وَيُكْرَهُ إمَامَةُ عَبْدٍ وَأَعْرَابِيٌّ وَفَاسِقٌ وَأَعْمَى إلَّا أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ الْقَوْمِ وَمُبْتَدِعٌ لَا يَكْفُرُ بِهَا
الشروح عليها
(وَيُكْرَهُ) تَنْزِيهًا (إمَامَةُ عَبْدٍ) وَلَوْ مُعْتَقًا قُهُسْتَانِيٌّ. عَنْ الْخُلَاصَةِ، وَلَعَلَّهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ تَقَدُّمِ الْحَرِّ الْأَصْلِيِّ، إذْ الْكَرَاهَةُ تَنْزِيهِيَّةٌ فَتَنَبَّهْ (وَأَعْرَابِيٌّ)
وَمِثْلُهُ تُرْكُمَانٌ وَأَكْرَادٌ وَعَامِّيٌّ (وَفَاسِقٌ وَأَعْمَى) وَنَحْوُهُ الْأَعْشَى نَهْرٌ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) أَيْ غَيْرُ الْفَاسِقِ (أَعْلَمَ الْقَوْمِ) فَهُوَ أَوْلَى (وَمُبْتَدِعٌ) أَيْ صَاحِبُ بِدْعَةٍ وَهِيَ اعْتِقَادُ خِلَافِ الْمَعْرُوفِ عَنْ الرَّسُولِ لَا بِمُعَانَدَةٍ بَلْ بِنَوْعِ شُبْهَةٍ وَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ قِبْلَتِنَا (لَا يَكْفُرُ بِهَا) حَتَّى الْخَوَارِجُ الَّذِينَ يَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَنَا وَأَمْوَالَنَا وَسَبَّ الرَّسُولِ، وَيُنْكِرُونَ صِفَاتِهِ تَعَالَى وَجَوَازَ رُؤْيَتِهِ لِكَوْنِهِ عَنْ تَأْوِيلٍ وَشُبْهَةٍ بِدَلِيلِ قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ، إلَّا الْخَطَّابِيَّةِ وَمِنَّا مَنْ كَفَّرَهُمْ
(قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ تَنْزِيهًا إلَخْ) لِقَوْلِهِ فِي الْأَصْلِ: إمَامَةُ غَيْرِهِمْ أَحَبُّ إلَيَّ بَحْرٌ عَنْ الْمُجْتَبَى وَالْمِعْرَاجِ، ثُمَّ قَالَ: فَيُكْرَهُ لَهُمْ التَّقَدُّمُ؛
وَيُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ تَنْزِيهًا؛ فَإِنْ أَمْكَنَ الصَّلَاةُ خَلْفَ غَيْرِهِمْ فَهُوَ أَفْضَلُ وَإِلَّا فَالِاقْتِدَاءُ أَوْلَى مِنْ الِانْفِرَادِ
(قَوْلُهُ وَلَوْ مُعْتَقًا) يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ؛
فَإِنَّ الْمُعْتَقَ عَبْدٌ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ؛ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ عُمُومِ الْمَجَازِ بِأَنْ يُرَادَ بِالْعَبْدِ مَنْ اتَّصَفَ بِالرِّقِّ وَقْتًا مَا، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحَالِ أَوْ فِيمَا مَضَى ح
(قَوْلُهُ وَلَعَلَّهُ) أَيْ وَلَعَلَّ سَبَبَ كَرَاهَةِ الْمُعْتَقِ مَا قَدَّمْنَاهُ إلَخْ فَإِنَّ تَقْدِيمَ الْحُرِّ الْأَصْلِيِّ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَتَرْكُهُ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا، فَلِذَا قَالَ: إذْ الْكَرَاهَةُ إلَخْ.
وَفِي نُسْخَةٍ: وَالْعِلَّةُ أَيْ وَالْعِلَّةُ فِي كَرَاهَةِ إمَامَةِ الْمُعْتَقِ أَنَّ الْحُرَّ الْأَصْلِيَّ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ مِنْهُ لِأَنَّهُ نَشَأَ فِي الرِّقِّ مُشْتَغِلًا بِخِدْمَةِ الْمَوْلَى لَمْ يَتَفَرَّغْ لِلتَّعَلُّمِ رَحْمَتِيٌّ
(قَوْلُهُ وَأَعْرَابِيٍّ) نِسْبَةُ إلَى الْأَعْرَابِ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَلَبِسَ جَمْعًا لِعَرَبٍ كَمَا فِي الصِّحَاحِ، لَكِنْ فِي الرِّضَى الظَّاهِرُ أَنَّهُ جَمْعٌ قُهُسْتَانِيٌّ وَهُوَ مَنْ يَسْكُنُ الْبَادِيَةَ عَرَبِيًّا أَوْ عَجَمِيًّا بَحْرٌ، وَخَصَّهُ فِي الْمِصْبَاحِ بِأَهْلِ الْبَدْوِ مِنْ الْعَرَبِ
(قَوْلُهُ وَمِثْلُهُ إلَخْ) مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْأَعْرَابِيَّ لَا يَشْمَلُ الْأَعْجَمِيَّ، وَإِلَّا فَالْمُنَاسِبُ: وَمِنْهُ. وَالْعِلَّةُ فِي الْكُلِّ غَلَبَةُ الْجَهْلِ
(قَوْلُهُ وَفَاسِقٌ) مِنْ الْفِسْقِ: وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنْ الِاسْتِقَامَةِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ يَرْتَكِبُ الْكَبَائِرَ كَشَارِبِ الْخَمْرِ، وَالزَّانِي وَآكِلِ الرِّبَا وَنَحْوِ ذَلِكَ، كَذَا فِي الْبُرْجَنْدِيِّ إسْمَاعِيلُ.
