويصدق فيما ادعى ضياعه أو تلفه ولو مما يغاب عليه ولكن عليه الأجرة كاملة، ولا يصدق أنها هلكت في أثناء الطريق إلا ببينة، ويكفي أن تقول: رأيناه يطلبها في الموضع فلم يجدها،
ولا يشترط مشاهدة الضياع ولو ادعى ردَّ الشيء المستأجر فالقول قوله ولوأخذه ببينة قال محمد وهو الصواب كما قاله ابن عرفة، لكن هذا قول من أقوال أربعة مشهورها إن ادعى الدفع إلى اليد الدافعة وكان قد قبضه بغير إشهاد صدق مع يمينه متهما أم لا،
وإن كان قد قبضه بإشهاد فلا يصدق إلا بإشهاد، فهو نظير عامل القراض في دعوى العامل الرد على ربه في التفصيل المذكور. اهـ.
وقال الحطاب: قال ابن ناجي في شرح قول الرسالة: ومن اكترى ماعونا أو غيره فلا ضمان عليه في هلاكه بيده وهو مصدق إلا أن يتبين كذبه: قول الشيخ: مصدق، يريد ويحلف إن كان متهما لقد ضاع ولا فرطت ولا يمين عليه إن كان غير متهم. قاله ابن القاسم.
وقيل: يحلف مطلقا، وقيل: يحلف غير المتهم ما فرطت، والقول قول المستأجر في رد الشيء المستأجر إلا أن يكون قبضه ببينة، نص عليه ابن رشد وغيره،
وقال ابن الحاجب والمستأجر أمين على الأصح، قال ابن عبد السلام: يعني أن من ملك منفعة بعوض فالقول قوله في تلف الذات التي قبضها لاستيفاء تلك المنفعة سواء كانت تلك الذات من نوع ما لا يغاب عليه كالحيوان أو ما يغاب عليه كالجفنة، هذا هو المعروف في المدونة وغيرها، وأنكر بعضهم وجود الخلاف فيه في المذهب،
ومن أثبته لم يثبته عموما كما يقتضيه ظاهر المؤلف؛ يعني ابن الحاجب، بل هو مقصور عندهم على ما يغاب عليه. اهـ. ونحوه في التوضيح،
وفي المدونة: ومن استأجر فسطاطا أو بساطا أو غرائر أو آنية إلى مكة ذاهبا وجائيا جاز ذلك،
فإن ادعى حين رجع ضياع هذه الأشياء في البداءة صدق في الضياع ولزمه الكراء كله، إلا أن يأتي ببينة على وقت الضياع،
فإن كان معه قوم في سفره فشهدوا أنه أعلمهم بضياع ذلك وطلبه بمحضرهم حلف وسقط، من يومئذ حصة باقي المدة،
وقال ابن رشد في شرح المسألة الثانية من سماع أشهب من كتاب تضمين الصناع: وحُكْمُ اكتراء العروض بشرط الضمان على قول مالك في هذه الرواية حُكْمُ بيع الثياب يفسخ الكراء إلا أن يرضى المكري بترك الشرط،
فإن فات الكراء كان على المكتري الأكثر من المسمى وكراء المثل على غير شرط الضمان،
ثم قال: وأما قوله في الدمياطية فيمن اكترى دابة بالضمان: أنه لا خير فيه ويرد إلى كراء مثله مما لا ضمان عليه، فظاهره كان أكثرَ من المسمى أو أقل ومعناه إن فات الكراء وأنه يفسخ قبل فوته وإن ترك المكري الشرط وهو القياس، خلاف رواية أشهب. اهـ. وصدق مكترٍ ادعى إباق العبد أو تلف الدابة أو ضياع ما يغاب عليه أو تلفه إلا أن يتبين كذبه.
ولو شرط إثباته إلا أن يأتي بسمة الميت؛ يعني أن المكتري أو الراعي أمين فلا ضمان عليه ولو اشترط رب الدابة أو الماشية، الضمان حيث لم يأت بسمة ما مات من الدابة أو الماشية أي قال له في عقد الإجارة إن ادعيت موت شيء مما ذكر ولم تأتني بسمته فأنت غير مصدق في ذلك فتكون ضامنا له،
فإن هذا الشرط لا يؤثر الضمان. قال عبد الباقي: مقتضى المص صحة الإجارة مع الشرط المذكور مع أنها تفسد به لأنه شرط مناقض لمقتضى العقد وإن كان لا يضمنه وله أجر المثل زاد على التسمية أو نقص عند ابن القاسم، إلا أن يسقط الشرط قبل الفوات بانقضاء العمل فتصح. التتائي عن ابن ناجي: وهذه المسألة كالنص في أن قناديل المسجد لا ضمان عليهم فيما كسروه منها إلا مع التفريط،
ولو شرط عليهم أنهم يغرمونه لا يلزمهم. المغربي: ويقوم منها أن الأمة والعبد والصبي لا يضربون على ما كسروا من الأواني، ففي الحديث: (لا تضربوا إماءَكم على كسر أوانيكم فإن لها آجالا مثل آجالكم (١) ). وهذا ما لم يكن منهم تفريط فيؤدبون كما لو أمر أمته بحمل الشيء الثقيل بيديها معا فترفعه بيد واحدة فيغلبها فيسقط فينكسر. اهـ.
وقال الحطاب: ابن القاسم: وإذا اشترط على الراعي الضمان فسدت الإجارة ولا شيء عليه وله أجر مثله بغير ضمان نَافَ على التسمية أو نقص،
وقال غيره: إن كان ذلك أكثر من التسمية لم يزد عليها.
وقال في المسائل الملقوطة: ولا ضمان على الراعي فيما تلف أو ضل وعليه اليمين إن اتهم أنه ما فرط ولا تعدى ولا دلس، ولا يضمن إن نام مغلوبا في إبان النوم إلا أن يأتي من ذلك ما يُنكَرُ،
وإن شرط عليه الضمان فسخت الإجارة وله أجر المثل فيما رعى،
وفي الإرشاد في باب الإجارة: وتلزم في الفاسدة أجرة المثل.
