الحج والعمرة
العبادات
هذه نصوص المتون كما هي، وليست مقارنة.للمقارنة: مسائل الخلاف في هذا الباب
في متون المذاهب الأربعة
-
(أَوَّلُ وَقْتِ الْفَجْرِ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ، وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ) لِحَدِيثِ «إمَامَةِ جِبْرِيلَ عليه السلام ، فَإِنَّهُ أَمَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيهَا فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ،
-
الِافْتِتَاحِ. فَإِنْ قُلْت: جَعَلْت الْوَقْتَ سَبَبًا فَكَيْفَ يَكُونُ شَرْطًا؟ قُلْت: هُوَ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ وَشَرْطٌ لِلْأَدَاءِ. وَأَرْكَانُهَا: الْقِيَامُ، وَالْقِرَاءَةُ، وَالرُّكُوعُ، وَالسُّجُودُ، وَالْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ.
-
وَحُكْمُهَا سُقُوطُ الْوَاجِبِ عَنْهُ بِالْأَدَاءِ فِي الدُّنْيَا وَنَيْلُ الثَّوَابِ الْمَوْعُودِ فِي الْآخِرَةِ، وَهِيَ فَرِيضَةٌ قَائِمَةٌ، وَشَرِيعَةٌ ثَابِتَةٌ عُرِفَتْ فَرْضِيَّتُهَا بِالْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا وَعَلَى كَوْنِهَا خَمْسًا؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِحِفْظِ جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ وَعَطَفَ عَلَيْهَا الصَّلَاةَ الْوُسْطَى، وَأَقَلُّ جَمْعٍ يُتَصَوَّرُ مَعَهُ وُسْطَى هُوَ الْأَرْبَعُ، وَبِالسُّنَّةِ وَهُوَ قَوْلُهُ: عليه الصلاة والسلام : «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسَ صَلَوَاتٍ» وَهُوَ مِنْ الْمَشَاهِيرِ، وَبِالْإِجْمَاعِ فَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا عَلَى فَرْضِيَّتِهَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرِ مُنْكِرٍ وَلَا رَدِّ رَادٍّ،
-
فَمَنْ أَنْكَرَ شَرْعِيَّتَهَا كَفَرَ بِلَا خِلَافٍ.
-
الْمَوَاقِيتُ جَمْعُ مِيقَاتٍ، وَالْمِيقَاتُ مَا وُقِّتَ بِهِ: أَيْ حُدِّدَ مِنْ زَمَانٍ كَمَوَاقِيتِ الصَّلَوَاتِ أَوْ مَكَان كَمَوَاقِيتِ الْإِحْرَامِ، وَإِنَّمَا ابْتَدَأَ بِبَيَانِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ وَشَرْطٌ لِلْأَدَاءِ فَكَانَ لَهُ جِهَتَانِ فِي التَّقْدِيمِ، وَقُدِّمَ مِنْ بَيْنِهَا وَقْتُ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ.
-
وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْفَجْرِ أَوَّلُ مَنْ صَلَّاهَا آدَم عليه السلام حِينَ أُهْبِطَ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَظْلَمَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَجَنَّ اللَّيْلُ وَلَمْ يَكُنْ يَرَى قَبْلَ ذَلِكَ فَخَافَ خَوْفًا شَدِيدًا، فَلَمَّا انْشَقَّ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى: الرَّكْعَةُ الْأُولَى لِلنَّجَاةِ مِنْ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَالثَّانِيَةُ شُكْرًا لِرُجُوعِ ضَوْءِ النَّهَارِ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبُ كَوْنِهَا رَكْعَتَيْنِ وَفُرِضَتْ عَلَيْنَا، فَلَمَّا كَانَتْ أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا الْإِنْسِيُّ قَدَّمَهَا فِي الذِّكْرِ، وَأَوَّلُ وَقْتِهَا إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي: أَيْ الْفَجْرُ الصَّادِقُ وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْفَجْرِ الْكَاذِبِ وَهُوَ الْبَيَاضُ الَّذِي يَبْدُو فِي السَّمَاءِ، وَيَعْقُبُهُ ظَلَامٌ وَتُسَمِّيهِ الْعَرَبُ ذَنَبُ السِّرْحَانِ (وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ)
-
وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ أَسْفَرَ جِدًّا وَكَادَتْ الشَّمْسُ تَطْلُعُ»،
-
ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَقْتٌ لَك
-
قِيلَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ " مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ " يَتَنَاوَلُ مِنْ وَقْتِ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ بَلْ الْمُرَادُ جُزْءٌ قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ جَمِيعِ الْوَقْتِ، وَحَدِيثُ جِبْرِيلَ عليه السلام هُوَ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَمَّنِي جِبْرِيلُ عليه السلام عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ وَصَلَّى بِي الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ وَصَارَ الْفَيْءُ مِثْلَ الشِّرَاكِ، وَصَلَّى بِي الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ وَصَلَّى بِي الْمَغْرِبَ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ وَصَلَّى بِي الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى بِي الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى بِي الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ وَصَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِي الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، وَصَلَّى بِي الْمَغْرِبَ حِينَ غَرَبَتْ الشَّمْسُ لِوَقْتِهِ بِالْأَمْسِ، وَصَلَّى بِي الْعِشَاءَ حِينَ مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ قَالَ نِصْفُ اللَّيْلِ، وَصَلَّى بِي الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ وَأَسْفَرَ وَكَادَتْ الشَّمْسُ أَنْ تَطْلُعَ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُك وَوَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِك، وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ» وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ قَوْلَهُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ يَقْتَضِي أَلَّا يَكُونَ الْأَوَّلُ وَالْآخَرُ وَقْتًا وَذَلِكَ خِلَافُ الْمَطْلُوبِ.
-
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَوْ اقْتَضَى ذَلِكَ كَانَتْ الصَّلَاةُ فِيهِمَا وَاقِعَةً فِي غَيْرِ الْوَقْتِ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَعْلِيمًا لِلْوَقْتِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ لَيْسَ الْوَقْتُ مُنْحَصِرًا فِيهِمَا بَلْ مَا فَعَلْنَاهُ بَيَانٌ لِلْحَاضِرَيْنِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَقْتٌ أَيْضًا فَكَانَ الْفِعْلُ
-
وَلِأُمَّتِك.
-
وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْفَجْرِ الْكَاذِبِ وَهُوَ الْبَيَاضُ الَّذِي يَبْدُو طُولًا ثُمَّ يَعْقُبُهُ الظَّلَامُ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ، وَإِنَّمَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ فِي الْأُفُقِ» أَيْ الْمُنْتَشِرُ فِيهِ.
-
(وَأَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ) لِإِمَامَةِ جِبْرِيلَ عليه السلام فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ (وَآخِرُ وَقْتِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ سِوَى فَيْءِ الزَّوَالِ وَقَالَا: إذَا صَارَ الظِّلُّ مِثْلَهُ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَفَيْءُ الزَّوَالِ هُوَ الْفَيْءُ الَّذِي يَكُونُ لِلْأَشْيَاءِ وَقْتَ الزَّوَالِ.
-
لَهُمَا إمَامَةُ جِبْرِيلَ عليه السلام فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ
-
بَيَانًا لِلطَّرَفَيْنِ، وَالْقَوْلُ لِمَا بَيْنَهُمَا. وَقَوْلُهُ:
-
(وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْفَجْرِ الْكَاذِبِ) ظَاهِرٌ.
-
وَقَوْلُهُ: (إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ) قِيلَ أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي مَعْرِفَةِ الزَّوَالِ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ أَنَّهُ يُغْرَزُ خَشَبَةٌ فِي مَكَان مُسْتَوٍ وَيُجْعَلُ عَلَى مَبْلَغِ الظِّلِّ مِنْهُ عَلَامَةٌ فَمَا دَامَ الظِّلُّ يَنْقُصُ مِنْ الْخَطِّ فَهُوَ قَبْلَ الزَّوَالِ،
-
فَإِذَا وَقَفَ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ فَهُوَ سَاعَةُ الزَّوَالِ الَّتِي هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ فَيْءِ الزَّوَالِ،
-
فَإِذَا أَخَذَ الظِّلُّ فِي الزِّيَادَةِ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ زَالَتْ: كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَفِي الْمُحِيطِ،
-
وَإِذَا أَخَذَ الظِّلُّ فِي الزِّيَادَةِ فَالشَّمْسُ قَدْ زَالَتْ فَخَطٌّ عَلَى رَأْسِ مَوْضِعِ الزِّيَادَةِ فَيَكُونُ مِنْ رَأْسِ الْخَطِّ إلَى الْعُودِ فَيْءُ الزَّوَالِ فَإِذَا صَارَ ظِلُّ الْعُودِ مِثْلَيْهِ مِنْ رَأْسِ الْخَطِّ لَا مِنْ الْعُودِ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ،
-
ثُمَّ هُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَوْقَاتِ حَتَّى قِيلَ إنَّهُ فِي أَطْوَلِ أَيَّامِ السَّنَةِ لَا يَبْقَى بِمَكَّةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ظِلٌّ عَلَى الْأَرْضِ،
-
وَكَذَا بِالْمَدِينَةِ تَأْخُذُ الشَّمْسُ الْحِيطَانَ الْأَرْبَعَةَ، وَذَلِكَ الْفَيْءُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي التَّقْدِيرِ بِالظِّلِّ بَلْ الْمُعْتَبَرُ مَا سِوَاهُ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَآخِرُ وَقْتِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ) اعْلَمْ أَنَّ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله اخْتَلَفَتْ فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ، رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْهُ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ سِوَى فَيْءِ الزَّوَالِ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَدَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْهُ: إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ سِوَى فَيْءِ الزَّوَالِ خَرَجَ وَقْتُ الطُّهْرِ وَدَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رحمهم الله وَرَوَى أَسَدُ بْنُ عَمْرٍو وَعَلِيُّ بْنُ جَعْدٍ عَنْهُ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ سَوَاءٌ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَلَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْعَصْرِ حَتَّى يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَقْتٌ مُهْمَلٌ كَمَا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْفَجْرِ.
-
قَالَ الْكَرْخِيُّ: وَهَذِهِ أَعْجَبُ الرِّوَايَاتِ إلَيَّ لِمُوَافَقَتِهَا لِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ. وَقَوْلُهُ: آخِرُ الْوَقْتِ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ فِيهِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّ آخِرَ الشَّيْءِ مِنْهُ،
-
وَإِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ عِنْدَهُ،
-
وَكَذَا إذَا صَارَ مِثْلَهُ عِنْدَهُمَا، أَلَا تَرَى إلَى مَا فِي الْمَنْظُومَةِ:
-
فَالْعَصْرُ حِينَ الْمَرْءُ يَلْقَى ظِلَّهُ … قَدْ صَارَ مِثْلَيْهِ وَقَالَا مِثْلَهُ
-
وَتَأْوِيلُهُ آخِرَ الْوَقْتِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُ خُرُوجُ الظُّهْرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيمَا بَعْدُ بِخُطُوطٍ: وَآخِرُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ،
-
وَلَا شَكَّ أَنَّ بِغَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ يَتَحَقَّقُ الْخُرُوجُ.
-
وَقَوْلُهُ: (لَهُمَا إمَامَةُ جِبْرِيلَ عليه السلام ) اخْتَلَفَ نُسَخُ
-
فِي هَذَا الْوَقْتِ.
-
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» وَأَشَدُّ الْحَرِّ فِي دِيَارِهِمْ فِي هَذَا الْوَقْتِ،
-
وَإِذَا تَعَارَضَتْ الْآثَارُ لَا يَنْقَضِي الْوَقْتُ بِالشَّكِّ.
-
(وَأَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ إذَا خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ تَغْرُبْ الشَّمْسُ)
-
الْهِدَايَةِ فِيهِ، فَفِي بَعْضِهَا فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ: أَيْ إمَامَتُهُ لِلْعَصْرِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَفِي بَعْضِهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي: أَيْ إمَامَتُهُ لِلظُّهْرِ، وَفِي بَعْضِهَا إمَامَتُهُ لِلْعَصْرِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي هَذَا الْوَقْتِ: أَيْ الْوَقْتِ الَّذِي جَعَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَقْتَ الظُّهْرِ وَهُوَ مَا إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَلَهُ قَوْلُهُ: عليه الصلاة والسلام ) أَيْ مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» أَيْ اُدْخُلُوا الصَّلَاةَ فِي الْبَرْدِ: يَعْنِي صَلُّوهَا إذَا سَكَنَتْ شِدَّةُ الْحَرِّ.
-
وَقَوْلُهُ: (مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) أَيْ شِدَّةِ حَرِّهَا (وَأَشَدُّ الْحَرِّ فِي دِيَارِهِمْ) كَانَ (فِي هَذَا الْوَقْتِ) يَعْنِي إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَهَذَا مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ إمَامَةِ جِبْرِيلَ؛ لِأَنَّ إمَامَتَهُ عليه السلام فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّل فِيمَا إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ دَلَّتْ عَلَى خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ، وَالْأَمْرُ بِالْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ دَلَّ عَلَى عَدَمِ خُرُوجِهِ؛
-
لِأَنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ فِي دِيَارِهِمْ كَانَ فِي هَذَا الْوَقْتِ (وَإِذَا تَعَارَضَتْ الْآثَارُ لَا يَنْقَضِي الْوَقْتُ) الثَّابِتُ بِيَقِينٍ (بِالشَّكِّ) قِيلَ أَوَّلُ مَنْ صَلَّى بَعْدَ الزَّوَالِ إبْرَاهِيمُ عليه السلام حِينَ أُمِرَ بِذَبْحِ الْوَلَدِ صَلَّى أَرْبَعًا الْأُولَى شُكْرًا لِذَهَابِ غَمِّ الْوَلَدِ، وَالثَّانِيَةَ شُكْرًا لِنُزُولِ الْفِدَاءِ، وَالثَّالِثَةَ لِرِضَا اللَّهِ تَعَالَى حِينَ نُودِيَ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ وَالرَّابِعَةَ لِصَبْرِ وَلَدِهِ عَلَى مَضَرَّةِ الذَّبْحِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ تَطَوُّعًا وَقَدْ فُرِضَ عَلَيْنَا.
-
وَقَوْلُهُ: (وَأَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ إذَا خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ) أَيْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ وَقَوْلِ صَاحِبَيْهِ، فَعِنْدَهُ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ سِوَى فَيْءِ الزَّوَالِ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ، وَعِنْدَهُمَا إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ.
-
(وَآخِرُ وَقْتِهَا وَقْتُ غُرُوبِ الشَّمْسِ لِقَوْلِهِ
-
لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا» .
-
(وَأَوَّلُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ) (إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ) (وَآخِرُ وَقْتِهَا) (مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : مِقْدَارُ مَا يُصَلَّى فِيهِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ لِأَنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام أَمَّ فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
-
وَلَنَا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «أَوَّلُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ وَآخِرُ وَقْتِهَا حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ» وَمَا رَوَاهُ كَانَ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْكَرَاهَةِ
-
- عليه الصلاة والسلام «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا» ) ذَكَرَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، قِيلَ وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى الْعَصْرَ يُونُسُ عليه السلام حِينَ أَنْجَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَرْبَعِ ظُلُمَاتٍ وَقْتَ الْعَصْرِ: ظُلْمَةِ الزَّلَّةِ، وَظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وَظُلْمَةِ الْمَاءِ. وَظُلْمَةِ بَطْنِ الْحُوتِ، فَصَلَّاهَا شُكْرًا تَطَوُّعًا وَأُمِرْنَا بِهَا.
-
(وَأَوَّلُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقْتُ الْمَغْرِبِ مِقْدَارُ مَا يُصَلَّى فِيهِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ) وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْهِ: قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَمْتَدُّ إلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رحمه الله وَالثَّانِي إذَا مَضَى بَعْدَ الْغُرُوبِ وَقْتُ وُضُوءٍ وَأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَقَدْرِ خَمْسِ رَكَعَاتٍ فَقَدْ انْقَضَى الْوَقْتُ وَقَالَ فِي الْحِلْيَةِ: قَدْرُ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ.
-
وَعَلَى هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ جِهَتِهِ لَيْسَ بِكَافٍ، وَاسْتَدَلَّ بِإِمَامَةِ جِبْرِيلَ عليه السلام فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ لَوْ كَانَ مُمْتَدًّا لَمْ يَؤُمَّ جِبْرِيلُ فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَآخِرَهُ (وَلَنَا) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَوَّلُ الْمَغْرِبِ حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ وَآخِرُهُ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ» وَمَا رَوَاهُ) مِنْ إمَامَةِ جِبْرِيلَ عليه السلام فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ (كَانَ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْكَرَاهَةِ) ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ
-
(ثُمَّ) الشَّفَقُ هُوَ الْبَيَاضُ الَّذِي فِي الْأُفُقِ بَعْدَ الْحُمْرَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله ، وَقَالَا: (هُوَ الْحُمْرَةُ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ» وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «وَآخِرُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ إذَا اسْوَدَّ الْأُفُقُ» وَمَا رَوَاهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما ذَكَرَهُ مَالِكٌ رحمه الله فِي الْمُوَطَّأِ، وَفِيهِ اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ.
-
(وَأَوَّلُ وَقْتِ الْعِشَاءِ إذَا غَابَ الشَّفَقُ، وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ يَطْلُعْ الْفَجْرُ الثَّانِي) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «وَآخِرُ وَقْتِ الْعِشَاءِ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ» .
-
الْمَغْرِبِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ مَكْرُوهٌ (ثُمَّ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي (الشَّفَقِ) فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (هُوَ الْبَيَاضُ فِي الْأُفُقِ بَعْدَ الْحُمْرَةِ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَمُعَاذٍ وَأَنَسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ (وَقَالَا: هُوَ الْحُمْرَةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ) رَوَاهُ عَنْهُ أَسَدُ بْنُ عَمْرٍو وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَشَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنهم ، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «الشَّفَقُ هُوَ الْحُمْرَةُ» (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ) مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «وَآخِرُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ إذَا اسْوَدَّ الْأُفُقُ» ) وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ زَوَالِ الْبَيَاضِ (وَمَا رَوَاهُ) يَعْنِي قَوْلَهُ عليه الصلاة والسلام «الشَّفَقُ هُوَ الْحُمْرَةُ» (مَوْقُوفٌ) عَلَى ابْنِ عُمَرَ ذَكَرَهُ فِي الْمُوَطَّإِ وَالْمَوْقُوفُ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً (وَفِيهِ) أَيْ فِي الشَّفَقِ (اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ) كَمَا ذَكَرْنَاهُ، قِيلَ مَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّ التَّمَسُّكَ بِالْحَدِيثِ فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الصَّحَابَةُ لَا يَجُوزُ؛
-
لِأَنَّ عَدَمَ التَّمَسُّكِ بِهِ أَوْ عَدَمَ الْقَبُولِ دَلِيلُ انْقِطَاعِهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ التَّمَسُّكُ فِي ذَلِكَ بِالْمَوْقُوفِ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ. قِيلَ وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ شُكْرًا تَطَوُّعًا عِيسَى عليه السلام حِينَ خَاطَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ الْآيَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَالْأُولَى لِنَفْيِ الْأُلُوهِيَّةِ عَنْ نَفْسِهِ، وَالثَّانِيَةُ لِنَفْيِهَا عَنْ وَالِدَتِهِ، وَالثَّالِثَةُ لِإِثْبَاتِهَا لِلَّهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
-
(وَأَوَّلُ وَقْتِ الْعِشَاءِ إذَا غَابَ الشَّفَقُ وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ يَطْلُعْ الْفَجْرُ) لِمَا
-
وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ رحمه الله فِي تَقْدِيرِهِ بِذَهَابِ ثُلُثِ اللَّيْلِ.
-
رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «وَآخِرُ وَقْتِ الْعِشَاءِ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ» قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي تَقْدِيرِهِ بِذَهَابِ ثُلُثِ اللَّيْلِ) .
-
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى قِيَامِ الْوَقْتِ إلَى الْفَجْرِ، وَحَدِيثُ إمَامَةِ جِبْرِيلَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ آخِرَ الْوَقْتِ هُوَ ثُلُثُ اللَّيْلِ فَتَعَارَضَا،
-
وَإِذَا تَعَارَضَتْ الْآثَارُ لَا يَنْقَضِي الْوَقْتُ الثَّابِتُ يَقِينًا بِالشَّكِّ كَمَا تَقَدَّمَ، أَوْ نَقُولُ إمَامَةُ جِبْرِيلَ لَمْ تَكُنْ لِنَفْيِ مَا وَرَاءَ وَقْتِ الْإِمَامَةِ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ، بَلْ لِإِثْبَاتِ مَا كَانَ فِيهِ.
-
أَلَا تَرَى أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أَمَّ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ أَسْفَرَ وَالْوَقْتُ يَبْقَى بَعْدَهُ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ،
-
وَإِذَا لَمْ تَكُنْ لِلنَّفْيِ بَقِيَ مَا رَوَيْنَا سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ فَيَكُونُ حُجَّةً. قِيلَ وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ مُوسَى عليه السلام حِينَ خَرَجَ مِنْ مَدْيَنَ وَضَلَّ الطَّرِيقَ، وَكَانَ فِي غَمِّ الْمَرْأَةِ وَغَمِّ أَخِيهِ هَارُونَ وَغَمِّ عَدُوِّهِ فِرْعَوْنَ وَغَمِّ أَوْلَادِهِ، فَلَمَّا نَجَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَنُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي صَلِّ أَرْبَعًا تَطَوُّعًا وَأُمِرْنَا بِذَلِكَ.
-
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الَّتِي ذَكَرْتهَا عَقِيبَ كُلِّ صَلَاةٍ وَجَدْتهَا فِي شَرْحِ شَيْخِي الْعَلَّامَةِ قِوَامِ الدِّينِ الْكَاكِيِّ رحمه الله مَنْقُولَةً عَنْ أَبِي الْفَضْلِ مَعَ زِيَادَاتٍ فَنَقَلْتهَا
-
(وَأَوَّلُ وَقْتِ الْوَتْرِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَآخِرُهُ مَا لَمْ يَطْلُعْ الْفَجْرُ) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام فِي الْوَتْرِ «فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» قَالَ رضي الله عنه : هَذَا عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَقْتُهُ وَقْتُ الْعِشَاءِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ عِنْدَ التَّذَكُّرِ لِلتَّرْتِيبِ.
-
مُخْتَصَرَةً.
-
(وَأَوَّلُ وَقْتِ الْوِتْرِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَآخِرُهُ مَا لَمْ يَطْلُعْ الْفَجْرُ عِنْدَهُمَا لِقَوْلِهِ ﷺ «فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقْتُهُ وَقْتُ الْعِشَاءِ) ؛ لِأَنَّ الْوِتْرَ عِنْدَهُ فَرْضٌ عَمَلًا، وَالْوَقْتُ إذَا جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ وَاجِبَتَيْنِ كَانَ وَقْتًا لَهُمَا جَمِيعًا كَالْفَائِتَةِ وَالْوَقْتِيَّةِ.
-
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ وَقْتُ الْوِتْرِ وَقْتَ الْعِشَاءِ لَجَازَ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْعِشَاءِ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (إلَّا أَنَّهُ لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ عِنْدَ التَّذَكُّرِ) يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ نَاسِيًا (لِلتَّرْتِيبِ) وَعَلَى هَذَا إذَا أَوْتَرَ قَبْلَ الْعِشَاءِ مُتَعَمِّدًا أَعَادَ الْوِتْرَ بِلَا خِلَافٍ،
-
وَإِنْ أَوْتَرَ نَاسِيًا لِلْعِشَاءِ ثُمَّ تَذَكَّرَ لَا يُعِيدُهُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ يُسْقِطُ التَّرْتِيبَ وَيُعِيدُهُ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ سُنَّةُ الْعِشَاءِ كَرَكْعَتَيْ الْعِشَاءِ،
-
فَلَوْ قَدَّمَ الرَّكْعَتَيْنِ عَلَى الْعِشَاءِ لَمْ يَجُزْ عَامِدًا كَانَ أَوْ نَاسِيًا فَكَذَلِكَ الْوِتْرُ.
-
(فَصْلٌ)
-
(وَيُسْتَحَبُّ الْإِسْفَارُ بِالْفَجْرِ) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : يُسْتَحَبُّ التَّعْجِيلُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاهُ
-
(فَصْلٌ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ مُطْلَقِ الْأَوْقَاتِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْكَامِلِ مِنْهَا وَالنَّاقِصِ، وَجَعَلَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَصْلًا عَلَى حِدَةٍ، وَقَدَّمَ الْأَوْقَاتَ الْمُسْتَحَبَّةَ عَلَى الْمَكْرُوهَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ.
-
قَوْلُهُ: (وَيُسْتَحَبُّ الْإِسْفَارُ بِالْفَجْرِ) أَسْفَرَ الصُّبْحُ إذَا أَضَاءَ وَمِنْهُ أَسْفَرَ بِالصَّلَاةِ إذَا صَلَّاهَا بِالْإِسْفَارِ، وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ. وَقَوْلُهُ:
-
وَيُسْتَحَبُّ الْإِسْفَارُ بِإِطْلَاقِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبُدَاءَةَ وَالْخَتْمَ بِالْإِسْفَارِ هُوَ الْمُسْتَحَبُّ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: يُبْدَأُ بِالتَّغْلِيسِ وَيُخْتَمُ بِالْإِسْفَارِ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِتَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ.
-
وَوَجْهُ الظَّاهِرِ قَوْلُهُ: ﷺ «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» وَحَدُّ الْإِسْفَارِ أَنْ يُبْدَأَ بِالصَّلَاةِ بَعْدَ انْتِشَارِ الْبَيَاضِ بِقِرَاءَةٍ مَسْنُونَةٍ،
-
فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ حَاجَةٌ إلَى الْوُضُوءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ أَوْ يُصَلِّيَ الْفَجْرَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُسْتَحَبُّ التَّعْجِيلُ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْأَدَاءُ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ (فِي كُلِّ صَلَاةٍ) وَاسْتَدَلَّ بِمَا قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَتْ النِّسَاءُ يَنْصَرِفْنَ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُنَّ مُتَلَفِّعَاتٌ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنْ شِدَّةِ الْغَلَسِ.
-
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاهُ) يَعْنِي مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ
-
وَمَا نَرْوِيهِ قَالَ.
-
(وَالْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي الصَّيْفِ وَتَقْدِيمُهُ فِي الشِّتَاءِ) لِمَا رَوَيْنَا وَلِرِوَايَةِ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا كَانَ فِي الشِّتَاءِ بَكَّرَ بِالظُّهْرِ، وَإِذَا كَانَ فِي الصَّيْفِ أَبْرَدَ بِهَا» (وَتَأْخِيرُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ الشَّمْسُ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْثِيرِ النَّوَافِلِ لِكَرَاهَتِهَا بَعْدَهُ،
-
رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَهُوَ قَوْلُهُ: عليه الصلاة والسلام «فِي أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ» الْحَدِيثَ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ وَأَقَلُّهُ النَّدْبُ وَمَا رَوَاهُ حِكَايَةُ فِعْلٍ لَا تُعَادِلُ قَوْلَهُ عليه الصلاة والسلام وَقَوْلُهُ: (وَمَا نَرْوِيهِ) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ «وَإِذَا كَانَ فِي الصَّيْفِ أَبْرَدَ بِهَا» وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي التَّعْجِيلَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ،
-
فَإِذَا ثَبَتَ التَّأْخِيرُ فِي الْبَعْضِ كَانَ حُجَّةً عَلَيْهِ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَالْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ الْإِسْفَارُ بِالْفَجْرِ. وَقَوْلُهُ: (لِمَا رَوَيْنَا) يَعْنِي مَا رَوَى قَبْلَ هَذَا الْفَصْلِ مِنْ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ» الْحَدِيثَ. وَقَوْلُهُ: لِمَا رَوَيْنَا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَالْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ. وَقَوْلُهُ: (وَلِرِوَايَةِ أَنَسٍ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا كَانَ فِي الشِّتَاءِ بَكَّرَ بِالظُّهْرِ، وَإِذَا كَانَ فِي الصَّيْفِ أَبْرَدَ بِهَا» ) مُتَعَلِّقٌ بِالْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا (وَتَأْخِيرُ الْعَصْرِ فِي الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ مَا لَمْ تَتَغَيَّرُ الشَّمْسُ لِمَا فِي التَّأْخِيرِ مِنْ تَكْثِيرِ النَّوَافِلِ لِكَرَاهَتِهَا بَعْدَ الْعَصْرِ)
-
وَالْمُعْتَبَرُ تَغَيُّرُ الْقُرْصِ وَهُوَ أَنْ يَصِيرَ بِحَالٍ لَا تَحَارُ فِيهِ الْأَعْيُنُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَالتَّأْخِيرُ إلَيْهِ مَكْرُوهٌ.
-
(وَ) يُسْتَحَبُّ (تَعْجِيلُ الْمَغْرِبِ) لِأَنَّ تَأْخِيرَهَا مَكْرُوهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ.
-
وَلِهَذَا كَانَ تَعْجِيلُ الْمَغْرِبِ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ النَّافِلَةِ قَبْلَهَا مَكْرُوهٌ، وَتَكْثِيرُ النَّوَافِلِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُبَادَرَةِ إلَى الْأَدَاءِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ (وَالْمُعْتَبَرُ تَغَيُّرُ الْقُرْصِ وَهُوَ أَنْ يَصِيرَ بِحَالٍ لَا تَحَارُ فِيهِ الْأَعْيَنُ) أَيْ يَذْهَبُ الضَّوْءُ فَلَا يَحْصُلُ لِلْبَصَرِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ حَيْرَةٌ.
-
وَقَوْلُهُ: (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ سُفْيَانَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ إنَّ الْمُعْتَبَرَ تَغَيُّرُ الضَّوْءِ الَّذِي يَقَعُ عَلَى الْجُدْرَانِ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: أَخَذْنَا بِقَوْلِ الشَّعْبِيِّ وَهُوَ تَغَيُّرُ الْقُرْصِ؛ لِأَنَّ تَغَيُّرَ الضَّوْءِ يَحْصُلُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَعَمَّا فَسَّرَ تَغَيُّرَ الْقُرْصِ بِهِ وَهُوَ مَا قِيلَ إذَا قَامَتْ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ قَدْرَ رُمْحٍ لَمْ تَتَغَيَّرْ،
-
وَإِذَا كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ تَغَيَّرَتْ، وَمَا قِيلَ يُوضَعُ طَشْتُ مَاءٍ فِي الصَّحْرَاءِ وَيُنْظَرُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْقُرْصُ يَبْدُو لِلنَّاظِرِ فَقَدْ تَغَيَّرَتْ، وَكَانَ قَوْلُهُ: هُوَ الصَّحِيحُ لِبَيَانِ أَنَّ تَغَيُّرَ الْقُرْصِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَتَغَيُّرَ الضَّوْءِ وَتَغَيُّرَ الْقُرْصِ بِالتَّفْسِيرَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ (وَالتَّأْخِيرُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى هَذَا الْوَقْتِ (مَكْرُوهٌ) قَالُوا:
-
وَأَمَّا الْفِعْلُ فَغَيْرُ مَكْرُوهٍ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْفِعْلِ وَلَا يَسْتَقِيمُ إثْبَاتُ الْكَرَاهَةِ لِلشَّيْءِ مَعَ الْأَمْرِ بِهِ.
-
(وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ الْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَهَا مَكْرُوهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ) وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَكُونُ تَأْخِيرُهَا مَكْرُوهًا لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ تَعْجِيلُهَا مُسْتَحَبًّا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا، أَلَا تَرَى أَنَّ تَأْخِيرَ الْعِشَاءِ إلَى النِّصْفِ الْأَخِيرِ مَكْرُوهٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِهِ الِاسْتِحْبَابُ؛
-
لِأَنَّ التَّأْخِيرَ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ
-
وَقَالَ عليه الصلاة والسلام «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْمَغْرِبَ وَأَخَّرُوا الْعِشَاءَ» .
-
قَالَ (وَتَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إلَى مَا قَبْلَ ثُلُثِ اللَّيْلِ)
-
مُبَاحٌ عَلَى مَا سَيَجِيءُ. وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّأْخِيرَ مَكْرُوهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ وَمَا فِيهِ التَّشَبُّهُ بِالْيَهُودِ فَتَرْكُهُ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ فِيهِ قَدْ تُفْضِي إلَى الْمُسَامَحَةِ، وَمَا ذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهِ فِي جَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ مَبْنِيًّا عَلَى أَمْرِ الضِّدَّيْنِ أَوْ النَّقِيضَيْنِ لَا يَتَمَشَّى فَلْيُتَأَمَّلْ.
