إِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَحُمِلَ فَأُدْخِلَهَا وَيُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ أَوْ حَلَفَ لَا يَسْتَخْدِمُ رَجُلًا، فَخَدَمَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ وَيُحْتَمَلْ أَنْ لَا يَحْنَثَ
الشروح عليها
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (إذا حَلَف لا يَدْخُلُ دارًا، فحُمِلَ فأُدْخِلَها، ويُمْكِنُه الامْتِناعُ فلم يَمْتَنِعْ، أو حَلَف لا يَسْتَخْدِمُ رَجُلًا، فخَدَمَه وهو ساكِت، فقال القاضي: يَحْنَثُ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ) إذا حَلَف لا يَدْخُلُ دارًا، فحُمِلَ فأُدْخِلَها، فلم يُمْكِنْه الامْتِناعُ، لم يَحْنَثْ. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ أبي طالبٍ. وبه قال الشافعي، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ الفِعْلَ غيرُ مَوْجودٍ منه، ولا مَنْسُوبٍ إليه.
فإن حُمِلَ بأمْرِه، فأُدْخِلَها، حَنِثَ؛ لأنَّه دَخَل مُخْتارًا، فأشْبَهَ ما لو دَخَل راكِبًا.
فإن حُمِلَ بغيرِ أمْرِه، لكنَّه أمْكَنَه الامْتِناعُ فلم يَمْتَنِعْ، حَنِثَ أيضًا. اخْتارَه القاضي؛ لأنه دَخَلَها غيرَ مُكْرَهٍ، فأشْبَهَ ما لو حُمِلَ بأمْرِه.
وقال أبو الخَطَّابِ: في الحِنْثِ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَحْنَثُ؛ [لأنَّه لم يَفْعَلِ الدُّخُولَ، ولم يَأمُرْ به، فأشْبَهَ ما لو لم يُمْكِنْه الامْتِناعُ.
ومتى دَخَل باخْتِيارِه، حَنِثَ]، سَواءٌ كان ماشِيًا، أو راكِبًا، أو مَحْمُولًا، أو ألْقَى نَفْسَه في ماءٍ فَجَرَّه إليها، أو سَبَح فيها فَدَخَلَها، وسَواءٌ دَخَل مِن بابِها، أو تَسَوَّرَ حائِطَها، أو دَخَل مِن طاقَةٍ فيها، أو نَقَب حائِطَها، و دَخَل مِن ظَهْرِها، أو غير ذلك.
فصل: فإن أُكْرِهَ بالضَّرْبِ ونَحْوه، فدَخَلَها، لم يَحْنَثْ، في أحَدِ الوَجْهَين. وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
والثاني، يَحْنَثُ. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي. ونحوُه عن النَّخَعِيِّ؛ لأنه دَخَلَها وفَعَل ما حَلَف على تَرْكِه.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِيَ لأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأَ، والنِّسْيانِ، ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ». ولأنَّه دَخَلَها مُكْرَهًا، فأشْبَهَ ما لو حُمِلَ فأُدْخِلَها مُكْرَهًا.
وكذلك إن حَلَف لا يَسْتَخْدِمُ رَجُلًا، فخَدَمَه وهو ساكِتٌ، فيه مِن الخلافِ ما ذكَرْناه في دُخولِ الدَّارِ؛ لأنَّه في مَعْناه.
فصل: وإن حَلَف لا يَسْتَخْدِمُ عَبْدًا، فخَدَمَه وهو ساكِت، لم يَأْمُرْه ولم يَنْهَه، فقال القاضي: إن كان عبدَه، حَنِثَ،
وإن كان عبدَ غيرِه، لم يَحْنَثْ. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ عبدَه يَخْدِمُه عِبادَةً بحُكْمِ اسْتِحْقَاقِه ذلك عليه، فيكونُ معْنى يَمِينِه: لَا مَنَعْتُك خِدْمَتِي.
فإذا لم يَنْهَه، لم يَمْنَعْه، فحَنِثَ ، وعبدُ غيرِه بخِلافِه.
وقال أبو الخَطَّابِ: يَحْنَثُ في الحالين؛ لأنَّ إقْرارَه على الخِدْمَةِ اسْتِخْدامٌ، ولهذا يقالُ: فلانٌ يَسْتَخْدِمُ عبدَه. إذا خَدَمَه وإن لم يَأْمُرْه، ولأنَّه ما حَنِثَ به في عبدِه، حَنِث به في عبدِ غيرِه، [كسائِرِ الأشْياءِ.