مسائلُ حسانٌ: الأولى: قال الإمام الحطاب: قال في الطرر: وإذا ادعى الراعي أن بعض الغنم له لم يصدق إلا أن يأتي بسبب يدل على صدقه فيحلف، ونقله عن نوازل ابن رشد. اهـ. الثانية: إذا قال الصانع: هذا متاع فلان،
وقال فلان: ليس هو لي فالظاهر أن القول قول الصانع، قال البرزلي: قال ابن الحاج: إذا احترق الخبز في الفرن فقال الفران: هو لفلان،
وقال صاحبه: ليس هو لي، فالقول قول الفران، قاله ابن زرب،
ثم ذكر عن اللخمي إن كان يعمل للناس فإنه يصدق وإن كان يعمل لنفسه لم يصدق. اهـ. قاله الحطاب. الثالثة: قال الملوي: كثيرا ما يقع في البادية الدخول مع الراعي على أنه إن خرج قبل تمام العدة بغير عذر فلا شيء له،
وإن أخرجه رب الغنم أعطاه جميع الأجرة، وأجاب سيدي محمد بن الحسن البناني بأنها عقدة فاسدة تجب فيها أجرة المثل وتفسخ متى عثر عليها، وأجاب التاودي أيضا بفساد العقد. الرابعة: في أجوبة سيدي عبد القادر الفاسي: أنه لا يجوز إعطاء البقرة لمن يرعاها على أن يأخذ نصف زبدها قائلا: لكن في المواق والمعيار عن ابن سراج ما يؤذن بالترخص في ذلك لأجل الاضطرار؛ لأن مذهب مالك مراعاة المصلحة إن كانت كلية حاجيَّة،
فإن تعاقدا على زبد في ذمته فقال: لا خلاف في فساد العقد. والله أعلم. اهـ.
وفي الدرر المكنونة، في نوازل مازونة، عن المشدالي أن ما يأخذه الراعي من الزبد بالعادة على رعايته مفسد لعقد الإجارة ويقضَى له بأجرة مثله؛ لأنه لم يدخل معهم على تحديد ما يأخذه من الزبد بالوزن، وإنما دخل على أن يأخذ مخضة في الشهر مثلا،
ومثله يقع كثيرًا في إجارة معلم الصبيان في البادية، والواجب في هذه الإجارة الفسخ والرجوع إلى أجرة المثل فيما مضى من مدة التعليم. والله أعلم. الخامسة: إذا فسد العقد وقلنا: إنه يأخذ أجرة المثل لما مضى فإنه يدفعه له حالا كما هو واضح،
وأما الإجارة الصحيحة إذا وقع فيها ما يوجب عدم الإتمام وكانت مؤجلة بأجل معلوم فإنه يأخذ من الأجرة المسماة بقدر عمله ويبقى مؤجلا بأجله، وذلك أي إبقاؤها إلى أجلها واضح، إلا أن يفهم منه إرادة تعجيل ما ينوبه من الأجرة عند التفاسخ. قاله الملوي. المسألة السادسة: قال الشارح في كتاب الأكرية: من المدونة: وكل شيء فعله الراعي مما لا يجوز فعله فأصاب من فعله عيب فهو ضامن،
وإن صنع ما يجوز له أن يفعله مثل أن يضربها كضرب الرعاة فتعيبت الغنم فلا ضمان عليه.
وفي شرح الشيخ عبد الباقي عاطفا على ما فيه الضمان: وكضربه لها ضربا لا يضرب مثله فتعيبت الغنم،
فإن كان مما يضرب مثله فتعيبت لم يضمن كما في الشارح،
ولو رماها بحجر فتعيبت ضمن من غير تفصيل بين أن يكون يرمى بمثله أم لا؛ لأن شأنه أن يعيب. انظر الحطاب. السابعة: قال ابن حبيب: ولا يضمن ما حدث عن رميه مثل أن تفر الشاة لرميه وتحيد فتقع في مهواة فتنكسر، أو تغرق في نهر أو تنطح شجرة، هذا إن رمى كرمي الرعاة ولو رمى عبثا ضمن مطلقا كأجنبي،
واقتصر في المتيطية على قوله: وإن ندت فرمى فتردت في مهواة فلا شيء عليه ما لم يرمها متعمدا فيضمن. اهـ.
ونحوه في معين الحكام فاقتصر على كلام ابن حبيب وفي المتيطية: فلو رمى صيدا فأصاب شاة ضمن. اهـ. الثامنة: في المؤلفة لابن لبابة: إذا عقر الراعي من الغنم مرة وثانية وثالثة ولم يضمنه صاحب الغنم وأمضاه على فعله ولم ينكره عليه ورضي لم يضمنه بعد ذلك. قاله الحطاب.
وقال الملوي: قال ابن زرب: الراعي محمول على التعدي حتى يثبت خلافه، وهو معنى ما في المدونة، قال ابن عرفة: ما نقله ابن زرب رد بقولها: لا ضمان على الرعاة إلا فيما تعدَّوا فيه وفرطوا. اهـ. التاسعة: الراعي إذا كان صبيا فاستهلك الغنم فلا ضمان عليه ولو فعل ذلك عمدا كما استظهره ابن عرفة معترضا على ابن فتوح، قال الملوي بعد كلام ما نصه: وبه تعلم أن الراعي السفيه حكمه حكم الراعي الصبي لا ضمان عليه فيما أتلفه من الغنم عمدا وإن استُرعِيَ بإذن أهله،
وأما إذا باع الشاة أو ذبحها فإن أكلها وصان بها ماله فيضمن في ذلك المال المصون. اهـ.
العاشرة: قال في أجوبة ابن سحنون: وسألته عن الراعي تهرب له الشاة مما رعى؟ فقال لرجل عندك: يا فلان، فأراد أن يردها فاستصعبت عليه، فقال له الراعي: اضربها، فضربها فقتلها هل ترى الضمان على الراعي؟ فقال: قول مالك رحمه الله تعالى: على الراعي الآمر.