-
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ﷺ «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْمَغْرِبَ وَأَخَّرُوا الْعِشَاءَ» ) دَلِيلٌ مَنْقُولٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِ الْمَغْرِبِ، وَمَعْنَاهُ لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مُدَّةَ تَعْجِيلِهِمْ الْمَغْرِبَ. وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ أَنَّ الشَّرْعَ رَتَّبَ اسْتِمْرَارَ الْخَيْرِ عَلَى تَعْجِيلِ الْمَغْرِبِ، وَالْمُبَاحُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى فِعْلِهِ خَيْرٌ شَرْعِيٌّ.
-
وَاعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي تَأْخِيرِ الْحَدِيثِ عَنْ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ فَكُرِهَ الْفَصْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدْلُولِ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ وَلَيْسَ بِطَائِلٍ.
-
فَإِنْ قُلْت: رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ سُورَةَ الْأَعْرَافِ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّأْخِيرَ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ. أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ،
-
فَإِنَّ كَلَامَنَا فِيمَا إذَا أَخَّرَ إلَى وَقْتِ الْكَرَاهَةِ ثُمَّ شَرَعَ، وَاَلَّذِي فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ مِنْ بَابِ الْمَدِّ، وَالْمَدُّ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ إلَى آخِرِهِ مَعْفُوٌّ، وَبِهِ بَطَلَ اسْتِدْلَالُ عِيسَى بْنِ أَبَانَ عَلَى جَوَازِ التَّأْخِيرِ.
-
(وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إلَى مَا قَبْلَ ثُلُثِ اللَّيْلِ) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْت الْعِشَاءَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ» وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ
-
لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْتُ الْعِشَاءَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ» وَلِأَنَّ فِيهِ قَطْعَ السَّمَرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بَعْدَهُ،
-
وَقِيلَ فِي الصَّيْفِ تُعَجَّلُ كَيْ لَا تَتَقَلَّلَ الْجَمَاعَةُ، وَالتَّأْخِيرُ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ مُبَاحٌ لِأَنَّ دَلِيلَ الْكَرَاهَةِ وَهُوَ تَقْلِيلُ الْجَمَاعَةِ عَارَضَهُ دَلِيلُ النَّدْبِ وَهُوَ قَطْعُ السَّمَرِ بِوَاحِدَةٍ
-
بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ» فَإِنَّهُمَا عَلَى نَهْجٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ أَثْبَتَ السُّنَّةَ وَهَذَا أَثْبَتَ الِاسْتِحْبَابَ.
-
وَأُجِيبَ بِأَنَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمَا عَلَى نَهْجٍ وَاحِدٍ، بَلْ فِي حَدِيثِ السِّوَاكِ يَنْتَفِي الْأَمْرُ بِمَانِعِ الْمَشَقَّةِ،
-
فَإِذَا انْتَفَى الْأَمْرُ بِهِ وَكَانَ مُقْتَضَاهُ الْوُجُوبُ ثَبَتَ مَا دُونَ الْوُجُوبِ وَهُوَ السُّنَّةُ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ الْمُنْتَفِي لِلْمَانِعِ هُوَ التَّأْخِيرُ، وَنَفْسُ التَّأْخِيرِ لَمْ يَكُنْ لِلْوُجُوبِ بَلْ لِلنَّدَبِ وَالِاسْتِحْبَابِ (وَلِأَنَّ فِيهِ) أَيْ فِي التَّأْخِيرِ (قَطْعَ السَّمَرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بَعْدَهُ) وَالسَّمَرُ حَدِيثٌ لِأَجْلِ الْمُؤَانَسَةِ، وَقَالَ عليه الصلاة والسلام «لَا سَمَرَ بَعْدَ الْعِشَاءِ» وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنْ يَكُونَ اخْتِتَامُ الصَّحِيفَةِ بِالْعِبَادَةِ كَمَا جُعِلَ ابْتِدَاءُ الصَّحِيفَةِ بِهَا لِيُمْحَى مَا حَصَلَ بَيْنَهُمَا مِنْ الزَّلَّاتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.
-
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ فِي الصَّيْفِ تُعَجَّلُ) يَعْنِي يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ شِتَاءً وَصَيْفًا.
-
وَقِيلَ فِي الصَّيْفِ تُعَجَّلُ (كَيْ لَا تَتَقَلَّلَ الْجَمَاعَةُ وَالتَّأْخِيرُ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ مُبَاحٌ) يَعْنِي فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: فِي الشِّتَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَ فِي الصَّيْفِ مَكْرُوهًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْإِبَاحَةِ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ؛
-
لِأَنَّ دَلِيلَ الْكَرَاهَةِ وَهُوَ تَقْلِيلُ الْجَمَاعَةِ عَارَضَهُ دَلِيلُ النَّدْبِ وَهُوَ قَطْعُ السَّمَرِ بِوَاحِدَةٍ: أَيْ بِالْكُلِّيَّةِ هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَتَثْبُتُ الْإِبَاحَةُ فِيهِمَا، وَإِلَى النِّصْفِ الْأَخِيرِ مَكْرُوهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ الْجَمَاعَةِ وَقَدْ انْقَطَعَ السَّمَرُ قَبْلَهُ: أَيْ قَبْلَ النِّصْفِ الْأَخِيرِ: يَعْنِي أَنَّ الْإِبَاحَةَ فِي آخِرِ النِّصْفِ الْأَوَّلِ إنَّمَا تَثْبُتُ لِمُعَارَضَةِ دَلِيلِ النَّدْبِ وَهُوَ قَطْعُ السَّمَرِ دَلِيلَ الْكَرَاهَةِ وَهُوَ تَقْلِيلُ الْجَمَاعَةِ، وَفِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ لَمْ يُوجَدْ دَلِيلُ
-
فَتَثْبُتُ الْإِبَاحَةُ وَإِلَى النِّصْفِ الْأَخِيرِ مَكْرُوهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ الْجَمَاعَةِ وَقَدْ انْقَطَعَ السَّمَرُ قَبْلَهُ.
-
(وَيُسْتَحَبُّ فِي الْوَتْرِ لِمَنْ يَأْلَفُ صَلَاةَ اللَّيْلِ أَنْ يُؤَخِّرَهُ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ،
-
فَإِنْ لَمْ يَثِقْ بِالِانْتِبَاهِ أَوْتَرَ قَبْلَ النَّوْمِ) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ» (فَإِذَا كَانَ يَوْمُ غَيْمٍ فَالْمُسْتَحَبُّ فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ تَأْخِيرُهَا، وَفِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ تَعْجِيلُهُمَا) لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ تَقْلِيلَ الْجَمَاعَةِ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَطَرِ، وَفِي تَأْخِيرِ الْعَصْرِ تَوَهُّمَ الْوُقُوعِ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ،
-
وَلَا تَوَهُّمَ فِي الْفَجْرِ لِأَنَّ تِلْكَ الْمُدَّةَ مَدِيدَةٌ.
-
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ التَّأْخِيرُ فِي الْكُلِّ لِلِاحْتِيَاطِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْأَدَاءُ بَعْدَ الْوَقْتِ لَا قَبْلَهُ.
-
النَّدْبِ أَصْلًا لِانْقِطَاعِ السَّمَرِ مِنْ قَبْلُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَلَّا يَكُونَ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ سَمَرٌ فَتَثْبُتُ الْكَرَاهَةُ لِبَقَاءِ دَلِيلِهَا سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ. وَاعْتُرِضَ بِتَعْجِيلِ الْفَجْرِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ، وَدَلِيلُ الْكَرَاهَةِ وَهُوَ تَقْلِيلُ الْجَمَاعَةِ سَالِمٌ عَنْ مُعَارَضَةِ دَلِيلِ النَّدْبِ.
-
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُعَارِضَ هَاهُنَا مَوْجُودٌ أَيْضًا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فَإِنَّ الْمُسَارَعَةَ إلَى الْعِبَادَةِ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّأْخِيرِ مَعْنَى تَكْثِيرِ الْجَمَاعَةِ فَكَانَ فِيهِ تَعَارُضُ دَلِيلِ النَّدْبِ وَهُوَ الْمُسَارَعَةُ إلَى الْعِبَادَةِ مَعَ دَلِيلِ الْكَرَاهَةِ وَهُوَ تَقْلِيلُ الْجَمَاعَةِ فَثَبَتَتْ الْإِبَاحَةُ كَذَلِكَ،
-
بِخِلَافِ تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إلَى النِّصْفِ الْأَخِيرِ فَإِنَّ دَلِيلَ كَرَاهَتِهِ سَالِمٌ عَنْ مُعَارَضَةِ دَلِيلِ النَّدْبِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ الْمُسَارَعَةُ إلَى الْعِبَادَةِ وَلَا تَكْثِيرُ الْجَمَاعَةِ،
-
وَلَا قَطْعُ السَّمَرِ لِانْقِطَاعِهِ قَبْلَهُ.
-
وَيُسْتَحَبُّ فِي الْوِتْرِ لِمَنْ يَأْلَفُ الصَّلَاةَ آخِرَ اللَّيْلِ. رُوِيَ آخِرَ اللَّيْلِ بِالنَّصْبِ، وَتَقْدِيرُهُ أَنْ يُوتِرَ آخِرَ اللَّيْلِ فَيَكُونُ ظَرْفًا. وَرُوِيَ مَرْفُوعًا وَهُوَ مَفْعُولٌ أُقِيمَ مَقَامَ فَاعِلِ يُسْتَحَبُّ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ.
-
(وَيُسْتَحَبُّ فِي الْوِتْرِ لِمَنْ يَأْلَفُ صَلَاةَ اللَّيْلِ تَأْخِيرُهَا إلَى آخِرِ اللَّيْلِ،
-
فَإِنْ لَمْ يَثِقْ بِالِانْتِبَاهِ أَوْتَرَ قَبْلَ النَّوْمِ) وَهُوَ ظَاهِرٌ.
-
وَقَوْلُهُ: (فَإِذَا كَانَ يَوْمُ غَيْمٍ) يَعْنِي هَذَا الَّذِي قُلْنَا مِنْ بَيَانِ الِاسْتِحْبَابِ فِيمَا إذَا كَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً،
-
فَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُتَغَيِّمَةً فَالضَّابِطُ الْعَيْنُ مَعَ الْعَيْنِ: يَعْنِي كُلَّ مَا فِيهِ عَيْنٌ يُعَجَّلُ كَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ، وَمَا عَدَاهُمَا كَالْفَجْرِ وَالظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ يُؤَخَّرُ. أَمَّا وَجْهُ تَعْجِيلِ الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ فَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ
-
وَكَذَلِكَ وَجْهُ تَأْخِيرِ الْفَجْرِ. وَقَوْلُهُ: (؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمُدَّةَ مَدِيدَةٌ) يَعْنِي أَنَّ مَا بَيْنَ التَّنْوِيرِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ مُدَّةٌ مَدِيدَةٌ فَيُؤْمَنُ أَنْ يَقَعَ الْأَدَاءُ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ،
-
وَأَمَّا تَأْخِيرُ الظُّهْرِ فَلِأَنَّهُ لَوْ عُجِّلَ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يَقَعَ الْأَدَاءُ قَبْلَ الْوَقْتِ
-
وَكَذَلِكَ تَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله التَّأْخِيرَ عَنْهُ فِي الْكُلِّ لِمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ.
-
(فَصْلٌ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ) (لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ قِيَامِهَا فِي الظَّهِيرَةِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا) لِحَدِيثِ «عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قَالَ: ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُصَلِّيَ فِيهَا وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهَا مَوْتَانَا: عِنْدَ طُلُوعِ
-
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحَدِ قِسْمَيْ الْوَقْتِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْقِسْمِ الْآخَرِ، وَلَقَّبَ الْفَصْلَ بِمَا يُكْرَهُ مَعَ أَنَّ فِيهِ ذِكْرَ مَا لَا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ. قَوْلُهُ: (لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ) اعْلَمْ أَنَّ الْفَرَائِضَ لَا تَجُوزُ عِنْدَنَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ،
-
وَكَذَا النَّوَافِلُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ.
-
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ الْفَرْضُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ، وَتَجُوزُ النَّوَافِلُ عِنْدَهُ فِيهَا بِمَكَّةَ، فَقَوْلُهُ: لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ إنْ أَرَادَ بِهَا الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ جَمِيعًا يُجْعَلُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْجِنْسِ لَزِمَهُ أَلَّا يُجَوِّزَ النَّفَلَ،
-
وَإِذَا لَمْ يَجُزْ فَإِنْ شَرَعَ فِيهِ وَأَفْسَدَهُ يَنْبَغِي أَلَّا يَجِبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي أُصُولِهِ بِلَا ذِكْرِ خِلَافٍ وَالتُّمُرْتَاشِيّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ،
-
وَإِنْ أَرَادَ بِهَا الْفَرْضَ وَحْدَهُ
-
الشَّمْسِ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَعِنْدَ زَوَالِهَا حَتَّى تَزُولَ، وَحِينَ تَضِيفُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَأَنْ نَقْبُرَ:
-
وَأَنَّ النَّفَلَ جَائِزٌ مَكْرُوهٌ لَمْ يَسْتَقِمْ جَعْلُ الْحَدِيثِ حُجَّةً عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي تَجْوِيزِهِ النَّوَافِلَ، وَصَاحِبُ النِّهَايَةِ جَعَلَ أَنَّ لِلْجِنْسِ مُتَنَاوِلًا لِلْفَرْضِ وَالنَّفَلِ.
-
وَأَجَابَ عَنْ وُرُودِ النَّفْلِ وَوُجُوبِ قَضَائِهِ بِالشُّرُوعِ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ شَرْعًا لَزِمَهُ وَأَمَّا لَوْ شَرَعَ لَزِمَهُ كَمَا تَقُولُ لَا تَجُوزُ مُبَاشَرَةُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ أَمَّا لَوْ بَاشَرَ بِقَبْضِ الْمَبِيعِ ثَبَتَ الْمِلْكُ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الْجَوَازِ فِي الْفَرَائِضِ بِمَعْنًى وَفِي النَّوَافِلِ بِمَعْنًى آخَرَ، فَإِنَّهُ يَجْعَلُهُ فِيهَا مِنْ قَبِيلِ نَهْيٍ يَقْتَضِي الْقُبْحَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ يُجَاوِرُهُ جَمْعًا وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ كَمَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَغَيْرُهُ جَعَلَ اللَّامَ لِنَوْعٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ الْفَرْضُ، وَقَالَ حَتَّى لَوْ صَلَّى النَّفَلَ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ جَازَ وَيُكْرَهُ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الْكَرْخِيِّ والإسبيجابي، وَيَلْزَمُهُ أَلَّا يَكُونَ جَعْلُ الْحَدِيثِ حُجَّةً عَلَى الشَّافِعِيِّ مُسْتَقِيمًا كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا لَا يُقَالُ: الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ الْفَرْضُ، وَالْحُجَّةُ عَلَى الشَّافِعِيِّ الْحَدِيثُ فَإِنَّهُ قَالَ: " نَهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ " وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ الْفَرْضُ وَالنَّفَلُ جَمِيعًا، وَالدَّلِيلُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ مِنْ الْمَدْلُولِ؛
-
لِأَنَّا نَقُولُ: إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ عَدَمَ الْجَوَازِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ جَمِيعًا لَزِمَ عَلَيْهِ مَا نَقَلَهُ عَنْ الْكَرْخِيِّ والإسبيجابي،
-
وَإِنْ كَانَ الْجَوَازُ مَعَ الْكَرَاهَةِ فِيهِمَا لَمْ يَكُنْ الْحَدِيثُ حُجَّةً لَنَا عَلَى الشَّافِعِيِّ إلَّا إذَا ثَبَتَ أَنَّ أَصْحَابَنَا
-
صَلَاةُ الْجِنَازَةِ لِأَنَّ الدَّفْنَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ، وَالْحَدِيثُ بِإِطْلَاقِهِ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ رحمه الله فِي تَخْصِيصِ الْفَرَائِضِ، وَبِمَكَّةَ فِي حَقِّ النَّوَافِلِ، وَحُجَّةٌ عَلَى أَبِي يُوسُفَ فِي إبَاحَةِ النَّفْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقْتَ الزَّوَالِ
-
يَقُولُونَ بِالْجَوَازِ مَعَ الْكَرَاهَةِ فِيهِمَا وَهُوَ يَقُولُ بِالْجَوَازِ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَلَمْ أَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا وَجَدْته مِنْ النُّسَخِ،
-
وَإِنْ كَانَ عَدَمُ الْجَوَازِ فِي الْفَرْضِ وَالْجَوَازِ مَعَ الْكَرَاهَةِ فِي النَّفْلِ لَزِمَ اخْتِلَافُ مَعْنَى اللَّفْظِ الْوَاحِدِ مُرَادَيْنِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ.
-
وَأَرَى أَنَّ الْمُرَادَ عَدَمُ الْجَوَازِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ عَلَى بَعْضِ الرِّوَايَاتِ كَمَا ذَكَرْنَا،
-
وَلَا يَلْزَمُهُ مَا نُقِلَ عَنْ الْكَرْخِيِّ والإسبيجابي؛ لِأَنَّهُ اخْتَارَ خِلَافَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَإِذَا ظَهَرَ لَك مَا قَرَّرْنَا تَبَيَّنَ أَنَّ النُّسْخَةَ الصَّحِيحَةَ هُوَ أَنْ يُقَالَ (حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي تَخْصِيصِ الْفَرَائِضِ وَبِمَكَّةَ) ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُفِيدُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَذْهَبِهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ إغْلَاقٌ دُونَ مَا عَدَاهَا وَهُوَ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِهَا مِنْ قَوْلِهِ فِي تَخْصِيصِ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ بِمَكَّةَ وَفِي بَعْضِهَا فِي التَّخْصِيصِ بِمَكَّةَ وَفِي بَعْضِهَا لَمْ يَذْكُرْ النَّوَافِلَ، وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ: ﷺ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا» وَهُوَ مُطْلَقٌ، وَفِي تَخْصِيصِ مَكَّةَ مَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ مَقْرُونًا بِقَوْلِهِ إلَّا بِمَكَّةَ.
-
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُبِيحَ وَالْحَاظِرَ إذَا تَعَارَضَا جُعِلَ الْحَاظِرُ مُتَأَخِّرًا وَقَدْ عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَمْ تَثْبُتْ؛ لِأَنَّهَا شَاذَّةٌ أَوْ أَنَّ مَعْنَاهُ وَلَا بِمَكَّةَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا خَطَأً﴾ أَيْ وَلَا خَطَأً ثُمَّ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءُ فِي الِارْتِفَاعِ الَّذِي تَحِلُّ الصَّلَاةُ عِنْدَهُ، قَالَ فِي الْأَصْلِ: إذَا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ قَدْرَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ.
-
وَقَالَ الْفُضَيْلِيُّ: مَا دَامَ الْإِنْسَانُ يَقْدِرُ عَلَى النَّظَرِ إلَى قُرْصِ الشَّمْسِ فَالشَّمْسُ فِي الطُّلُوعِ فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فَإِذَا عَجَزَ عَنْ النَّظَرِ حَلَّتْ.
-
وَقَوْلُهُ: حِينَ تَضَيَّفُ لِلْغُرُوبِ بِمَعْنَى تَمِيلُ، قِيلَ التَّخْصِيصُ بِالثَّلَاثَةِ يُفِيدُ الِانْحِصَارَ، وَقَدْ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ غَيْرَهَا مِنْ الْأَوْقَاتِ مَا يُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ إبْطَالَ الْعَدَدِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ شَرْعًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ غَيْرَهَا لَيْسَ بِمَعْنَاهَا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ فِيهَا قَضَاءُ الْفَوَائِتِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فِيهَا،
-
بِخِلَافِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِيهَا،
-
وَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى مُخْتَلِفًا لَا يَلْزَمُ الْإِبْطَالُ بَلْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَابِتًا بِدَلِيلٍ عَلَى حِدَةٍ،
-
فَأَمَّا الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ فَبِدَلِيلِ حَدِيثِ عُقْبَةَ رضي الله عنه ،
-
وَأَمَّا غَيْرُهَا فَلِمَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ» وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمَا.
-
وَقَوْلُهُ: (وَحُجَّةٌ عَلَى أَبِي يُوسُفَ فِي إبَاحَةِ النَّفْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ وَقْتَ الزَّوَالِ
-
قَالَ (وَلَا صَلَاةُ جِنَازَةٍ) لِمَا رَوَيْنَا (وَلَا سَجْدَةُ تِلَاوَةٍ) لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الصَّلَاةِ (إلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ عِنْدَ الْغُرُوبِ) لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْجُزْءُ الْقَائِمُ مِنْ الْوَقْتِ، لِأَنَّهُ لَوْ تَعَلَّقَ بِالْكُلِّ لَوَجَبَ الْأَدَاءُ بَعْدَهُ،
-
وَلَوْ تَعَلَّقَ بِالْجُزْءِ الْمَاضِي
-
يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِي نِصْفِ النَّهَارِ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ» وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ أَوْ مَعْنَاهُ:
-
وَلَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي جَوَابِ الشَّافِعِيِّ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَلَا صَلَاةِ جِنَازَةٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى أَوَّلِ الْكَلَامِ. وَقَوْلُهُ: (لِمَا رَوَيْنَا) يَعْنِي قَوْلَهُ «وَأَنْ نَقْبُرَ مَوْتَانَا» وَقَوْلُهُ:
-
(وَلَا سَجْدَةِ تِلَاوَةٍ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الصَّلَاةِ) فِي أَنَّهَا يُشْتَرَطُ لَهَا مَا يُشْتَرَطُ لِلصَّلَاةِ، يَعْنِي لَمَّا كَانَتْ فِي مَعْنَى الصَّلَاةِ كَانَتْ دَاخِلَةً تَحْتَ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ: ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُصَلِّيَ فِيهَا.
-
فَإِنْ قِيلَ: مَا بَالُهَا لَمْ تَلْحَقْ بِهَا فِي قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «أَلَا مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ قَهْقَهَةً فَلْيُعِدْ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ جَمِيعًا» فَيَنْتَقِضُ وُضُوءُ الضَّاحِكِ فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ. أُجِيبَ بِأَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ فَلْيُعِدْ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ لِلْعَهْدِ الَّتِي وُجِدَتْ فِيهَا الْقَهْقَهَةُ لَا لِلْجِنْسِ، وَالْمَعْهُودُ صَلَاةٌ ذَاتُ تَحْرِيمَةٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ، وَالسُّجُودُ الْمُجَرَّدُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ.
-
وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ فَلِئَلَّا يَلْزَمَ التَّشَبُّهُ بِالصَّلَاةِ بِعَبَدَةِ الشَّمْسِ، وَالسُّجُودُ الْمُجَرَّدُ يَحْصُلُ بِهِ ذَلِكَ فَكَانَ فِي مَعْنَاهُ فَأُلْحِقَ بِهِ كَذَا فِي الشُّرُوحِ،
-
وَلَوْ قِيلَ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الصَّلَاةِ مِنْ حَيْثُ وُقُوعُ التَّشَبُّهِ بِهِ بِعَبَدَةِ الشَّمْسِ وُقُوعَهُ بِالصَّلَاةِ فَدَخَلَتْ تَحْتَ نَهْيٍ وَرَدَ عَنْ الصَّلَاةِ كَذَلِكَ كَانَ أَخْصَرَ وَأَحْكَمَ.
-
وَقَوْلُهُ: (إلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ عِنْدَ الْغُرُوبِ) مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا. وَقَوْلُهُ: (؛ لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْجُزْءُ الْقَائِمُ مِنْ الْوَقْتِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ سَبَبَ الصَّلَاةِ أَوْقَاتُهَا لَكِنْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ الْوَقْتِ سَبَبًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كُلُّهُ سَبَبًا لَوَقَعَ الْأَدَاءُ بَعْدَهُ لِوُجُوبِ تَقَدُّمِ السَّبَبِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ عَلَى الْمُسَبَّبِ فَلَا يَكُونُ أَدَاءً، وَلَيْسَ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى قَدْرٍ مُعَيَّنٍ مِنْهُ كَالرُّبْعِ وَالْخُمُسِ أَوْ غَيْرِهِمَا فَوَجَبَ أَنْ يُجْعَلَ بَعْضٌ مِنْهُ سَبَبًا، وَأَقَلُّ مَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ الْجُزْءِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ وَالْجُزْءُ السَّابِقُ لِعَدَمِ مَا يُزَاحِمُهُ أَوْلَى،
-
فَإِنْ اتَّصَلَ بِهِ الْأَدَاءُ تَعَيَّنَ الْحُصُولُ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الْأَدَاءُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ يَنْتَقِلُ إلَى الْجُزْءِ الَّذِي يَلِيهِ ثَمَّ وَثَمَّ إلَى أَنْ يَضِيقَ الْوَقْتُ وَلَمْ يَتَقَرَّرْ عَلَى الْجُزْءِ الْمَاضِي،؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَقَرَّرَ كَانَتْ الصَّلَاةُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ قَضَاءً وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا سَنَذْكُرُ، فَكَانَ
-
فَالْمُؤَدِّي فِي آخِرِ الْوَقْتِ قَاضٍ،
-
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ أَدَّاهَا كَمَا وَجَبَتْ،
-
بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ كَامِلَةً فَلَا تَتَأَدَّى بِالنَّاقِصِ.
-
قَالَ رضي الله عنه : وَالْمُرَادُ بِالنَّفْيِ الْمَذْكُورِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ
-
الْجُزْءُ الَّذِي يَلِي الْأَدَاءَ هُوَ السَّبَبَ أَوْ الْجُزْءُ الْمُضَيَّقُ أَوْ كُلُّ الْوَقْتِ إنْ لَمْ يَقَعْ الْأَدَاءُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ الْكُلِّ إلَى الْجُزْءِ كَانَ لِضَرُورَةِ وُقُوعِ الْأَدَاءِ خَارِجَ الْوَقْتِ عَلَى تَقْدِيرِ سَبَبِيَّةِ الْكُلِّ وَقَدْ زَالَتْ فَيَعُودُ كُلُّ الْوَقْتِ سَبَبًا،
-
ثُمَّ الْجُزْءُ الَّذِي يَتَعَيَّنُ سَبَبًا تُعْتَبَرُ صِفَتُهُ مِنْ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ،
-
فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا بِأَلَّا يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالْكَرَاهَةِ وَلَا مَنْسُوبًا إلَى الشَّيْطَانِ كَالظُّهْرِ وَجَبَ الْمُسَبَّبُ كَامِلًا فَلَا يَتَأَدَّى نَاقِصًا وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا: أَيْ نَاقِصًا بِأَنْ يَكُونَ مَنْسُوبًا إلَى الشَّيْطَانِ كَالْعَصْرِ يُسْتَأْنَفُ وَقْتَ الِاحْمِرَارِ وَجَبَ الْفَرْضُ فِيهِ نَاقِصًا فَيَجُوزُ أَنْ يَتَأَدَّى نَاقِصًا؛
-
لِأَنَّهُ أَدَّاهُ كَمَا وَجَبَ،
-
بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ الْوَاجِبَةِ بِأَسْبَابٍ كَامِلَةٍ فَإِنَّهَا لَا تُقْضَى فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ كَامِلًا لَا يَتَأَدَّى نَاقِصًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الْأَنْوَارِ وَالتَّقْرِيرِ مُسْتَوْفًى بِعَوْنِ اللَّهِ وَتَأْيِيدِهِ،
-
وَإِذَا عَرَفْت ذَلِكَ فَقَوْلُهُ: لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْجُزْءُ الْقَائِمُ مِنْ الْوَقْتِ فِيهِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ إمَّا أَوَّلُ جُزْءٍ أَوْ الَّذِي يَلِي الْأَدَاءَ، أَوْ الْجُزْءُ الْمُضَيَّقُ، أَوْ كُلُّ الْوَقْتِ عِنْدَ خُرُوجِهِ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ.
-
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (فَالْمُؤَدِّي فِي آخِرِ الْوَقْتِ قَاضٍ) فَقَالَ صَاحِبُ الْكَافِي إنَّهُ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَاضٍ بَلْ مُؤَدٍّ بِاعْتِبَارِ بَقَاءِ الْوَقْتِ، وَأَيْضًا يَلْزَمُهُ عَلَى تَقْرِيرِهِ جَوَازُ قَضَاءِ الْعَصْرِ فِي هَذَا الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ الْقَائِمَ مِنْ الْوَقْتِ نَاقِصٌ فَيَجِبُ بِهِ الْعَصْرُ نَاقِصًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ كَعَصْرِ يَوْمِهِ.
-
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ كَلَامَهُ فِيمَنْ أَخَّرَ الْعَصْرَ إلَى الْغُرُوبِ،
-
وَلَا شَكَّ أَنَّ السَّبَبَ فِي حَقِّهِ هُوَ الْجُزْءُ الْقَائِمُ مِنْ الْوَقْتِ وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْجُزْءِ الْمُضَيَّقِ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْجُزْءَ إذَا تَعَيَّنَ لِلسَّبَبِيَّةِ بِحَيْثُ لَا يَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ كَانَ التَّأْخِيرُ عَنْهُ تَفْوِيتًا لِلْوَاجِبِ بِالِاسْتِقْرَاءِ فِي قَوَانِينِ الشَّرْعِ كَالْجُزْءِ الْأَخِيرِ مِنْ الْوَقْتِ فِي الصَّلَاةِ وَالْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ الْيَوْمِ فِي الصَّوْمِ، هَكَذَا أَجَابَ شَيْخُ شَيْخِي الْعَلَّامَةُ الْعَزِيزُ رحمه الله .
-
وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْفَوَاتَ بِالتَّفْوِيتِ عَنْ الْجُزْءِ الْأَخِيرِ مِنْ الْوَقْتِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَا بِاعْتِبَارِ تَعَيُّنِهِ لِلسَّبَبِيَّةِ،
-
وَكَذَلِكَ عَنْ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ الْيَوْمِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الصَّوْمِ كُلُّ النَّهَارِ فَإِذَا فَاتَ الْبَعْضُ فَاتَ الْكُلُّ.
-
وَأَقُولُ فِي الْجَوَابِ عَنْ السُّؤَالِ: إنَّ كُلَّ مَا كَانَ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ فَهُوَ شَرْطٌ لِلْوَاجِبِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ الْوَقْتِ شَرْطًا وَإِلَّا لَكَانَ فِي الْأَدَاءِ فِي الْوَقْتِ تَقْدِيمُ الْمَشْرُوطِ عَلَى الشَّرْطِ وَهُوَ بَاطِلٌ كَتَقْدِيمِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ الْجُزْءُ الْقَائِمُ إذْ لَوْ كَانَ الْجُزْءُ الْمَاضِي كَانَ الْمُصَلِّي فِي آخِرِ الْوَقْتِ قَاضِيًا لِفَوَاتِ شَرْطِ الْأَدَاءِ.
-
وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ قَوْلَهُ
-
بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ يَتَنَاوَلُ الْعَصْرَ الْفَائِتَةَ؛ لِأَنَّ الْعَصْرَ الْفَائِتَةَ غَيْرُ عَصْرِ يَوْمِهِ لَا مَحَالَةَ، وَقَدْ قَالَ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ كَامِلَةً، وَكُلُّ مَا وَجَبَ كَامِلًا لَا يَتَأَدَّى نَاقِصًا، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ وَجْهَ وُجُوبِهَا كَامِلَةً وَوَجْهَ مَا ذَكَرْنَاهُ.
-
قَالَ (وَالْمُرَادُ بِالنَّفْيِ الْمَذْكُورِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ) يَعْنِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ الْمَذْكُورِ
-
الْكَرَاهَةُ، حَتَّى لَوْ صَلَّاهَا فِيهِ أَوْ تَلَا سَجْدَةً فِيهِ فَسَجَدَهَا جَازَ لِأَنَّهَا أُدِّيَتْ نَاقِصَةً كَمَا وَجَبَتْ إذْ الْوُجُوبُ بِحُضُورِ الْجِنَازَةِ وَالتِّلَاوَةِ.
-
(وَيُكْرَهُ أَنْ يَنْتَفِلَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام نَهَى عَنْ ذَلِكَ.
-
فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ بِقَوْلِهِ وَلَا صَلَاةِ جِنَازَةٍ وَلَا سَجْدَةِ تِلَاوَةٍ هُوَ الْكَرَاهِيَةُ. يَعْنِي بِهِ نَفْيَ عَدَمِ الْجَوَازِ،
-
بِخِلَافِ الْفَرَائِضِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ سِوَى عَصْرِ يَوْمِهِ،
-
فَإِنَّ قَوْلَهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى آخِرِهِ مُجْرًى عَلَى حَقِيقَةِ عَدَمِ الْجَوَازِ.
