فَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ سَيِّدُهُ، انْجَرَّ وَلَاءُ وَلَدِهِ إِلَيْهِ
الشروح عليها
(ولم يَعُدْ إلى مَوالي الأمِّ بحالٍ) في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وحُكِيَ عن ابنِ عباس، أنَّه يَعُودُ إلى مَوالي الأُمِّ. والأولُ أصَحُّ؛ لأنَّ الوَلاءَ جَرَى مَجْرَى الانْتِسابِ،
ولو انْقَرَضَ الأبُ وآباؤُه لم تَعُدِ النِّسْبَةُ إلى الأمِّ، كذلك الولاءُ. إذا ثَبَت هذا، فوَلَدَتْ بعدَ عِتْقِ الأب، كان وَلاءُ وَلَدِها لمَوَالِي أبيه، بلا خلافٍ،
فإن نَفاهُ باللِّعانِ، عاد ولاؤُه إلى مَوالِي الأمِّ؛ لأننا تَبَيَّنَّا أنَّه لم يكنْ له أبٌ يَنْتَسِبُ إليه.
فإن عاد فاسْتَلْحَقَه، عادَ الوَلاءُ إلى مَوالِي الأبِ.
فصل: ولا يَنْجَرُّ الوَلاءُ إلَّا بشُروطٍ ثلاثةٍ؛ أحدُها، أن يكونَ الأبُ عبدًا حينَ الولادَةِ،
فإن كان حُرًّا وزوجَتُه مَوْلاةً، لم يَخْلُ،
إمَّا أن يكونَ حُرَّ الأصْلِ، فلا وَلاءَ على وَلَدِه بحالٍ،
وإن كان مَوْلًى، ثَبَت الوَلاءُ على وَلَدِه لمَوَالِيه ابْتِداءً ، ولا جَرَّ فيه. الثاني، أن تكونَ الأمُّ مَوْلاةً،
فإن لم تكنْ كذلك، لم يَخْلُ،
إمَّا أن تكونَ حُرَّةَ الأصْلِ، فلا وَلاءَ على وَلَدِها بحالٍ، وهم أحْرارٌ بحُرِّيَّتِها، أو تكونَ أَمَةً، فوَلَدُها رقِيقٌ لسَيِّدِها،
فإن أعْتَقَهم، فوَلاؤُهم له لا يَنْجَرُّ عنه بحالٍ، سَواءٌ أعْتَقَهم بعدَ ولادَتِهم، أو أعْتَقَ أُمَّهُم حامِلًا بهم فعَتَقُوا بعِتْقِها؛ لأنَّ الوَلاءَ ثَبَت بالعِتْقِ مباشَرةً، فلا يَنْجَرُّ عن المُعْتِقِ؛ لقوله عليه الصلاةُ والسلامُ:«إنَّما الوَلَاءُ لمَنْ أعْتَقَ».
وإن أعْتَقَها المَوْلَى فأتَتْ بوَلَدٍ لدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ، فقد مَسَّه الرِّقُّ وعَتَقَ بالمُباشَرَةِ، فلا يَنْجَرُّ وَلاؤُه،
وإن أتَتْ به لأكْثَرَ مِن سِتَّةِ أشْهُر مع بَقاءِ الزَّوْجِيَّةِ، لم يُحْكَمْ بمَسِّ الرِّقِّ له، وانْجَرَّ ولاؤُه؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ حادثًا بعدَ العِتْقِ، فلم يَمَسَّه الرِّقُّ، ولم يُحْكَمْ برِقِّه بالشَّكِّ.
وإن كانتِ المرأةُ بائِنًا، وأتَتْ بوَلَدٍ لأَرْبَعِ سِنِينَ مِن حينِ الفُرْقَةِ، لم يَلْحَقْ بالأبِ، [وكان ولاؤه لمَوْلَى أمِّهِ،
وإنْ أتتْ به لأقلَّ من ذلك لَحِقَه الولدُ، وانْجَرَّ ولاؤُه لأمِّه.