وقال عبد العزيز: الضمان على الضارب،
وقال غيرهما: إن كان الآمر ممن يلي الإجبار على المأمور كالعبد لسيده والسلطان لأعوانه والرجل لولده فالضمان على الآمر وإلا فعلى المأمور. وروي هذا عن ابن القاسم. انتهى. والظاهر أن يقال إذا كان الضرب المأمور به مأذونا فيه كضرب مثلها فلا ضمان على واحد منهما لأنه توكيل على فعل مأذون فيه،
وإن كان ضرب عداء ضمن المباشر إلا أن يكون الآمر أبا أو معلما أمر ولدا صغيرا أو سيدا أمر عبده مطلقا،
فإن كان الآمر مالكا فلا ضمان على الضارب الأجنبي، كمن قال لغيره: احرق ثوبي،
فإن أمر المالك الراعي أن يضربها ضرب عداء جرى على ما قاله صاحب الاستغناء في المودع بالكسر يقول للمودَع: احرق الوديعة، فيفعل فإنه ضامن في قول بعضهم. (للنهي عن إضاعة المال (١) ) قال الحطاب: وفيه نظر،
فإن كان الآمر ليس بمالك ولا راع قدم المباشر هذا الذي يظهر لي جريانه على قواعد الفقه. والله أعلم.
قاله الملوي: وقال: وإذا ثبت تعدي الراعي وقد تعيبت الشاة فإن كان العيب لا يفيت المقصود منها غرم ما نقصها فقط ويترك الشاة لربها معيبة،
وإن كان العيب متفاحشا يفيت المقصود خير المالك بين أن يضمنه قيمتها وبين أن يأخذها وما نقصها كذا قالوا في مطلق التعدي، وعول عليه في المختصر وهو المشهور، الحادية عشرة: قال الشيخ الملوي: كثيرا ما يقع أن الراعي يتعدى على الشاة فيعيبها فيخاف عليها صاحبها الموت فيذبحها ثم يريد أن يغرم الراعي موجب فعله، وقد اقتصر في المنتخب على ما في سماع يحيى: سألت ابن القاسم عن رجل يكسر يد البقرة لرجل أو الشاة يخاف صاحب البقرة أو الشاة عليها فيذبحها ما يجب على كاسرها؟
فقال: إن كسرها كسرا معطبا لها يجب فيه على الكاسر غرم جميع القيمة،
فإن ذبحه إياها رِضًى بحبسها ولا أرى على الذي كسرها غرم كثير ولا قليل،
وإن كان الذي أصابها غير معطب فإنما على الذي أصابها قيمة قدر ما نقصها العيب ذبحها ربها أو تركها.
ولما تكلم ابن رشد في البيان على قول ابن القاسم هذا ذكر أنه لا يجري على المشهور من أنه يخير في الفساد الكثير بين أن يضمن القيمة وأن يأخذها وما نقصها، وإنما يجري على قول أشهب. والذي يأتي على قول ابن القاسم المشهور أنه يأخذ ما نقصها وإن ذبحها صاحبها وكان الكسر معطبا. الثانية عشرة: إذا أراد الراعي ذبح الشاة فغلصمها فالظاهر أنه يضمنها إن فرط لقول ابن عرفة: ويضمن الجزار إن أخطأ بالغلصمة إن فرط.
الثالثة عشرة: إنما يضمن الراعي بتوكيل غيره على الحفظ حيث لم تدعه ضرورة لذلك مع عجزه عن رد الماشية لصاحبها كما يفيده قول المختصر في الوديعة "إلا لعورة حدثت أو سفر عند عجز الرد" وفي الدر النثير وسئل رضي الله عنه عن راع رجع بغنم رعاها عشية النهار إلى موضع مبيتها فعرج منها كبش فتخلف عن الغنم فلم يشعر حتى قيل له بقي خلفك كبش فأودع الغنم رعاة كانوا معه والغنم كثيرة ورجع إلى الكبش وأتى به فوجد الغنم دخلت في شعب فأخذ في إخراجها وأتاه الليل فوجد جملة منها ضاعت هل يضمن أم لا؟
فأجاب: لا ضمان عليه لأنه لما رجع إلى الكبش أوصى الرعاة والتزموا ذلك له، وهذا مثل من عنده وديعة فخاف وأودع غيره فضاعت.
وفي الدر النثير: في أهل مدينة اتفقوا على رعاية بقرهم بالنوبة وشرطوا أن لا يرعى في الدولة صبي فأرسل أحدهم في نوبته صبيا أنه إن عاين أهل الموضع الصبي حين رعى ورضوا فلا شيء على الذي أرسله يرعى،
وإن لم يروه غرم لمن لم يره ولا يغرم لمن رآه. اهـ. الرابعة عشرة: قال ابن عرفة: قال ابن حبيب: لا يضمن الراعي إن نام فضاعت ولو نام نهارا في أيام النوم، إلا أن يأتي من ذلك ما يستنكر أو بموضع خوف فيضمن. اللخمي: إن خرج عن المعتاد من نومه ضمن،
فإن نام في الشتاء أو في الصيف أول النهار أو آخره ضمن وفي القائلة لم يضمن إلا أن يطول. اهـ. ونحوه في الدر النثير، زاد في كتاب الغصب من النوادر: لو
قلت: احرس ثيابي أو طعامي أو دابتي حتى أرجع أوأنام، فقال: نعم، فغلبه النوم فسرق لم يضمن. قال: وهو ضامن في نوم النهار،
أما نوم الليل المعروف الذي لا بد منه فلا شيء عليه فيه، وسواء جعل له أجرة أم لا،
ولو قال: غلبني النوم ولم أتهيأ له قُيلَ قوله وحلف،
وفي المتيطية: ويغرم الراعي ما تعدى أو فرط من النوم في غير موضعه وزمانه ووقته. اهـ.
وفي المسائل الملقوطة: ولا يضمن إن نام مغلوبا في أيام النوم إلا أن يأتي من ذلك ما ينكر. الخامسة عشرة: سئل سحنون عن راع يرعى للجزارين لهذا شاة ولهذا شاة فهربت واحدة فطلبها قليلا ثم رجع للذود،
وقال: خفت ضياعه لم يضمن وليس هذا تفريطا ما لم يكن الذود بمحل أمن. قاله الملوي. وفيه: أن الراعي يبقى مع الأكثر من الماشية إذا ذهب الأقل وكان الوضع مخوفا. والله سبحانه أعلم. ابن لبابة: لو استأجر راعيين فذهب أحدهما لشراء طعامهما أو مصلحة فضاع شيء من الغنم أو أكل السبع بعضها لم يضمنها لأنه لا بد أن يعمل أحدهما فيما يحتاجان إليه نقله الملوي.
