وَإِنْ سَقَطَ الْجَنِينُ حَيًّا،
الشروح عليها
مسألة: (وإن سقَط الجَنِينُ حَيًّا، ثم مات، ففيه دِيَةُ حُرٍّ إن كان حُرًّا، أو قِيمَتُه إن كان مَمْلُوكًا، إذا كان سُقُوطُه لوَقْتٍ يَعِيشُ مثلُه، وهو أن تَضَعَه لسِتَّةِ أشْهُرٍ فصاعِدًا، وإلَّا فحُكْمُه حُكْم المَيِّتِ) هذا قَوْلُ عامَّةِ أهلِ العلمِ. قال ابن المُنْذِرِ : أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، على أنَّ في الجَنِينِ يَسْقُطُ حَيًّا مِن الضَّرْبِ، دِيَةً كاملةً؛ منهم زيدُ بنُ ثابتٍ، وعُرْوَةُ، والزُّهْرِىُّ، والشَّعْبِىُّ، وقَتادَةُ، وابنُ شُبْرُمَةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى؛
وذلك لأنَّه مات مِن جِنايَته بعدَ وِلادَتِه، في وَقْتٍ يَعِيشُ لمثلِه، فأشْبَهَ قَتْلَه بعدَ وَضْعِه. وفى هذه المسألةِ ثلاثةُ فُصولٍ؛ أحدُها، أنَّه إنَّما يُضْمَنُ بالدِّيَةِ إذا وَضَعَتْه حَيًّا، فمتَى عُلِمَتْ حَياتُه، ثبَت له هذا الحُكْمُ، سواءٌ ثبَت باستهلالِه، أو ارتضاعه، أو بنَفَسِه ، أو عُطاسِه، أو غيرِ ذلك مما تُعْلَمُ به حياتُه. هذا ظاهرُ قولِ الخِرَقِىِّ. وهو مذهبُ الشافعىِّ. ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّه لا يَثْبُتُ له حُكْمُ الحياةِ إلَّا بأنْ يَسْتَهِلَّ.
وهذا قولُ الزُّهْرِىِّ، وقَتادةَ، ومالكٍ، وإسْحاقَ. ورُوِىَ مَعْنَى ذلك عن عمرَ، وابنِ عبَّاسٍ، والحسنِ بنِ علىٍّ، وجابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، رَضِى اللَّهُ عنهم؛ لقَوْلِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذَا اسْتَهَلَّ المَوْلُودُ، وَرِثَ ووُرِثَ». مَفْهُومُه أنَّه لا يَرِثُ إذا لم يَسْتَهِلَّ. والاسْتِهْلالُ: الصِّياحُ. قاله ابنُ عباسٍ، والقاسِمُ، والنَّخَعِىُّ؛ لأَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلَّا مَسَّهُ الشَّيْطانُ، فيَسْتَهِلُّ صارِخًا، إلَّا مَرْيَمَ وابْنَها» . فلا يجوزُ غيرُ ما قالَه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
والأَصْلُ في تَسْمِيَةِ الصِّياحِ اسْتِهْلالًا، أنَّ مِن عادةِ الناسِ أنَّهم إذا رَأَوا الهِلالَ صاحُوا، وأرَاهُ بعْضُهم بعضًا، فَسُمِّىَ صِياح المَوْلُودِ استِهْلالًا؛ لأنَّه في ظُهُورِه بعدَ خَفائه كالهِلالِ، وصِياحُه كصِياحِ مَن يَتَراءاهُ. ولَنا، أنَّه قد عُلِمَتْ حياتُه، فأشْبَهَ المُسْتَهِلَّ، والخَبَرُ يدُلُّ بمَعْناه وتَنْبِيهِه على ثُبُوتِ الحُكْمِ في سائرِ الصُّوَرِ،
فإنَّ شُرْبَه اللَّبَنَ أدَلُّ على حَياتِه مِن صِياحِه، وعُطاسَه ضَرْبٌ منه، فهو كصِياحِه.