-
فَإِنْ قُلْت: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: لَا يَجُوزُ مُسْتَعْمَلًا فِي عَدَمِ الْجَوَازِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَرَائِضِ وَفِي الْكَرَاهِيَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ. قُلْت: يُقَدَّرُ الْفِعْلُ فِي الْمَعْطُوفِ بِمَعْنَى الْكَرَاهَةِ حَتَّى يَكُونَا مُرَادَيْنِ بِلَفْظَيْنِ وَلَا مَحْذُورَ فِيهِ،
-
فَإِنْ قُلْت: فَمَاذَا تَفْعَلُ فِي الدَّلِيلِ وَهُوَ قَوْلُ عُقْبَةَ: نَهَانَا فَإِنَّهُ بِمَعْنَى عَدَمِ الْجَوَازِ وَبِمَعْنَى الْكَرَاهَةِ حِينَئِذٍ؟ قُلْت: حِكَايَةُ فِعْلٍ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ مُكَرَّرًا فِي مَعْنَى عَدَمِ الْجَوَازِ مَرَّةً وَفِي مَعْنَى الْكَرَاهَةِ أُخْرَى،
-
وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ مُتَنَاوِلًا لِلْفَرْضِ وَالنَّفَلِ جَمِيعًا فَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ أَنَّ النَّفَلَ أَيْضًا لَا يَجُوزُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ.
-
وَأَمَّا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا شَرَعَ فِي التَّطَوُّعِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ،
-
وَلَوْ مَضَى عَلَيْهِ خَرَجَ عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ بِالشُّرُوعِ ذَكَرَهُ فِي نَوَادِرِ الْمَبْسُوطِ،
-
وَكَذَا لَوْ قَطَعَهَا وَأَدَّاهَا فِي وَقْتٍ آخَرَ مَكْرُوهٌ مِثْلُهُ جَازَ وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
-
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلِكَ) وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ غَيًّا
-
الْكَرَاهَةَ إلَى الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ، وَحُكْمُ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ يُخَالِفُ مَا قَبْلَهَا، وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا ثَابِتَةٌ بَعْدَ الطُّلُوعِ إلَى ارْتِفَاعِهَا، وَبَعْدَ الْغُرُوبِ إلَى أَدَاءِ الْمَغْرِبِ.
-
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ تَثْبُتُ بِمَفْهُومِ الْغَايَةِ وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ، عَلَى أَنَّ الْمُخَالَفَةَ ثَابِتَةٌ إذْ الْكَرَاهَةُ بَعْدَ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ بِمَعْنًى آخَرَ. وَالْحَقُّ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ حَتَّى يَقْرُبَ طُلُوعُ الشَّمْسِ وَحَتَّى تَتَغَيَّرَ لِلْغُرُوبِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى حَقِيقَتِهِ كَانَتْ الْكَرَاهَةُ لِمَعْنًى فِي الْوَقْتِ وَهُوَ خِلَافُ مُرَادِهِ. وَقَوْلُهُ:
-
(وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُصَلِّيَ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ الْفَوَائِتَ وَيَسْجُدَ لِلتِّلَاوَةِ وَيُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ) لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ كَانَتْ لِحَقِّ الْفَرْضِ لِيَصِيرَ الْوَقْتُ كَالْمَشْغُولِ بِهِ لَا لِمَعْنًى فِي الْوَقْتِ فَلَمْ تَظْهَرْ فِي حَقِّ الْفَرَائِضِ، وَفِيمَا وَجَبَ لِعَيْنِهِ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ، وَظَهَرَتْ فِي حَقِّ الْمَنْذُورِ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ وُجُوبُهُ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ، وَفِي حَقِّ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، وَفِي الَّذِي شَرَعَ فِيهِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ لِأَنَّ الْوُجُوبَ لِغَيْرِهِ وَهُوَ خَتْمُ الطَّوَافِ وَصِيَانَةُ الْمُؤَدَّى عَنْ الْبُطْلَانِ
-
(وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُصَلِّيَ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ) يَعْنِي بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ (الْفَوَائِتَ وَيَسْجُدَ لِلتِّلَاوَةِ وَيُصَلِّيَ عَلَى الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لِحَقِّ الْفَرْضِ لِيَصِيرَ الْوَقْتُ كَالْمَشْغُولِ بِهِ) وَمَا كَانَ لِحَقِّ الْفَرْضِ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ حَقِيقَةِ الْفَرْضِ،
-
فَإِنَّ شَغْلَ الْوَقْتِ بِحَقِيقَةِ الْفَرْضِ أَوْلَى مِنْ الشَّغْلِ بِحَقِّهِ فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْفَرَائِضِ، وَمَا هُوَ بِمَعْنَاهَا فِي الْوُجُوبِ لِعَيْنِهِ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فَإِنَّهَا تَجِبُ لِعَيْنِهَا لِكَوْنِ وُجُوبِهَا غَيْرَ مَوْقُوفٍ عَلَى فِعْلِ الْعَبْدِ بِدَلِيلِ وُجُوبِهَا بِالسَّمَاعِ فَصَارَتْ كَالْفَرَائِضِ،
-
وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ لِكَوْنِ وُجُوبِهَا غَيْرَ مَوْقُوفٍ عَلَى فِعْلِ الْعَبْدِ وَظَهَرَتْ فِي حَقِّ الْمَنْذُورِ وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَفِي الَّذِي شَرَعَ فِيهِ،
-
ثُمَّ أَفْسَدَهُ لِتَعَلُّقِ وُجُوبِ الْمَنْذُورِ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ: أَيْ جِهَةِ النَّاذِرِ بِدَلَالَةِ الْمَنْذُورِ عَلَيْهِ لَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فَكَانَ كَالصَّلَاةِ الَّتِي شَرَعَ فِيهَا تَطَوُّعًا، وَلِأَنَّ الْوُجُوبَ لِغَيْرِهِ وَهُوَ خَتْمُ الطَّوَافِ الْحَاصِلِ بِفِعْلِهِ فَكَانَ كَالنَّفْلِ وَلِصِيَانَةِ الْمُؤَدَّى لِئَلَّا يَلْزَمَ إبْطَالُ الْعَمَلِ،
-
وَإِذَا ظَهَرَتْ فِي حَقِّ الْمَنْذُورِ الْوَاجِبِ وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَالْفَاسِدِ بَعْدَ الشُّرُوعِ الْوَاجِبَيْنِ فَلَأَنْ تَظْهَرَ فِي حَقِّ النَّوَافِلِ أَوْلَى.
-
وَقَوْلُهُ: (لَا لِمَعْنًى فِي الْوَقْتِ) تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ لِحَقِّ الْفَرْضِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ النَّهْيِ الْوَارِدِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَالْوَارِدُ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ بِأَنَّ ذَلِكَ لِمَعْنًى فِي الْوَقْتِ وَهُوَ كَوْنُهُ مَنْسُوبًا إلَى الشَّيْطَانِ فَيَظْهَرُ فِي حَقِّ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ وَغَيْرِهِمَا، وَهَذَا لِمَعْنَى شَغْلِ الْفَرْضِ، وَشَغْلُهُ بِالْفَرْضِ التَّقْدِيرِيِّ أَوْلَى مِنْ النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ الْحَقِيقِيِّ فَظَهَرَ فِي حَقِّ النَّوَافِلِ دُونَ الْفَرْضِ الْحَقِيقِيِّ.
-
فَإِنْ قِيلَ: رَكْعَتَا الطَّوَافِ وَاجِبٌ عِنْدَنَا عَلَى مَا يَجِيءُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ فَوُجُوبُهُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ بَعْدَ الطَّوَافِ كَوُجُوبِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ بَعْدَ التِّلَاوَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤْتَى بِهِمَا كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ، وَعُذْرُهُ بِأَنَّ الْوُجُوبَ لِخَتْمِ الطَّوَافِ بِالصَّلَاةِ يَنْتَقِضُ بِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ،
-
فَإِنَّ وُجُوبَهَا لِلتِّلَاوَةِ وَهِيَ فِعْلُهُ أَيْضًا، وَالْجَوَابُ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ أَنَّ السَّجْدَةَ قَدْ تَجِبُ بِتِلَاوَةِ
-
(وَيُكْرَهُ أَنْ يُتَنَفَّلَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ) لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا مَعَ حِرْصِهِ عَلَى الصَّلَاةِ (وَلَا يُتَنَفَّلُ بَعْدَ الْغُرُوبِ قَبْلَ الْفَرْضِ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ (وَلَا إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ لِلْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَى أَنْ يَفْرُغَ) مِنْ خُطْبَتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاشْتِغَالِ عَنْ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ.
-
غَيْرِهِ إذَا سَمْعِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ،
-
وَلَا كَذَلِكَ رَكْعَتَا الطَّوَافِ. وَقَوْلُهُ:
-
(وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (مَعَ حِرْصِهِ) ﷺ
-
(عَلَى الصَّلَاةِ) يَعْنِي أَنَّ التَّرْكَ مَعَ الْحِرْصِ عَلَى إحْرَازِ فَضِيلَةِ النَّفْلِ دَلِيلُ الْكَرَاهَةِ.
-
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَلَا يَتَنَفَّلُ بَعْدَ الْغُرُوبِ) ظَاهِرٌ، وَالْمَعْنَى فِي النَّهْيِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ كَالنَّهْيِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِمَعْنًى فِي الْوَقْتِ بَلْ لِحَقِّ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لِيَصِيرَ الْوَقْتُ كَالْمَشْغُولِ بِهِ وَلِلْمُبَادَرَةِ إلَى أَدَاءِ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهَا فِيهِ مُسْتَحَبَّةٌ وَلِنَفْيِ التَّشَاغُلِ بَعْدَ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْفَرَائِضِ فَكَانَ الْحَاصِلُ أَنَّ مَا كَانَ النَّهْيُ فِيهِ لِمَعْنًى فِي الْوَقْتِ أَثَّرَ فِي الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ جَمِيعًا، وَمَا كَانَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ أَثَّرَ فِي النَّوَافِلِ دُونَ الْفَرَائِضِ وَمَا هُوَ بِمَعْنَاهَا
-
لَمَّا رَتَّبَ الْعِبَادَاتِ الْمُتَقَدِّمَةَ ذَلِكَ التَّرْتِيبَ لِمَعَانٍ ذُكِرَتْ عِنْدَ كُلِّ كِتَابٍ تَأَخَّرَ الْحَجُّ إلَى هَاهُنَا ضَرُورَةً، لِأَنَّ
-
مَا بَعْدَهُ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ أَوْ غَيْرِهَا، وَالْعِبَادَاتُ مُتَقَدِّمَةٌ. وَالْحَجُّ فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ، وَفِي الشَّرِيعَةِ: زِيَارَةُ
-
الْبَيْتِ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ.
-
ثُمَّ إنَّهُ فُرِضَ عَلَى كُلِّ حُرٍّ بَالِغٍ عَاقِلٍ صَحِيحٍ إذَا قَدَرَ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَاضِلًا عَنْ الْمَسْكَنِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَعَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ إلَى حِينِ عَوْدِهِ وَكَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا، وَإِنَّمَا عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْإِفْرَادِ إلَى الْجَمْعِ
-
(الْحَجُّ وَاجِبٌ عَلَى الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ الْعُقَلَاءِ الْأَصِحَّاءِ إذَا قَدَرُوا عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَاضِلًا عَنْ الْمَسْكَنِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَعَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ إلَى حِينِ عَوْدِهِ وَكَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا)
-
(وَلَا يَجِبُ فِي الْعُمْرِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً) لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قِيلَ لَهُ «الْحَجُّ فِي كُلِّ عَامٍ أَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً؟ فَقَالَ لَا بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» وَلِأَنَّ سَبَبَهُ الْبَيْتُ وَأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ فَلَا يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ.
-
ثُمَّ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ
-
لِأَنَّ النَّاسَ لَا يَنْفَكُّونَ عَنْ عُهْدَتِهِ إلَّا بِالْأَدَاءِ
-
(وَلَا يَجِبُ فِي الْعُمُرِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً «لِأَنَّهُ عليه السلام قِيلَ لَهُ يَعْنِي لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَقَالَ لَهُمْ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ حُجُّوا الْبَيْتَ الْحَجُّ فِي كُلِّ عَامٍ أَمْ مَرَّةً وَاحِدَةً؟ فَقَالَ: لَا بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» ، وَلِأَنَّ سَبَبَهُ الْبَيْتُ) لِإِضَافَتِهِ إلَيْهِ، يُقَالُ حَجُّ الْبَيْتِ وَالْإِضَافَةُ دَلِيلُ السَّبَبِيَّةِ (وَإِنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ) الْبَيْتُ (فَلَا يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ)
-
، (ثُمَّ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) حَتَّى إنْ أَخَّرَ بَعْدَ اسْتِجْمَاعِ الشَّرَائِطِ أَثِمَ، رَوَاهُ عَنْهُ بِشْرٌ وَالْمُعَلَّى (وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْفَوْرِ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ شُجَاعٍ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ لَهُ مَالٌ أَيَحُجُّ بِهِ أَمْ يَتَزَوَّجُ؟
-
فَقَالَ: بَلْ يَحُجُّ بِهِ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ عِنْدَهُ عَلَى الْفَوْرِ.
-
وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ فِي التَّزْوِيجِ تَحْصِينَ النَّفْسِ الْوَاجِبَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَالِاشْتِغَالُ بِالْحَجِّ يُفَوِّتُهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ
-
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَلَى التَّرَاخِي لِأَنَّهُ وَظِيفَةُ الْعُمْرِ فَكَانَ الْعُمْرُ فِيهِ كَالْوَقْتِ فِي الصَّلَاةِ. وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يُخَصُّ بِوَقْتٍ خَاصٍّ، وَالْمَوْتُ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ غَيْرُ نَادِرٍ فَيَتَضَيَّقُ احْتِيَاطًا وَلِهَذَا كَانَ التَّعْجِيلُ أَفْضَلَ،
-
بِخِلَافِ وَقْتِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الْمَوْتَ فِي مِثْلِهِ نَادِرٌ.
-
وُجُوبُهُ عَلَى الْفَوْرِ لَمَا أَمَرَ بِمَا يُفَوِّتُ الْوَاجِبَ مَعَ إمْكَانِ حُصُولِهِ فِي وَقْتٍ آخَرَ لِمَا أَنَّ الْمَالَ غَادٍ وَرَائِحٌ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ عَلَى التَّرَاخِي لِأَنَّهُ وَظِيفَةُ الْعُمُرِ فَكَانَ الْعُمُرُ فِيهِ كَالْوَقْتِ فِي الصَّلَاةِ) فَكَمَا أَنَّهَا جَازَتْ فِي آخِرِ وَقْتِهَا يَجُوزُ الْحَجُّ فِي آخِرِ الْعُمُرِ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَهَذَا الدَّلِيلُ لِمُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ يَقُولُ بِجَوَازِ تَأْخِيرِ مُكَيَّفٌ، وَهُوَ أَنْ لَا يَفُوتَهُ بِالْمَوْتِ،
-
فَإِنْ فَوَّتَهُ أَثِمَ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ،
-
وَإِنْ مَاتَ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ كَوَقْتِ الصَّلَاةِ (وَجْهُ الْأَوَّلِ) يَعْنِي قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ إنَّ الْحَجَّ يَخْتَصُّ بِوَقْتٍ خَاصٍّ مِنْ كُلِّ عَامٍ وَهُوَ أَشْهُرُ الْحَجِّ، وَكُلُّ مَا اُخْتُصَّ بِوَقْتٍ خَاصٍّ، وَقَدْ فَاتَ عَنْ وَقْتِهِ لَا يُدْرَكُ إلَّا بِإِدْرَاكِ ذَلِكَ الْوَقْتِ بِعَيْنِهِ وَإِلَّا لَا يَكُونُ مُخْتَصًّا بِهِ، وَذَلِكَ مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ يَسْتَوِي فِيهَا الْحَيَاةُ وَالْمَمَاتُ (لِأَنَّ الْمَوْتَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ) مُشْتَمِلَةٍ عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَضَادَّةِ الْمِزَاجِ (غَيْرُ نَادِرٍ فَيَتَضَيَّقُ احْتِيَاطًا) لَا تَحْقِيقًا، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَرِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَضَيِّقًا لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْعَامِ الْأَوَّلِ قَضَاءً وَلَيْسَ كَذَلِكَ،
-
فَإِنَّ التَّضَيُّقَ إذَا كَانَ احْتِيَاطًا لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا تَوْضِيحُهُ بِقَوْلِهِ (وَلِهَذَا كَانَ التَّعْجِيلُ أَفْضَلَ) يَعْنِي بِالِاتِّفَاقِ،
-
فَإِنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى الْوُجُوبِ مِمَّا لَا يَكَادُ يَصِحُّ. وَقَوْلُهُ
-
(بِخِلَافِ وَقْتِ الصَّلَاةِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ كَالْوَقْتِ فِي الصَّلَاةِ، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ لَا تَظْهَرُ إلَّا فِي حَقِّ الْإِثْمِ خَاصَّةً،
-
وَأَمَّا أَنَّ الْوَاقِعَ فِي الْعَامِ الثَّانِي أَدَاءٌ كَمَا فِي الْأَوَّلِ،
-
وَأَنَّ التَّطَوُّعَ فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ جَائِزٌ فَلَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ، وَتَمَامُ هَذَا الْبَحْثِ
-
وَإِنَّمَا شَرَطَ الْحُرِّيَّةَ وَالْبُلُوغَ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «أَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ عَشْرَ حِجَجٍ ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ عَشْرَ حِجَجٍ ثُمَّ بَلَغَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ» وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ وَالْعِبَادَاتُ بِأَسْرِهَا مَوْضُوعَةٌ عَنْ الصِّبْيَانِ
-
مَوْضِعُهُ أُصُولُ الْفِقْهِ
-
وَإِنَّمَا شُرِطَتْ الْحُرِّيَّةُ وَالْبُلُوغُ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «أَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ» وَلَوْ «عَشْرَ حِجَجٍ ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ» وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ: أَنَّ الْحَجَّ يَحْتَاجُ إلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ مِنْ الْمَالِ شَيْئًا، وَالصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ لَيْسَا كَذَلِكَ،
-
وَأَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى فِي الْحَجِّ يَفُوتُ فِي مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، فَقُدِّمَ
-
وَالْعَقْلُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ.
-
وَكَذَا صِحَّةُ الْجَوَارِحِ لِأَنَّ الْعَجْزَ دُونَهَا لَازِمٌ.
-
وَالْأَعْمَى إذَا وَجَدَ مَنْ يَكْفِيهِ مُؤْنَةَ سَفَرِهِ وَوَجَدَ زَادًا وَرَاحِلَةً لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله خِلَافًا لَهُمَا، وَقَدْ مَرَّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.
-
وَأَمَّا الْمُقْعَدُ، فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله .
-
حَقُّ الْعَبْدِ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ.
-
وَقَوْلُهُ (وَالْعَقْلُ) لِبَيَانِ اشْتِرَاطِ الْعَقْلِ. وَقَوْلُهُ
-
(وَكَذَا صِحَّةُ الْجَوَارِحِ) لِبَيَانِ اشْتِرَاطِ الصِّحَّةِ (لِأَنَّ الْعَجْزَ بِدُونِهَا لَازِمٌ)
-
وَقَوْلُهُ (وَالْأَعْمَى إذَا وَجَدَ) يَعْنِي أَنَّ الْأَعْمَى إذَا مَلَكَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ،
-
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قَائِدًا لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ فِي قَوْلِهِمْ، وَهَلْ يَجِبُ الْإِحْجَاجُ بِالْمَالِ؟ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ، وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ وَإِنْ وَجَدَ قَائِدًا، وَقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (مَنْ يَكْفِيهِ مُؤْنَةَ سَفَرِهِ) لَا يَجِبُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا لَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ، وَعَنْ صَاحِبَيْهِ فِيهِ رِوَايَتَانِ فَرْقًا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْجُمُعَةِ، وَقَالَا: وُجُودُ الْقَائِدِ إلَى الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِنَادِرٍ بَلْ هُوَ غَالِبٌ فَتَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ،
-
وَلَا كَذَلِكَ الْقَائِدُ إلَى الْحَجِّ.
-
وَقَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمُقْعَدُ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله ) ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُ فِي الزَّمِنِ وَالْمَفْلُوجِ وَالْمُقْعَدِ وَمَقْطُوعِ الرِّجْلَيْنِ أَنَّ الْحَجَّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ مَلَكُوا الزَّادَ
-
أَنَّهُ يَجِبُ لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ بِغَيْرِهِ فَأَشْبَهَ الْمُسْتَطِيعَ بِالرَّاحِلَةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يَجِبُ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الْأَدَاءِ بِنَفْسِهِ،
-
بِخِلَافِ الْأَعْمَى لِأَنَّهُ لَوْ هَدَى يُؤَدِّي بِنَفْسِهِ فَأَشْبَهَ الضَّالَّ عَنْهُ،
-
وَلَا بُدَّ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَهُوَ قَدْرُ مَا يَكْتَرِي بِهِ شِقَّ مَحْمَلٍ أَوْ رَأْسَ زَامِلَةٍ، وَقَدْرَ النَّفَقَةِ ذَاهِبًا وَجَائِيًا،
-
وَالرَّاحِلَةَ، حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِمْ الْإِحْجَاجُ بِمَا لَهُمْ لِأَنَّ الْأَصْلَ لَمَّا لَمْ يَجِبْ لَمْ يَجِبْ الْبَدَلُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْهُمَا. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ بِغَيْرِهِ فَأَشْبَهَ الْمُسْتَطِيعَ بِالرَّاحِلَةِ. وَقَوْلُهُ (وَعَنْ مُحَمَّدٍ) ظَاهِرٌ.
-
وَقَوْلُهُ (وَلَا بُدَّ مِنْ الْقُدْرَةِ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: إذَا قَدَرُوا عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَيَعْنِي بِهِ الْقُدْرَةَ بِطَرِيقِ الْمِلْكِ أَوْ الِاسْتِئْجَارِ بِأَنْ يَقْدِرَ عَلَى (مَا يَكْتَرِي بِهِ شِقَّ مَحْمَلٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ الْأَوَّلِ وَكَسْرِ الثَّانِي أَيْ جَانِبَهُ، لِأَنَّ لِلْمَحْمَلِ جَانِبَيْنِ، وَيَكْفِي لِلرَّاكِبِ أَحَدُ جَانِبَيْهِ.
-
وَالزَّامِلَةُ الْبَعِيرُ يَحْمِلُ عَلَيْهِ الْمُسَافِرُ مَتَاعَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ زَمَلَ الشَّيْءَ حَمَلَهُ، يُقَالُ لَهَا بِالْفَارِسِيَّةِ: سرباري. وَقَوْلُهُ (وَقَدْرُ النَّفَقَةِ ذَاهِبًا وَجَائِيًا) يَعْنِي بَعْدَ الرَّاحِلَةِ نَفَقَةُ وَسَطٍ بِغَيْرِ إسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ، وَهَذَا «لِأَنَّهُ
-
«لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام سُئِلَ عَنْ السَّبِيلِ إلَيْهِ فَقَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَكْتَرِيَ عَقَبَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُمَا إذَا كَانَا يَتَعَاقَبَانِ لَمْ تُوجَدْ الرَّاحِلَةُ فِي جَمِيعِ السَّفَرِ.
-
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ الْمَسْكَنِ وَعَمَّا
-
- عليه الصلاة والسلام سُئِلَ عَنْ السَّبِيلِ إلَيْهِ فَقَالَ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَكْتَرِيَ عُقْبَةً) أَيْ مَا يَتَعَاقَبَانِ عَلَيْهِ فِي الرُّكُوبِ فَرْسَخًا بِفَرْسَخٍ أَوْ مَنْزِلًا مَنْزِلًا (فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ) لِعَدَمِ الرَّاحِلَةِ إذْ ذَاكَ فِي جَمِيعِ السَّفَرِ. وَقَوْلُهُ (وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ) أَيْ مَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ (فَاضِلًا عَنْ الْمَسْكَنِ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الْبَحْثِ فَاضِلًا، وَهُوَ هُنَاكَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ مِنْ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَقَيَّدَ بِالْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ إشَارَةً إلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ شُجَاعٍ إذَا كَانَتْ لَهُ دَارٌ
-
لَا بُدَّ مِنْهُ كَالْخَادِمِ وَأَثَاثِ الْبَيْتِ وَثِيَابِهِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مَشْغُولَةٌ بِالْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ،
-
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ إلَى حِينِ عَوْدِهِ، لِأَنَّ النَّفَقَةَ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ لِلْمَرْأَةِ، وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الشَّرْعِ بِأَمْرِهِ. وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْوُجُوبِ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهُمْ الرَّاحِلَةُ، لِأَنَّهُ لَا تَلْحَقُهُمْ مَشَقَّةٌ زَائِدَةٌ فِي الْأَدَاءِ فَأَشْبَهَ السَّعْيَ إلَى الْجُمُعَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ أَمْنِ الطَّرِيقِ لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ لَا تَثْبُتُ دُونَهُ.
-
ثُمَّ قِيلَ: هُوَ شَرْطُ الْوُجُوبِ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الْإِيصَاءُ
-
لَا يَسْكُنُهَا وَعَبْدٌ لَا يَسْتَخْدِمُهُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ وَيَحُجَّ بِهِ.
-
وَقَوْلُهُ (وَأَثَاثُ الْبَيْتِ) يَعْنِي كَالْفُرُشِ وَالْبُسُطِ وَآلَاتِ الطَّبْخِ (وَثِيَابُهُ) أَيْ ثِيَابُ بَدَنِهِ وَفَرَسُهُ وَسِلَاحُهُ (لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مَشْغُولَةٌ بِالْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ) وَالْمَشْغُولُ بِهَا كَالْمَعْدُومِ.
-
وَقَوْلُهُ (وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الشَّرْعِ بِأَمْرِهِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ وَقَوْلُهُ (وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْوُجُوبِ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ) ظَاهِرٌ (وَلَا بُدَّ مِنْ أَمْنِ الطَّرِيقِ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ فِيهِ السَّلَامَةَ، وَتَوَسُّطُ الْبَحْرِ عُذْرٌ لِأَنَّ شَرْطَ وُجُوبِهِ الِاسْتِطَاعَةُ وَلَا اسْتِطَاعَةَ بِدُونِ الْأَمْنِ
-
وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله .
-
وَقِيلَ: هُوَ شَرْطُ الْأَدَاءِ دُونَ الْوُجُوبِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام فَسَّرَ الِاسْتِطَاعَةَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ لَا غَيْرَ.
-
قَالَ (وَيُعْتَبَرُ فِي الْمَرْأَةِ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَحْرَمٌ تَحُجُّ بِهِ أَوْ زَوْجٌ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا
-
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ شَرْطُ نَفْسِ الْوُجُوبِ، أَوْ شَرْطُ الْأَدَاءِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ لِمَا مَرَّ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ لَا تَثْبُتُ بِدُونِهِ (وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْهُ) وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى الثَّانِي (لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام فَسَّرَ الِاسْتِطَاعَةَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ لَا غَيْرُ) وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي وُجُوبِ الْإِيصَاءِ عَلَى مَنْ مَاتَ قَبْلَ الْحَجِّ، وَلَمْ يَكُنْ الطَّرِيقُ آمِنًا؛
-
فَعِنْدَ الْأَوَّلَيْنِ لَا تَلْزَمُهُ الْوَصِيَّةُ، وَعِنْدَ الْآخَرَيْنِ تَلْزَمُهُ.
-
قَالَ (وَيُعْتَبَرُ فِي الْمَرْأَةِ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَحْرَمٌ تَحُجُّ بِهِ) الِاخْتِلَافُ الْمَارُّ فِي أَمْنِ الطَّرِيقِ فِي كَوْنِهِ شَرْطَ الْوُجُوبِ، أَوْ شَرْطَ الْأَدَاءِ ثَابِتٌ فِي مَحْرَمِ الْمَرْأَةِ، وَالْمَحْرَمُ
-
أَنْ تَحُجَّ بِغَيْرِهِمَا إذَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ لَهَا الْحَجُّ إذَا خَرَجَتْ فِي رُفْقَةٍ وَمَعَهَا نِسَاءٌ ثِقَاتٌ لِحُصُولِ الْأَمْنِ بِالْمُرَافَقَةِ. وَلَنَا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «لَا تَحُجَّنَّ امْرَأَةٌ إلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ» وَلِأَنَّهَا بِدُونِ الْمَحْرَمِ يُخَافُ عَلَيْهَا الْفِتْنَةُ وَتَزْدَادُ بِانْضِمَامِ غَيْرِهَا إلَيْهَا، وَلِهَذَا تَحْرُمُ الْخَلْوَةُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَإِنْ كَانَ مَعَهَا غَيْرُهَا،
-
مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ مُنَاكَحَتُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ بِقَرَابَةٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهَارَةٍ،
-
وَلَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَحُجَّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَحْرَمٌ أَوْ زَوْجٌ إذَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، شَابَّةً كَانَتْ أَوْ عَجُوزًا،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَحْرَمٌ أَوْ زَوْجٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا التَّزَوُّجُ لِلْحَجِّ، كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ اكْتِسَابُ الْمَالِ لِأَجْلِ الْحَجِّ وَالزَّكَاةِ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهَا أَنْ تَحُجَّ فِي رُفْقَةٍ وَمَعَهَا نِسَاءٌ ثِقَاتٌ لِحُصُولِ الْأَمْنِ مِنْ الْفِتْنَةِ بِالْمُرَافَقَةِ. وَلَنَا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «لَا تَحُجَّن امْرَأَةٌ إلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ» وَلِأَنَّهَا بِدُونِ الْمَحْرَمِ يُخَافُ عَلَيْهَا الْفِتْنَةُ وَتَزْدَادُ بِانْضِمَامِ غَيْرِهَا إلَيْهَا) فَضْلًا عَنْ حُصُولِ الْأَمْنِ.
-
وَعُورِضَ بِأَنَّ الْمُهَاجِرَةَ تَخْرُجُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِدُونِهِمَا، وَالْهِجْرَةُ لَيْسَتْ مِنْ الْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ فَلَأَنْ تَخْرُجَ إلَى الْحَجِّ وَهُوَ مِنْهَا أَوْلَى. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ ذَلِكَ ضَرُورَةَ الْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهَا؛ أَلَا تَرَى أَنَّهَا إذَا وَصَلَتْ إلَى جَيْشٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، حَتَّى صَارَتْ آمِنَةً لَمْ يَكُنْ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ تُسَافِرَ بِدُونِ الْمَحْرَمِ.
-
فَإِنْ قِيلَ: فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ السَّبِيلَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَحْرَمَ. أُجِيبَ: بِأَنَّ ذَلِكَ حُجَّةُ مَنْ جَعَلَهُ شَرْطَ الْأَدَاءِ،
-
وَمَنْ جَعَلَهُ شَرْطَ الْوُجُوبِ قَالَ: لَمْ يَذْكُرْهُ، لِأَنَّ السَّائِلَ كَانَ رَجُلًا.
-
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْفِتْنَةَ تَزْدَادُ بِانْضِمَامِ غَيْرِهَا إلَيْهَا،
-
فَإِنَّ الْمَبْتُوتَةَ إذَا اعْتَدَّتْ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ بِحَيْلُولَةِ ثِقَةٍ جَازَ. وَلَمْ يَكُنْ انْضِمَامُهَا إلَيْهَا فِتْنَةً. أُجِيبَ: بِأَنَّ انْضِمَامَ الْمَرْأَةِ إلَيْهَا
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، لِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهَا الْخُرُوجُ إلَى مَا دُونَ السَّفَرِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ.
-
(وَإِذَا وَجَدَتْ مَحْرَمًا لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ مَنْعُهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا
-
يُعِينُهَا عَلَى مَا تُرَاوِدُ بِمُشَاوَرَتِهَا، وَتَعْلِيمُ مَا عَسَى تَعْجِزُ عَنْهُ بِفِكْرِهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمُعْتَدَّةِ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ مَوْضِعُ أَمْنٍ وَقُدْرَةٍ عَلَى دَفْعِ الْفِتْنَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ مِثْلَهَا لَا يُعَدُّ ثِقَةً وَالْكَلَامُ فِيهَا، وَلِأَنَّ جَوَابَ السَّنَدِ يُنَاقِضُ جَوَابَ الْمَنْعِ.