ولو تعدى الراعي في وقت ورجع عن التعدي كما لو ذهب عن الماشية ثم رجع إليها أو تركها عند غيره ثم رجع إليها وضاع منها شيء فادعى ربها أنه في وقت تعديه وخالفه الراعي، فقد قال الملوي بعد جلب أنقال: فتحصل أن الذي أفتى به ابن المكوي واقتصر عليه في الدر النثير
وكذا صاحب المعيار في موضعين وذكره الشيخ ابن رجال كأنه المذهب أنه لا ضمان على الراعي إذا ثبت عليه تعدي ساعة مثلا وادعى رب الشاة أنها ضاعت في الساعة التي تعدى أو فرط فيها، وأفتى ابن محسود بضمانه وهو مفاد فتوى أبي الحسن. اهـ. والقول قول الراعي فيما تلف أنه لم يقبضه إلا إن قامت بينة بقبضه، ولا فرق بين راعي البادية والحاضرة، ويصدق الراعي في قوله: إن الشاة راحت مع الغنم، ففي نوازل الإجارة من المعيار: وسئل أبو محمد عن راعي الغنم يسأل عن شاة من الغنم فقال جئت بها مع الغنم وقد دخلت الدار، فطلبت ولم توجد وكان ذلك وقت مجيئه بالغنم من الجبل؛
أيضمن أم لا؟ فأجاب: يحلف الراعي بالله لقد دخلت الدار في ظنه، ولا باع ولا دلس ولا فرط ثم لا شيء عليه في غير ذلك. اهـ. وذكر الزرقاني في كتاب العارية أنه يجب على الأمناء تفقد الأمانة التي تحت أيديهم وإلا غرموا، وقد شاع عند طلبة البادية أن صاحب الغنم إذا أقر أنه افتقد بعض الغنم قبل تفقد الراعي فسأله عنه فقال: لا أدري، فذلك من الراعي تفريط، قال الملوي: فقد فاوضت فيها شيخنا ابن سودة التاودي، فأجابني: أنه لا يجري على قواعد المذهب، والجاري على القواعد أنه يحلف ما فرط ولا خان ولا غرم عليه،
وكذا فاوضت فيها غيره ممن عاصره فظهر له مثل ذلك، ووقفت على فتوى للفقيه الشريف مولاي علي بن محمد السلجماسي تضمنت عدم غرم الراعي المذكور،
محتجا بقول المختصر في الوديعة: لا إن قال لا أدري متى تلفت، وذكر في الدر النثير أنه لا فرق بين الراعي والمودع عنده في موجبات الضمان، هكذا جعلوه قاعدة عامة وتقرر أن أخذ الأجرة على الأمانة لا يخرجها عن حكمها والله سبحانه وتعالى أعلم. انتهى. السادسة عشرة: أفتى أبو الحسن أن الراعي إذا تفقد بعض الماشية وجب عليه أن يسأل عنه حينئذ وإلا فهو مفرط، وأفتى ابن أبي زيد وعبد الوهاب بوجوب إعلام صاحبها وأنه إن لم يعلمه فهو مفرط، ووجهه أن من حق صاحب الماشية إن لم يعلمه أن يقول له: لو أعلمتني لكنت بحثت على متاعي بقرب ذهابه لعلي أجده، ومحله والله أعلم إذا لم يقل الراعي: إنما أخرت إعلامك لأني كنت أبحث عنها وأرجو وجدانها لقول المختصر:
لا إن قال: ضاعت منذ سنين وكنت أرجوها ولو حضر صاحبها، ومفهوم كنت أرجوها مفهوم مخالفة كما مال إليه الزرقاني تبعا لابن فجلة قائلا: لأن ربها يقول: لو أعلمتني لكنت أفتش، قال: ومفهوم سنين أحروي. قاله الملوي. ثم قال: وبالجملة فالذي يقتضيه النظر الفقهي أنه إذا آخر الراعي إعلام رب الماشية بذهابها مدة يمكنه فيها الإعلام فإن قال: كنت أطلبها وأرجوها فلا ضمان عليه،
وإن لم يقل ذلك ضمن إن تعذر على صاحبها الآن التفتيش.
المفيد: ومن تعذر الأعلام على الراعي أن لا يجد من يحرس له الماشية إن ذهب لإعلامه لأن حفظ الأكثر واجب عليه والله أعلم. اهـ. واعلم أن الذي تركن إليه النفس أن يقال: متى فعل ما جرت العادة بفعله لم يضمن وإن خرج عن المعتاد ضمن،
وإذا حمل الوصي مال اليتيم على ما ظاهره السلامة أو الأغلب عليه السلامة فعطب فلا ضمان عليه،
وإن حمله على ما الأغلب فيه العطب والسلامة مرجوحة فعطب فهو ضامن، ويضمن الراعي إن رعى الماشية في موضع مخوف قاله في المتيطية قاله الملوي.