وأمَّا الحَرَكَةُ والاخْتِلاجُ المُنْفَرِدُ، فلا يَثْبت به حُكْم الحياةِ؛ لأنَّه قد يتَحَرَّكُ بالاخْتِلاجِ وبسَبَبٍ آخَرَ، وهو خُروجُه مِن مَضِيقٍ،
فإنَّ اللَّحْمَ يخْتَلِجُ، سِيَّما إذا عُصِرَ ثم تُرِكَ، فلم تَثْبت بذلك حَياتُه.
الفصل الثانى: أنَّه إنَّما يَجِبُ ضَمانُه إذا عُلِمَ مَوْتُه بسبَب الضَّرْبَةِ، ويَحْصُلُ ذلك بسُقوطِه في الحالِ أو مَوْتِه، أو بَقائه مُتَأَلِّمًا إلى أنَ يَمُوتَ، أو بقاءِ أُمِّه مُتَأَلِّمةً إلى أن تُسْقِطَه، فيُعْلَمُ بذلك مَوْتُه بالجِنايةِ، كما لو ضرَب رَجُلًا فمات عَقِيبَ ضَرْبِه، أو بَقِىَ ضَمِنًا حتى مات.
وإن ألْقَتْه حَيًّا، فجاء آخَرُ فقَتَلَه، وكانت فيه حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فعلى الثانى القِصاصُ إذا كان عَمْدًا، أو الدِّيَةُ كاملةً،
وإن لم تَكُنْ فيه حياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، بل كانت حَرَكَتُه كحرَكَةِ المَذْبُوحِ، فالقاتلُ هو الأَوَّلُ، وعليه الدِّيَةُ كاملةً، ويُؤَدَّبُ الثانِى.
وإن بَقِىَ الجَنِينُ حَيًّا، وبَقِيَ زَمَنًا سالمًا لا ألَمَ به، لم يَضْمَنْه الضَّارِبُ؛ لأَنَّ الظاهرَ أنَّه لم يَمُت مِن جِنايَتِه.
الفصل الثالث: أنَّ الدِّيَةَ إنَّما تجبُ فيه إذا كان سُقوطُه لسِتَّةِ أشْهُرٍ فصاعِدًا،
فإن كان لدُونِ ذلك، ففيه غُرَّةٌ، كما لو سقَط مَيِّتًا. وبهذا قال المُزَنِىُّ.
وقال الشافعىُّ: فيه دِيَةٌ كاملةٌ؛ لأنَّنا عَلِمْنا حَياتَه، وقد تَلِفَ مِن جِنايَتِه. ولَنا، أنَّه لم تُعْلَمْ فيه حياةٌ يُتَصَوَّرُ بقَاؤُه بها، فلم تَجِبْ فيه دِيَةٌ، كما لو ألْقَتْه مَيِّتًا، وكالمذْبُوحِ. وقولُهم: إنَّا عَلِمْنا حياتَه.
قُلْنا: وإذا سقَط مَيِّتًا وله سِتَّةُ أشْهُرٍ، فقد عَلِمْنا حياتَه أَيضًا.
٤٢٢٢ -
(وَإِنْ سَقَطَ الْجَنِينُ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ دِيَةُ حُرٍّ إِنْ كَانَ حُرًّا) لِأَنَّهُ حُرٌّ مَاتَ بِجِنَايَةٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاشَرَهُ بِالْقَتْلِ، وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا، وَعَنْ أَحْمَدَ: لَا يَثْبُتُ هَذَا الْحُكْمُ إِلَّا إِذَا اسْتَهَلَّ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَالْأَوَّلُ نَصَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " ; لِأَنَّ الِارْتِضَاعَ وَنَحْوَهُ أَدَلُّ عَلَى الْحَيَاةِ مِنَ الِاسْتِهْلَالِ،
فَأَمَّا بِمُجَرَّدِ الْحَرَكَةِ، فَلَا
وإنْ سقَط الجَنِينُ حَيًّا، ثم ماتَ، ففيه دِيةُ حُرٍّ إنْ كانَ حُرًّا، أو قِيمَتُه إنْ كانَ مَمْلُوكًا، إذا كانَ سُقُوطُه لوَقْتٍ يَعِيشُ فى مثلِه، وهو أَنْ تَضَعَه لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فصاعِدًا. هذا المذهبُ. وعليه الأصحابُ.