-
وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ هُنَّ نَاقِصَاتُ دِينٍ وَعَقْلٍ،
-
فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ تَنْخَدِعَ فَتَكُونُ عَلَيْهَا فِي الْإِفْسَادِ وَتَتَوَسَّطُ فِي التَّوْطِينِ وَالتَّمْكِينِ فَتَعْجِزُ هِيَ عَنْ دَفْعِهَا فِي السَّفَرِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِي الْحَضَرِ لِإِمْكَانِ الِاسْتِغَاثَةِ.
-
وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: إذَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَهُوَ وَاضِحٌ،
-
وَكَذَا قَوْلُهُ: وَإِنْ وَجَدَتْ
-
لِأَنَّ فِي الْخُرُوجِ تَفْوِيتَ حَقِّهِ. وَلَنَا أَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْفَرَائِضِ وَالْحَجُّ مِنْهَا، حَتَّى لَوْ كَانَ الْحَجُّ نَفْلًا لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا،
-
وَلَوْ كَانَ الْمَحْرَمُ فَاسِقًا قَالُوا: لَا يَجِبُ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ بِهِ (وَلَهَا أَنْ تَخْرُجَ مَعَ كُلِّ مَحْرَمٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَجُوسِيًّا) لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ إبَاحَةَ مُنَاكَحَتِهَا،
-
وَلَا عِبْرَةَ بِالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِأَنَّهُ لَا تَتَأَتَّى مِنْهُمَا الصِّيَانَةُ، وَالصَّبِيَّةُ الَّتِي بَلَغَتْ حَدَّ الشَّهْوَةِ بِمَنْزِلَةِ الْبَالِغَةِ حَتَّى لَا يُسَافَرَ بِهَا مِنْ غَيْرِ مَحْرَمٍ، وَنَفَقَةُ الْمَحْرَمِ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا تَتَوَسَّلُ بِهِ إلَى أَدَاءِ الْحَجِّ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمَحْرَمَ شَرْطُ الْوُجُوبِ أَوْ شَرْطُ الْأَدَاءِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي أَمْنِ الطَّرِيقِ
-
مَحْرَمًا (وَلَنَا أَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْفَرَائِضِ) أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهَا مِنْ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَالصَّلَاةِ (وَالْحَجُّ مِنْهَا، حَتَّى لَوْ كَانَ الْحَجُّ نَفْلًا لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا) وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا مِنْ سَاعَتِهِ. وَقَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ الْمَحْرَمُ فَاسِقًا) ظَاهِرٌ
-
(وَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ بَعْدَمَا أَحْرَمَ أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ فَمَضَيَا لَمْ يُجِزْهُمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ) لِأَنَّ إحْرَامَهَا انْعَقَدَ لِأَدَاءِ النَّفْلِ فَلَا يَنْقَلِبُ لِأَدَاءِ الْفَرْضِ (وَلَوْ جَدَّدَ الصَّبِيُّ الْإِحْرَامَ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَنَوَى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ جَازَ، وَالْعَبْدُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ إحْرَامَ الصَّبِيِّ غَيْرُ لَازِمٍ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ، أَمَّا إحْرَامُ الْعَبْدِ لَازِمٌ فَلَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ عَنْهُ بِالشُّرُوعِ فِي غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
-
وَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ بَعْدَمَا أَحْرَمَ أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ) يَعْنِي بَعْدَمَا أَحْرَمَ (فَمَضَيَا لَمْ يُجْزِهِمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ إحْرَامَهُمَا انْعَقَدَ لِأَدَاءِ النَّفْلِ) لِعَدَمِ الْخِطَابِ وَشَرْطِ الْوُجُوبِ فِي حَقِّهِمَا (فَلَا يَنْقَلِبُ لِأَدَاءِ الْفَرْضِ) وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْإِحْرَامَ شَرْطٌ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ كَالطَّهَارَةِ، وَالشَّرْطُ يُرَاعَى وُجُودُهُ لَا وُجُودُهُ قَصْدًا؛
-
أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا تَوَضَّأَ ثُمَّ بَلَغَ بِالسِّنِّ فَصَلَّى بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ جَازَتْ صَلَاتُهُ، فَمَا بَالُ الْحَجِّ لَمْ يَجُزْ بِذَلِكَ الْإِحْرَامِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْإِحْرَامَ عِنْدَنَا إنَّمَا يَكُونُ بِالنِّيَّةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَبِهَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ، فَصَارَ كَصَبِيٍّ تَوَضَّأَ وَشَرَعَ فِي الصَّلَاةِ وَبَلَغَ بِالسِّنِّ فَنَوَى أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الصَّلَاةُ فَرْضًا لَا تَنْقَلِبُ إلَيْهَا (وَلَوْ جَدَّدَ الصَّبِيُّ الْإِحْرَامَ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَنَوَى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ جَازَ وَالْعَبْدُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ إحْرَامَ الصَّبِيِّ غَيْرُ لَازِمٍ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ) وَلِهَذَا لَوْ تَنَاوَلَ مَحْظُورًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ،
-
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ الْفَسْخُ وَالشُّرُوعُ فِي غَيْرِهِ (وَأَمَّا إحْرَامُ الْعَبْدِ فَلَازِمٌ) لِكَوْنِهِ مُخَاطَبًا وَلِهَذَا لَوْ أَصَابَ صَيْدًا كَانَ عَلَيْهِ الصِّيَامُ لِأَنَّهُ صَارَ جَانِيًا عَلَى إحْرَامِهِ بِقَتْلِ الصَّيْدِ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ (فَلَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ عَنْهُ بِالشُّرُوعِ فِي غَيْرِهِ) وَإِنَّمَا طَرِيقُ خُرُوجِهِ مِنْ ذَلِكَ الْإِحْرَامِ أَدَاءُ الْأَفْعَالِ، فَسَوَاءٌ جَدَّدَ التَّلْبِيَةَ أَوْ لَمْ يُجَدِّدْهَا، وَهُوَ بَاقٍ عَلَى ذَلِكَ الْإِحْرَامِ فَلَا يُجْزِيهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
-
(فَصْلٌ) (وَالْمَوَاقِيتُ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُجَاوِزَهَا الْإِنْسَانُ إلَّا مُحْرِمًا خَمْسَةٌ: لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتُ عِرْقٍ. وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةُ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ) هَكَذَا وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ لِهَؤُلَاءِ.
-
لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَذَكَرَ شُرُوطَ الْوُجُوبِ. وَمَا يَتْبَعُهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ أَوَّلِ أَمْكِنَةٍ يُبْتَدَأُ فِيهَا بِأَفْعَالِ الْحَجِّ. وَهِيَ (الْمَوَاقِيتُ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُجَاوِزَهَا الْإِنْسَانُ إلَّا مُحْرِمًا) وَالْمَوَاقِيتُ جَمْعُ مِيقَاتٍ، وَهُوَ الْوَقْتُ الْمَحْدُودُ فَاسْتُعِيرَ لِلْمَكَانِ كَمَا اُسْتُعِيرَ الْمَكَانُ لِلْوَقْتِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هُنَالِكَ الْوَلايَةُ﴾ وَالْمَوَاقِيتُ خَمْسَةٌ، كَمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ.
-
وَقَوْلُهُ (هَكَذَا وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ لِهَؤُلَاءِ) قِيلَ عَلَيْهِ كَيْفَ كَانَ التَّوْقِيتُ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَلَمْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام عَلِمَ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ
-
وَفَائِدَةُ التَّأْقِيتِ الْمَنْعُ عَنْ تَأْخِيرِ الْإِحْرَامِ عَنْهَا، لِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهَا بِالِاتِّفَاقِ،
-
ثُمَّ الْآفَاقِيُّ إذَا انْتَهَى إلَيْهَا عَلَى قَصْدِ دُخُولِ مَكَّةَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ قَصَدَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ
-
إيمَانَهُمْ فَوَقَّتَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
-
وَقَوْلُهُ (وَفَائِدَةُ التَّأْقِيتِ) وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (عَلَى قَصْدِ دُخُولِ مَكَّةَ) قَيَّدَهُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ.
-
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: اعْلَمْ أَنَّ الْبَيْتَ لَمَّا كَانَ مُعَظَّمًا مُشَرَّفًا جُعِلَ لَهُ حِصْنٌ وَهُوَ مَكَّةُ، وَحِمًى وَهُوَ الْحَرَمُ، وَلِلْحَرَمِ حَرَمٌ، وَهُوَ الْمَوَاقِيتُ حَتَّى لَا يَجُوزَ لِمَنْ دُونَهُ أَنْ يَتَجَاوَزَهُ إلَّا بِالْإِحْرَامِ تَعْظِيمًا
-
أَوْ لَمْ يَقْصِدْ عِنْدَنَا لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا يُجَاوِزُ أَحَدٌ الْمِيقَاتَ إلَّا مُحْرِمًا»
-
لِلْبَيْتِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ قَصَدَ مُجَاوَزَةَ مِيقَاتَيْنِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِحْرَامٍ،
-
وَمَنْ قَصَدَ مُجَاوَزَةَ مِيقَاتٍ وَاحِدٍ حَلَّ لَهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ. بَيَانُهُ. أَنَّ. مَنْ أَتَى مِيقَاتًا بِنِيَّةِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَوْ دُخُولِ مَكَّةَ لِحَاجَةٍ لَا يَجُوزُ. دُخُولُهُ. إلَّا بِالْإِحْرَامِ، لِأَنَّهُ قَصَدَ مُجَاوَزَةَ مِيقَاتَيْنِ مِيقَاتِ أَهْلِ الْآفَاقِ، وَمِيقَاتِ أَهْلِ الْحِلِّ. وَالْحِيلَةُ لِمَنْ أَرَادَ مِنْ الْآفَاقِيِّ دُخُولَهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ أَنْ يَقْصِدَ بُسْتَانَ بَنِي عَامِرٍ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْحِلِّ فَلَا يَجِبُ الْإِحْرَامُ، لِأَنَّهُ قَصَدَ مُجَاوَزَةَ مِيقَاتٍ وَاحِدٍ.
-
وَقَوْلُهُ (عِنْدَنَا) إشَارَةٌ إلَى خِلَافِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّ عِنْدَهُ أَنَّ الْإِحْرَامَ يَجِبُ عِنْدَ الْمِيقَاتِ عَلَى مَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ،
-
فَأَمَّا مَنْ أَرَادَ دُخُولَهَا لِقِتَالٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ قَوْلًا وَاحِدًا، «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَهَا يَوْمَ الْفَتْحِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ» ، وَلَهُ فِي الدَّاخِلِ لِلتِّجَارَةِ قَوْلَانِ. وَلَنَا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «لَا يُجَاوِزُ أَحَدٌ الْمِيقَاتَ إلَّا مُحْرِمًا»
-
وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْإِحْرَامِ لِتَعْظِيمِ هَذِهِ الْبُقْعَةِ الشَّرِيفَةِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ وَغَيْرُهُمَا
-
(وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِحَاجَتِهِ) لِأَنَّهُ يَكْثُرُ دُخُولُهُ مَكَّةَ، وَفِي إيجَابِ الْإِحْرَامِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ حَرَجٌ بَيِّنٌ فَصَارَ كَأَهْلِ مَكَّةَ حَيْثُ يُبَاحُ لَهُمْ الْخُرُوجُ مِنْهَا ثُمَّ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِحَاجَتِهِمْ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَ أَدَاءَ النُّسُكِ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ أَحْيَانًا فَلَا حَرَجَ (فَإِنْ قَدَّمَ الْإِحْرَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ جَازَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَإِتْمَامُهُمَا أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، كَذَا قَالَهُ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما . وَالْأَفْضَلُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهَا لِأَنَّ إتْمَامَ الْحَجِّ مُفَسَّرٌ بِهِ وَالْمَشَقَّةُ فِيهِ أَكْثَرُ وَالتَّعْظِيمُ أَوْفَرُ
-
وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْإِحْرَامِ لِتَعْظِيمِ هَذِهِ الْبُقْعَةِ الشَّرِيفَةِ) لَا لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِلْحَجِّ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ يُحْرِمُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَتَعْظِيمُهَا لَمْ يَخْتَلِفْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَاجِّ وَغَيْرِهِ (فَيَسْتَوِي فِيهِ الْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ وَغَيْرُهُمَا) وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فَمِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ عليه الصلاة والسلام ، كَمَا قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ «إنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ عَادَتْ حَرَامًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»
-
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ) ظَاهِرٌ، وَالْأَصْلُ «أَنَّهُ ﷺ رَخَّصَ لِلْحَطَّابِينَ دُخُولَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ» ،
-
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ (فَإِنْ قَدَّمَ الْإِحْرَامَ) ظَاهِرٌ. قِيلَ: إنَّمَا صَغَّرَ الدُّوَيْرَةَ تَعْظِيمًا لِلْكَعْبَةِ (كَذَا قَالَهُ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ) يَعْنِي أَنَّ إتْمَامَهُمَا أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ،
-
وَقِيلَ إتْمَامُهُمَا أَنْ يُفْرِدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَفَرًا كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ حَجَّةٌ كُوفِيَّةٌ وَعُمْرَةٌ كُوفِيَّةٌ أَفْضَلُ " (وَالْأَفْضَلُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْإِتْمَامَ مُفَسَّرٌ بِهِ وَالْمَشَقَّةُ فِيهِ أَكْثَرُ وَالتَّعْظِيمُ أَوْفَرُ)
-
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله إنَّمَا يَكُونُ أَفْضَلَ إذَا كَانَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ أَنْ لَا يَقَعَ فِي مَحْظُورٍ
-
(وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ فَوَقْتُهُ الْحِلُّ) مَعْنَاهُ الْحِلُّ الَّذِي بَيْنَ الْمَوَاقِيتِ وَبَيْنَ الْحَرَمِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ إحْرَامُهُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَمَا وَرَاءَ الْمِيقَاتِ إلَى الْحَرَمِ مَكَانٌ وَاحِدٌ (وَمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَوَقْتُهُ فِي الْحَجِّ الْحَرَمُ وَفِي الْعُمْرَةِ الْحِلُّ) لِأَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام أَمَرَ أَصْحَابَهُ رضي الله عنهم أَنْ يُحْرِمُوا بِالْحَجِّ مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ، وَأَمَرَ أَخَا عَائِشَةَ رضي الله عنهما أَنْ يُعْمِرَهَا مِنْ التَّنْعِيمِ وَهُوَ فِي الْحِلِّ، وَلِأَنَّ أَدَاءَ الْحَجِّ فِي عَرَفَةَ وَهِيَ فِي الْحِلِّ فَيَكُونُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْحَرَمِ لِيَتَحَقَّقَ نَوْعُ سَفَرٍ، وَأَدَاءُ الْعُمْرَةِ فِي الْحَرَمِ فَيَكُونُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْحِلِّ لِهَذَا، إلَّا أَنَّ التَّنْعِيمَ أَفْضَلُ لِوُرُودِ الْأَثَرِ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ عِنْدَهُ مِنْ الْأَدَاءِ. وَقَوْلُهُ (وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ) ظَاهِرٌ.
-
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ فَوَقْتُهُ) أَيْ مَوْضِعُ إحْرَامِهِ (الْحِلُّ الَّذِي بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَبَيْنَ الْحَرَمِ) لَا الْحِلُّ الَّذِي هُوَ خَارِجُ الْمِيقَاتِ (لِأَنَّهُ يَجُوزُ إحْرَامُهُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ) لِمَا تَلَوْنَا،
-
فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْحِلِّ مَا هُوَ خَارِجَ الْمِيقَاتِ لَمَا جَازَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَحَيْثُ جَازَ لَهُ ذَلِكَ جَازَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ مِنْ الْحِلِّ لِأَنَّ مَا وَرَاءَ الْمِيقَاتِ إلَى الْحَرَمِ مَكَانٌ وَاحِدٌ.
-
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (لِوُرُودِ الْأَثَرِ بِهِ) أَرَادَ بِهِ قَوْلَهُ: وَأَمَرَ أَخَا عَائِشَةَ أَنْ يُعَمِّرَهَا مِنْ التَّنْعِيمِ.
-
(بَابُ الْإِحْرَامِ)
-
(وَإِذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ اغْتَسَلَ أَوْ تَوَضَّأَ وَالْغُسْلُ أَفْضَلُ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام اغْتَسَلَ لِإِحْرَامِهِ»
-
لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ الْمَوَاقِيتِ، ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ الْإِحْرَامِ الَّذِي يُفْعَلُ فِي تِلْكَ الْمَوَاقِيتِ. وَالْإِحْرَامُ لُغَةً مَصْدَرُ أَحْرَمَ إذَا دَخَلَ فِي الْحَرَمِ كَأَشْتَى إذَا دَخَلَ فِي الشِّتَاءِ. وَفِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ تَحْرِيمُ الْمُبَاحَاتِ عَلَى نَفْسِهِ لِأَدَاءِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ،
-
فَإِنَّ مِنْ الْعِبَادَاتِ مَا لَهَا تَحْرِيمٌ وَتَحْلِيلٌ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ كَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ (وَإِذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ اغْتَسَلَ أَوْ تَوَضَّأَ وَالْغُسْلُ أَفْضَلُ لِمَا رَوَى «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام اغْتَسَلَ لِإِحْرَامِهِ» وَقَوْلُهُ (إلَّا أَنَّهُ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَالْغُسْلُ أَفْضَلُ، وَكَأَنَّهُ يَدْفَعُ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْغُسْلَ إذَا كَانَ أَفْضَلَ، وَجَبَ أَنْ لَا يَقُومَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فَقَالَ
-
إلَّا أَنَّهُ لِلتَّنْظِيفِ حَتَّى تُؤْمَرَ بِهِ الْحَائِضُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَقَعْ فَرْضًا عَنْهَا فَيَقُومَ الْوُضُوءُ مَقَامَهُ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ، لَكِنَّ الْغُسْلَ أَفْضَلُ لِأَنَّ مَعْنَى النَّظَافَةِ فِيهِ أَتَمُّ، وَلِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام اخْتَارَهُ. قَالَ (وَلَبِسَ ثَوْبَيْنِ جَدِيدَيْنِ أَوْ غَسِيلَيْنِ إزَارًا وَرِدَاءً) لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام ائْتَزَرَ وَارْتَدَى عِنْدَ إحْرَامِهِ، وَلِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْ لُبْسِ الْمَخِيطِ وَلَا بُدَّ مِنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَدَفْعِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَذَلِكَ فِيمَا عَيَّنَّاهُ، وَالْجَدِيدُ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الطَّهَارَةِ.
-
قَالَ (وَمَسَّ طِيبًا إنْ كَانَ لَهُ) وَعَنْ مُحَمَّدٍ رحمه الله : أَنَّهُ يُكْرَهُ إذَا تَطَيَّبَ بِمَا تَبْقَى عَيْنُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، لِأَنَّهُ مُنْتَفِعٌ بِالطِّيبِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ
-
إلَّا أَنَّهُ لِلتَّنْظِيفِ حَتَّى تُؤْمَرَ بِهِ الْحَائِضُ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ فَرْضًا عَنْهَا) رُوِيَ «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إنَّ أَسْمَاءَ قَدْ نُفِسَتْ فَقَالَ: مُرْهَا فَلْتَغْتَسِلْ وَلْتُحْرِمْ بِالْحَجِّ» وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِاغْتِسَالَ الْوَاجِبَ لَا يَتَأَدَّى مَعَ وُجُودِ الْحَيْضِ فَكَانَ لِمَعْنَى النَّظَافَةِ، وَكُلُّ غُسْلٍ كَانَ لِمَعْنَى النَّظَافَةِ يَقُومُ الْوُضُوءُ مَقَامَهُ (كَمَا فِي الْجُمُعَةِ) وَالْعِيدَيْنِ (لَكِنَّ الْغُسْلَ أَفْضَلُ لِأَنَّ مَعْنَى النَّظَافَةِ فِيهِ أَتَمُّ، وَلِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام اخْتَارَهُ) أَيْ آثَرَهُ عَلَى الْوُضُوءِ وَضَعْفُ تَرْكِيبِهِ لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ (وَلُبْسُ ثَوْبَيْنِ جَدِيدَيْنِ أَوْ غَسِيلَيْنِ إزَارًا وَرِدَاءً) وَفِي ذِكْرِ الْجَدِيدِ نَفْيٌ لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِكَرَاهَةِ لُبْسِ الْجَدِيدِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَالْإِزَارُ مِنْ الْحِقْوِ إلَى الْخَصْرِ، وَالرِّدَاءُ مِنْ الْكَنَفِ (لِأَنَّهُ ﷺ ائْتَزَرَ وَارْتَدَى) أَيْ لَبِسَ الْإِزَارَ وَالرِّدَاءَ.
-
وَيُدْخِلُ الرِّدَاءَ تَحْتَ يَمِينِهِ وَيُلْقِيهِ عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ وَيَبْقَى كَتِفُهُ الْأَيْمَنُ مَكْشُوفًا وَلَا يَزُرُّهُ وَلَا يَعْقِدُهُ وَلَا يُخَلِّلُهُ،
-
فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ كُرِهَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الطَّهَارَةِ) لِأَنَّهُ لَمْ تُصِبْهُ النَّجَاسَةُ ظَاهِرٌ (وَمَسَّ طِيبًا إنْ وَجَدَ) أَيَّ طِيبٍ كَانَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (وَ) رَوَى الْمُعَلَّى (عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُكْرَهُ إذَا تَطَيَّبَ بِمَا تَبْقَى عَيْنُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ) كَالْمِسْكِ وَالْغَالِيَةِ قَالَ مُحَمَّدٌ: كُنْت لَا أَرَى بَأْسًا بِذَلِكَ حَتَّى رَأَيْت قَوْمًا أَحْضَرُوا طِيبًا كَثِيرًا وَرَأَيْت أَمْرًا شَنِيعًا فَكَرِهْته (وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ مُنْتَفِعٌ بِالطِّيبِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ) قِيلَ: لِأَنَّهُ إذَا عَرِقَ يَنْتَقِلُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ بَدَنِهِ فَيَكُونُ
-
وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ حَدِيثُ «عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ»
-
ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ التَّطَيُّبِ ابْتِدَاءً بَعْدَ الْإِحْرَامِ فِي الْمَوْضِعِ الثَّانِي، يُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام رَأَى أَعْرَابِيًّا عَلَيْهِ خَلُوقٌ فَقَالَ: اغْسِلْ عَنْك هَذَا الْخَلُوقَ» (وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ حَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ «كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ» وَفِيهِ نَظَرٌ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الطِّيبُ مِمَّا لَا يَبْقَى أَثَرُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَالْمَكْرُوهُ ذَلِكَ.
-
وَالْجَوَابُ: أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ حَدِيثِ عَائِشَةَ «وَلَقَدْ رَأَيْت وَبِيصَ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
-
وَالْمَمْنُوعُ عَنْهُ التَّطَيُّبُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَالْبَاقِي كَالتَّابِعِ لَهُ لِاتِّصَالِهِ بِهِ،
-
بِخِلَافِ الثَّوْبِ لِأَنَّهُ مُبَايِنٌ عَنْهُ.
-
قَالَ (وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ إحْرَامِهِ قَالَ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي» ) لِأَنَّ أَدَاءَهَا فِي أَزْمِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَأَمَاكِنَ مُتَبَايِنَةٍ فَلَا يُعَرَّى عَنْ الْمَشَقَّةِ عَادَةً فَيَسْأَلُ التَّيْسِيرَ، وَفِي الصَّلَاةِ لَمْ يَذْكُرْ مِثْلَ هَذَا الدُّعَاءِ لِأَنَّ مُدَّتَهَا يَسِيرَةٌ وَأَدَاءَهَا عَادَةً مُتَيَسِّرٌ.
-
قَالَ (ثُمَّ يُلَبِّي عَقِيبَ صَلَاتِهِ)
-
بَعْدَ الْإِحْرَامِ» وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها اقْتَصَرَ عَنْ ذِكْرِهِ (وَلِأَنَّ الْمَمْنُوعَ عَنْ الْمُحْرِمِ التَّطَيُّبُ وَالْبَاقِي كَالتَّابِعِ لَهُ لِاتِّصَالِهِ بِبَدَنِهِ) وَلَا حُكْمَ لِلتَّبَعِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ
-
(بِخِلَافِ الثَّوْبِ الْمَخِيطِ) إذَا لُبِسَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَبَقِيَ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَمْنُوعًا، وَيَكُونُ كَاللَّابِسِ ابْتِدَاءً حَتَّى يَلْزَمَهُ الْجَزَاءُ (لِأَنَّهُ مُبَايِنٌ عَنْهُ) فَلَا يَكُونُ تَابِعًا، وَعَنْ هَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَتَطَيَّبُ فَدَامَ عَلَى طِيبٍ كَانَ بِجَسَدِهِ لَا يَحْنَثُ،
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ فَدَامَ عَلَى لُبْسِهِ حَنِثَ، وَحَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَلَى ثَوْبِهِ لَا عَلَى بَدَنِهِ
-
قَالَ (وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) أَيْ إذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ إحْرَامِهِ» وَرَوَى عُمَرُ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي وَأَنَا بِالْعَقِيقِ فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ رَكْعَتَيْنِ وَقُلْ: لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا» وَيَقْرَأُ فِيهِمَا مَا شَاءَ وَإِنْ قَرَأَ فِي الْأُولَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَفِي الثَّانِيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَبَرُّكًا بِفِعْلِهِ عليه الصلاة والسلام فَهُوَ أَفْضَلُ " (قَالَ) يَعْنِي مُحَمَّدًا (وَقَالَ) يَعْنِي الَّذِي يُرِيدُ الْحَجَّ (اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَمْ يَذْكُرْ قَالَ الْأَوَّلُ، وَأَلْحَقَهُ بِحَدِيثِ جَابِرٍ: أَيْ «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِذِي الْحُلَيْفَةِ» ، وَقَالَ: أَيْ النَّبِيُّ ﷺ ، وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ، لِأَنَّهُ هُوَ الْمُثْبَتُ فِي الْكُتُبِ الْمُتْقَنَةِ عَنْ الْأَسَاتِذَةِ.
-
وَقَوْلُهُ (لَأَنْ أَدَّاهَا) أَيْ أَدَاءُ هَذِهِ الْعِبَادَةِ تَعْلِيلٌ لِسُؤَالِ التَّيْسِيرِ. وَقَوْلُهُ (ثُمَّ يُلَبِّي) يُرِيدُ مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ (عَقِيبَ صَلَاتِهِ) اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِي وَقْتِ تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لَبَّى
-
لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام لَبَّى فِي دُبُرِ صَلَاتِهِ» .
-
وَإِنْ لَبَّى بَعْدَمَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ جَازَ، وَلَكِنْ الْأَوَّلُ أَفْضَلُ لِمَا رَوَيْنَا
-
دُبُرِ صَلَاتِهِ» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ «لَبَّى حِينَ اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ» وَذَكَرَ جَابِرٌ. «أَنَّهُ لَبَّى حِينَ عَلَا الْبَيْدَاءَ» وَابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما رَدَّ هَذَا، فَقَالَ: يَكْذِبُونَ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «وَإِنَّمَا لَبَّى حِينَ اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ» وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما كَيْفَ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي وَقْتِ تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا حَجَّ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَقَالَ «لَبَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي دُبُرِ صَلَاتِهِ» فَسَمِعَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَنَقَلُوا ذَلِكَ، وَكَانَ الْقَوْمُ يَأْتُونَهُ أَرْسَالًا فَلَبَّى حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ فَسَمِعَ قَوْمٌ فَظَنُّوهَا أَوَّلَ تَلْبِيَتِهِ فَنَقَلُوا ذَلِكَ،
-
ثُمَّ لَبَّى حِينَ عَلَا الْبَيْدَاءَ، فَسَمِعَهُ قَوْمٌ آخَرُونَ فَظَنُّوهَا أَوَّلَ تَلْبِيَتِهِ فَنَقَلُوا ذَلِكَ وَاَيْمُ اللَّهِ مَا أَوْجَبَهَا إلَّا فِي مُصَلَّاهُ " فَقُلْنَا: بِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ أَكَّدَ رِوَايَتَهُ بِالْيَمِينِ، وَالْإِتْيَانُ
-
(فَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ يَنْوِي بِتَلْبِيَتِهِ الْحَجَّ) لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ (وَالتَّلْبِيَةُ أَنْ يَقُولَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَك) وَقَوْلُهُ إنَّ الْحَمْدَ بِكَسْرِ الْأَلِفِ لَا بِفَتْحِهَا لِيَكُونَ ابْتِدَاءً لَا بِنَاءً
-
بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ جَائِزٌ.
-
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (وَالتَّلْبِيَةُ أَنْ يَقُولَ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ) وَهُوَ مِنْ الْمَصَادِرِ الَّتِي يَجِبُ حَذْفُ فِعْلِهَا لِوُقُوعِهِ مُثَنَّى. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ فَقِيلَ: مُشْتَقٌّ مِنْ أَلَبَ الرَّجُلُ إذَا أَقَامَ فِي مَكَان، فَمَعْنَى لَبَّيْكَ أُقِيمُ عَلَى طَاعَتِك إقَامَةً بَعْدَ إقَامَةٍ لِأَنَّ التَّلْبِيَةَ هَاهُنَا لِلتَّكْرِيرِ، وَالتَّكْرِيرُ يُرَادُ لِلتَّكْثِيرِ.
-
وَقِيلَ: مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِهِمْ: امْرَأَةٌ لَبَّةٌ أَيْ مُحِبَّةٌ لِزَوْجِهَا فَمَعْنَاهُ مَحَبَّتِي لَك يَا رَبِّ.
-
وَقِيلَ: مِنْ قَوْلِهِمْ دَارِي تَلِبُّ دَارَك أَيْ تُوَاجِهُهَا فَمَعْنَاهُ اتِّجَاهِي إلَيْك مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَالْأَوَّلُ أَنْسَبُ.
-
وَقَوْلُهُ (إنَّ الْحَمْدَ بِكَسْرِ الْأَلِفِ لَا بِفَتْحِهَا) هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ مَسْعُودٍ فِي صِفَةِ تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَوْلُهُ (لِيَكُونَ ابْتِدَاءً) أَيْ غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِمَا قَبْلَهُ
-
إذْ الْفَتْحَةُ صِفَةُ الْأُولَى، وَهُوَ إجَابَةٌ لِدُعَاءِ الْخَلِيلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْقِصَّةِ (وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخِلَّ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ)
-
لَا بِنَاءً إذْ الْفَتْحَةُ صِفَةُ الْأُولَى) قِيلَ: مُرَادُهُ الْحَقِيقَةُ وَهِيَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالذَّاتِ لَا الصِّفَةِ النَّحْوِيَّةِ، وَتَقْدِيرُهُ: أُلَبِّي أَنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك، أَيْ وَأَنَا مَوْصُوفٌ بِهَذَا الْقَوْلِ.
-
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ التَّعْلِيلُ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِتَقْدِيرِ اللَّامِ أَيْ لَبَّى لِأَنَّ الْحَمْدَ، وَفِيهِ بُعْدٌ.
-
وَقِيلَ: مُرَادُهُ أَنَّهُ صِفَةُ التَّلْبِيَةِ أَيْ أُلَبِّي. تَلْبِيَةً. هِيَ أَنَّ الْحَمْدَ لَك، وَعَلَى هَذَا قِيلَ: مَنْ كَسَرَ الْهَمْزَةَ فَقَدْ عَمَّ وَمَنْ فَتَحَهَا فَقَدْ خَصَّ. وَقَوْلُهُ (وَهُوَ) أَيْ ذِكْرُ التَّلْبِيَةِ (إجَابَةٌ لِدَعْوَةِ الْخَلِيلِ عليه الصلاة والسلام عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْقِصَّةِ) وَهِيَ مَا رُوِيَ " أَنَّ الْخَلِيلَ عليه الصلاة والسلام لَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ أُمِرَ بِأَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إلَى الْحَجِّ، فَصَعِدَ أَبَا قُبَيْسٍ وَقَالَ: أَلَا إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَمَرَ بِبِنَاءِ بَيْتٍ لَهُ وَقَدْ بُنِيَ، أَلَا فَحُجُّوهُ فَبَلَّغَ اللَّهُ صَوْتَهُ النَّاسَ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ وَأَرْحَامِ أُمَّهَاتِهِمْ فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَابَ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ جَوَابِهِمْ يَحُجُّونَ " وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا﴾ فَالتَّلْبِيَةُ إجَابَةٌ لِدَعْوَةِ الْخَلِيلِ عليه الصلاة والسلام وَلَا فَرْقَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بَيْنَ هَذَا اللَّفْظِ وَغَيْرِهِ مِنْ الثَّنَاءِ وَالتَّسْبِيحِ وَالْعَرَبِيِّ وَالْفَارِسِيِّ.