وَفِي الْمِعْرَاجِ قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْتَدِيَ بِالْفَاسِقِ إلَّا فِي الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِهَا يَجِدُ إمَامًا غَيْرَهُ. اهـ.
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَعَلَيْهِ فَيُكْرَهُ فِي الْجُمُعَةِ إذَا تَعَدَّدَتْ إقَامَتُهَا فِي الْمِصْرِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ الْمُفْتَى بِهِ لِأَنَّهُ بِسَبِيلٍ إلَى التَّحَوُّلِ
(قَوْلُهُ وَنَحْوُهُ الْأَعْشَى) هُوَ سَيِّئُ الْبَصَرِ لَيْلًا وَنَهَارًا قَامُوسٌ، وَهَذَا ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ بَحْثًا أَخْذًا مِنْ تَعْلِيلِ الْأَعْمَى بِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّى النَّجَاسَةَ
(قَوْلُهُ أَيْ غَيْرُ الْفَاسِقِ) تَبِعَ فِي ذَلِكَ صَاحِبَ الْبَحْرِ: حَيْثُ قَالَ: قَيَّدَ كَرَاهَةَ إمَامَةِ الْأَعْمَى فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ بِأَنْ لَا يَكُونَ أَفْضَلَ الْقَوْمِ،
فَإِنْ كَانَ أَفْضَلَهُمْ فَهُوَ أَوْلَى اهـ
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ يَنْبَغِي جَرَيَانُ هَذَا الْقَيْدِ فِي الْعَبْدِ وَالْأَعْرَابِيِّ وَوَلَدِ الزِّنَا، وَنَازَعَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّهُ فِي الْهِدَايَةِ عَلَّلَ لِلْكَرَاهَةِ بِغَلَبَةِ الْجَهْلِ فِيهِمْ، وَبِأَنَّ فِي تَقْدِيمِهِمْ تَنْفِيرَ الْجَمَاعَةِ، وَمُقْتَضَى الثَّانِيَةِ ثُبُوتُ الْكَرَاهَةِ مَعَ انْتِفَاءِ الْجَهْلِ، لَكِنْ وَرَدَ فِي الْأَعْمَى نَصٌّ خَاصٌّ هُوَ «اسْتِخْلَافُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَعِتْبَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَكَانَا أَعْمَيَيْنِ» ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الرِّجَالِ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ مِنْهُمَا، وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِإِطْلَاقِهِمْ وَاقْتِصَارِهِمْ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْأَعْمَى.
اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ قَوْلَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ الْقَوْمِ خَاصٌّ بِالْأَعْمَى،
أَمَّا غَيْرُهُ فَلَا تَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ بِعِلْمِهِ،
لَكِنْ مَا بَحَثَهُ فِي الْبَحْرِ صَرَّحَ بِهِ فِي الِاخْتِيَارِ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ عُدِمَتْ أَيْ عِلَّةُ الْكَرَاهَةِ بِأَنْ كَانَ الْأَعْرَابِيُّ أَفْضَلَ مِنْ الْحَضَرِيِّ، وَالْعَبْدُ مِنْ الْحُرِّ، وَوَلَدُ الزِّنَا مِنْ وَلَدِ الرِّشْدَةِ، وَالْأَعْمَى مِنْ الْبَصِيرِ فَالْحُكْمُ بِالضِّدِّ اهـ وَنَحْوُهُ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى لِلْبَهْنَسِيِّ وَشَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ تَنْفِيرَ الْجَمَاعَةِ بِتَقْدِيمِهِ يَزُولُ إذَا كَانَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ، بَلْ التَّنْفِيرُ يَكُونُ فِي تَقَدُّمِ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا الْفَاسِقُ فَقَدْ عَلَّلُوا كَرَاهَةَ تَقْدِيمِهِ بِأَنَّهُ لَا يُهْتَمُّ لِأَمْرِ دِينِهِ، وَبِأَنَّ فِي تَقْدِيمِهِ لِلْإِمَامَةِ تَعْظِيمَهُ، وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ إهَانَتُهُ شَرْعًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا كَانَ أَعْلَمَ مِنْ غَيْرِهِ لَا تَزُولُ الْعِلَّةُ، فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ فَهُوَ كَالْمُبْتَدِعِ تُكْرَهُ إمَامَتُهُ بِكُلِّ حَالٍ، بَلْ مَشَى فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ عَلَى أَنَّ كَرَاهَةَ تَقْدِيمِهِ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ لِمَا ذَكَرْنَا قَالَ: وَلِذَا لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ أَصْلًا عِنْدَ مَالِكٍ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، فَلِذَا حَاوَلَ الشَّارِحُ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَحَمَلَ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى غَيْرِ الْفَاسِقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَطْلَبٌ الْبِدْعَةُ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ
(قَوْلُهُ أَيْ صَاحِبُ بِدْعَةٍ) أَيْ مُحَرَّمَةٍ، وَإِلَّا فَقَدْ تَكُونُ وَاجِبَةً، كَنَصْبِ الْأَدِلَّةِ لِلرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ، وَتَعَلُّمِ النَّحْوِ الْمُفْهِمِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَنْدُوبَةً كَإِحْدَاثِ نَحْوِ رِبَاطٍ وَمَدْرَسَةٍ وَكُلِّ إحْسَانٍ لَمْ يَكُنْ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَمَكْرُوهَةٍ كَزَخْرَفَةِ الْمَسَاجِدِ. وَمُبَاحَةٍ كَالتَّوَسُّعِ بِلَذِيذِ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالثِّيَابِ كَمَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْمُنَاوِيِّ عَنْ تَهْذِيبِ النَّوَوِيِّ، وَبِمِثْلِهِ فِي الطَّرِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ لِلْبِرْكِلِيِّ
(قَوْلُهُ وَهِيَ اعْتِقَادُ إلَخْ) عَزَاهُ هَذَا التَّعْرِيفِ فِي هَامِشِ الْخَزَائِنِ إلَى الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الِاعْتِقَادَ يَشْمَلُ مَا كَانَ مَعَهُ عَمَلٌ أَوْ لَا،
فَإِنَّ مَنْ تَدَيَّنَ بِعَمَلٍ لَا بُدَّ أَنْ يَعْتَقِدَهُ كَمَسْحِ الشِّيعَةِ عَلَى الرِّجْلَيْنِ وَإِنْكَارِهِمْ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ فَيُسَاوِي تَعْرِيفَ الشُّمُنِّيِّ لَهَا بِأَنَّهَا مَا أُحْدِثَ عَلَى خِلَافِ الْحَقِّ الْمُتَلَقَّى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِلْمٍ أَوْ عَمَلٍ أَوْ حَالٍ بِنَوْعِ شُبْهَةٍ وَاسْتِحْسَانٍ، وَجُعِلَ دَيْنًا قَوِيمًا وَصِرَاطًا مُسْتَقِيمًا اهـ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ لَا بِمُعَانِدَةٍ) أَمَّا لَوْ كَانَ مُعَانِدًا لِلْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ الَّتِي لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهَا أَصْلًا كَإِنْكَارِ الْحَشْرِ أَوْ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهُوَ كَافِرٌ قَطْعًا
(قَوْلُهُ بَلْ بِنَوْعِ شُبْهَةٍ) أَيْ وَإِنْ كَانَتْ فَاسِدَةً كَقَوْلِ مُنْكِرِ الرُّؤْيَةِ بِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يُرَى لِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ
(قَوْلُهُ وَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ قِبْلَتِنَا لَا يَكْفُرُ بِهَا) أَيْ بِالْبِدْعَةِ الْمَذْكُورَةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى شُبْهَةٍ إذْ لَا خِلَافَ فِي كُفْرِ الْمُخَالِفِ فِي ضَرُورِيَّاتِ الْإِسْلَامِ مِنْ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَحَشْرِ الْأَجْسَادِ وَنَفْيِ الْعِلْمِ بِالْجُزْئِيَّاتِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ الْمُوَاظِبِ طُولَ عُمْرِهِ عَلَى الطَّاعَاتِ كَمَا فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ
(قَوْلُهُ حَتَّى الْخَوَارِجُ) أَرَادَ بِهِمْ مَنْ خَرَجَ عَنْ مُعْتَقَدِ أَهْلِ الْحَقِّ لَا خُصُوصَ الْفِرْقَةِ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى الْإِمَامِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَكَفَّرُوهُ، فَيَشْمَلُ الْمُعْتَزِلَةَ وَالشِّيعَةَ وَغَيْرَهُمْ
(قَوْلُهُ وَسَبَّ الرَّسُولِ) هَكَذَا فِي غَالِبِ النُّسَخِ، وَرَأَيْته كَذَلِكَ فِي الْخَزَائِنِ بِخَطِّ الشَّارِحِ، وَفِيهِ أَنَّ سَابَّ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَافِرٌ قَطْعًا، فَالصَّوَابُ وَسَبَّ أَصْحَابِ الرَّسُولِ، وَقَيَّدَهُمْ الْمُحَشِّي بِغَيْرِ الشَّيْخَيْنِ لِمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْمُرْتَدِّ أَنَّ سَابَّهُمَا أَوْ أَحَدِهِمَا كَافِرٌ.
