لا لبغيٍ، وقطع طريقٍ
الشروح عليها
(قَوْلُهُ لَا لِبَغْيٍ وَقَطْعِ طَرِيقٍ) أَيْ لَا يُغَسَّلُ مَنْ قُتِلَ لِلْبَغْيِ أَوْ قَطْعِ الطَّرِيقِ وَإِذَا لَمْ يُغَسَّلَا لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يُصَلِّ عَلَى الْبُغَاةِ، وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ فَكَانَ إجْمَاعًا وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ بِمَنْزِلَتِهِمْ أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا قُتِلُوا فِي حَالِ الْحَرْبِ أَوْ أُخِذُوا وَقُتِلُوا بَعْدَهُ كَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَفَرَّقَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ بَيْنَهُمَا فَوَافَقَ فِي الْأَوَّلِ وَقَالَ بِالصَّلَاةِ فِي الثَّانِي
قَالَ فِي التَّبْيِينِ وَهَذَا تَفْصِيلٌ حَسَنٌ أَخَذَ بِهِ الْكِبَارُ مِنْ الْمَشَايِخِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْقَتْلَ فِي الثَّانِي حَدٌّ أَوْ قِصَاصٌ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ،
وَفِي الْبُغَاةِ لِكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ فَنُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ لِعَوْدِ مَنْفَعَتِهِ إلَى الْعَامَّةِ وَهَذَا التَّفْصِيلُ رُبَّمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ لِبَغْيٍ فَإِنَّ مَنْ قُتِلَ بَعْدَ الْحَرْبِ لَمْ يُقْتَلْ لِبَغْيٍ، وَإِنَّمَا قُتِلَ قِصَاصًا وَأُلْحِقَ بِقَاطِعِ الطَّرِيقِ الْمُكَابِرُونَ فِي الْمِصْرِ بِالسِّلَاحِ لَيْلًا كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْخَنَّاقُ الَّذِي خَنَقَ غَيْرَ مَرَّةٍ كَذَا فِي الْإِسْبِيجَابِيِّ وَحُكْمُ أَهْلِ الْعَصَبِيَّةِ كَحُكْمِ الْبُغَاةِ وَمَنْ قَتَلَ أَحَدَ أَبَوَيْهِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إهَانَةً لَهُ كَذَا فِي التَّبْيِينِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ قَاتِلِ نَفْسِهِ عَمْدًا لِلِاخْتِلَافِ فَعِنْدَهُمَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛
لِأَنَّهُ فَاسِقٌ غَيْرُ سَاعٍ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ بَاغٍ عَلَى نَفْسِهِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى الْقَاضِي عَلِيٍّ السَّعْدِيِّ فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ كَمَا تَرَى لَكِنْ تَأَيَّدَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ بِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ «أُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ» اهـ.
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ قَرِيبًا مِنْ كِتَابِ الْوَقْفِ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا قَتَلَ نَفْسَهُ وَالْآخَرُ قَتَلَ غَيْرَهُ كَانَ قَاتِلُ نَفْسِهِ أَعْظَمَ وِزْرًا وَإِثْمًا. اهـ.
قَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ قَتَلَ نَفْسَهُ عَمْدًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَهَا خَطَأً فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ اتِّفَاقًا
(قَوْلُهُ فَوَافَقَ فِي الْأَوَّلِ) ، وَهُوَ مَا إذَا قُتِلُوا فِي حَالِ الْحَرْبِ وَالْمُرَادُ بِالثَّانِي مَا إذَا قُتِلُوا بَعْدَهَا
لا زيادة له على هذه المسألة.
(لا) يغسل من قتل (لبغي) أي: خروج عن طاعة الإمام الحق ولا لأجل (قطع الطريق) إهانة لهما وأفاد أنه لا يصلى عليهما أيضاً قيل: هذا إذا قتلا حالة المحاربة
أما لو قتلا بعد ثبوت الأمان عليهما غسلا قال الشارح وهذا التفصيل حسن أخذ به الكبار من المشايخ لأنه في هذه الحالة حد (أو قصاص) وفيه يغسلان والعصبية كالبغاة ومن هذا النوع الخناق وقاتل أحد أبويه.
وأما قاتل نفسه فقيل يغسل عندهما وهو الأصح وبه يفتى خلافاً للثاني وجعل في (غابة البيان) قوله الثاني أصح وأيده في (فتح القدير) بما في (مسلم) أنه عليه الصلاة والسلام (أتي له برجل قتل نفسه بمشاقص ولم يصل عليه) وصرح في (الخانية) قبيل كتاب الوقف بأن قاتل نفسه أعظم وزراً وإثماً من قاتل غيره فظاهر أنه لو قتل نفسه خطاً غسل وصلي عليه اتفاقاً والله الموفق للصواب. [باب الصلاة في الكعبة] صح فرض ونفل فيها وفقوها،
ومن جعل ظهره إلى ظهر إمامه فيها صح، وإلى وجهه لا يصح وإن تحلقوا حولها صح لمن هو أقرب إليها من إمامه إن لم يكن في جانبه.