-
أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَظَاهِرٌ لِتَجْوِيزِهِ ذَلِكَ فِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ. وَفَرَّقَ مُحَمَّدٌ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ غَيْرَ الذِّكْرِ هَاهُنَا وَهُوَ تَقْلِيدُ الْهَدْيِ قَامَ مَقَامَهُ
-
لِأَنَّهُ هُوَ الْمَنْقُولُ بِاتِّفَاقِ الرُّوَاةِ فَلَا يَنْقُصُ عَنْهُ (وَلَوْ زَادَ فِيهَا جَازَ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رحمه الله فِي رِوَايَةِ الرَّبِيعِ رحمه الله عَنْهُ. هُوَ اعْتَبَرَهُ بِالْأَذَانِ وَالتَّشَهُّدِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ ذِكْرٌ مَنْظُومٌ. وَلَنَا أَنَّ أَجِلَّاءَ الصَّحَابَةِ كَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - زَادُوا عَلَى الْمَأْثُورِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ الثَّنَاءُ، وَإِظْهَارُ الْعُبُودِيَّةِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ الزِّيَادَةِ
-
فَكَذَلِكَ غَيْرُ الْعَرَبِيَّةِ يَقُومُ مَقَامَهَا
-
بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، وَبِهَذَا فَرَّقَ أَبُو يُوسُفَ أَيْضًا بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالتَّلْبِيَةِ، وَلَكِنَّ الْعَرَبِيَّةَ أَفْضَلُ.
-
وَقَوْلُهُ (فَلَا يَنْقُصُ عَنْهُ) قَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ: لَوْ قَالَ اللَّهُمَّ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ كَانَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ.
-
فَمَنْ قَالَ: يَصِيرُ بِهِ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ قَالَ: يَصِيرُ بِهِ مُحْرِمًا،
-
وَمَنْ قَالَ: لَا فَلَا. وَقَوْلُهُ (وَلَوْ زَادَ فِيهَا جَازَ) ظَاهِرٌ.
-
وَقَوْلُهُ (زَادُوا عَلَى الْمَأْثُورِ) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: أَجَهِلَ النَّاسُ أَمْ طَالَ بِهِمْ الْعَهْدُ؟ لَبَّيْكَ عَدَدَ التُّرَابِ لَبَّيْكَ، وَأَرَادَ بِالْعَهْدِ عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَزَادُوا فِي رِوَايَةٍ «لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا تَعَبُّدًا وَرِقًّا لَبَّيْكَ عَدَدَ التُّرَابِ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ إلَهَ الْخَلْقِ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إلَيْك لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ مِنْ عَبْدٍ آبِقٍ لَبَّيْكَ» .
-
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الثَّنَاءُ) ظَاهِرٌ. وَالْجَوَابُ عَنْ التَّشَهُّدِ وَالْأَذَانِ أَنَّ التَّشَهُّدَ فِي تَعْلِيمِهِ زِيَادَةُ التَّأْكِيدِ.
-
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ» فَالزِّيَادَةُ تُخِلُّ بِهِ،
-
بِخِلَافِ التَّلْبِيَةِ لِأَنَّهَا لِلثَّنَاءِ مِنْ غَيْرِ تَأْكِيدٍ فِي تَعْلِيمِ نَظْمِهِ فَلَا تُخِلُّ بِهَا الزِّيَادَةُ، وَالْأَذَانُ لِلْإِعْلَامِ وَقَدْ صَارَ مَعْرُوفًا بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ فَلَا يَبْقَى إعْلَامًا بِغَيْرِهَا، وَلَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ كَبِيرُ خِلَافٍ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْمَنْقُولَ
-
عَلَيْهِ. قَالَ (وَإِذَا لَبَّى فَقَدْ أَحْرَمَ) يَعْنِي إذَا نَوَى لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَتَأَدَّى إلَّا بِالنِّيَّةِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهَا لِتَقْدِيمِ الْإِشَارَةِ إلَيْهَا فِي قَوْلِهِ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ (وَلَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي الْإِحْرَامِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مَا لَمْ يَأْتِ بِالتَّلْبِيَةِ)
-
أَفْضَلَ فِي رِوَايَةٍ. قَالَ فِي شَرْحِ الْوَجِيزِ: لَا تُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَلْ يَكُونُ مَكْرُوهًا، وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ هَذَا، كَذَا فِي الْأَسْرَارِ.
-
قَالَ (وَإِذَا لَبَّى فَقَدْ أَحْرَمَ) مَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ إذَا نَوَى وَلَبَّى فَقَدْ أَحْرَمَ وَلَا يَصِيرُ شَارِعًا لَا بِمُجَرَّدِ التَّلْبِيَةِ،
-
وَلَا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَتَأَدَّى إلَّا بِالنِّيَّةِ إلَّا أَنَّ الْقُدُورِيَّ لَمْ يَذْكُرْهَا لِتَقَدُّمِ الْإِشَارَةِ إلَيْهَا فِي قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ،
-
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَى الْأَدَاءِ أَيْ عَلَى أَدَاءِ عِبَادَةٍ تَشْتَمِلُ عَلَى أَرْكَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ لِلشُّرُوعِ فِيهِ مِنْ ذِكْرٍ يُقْصَدُ بِهِ التَّعْظِيمُ سَوَاءٌ كَانَ تَلْبِيَةً أَوْ غَيْرَهَا عَرَبِيًّا أَوْ غَيْرَهُ فِي الْمَشْهُورِ كَمَا ذَكَرْنَا، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الذِّكْرِ كَتَقْلِيدِ الْهَدْيِ، فَإِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي حُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ إظْهَارُ الْإِجَابَةِ لِلدَّعْوَةِ.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَصِيرُ شَارِعًا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ لِأَنَّهُ الْتِزَامُ
-
خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رحمه الله لِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَى الْأَدَاءِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرٍ كَمَا فِي تَحْرِيمَةِ الصَّلَاةِ، وَيَصِيرُ شَارِعًا بِذِكْرٍ يَقْصِدُ بِهِ التَّعْظِيمَ سِوَى التَّلْبِيَةِ فَارِسِيَّةً كَانَتْ أَوْ عَرَبِيَّةً، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ عَلَى أَصْلِهَا أَنَّ بَابَ الْحَجِّ أَوْسَعُ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، حَتَّى يُقَامَ غَيْرُ الذِّكْرِ مَقَامَ الذِّكْرِ كَتَقْلِيدِ الْبُدْنِ فَكَذَا غَيْرُ التَّلْبِيَةِ وَغَيْرُ الْعَرَبِيَّةِ.
-
قَالَ (وَيَتَّقِي مَا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مِنْ الرَّفَثِ وَالْفُسُوقِ وَالْجِدَالِ) وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ فَهَذَا نَهْيٌ بِصِيغَةِ النَّفْيِ
-
الْكَفِّ عَنْ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ يَحْصُلُ الشُّرُوعُ فِيهِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ كَالصَّوْمِ. وَالْجَوَابُ: إنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ فِي الْإِحْرَامِ الْتَزَمَ الْكَفَّ، بَلْ الْتَزَمَ أَدَاءَ الْأَفْعَالِ وَالْكَفُّ ضِمْنِيٌّ لِأَنَّهُ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ،
-
بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّ الْكَفَّ فِيهِ رُكْنٌ فَكَانَ الْتِزَامُهُ قَصْدِيًّا.
-
وَقَوْلُهُ (وَيَتَّقِي مَا نَهَى اللَّهُ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (فَهَذَا نَهْيٌ بِصِيغَةِ النَّفْيِ) إنَّمَا قَالَهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْخُلْفُ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ لِوُجُودِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا قَالَ بِحَضْرَةِ النِّسَاءِ لِأَنَّ ذِكْرَ الْجِمَاعِ بِغَيْرِ حَضْرَتِهِنَّ لَيْسَ مِنْ الرَّفَثِ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَنْشَدَ فِي إحْرَامِهِ:
-
وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسًا … إنْ يَصْدُقْ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسًا
-
وَالرَّفَثُ الْجِمَاعُ أَوْ الْكَلَامُ الْفَاحِشُ، أَوْ ذِكْرُ الْجِمَاعِ بِحَضْرَةِ النِّسَاءِ وَالْفُسُوقُ الْمَعَاصِي وَهُوَ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ أَشَدُّ حُرْمَةً، وَالْجِدَالُ أَنْ يُجَادِلَ رَفِيقَهُ،
-
وَقِيلَ: مُجَادَلَةُ الْمُشْرِكِينَ فِي تَقْدِيمِ وَقْتِ الْحَجِّ وَتَأْخِيرِهِ
-
(وَلَا يَقْتُلُ صَيْدًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾
-
فَقِيلَ لَهُ أَتَرْفُثُ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ؟ فَقَالَ: إنَّمَا الرَّفَثُ مَا كَانَ بِحَضْرَةِ النِّسَاءِ
-
وَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾
-
(وَلَا يُشِيرُ إلَيْهِ وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ) لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه «أَنَّهُ أَصَابَ حِمَارَ وَحْشٍ وَهُوَ حَلَالٌ وَأَصْحَابُهُ مُحْرِمُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام لِأَصْحَابِهِ: هَلْ أَشَرْتُمْ؟ هَلْ دَلَلْتُمْ؟ هَلْ أَعَنْتُمْ؟ فَقَالُوا: لَا، فَقَالَ: إذًا فَكُلُوا» وَلِأَنَّهُ إزَالَة الْأَمْنِ عَنْ الصَّيْدِ لِأَنَّهُ آمِنٌ بِتَوَحُّشِهِ وَبُعْدِهِ عَنْ الْأَعْيُنِ
-
قَالَ (وَلَا يَلْبَسُ قَمِيصًا وَلَا سَرَاوِيلَ وَلَا عِمَامَةً وَلَا خُفَّيْنِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَيَقْطَعُهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام «نَهَى أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ» وَقَالَ فِي آخِرِهِ «وَلَا خُفَّيْنِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ»
-
لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ مُحْرِمُونَ. وَقَوْلُهُ (وَلَا يُشِيرُ إلَيْهِ) الْإِشَارَةُ تَقْتَضِي الْحَضْرَةَ، وَالدَّلَالَةُ تَقْتَضِي الْغَيْبَةَ. وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّهُ) أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ الْإِشَارَةِ وَالدَّلَالَةِ وَالْإِعَانَةِ (إزَالَةُ الْأَمْنِ عَنْ الصَّيْدِ لِأَنَّهُ آمِنٌ بِتَوَحُّشِهِ وَبُعْدِهِ عَنْ الْأَعْيُنِ) وَهُوَ حَرَامٌ.
-
وَقَوْلُهُ (وَلَا يَلْبَسُ قَمِيصًا) ظَاهِرٌ.
-
وَالْكَعْبُ هُنَا الْمِفْصَلُ الَّذِي فِي وَسَطِ الْقَدَمِ عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ دُونَ النَّاتِئِ فِيمَا رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ رحمه الله .
-
قَالَ (وَلَا يُغَطِّي وَجْهَهُ وَلَا رَأْسَهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَجُوزُ لِلرَّجُلِ تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «إحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ وَإِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا» . وَلَنَا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «لَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلَا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» قَالَهُ فِي مُحْرِمٍ تُوُفِّيَ
-
وَقَوْلُهُ (قَالَهُ فِي مُحْرِمٍ تُوُفِّيَ) هُوَ الْأَعْرَابِيُّ الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ فِي أَخَافِيقِ الْجِرْذَانِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَمَاتَ وَالْوَقَصُ كَسْرُ الْعُنُقِ وَالْأَخَافِيقُ شُقُوقٌ فِي الْأَرْضِ، وَالْجِرْذَانُ جَمْعُ جُرَذٍ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ الْفَأْرِ.
-
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَتَمَسَّكُ أَصْحَابُنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَمَذْهَبُنَا عَلَى خِلَافِ حُكْمِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي مُحْرِمٍ يَمُوتُ فِي إحْرَامِهِ حَيْثُ يُصْنَعُ بِهِ مَا يُصْنَعُ بِالْحَلَالِ مِنْ تَغْطِيَةِ رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ بِالْكَفَنِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَهُوَ يَتَمَسَّكُ هُنَاكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أُجِيبَ: بِأَنَّ الْحَدِيثَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لِلْإِحْرَامِ تَأْثِيرًا فِي تَرْكِ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، فَإِنَّهُ عليه الصلاة والسلام عَلَّلَ لِتَرْكِ التَّغْطِيَةِ بِأَنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّيًا.
-
وَالْحُجَّةُ لَنَا فِي تَغْطِيَةِ رَأْسِ الْمُحْرِمِ وَوَجْهِهِ إذَا مَاتَ مَا رَوَى عَطَاءٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ مُحْرِمٍ مَاتَ فَقَالَ: خَمِّرُوا رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ
-
وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُغَطِّي وَجْهَهَا مَعَ أَنَّ فِي الْكَشْفِ فِتْنَةٌ فَالرَّجُلُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى. وَفَائِدَةُ مَا رُوِيَ الْفَرْقُ فِي تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ.
-
قَالَ (وَلَا يَمَسُّ طِيبًا) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «الْحَاجُّ الشَّعِثُ التَّفِلُ»
-
(وَكَذَا لَا يَدَّهِنُ) لِمَا رَوَيْنَا (لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ وَلَا شَعْرَ بُدْنِهِ) ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ الْآيَةَ (وَلَا يَقُصُّ مِنْ لِحْيَتِهِ) لِأَنَّ فِي مَعْنَى الْحَلْقِ وَلِأَنَّ فِيهِ إزَالَةُ الشَّعَثِ وَقَضَاءِ التَّفَثِ.
-
قَالَ (وَلَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِوَرْسٍ وَلَا زَعْفَرَانٍ وَلَا عُصْفُرٍ) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا وَرْسٌ» قَالَ (إلَّا أَنْ يَكُونَ غَسِيلًا لَا يَنْفُضُ)
-
وَلَا تُشَبِّهُوهُ بِالْيَهُودِ». وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَوْ كَانَ لِلْإِحْرَامِ تَأْثِيرٌ فِي تَرْكِ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ لَمَا أَمَرَ بِتَخْمِيرِهِمَا. وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُغَطِّي وَجْهَهَا) ظَاهِرٌ، وَقَوْلُهُ (وَفَائِدَةُ مَا رُوِيَ) يَعْنِي إحْرَامَ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ، وَإِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا (الْفَرْقُ فِي تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ) يَعْنِي الْفَرْقَ بَيْنَ إحْرَامَيْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِحَيْثُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ،
-
وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ ذَلِكَ لَا أَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ وَجْهَهُ فِي الْإِحْرَامِ.
-
وَقَوْلُهُ (وَلَا يَمَسُّ طِيبًا) الطِّيبُ مَا لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ (لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «الْحَاجُّ الشَّعِثُ التَّفِلُ» وَالشَّعِثُ بِالْكَسْرِ نَعْتٌ، وَبِالْفَتْحَةِ مَصْدَرٌ: وَهُوَ انْتِشَارُ الشَّعْرِ وَتَغَيُّرُهُ لِقِلَّةِ التَّعَهُّدِ وَالتَّفِلُ مِنْ التَّفْلِ وَهُوَ تَرْكُ الطِّيبِ حَتَّى يُوجَدَ مِنْهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ
-
(وَكَذَا لَا يَدَّهِنُ لِمَا رَوَيْنَا) يَعْنِي «الْحَاجُّ الشَّعِثُ التَّفِلُ» . قَالَ (وَلَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ) الْمُحْرِمُ لَا يَحْلِقُ شَعْرَهُ مُطْلَقًا (لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ الْآيَةَ) وَهُوَ بِعِبَارَتِهِ يَنْهَى عَنْ حَلْقِ الرَّأْسِ، وَبِدَلَالَتِهِ عَنْ حَلْقِ شَعْرِ الْبَدَنِ لِأَنَّ شَعْرَ الرَّأْسِ مُسْتَحِقُّ الْأَمْنِ عَنْ الْإِزَالَةِ لِكَوْنِهِ نَامِيًا يَحْصُلُ الِارْتِفَاقُ بِإِزَالَتِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي شَعْرِ الْبَدَنِ فَيُلْحَقُ بِهِ دَلَالَةً.
-
وَقَوْلُهُ (وَلَا يَقُصُّ مِنْ لِحْيَتِهِ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (قَضَاءُ التَّفَثِ) يَعْنِي إزَالَةَ الْوَسَخِ،.
-
وَالْوَرْسُ صَبْغٌ أَصْفَرُ، وَقِيلَ: نَبْتٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ، وَفِي الْقَانُونِ الْوَرْسُ شَيْءٌ أَحْمَرُ قَانِئٌ يُشْبِهُ سَحِيقَ الزَّعْفَرَانِ وَهُوَ مَجْلُوبٌ مِنْ الْيَمَنِ وَقَوْلُهُ (لَا يَنْفُضُ) أَيْ لَا يُوجَدُ مِنْهُ رَائِحَةُ الْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْعُصْفُرِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنْ لَا يَتَعَدَّى أَثَرَ الصَّبْغِ إلَى غَيْرِهِ أَوْ لَا تَفُوحَ مِنْهُ رَائِحَةُ الطِّيبِ. وَالثَّانِي: مُخْتَارُ
-
لِأَنَّ الْمَنْعَ لِلطِّيبِ لَا لِلَّوْنِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْمُعَصْفَرِ لِأَنَّهُ لَوْنٌ لَا طِيبَ لَهُ. وَلَنَا أَنَّ لَهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً.
-
قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَغْتَسِلَ وَيَدْخُلَ الْحَمَّامَ)
-
الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ قَالَ (لِأَنَّ الْمَنْعَ لِلطِّيبِ لَا لِلَّوْنِ) وَاعْتُرِضَ عَلَى الْمَرْوِيِّ عَنْ الْقُدُورِيِّ وَهُوَ يَنْفُضُ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ نَفَضْت الثَّوْبَ أَنْفُضُهُ نَفْضًا إذَا حَرَّكْته لِيَسْقُطَ مَا عَلَيْهِ، وَالثَّوْبُ لَيْسَ بِنَافِضٍ وَأَنْكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَقِيلَ: بَلْ هِيَ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ، وَلَئِنْ كَانَتْ كَانَ إسْنَادًا مَجَازِيًّا (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْمُعَصْفَرِ لِأَنَّهُ لَوْنٌ لَا طِيبَ لَهُ) فَلَا يَكُونُ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ وَهُوَ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ لِيُلْحَقَ بِهِ، وَقُلْنَا حَدِيثُ الْوَرْسِ دَلِيلٌ فِي الْعُصْفُرِ بِالْأَوْلَوِيَّةِ لِأَنَّهُ فَوْقَ الْوَرْسِ فِي طِيبِ الرَّائِحَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَائِشَةَ.
-
وَقَوْلُهُ (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَغْتَسِلَ)
-
لِأَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه اغْتَسَلَ وَهُوَ مُحْرِمٌ
-
(وَ) لَا بَأْسَ بِأَنْ (يَسْتَظِلَّ بِالْبَيْتِ وَالْمُحْمَلُ) وَقَالَ مَالِكٌ: يُكْرَهُ أَنْ يَسْتَظِلَّ بِالْفُسْطَاطِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُشْبِه تَغْطِيَةَ الرَّأْسِ. وَلَنَا أَنَّ عُثْمَانَ رضي الله عنه كَانَ يُضْرَبُ لَهُ
-
ُ مَا جَاءَ فِي الْقِرَانِ وَالْغُسْلِ لِلْمُحْرِمِ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَيُّ ذَلِكَ أَحَبُّ إلَى مَالِكٍ الْقِرَانُ أَمْ الْإِفْرَادُ بِالْحَجِّ أَمْ الْعُمْرَةُ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْإِفْرَادُ بِالْحَجِّ أَحَبُّ إلَيَّ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ يُوَسِّعُ مَالِكٌ فِي تَرْكِ الْغُسْلِ لِلرَّجُلِ أَوْ الْمَرْأَةِ إذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ؟ قَالَ: لَا إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَالنُّفَسَاءُ تَغْتَسِلُ وَالْحَائِضُ تَغْتَسِلُ إذَا أَرَادَتْ الْإِحْرَامَ وَلَا تَدَعُ الْغُسْلَ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ، وَكَانَ مَالِكٌ يَسْتَحِبُّ الْغُسْلَ وَلَا يَسْتَحِبُّ أَنْ يَتَوَضَّأَ مَنْ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ وَيَدَعَ الْغُسْلَ.
-
قَالَ مَالِكٌ: إنْ اغْتَسَلَ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ ثُمَّ مَضَى مَنْ فَوْرِهِ إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ فَأَحْرَمَ، قَالَ: أَرَى غُسْلَهُ مُجْزِئًا عَنْهُ، قَالَ:
-
وَإِنْ اغْتَسَلَ بِالْمَدِينَةِ غُدْوَةً ثُمَّ أَقَامَ إلَى الْعَشِيِّ ثُمَّ رَاحَ إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ فَأَحْرَمَ؟ قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ الْغُسْلُ، قَالَ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْغُسْلُ بِالْمَدِينَةِ لِرَجُلٍ يَغْتَسِلُ ثُمَّ يَرْكَبُ مِنْ فَوْرِهِ، أَوْ رَجُلٍ يَأْتِي ذَا الْحُلَيْفَةِ فَيَغْتَسِلُ إذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ.
-
مَا جَاءَ فِي التَّلْبِيَةِ
-
ِ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ يَذْكُرُ الْمُحْرِمُ شَيْئًا سِوَى التَّلْبِيَةِ إذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ، أَمْ تُجْزِئُهُ التَّلْبِيَةُ وَيَنْوِي بِهَا مَا يُرِيدُ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَلَا يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي مُحْرِمٌ بِحَجَّةٍ أَوْ بِعُمْرَةٍ؟
-
قَالَ: كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: تُجْزِئُهُ التَّلْبِيَةُ يَنْوِي بِهَا الْإِحْرَامَ الَّذِي يُرِيدُ وَلَا يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي مُحْرِمٌ بِحَجَّةٍ، وَكَانَ ذَلِكَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِحَجٍّ أَوْ بِعُمْرَةٍ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَتَى يُلَبِّي فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَفِي دُبُرِ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ أَمْ فِي دُبُرِ صَلَاةٍ نَافِلَةٍ، أَوْ إذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ أَوْ إذَا انْطَلَقَتْ بِهِ؟
-
قَالَ: يُلَبِّي إذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ فِي فِنَاءِ الْمَسْجِدِ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ كُنْتُ فِيمَا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ
-
أُحْرِمَ، لِمَ أَمَرَنِي مَالِكٌ أَنْ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ يَأْمُرُنِي أَنْ أُحْرِمَ إذَا اسْتَوَتْ بِي رَاحِلَتِي،
-
وَلَا يَأْمُرُنِي أَنْ أَحْرُمَ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ؟
-
قَالَ: كَانَ مَالِكٌ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ نَافِلَةً إذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ إذَا كَانَ فِي سَاعَةٍ يُصَلَّى فِيهَا، قُلْنَا لَهُ: فَفِي هَذِهِ النَّافِلَةِ حَدٌّ؟
-
قَالَ: لَا. قُلْنَا لَهُ:
-
فَلَوْ صَلَّى مَكْتُوبَةً لَيْسَ بَعْدَهَا نَافِلَةً أَيُحْرِمُ بَعْدَهَا؟
-
قَالَ: نَعَمْ. قُلْنَا لَهُ:
-
فَلَوْ جَاءَ فِي إبَّانٍ لَيْسَ فِيهِ صَلَاةٌ بَعْدَ الصُّبْحِ أَوْ فِي بَعْدِ الْعَصْرِ وَقَدْ صَلَّى الصُّبْحَ أَوْ الْعَصْرَ؟
-
قَالَ: لَا يَبْرَحُ حَتَّى يَحِلَّ وَقْتُ صَلَاةٍ فَيُصَلِّيَهَا،
-
ثُمَّ يُحْرِمُ إذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا مُرَاهِقًا يَخَافُ فَوَاتَ حَجِّهِ أَوْ رَجُلًا خَائِفًا أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْعُذْرِ،
-
فَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُحْرِمَ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ تَوَجَّهَ نَاسِيًا لِلتَّلْبِيَةِ مِنْ فِنَاءِ الْمَسْجِدِ أَيَكُونُ فِي تَوَجُّهِهِ مُحْرِمًا؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَرَاهُ مُحْرِمًا بِنِيَّتِهِ فَإِنْ ذَكَرَ مِنْ قَرِيبٍ لَبَّى وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ تَرَكَهُ حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ رَأَيْتُ أَنْ يُهْرِيقَ دَمًا. وَقَالَ مَالِكٌ: يَدْهُنُ الْمُحْرِمُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَبَعْدَ حِلَاقَةِ رَأْسِهِ بِالزَّيْتِ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَبِالْبَانِ السَّمْحِ وَهُوَ الْبَانُ غَيْرُ الْمُطَيَّبِ،
-
وَأَمَّا كُلُّ شَيْءٍ يَبْقَى رِيحُهُ فَلَا يُعْجِبُنِي.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يُوَسِّعُ فِي ثَوْبَيْهِ إذَا كَانَا غَيْرَ جَدِيدَيْنِ إذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ أَنْ لَا يَغْسِلَهُمَا؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: عِنْدِي ثَوْبٌ قَدْ أَحْرَمْتُ فِيهِ حِجَجًا وَمَا غَسَلْتُهُ وَلَمْ يَكُنْ يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا.
-
مَا يُكْرَهُ مِنْ اللِّبَاسِ لِلْمُحْرِمِ
-
ِ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ الثَّوْبَ الْمَصْبُوغَ بِالْعُصْفُرِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَنْ يُحْرِمُوا فِيهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَكْرَهُ الثَّوْبَ الْمُفَدَّمَ بِالْعُصْفُرِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَنْ يُحْرِمُوا فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَنْتَفِضُ. قَالَ: وَكَرِهَهُ أَيْضًا لِلرِّجَالِ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَيُّ الصَّبْغِ كَانَ يَكْرَهُهُ مَالِكٌ؟
-
قَالَ: الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ وَالْعُصْفُرُ الْمُفَدَّمُ الَّذِي يَنْتَفِضُ، وَلَمْ يَكُنْ يَرَى بِالْمُمَشَّقِ وَالْمُوَرَّدِ بَأْسًا.
-
مَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُهُ
-
ُ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَكَانَ مَالِكٌ يَرَى بَأْسًا أَنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ فِي الْبَرْكَانَاتِ وَالطَّيَالِسَةِ الْكُحْلِيَّةِ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنْ يَرَى مَالِكٌ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا بَأْسًا.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ أَيْنَ إحْرَامُ الرَّجُلِ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ إحْرَامُ الرَّجُلِ فِي وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ.
-
قَالَ: وَكَرِهَ مَالِكٌ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُغَطِّيَ مَا فَوْقَ الذَّقَنِ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ فَعَلَ؟
-
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا،
-
وَلَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا لِمَا جَاءَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ مَا كَانَ مِنْ الْمَصْبُوغِ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ فَغُسِلَ حَتَّى صَارَ لَا يَنْتَفِضُ وَلَوْنُهُ فِيهِ، هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُهُ؟
-
قَالَ: نَعَمْ كَانَ يَكْرَهُ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتَ مِنْ الثِّيَابِ الْمَصْبُوغَةِ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ وَإِنْ كَانَ قَدْ
-
غُسِلَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ ذَهَبَ لَوْنُهُ فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ مِنْ لَوْنِهِ شَيْءٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ، قَالَ:
-
وَإِنْ غَسَلَهُ فَغَلَبَهُ لَوْنُهُ وَلَمْ يَخْرُجْ وَلَمْ يَجِدْ ثَوْبًا غَيْرَهُ صَبَغَهُ بِالْمَشْقِ،
-
ثُمَّ يُحْرِمُ فِيهِ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَغْسِلَ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ؟ قَالَ: نَعَمْ كَانَ يَكْرَهُهُ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا أُحِبُّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَغْمِسَ رَأْسَهُ فِي الْمَاءِ خَشْيَةَ أَنْ يَقْتُلَ الدَّوَابَّ،
-
وَإِنْ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ وَحَرَّكَهُ بِيَدِهِ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَغْمِسَ رَأْسَهُ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا أَرَى بَأْسًا إنْ وَجَدَ الْمُحْرِمُ حَرًّا أَنْ يَصُبَّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ يُحْرِمُ الرَّجُلُ مَنْ الْوَقْتِ أَيَّ سَاعَةٍ يَشَاءُ إنْ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ؟ قَالَ: نَعَمْ إلَّا فِي وَقْتٍ لَا صَلَاةَ فِيهِ، فَلْيَنْتَظِرْ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ صَلَاةٍ ثُمَّ يُحْرِمُ بَعْدَ صَلَاةٍ إنْ شَاءَ مَكْتُوبَةً وَإِنْ شَاءَ نَافِلَةً، قَالَ: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُحْرِمَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةِ تَطَوُّعٍ بَعْدَمَا تَسْتَوِي بِهِ رَاحِلَتُهُ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ الْمِيقَاتُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ أَكَانَ يُلْزِمُهُ مَالِكٌ الْإِحْرَامَ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: وَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ بِالْحَجِّ أَكَانَ مَالِكٌ، يُلْزِمْهُ ذَلِكَ الْإِحْرَامَ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَكَانَ مَالِكٌ يَسْتَحِبُّ لِمَنْ جَاءَ مَكَّةَ لَيْلًا أَنْ لَا يَدْخُلَ حَتَّى يُصْبِحَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ وَاسِعٌ، قَالَ: وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ نَهَارًا.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: كَيْفَ كَانَ اسْتِلَامُ الْأَرْكَانِ عِنْدَ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُسْتَلَمُ الرُّكْنَانِ اللَّذَانِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ بِيَدٍ وَلَا يُقَبَّلَانِ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ بِالْيَدِ وَيَضَعُ الْيَدَ الَّتِي اسْتَلَمَ بِهَا عَلَى الْفَمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَبِّلَ يَدَهُ،
-
وَلَا يُقَبِّلُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ بِفِيهِ وَيَسْتَلِمُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ بِالْيَدِ، وَيَضَعُ الْيَدَ الَّتِي اسْتَلَمَ بِهَا عَلَى الْفَمِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ أَيْضًا،
-
وَلَا يُقَبِّلُ الْيَدَ فِي اسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَلَا فِي الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، وَإِنَّمَا تُوضَعُ عَلَى الْفَمِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ أَوْ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ بِالْفَمِ وَحْدَهُ،
-
فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فَإِذَا حَاذَاهُ كَبَّرَ وَمَضَى.
-
قَالَ: فَقِيلَ لِمَالِكٍ: فَهَذَا الَّذِي يَقُولُهُ النَّاسُ إذَا حَاذَوْهُ إيمَانًا بِكَ وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَرَأَى أَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَقَالَ: إنَّمَا يُكَبِّرُ وَيَمْضِي وَلَا يَقِفُ.
-
فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ
-
ِ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَفَكَانَ يَأْمُرُهُ بِأَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ عِنْدَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْتَلِمَهُ فَكَبَّرَ هَلْ يَرْفَعُ فِي هَذَا التَّكْبِيرِ يَدَيْهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ. يُكَبِّرُ وَيَمْضِي وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَمَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ لِزِحَامِ النَّاسِ، أَيُكَبِّرُ وَيَمْضِي أَمْ لَا يُكَبِّرُ؟ قَالَ: يُكَبِّرُ وَيَمْضِي.
-
قُلْتُ: أَكَانَ مَالِكٌ يَأْمُرُ بِالزِّحَامِ عَلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ عِنْدَ اسْتِلَامِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ مَا لَمْ يَكُنْ مُؤْذِيًا.
-
قُلْتُ لِابْنِ
-
الْقَاسِمِ: مَتَى يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: إذَا رَاحَ إلَى الْمَسْجِدِ، يُرِيدُ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَرَاحَ يُرِيدُ الصَّلَاةَ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ. قَالَ: وَوَقَفْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ فَأَخْبَرَنَا بِمَا أَخْبَرْتُكَ، فَكَانَ مِمَّا ثَبَتَ بِهِ هَذَا عِنْدَنَا وَعِلْمنَا أَنَّهُ رَأْيُهُ، إنَّهُ قَالَ: لَا يُلَبِّي الْإِمَامُ يَوْمَ عَرَفَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَيُكَبِّرُ بَيْنَ ظَهْرَانِي خُطْبَتِهِ.