أَقُولُ: مَا سَيَأْتِي مَحْمُولٌ عَلَى سَبِّهِمَا بِلَا شُبْهَةٍ، لِمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ مِنْ أَنَّ سَابَّهُمَا أَوْ مُنْكِرُ خِلَافَتِهِمَا إذَا بَنَاهُ عَلَى شُبْهَةٍ لَهُ لَا يَكْفُرُ وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ كُفْرًا فِي حَدِّ ذَاتِهِ لِأَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ حُجِّيَّةَ الْإِجْمَاعِ بِإِتْهَامِهِمْ الصَّحَابَةَ، فَكَانَ شُبْهَةً فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَتْ بَاطِلَةً،
بِخِلَافِ مَنْ ادَّعَى أَنَّ عَلِيًّا إلَهٌ وَأَنَّ جِبْرِيلَ غَلِطَ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَنْ شُبْهَةٍ وَاسْتِفْرَاغِ وُسْعٍ فِي الِاجْتِهَادِ، بَلْ مَحْضُ هَوًى،
وَتَمَامُهُ فِيهِ فَرَاجِعْهُ: وَقَدْ أَوْضَحْت هَذَا الْمَقَامَ فِي كِتَابِي: [تَنْبِيهُ الْوُلَاةِ وَالْحُكَّامِ عَلَى أَحْكَامِ شَاتِمِ خَيْرِ الْأَنَامِ أَوْ أَحَدِ أَصْحَابِهِ الْكِرَامِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ]
(قَوْلُهُ لِكَوْنِهِ عَنْ تَأْوِيلٍ إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ لَا يَكْفُرُ بِهَا. قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي أَوَاخِرِ التَّحْرِيرِ: وَجَهْلُ الْمُبْتَدِعِ كَالْمُعْتَزِلَةِ مَانِعِي ثُبُوتِ الصِّفَاتِ الزَّائِدَةِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَالشَّفَاعَةِ وَخُرُوجِ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ وَالرُّؤْيَةِ لَا يَصْلُحُ عُذْرًا، لِوُضُوحِ الْأَدِلَّةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، لَكِنْ لَا يَكْفُرُ، إذْ تَمَسُّكُهُ بِالْقُرْآنِ أَوْ الْحَدِيثِ أَوْ الْعَقْلِ، وَلِلنَّهْيِ عَنْ تَكْفِيرِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ وَلَا شَهَادَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ، وَعَدَمُهُ فِي الْخَطَابِيَّةِ لَيْسَ لِكُفْرِهِمْ: أَيْ بَلْ لِتَدَيُّنِهِمْ شَهَادَةَ الزُّورِ لِمَنْ كَانَ عَلَى رَأْيِهِمْ أَوْ حَلَفَ أَنَّهُ مُحِقٌّ.
وَأَوْرَدَ أَنَّ اسْتِبَاحَةَ الْمَعْصِيَةِ كُفْرٌ. وَأُجِيبَ إذَا كَانَ عَنْ مُكَابَرَةٍ وَعَدَمِ دَلِيلٍ،
بِخِلَافِ مَا عَنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وَالْمُبْتَدِعُ مُخْطِئٌ فِي تَمَسُّكِهِ لَا مُكَابِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِسَرَائِرِ عِبَادِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَمِنَّا مَنْ كَفَّرَهُمْ) أَيْ مِنَّا مَعْشَرَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مَنْ كَفَّرَ الْخَوَارِجَ: أَيْ أَصْحَابَ الْبِدَعِ؛ أَوْ الْمُرَادُ مِنَّا مَعْشَرَ الْحَنَفِيَّةِ. وَأَفَادَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ عِنْدَنَا خِلَافُهُ، فَقَدْ نَقَلَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخُلَاصَةِ فُرُوعًا تَدُلُّ عَلَى كُفْرِ بَعْضِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ تَكْفِيرِ أَحَدٍ مِنْ الْمُخَالِفِينَ فِيمَا لَيْسَ مِنْ الْأُصُولِ الْمَعْلُومَةِ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً إلَخْ فَافْهَمْ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.