السابعة عشرة: قال في الدرر المكنونة: وسئل أيضا عن راع يرعى لجماعة ثم غاب ذات ليلة للعرس فسرحت البهائم غدوة وحدها فأكل السبع منها بقرة، وادعى صاحب البقرة أنه لم يعلم بغيبة الراعي، وادعى الراعي أنه عالم فهل يلزمه الغرم أم لا؟ فأجاب: بأن القول قول صاحب البقرة ويضمن الراعي. والله أعلم. قاله الملوي. واعلم أن الراعي المشترك فيه كلام طويل،
والمشهور فيه أنه كالراعي الخاص فلا ضمان عليه إلا أن يفرط أو يتعدى، وعن مكحول والحسن وابن المسيب: أنه يضمن كالصانع المشترك، والمراد بالراعي المشترك من يرعى لكل من أتى إليه،
وأما إن كان يرعى لأهل دار أو مدثر أو جماعة خاصة كعشرة فليس بمشترك بل حكمه حكم الراعي الخاص. الثامنة عشرة: اعلم أن الراعي إذا قتل بقرة مثلا أو تلفت بتفريطه وأريد مصالحته فإن صولح بحالٍّ بعد معرفة قيمة المستهلك جاز ذلك، سواء كان المصالح به قدر القيمة أو أقل،
ولا يجوز بدراهم أكثر من القيمة،
فإن صولح بمؤخر غير دراهم كعرض منع مطلقا،
وأما إن صولح قبل معرفة قيمة المستهلك فإن وقع بغير مجانس القيمة من غير مجانس المستهلك، كما إذا قتل بقرة فصالحه قبل معرفة قيمتها بثوب مُنِعَ بلا إشكال،
وإن صالحه بمجانس المستهلك كما لو قتل بقرة فلما كلمه قال: هذه بقرتي فأخذها قبل معرفة قيمة الهالكة ففي الجواز والمنع قولان، والظاهر المنع، وقد صرح أبو الحسن بأن معرفة القيمة في هذا شرط في الجواز،
وإن صولح بدراهم حالة أو مؤخرة تحقق أنها لا تزيد على القيمة فقد ذكر أبو الحسن أن ذلك جائز، واقتصر عليه الشيخ مصطفى،
وكذا عول عليه البناني، ووجهه أن الغرض إنما هو إسقاط التنازع والخصام لا المبايعة، والذي ذهب إليه معظم المشايخ كابن يونس واللخمي وابن محرز وغيرهم من مشايخ القرويين إطلاق اشتراط معرفة القيمة، أعني سواء كان المأخوذ من جنس القيمة أم لا، وهو معنى المدونة عندهم،
وفي المسألة أقوال خمسة، الأول: اشتراط ذلك وهو المشهور. الثاني: مقابله للموازية. الثالث: الفرق بين أن يكون الثمن دنانير فيجوز وغيرها فيمنع، عزاه المازري للموازية. الرابع: إن كان الصلح مما لا شك أنه أكثر منها أو أقل جاز وإلا امتنع، قاله ابن محرز. الخامس: الفرق بين ما يكون قبل نقد الثمن فيجوز وما يكون بعد النقد فلا يجوز، قاله أصبغ. نقله الملوي.
وقال: فتحصل أن مصالحة الراعي على ما ثبت أنه قتله أو فرط فيه لا تجوز إلا بعد معرفة القيمة
إما اتفاقا أو على المشهور؛ لأن المصالحة بيع للمأخوذ بالقيمة. التاسعة عشرة: إذا قتل الراعي بقرة فلا يجوز له أن يصالح ببقرة أخرى إلا بعد معرفة فوات لحمها،
قال في المدونة: وإن استهلك لك بعيرا لم يجز أن تصالحه على بعير مثله إلى أجل، قال أبو الحسن: انظر قوله: إلى أجل، فمفهومه إذا كان نقدا جاز،
أما إن كان اللحم قائما حيث يكون ربه مخيرا فلا يجوز؛ لأنه بيع اللحم بالحيوان من جنسه،
وإن كان فائتا جاز بعد المعرفة بالقيمة. انتهى. المسألة المتممة للعشرين: قال الملوي: ذكروا في الصانع والمكتري والسارق والغاصب أنهم إذا غرموا قيمة ما ادعوا تلفه ثم وجد فهو لهم إلا أن يوجد ذلك عندهم قد أخفوه فيكون لربه أو كذبوا في الصفة فيرجع عليهم بالفضلة،
وكذا من ادعي عليه سرقة عبد فصالحه وهو منكر فوجد فهو له كما في العتبية، والراعي مساو لما ذكر فإذا غرم قيمة البهيمة أو صالح ثم وجدت فالظاهر أنها له،
فإن صالح على شرط إن وجدت فهي لمالكها فالظاهر فساد الصلح. اهـ. الحادية والعشرون: قال ابن عرفة ما نصه: ابن عات عن المشاور وغيره: إن كان بقرية نعم ليس عند كل واحد من مالكيها ما يرعاه له راع فأخذ بعضهم من يرعى نعمهم إلا رجلين كرهوا إدخالهما معهم فلهم ذلك،
وكذلك إن كره ذلك الراعي لم يجبر لهما اهـ ونحوه في ابن سلمون. قاله الملوي.
وقال: إذا رعى الراعي ثورا أو غنما لحاضر بغير أمره ساعة أو غيرها فله أجرته، ولا كلام لصاحبه أن يقول: هلا دفعت عن نفسك،
فإن كانت سائمة فتركها ولم يضمها فضاعت فلا ضمان عليه، كما في ابن سلمون.
وفي الاستغناء: إذا ادعى رجل في غنم بيد رجل خاص فصدقه الراضي وأنكر رب الغنم فالقول قوله مع يمينه ولا يقبل قول الراعي. اهـ. يريد إذا لم يكن عدلا وإلا كان شاهدا له يحلف معه. والله أعلم.
وإذا كان الراعي يرعى لجماعة فتداعوا في شاة من الغنم فادعى كل واحد أنها له فإن قال الراعي: إنها لفلان منهم وكان عدلا حلف معه وأخذها،
وإن لم يكن عدلا ولا بينة حلفوا وكانت بينهم، هذا الذي يأتي على قول ملك: وليس الوسم بشيء فلا يعتبر، كما في ابن سلمون قاله الملوي.
وإذا ادعى الراعي في شيء من الغنم أنه له وكذبه رب الغنم فلا يقبل قول الراعي إلا أن يأتي بسبب يدل على صدقه فيحلف معه، وسواء كان الراعي يأتي إلى داره أو إلى دار الذي استأجره، كما أفتى به ابن رشد، وقد مر هذا؛
فإن لم يدع ذلك الراعي لنفسه وادعاه لرجل أجنبي حاضر أو غائب فهو له شاهد تقبل شهادته له إن كان عدلا. نقله الملوي. الثانية والعشرون: سئل الوغليسي عمن اختلطت غنمه بغنم آخر في الدار فدفع من غنم صاحبه شياها مدعيا أنها له ولا بينة، هل يقضى بالشياه للذي كانت في غنمه أو للذي ادعاها؟ فأجاب: الحمد لله القول قول صاحب الغنم الذي دخلت الشياه في غنمه مع يمينه إلا أن يشهد من تجوز شهادته بتعيين الشياه لصاحبها.