-
قَالَ: وَلَمْ يُوَقِّتْ لَنَا فِي تَكْبِيرِهِ وَقْتًا، قَالَ: وَكَانَ مَالِكٌ قَبْلَ ذَلِكَ يَقُولُ: يَقْطَعُ الْمُحْرِمُ التَّلْبِيَةَ إذَا رَاحَ إلَى الْمَوْقِفِ، وَكَانَ يَقُولُ يَقْطَعُ إذْ زَاغَتْ الشَّمْسُ، فَلَمَّا وَقَفْنَاهُ عَلَيْهِ قَالَ: إذَا رَاحَ إلَى الْمَسْجِدِ قَطَعَ، يُرِيدُ إذَا كَانَ رَوَاحُهُ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَكَانَ مَالِكٌ يَأْمُرُ بِالتَّكْبِيرِ إذَا قَطَعَ الْمُحْرِمُ التَّلْبِيَةَ؟
-
قَالَ: مَا سَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُكَبِّرَ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الصَّلَاةَ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ أَيُكَبِّرُ فِي دُبُرِهَا فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ؟ قَالَ: لَا.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَتَى يَقْطَعُ الَّذِي فَاتَهُ الْحَجُّ التَّلْبِيَةَ؟
-
قَالَ: إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ.
-
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ عُمْرَةً.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَالْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ لَا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَرُوحَ إلَى الصَّلَاةِ يَوْمَ عَرَفَةَ، إلَّا أَنَّهُ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَوَّلَ مَا يَدْخُلُ فَطَافَ بِالْبَيْتِ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ،
-
ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى تَلْبِيَتِهِ حَتَّى يَرُوحَ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى الصَّلَاةِ.
-
قَالَ: وَإِنْ لَبَّى إذَا دَخَلَ حَوْلَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ لَمْ أَرَ ذَلِكَ ضَيِّقًا عَلَيْهِ، وَرَأَيْته فِي سَعَةٍ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يُلَبِّيَ فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَذَلِكَ وَاسِعٌ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ لَهُ إذَا دَخَلَ فِي الطَّوَافِ الْأَوَّلِ يَوْمَ يَدْخُلُ مَكَّةَ وَهُوَ مُفْرِدٌ بِالْحَجِّ أَوْ قَارِنٌ أَنْ يُلَبِّيَ مِنْ حِينِ يَبْتَدِئُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ إلَى أَنْ يَفْرُغَ مِنْ سَعْيِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟
-
قَالَ نَعَمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَاهُ ضَيِّقًا عَلَيْهِ إذَا لَبَّى.
-
قَالَ: وَكَانَ مَالِكٌ إذَا أَفْتَى بِهَذَا يَقُولُ: لَا يُلَبِّي مِنْ حِينِ يَبْتَدِئُ الطَّوَافَ إلَى أَنْ يَفْرُغَ مِنْ سَعْيِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، يَقُولُ عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ:
-
وَإِنْ لَبَّى فَهُوَ فِي سَعَةٍ، قَالَ:
-
وَإِذَا فَرَغَ مِنْ سَعْيِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَادَ إلَى التَّلْبِيَةِ.
-
قَالَ ابْن الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: وَالْمُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ مَنْ مِيقَاتِهِ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ ثُمَّ لَا يَعُودُ إلَيْهَا، وَاَلَّذِي يُحْرِمُ مِنْ غَيْرِ مِيقَاتِهِ مِثْلُ الْجِعْرَانَةِ وَالتَّنْعِيمِ يَقْطَعُونَ إذَا دَخَلُوا بُيُوتَ مَكَّةَ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: أَوْ الْمَسْجِدَ؟
-
قَالَ: أَوْ الْمَسْجِدَ كُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الْمُحْصَرَ بِمَرَضٍ فِي حَجَّتِهِ مِنْ أَيْنَ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذَا فَاتَهُ الْحَجُّ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلَ الْحَرَمِ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُحِلُّهُ مِنْ إحْرَامِهِ إلَّا الْبَيْتُ وَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ بِهِ سِنِينَ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ هُوَ تَطَاوَلَ بِهِ مَرَضُهُ حَتَّى جَاءَ فِي حَجٍّ قَابِلٍ فَخَرَجَ فَوَافَى الْحَجَّ وَهُوَ فِي إحْرَامِهِ الَّذِي كَانَ أُحْصِرَ فِيهِ وَحَجَّ بِهِ قَابِلًا؟ قَالَ: يُجْزِئُهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: وَيَكُونُ عَلَيْهِ الدَّمُ فِي هَذَا؟
-
قَالَ: لَا دَمَ عَلَيْهِ فِي هَذَا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَالْمَحْصُورُ بِعَدُوٍّ يُحِلُّ بِمَوْضِعِهِ الَّذِي حُصِرَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ وَلَا بُدَّ لَهُ
-
مِنْ الْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَكَانَ مَالِكٌ يَأْمُرُ بِالْهَدْيِ إذَا أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ أَنْ يَنْحَرَ هَدْيَهُ الَّذِي هُوَ مَعَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
-
قَالَ: وَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَإِنْ كَانَ الْمَحْصُورُ بِعَدُوٍّ ضَرُورَةً أَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ مِنْ قَابِلٍ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ هَذَا الْمَحْصُورَ بِعَدُوٍّ إنْ كَانَ قَدْ قَضَى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أُحْصِرَ فَصُدَّ عَنْ الْبَيْتِ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ قَضَاءُ هَذِهِ الْحَجَّةِ الَّتِي صُدَّ عَنْهَا؟ قَالَ: لَا.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ صُدَّ عَنْ الْعُمْرَةِ بِعَدُوٍّ حَصَرَهُ؟
-
قَالَ: نَعَمْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
-
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ قَبْلَ أَنْ تَمْضِيَ أَيَّامُ الْحَجِّ وَيَفُوتَ الْحَجُّ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ مَحْصُورًا وَإِنْ حَصَرَهُ الْعَدُوُّ حَتَّى يَفُوتَهُ الْحَجُّ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ أُحْصِرَ فَصَارَ إنْ حَلَّ لَمْ يُدْرِكْ الْحَجَّ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْأَيَّامِ، أَيَكُونُ مَحْصُورًا أَوْ يُحِلُّ مَكَانَهُ وَلَا يَنْتَظِرُ ذَهَابَ الْحَجِّ؟ قَالَ: نَعَمْ هُوَ الْآنَ مَحْصُورٌ.
-
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا أَدْرِي، أَوْقَفْتُهُ عَلَيْهِ وَهُوَ رَأْيِي.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَيُلَبِّي الْقَارِنُ وَالْحَاجُّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟
-
قَالَ: وَالْحَاجُّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَتَى يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ الْمَجَامِعُ فِي الْحَجِّ؟ قَالَ: يَفْعَلُ كَمَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ فِي جَمِيعِ أَمْرِهِ،
-
وَلَا يَقْطَعُ إلَّا كَمَا يَقْطَعُ الْحَاجُّ، قَالَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ يُلَبِّيَ الرَّجُلُ وَهُوَ لَا يُرِيدُ الْحَجَّ؟ قَالَ: نَعَمْ كَانَ يَكْرَهُهُ وَيَرَاهُ خَرْقًا لِمَنْ فَعَلَهُ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَلَيْسَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ مَنْ لَبَّى يُرِيدُ الْإِحْرَامَ فَهُوَ مُحْرِمٌ إنْ أَرَادَ حَجًّا فَحَجَّ وَإِنْ أَرَادَ عُمْرَةً فَعُمْرَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَا حَدُّ مَا تَرْفَعُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ صَوْتَهَا عِنْدَ مَالِكٍ فِي التَّلْبِيَةِ؟
-
قَالَ: قَدْرُ مَا تُسْمِعُ نَفْسَهَا.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الصَّبِيَّ إذَا كَانَ لَا يَتَكَلَّمُ فَحَجَّ بِهِ أَبُوهُ أَيُلَبِّي عَنْهُ أَوَّلَ مَا يُحْرِمُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا وَلَكِنْ يُجَرِّدُهُ، قَالَ مَالِكٌ وَلَا يُجَرِّدُهُ إذَا كَانَ صَغِيرًا هَكَذَا حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْحَرَمِ.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَالصِّبْيَانُ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفُونَ، مِنْهُمْ الْكَبِيرُ قَدْ نَاهَزَ وَمِنْهُمْ الصَّغِيرُ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ وَثَمَانِ سِنِينَ الَّذِي لَا يَجْتَنِبُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ، فَذَلِكَ يَقْرُبُ مِنْ الْحَرَمِ ثُمَّ يُحْرِمُ وَاَلَّذِي قَدْ نَاهَزَ فَمِنْ الْمِيقَاتِ لِأَنَّهُ يَدَعُ مَا يُؤْمَرُ بِتَرْكِهِ.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَالصَّغِيرُ الَّذِي لَا يَتَكَلَّمُ إذَا جَرَّدَهُ أَبُوهُ، يُرِيدُ بِتَجْرِيدِهِ الْإِحْرَامَ فَهُوَ مُحْرِمٌ وَيُجَنِّبُهُ مَا يُجَنِّبُ الْكَبِيرَ، قَالَ:
-
وَإِذَا طَافُوا فَلَا يَطُوفَنَّ بِهِ أَحَدٌ لَمْ يَطُفْ طَوَافَهُ الْوَاجِبَ، لِأَنَّهُ يُدْخِلُ طَوَافَيْنِ فِي طَوَافٍ، طَوَافَ الصَّبِيِّ وَطَوَافَ الَّذِي يَطُوفُ بِهِ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَمَا الطَّوَافُ الْوَاجِبُ عِنْدَ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: طَوَافُهُ الَّذِي يَصِلُ بِهِ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: يَسْعَى بِهَذَا الصَّبِيِّ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَنْ لَمْ يَسْعَ بَيْنَهُمَا السَّعْيَ الَّذِي عَلَيْهِ؟
-
قَالَ: السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي هَذَا أَخَفُّ عِنْدِي مِنْ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ إنْ فَعَلَ وَلَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَجْمَعَهُ لِنَفْسِهِ
-
وَلِلصَّبِيِّ فِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، لِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ عِنْدَهُ كَالصَّلَاةِ وَأَنَّهُ لَا يَطُوفُ أَحَدٌ إلَّا وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لَيْسَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، قَدْ يَسْعَى مَنْ لَيْسَ عَلَى وُضُوءٍ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكٌ:
-
وَلَا يَرْمِي عَنْ الصَّبِيِّ مَنْ لَمْ يَكُنْ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ، يَرْمِي عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ الصَّبِيِّ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَرْمِيَ عَنْ نَفْسِهِ فَيَفْرُغُ مِنْ رَمْيِهِ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ يَرْمِي عَنْ الصَّبِيِّ، وَقَالَ: ذَلِكَ وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ سَوَاءٌ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَتَّى يَرْمِيَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ عَنْ الصَّبِيِّ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ دَخَلَ مُرَاهِقًا وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ أَوْ قَارِنٌ أَوْ مُتَمَتِّعٌ: أَنَّهُ إنْ خَافَ إنْ طَافَ بِالْبَيْتِ أَنْ يَفُوتَهُ الْحَجُّ، قَالَ: يَمْضِي لِوَجْهِهِ وَيَدَعُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ إنْ كَانَ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ أَوْ قَارِنًا،
-
وَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَرْدَفَ الْحَجَّ أَيْضًا وَمَضَى لِوَجْهِهِ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَصِيرُ قَارِنًا وَيَقْضِي حَجَّهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يَرَى قَضَاءً لِلْعُمْرَةِ فِي جَمِيعِ هَذَا وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ دَمٌ لِمَا تَرَكَ مِنْ طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ لِأَنَّهُ كَانَ مُرَاهِقًا.
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ دَخَلَ غَيْرَ مُرَاهِقٍ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ أَوْ قَارِنًا فَلَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى مَضَى إلَى عَرَفَاتٍ، فَإِنَّهُ يُهْرِيقُ دَمًا لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِي الطَّوَافِ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ حَتَّى خَرَجَ إلَى عَرَفَاتٍ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ دَخَلَ غَيْرَ مُرَاهِقٍ مُعْتَمِرًا أَوْ قَارِنًا فَلَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ حَتَّى خَرَجَ إلَى عَرَفَاتٍ فَفَرَضَ الْمُعْتَمِرُ الْحَجَّ وَخَرَجَ إلَى عَرَفَاتٍ وَمَضَى الْقَارِنُ وَلَمْ يَطُفْ حَتَّى خَرَجَ إلَى عَرَفَاتٍ؟
-
قَالَ: يَكُونَانِ قَارِنَيْنِ جَمِيعًا وَيَكُونُ عَلَيْهِمَا دَمُ الْقِرَانِ، وَيَكُونُ عَلَى الْقَارِنِ أَيْضًا دَمٌ آخَرُ لِمَا أَخَّرَ مِنْ طَوَافِهِ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُعْتَمِرِ غَيْرُ دَمِ الْقِرَانِ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُضِيفَ الْحَجَّ إلَى الْعُمْرَةِ مَا لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ الْوَصِيُّ إذَا خَرَجَ بِالصَّبِيِّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا أَحْفَظُ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْوَصِيِّ أَنْ يَحُجَّ بِالصَّبِيِّ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ وَجْهٌ يَخَافُ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَكْفُلُهُ،
-
فَإِنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ رَأَيْتُ أَنْ يَضْمَنَ مَا أُنْفِقَ عَلَى الصَّبِيِّ مِنْ مَالِهِ وَيَجُوزُ لَهُ إخْرَاجُهُ إذَا خَافَ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَكْفُلُهُ،
-
فَإِذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَهُ وَيُنْفِقَ عَلَى الصَّبِيِّ مِنْ مَالِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُحْرِمَهُ.
-
قُلْتُ: فَالْوَالِدَةُ فِي الصَّبِيِّ أَتَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ حَجّ بِهِ وَالِدُهُ أَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مَنْ مَالِ الصَّبِيِّ؟ قَالَ: لَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ،
-
وَلَا يَنْبَغِي لِوَالِدِهِ أَنْ يُحِجَّ الصَّبِيَّ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ إلَّا أَنْ يَخْشَى عَلَيْهِ مِثْلَ مَا خَشِيَ الْوَصِيُّ فَيَجُوزُ مَا أُنْفِقَ عَلَى الصَّبِيِّ،
-
فَإِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ ضَيْعَةً وَوَجَدَ مَنْ يَكْفُلُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ فَيُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ،
-
فَإِنْ فَعَلَ كَانَ ضَامِنًا لِمَا اكْتَرَى لَهُ وَمَا أَنْفَقَ فِي الطَّرِيقِ إلَّا قَدْرَ نَفَقَتِهِ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُهَا عَلَيْهِ إنْ لَوْ لَمْ يَشْخَصْ بِهِ.
-
قَالَ: وَالْأُمُّ إذَا خَافَتْ عَلَى الصَّبِيِّ الضَّيْعَةَ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ فِي جَمِيعِ مَا وَصَفْتُ لَكَ. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ:
-
فَإِنْ كَانَ هَذَا الصَّبِيُّ لَا يَتَكَلَّمُ فَأَحْرَمَهُ مَنْ ذَكَرَتْ لَكَ مَنْ
-
أَبٍ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ أُمٍّ أَوْ مَنْ هُوَ فِي حِجْرِهِ مِنْ غَيْرِ هَؤُلَاءِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّينَ أَوْ الْأَقَارِبِ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الصَّبِيُّ الَّذِي رُفِعَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْمِحَفَّةِ، إنَّمَا رَفَعْتُهُ امْرَأَةٌ «فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ.» قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّ مَعَهُ وَالِدًا.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِذَا أَحْرَمَتْهُ أُمُّهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَازَ الْإِحْرَامُ، فَأَرَى كُلَّ مَنْ كَانَ الصَّبِيُّ فِي حِجْرِهِ يَجُوزُ لَهُ مَا جَازَ لِلْأُمِّ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الذُّكُورِ الْغِلْمَانِ الصِّغَارِ يُحْرَمُ بِهِمْ وَعَلَيْهِمْ الْأَسْوِرَةُ وَفِي أَرْجُلِهِمْ الْخَلَاخِلُ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَفَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ لِلصِّبْيَانِ الذُّكُورِ الصِّغَارِ حُلِيَّ الذَّهَبِ؟ قَالَ: نَعَمْ قَدْ سَأَلْتُهُ عَنْهُ غَيْرَ مَرَّةٍ فَكَرِهَهُ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَهْلُ مَكَّةَ فِي التَّلْبِيَةِ كَغَيْرِهِمْ مِنْ النَّاسِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُحْرِمَ أَهْلُ مَكَّةَ إذَا أَهَلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ. قَالَ: وَكَانَ مَالِكٌ يَأْمُرُ أَهْلَ مَكَّةَ وَكُلَّ مَنْ أَنْشَأَ الْحَجَّ مِنْ مَكَّةَ أَنْ يُؤَخِّرَ طَوَافَهُ الْوَاجِبَ وَسَعْيَهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ عَرَفَاتٍ، قَالَ:
-
وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ تَطَوُّعًا بَعْدَمَا أَحْرَمَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ فَلْيَطُفْ، وَلَكِنْ لَا يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَّا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ عَرَفَاتٍ،
-
فَإِذَا رَجَعَ طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَيَكُونُ هَذَا الطَّوَافُ الَّذِي وَصَلَ بِهِ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ هُوَ الطَّوَافُ الْوَاجِبُ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الْأَخْرَسَ إذَا أَحْرَمَ فَأَصَابَ صَيْدًا أَيُحْكَمُ عَلَيْهِ كَمَا يُحْكَمُ عَلَى غَيْرِهِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ فَأَضَافَ إلَيْهِ عُمْرَةً فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَتَلْزَمُهُ الْعُمْرَةُ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ فَعَلَ فَمَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ أَتَلْزَمُهُ الْعُمْرَةُ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: بَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَلْزَمُهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ:
-
وَلَا أَرَى الْعُمْرَةَ تَلْزَمُهُ وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ،
-
وَلَا أَرَى عَلَيْهِ دَمَ الْقِرَانِ وَقَدْ سَمِعْتُ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَيُّ شَيْءٍ يَجْزِي فِي دَمِ الْقِرَانِ عِنْدَ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: شَاةٌ وَكَانَ يُجِيزُهَا عَلَى تَكَرُّهٍ، يَقُولُ إنْ لَمْ يَجِدْ، وَكَانَ يَقُولُ الَّذِي يُسْتَحَبُّ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَانَ مَالِكٌ إذَا اُضْطُرَّ إلَى الْكَلَامِ قَالَ تُجْزِئُ عَنْهُ الشَّاةُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي كَانَ يَسْتَحِبُّهُ مَالِكٌ فِيمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ الْبَقَرَةُ دُونَ الْبَعِيرِ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ طَوَافَ الزِّيَارَةِ، قَالَ وَقَالَ مَالِكٌ: وَنَاسٌ يَقُولُونَ زُرْنَا قَبْرَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: فَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ هَذَا وَيُعَظِّمُهُ أَنْ يُقَالَ إنَّ النَّبِيَّ يُزَارُ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَمَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَكَانَ يَكْرَهُ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ بَعْدَمَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ لَدُنْ أَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حَجِّهِ وَيُحِلَّ؟
-
قَالَ: نَعَمْ كَانَ يَكْرَهُهُ لَهُ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ بَعْدَمَا طَافَ بِالْبَيْتِ أَوَّلَ مَا دَخَلَ مَكَّةَ أَوْ بَعْدَمَا خَرَجَ إلَى مِنًى أَوْ فِي وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ أَوْ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ؟ قَالَ: كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُهُ.
-
قُلْتُ: أَفَتَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُهُ بِرَفْضِ الْعُمْرَةُ إنْ أَحْرَمَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الَّتِي ذَكَرْتُ لَكَ؟
-
قَالَ: لَا أَحْفَظُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِرَفْضِهَا.
-
قُلْتُ: أَفَتَحْفَظُ أَنَّهُ قَالَ تَلْزَمُهُ؟
-
قَالَ: لَا أَحْفَظُ أَنَّهُ قَالَ تَلْزَمُهُ.
-
قُلْتُ: فَمَا رَأْيُكَ؟ قَالَ: أَرَى أَنَّهُ قَدْ أَسَاءَ فِيمَا صَنَعَ حِينَ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ بَعْدَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مَنْ حَجِّهِ،
-
وَلَا أَرَى الْعُمْرَةَ تَلْزَمُهُ وَهُوَ رَأْيِي وَقَدْ بَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: وَيَكُونُ عَلَيْهِ الْعُمْرَةُ مَكَانَ هَذِهِ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا فِي أَيَّامِ الْحَجِّ بَعْدَ فَرَاغِهِ بِهَذِهِ الَّتِي زَعَمْتَ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُهُ؟
-
قَالَ: لَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ مَنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَضَافَ الْحَجَّ إلَى الْعُمْرَةِ أَيَلْزَمُهُ الْحَجَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ وَالسُّنَّةُ إذَا فَعَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ الْحَجُّ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَمَا قَوْلُ مَالِكٍ إنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فَطَافَ لَهَا ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ؟ قَالَ: تَلْزَمُهُ الْحَجَّةُ وَيَصِيرُ قَارِنًا وَعَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ،
-
قُلْتُ أَرَأَيْتَ إنْ أَضَافَ الْحَجَّ إلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَمَا سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِعُمْرَتِهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُهُ الْحَجُّ وَيَصِيرُ غَيْرَ قَارِنٍ،
-
وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ وَيَكُونُ عَلَيْهِ دَمٌ لِمَا أَخَّرَ مِنْ حِلَاقِ رَأْسِهِ فِي عُمْرَتِهِ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ دَمٌ لِمُتْعَتِهِ إنْ كَانَ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ،
-
وَإِنْ كَانَ إحْلَالُهُ مِنْ عُمْرَتِهِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَمٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَتِّعٍ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَالَ مَالِكٌ:
-
فَمَنْ تَمَتَّعَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ قَرَنَ فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَقْرِنُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ أَحَدٌ مِنْ دَاخِلِ الْحَرَمِ، قَالَ: وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: لَا يُحْرِمُ أَحَدٌ بِالْعُمْرَةِ مِنْ دَاخِلِ الْحَرَمِ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْقِرَانُ عِنْدِي مِثْلُهُ، لِأَنَّهُ يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ مِنْ دَاخِلِ الْحَرَمِ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: إحْرَامُ أَهْلِ مَكَّةَ بِالْحَجِّ وَمَنْ دَخَلَ بِعُمْرَةٍ مِنْ دَاخِلِ الْحَرَمِ.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ دَخَلَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ وَعَلَيْهِ نَفْسٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَخْرُجَ إلَى مِيقَاتِهِ فَيُحْرِمُ مِنْهُ بِالْحَجِّ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، قَالَ:
-
وَلَوْ أَنَّهُ أَقَامَ حَتَّى يُحْرِمَ مِنْ مَكَّةَ كَانَ ذَلِكَ لَهُ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مَكِّيًّا أَتَى الْمِيقَاتَ أَوْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ إلَى مِصْرَ أَوْ إلَى الْمَدِينَةِ فِي تِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَأَقَامَ بِمِصْرَ أَوْ بِالْمَدِينَةِ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَّخِذَ الْمَدِينَةَ أَوْ مِصْرَ وَطَنًا يَسْكُنُهَا، فَرَجَعَ إلَى مَكَّةَ وَهِيَ وَطَنُهُ فَقَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ قِرَانُهُ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ وَرَاءِ الْمِيقَاتِ إلَى مَكَّةَ مِثْلَ أَهْلِ قُدَيْدٍ وَعُسْفَانَ وَمَرِّ الظَّهْرَانِ، أَهُمْ عِنْدَ مَالِكٍ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةَ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِمْ - إنْ قَرَنُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ - دَمُ الْقِرَانِ؟
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ قَرَنُوا فَعَلَيْهِمْ دَمُ الْقِرَانِ،
-
وَلَا يَكُونُوا بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةَ إنْ قَرَنُوا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَعَلَيْهِمْ دَمُ الْقِرَانِ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَاَلَّذِينَ لَا دَمَ عَلَيْهِمْ إنْ قَرَنُوا أَوْ تَمَتَّعُوا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إنَّمَا هُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَذِي طَوًى لَا غَيْرُهُمْ، قَالَ:
-
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ مِنًى الَّذِينَ يَسْكُنُونَ مِنًى أَوْ غَيْرَهُمْ مِنْ سُكَّانِ الْحَرَمِ قَرَنُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مِنْ مَوْضِعٍ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَقْرِنُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مِنْهُ، أَوْ دَخَلُوا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَقَامُوا بِمَكَّةَ حَتَّى حَجُّوا كَانُوا مُتَمَتِّعِينَ وَلَيْسُوا كَأَهْلِ مَكَّةَ وَأَهْلِ ذِي طَوًى فِي هَذَا.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَمَا
-
قَوْلُ مَالِكٍ مِنْ أَيْنَ يُهِلُّ أَهْلُ قُدَيْدٍ وَعُسْفَانَ وَمَرِّ الظَّهْرَانِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مِنْ مَنَازِلِهِمْ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: مِيقَاتُ كُلِّ مَنْ كَانَ دُونَ الْمِيقَاتِ إلَى مَكَّةَ مِنْ مَنْزِلِهِ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مِمَّنْ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ جَاهِلًا وَلَمْ يُحْرِمْ مِنْهُ فَلْيَرْجِعْ إلَى الْمِيقَاتِ إنْ كَانَ لَا يَخَافُ فَوَاتَ الْحَجِّ فَلْيُحْرِمْ مِنْ الْمِيقَاتِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ،
-
فَإِنْ خَافَ فَوَاتَ الْحَجِّ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ وَعَلَيْهِ لِمَا تَرَكَ مِنْ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ دَمٌ، قَالَ مَالِكٌ:
-
وَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْرَمَ حِينَ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَتَرَكَ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ فَلْيَمْضِ وَلَا يَرْجِعُ، مُرَاهِقًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُرَاهِقٍ وَلْيُهْرِقْ دَمًا، قَالَ: وَلَيْسَ لِمَنْ تَعَدَّى الْمِيقَاتَ فَأَحْرَمَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْمِيقَاتِ فَيُنْقَضُ إحْرَامُهُ.
-
قُلْتُ: فَأَهْلُ الْقُرَى الَّذِينَ بَيْنَ مَكَّةَ وَذِي الْحُلَيْفَةِ عِنْدَ مَالِكٍ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْآفَاقِ؟ قَالَ: لَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ وَلَكِنَّهُمْ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْآفَاقِ لِأَنَّ مَوَاقِيتَهُمْ مِنْ مَنَازِلِهِمْ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ إلَى مَكَّةَ فَأَحْرَمَ بَعْدَمَا تَعَدَّى الْمِيقَاتَ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمِ، أَيُجْزِئُهُ مَكَانُ هَذَا الدَّمِ طَعَامٌ أَوْ صِيَامٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ الطَّعَامُ وَيُجْزِئُهُ الصِّيَامُ إنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا يَكُونُ الصِّيَامُ أَوْ الطَّعَامُ مَكَانَ الْهَدْيِ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى أَوْ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ،
-
وَأَمَّا فِي دَمِ الْمُتْعَةِ إذَا لَمْ يَجِدْ فَصِيَامٌ وَلَا يَكُونُ مَوْضِعَ دَمِ الْمُتْعَةِ طَعَامٌ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ هَدْيٍ وَجَبَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَجْلِ عَجْزٍ عَنْ الْمَشْيِ أَوْ وَطِئَ أَهْلَهُ أَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ أَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ لِشَيْءٍ تَرَكَهُ مِنْ الْحَجِّ، يَجْبُرُ بِذَلِكَ الدَّمُ مَا تَرَكَ مِنْ حَجِّهِ فَإِنَّهُ يَهْدِي،
-
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا صَامَ،
-
وَلَا يَرَى الطَّعَامَ مَوْضِعَ هَذَا الْهَدْيِ وَلَكِنْ يَرَى مَكَانَهُ الصِّيَامَ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَكَمْ يَصُومُ مَكَانَ هَذَا الْهَدْيِ؟ قَالَ: يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَسَبْعَةً تُحْمَلُ مَحْمَلَ هَدْيِ الْمُتَمَتِّعِ، وَإِنَّمَا يَجْعَلُ لَهُ مَالِكٌ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنْ يَصُومَ مَكَانَ هَذَا الْهَدْيِ إذْ هُوَ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ مَنْ كَانَ وَرَاءَ الْمِيقَاتِ إلَى مَكَّةَ فَتَعَدَّى وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ فَأَحْرَمَ بَعْدَمَا جَاوَزَ مَنْزِلَهُ إلَى مَكَّةَ وَتَعَدَّاهُ أَتَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الدَّمُ، قَالَ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي فِي مِيقَاتِ أَهْلِ عُسْفَانَ وَقَدِيدٍ وَتِلْكَ الْمَنَاهِلِ: إنَّهَا مِنْ مَنَازِلِهِمْ، فَلَمَّا جَعَلَ مَالِكٌ مَنَازِلَهُمْ لَهُمْ مِيقَاتًا رَأَيْتُ إنْ هُمْ تَعَدَّوْا مَنَازِلَهُمْ فَقَدْ تَعَدَّوْا مِيقَاتَهُمْ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا تَقَدَّمُوا لِحَاجَةٍ وَهُمْ لَا يُرِيدُونَ الْحَجَّ فَبَدَا لَهُمْ أَنْ يَحُجُّوا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُحْرِمُوا مِنْ مَوْضِعِهِمْ الَّذِي بَلَغُوهُ،
-
وَإِنْ كَانُوا قَدْ جَازُوا مَنَازِلَهُمْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مِصْرَ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِعُسْفَانَ فَبَلَغَ عُسْفَانَ وَهُوَ لَا يُرِيدُ الْحَجَّ،
-
ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَحُجَّ مِنْ عُسْفَانَ فَلْيَحُجَّ مِنْ عُسْفَانَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِمَا تَرَكَ مِنْ الْمِيقَاتِ، لِأَنَّهُ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَهُوَ لَا يُرِيدُ الْحَجَّ ثُمَّ بَدَا لَهُ بَعْدَمَا جَاوَزَ أَنْ يَحُجَّ، فَلْيَحُجَّ وَلْيَعْتَمِرْ مِنْ حَيْثُ بَدَا لَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي مَكِّيٍّ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ بِالْحَجِّ فَحُصِرَ بِمَرَضٍ، أَوْ رَجُلٌ دَخَلَ
-
مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فَفَرَغَ مَنْ عُمْرَتِهِ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فَحُصِرَ فَبَقِيَا مَحْصُورَيْنِ حَتَّى فَرَغَ النَّاسُ مِنْ حَجِّهِمْ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَخْرُجَانِ إلَى الْحِلِّ فَيُلَبِّيَانِ مِنْ الْحِلِّ، وَيَفْعَلَانِ مَا يَفْعَلُ الْمُعْتَمِرُ وَيُحِلَّانِ وَعَلَيْهِمَا الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ وَالْهَدْيُ مَعَ حَجِّهِمَا قَابِلًا.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قُلْتُ لَكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا فَاتَهُ الْحَجُّ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ أَيْنَ يَجْعَلُ هَذَا الْهَدْيَ؟ قَالَ: فِي حَجِّهِ مِنْ قَابِلٍ الَّذِي يَكُونُ قَضَاءً لِهَذَا الْحَجِّ الْفَائِتِ.