وعنه، يُشْتَرَطُ -مع ما تقدَّم- أن مِثْلُهُ، وَهُوَ أَنْ تَضَعَهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرِ فَصَاعِدًا، وَإِلَّا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَيِّتِ، يَسْتَهِلَّ صارِخًا. قال فى «الرَّوْضَةِ»، وغيرِها: كحَياةِ مَذْبُوحٍ، فإنَّه لا حُكْمَ لها. قال الزَّرْكَشِىُّ: تُعْلَمُ حَياتُه باسْتِهْلالِه، بلا رَيْبٍ. وهل تُعْلَمُ بارْتِضاعِه، أو تَنَفُّسِه، أو عُطاسِه، ونحوِه ممَّا يدُلُّ على الحياةِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهما، لا. والثَّانيةُ، نعم. وهى ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، واخْتيارُ أبى محمدٍ.
أمَّا مُجَرَّدُ الحَرَكَةِ والاخْتِلاجِ، فلا يدُلَّانِ على الحياةِ. انتهى. والذى يظْهَرُ، أنَّ هذا يَنْزِعُ إلى ما قاله . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصحابُ فى مِيراثِ الحَمْلِ، على ما تقدَّم، فحيثُ حَكَمْنا هناك أنَّه يَرِثُ ويُورَثُ، ففيه هنا الدِّيَةُ، وإلَّا وَجَبَتِ الغُرَّةُ.
قال: (وإن سقط الجنين حياً ثم مات ففيه دية حر إن كان حراً، أو قيمته إن كان مملوكاً إذا كان سقوطه لوقت يعيش مثله وهو أن تضعه لستة أشهر فصاعداً، وإلا فحكمه حكم الميت. وإن اختلفا في حياته ولا بينة ففي أيهما يقدم قوله؟ وجهان) .
أما كون الجنين فيه دية حر إذا سقط حياً لوقت يعيش مثله وكان حراً؛ فلأنه حرٌّ مات بجناية. أشبه ما لو باشره بالقتل.
وأما كونه فيه قيمته إذا كان عبداً؛ فلأن القيمة في العبد بمنزلة الدية في الحر.
وأما كون سقوطه لوقت يعيش مثله شرطاً فيما ذكر؛ فلأنه إذا لم يكن كذلك لا يعلم فيه حياة يجوز بقاؤها. فلم تجب فيه دية ولا قيمة؛ كما لو سقط ميتاً.
وأما كون الوقت الذي يعيش مثله فيه ستة أشهر فصاعداً؛ فلأن من وُلد لأقل من ذلك [لم تجر العادة ببقائه.
وأما كون حكمه حكم الميت إذا سقط لأقل من ذلك] ؛ فلأن الحركة التي فيه كحركة المذبوح لما ذكر من كون العادة لم تجر ببقائه.
وأما كون مستحق الدية إذا اختلف هو والجاني في حياة الجنين ولا بينة ففي أيهما يقدم قوله وجهان؛ فلأن النظر إلى أن الجنين كان حياً في بطن أمه يقتضي تقديم قول مستحق الدية لأن الأصل في كل ثابت بقاؤه على ما كان، وذلك يقتضي كونه حياً حين السقوط. والنظر إلى أن الأصل براءة ذمة الجاني من الدية يقتضي قبول قوله؛ لأنه يوافق ذلك الأصل.
وتقييد ما ذكر بلا بينة مشعر بأن أحدهما لو كان له بينة كان قوله مقدماً على الآخر وجهاً واحداً. وهو صحيح؛ لأن البينة تُظهرُ الحقَّ وتبيّنه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.