والله أعلم. نقله الملوي. الثالثة والعشرون: تفسخ الإجارة بموت الراعي ولا تفسخ بموت الغنم أو بيعها كلها أو بعضها، ولربها أن يأتي بغيرها يرعاه له إن أراد،
فإن أبى من ذلك لزمته الأجرة كلها، ومثل الموت إذا أغار على الغنم لصوص وأخذوها فلا تفسخ الإجارة، كما ذكره الوغليسي، وهو واضح. والله أعلم. قاله الملوي. الرابعة والعشرون: ذكر الملوي عن أبي الفضل العقباني في قوم اتخذوا معلما يقرئ أولادهم وقال لهم: إن افترقتم علي قبل انقضاء الأجل آخذ أجرتي تامة فأخذهم الهول فافترقوا قبل انقضاء الأجل أنه لا شيء له في المدة التي فارقوه فيها غلبة، وليس له إلا بحسب ما أقرأ من السنة، ولا أثر لشرطه إلا إذا فارقوه اختيارا،
وكذلك ذكر عن ابن عثمان أنه أفتى أنهم إن افترقوا لعذر بين فلا يأخذ المعلم الأجرة، وقد أقيمت مسألة ارتحال آباء الصبيان من ارتحال والد الرضيع المشار إليها في المختصر بقوله: ومنع زوج رضي من وطء وسفر؛ أي وسفر أبي الصبي كسفر زوج الظئر كما في المدونة، ويقاس تفرق أرباب الماشية على تفرق آباء الصبيان. والله أعلم انتهى. الخامسة والعشرون: إذا امتنع الراعي من إتمام السنة التي استؤجر على رعايتها أجبر على الإتمام إذا كان عقد الإجارة صحيحا، وليس له الخروج قبل تمام المدة؛
لأن الإجارة من العقود اللازمة اتفاقا،
فإن خرج بغير رضا صاحب الماشية ولم يحاكمه حتى تمت السنة وجاء يطلب أجرته فله بحساب ما عمل على المشهور، كما في نوازل ابن هلال: أن المعلم للصبيان والراعي والخماس إذا أبوا من إتمام العمل هل لهم شيء أو لا شيء لهم إلا بتمام العمل؟ أجيب عن ذلك بما صورته: الحمد لله، المستأجر مطلقا متى لم يتم مدة الاستئجار له بحساب ما عمل،
ومن امتنع من إتمام الأجل من المستأجرين لزمه إتمام الأجل، ولا فرق بين معلم الصبيان وغيره. والله أعلم. ويشمله عموم قول التحفة: وللأجير أجرة مكمله … إن تم أو بقدر ما قد عمله وفي المازونية: إذا انفصل الراعي عن رعايته قبل تمام المدة من غير ضرر يلحقه ففيها قولان عن الشيوخ، المشهور له بحساب ما رعى، واختار أبو الحسن وبعض شيوخه أنه ليس له ذلك. وذكر بعضهم عن سيدي عبد الرحمن الفاسي وسيدي أحمد المقري أنهما أفتيا بأن الراعي إن خرج قبل تمام السنة لا شيء له وقد أسقط حقه، قالا: إلا أن يكون اشترط في العقد أنه متى شاء خرج فله شرطه.
وفي المازونية أيضا: للأجير بحساب ما عمل، رواه عيسى عن ابن القاسم في كتاب الإجارة،
ومن العتبية: ولست أحفظ فيها خلافا،
وفي كلام القاضي ابن رشد إشارة إلى أنه متفق عليه، لكن تلك الإشارة ليست صريحة في الاتفاق ويعاقب الأجير على هروبه متى وجد، يعاقبه القاضي بما يظهر له من سجن أو ضرب. اهـ. قاله الملوي.
وقال الرهوني بعد جلب كثير من المنقول: فتحصل أن القول بأن له بحساب ما عمل فقط هو المعتمد والأقوى، وأنه الذي يجب به القضاء والفتوى؛ لأنه قول ابن القاسم في سماع عيسى وسلمه الإمامان الجليلان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد وأبو بكر بن يونس، ولم يحكيا غيره كما سلمه حافظ المذهب أبو الوليد ابن رشد قائلا: إنه صحيح بلا خلاف، وبه أفتى الإمام ابن عرفة،
وقال في الاستغناء: به القضاء، وسلمه ابن عات وابن سلمون، وبه أفتى العقباني، وهو المشهور على ما نقله المازوني والونشريسي وسلماه، وقد علم مما سبق أن الخلاف جار في صورتين: إذا خرج الأجير،
وإذا أخرجه المستأجر، لكن الخلاف في الأولى هل له بحساب ما عمل؟ أو لا شيء له أصلا؟
وفي الثانية هل له بحساب ما عمل؟ أو له الأجرة كاملة؛
والمعتمدُ الأولُ فيهما، ومحل القولين إذا تراضيا على فسخ الإجارة كما تقدم التصريح به في كلام الطرر،
ومثله إذا وقع ذلك من أحدهما فلم يطلبه الآخر بإتمام العقد مع حضوره، أو غاب فلم يتأتَّ لصاحبه طلبه،
وأما إذا لم يرض صاحبه بذلك ورفعه إلى القاضي فإنه يجبره على الإتمام ولا يقول أحد هنا: إنه يمكن مما أراد جبرًا على صاحبه، فيجري القولان السابقان؛ لأن الإجارة من العقود اللازمة، كما صرح به غير واحد من الأئمة.