-
قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُقَدِّمَ هَذَا الدَّمَ قَبْلَ حَجٍّ قَابِلٍ خَوْفًا مِنْ الْمَوْتِ؟
-
قَالَ: يَجْعَلُهُ فِي حَجٍّ قَابِلٍ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَلَيْسَ إنَّمَا يُهْرِيقُهُ فِي حَجٍّ قَابِلٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ بِمِنًى؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ فَاتَهُ أَنْ يَنْحَرَهُ بِمِنًى اشْتَرَاهُ فَسَاقَهُ إلَى الْحِلِّ ثُمَّ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ فِي الْحِلِّ إنْ كَانَ مِمَّا يُقَلِّدُ وَيُشْعِرُ،
-
ثُمَّ أَدْخُلهُ مَكَّةَ فَنَحْرَهُ بِهَا أَيُجْزِئُ عَنْهُ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَفَاتَهُ الْحَجُّ فَأَقْبَلَ مِنْ السَّنَةِ الْمُقْبِلَةِ حَاجًّا يُرِيدُ قَضَاءَ الْحَجِّ الْفَائِتِ، أَلَهُ أَنْ يَقْرِنَ وَيُضِيفَ إلَى هَذِهِ الْحَجَّةِ - الَّتِي هِيَ قَضَاءٌ لِحَجَّتِهِ - عُمْرَةً؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ يُفْرِدُ كَمَا كَانَ حَجُّهُ الَّذِي أَفْسَدَهُ مُفْرِدًا.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ كَانَ قَارِنًا فَأَفْسَدَ حَجَّهُ أَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ، مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ إنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ الْقَضَاءَ فَيَقْضِيَ الْعُمْرَةَ وَحْدَهَا وَيَقْضِيَ الْحَجَّةَ وَحْدَهَا وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَقْضِيهِمَا جَمِيعًا قَارِنًا كَمَا أَفْسَدَهُمَا قَارِنًا، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ فِي مَكِّيٍّ أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ مِنْ الْحَرَمِ ثُمَّ أُحْصِرَ، أَنَّهُ يَخْرُجُ إلَى الْحِلِّ فَيُلَبِّي مِنْ هُنَاكَ لِأَنَّهُ أَمَرَ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَقَدْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ، أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ فَيَعْمَلَ فِيمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مَا يَعْمَلُ الْمُعْتَمِرُ وَيُحِلُّ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَأَرَادَ الْحَجَّ مِنْ عَامِهِ أَلَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ بَعْدَ عُمْرَتِهِ تِلْكَ عُمْرَةً أُخْرَى قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَعْتَمِرُ بَعْدَ عُمْرَتِهِ حَتَّى يَحُجَّ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ مَنْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، لِمَ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ بَعْدَ عُمْرَتِهِ؟ قَالَ: لِأَنَّ مَالِكًا كَانَ يَقُولُ: الْعُمْرَةُ فِي السَّنَةِ إنَّمَا هِيَ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَوْ اعْتَمَرَ لَلَزِمَتْهُ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: تَلْزَمُهُ إنْ اعْتَمَرَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ عُمْرَةٌ أُخْرَى إنْ كَانَ دَخَلَ بِالْأُولَى فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مَكِّيًّا أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ أَضَافَ إلَيْهَا حَجَّةً؟ قَالَ: يَلْزَمُهُ جَمِيعًا وَيَخْرُجُ إلَى الْحِلِّ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْحَرَمَ لَيْسَ بِمِيقَاتٍ لِلْمُعْتَمِرِينَ.
-
قُلْتُ: وَيَصِيرُ قَارِنًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ وَلَكِنَّهُ مَكِّيٌّ فَلَيْسَ عَلَى الْمَكِّيِّ دَمُ الْقِرَانِ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ مَكَّةَ لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ يَدْخُلُ مِنْهُ مُهِلًّا عَلَى إحْرَامِهِ ذَلِكَ لَا يَفْسَخُهُ وَلَا يُجَدِّدُهُ،
-
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بِمَكَّةَ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَحَنِثَ وَهُوَ بِمَكَّةَ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ غَيْرِ أَهْلِهَا، فَعَلَيْهِ أَنْ
-
يَخْرُجَ مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ وَيَدْخُلَ مُهِلًّا إمَّا بِحَجٍّ أَوْ بِعُمْرَةٍ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ هُوَ أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ بَعْدَمَا سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِعُمْرَتِهِ وَقَدْ كَانَ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ فَلَيْسَ بِقَارِنٍ، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِمَا أَخَّرَ مِنْ حِلَاقِ رَأْسِهِ فِي الْعُمْرَةِ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ قَضَى عُمْرَتَهُ حِينَ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ عَلَيْهِ إلَّا الْحِلَاقُ، فَلَمَّا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَحْلِقَ فَأَخَّرَ ذَلِكَ فَصَارَ عَلَيْهِ لِتَأْخِيرِ الْحِلَاقِ دَمٌ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ: هَذَا الْآخَرُ، فِي الْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ تَمَتَّعَ الَّذِي يُحْرِمُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يُقَصِّرَ بَعْدَمَا سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ لِعُمْرَتِهِ يَقُولُ عَلَيْهِ الدَّمُ لِتَأْخِيرِ الْحِلَاقِ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَذَا قَدْ عَرَفْنَا قَوْلَ مَالِكٍ فِيمَنْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، فَمَا قَوْلُهُ فِيمَنْ أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ،
-
وَلَا تَلْزَمُهُ الْعُمْرَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِيمَا سَمِعْتُ عَنْهُ وَهُوَ رَأْيِي.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَوْ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْمِيقَاتِ ثُمَّ لَمْ يَدْخُلْ الْحَرَمَ وَهُوَ غَيْرُ مُرَاهِقٍ، أَوْ دَخَلَ الْحَرَمَ وَلَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ وَهُوَ غَيْرُ مُرَاهِقٍ حَتَّى خَرَجَ إلَى عَرَفَاتٍ؟ قَالَ: أَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ وَلَمْ يَدْخُلْ الْحَرَمَ فَلَا أَحْفَظُهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، وَلَكِنْ أَرَى أَنَّهُ إنْ كَانَ غَيْرَ مُرَاهِقٍ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الدَّمُ،
-
وَإِنْ كَانَ مُرَاهِقًا فَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِيمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا أَوْ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ فَخَشِيَ إنْ طَافَ أَوْ سَعَى، أَنْ يَفُوتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَتَرَكَ ذَلِكَ وَخَرَجَ إلَى عَرَفَاتٍ وَفَرَضَ الْحَجَّ هَذَا الْمُعْتَمِرُ، وَمَضَى هَذَا الْحَاجُّ كَمَا هُوَ إلَى عَرَفَاتٍ وَلَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ مُرَاهِقًا.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَرَأَيْتُ هَذَا الَّذِي لَمْ يَدْخُلْ الْحَرَمَ مِثْلَ هَذَا الَّذِي تَرَكَ الطَّوَافَ بَعْدَ دُخُولِ الْحَرَمِ إذَا كَانَ مُرَاهِقًا لَا دَمَ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُرَاهِقٍ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الدُّخُولِ وَالطَّوَافِ فَتَرَكَهُ عَلَيْهِ الدَّمُ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنْ مَكِّيًّا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ خَارِجِ الْحَرَمِ أَوْ مُتَمَتِّعًا بِالْعُمْرَةِ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مَنْ خَارِجِ الْحَرَمِ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ الدَّمُ لِمَا تَرَكَ مِنْ الْإِحْرَامِ مِنْ دَاخِلِ الْحَرَمِ؟
-
قَالَ: لَا يَكُونُ عَلَيْهِ الدَّمُ.
-
قُلْتُ: وَإِنْ هُوَ مَضَى إلَى عَرَفَاتٍ وَلَمْ يَدْخُلْ الْحَرَمَ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ الدَّمُ لِمَا تَرَكَ مِنْ أَنْ يَعُودَ إلَى الْحَرَمِ بَعْدَ إحْرَامِهِ إذَا كَانَ مُرَاهِقًا؟
-
قَالَ: لَا يَكُونُ عَلَيْهِ الدَّمُ، قَالَ: وَهَذَا رَجُلٌ زَادَ وَلَمْ يُنْقِصْ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْحَرَمِ لِأَنَّهُ كَانَ مُرَاهِقًا، فَلَمَّا خَرَجَ إلَى الْحِلِّ فَأَحْرَمَ مِنْهُ زَادَ وَلَمْ يُنْقِصْ.
-
قُلْتُ لَهُ: أَفَيَطُوفُ هَذَا الْمَكِّيُّ إذَا أَحْرَمَ مِنْ التَّنْعِيمِ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى عَرَفَاتٍ بِالْبَيْتِ، وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيَكُونُ خِلَافَ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ الْحَرَمِ، لِأَنَّ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ وَقَدْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ،
-
وَإِذَا طَافَ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا أَحْرَمَ الْمَكِّيُّ أَوْ الْمُتَمَتِّعُ مِنْ مَكَّةَ بِالْحَجِّ، فَلْيُؤَخِّرْ الطَّوَافَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ مِنْ عَرَفَاتٍ،
-
فَإِذَا رَجَعَ طَافَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
-
قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: فَلَوْ أَنَّ هَذَا الْمَكِّيَّ لَمَّا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ أَوْ هَذَا
-
الْمُتَمَتِّعُ طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إلَى عَرَفَاتٍ؟
-
قَالَ: فَإِذَا رَجَعَ مِنْ عَرَفَاتٍ فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلْيَسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ،
-
وَلَا يُجْزِئُهُ طَوَافُهُ الْأَوَّلُ وَلَا سَعْيُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ:
-
فَلَوْ أَنَّ هَذَا الْمُتَمَتِّعَ لَمْ يَسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حِينَ رَجَعَ مِنْ عَرَفَاتٍ حَتَّى خَرَجَ إلَى بِلَادِهِ أَيَكُونُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ وَذَلِكَ أَيْسَرُ شَأْنِهِ عِنْدِي، وَقَالَ مَالِكٌ:
-
وَإِذَا فَاتَ هَكَذَا رَأَيْتُ السَّعْيَ الْأَوَّلَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يُجْزِئُهُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ الدَّمُ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَيْنَ الْمَوَاقِيتُ عِنْدَ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: ذُو الْحُلَيْفَةِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ مَرَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالْمَدِينَةِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَأَهْلِ الْيَمَنِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ وَأَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ مِصْرَ وَمَنْ وَرَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ، فَمِيقَاتُهُمْ ذُو الْحُلَيْفَةِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَتَعَدَّوْهَا.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ مَرَّ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَوْ أَهْلِ مِصْرَ وَمَنْ وَرَاءَهُمْ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَأُحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ إحْرَامَهُ إلَى الْجُحْفَةِ فَذَلِكَ لَهُ وَاسِعٌ، وَلَكِنَّ الْفَضْلَ لَهُ فِي أَنْ يُهِلَّ مِنْ مِيقَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا مَرَّ بِهِ، وَأَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ، قَالَ مَالِكٌ: وَوَقَّتَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ذَاتَ عِرْقٍ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِمَنْ مَرَّ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا فَمِيقَاتُهُ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ.
-
قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَرَّ بِالْمَدِينَةِ فَأَرَادَ أَنْ يُؤَخِّرَ إحْرَامَهُ إلَى الْجُحْفَةِ؟
-
قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إنَّمَا الْجُحْفَةُ مِيقَاتُ أَهْلِ مِصْرَ وَأَهْلِ الشَّامِ وَمَنْ وَرَاءَهُمْ، وَلَيْسَتْ الْجُحْفَةُ لِلْعِرَاقِيِّ مِيقَاتًا فَإِذَا مَرَّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَلْيُحْرِمْ مِنْهَا.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ لِي مَالِكٌ: وَكُلُّ مَنْ مَرَّ بِمِيقَاتٍ لَيْسَ هُوَ لَهُ بِمِيقَاتٍ فَلْيُحْرِمْ مِنْهُ، مِثْلُ أَنْ يَمُرَّ أَهْلُ الشَّامِ وَأَهْلُ مِصْرَ قَادِمِينَ مِنْ الْعِرَاقِ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُحْرِمُوا مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ،
-
وَإِنْ قَدِمُوا مِنْ الْيَمَنِ فَمِنْ يَلَمْلَمَ،
-
وَإِنْ قَدِمُوا مِنْ نَجْدٍ فَمِنْ قَرْنٍ،
-
وَكَذَلِكَ جَمِيعُ أَهْلِ الْآفَاقِ مَنْ مَرَّ مِنْهُمْ بِمِيقَاتٍ لَيْسَ لَهُ فَلْيُهْلِلْ مِنْ مِيقَاتِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ غَيْرَ مَرَّةٍ فِي أَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ مِصْرَ: إذَا مَرُّوا بِالْمَدِينَةِ فَأَرَادُوا أَنْ يُؤَخِّرُوا إحْرَامَهُمْ إلَى الْجُحْفَةِ فَذَلِكَ لَهُمْ، وَلَكِنَّ الْفَضْلَ فِي أَنْ يُحْرِمُوا مِنْ مِيقَاتِ الْمَدِينَةِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّهَا طَرِيقُهُمْ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: لَوْ أَنَّ نَصْرَانِيًّا أَسْلَمَ يَوْمَ الْفِطْرِ رَأَيْت عَلَيْهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ،
-
وَلَوْ أَسْلَمَ يَوْمَ النَّحْرِ كَانَ عِنْدِي بَيِّنًا أَنْ يُضَحِّيَ
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ مَنْ أَرَادَ حَاجَةً إلَى مَكَّةَ أَلَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ أَنْ يَقْدَمَ مِنْ بَلَدِهِ إلَى مَكَّةَ فَيَدْخُلَهَا مِنْ غَيْرِ إحْرَامٍ.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُعْجِبُنِي قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ فِي ذَلِكَ.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَأَنَا أَرَى ذَلِكَ وَاسِعًا فِي مِثْلِ الَّذِي صَنَعَ ابْنُ عُمَرَ، حِينَ خَرَجَ إلَى قُدَيْدٍ فَبَلَغَهُ خَبَرُ الْفِتْنَةِ فَرَجَعَ فَدَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ،
-
فَلَا أَرَى بِمِثْلِ هَذَا بَأْسًا.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَا أَرَى بَأْسًا لِأَهْلِ الطَّائِفِ وَأَهْلِ عُسْفَانَ وَأَهْلِ جِدَّةَ الَّذِينَ يَخْتَلِفُونَ بِالْفَاكِهَةِ وَالْحِنْطَةِ، وَأَهْلِ الْحَطَبِ الَّذِينَ يَحْتَطِبُونَ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ لَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِأَنَّ ذَلِكَ يَكْبُرُ عَلَيْهِمْ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ
-
وَمَا رَأَيْتُ قَوْلَهُ حِينَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ إلَّا وَأَرَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي أَهْلِ قُدَيْدٍ وَمَا هِيَ مِثْلُهَا مِنْ الْمَنَاهِلِ، إذَا لَمْ يَكُنْ شَأْنُهُمْ الِاخْتِلَافَ وَلَمْ يَخْرُجْ أَحَدُهُمْ مِنْ مَكَّةَ فَيَرْجِعُ لِأَمْرٍ كَمَا صَنَعَ ابْنُ عُمَرَ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ مَكَّةَ لِحَاجَةٍ عَرَضَتْ لَهُ مِنْ مَنْزِلِهِ فِي السَّنَةِ وَنَحْوِهَا مِثْلِ الْحَوَائِجِ الَّتِي تَعْرِضُ لِأَهْلِ الْقُرَى فِي مَدَائِنِهِمْ: أَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُوهَا إلَّا بِإِحْرَامٍ وَمَا سَمِعَتْهُ وَلَكِنَّهُ لَمَّا فَسِرّ لِي مَا ذَكَرْتُ لَكَ رَأَيْتُ ذَلِكَ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَارِنًا دَخَلَ مَكَّةَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ،
-
ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ أَيَكُونُ عَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ وَهُوَ رَأْيِي.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: لِمَ؟ أَوْ لَيْسَ قَدْ طَافَ لِعُمْرَتِهِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَحَلَّ مِنْهَا إلَّا أَنَّ الْحِلَاقَ بَقِيَ عَلَيْهِ؟
-
قَالَ: لَمْ يُحِلَّ مِنْهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَلَكِنَّهُ عَلَى إحْرَامِهِ كَمَا هُوَ،
-
وَلَا يَكُونُ طَوَافُهُ الَّذِي طَافَ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ لِعُمْرَتِهِ وَلَكِنَّ طَوَافَهُ ذَلِكَ لَهُمَا جَمِيعًا، وَهَذَا قَدْ أَحْرَمَ بِهِمَا جَمِيعًا وَلَا يُحِلُّ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا دُونَ الْأُخْرَى،
-
وَلَا يَكُونُ إحْلَالُهُ مِنْ عُمْرَتِهِ إلَّا إذَا حَلَّ مِنْ حَجَّتِهِ، قَالَ: وَهُوَ إنْ جَامَعَ فِيهِمَا فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ مَكَانَ مَا أَفْسَدَ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ أَهْلَ مَكَّةَ إنْ قَرَنُوا مِنْ الْمَوَاقِيتِ أَوْ مَنْ غَيْرِ ذَلِكَ أَوْ تَمَتَّعُوا، هَلْ عَلَيْهِمْ دَمُ الْقِرَانِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: الْقِرَانُ وَدَمُ الْمُتْعَةِ وَاحِدٌ،
-
وَلَا يَكُونُ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ دَمُ الْقِرَانِ وَلَا دَمُ الْمُتْعَةِ أَحْرَمُوا مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ مِنْ غَيْرِ الْمِيقَاتِ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْمَنَاهِلِ الَّذِينَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَوَاقِيتِ قَرَنُوا أَوْ تَمَتَّعُوا، أَيَكُونُ عَلَيْهِمْ؟ فِي قَوْلِ مَالِكٍ الدَّمُ بِمَا تَمَتَّعُوا أَوْ قَرَنُوا؟
-
قَالَ: نَعَمْ وَإِنَّمَا الَّذِينَ لَا يَكُونُ عَلَيْهِمْ هَدْيٌ إنْ قَرَنُوا أَوْ تَمَتَّعُوا أَهْلُ مَكَّةَ نَفْسِهَا وَأَهْلُ ذِي طَوًى.
-
قَالَ: فَأَمَّا أَهْلُ مِنًى فَلَيْسُوا بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَإِنَّمَا أَهْلُ مَكَّةَ الَّذِينَ لَا مُتْعَةَ عَلَيْهِمْ وَلَا دَمَ قِرَانٍ إنْ قَرَنُوا أَهْلُ مَكَّةَ الْقَرْيَةَ نَفْسَهَا وَأَهْلُ ذِي طَوًى، قَالَ:
-
فَأَمَّا أَهْلُ مِنًى فَلَيْسُوا بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةَ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ تَعَدَّى الْمِيقَاتَ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؟ قَالَ: عَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ فِي رَأْيِي، وَهُوَ قَارِنٌ وَعَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَهَلَّ مِنْ الْمِيقَاتِ بِعُمْرَةٍ فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ أَضَافَهَا إلَى عُمْرَتِهِ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِهِ الْمِيقَاتَ فِي الْحَجِّ؟
-
قَالَ: لَا، قُلْتُ: لِمَ وَقَدْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ؟
-
قَالَ: لِأَنَّهُ لَمْ يُجَاوِزْ الْمِيقَاتَ إلَّا مُحْرِمًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَاوَزَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ،
-
ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَدْخَلَ الْحَجَّ، قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ هُوَ قَوْلُهُ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ تَعَدَّى الْمِيقَاتَ ثُمَّ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ بَعْدَمَا تَعَدَّى الْمِيقَاتَ،
-
ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَتَرَى عَلَيْهِ لِلَّذِي تَرَكَ مِنْ الْمِيقَاتِ فِي الْعُمْرَةِ دَمًا؟ قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي: مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَهُوَ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ فَجَاوَزَهُ مُتَعَمِّدًا فَأَحْرَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقُلْ لِي بَعْدَ ذَلِكَ فِي حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ إنَّ
-
عَلَيْهِ دَمًا.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَلِهَذَا رَأَيْتُ عَلَى هَذَا دَمًا وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ الْعُمْرَةَ وَلَا يُشْبِهُ عِنْدِي الَّذِي جَاءَ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ فِي الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ يَعْتَمِرُونَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ وَالتَّنْعِيمِ، لِأَنَّ ذَلِكَ رُخْصَةٌ لَهُمْ فِي الْعُمْرَةِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا مَوَاقِيتَهُمْ،
-
فَأَمَّا مَنْ أَتَى مِنْ بَلَدِهِ فَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُتَعَمِّدًا بِذَلِكَ فَأَرَى عَلَيْهِ الدَّمَ كَانَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَجَامَعَ فَأَفْسَدَ حَجَّهُ،
-
ثُمَّ أَصَابَ بَعْدَ ذَلِكَ الصَّيْدَ وَحَلَقَ مَنْ الْأَذَى وَتَطَيَّبَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُهُ فِي جَمِيعِ مَا يُصِيبُ مِثْلُ مَا يَلْزَمُ الصَّحِيحَ الْحَجُّ، قُلْتُ:
-
فَإِنْ تَأَوَّلَ فَجَهِلَ وَظَنَّ أَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ إتْمَامُ مَا أَفْسَدَ لِمَا لَزِمَهُ مِنْ الْقَضَاءِ وَتَطَيَّبَ وَلَبِسَ وَقَتَلَ الصَّيْدَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ عَامِدًا لِفِعْلِهِ، أَتَرَى أَنَّ الْإِحْرَامَ قَدْ سَقَطَ عَنْهُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ لِهَذَا أَوْ لِكُلِّ شَيْءٍ فَعَلَهُ فِدْيَةٌ؟ قَالَ: عَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِئُهُ مَا عَدَا الصَّيْدَ وَحْدَهُ فَإِنَّ لِكُلِّ صَيْدٍ جَزَاءً.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مِصْرَ دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ مُتَعَمِّدًا أَوْ جَاهِلًا ثُمَّ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ لِدُخُولِ الْحَرَمِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٍ وَلَكِنَّهُ رَجُلٌ عَصَى وَفَعَلَ مَا لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّمَا تَرَكْتُ أَنْ أَجْعَلَ عَلَيْهِ أَيْضًا حَجَّةً أَوْ عُمْرَةً لِدُخُولِهِ هَذَا لِلَّذِي قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، إنَّ ابْنَ شِهَابٍ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَدْخُلَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ.
-
قَالَ: وَإِنَّمَا قَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَدْخُلَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَلَمْ يَقُلْ إنْ فَعَلَهُ فَعَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ أَلِسَيِّدِهِ أَنْ يُدْخِلَهُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ أَوْ الْجَارِيَةَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ يُدْخِلُهُمْ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَيُخْرِجُهُمَا إلَى مِنًى وَعَرَفَاتٍ وَهُمَا غَيْرُ مُحْرِمَيْنِ.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَمِنْ ذَلِكَ الْجَارِيَةُ يُرِيدُ بَيْعَهَا أَيْضًا فَيُدْخِلُهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ أَدْخَلَهُ سَيِّدُهُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ثُمَّ أَذِنَ لَهُ فَأَحْرَمَ مَنْ مَكَّةَ، أَيَكُونُ عَلَى الْعَبْدِ دَمٌ لِمَا تَرَكَ مَنْ الْمِيقَاتِ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: هَذَا رَأْيِي.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ النَّصْرَانِيَّ يُسْلِمُ بَعْدَمَا دَخَلَ مَكَّةَ ثُمَّ يَحُجُّ مَنْ عَامِهِ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ لِتَرْكِ الْوَقْتِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ دَمٌ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي النَّصْرَانِيِّ يُسْلِمُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَيُحْرِمُ بِالْحَجِّ: إنَّهُ يُجْزِئُهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِتَرْكِهِ الْوَقْتَ، وَالْعَبْدِ يُعْتِقُهُ سَيِّدُهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ: إنَّهُ إنْ كَانَ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَأَحْرَمَ بِعَرَفَةَ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِتَرْكِهِ الْوَقْتَ.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْرَمَ قَبْلَ أَنْ يُعْتِقَهُ سَيِّدُهُ فَأَعْتَقَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ عَلَى حَجِّهِ الَّذِي كَانَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُجَدِّدَ إحْرَامًا سِوَاهُ، وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَلَا يُجْزِئُهُ حَجُّهُ هَذَا الَّذِي أُعْتِقَ فِيهِ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الصَّبِيَّ يُحْرِمُ بِحَجَّةٍ قَبْلَ أَنْ يَحْتَلِمَ وَهُوَ مُرَاهِقٌ،
-
ثُمَّ احْتَلَمَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَوَقَفَ، أَوْ قَبْلَ عَشِيَّةِ عَرَفَةَ بَعْدَمَا أَحْرَمَ أَيُجْزِئُهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْزِئُهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يُحْرِمْ قَبْلَ أَنْ يَحْتَلِمَ،
-
ثُمَّ أَحْرَمَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بَعْدَ احْتِلَامِهِ أَوْ احْتَلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ
-
فَأَحْرَمَ بَعْدَمَا احْتَلَمَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُجَدِّدَ إحْرَامًا بَعْدَ احْتِلَامِهِ، وَلَكِنْ يَمْضِي عَلَى إحْرَامِهِ الَّذِي احْتَلَمَ فِيهِ وَلَا يُجْزِئُهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ هَذَا قَوْلُهُ.
-
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: وَالْجَارِيَةُ مِثْلُهُ إذَا أَحْرَمَتْ قَبْلَ الْمَحِيضِ.
-
قُلْتُ لَهُ: أَيُّ أَيَّامِ السَّنَةِ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ الْعُمْرَةَ فِيهَا؟
-
قَالَ: لَمْ يَكُنْ يَكْرَهُ الْعُمْرَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ كُلِّهَا إلَّا لِأَهْلِ مِنًى الْحَاجِّ، كَانَ يَكْرَهُ لَهُمْ أَنْ يَعْتَمِرُوا فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
-
قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: أَرَأَيْتَ مَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ أَوْ مَنْ خَرَجَ فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ فَوَصَلَ إلَى مَكَّةَ ثُمَّ خَرَجَ إلَى التَّنْعِيمِ لِيُحْرِمَ؟ قَالَ: لَا يُحْرِمُ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ.
-
قَالَ: وَإِنْ قَفَلُوا إلَى مَكَّةَ فَلَا يُحْرِمُوا حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، قَالَ: وَإِنَّمَا سَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ حِينَ رَأَيْنَا بَعْضَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَيَزْعُمُ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَفْتَاهُمْ بِذَلِكَ.
-
قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: أَفَرَأَيْتَ أَهْلَ الْآفَاقِ أَيُحْرِمُونَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِالْعُمْرَةِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَلَيْسُوا كَأَهْلِ مِنًى الَّذِينَ حَجُّوا، لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَأْتِي مِنْ بِلَادِهِ، وَإِحْلَالُهُ بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْحَاجِّ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهُوَ عِنْدِي سَوَاءٌ كَانَ إحْلَالُهُ بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى أَوْ فِي أَيَّامِ مِنًى وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْحَاجِّ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا أَهَلَّ بِالْحَجِّ فَجَامَعَ،
-
ثُمَّ أَهَلَّ بَعْدَمَا أَفْسَدَ حَجَّهُ بِإِحْرَامٍ يُرِيدُ قَضَاءَ الَّذِي أَفْسَدَ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْبَيْتِ وَيَفْرُغَ مِنْ حَجَّتِهِ الْفَاسِدَةِ؟
-
قَالَ: هُوَ عَلَى حَجَّتِهِ الْأُولَى وَلَا يَكُونُ مَا أَحْدَثَ مِنْ إحْرَامِهِ نَقْضًا لِحَجَّتِهِ الْفَاسِدَةِ، قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: هَذَا رَأْيِي، قُلْتُ: أَفَيَكُونُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْإِحْرَامِ الَّذِي جَدَّدَ؟
-
قَالَ: لَا، قُلْتُ: أَفَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا وَهُوَ رَأْيِي.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَفَاتَهُ الْحَجُّ، فَلَمَّا فَاتَهُ الْحَجُّ أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ أُخْرَى أَتَلْزَمُهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا تَلْزَمُهُ وَهُوَ عَلَى إحْرَامِهِ الْأَوَّلِ. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُرْدِفَ حَجًّا عَلَى حَجٍّ، إنَّمَا لَهُ أَنْ يَفْسَخَهَا فِي عُمْرَةٍ أَوْ يُقِيمَ عَلَى ذَلِكَ الْحَجِّ إلَى قَابِلٍ فَيَكُونَ حَجُّهُ تَامًّا.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَهَلَّ بِالْحَجِّ فَجَامَعَ امْرَأَتَهُ فِي حَجِّهِ فَأَفْسَدَ حَجَّهُ،
-
ثُمَّ أَصَابَ صَيْدًا بَعْدَ صَيْدٍ وَلَبِسَ الثِّيَابَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَتَطَيَّبَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فِي مَجَالِسَ شَتَّى، وَحَلَقَ لِلْأَذَى مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَفَعَلَ مِثْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ثُمَّ جَامَعَ أَيْضًا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ لِكُلِّ شَيْءٍ أَصَابَ مِمَّا وَصَفْتُ، الدَّمُ بَعْدَ الدَّمِ لِلطِّيبِ كُلَّمَا تَطَيَّبَ بِهِ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ،
-
وَإِنْ بَلَغَ عَدَدًا مِنْ الْفِدْيَةِ،
-
وَإِنْ لَبِسَ الثِّيَابَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَكَذَلِكَ أَيْضًا وَإِنْ أَصَابَ الصَّيْدَ حُكِمَ عَلَيْهِ بِجَزَاءِ كُلِّ صَيْدٍ أَصَابَهُ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَالْجِمَاعُ خِلَافُ هَذَا لَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْجِمَاعِ إلَّا دَمٌ وَاحِدٌ،
-
وَإِنْ أَصَابَ النِّسَاءَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ امْرَأَةً وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ عَدَدًا مِنْ النِّسَاءِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي جِمَاعِهِ إيَّاهُنَّ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ دَمٌ وَاحِدٌ.
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ هُوَ أَكْرَهَهُنَّ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لَهُنَّ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَفَّارَةٌ كَفَّارَةٌ، وَعَنْ نَفْسِهِ فِي جِمَاعِهِ إيَّاهُنَّ كُلِّهِنَّ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
-
قَالَ: وَعَلَيْهِ أَنْ يُحِجَّهُنَّ إذَا كَانَ أَكْرَهَهُنَّ وَإِنْ كَانَ قَدْ طَلَّقَهُنَّ وَتَزَوَّجْنَ الْأَزْوَاجَ بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحِجَّهُنَّ.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ لَمْ يُكْرِهْهُنَّ وَلَكِنَّهُنَّ طَاوَعْنَهُ فَعَلَيْهِنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ الْكَفَّارَةُ وَالْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، وَعَلَيْهِ هُوَ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فِي جَمِيعِ جِمَاعِهِ إيَّاهُنَّ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَمَا حُجَّةُ مَالِكٍ فِي أَنْ جَعَلَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَصَابَهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ كَفَّارَةً بَعْدَ كَفَّارَةٍ إلَّا فِي الْجِمَاعِ وَحْدَهُ؟
-
قَالَ: لِأَنَّ حَجَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ فَسَدَ، فَلَمَّا فَسَدَ مِنْ وَجْهِ الْجِمَاعِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ،
-
فَأَمَّا سِوَى الْجِمَاعِ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ وَالطِّيبِ وَإِلْقَاءِ التَّفَثِ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَسَدَ حَجُّهُ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ شَيْءٍ يَفْعَلُهُ مِنْ هَذَا كَفَّارَةٌ بَعْدَ كَفَّارَةٍ.
-
وَسَأَلْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ أَهْلٌ بِمَكَّةَ وَأَهْلٌ بِبَعْضِ الْآفَاقِ، فَيَقْدَمُ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هَذَا مِنْ مُشْتَبَهَاتِ الْأُمُورِ، وَالِاحْتِيَاطُ فِي ذَلِكَ أَعْجَبُ إلَيَّ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كَأَنَّهُ رَأَى أَنْ يُهْرِيقَ دَمًا لِمُتْعَتِهِ، قَالَ: وَذَلِكَ رَأْيِي.
