وَيَجِبُ الْإِحْدَادُ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنَ الْوَفَاةِ وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْبَائِنِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ
الشروح عليها
فصل: فإن طَلَّقَها طَلاقًا رَجْعِيًا، فنَكَحَتْ في عِدَّتِها مَن وَطِئها، فقد ذَكَرْنا أنَّها تَبْنِي على عِدَّةِ الأوَّل، ثم تَسْتَأنِفُ عِدَّةَ الثاني، ولِزَوْجِها الأوَّلِ. رَجْعَتُها في بَقِيَّةِ عِدَّتِها منه؛ لأَنَّ الرَّجْعَةَ إمْساكٌ للزَّوْجةِ، وطَرَيانُ الوَطْءِ مِن أجْنَبِي على النِّكاحِ لا يَمْنَعُ الزَّوْجَ إمْساكَ زَوْجَتِه، كما لو كانت في صُلْبِ النِّكاحِ.
وقيلَ: ليس له رَجْعَتُها؛ لأنَّها مُحَرَّمَة عليه، فلم يَصِحَّ له ارْتِجاعُها، كالمُرْتَدَّةِ.
والصَّحيحُ الأوَّلُ ؛ فإنَّ التَّحْرِيمَ لا يَمْنَعُ الرَّجْعَة، كالإحْرامِ. ويُفارِقُ الرِّدّةَ؛ لأنَّها جارِيَة إلى بَينُونَةٍ بعدَ الرَّجْعَةِ،
بخِلافِ العِدَّةِ. وإذا انْقَضَتْ عِدَّتُها منه، فليسِ له رَجْعَتُهَا في عِدَّةِ الثاني؛ لأنَّها ليست منه.
وإذا ارْتَجَعَها في عِدَّتِها مِن نفسِه، وكانت بالقُرُوءِ أو بالأشْهُرِ، انْقَطَعَتْ عِدّتُه بالرَّجْعَةِ، وابْتَدَأتْ عِدَّةً مِن الثاني، ولا يَحِلُّ له وَطْؤها حتى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الثاني، كا لو وُطِئَتْ بشُبْهَةٍ في صُلْبِ نِكاحِه.
وإن كانت مُعْتَدَّةً بالحملِ، لم يُمْكِنْ شُرُوعُها في عِدَّةِ الثاني قبلَ وَضْعِ الحمل؛ لأنَّها بالقُروءِ،
فإذا وضَعَتْ حَمْلَها، شَرَعَتْ في عِدَّةِ الثاني،
[وإن كان الحملُ مُلْحَقًا بالثاني، فإنَّها تَعْتَدُّ به عن الثاني]، وتتَقَدَّمُ عِدَّةُ الثاني على الأوَّلِ،
فإذا أكْمَلَتْها، شَرَعَتْ في إتْمامِ عِدَّةِ الأوَّلِ، وله حينَئذٍ أن يَرْتَجِعَها ؛ لأنَّها في عِدَّتِه.
وإن أحَبَّ أن يرْتَجِعَها في حالِ حَمْلِها ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، ليس له ذلك؛ لأنَّها ليست في عِدَّتِه، وهي مُحَرَّمَة عليه، فأشْبَهَتِ الأجْنَبِيَّةَ أو المُرْتَدَّةَ.
والثاني، له رَجْعَتُها؛ لأن عِدَّتَها منه لم تَنْقَضِ، وتحْرِيمُها لا يَمْنَعُ رَجْعَتَها، كالمُحْرِمَةِ.
فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمَه الله: (ويَجِبُ الإحْدادُ على المُعْتَدَّةِ مِن الوَفاةِ. وهل يجبُ على البائِنِ؟ على رِوايتَين. ولا يَجِبُ على الرجْعِيَّةِ، والمَوْطُوءةِ بشُبْهَةٍ أو زِنًى، أو في نِكاحٍ فاسدٍ، أو بمِلْكِ يَمينٍ) لا نعلمُ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ في وُجُوبِ الإِحْدادِ على المُتَوَفَّى عنها زوْجُها، إلَّا عن الحسنِ، فإنَّه قال: لا يجبُ الإِحْدادُ. وهو قولٌ شَذَّ به عن أهلِ العلمِ، وخالفَ فيه السُّنَّةَ، فلا يُعَرَّجُ عليه.