[باب الصلاة في الكعبة] سبق وجه تأخيرها
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (لَا لِبَغْيٍ، وَقَطْعِ طَرِيقٍ) أَيْ لَا مِنْ قُتِلَ لِأَجْلِ بَغْيٍ بِأَنْ كَانَ مَعَ الْبُغَاةِ، وَلَا مَنْ قُتِلَ لِأَجْلِ قَطْعِ طَرِيقِ فَإِنَّهُمَا لَا يُغَسَّلَانِ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمَا أَيْضًا إهَانَةً لَهُمَا،
وَقِيلَ يُغَسَّلَانِ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمَا لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الشَّهِيدِ،
وَقِيلَ هَذَا إذَا قُتِلَا فِي حَالَةِ الْمُحَارَبَةِ قَبْلَ أَنْ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا،
وَأَمَّا إذَا قُتِلَا بَعْدَ ثُبُوتِ يَدِ الْإِمَامِ عَلَيْهِمَا فَإِنَّهُمَا يُغَسَّلَانِ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمَا، وَهَذَا تَفْصِيلٌ حَسَنٌ أَخَذَ بِهِ الْكِبَارُ مِنْ الْمَشَايِخِ. وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ قَتْلَ قَاطِعِ الطَّرِيقِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَدٌّ أَوْ قِصَاصٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَتْلُ الْبَاغِي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِلسِّيَاسَةِ أَوْ لِكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ فَيَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ لِعَوْدِ مَنْفَعَتِهِ إلَى الْعَامَّةِ،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُغَسَّلَانِ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمَا كَيْفَمَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ قُتِلَ بِحَقٍّ فَصَارَ كَمَنْ قُتِلَ بِالْقِصَاصِ أَوْ بِالْحَدِّ، وَلَنَا أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يُصَلِّ عَلَى أَصْحَابِ النَّهْرَوَانِ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ فَقِيلَ لَهُ أَكُفَّارٌ هُمْ فَقَالَ أَخِوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا فَأَشَارَ إلَى الْعِلَّةِ، وَهِيَ الْبَغْيُ وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هُوَ الْقُدْوَةُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي السِّيَرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ وَلِأَنَّهُ قُتِلَ ظَالِمًا لِنَفْسِهِ مُحَارِبًا لِلْمُسْلِمِينَ كَالْحَرْبِيِّ فَلَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ عُقُوبَةً لَهُ وَزَجْرًا لِغَيْرِهِ كَالْمَصْلُوبِ يُتْرَكُ عَلَى الْخَشَبَةِ عُقُوبَةً لَهُ وَزَجْرًا لِغَيْرِهِ،
وَكَذَا مَنْ يَقْتُلُ بِالْخَنْقِ غِيلَةً؛ لِأَنَّهُ سَاعٍ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ كَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَحُكْمُ أَهْلِ الْعَصَبِيَّةِ حُكْمُ الْبُغَاةِ،
وَمَنْ قَتَلَ أَحَدَ أَبَوَيْهِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إهَانَةً لَهُ،
وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ عَمْدًا يُصَلَّى عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ غَيْرُ سَاعٍ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ،
وَإِنْ كَانَ بَاغِيًا عَلَى نَفْسِهِ كَسَائِرِ فُسَّاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ هَذَا إذَا قُتِلَا إلَى آخِرِهِ) هَذَا الْقَيْدُ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْوَلْوَالِجِيُّ فَقَالَ أَهْلُ الْبَغْيِ إذَا قُتِلُوا فِي الْحَرْبِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَلَوْ قُتِلُوا بَعْدَمَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا صُلِّيَ عَلَيْهِمْ
وَكَذَا قُطَّاعُ الطَّرِيقِ إذَا قُتِلُوا فِي حَالِ حَرْبِهِمْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ فَإِنْ أَخَذَهُمْ الْإِمَامُ وَقَتَلَهُمْ صَلَّى عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ مَا دَامُوا فِي الْحَرْبِ كَانُوا مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ الْبَغْيِ،
وَإِذَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا فَقَدْ تَرَكُوا الْبَغْيَ وَمَشَايِخُنَا جَعَلُوا حُكْمَ الْمَقْتُولِينَ بِالْعَصَبِيَّةِ حُكْمَ أَهْلِ الْبَغْيِ حَتَّى قَالُوا عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: غِيلَةً) وَالْغِيلَةُ بِالْكَسْرِ الِاغْتِيَالُ يُقَالُ قَتَلَهُ غِيلَةً، وَهُوَ أَنْ يَخْدَعَهُ فَيَذْهَبَ بِهِ إلَى مَوْضِعٍ فَإِذَا صَارَ إلَيْهِ قَتَلَهُ. اهـ مَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ. .
[بَابٌ الصَّلَاةُ فِي الْكَعْبَةِ] وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ فِي إيرَادِ هَذَا الْبَابِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُ لَمَّا بَيَّنَ أَحْكَامَ الصَّلَاةِ خَارِجَ الْكَعْبَةِ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ؛ وَلِأَنَّ الْبَيْتَ مَأْمَنٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} وَالْقَبْرُ مَأْمَنٌ لِقَالَبِ الْمَيِّتِ أَيْضًا؛ وَلِأَنَّ الْمُصَلِّيَ فِي الْكَعْبَةِ مُسْتَقْبِلٌ مِنْ وَجْهٍ وَمُسْتَدْبِرٌ مِنْ وَجْهٍ
وَكَذَلِكَ الشَّهِيدُ حَيٌّ عِنْدَ اللَّهِ مَيِّتٌ عِنْدَ النَّاسِ. اهـ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.