قال في المنتقى: عقد الإجارة لازم من الطرفين ليس لأحد المتعاقدين فسخه خلافا لأبي حنيفة، فلم ينسب عدم اللزوم إلا لأبي حنيفة. وقد وقع الغلط كثيرًا في هذا ممن يتعاطى الفتوى والقضاء في هذه الأوقات بأن الأجير كالراعي ومعلم الصبيان وما أشبههم إذا رام الخروج قبل تمام المدة يمكن من ذلك، مع إعطائه من الأجرة بحساب ما عمل دون رضي من صاحبه ودون إثبات عذر، وهذا غلط فاحش، فالمستأجر كرب الغنم وولي الصبي ونحو ذلك إذا أراد إخراج الراعي أو المعلم مثلا وأبى صاحبه فرفعه إلى القاضي جبره القاضي على إبقائه الأجير على عمله إلا أن يدفع له جميع الأجرة فلا كلام حينئذ للأجير، كما نص على ذلك غير واحد، ففي ابن يونس: وليس لأبي الصبي إخراجه حتى يتم الشرط، محمد بن يونس: إلا أن يدفع جميع الأجرة فله إخراجه،
ولو أراد المعلم أو الراعي مثلا الخروج وأبى الآخر جبره الحاكم على إتمام عمله، ولذلك قال التاودي عند قول التحفة: وللأجير أجرة مكمله. . . . البيتَ، ما نصه: هذا إذا تراضيا على عدم الإتمام وإلا أجبر الأجير كالراعي مثلا على إكمال سنته إلا لعذر من مرض ونحوه. انتهى. ولا يدخل في قوله: ونحوه حلف الأجير أن لا يتم مدته كما في الدرر المكنونة من جواب للإمام سيدي سعيد العقباني، وقد سئل عن مؤدب أقْرَأَ نصف السنة فتشاجر مع بعض الجماعة فحلف ألاَّ يتم المدة عندهم فطلب نصف أجرته ونصُّ جوابه: الحمد لله،
أما إتمام المدة فهو لازم له إلا أن يسلموا له،
وظاهره أنهم إذا لم يسلموا له يلزمه الإتمام،
ولو سلم لهم جميع الأجرة لما مضى
ولما يستقبل وهو ظاهر كلام غيره أيضا، فيجبره الإمام بالضرب ونحوه، فليس الأجير كالمستأجر بكسر الجيم لظهور الفارق؛ لأن المعلم مثلا إذا دفع له جميع الأجرة فقد تم العقد بتمكينه من نفسه فقد بذل ما وجب عليه وترتب عليه بتمكينه من الاستيفاء وتمكن المستأجر منه،
بخلاف ما لو أسقط الأجير حقه من الأجرة لأن للمستأجر بالعقد اللازم الاستيفاء لمنفعة الأجير، كالمعلم والراعي ونحوهما، ولا سيما الرعاة زَمَن المطر مثلا فلا يكتفي الحاكم منهم بمجرد وضعهم الأجرة، بل حتى يفعل به ما يكون زاجرا لأمثاله من ضرب ونحوه،
فإن استمر على إبايته بعد ذلك حكم عليه حينئذ بأنه لا شيء له من الأجرة ولا يجبره بالسجن إلا أن يكون يسيرا؛ لأن السجن الطويل لأجل تمام العقد يتضمن فسخه بذهاب مدته، وكل ما تضمن إثباتُه رفعَه ملغى. اهـ. كلام الرهوني. السادسة والعشرون: إذا جاء الراعي بعد انقضاء السنة وطالبه صاحب الماشية أن يعاوض تلك الأيام التي عطلها من السنة التي بعدها وكره الراعي ذلك فلا يجبر عليه وإن أراد الراعي ذلك وكرهه رب الماشية،
فإن اتفقا على ذلك وأراداه معا جاز إن لم ينقده الأجرة، وإلا منع لما فيه من فسخ الدين في منافع معينة. قاله الملوي.
وقال: وإذا جاء قبل انقضاء السنة لزمه أن يتم ما بقي منها،
ففي المدونة: ومن واجر عبدا فهرب لبلاد الحرب أوأبق فإن الإجارة تنفسخ بينهما إلا أن يرجع العبد في بقية من المدة فإنه يلزمه إتمامها. قال غيره: إلا أن يكونا تفاسخا أو فسخ ذلك بينهما فلا يلزمه إتمامها وهو وإن لم يكن في خصوص الراعي فهو من أجزاء الأجير. السابعة والعشرون: لا تنفسخ الإجارة بمرض الراعي،
فإن صح في بقية المدة لزمه عمل باقيها وكان له من الأجر بمقدار ما عمله،
فإن اختلف مع رب الغنم في قدر مدة مرضه،
فإن كان مأوى الراعي عند المستأجر فالقول للمستأجر وإلا فالقول للراعي قبض الأجرة أو لا، قاله ابن القاسم في مطلق الأجير، وبه مضت الفتيا عند الشيوخ،
وقيل: القول للأجير على كل حال إن كان حرا،
وأما إن تخالفا في أصل العطلة فقال الأجير: عملت السنة كلها،
وقال المستأجِر: عطلت منها، فالقول للأجير ويأخذ جميع الأجرة عند ابن القاسم. انتهى. انظر الملوي. الثامنة والعشرون: إذا تنازع الراعي مع رب الغنم في قبض الأجرة فإن كان ذلك عند تمام السنة أو بعدها بقرب فالقول قول الراعي مع يمينه في عدم قبض الأجرة بلا إشكال،
وإن كان ذلك بعد طول ففي المدونة: أن الصانع إذا قام بعد طول فادعى أنه لم يقبض الأجرة لم يصدق والقول لخصمه بيمين. قاله الملوي. التاسعة والعشرون: إن تمت المدة وطلب الأجير أجرته حرا أو عبدا فطلب من استأجره الفسحَة وضرب الأجل فيها كغيرها من سائر الديون، فقال ابن حبيب لا ينبغي أن تحمل أجرة الأجير محمل غيرها من الحقوق
ويجب تعجيلها لقوله عليه الصلاة والسلام (أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه (١) ) إلا أن يؤخِّر الأجيرُ من استأجره بالأجرة ثم يطلبها بعد تمامها فتحمل على الحقوق،