٣٨٨٣ -
فَصْلٌ: وُجُوبُ الْإِحْدَادِ] فَصْلٌ (وَيَجِبُ الْإِحْدَادُ) وَهُوَ الْمَنْعُ إِذِ الْمَرْأَةُ تَمْنَعُ نَفْسَهَا مِمَّا كَانَتْ تَتَهَيَّأُ بِهِ لِزَوْجِهَا مِنْ تَطَيُّبٍ وَتُزَيُّنٍ، يُقَالُ: أَحَدَّتِ الْمَرْأَةُ إِحْدَادًا فَهِيَ مُحِدَّةٌ وَحَدَّتْ تُحِدُّ بِالضَّمِّ، وَالْكَسْرِ فَهِيَ حَادَّةٌ، سُمِّي الْحَدِيدُ حَدِيدًا لِلِامْتِنَاعِ بِهِ، أَوْ لِامْتِنَاعِهِ عَلَى مَنْ يُحَاوِلُهُ، (عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنَ الْوَفَاةِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ إِلَّا عَنِ الْحَسَنِ، فَإِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ، فَلَا يُعْرَجُ عَلَيْهِ، احْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} فَإِنَّ ظَاهِرَهُ مَا تَنْفَرِدُ بِهِ الْمَرْأَةُ، وَالنِّكَاحُ لَا يَتِمُّ إِلَّا في الْغَيْرِ، فَحَمَلَ عَلَى مَا يَتِمُّ بِهِ وَحْدَهَا مِنَ الزِّينَةِ، وَالطِّيبِ، وَقَدْ رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«لَا تَحِدُّ امْرَأَةٌ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تَحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَائِدَةٌ: الْعَصْبُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْبُرُودِ يُصْبَغُ غَزْلُهُ، ثُمَّ يُنْسَجُ (وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْبَائِنِ) كَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، وَالْمُخْتَلِعَةِ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا أَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الرِّعَايَةِ " إِحْدَاهُمَا: لَا يَجِبْ لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ:«الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَابِ، وَلَا الْمُمَشَّقَ، وَلَا الْحُلِيَّ، وَلَا تَخْتَضِبُ، وَلَا تَكْتَحِلُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَلِأَنَّ الْإِحْدَادَ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ لِإِظْهَارِ الْأَسَفِ عَلَى فِرَاقِ زَوْجِهَا وَمَوْتِهِ.
فَأَمَّا الْبَائِنُ، فَإِنَّهُ فَارَقَهَا بِاخْتِيَارِهِ، وَقَطَعَ نِكَاحَهَا، فَلَا مَعْنَى لِتَكَلُّفِهَا الْحُزْنَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا لَوْ أَتَتْ بِوَلَدٍ لَحِقَ الزَّوْجُ بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَنْفِيهِ فَاحْتِيطَ عَلَيْهَا بِالْإِحْدَادِ لِئَلَّا يَلْحَقَ بِالْمَيِّتِ مَنْ لَيْسَ مِنْهُ،
بِخِلَافِ الْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنِ، وَالثَّانِيَةُ: يَجِبُ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَالرَّجْعِيَّةُ زَوْجَةٌ، وَالْحَدِيثُ مَدْلُولُهُ تَحْرِيمُ الْإِحْدَادِ عَلَى مَيِّتٍ غَيْرِ الزَّوْجِ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ، وَلِهَذَا جَازَ الْإِحْدَادُ هَاهُنَا بِالْإِجْمَاعِ، لَكِنْ لَا يُسَنُّ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " مَعَ أَنَّهُ يَحْرُمُ فَوْقَ ثَلَاثٍ عَلَى مَيِّتٍ غَيْرِ زَوْجٍ، فَعَلَى هَذَا حُكْمُهَا حُكْمُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا فِي تَوَقِّيِ الزِّينَةِ، وَالطِّيبِ،
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُخْتَلِعَةِ ; لِأَنَّهَا يَحِلُّ لِزَوْجِهَا الَّذِي خَالَعَهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهَا،
بِخِلَافِ الْبَائِنِ بِالثَّلَاثِ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " لَا يَلْزَمُ بَائِنًا قَبْلَ دُخُولٍ
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.