وقال الشافعيُّ: لا يَحْنَثُ في الحالين؛ لأنَّه حَلَف على فِعْلِ نَفْسِه، فلا يَحْنَث بفِعْلِ غيرِه]، كسائِرِ الأفْعالِ.
٤٧٨٤ -
(إِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَحُمِلَ فَأُدْخِلَهَا) وَلَمْ يُمْكِنْهُ الِامْتِنَاعُ، لَمْ يَحْنَثْ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا،
فَإِنْ حُمِلَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ (وَيُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ) حَنِثَ فِي الْمَنْصُوصِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي كَمَا لَوْ حُمِلَ بِأَمْرِهِ،
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِيهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَلِي لِمَا تَقَدَّمَ.
وَالثَّانِي: لَا يَحْنَثُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الِامْتِنَاعُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: كَيْفَمَا دَخَلَ بِاخْتِيَارِهِ، حَنِثَ مُطْلَقًا،
وَلَوْ من غير بَابَهَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَوْ أُكْرِهَ بِضَرْبٍ وَنَحْوِهِ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِلْخَبَرِ وَالْمَعْنَى، (أَوْ حَلَفَ لَا يَسْتَخْدِمُ رَجُلًا، فَخَدَمَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ) لِأَنَّهُ قَصَدَ اجْتِنَابَ خِدْمَتِهِ، وَلَمْ يَحْصُلْ (وَيُحْتَمَلْ أَنْ لَا يَحْنَثَ) وَهُوَ وَجْهٌ، لِأَنَّهُ اسْتَخْدَمَهُ، وَالسُّكُوتُ لَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى، وَلِهَذَا يَمْلِكُ الَّذِي شَقَّ ثَوْبَهُ مُطَالَبَةَ الَّذِي شَقَّهُ،
وَقِيلَ: إِنْ كَانَ عَبْدَهُ حَنِثَ، لِأَنَّ عَبْدَهُ يَخْدِمُهُ عَادَةً، فَمَعْنَى يَمِينِهِ لَأَمْنَعَنَّكَ خِدْمَتِي،
فَإِذَا لَمْ يَنْهَهُ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ،
بِخِلَافِ عَبْدِ غَيْرِهِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْنَثُ فِيهِمَا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ هُبَيْرَةَ
لا يتكلم على هذه المسألة.
فصل [في مسائل من الحلف] قال المصنف رحمه الله: (إذا حلفَ لا يدخلُ داراً فحُملَ فأُدخِلها ويمكنه الامتناع فلم يمتنع، أو حلفَ لا يستخدمُ رجلاً فخدمه وهو ساكت فقال القاضي: يحنث. ويحتمل أن لا يحنث) .
أما كون من حلف لا يدخل داراً فحُملَ فأُدخِلها ويمكنه الامتناع فلم يمتنع يحنث عند القاضي؛ فلأن عدم الامتناع مع القدرة يُذهب معنى الإكراه النافي للحنث.
فإن قيل: فحُملَ فأُدخلَها مشعر بالإكراه فيكون الكلام مفروضاً في الإكراه.
فإذا خرج عن أن يكون مكرهاً خرجت المسألة عن أصلها.
قيل: لما كان الحملُ إكراهاً في الصورة أُطلق عليه مُكرهاً فإذا أمكنه الامتناع لم يكن مكرهاً حقيقة.
وتقييد المصنف رحمه الله الحنث بأن يمكنه الامتناع إشعار بأنه إذا لم يمكنه لا يحنث. وهو صحيح نص عليه الإمام أحمد.
قال المصنف في المغني: والأصل في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عُفيَ لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهُوا عليه».
ولأن الفعل غير موجود عنه ولا منسوب إليه.
وأما كون من يمكنه الامتناع فلم يفعل يحتمل أن لا يحنث؛ فلأنه مكره صورة. أشبه المكره معنى.
وأما كون من حلف لا يستخدم رجلاً فخدمه وهو ساكت يحنث على قول القاضي؛ فلأن الظاهر أنه قصد اجتناب خدمته ولم يحصل.
وأما كونه يحتمل أن لا يحنث؛ فلأنه ما استخدمه. والسكوت لا يدل على الرضى بدليل: ما لو شقّ رجل ثوب رجل وهو ساكت فإن سكوته لا يدل على رضاه، ولهذا يملك الذي شقّ ثوبه مطالبة الذي شقه بقيمة شقه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.