وأما من واجر عبده فقام يطلب أجرته بعد تمام العمل فإن أجرته تجري مجرى الحقوق في الفسحَة وضرب الأجل. قاله ابن فتوح. نقله الحطاب. المسألة المتممة الثلاثين: قال ابن عرفة: وفيها لمالك: لا يعجبني أن يسقي الراعي مارًّا من لبن ما يرعى. اللخمي: يريد إن كان الغالب إباحته كره ولم يحرم لغلبة الإباحة،
وإن كان أكثرهم يمنعون لم يجز،
وإن كانوا يبيحونه ولا يمنعونه لم يكره وقال أبو مهدي عيسى الغبريني: وليس مثل هذا من يمر بجنان رجل وله غلة ولم يكن عرف يقتضي الإذن؛ لأن اللبن يتجدد في كل يوم فالأمر فيه أخف. اهـ. واعلم أن أكل المار من الثمار التي يمر عليها فيه ثلاثة أقوال المنعُ، قال: الجزولي وهو المشهور، والجوازُ، وهو خارج المذهب؛ والفرقُ بين أن تكون لصديقك فيجوز لك الأكل منها أو لغيره فيمتنع. قال ابن رشد: وهو أولى الأقوال وأحقها بالصواب، وعلى القول بالمنع قال ابن رشد لا يجوز ذلك ولو أطعمه حراسها، كما لا يجوز للرجل أن يشتري من الراعي شاة يريدها، قال الجزولي: واختلف على القول بالمنع إذا أذن الأجير أو الراعي أو الشريك،
وقال له: إن ربها أباح ذلك لمن يأكلها، هل يصدقه ويأكل؟ أو لا يصدقه. قولان. نقله الملوي. الحادية والثلاثون: اعلم أن الثمرة إذا انجلى عنها أهلها لفتنة رحلوا بها من بلدهم فإن كانوا معروفين أو ورثتهم لم يجز أكل تلك الثمرة اتفاقا وحكمها حكم أعيان المغصوب،
وإن كانوا مجهولين لكن تمكن معرفتهم بالسؤال والبحث فحكم تلك الثمرة حكم اللقطة،
وكذلك الحكم لو انقرضوا لطول العمر وأيس من معرفتهم. قاله ابن رشد. اهـ. الثانية والثلاثون: سئل بعضهم عن ثلاثة قالوا لصاحبهم: احفظ غنمنا هذه ونمضي نحن للصيد وما صدناه يكون بيننا وبينك فرضي بذلك وأخذوا صيدا؟ فأجاب: الصيد لمن صاده وله عليهم قيمة ما رَعَى،
وإن نزل في الغنم شيء لم يضمن. قاله الملوي.
الثالثة والثلاثون: قال الملوي: قال في الدرر في سياق أسئلة الصديقين: وسئل أيضا عن راعي البقر والغنم هل يكون دورانه على عدد الرؤوس أو على عدد الماشية؟ فأجاب يبيت عندهم على قدر الماشية إن تشاحوا لأن الإجارة إنما تكون على عدد الماشية لأنها عمل الأبدان، فالمبيت مثل الإجارة تكون على عدد الماشية إلا أن يتفقوا على ما يريدون،
ومثله أيضا والله أعلم يجري في معلم الصبيان ونحوه،
ومثله راعي البقر بالنوبة أي فتكون على عدد البقر لا على عدد رؤوس المالكين إلا أن يتفقوا على ما يريدون. اهـ.
الرابعة والثلاثون: قال في نوازل الدعاوي من البرزلي: وفي الطرر عن يحيى بن عمر: في رجل كان مع غنم بين زرع وخاف فوات وقت الصلاة أنه يصلي ويغرم قيمة الزرع إن أفسدته الغنم.
وفي نوازل ابن هلال: أن عياضا سئل عن قوم استأجروا إماما للصلاة بطعام فجمعوا ما عليهم غير أربعة رجال يحرزون بقر القرية وغنمها ويأتون كل ليلة ويبيتون فيها يدخلونها في المغرب ويخرجون قبل طلوع الشمس وأبوا أن يعطوا مع جيرانهم؟ فأجاب: لزمهم ما يلزم جيرانهم، ثم قال بعد كلام: حاصل كلام ابن الحاج أن الأجرة لا تجب إلا على من التزمها في صلاة الجماعة غير الجمعة إلا إن جرى عرف أهل القرية على ذلك، وعند عياض تلزم مطلقا، وعند ابن رشد أنها لا تلزم من لم يلتزمها حتى في الجمعة.
قاله الملوي. الخامسة والثلاثون: في نوازل الشركة من الدرر المكنونة عن أبي عبد الله الزواوي: الشركة في البهائم على أقسام القسم الأول: أن يقول له: خذ بهيمتي على أن تخدمها مدة معلومة وله جزء معلوم، هذا على ثلاثة أقسام، القسم الأول: أن يقول له: خذ هذا الجزء الآن وتصرف فيه كيف شئت، وهذا جائز إن شرط عليه الخلف،
فإن لم يشترطه فهو فاسد، ولا يختلف في ذلك لأن العرف عدم الخلف. الثَّاني: أن لا يتصرف فيه إلا بعد انقضاء المدة وهذا فاسد للتحجير. الثالث: أن يقول: لا شيء لك فيها إلا بعد انقضاء المدة، وهذا فاسد أيضا،
فإن عثر على ذلك فسخ في لم يتغير السوق أو تتغير البهيمة في ذاتها،
فإن فاتت بما ذكرناه فالواجب القيمة يوم انقضاء المدة، ويرجع على صاحب البهيمة بأجرة المثل،
وإن عثر على ذلك قبل انقضاء المدة فالواجب ردها لربها وأجرة المثل. القسمُ الثاني: أن يبيع له جزءًا من البهيمة على أن يخدم له الباقي فذلك جائز بشروط، الأول: أن تكون الخدمة لمدة معلومة والثاني: أن يشترط الخلف.
والثالث: أن يتصرف المشتري فيما اشترى من غير تحجير عليه. والرابع: أن يكون لا يتصرف عنها إلا لمواضع معلومة في أوقات معلومة. والخامس: أن لا يشترط عليه القيام بنسلها، وتقدم ما في اشتراط رعي أولاد الغنم،
فإذا سقط شرط من هذه الشروط فالعقد فاسد، فيجب فسخه ويرجع على ربها بالأجرة،
وإن لم يعثر على ذلك إلا بعد الفوات فالواجب القيمة يوم القبض في الجزء المشتري ويرجع بأجرة المثل على ربها في الباقي. قاله الملوي.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.