وولدُ الأمَةِ مملوكٌ سواءٌ] كان مِن نكاحٍ أو من سِفاحٍ، عربيًّا كان الزوجُ أو أعجميًّا. وهذا قولُ عامةِ الفقهاءِ. وعن عمرَ، إن كان زوجُها عربِيًّا فوَلَدُه حُرٌّ، وعليه قيمَتُه، ولا وَلاءَ عليه. وعن أحمدَ مثلُه. وبه قال ابنُ المسيَّبِ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبو ثورٍ، والشافعيُّ في القديمِ، ثم رَجَعَ عنه. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ أُمَّهم أمَةٌ، فكانُوا عَبيدًا، كما لو كان أبوهم أعْجَمِيًّا. الثالثُ، أن يُعْتِقَ العبدَ سَيِّدُه،
فإن مات على الرِّقِّ، لم يَنْجَرَّ الوَلاءُ بحالٍ. وهذا لا خِلافَ فيه.
فإنِ اخْتَلَفَ سيدُ العبدِ ومَوْلَى الأمِّ في العبدِ بعدَ موتِه، فقال سيدُه: مات حُرًّا بعدَ جَرِّ الوَلاء. وأنكر ذلك مَوْلَى الأُمِّ، فالقولُ قولُ مَوْلَى الأُمِّ. ذَكَرَه أبو بكرٍ؛ لأَنَّ الأصْلَ بَقاءُ الرِّقِّ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
٢٩٠٥ -
(فَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ سَيِّدُهُ، انْجَرَّ وَلَاءُ وَلَدِهِ إِلَيْهِ) أَيْ: إِلَى مُعْتِقِ الْعَبْدِ، فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ مِنَ الصَّحَابَةِ،
وَمَنْ بَعْدَهُمْ، لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ خَيْبَرَ رَأَى فِتْيَةً لُعْسًا، فَأَعْجَبَهُ ظُرْفُهُمْ وَجَمَالُهُمْ، فَسَأَلَ عَنْهُمْ، فَقِيلَ: مَوَالِي رَافِعِ بْنِ خُدَيْجٍ، وَأَبُوهُمْ مَمْلُوكٌ لِآلِ الْحُرَقَةِ، فَاشْتَرَى الزُّبَيْرُ أَبَاهُمْ، فَأَعْتَقَهُ،
وَقَالَ لِأَوْلَادِهِ: انْتَسِبُوا إِلَيَّ، فَإِنَّ وَلَاءَكُمْ لِي، فَقَالَ رَافِعٌ: بَلْ هُوَ لِي، فَإِنَّهُمْ عَتَقُوا بِعِتْقِ أُمِّهِمْ، فَاحْتَكَمُوا إِلَى عُثْمَانَ، فَقَضَى بِالْوَلَاءِ لِلزُّبَيْرِ، وَأَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، وَلِأَنَّ الْأَبَ لَمَّا كَانَ مَمْلُوكًا لَمْ يَصْلُحْ وَارِثًا، وَلَا وَلِيًّا فِي نِكَاحٍ، فَكَانَ كَوَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ، يَنْقَطِعُ نَسَبُهُ عَنْ أَبِيهِ، فَثَبَتَ الْوَلَاءُ لِمَوْلَى أُمِّهِ، وَانْتَسَبَ إِلَيْهَا،
فَإِذَا عَتَقَ الْعَبْدُ، صَلُحَ لِلِانْتِسَابِ، وَعَادَ وَارِثًا وَلِيًّا، فَعَادَتِ النِّسْبَةُ إِلَيْهِ وَإِلَى مَوَالِيهِ، كَمَا لَوِ اسْتَلْحَقَ الْمُلَاعِنُ وَلَدَهُ.
فَائِدَةٌ: اللَّعَسُ سَوَادٌ فِي الشَّفَتَيْنِ تَسْتَحْسِنُهُ الْعَرَبُ،
وَمِثْلُهُ اللَّمْيَاءُ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
لَمْيَاءُ فِي شَفَتَيْهَا حُوَّةٌ لَعَسٌ ...
وَفِي اللِّثَاتِ وَفِي أَنْيَابِهَا شَنَبُ
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.