-
وَسَأَلْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ الرَّجُلِ يَدْخُلُ مُعْتَمِرًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ يَنْصَرِفُ إلَى بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ لَيْسَ إلَى الْبَلْدَةِ الَّتِي بِهَا أَهْلُهُ،
-
ثُمَّ يَحُجُّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ أَيَكُونُ مُتَمَتِّعًا أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَوْ أَهْلِ مِصْرَ، فَرَجَعَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَإِنَّهُ عَلَى تَمَتُّعِهِ وَعَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ انْصَرَفَ إلَى أُفُقٍ مِنْ الْآفَاقِ تَبَاعَدَ مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَهَذَا لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَوَاقِيتِ وَمَنْ وَرَاءَهُمْ إلَى مَكَّةَ اعْتَمَرُوا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ،
-
ثُمَّ أَقَامُوا حَتَّى حَجُّوا مِنْ عَامِهِمْ أَيَكُونُ عَلَيْهِمْ دَمُ الْمُتْعَةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ عَلَيْهِمْ دَمُ الْمُتْعَةِ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مِنًى أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ إلَى مِنًى حَتَّى حَجَّ مِنْ عَامِهِ، أَنَّ عَلَيْهِ دَمَ الْمُتْعَةِ فَإِنْ هُوَ رَجَعَ إلَى مِنًى سَقَطَ عَنْهُ دَمُ الْمُتْعَةِ لِأَنَّهُ قَدْ رَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الْمَكِّيَّ إذَا أَتَى الْمَدِينَةَ ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى مَكَّةَ فَقَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَكُونُ عَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ،
-
وَإِنْ كَانَ أَهَلَّ مِنْ الْمِيقَاتِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ فَطَافَ لِعُمْرَتِهِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَيُؤَخِّرُ الْهَدْيَ وَلَا يَنْحَرُهُ حَتَّى يَوْمِ النَّحْرِ وَيَثْبُتُ عَلَى إحْرَامِهِ أَمْ يَنْحَرُهُ وَيُحِلُّ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ؟ يَنْحَرُهُ وَيُحِلُّ وَلَا يُؤَخِّرُهُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ، قَالَ:
-
وَلَا يُجْزِئُهُ مِنْ دَمِ الْمُتْعَةِ هَذَا الْهَدْيُ إنْ أَخَّرَهُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ، لِأَنَّ هَذَا الْهَدْيَ قَدْ وَجَبَ عَلَى هَذَا الَّذِي سَاقَهُ أَنْ يَنْحَرَهُ.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَلْيُحْلِلْ إذَا طَافَ لِعُمْرَتِهِ وَيَنْحَرَ هَدْيَهُ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَمَتَى يَنْحَرُ هَذَا الْمُتَمَتِّعُ هَدْيَهُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: إذَا سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ نَحْرَهُ،
-
ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ ثُمَّ يُحِلُّ
-
فَإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَحْرَمَ، قَالَ: وَكَانَ مَالِكٌ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُحْرِمَ فِي أَوَّلِ الْعَشْرِ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي هَذَا الَّذِي تَمَتَّعَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ: إنَّهُ إنْ أَخَّرَ هَدْيَهُ وَحَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ فَنَحْرُهُ يَوْمَ النَّحْرِ عَنْ مُتْعَتِهِ، قَالَ مَالِكٌ: فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ مُجْزِئًا عَنْهُ، قَالَ: وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ مَالِكٌ: وَلَكِنَّ الَّذِي قُلْتُ لَكَ مِنْ أَنَّهُ يَنْحَرُهُ وَلَا يُؤَخِّرُهُ أَحَبُّ إلَيَّ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَفِي قَوْلِ مَالِكٍ إذَا هُوَ تَرَكَهُ حَتَّى يَنْحَرَهُ يَوْمَ النَّحْرِ أَيَثْبُتُ حَرَامًا أَمْ يَحِلُّ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: بَلْ يَحِلُّ وَلَا يَثْبُتُ حَرَامًا، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَإِنْ أَخَّرَ هَدْيَهُ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا الَّذِي تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ فَسَاقَ الْهَدْيَ مَعَهُ فِي عُمْرَتِهِ هَذِهِ فَعَطِبَ هَدْيُهُ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَهُ؟ قَالَ: هَذَا الْهَدْيُ عِنْدَ مَالِكٍ هَدْيُ تَطَوُّعٍ،
-
فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ وَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِهَدْيٍ مَضْمُونٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ:
-
وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ كَانَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ وَلْيُحْلِلْ إذَا سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلَا يَثْبُتُ حَرَامًا لِمَكَانِ هَدْيِهِ الَّذِي سَاقَ مَعَهُ، لِأَنَّ هَدْيَهُ الَّذِي سَاقَهُ مَعَهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْإِحْلَالِ وَلَا يُجْزِئُهُ مِنْ هَدْيِ الْمُتْعَةِ.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَحَقَّ رَجُلٌ هَذَا الْهَدْيَ الَّذِي سَاقَهُ هَذَا الْمُعْتَمِرُ فِي عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِمُتْعَةٍ أَيَكُونُ عَلَيْهِ الْبَدَلُ؟ قَالَ: نَعَمْ أَرَى أَنْ يَجْعَلَ ثَمَنَهُ فِي هَدْيٍ، لِأَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَهْدَى بَدَنَةً تَطَوُّعًا فَأَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا وَأَهْدَاهَا،
-
ثُمَّ عَلِمَ بِهَا عَيْبًا بَعْدَ ذَلِكَ؟
-
قَالَ: يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ فَيَأْخُذُهُ، فَقِيلَ لَهُ: فَمَا يَصْنَعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ؟
-
قَالَ: يَجْعَلُهُ فِي شَاةٍ فَيُهْدِيهَا فَهَذَا عِنْدِي مِثْلُهُ.
-
تَفْسِيرُ مَا يَجُوزُ مِنْهُ الْأَكْلُ مِنْ الْهَدْيِ وَالْهَدْيَ الَّذِي يَكُونُ مَضْمُونًا
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الْهَدْيَ الَّذِي يَكُونُ مَضْمُونًا، أَيُّ هَدْيٍ هُوَ عِنْدَ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: الْهَدْيُ الَّذِي إذَا هَلَكَ أَوْ عَطِبَ أَوْ اُسْتُحِقَّ، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَدِّلَهُ فَهَذَا مَضْمُونٌ، قُلْتُ:
-
فَإِنْ لَمْ يَعْطَبْ وَلَمْ يَسْتَحِقَّ حَتَّى نَحْرَهُ أَيَأْكُلُ مِنْهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ يَأْكُلُ مِنْهُ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: يُؤْكَلُ مِنْ الْهَدْيِ كُلِّهِ إلَّا فِدْيَةَ الْأَذَى، وَجَزَاءُ الصَّيْدِ وَمَا نَذَرَهُ لِلْمَسَاكِينِ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: يَأْكُلُ مِنْ هَدْيِهِ الَّذِي سَاقَهُ لِفَسَادِ حَجِّهِ أَوْ لِفَوَاتِ حَجِّهِ، أَوْ هَدْيِ تَمَتُّعٍ أَوْ تَطَوُّعٍ وَمَنْ الْهَدْيِ كُلِّهِ إلَّا مَا سَمَّيْتُ لَكَ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ هَدْيٍ مَضْمُونٌ إنْ عَطِبَ فَلْيَأْكُلْ مِنْهُ صَاحِبُهُ وَلْيُطْعِمْ مِنْهُ الْأَغْنِيَاءَ وَالْفُقَرَاءَ وَمَنْ أَحَبَّ،
-
وَلَا يَبِيعُ مِنْ لَحْمِهِ وَلَا مِنْ جِلْدِهِ وَلَا مِنْ جِلَالِهِ وَلَا مِنْ خَطْمِهِ وَلَا مِنْ قَلَائِدِهِ شَيْئًا،
-
وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَعِينَ بِذَلِكَ فِي ثَمَنِ بَدَنَةٍ مِنْ الْهَدْيِ فَلَا يَفْعَلُ وَلَا يَبِيعُ مِنْهُ شَيْئًا.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ الْهَدْيِ الْمَضْمُونِ مَا إنْ عَطِبَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَهُوَ إنْ بَلَغَ مَحِلَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ وَهُوَ جَزَاءُ الصَّيْدِ وَفِدْيَةُ الْأَذَى وَنَذْرُ الْمَسَاكِينِ، فَهُوَ إذَا عَطِبَ قَبْلَ
-
أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ جَازَ لَكَ أَنْ تَأْكُلَ مِنْهُ لِأَنَّ عَلَيْكَ بَدَلَهُ،
-
وَإِذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ أَجْزَأَكَ عَنْ الَّذِي سُقْتَ لَهُ،
-
وَلَا يُجْزِئُكَ إنْ أَكَلْت مِنْهُ وَيَصِيرُ عَلَيْكَ الْبَدَلُ إذَا أَكَلْت مِنْهُ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَمَا سُقْتُ مِنْ الْهَدْيِ وَهُوَ مِمَّا لَا يَجُوزُ فِي الْهَدْيِ حِينَ قَلَّدْتُهُ وَأَشْعَرْتُهُ فَلَمْ يَبْلُغْ مَحِلَّهُ حَتَّى صَارَ مِثْلَهُ، يَجُوزُ لَوْ اُبْتُدِئَ بِهِ مِثْلُ الْأَعْرَجِ الْبَيِّنِ الْعَرَجِ، وَمِثْلُ الدَّبَرَةِ الْعَظِيمَةِ تَكُونُ بِهِ، وَمِثْلُ الْبَيِّنِ الْمَرَضِ وَمِثْلُ الْأَعْجَفِ الَّذِي لَا يُنْقِي، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي لَا تَجُوزُ فَلَمْ يَبْلُغْ مَحِلَّهُ حَتَّى ذَهَبَ ذَلِكَ الْعَيْبُ عَنْهُ وَصَارَ صَحِيحًا، يُجْزِئُهُ لَوْ سَاقَهُ أَوَّلَ مَا سَاقَهُ بِحَالِهِ هَذِهِ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَعَلَيْهِ الْبَدَلُ إنْ كَانَ مَضْمُونًا.
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَمَا سَاقَ مِنْ الْهَدْيِ مِمَّا مِثْلُهُ يَجُوزُ فَلَمْ يَبْلُغْ مَحِلَّهُ حَتَّى أَصَابَتْهُ هَذِهِ الْعُيُوبُ، عَرَجٌ أَوْ عَوَرٌ أَوْ مَرَضٌ أَوْ دَبَرٌ أَوْ عَيْبٌ مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي لَوْ كَانَتْ ابْتِدَاءً بِهِ لَمْ يَجُزْ فِي الْهَدْيِ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ عَنْهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَالضَّحَايَا لَيْسَتْ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ مَا أَصَابَهَا مِنْ ذَلِكَ بَعْدَمَا تُشْتَرَى فَإِنَّ عَلَى صَاحِبِهَا بَدَلَهَا.
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَكَانَ مَالِكٌ يُجِيزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُبَدِّلَ أُضْحِيَّتَهُ بِخَيْرٍ مِنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: أَكَانَ مَالِكٌ يُجِيزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُبَدِّلَ هَدْيَهُ بِخَيْرٍ مِنْهُ؟ قَالَ: أَلَا قُلْتَ: فَبِهَذَا يُظَنُّ أَنَّ مَالِكًا فَرَّقَ بَيْنَ الضَّحَايَا وَالْهَدْيِ فِي الْعُيُوبِ إذَا حَدَثَتْ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَشْتَرِي الضَّحِيَّةَ فَتَذْهَبُ فَيَجِدُهَا بَعْدَ أَنْ تَذْهَبَ أَيَّامُ الدَّمِ، هَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَذْبَحَهَا؟ قَالَ: لَا وَإِنَّمَا يَذْبَحُ مِنْ هَذِهِ الْبُدْنِ الَّتِي تُشْعَرُ وَتُقَلَّدُ لِلَّهِ، فَتِلْكَ إذَا ضَلَّتْ وَلَمْ تُوجَدْ إلَّا بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى نُحِرَتْ بِمَكَّةَ،
-
وَإِنْ أُصِيبَتْ خَارِجًا مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى سِيقَتْ إلَى مَكَّةَ فَنُحِرَتْ بِمَكَّةَ.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ لَمْ تُوقَفْ هَذِهِ الْبُدْنُ بِعَرَفَةَ فَوُجِدَتْ أَيَّامَ مِنًى سِيقَتْ إلَى مَكَّةَ فَنُحِرَتْ بِهَا، قَالَ:
-
وَإِنْ كَانَتْ قَدْ وُقِفَتْ بِعَرَفَةَ ثُمَّ وُجِدَتْ فِي أَيَّامِ مِنًى نُحِرَتْ بِمِنًى. قَالَ:
-
وَلَا يُنْحَرُ بِمِنًى إلَّا مَا وُقِفَ بِعَرَفَةَ، قَالَ:
-
فَإِنْ أُصِيبَتْ هَذِهِ الَّتِي وُقِفَ بِهَا بِعَرَفَةَ بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى نُحِرَتْ بِمَكَّةَ وَلَمْ تُنْحَرْ بِمِنًى، لِأَنَّ أَيَّامَ مِنًى قَدْ مَضَتْ.
-
قُلْتُ لَهُ: أَيُّ هَدْيٍ عِنْدَ مَالِكٍ لَيْسَ بِمَضْمُونٍ؟
-
قَالَ: التَّطَوُّعُ وَحْدَهُ.
كتاب آخر
- منهاج الطالبين٣٢٢
- روضة الطالبين وعمدة المفتين٢٬٤٧٦
- أسنى المطالب في شرح روض الطالب١٬٣٧٩
- المهذب٩٨٢
- الأم٩٥١
- عمدة السالك وعدة الناسك٣١٨
- البهجة الوردية٢٣١
- مختصر المزني١٥٧
- منهج الطلاب١٠١
- المقدمة الحضرمية٧٦
- نهاية التدريب نظم غاية التقريب٤٦
- الزبد في الفقه الشافعي٤٥
- متن أبي شجاع (غاية الاختصار)٢٤
- قرة العين بمهمات الدين٢٠
-
هو فرض
-
وكذا العمرة في الأظهر
-
وشرط صحته الإسلام
-
فللويّ أن يحرم عن الصبي الذي لا يميز والمجنون
-
وإنما تصح مباشرته من المسلم المميز
-
وإنما يقع عن حجة الإسلام بالمباشرة إذا باشره المكلف الحر
-
فيجزىء حج الفقير دون الصبي والعبد
-
وشرط وجوبه الإسلام والتكليف والحرية والاستطاعة
-
وهي نوعان أحدهما: استطاعة مباشرة ولها شروط.
-
أحدها: وجود الزاد وأوعيته ومؤنة ذهابه وإيابه
-
وقيل: إن لم يكن له ببلده أهل وعشيرة لم تشترط نفقة الإياب
-
فلو كان يكتسب كل يوم ما يفي بزاده وسفره طويل لم يكلف الحج
-
وإن قصر وهو يكتسب في يوم كفاية أيام كلف.
-
الثاني: وجود الراحلة لمن بينه وبين مكة مرحلتان
-
فإن لحقته بالراحلة مشقة شديدة اشترط وجود محمل
-
واشترط شريك يجلس في الشق الآخر
-
ومن بينه وبينها دون مرحلتين وهو قوي على المشي يلزمه الحج
-
فإن ضعف فكالبعيد
-
ويشترط كون الزاد والراحلة فاضلين عن دينه ومؤنة من عليه نفقتهم مدة ذهابه وإيابه
-
والأصح اشتراط كونه فاضلا عن مسكنه وعبد يحتاج إليه لخدمته
-
وأنه يلزمه صرف مال تجارته إليهما.
-
الثالث: أمن الطريق
-
فلو خاف على نفسه أو ماله سبعا أو عدوا أو رصديا ولا طريق سواه لم يجب الحج
-
والأظهر وجوب ركوب البحر إن غلبت السلامة
-
وأنه يلزمه أجرة البذرقة
-
ويشترط وجود الماء والزاد في المواضع المعتاد حمله منها بثمن المثل وهو القدر اللائق به في ذلك الزمان والمكان
-
وعلف الدابة في كل مرحلة
-
وفي المرأة أن يخرج معها زوج أو محرم أو نسوة ثقات
-
والأصح أنه لا يشترط وجود محرم لإحداهن
-
وأنه يلزمها أجرة المحرم إذا لم يخرج إلا بها.
-
الرابع: أن يثبت على الراحلة بلا مشقة شديدة
-
وعلى الأعمى الحج إن وجد قائدا وهو كالمحرم في حق المرأة
-
والمحجور عليه لسفه كغيره لكن لا يدفع المال إليه بل يخرج معه الولي أو ينصب شخصا له.
-
النوع الثاني: استطاعة تحصيله بغيره
-
فمن مات وفي ذمته حج وجب الإحجاج عنه من تركته
-
والمعضوب العاجز عن الحج بنفسه إن وجد أجرة من يحج عنه بأجرة المثل لزمه
-
ويشترط كونها فاضلة عن الحاجات المذكورة فيمن حج بنفسه لكن لا يشترط نفقة العيال ذهابا وإيابا
-
ولو بذل ولده أو أجنبي مالا للأجرة لم يجب قبوله في الأصح
-
ولو بذل الولد الطاعة وجب قبوله
-
وكذا الأجنبي في الأصح.
-
وقت إحرام الحج شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة
-
وفي ليلة النحر وجه
-
فلو أحرم به في غير وقته انعقد عمرة على الصحيح
-
وجميع السنة وقت لإحرام العمرة
-
والميقات المكاني للحج في حق من بمكة نفس مكة
-
وقيل: كل الحرم
-
وأما غيره فميقات المتوجه من المدينة ذو الحليفة
-
ومن الشام ومصر والمغرب الجحفة
-
ومن تهامة اليمن يلملم
-
ومن نجد الحجاز قرن
-
ومن المشرق ذات عرق
-
والأفضل أن يحرم من أول الميقات
-
ويجوز من آخره
-
ومن سلك طريقا لا ينتهي إلى ميقات فإن حاذى ميقاتا أحرم من محاذاته
-
أو ميقاتين فالأصح أنه يحرم من محاذاة أبعدهما
-
وإن لم يحاذ أحرم على مرحلتين من مكة
-
ومن مسكنه بين مكة والميقات فميقاته مسكنه
-
ومن بلغ ميقاتا غيرت مريد نسكا ثم أراده فميقاته موضعه
-
وإن بلغه مريدا لم تجز مجاوزته بغير إحرام
-
فإن فعل لزمه العود ليحرم منه إلا إذا ضاق الوقت أو كان الطريق مخوفا
-
فإن لم يعد لزمه دام
-
وإن أحرم ثم عاد فالأصح أنه إن عاد قبل تلبسه بنسك سقط الدم وإلا فلا
-
والأفضل أن يحرم من دويرة أهله
-
وفي قول من الميقات
-
قلت: الميقات أظهر وهو الموافق للأحاديث الصحيحة والله أعلم
-
وميقات العمرة لمن هو خارج الحرم ميقات الحج
-
ومن بالحرم يلزمه الخروج إلى أدنى الحل ولو بخطوة
-
فإن لم يخرج وأتى بأفعال العمرة أجزأته في الأظهر وعليه دم
-
فلو خرج إلى الحل بعد إحرامه سقط الدم على المذهب
-
وأفضل بقاع الحل الجعرانة ثم التنعيم ثم الحديبية.
-
ينعقد معينا بأن ينوي حجا أو عمرة أو كليهما
-
ومطلقا بأن لا يزيد على نفس الإحرام
-
والتعيين أفضل
-
وفي قول الإطلاق
-
فإن أحرم مطلقا في أشهر الحج صرفه بالنية إلى ما شاء من النسكين أو إليهما ثم اشتغل بالأعمال
-
وإن أطلق في غير أشهره فالأصح انعقاده عمرة فلا يصرفه إلى الحج في أشهره
-
وله أن يحرم كإحرام زيد
-
فإن لم يكن زيد محرما انعقد إحرامه مطلقا
-
وقيل: إن علم عدم إحرام زيد لم ينعقد
-
وإن كان زيد محرما انعقد إحرامه كإحرامه
-
فإن تعذر معرفة إحرامه بموته جعل نفسه قارنا وعمل أعمال النسكين.
فصل
-
المحرم ينوي ويلبي
-
فإن لبى بلا نية لم ينعقد إحرامه
-
وإن نوى ولم يلب انعقد على الصحيح
-
ويسن الغسل للإحرام
-
فإن عجز تيمم
-
ولدخول مكة
-
وللوقوف بعرفة
-
وبمزدلفة غداة النحر
-
وفي أيام التشريق للرمي
-
وأن يطيب بدنه للإحرام
-
وكذا ثوبه في الأصح
-
ولا بأس باستدامته بعد الإحرام
-
ولا بطيب له جرم
-
لكن لو نزع ثوبه المطيب ثم لبسه لزمه الفدية في الأصح
-
وأن تخضب المرأة للإحرام يديها
-
ويتجرد الرجل لإحرامه عن مخيط الثياب
-
ويلبس إزارا ورداء أبيضين ونعلين
-
ويصلي ركعتين
-
ثم الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته أو توجه لطريقه ماشيا
-
وفي قول يحرم عقب الصلاة
-
ويستحب إكثار التلبية ورفع صوته بها في دوام إحرامه
-
وخاصة عند تغاير الأحول كركوب ونزول وصعود وهبوط واختلاط رفقة
-
ولا تستحب في طواف القدوم
-
وفي القديم تستحب فيه بلا جهر
-
ولفظها لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك
-
وإذا رأى ما يعجبه قال لبيك إن العيش عيش الآخرة
-
وإذا فرغ من تلبيته صلى على النبي صلى الله عليه وسلم وسأل الله تعالى الجنة ورضوانه واستعاذ به من النار.
-
الأفضل دخولها قبل الوقوف
-
وأن يغتسل داخلها من طريق المدينة بذي طوى
-
ويدخلها من مر ثنية كداء
-
ويقول إذا أبصر البيت اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهامة، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه أو اعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام
-
ثم يدخل المسجد من باب بني شيبة
-
ويبتدىء بطواف القدوم
-
ويختص طواف القدوم بحاج دخل مكة قبل الوقوف
-
ومن قصد مكة لا لنسك استحب له أن يحرم بحج أو عمرة
-
وفي قول يجب إلا أن يتكرر دخوله كحطاب وصياد.
فصل
-
للطواف بأنواعه واجبات وسنن
-
أما الواجبات: فيشترط ستر العورة وطهارة الحدث والنجس
-
فلو أحدث فيه توضأ وبنى
-
وفي قول يستأنف
-
وأن يجعل البيت عن يساره مبتدئا بالحجر الأسود محاذيا له في مروره بجميع بدنه
-
فلو بدأ بغير الحجر لم يحسب فإذا انتهى إليه ابتدأ منه
-
ولو مشى على الشاذروان أو مس الجدرا في موازاته أو دخل من إحدى فتحتي الحجر وخرج من الأخرى لم تصح طوفته
-
وفي مسألة المس وجه
-
وأن يطوف سبعا داخل المسجد.
-
وأما السنن: فأن يطوف ماشيا
-
ويستلم الحجر أول طوافه ويقبله ويضع جبهته عليه
-
فإن عجز استلم فإن عجز أشار بيده
-
ويراعي ذلك في كل طوفة
-
ولا يقبل الركنين الشاميين ولا يستلمهما
-
ويستلم اليماني ولا يقبله
-
وأن يقول أول طوافه بسم الله والله أكبر اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم
-
وليقل قبالة الباب اللهم إن البيت بيتك والحرم حرمك والأمن أمنك وهذا مقام العائذ بك من النار
-
وبين اليمانيين اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار
-
وليدع بما شاء
-
ومأثور الدعاء أفضل من القراءة وهي أفضل من غير مأثوره
-
وأن يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى بأن يسرع مشيه مقاربا خطاه ويمشي في الباقي
-
ويختص الرمل بطواف يعقبه سعي
-
وفي قول بطواف القدوم
-
وليقل فيه اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا
-
وأن يضطبع في جميع كل طواف يرمل فيه
-
وكذا في السعي على الصحيح
-
وهو جعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن وطرفيه على الأيسر
-
ولا ترمل المرأة ولا تضطبع
-
وأن يقرب من البيت
-
فلو فات الرمل بالقرب لزحمة فالرمل مع بعد أولى إلا أن يخاف صدم النساء فالقرب بلا رمل أولى
-
وأن يوالي طوافه
-
ويصلي بعده ركعتين خلف المقام يقرأ في الأولى قل يا أيها الكافرون وفي الثانية الإخلاص
-
ويجهر ليلا
-
وفي قول تجب الموالاة والصلاة
-
ولو حمل الحلال محرما وطاف به حسب للمحمول
-
وكذا لو حمله محرم قد طاف عن نفسه
-
وإلا فالأصح أنه إن قصده للمحمول فله وإن قصده لنفسه أولهما فللحامل فقط.
فصل
-
يستلم الحجر بعد الطواف وصلاته ثم يخرج من باب الصف للسعي
-
وشرطه أن يبدأ بالصفا
-
وأن يسعى سبعا ذهابه من الصفا إلى المروة مرة وعوده منها إليه أخرى
-
وأن يسعى بعد طواف ركن أو قدوم بحيث لا يتخلل بينهما الوقوف بعرفة
-
ومن سعى بعد قدوم لم يعده
-
ويستحب أن يرقى على الصفا والمروة قدر قامة
-
فإذا رقى قال: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد الله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أولانا لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير ثم يدعو بما شاء دينا ودنيا.
-
قلت: ويعيد الذكر والدعاء ثانيا وثالثا، والله أعلم.
-
وأن يمشي أول المسعى وآخره ويدعو في الوسط وموضع النوعين معروف.
فصل
-
يستحب للإمام أو منصوبه أن يخطب بمكة في سابع ذي الحجة بعد صلاة الظهر خطبة فردة يأمر فيها بالغدو إلى منى ويعلمهم ما أمامهم من المناسك
-
ويخرج بهم من الغد إلى منى ويبيتون بها
-
فإذا طلعت الشمس قصدوا عرفات.
-
قلت: ولا يدخلونها بل يقيمون بنمرة بقرب عرفات حتى نزول الشمس والله أعلم
-
ثم يخطب الإمام بعد الزوال خطبتين
-
ثم يصلي بالناس الظهر والعصر جمعا
-
ويقفوا بعرفة إلى الغروب ويذكروا الله تعالى ويدعوه ويكثروا التهليل
-
فإذا غربت الشمس قصدوا مزدلفة وأخروا المغرب ليصلوها مع العشاء بمزدلفة جمعا
-
وواجب الوقوف حضوره بجزء من أرض عرفات وإن كان مارا في طلب آبق ونحوه
-
بشرط كونه أهلا للعبادة لا مغمى عليه
-
ولا بأس بالنوم
-
ووقت الوقوف من الزوال يوم عرفة
-
والصحيح بقاؤه إلى الفجر يوم النحر
-
ولو وقف نهارا ثم فارق عرفة قبل الغروب ولم يعد أراق دما استحبابا
-
وفي قول يجب
-
وإن عاد فكان بها عند الغروب فلا دم
-
وكذا إن عاد ليلا في الأصح
-
ولو وقفوا اليوم العاشر غلطا أجزأهم إلا أن يقلوا على خلاف العادة فيقضون في الأصح
-
وإن وقفوا في الثامن وعلموا قبل فوات الوقت وجب الوقوف في الوقت
-
وإن علموا بعده وجب القضاء في الأصح.
فصل
-
ويبيتون بمزدلفة
-
ومن دفع منها بعد نصف الليل أو قبله وعاد قبل الفجر فلا شيء عليه
-
ومن لم يكن بها في النصف الثاني أراق دما
-
وفي وجوبه القولان
-
ويسن تقديم النساء والضعفة بعد نصف الليل إلى منى
-
ويبقى غيرهم حتى يصلوا الصبح مغلسين ثم يدفعون إلى منى
-
ويأخذون من مزدلفة حصى الرمي
-
فإذا بلغوا المشعر الحرام وقفوا ودعوا إلى الأسفار
-
ثم يسيرون فيصلون منى بعد طلوع الشمس
-
فيرمي كل شخص حينئذ سبع حصيات إلى جمرة العقبة
-
ويقطع التلبية عند ابتداء الرمي
-
ويكبر مع كل حصاة
-
ثم يذبح من معه هدى
-
ثم يحلق أو يقصر
-
والحلق أفضل
-
وتقصر المرأة
-
والحلق نسك على المشهور
-
وأقله ثلاث شعرات حلقا أو تقصيرا أو نتفا أو إحراقا أو قصا
-
ومن لا شعر برأسه يستحب إمرار الموصى عليه
-
فإذا حلق أو قصر دخل مكة وطاف طواف الركن وسعى إن لم يكن سعى ثم يعود إلى منى
-
وهذا الرمي والذبح والحلق والطواف يسن ترتيبها كما ذكرنا
-
ويدخل وقتها بنصف ليلة النحر
-
ويبقى وقت الرمي آخر يوم النحر
-
ولا يختص الذبح بزمن.
-
قلت: الصحيح اختصاصه بوقت الأضحية وسيأتي في آخر باب محرمات الإحرام على الصواب والله أعلم
-
والحلق والطواف والسعي لا آخر لوقتها
-
وإذا قلنا الحلق نسك ففعل اثنين من الرمي والحلق والطواف حصل التحلل الأول وحل به اللبس والحلق والقلم
-
وكذا الصيد وعقد النكاح في الأظهر.
-
قلت: الأظهر لا يحل عقد النكاح، والله أعلم.
-
وإذا فعل الثالث: حصل التحلل الثاني وحل به باقي المحرمات.
فصل
-
إذا عاد إلى منى بات بها ليلتي التشريق ورمى كل يوم إلى الجمرات الثلاث كل جمرة سبع حصيات
-
فإذا رمى اليوم الثاني فأراد النفر قبل غروب الشمس جاز وسقط مبيت الليلة الثالث: ة ورمى يومها
-
فإن لم ينفر حتى غربت وجب مبيتها ورمى الغد
-
ويدخل رمي التشريق بزوال الشمس ويخرج بغروبها
-
وقيل: يبقى إلى الفجر
-
ويشترط رمي السبع واحدة واحدة
-
وترتيب الجمرات
-
وكون المرمى حجرا
-
وأن يسمى رميا فلا يكفي الوضع
-
والسنة أن يرمي بقدر حصى الخزف
-
ولا يشترط بقاء الحجر في المرمى
-
ولا كون الرامي خارجا عن الجمرة
-
ومن عجز عن الرمي استناب
-
وإذا ترك رمى يوم تداركه في باقي الأيام على الأظهر ولا دم
-
وإلا فعليه دم
-
والمذهب تكميل الدم في ثلاث حصيات رمي
-
وإذا أراد الخروج من مكة طاف للوداع ولا يمكث بعده
-
وهو واجب يجبر تركه بدم
-
وفي قول سنة لا يجبر
-
فإن أوجبناه فخرج بلا وداع فعاد قبل مسافة القصر سقط الدم
-
أو بعدها فلا على الصحيح
-
وللحائض النفر بلا وداع
-
ويسن شرب ماء زمزم
-
وزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فراغ الحج.
فصل
-
أركان الحج خمسة: الإحرام، والوقوف، والطواف، والسعي، والحلق، إذا جعلناه نسكا
-
ولا تجبر
-
وما سوى الوقوف أركان في العمرة أيضا
-
ويؤدي النسكان على أوجه احدها: الإفراد بأن يحج ثم يحرم بالعمرة كإحرام المكي ويأتي بعملها
-
الثاني: القرآن بأن يحرم بهما من الميقات ويعمل عمل الحج فيحصلان
-
ولو أحرم بعمرة في أشهر الحج ثم بحج قبل الطواف كان قارنا
-
ولا يجوز عكسه في الجديد
-
الثالث: التمتع بأن يحرم بالعمرة من ميقات بلده ويفرغ منها ثم ينشئ حجا من مكة
-
وأفضلها الإفراد ثم التمتع ثم القرآن
-
وفي قول التمتع أفضل من الإفراد
-
وعلى المتمتع دم بشرط أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام
-
وحاضروه من دون مرحلتين من مكة.
-
قلت: الأصح من الحرم، والله أعلم.
-
وأن تقع عمرته في أشهر الحج من سنته
-
وأن لا يعود لإحرام الحج إلى الميقات
-
ووقت وجوب الدم إحرامه بالحج
-
والأفضل ذبحه يوم النحر
-
فإن عجز عنه في موضعه صام عشرة أيام ثلاثة في الحج تستحب قبل يوم عرفة وسبعة إذا رجح إلى أهله في الأظهر
-
ويندب تتابع الثلاثة وكذا السبعة
-
ولو فاتته الثلاثة في الحج فالأظهر أنه يلزمه أن يفرق في قضائها بينها وبين السبعة
-
وعلى القارن دم كدم التمتع.
-
قلت: بشرط أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام. والله أعلم.
-
أحدها: ستر بعض رأس الرجل بما يعد ساترا إلا لحاجة
-
ولبس المخيط أو المنسوج أو المعقود في سائر بدنه إلا إذا لم يجد غيره
-
ووجه المرأة كرأسه
-
ولها لبس المخيط إلا القفاز في الأظهر.
-
الثاني: استعمال الطيب في ثوبه أو بدنه
-
ودهن شعر الرأس أو للتحية
-
ولا يكره غسل بدنه ورأسه بخطمي.
-
الثالث: إزالة الشعر أو الظفر
-
وتكمل الفدية في ثلاث شعرات أو ثلاث أظفار
-
والأظهر أن في الشعرة مد طعام وفي الشعرتين مدين
-
وللمعذور أن يحلق ويفدى.
-
الرابع: الجماع
-
وتفسد به العمرة وكذا الحج قبل التحلل الأول
-
ويجب به بدنة والمضي في فاسده والقضاء وإن كان نسكه تطوعا
-
والأصح أنه على الفور.
-
الخامس: اصطياد كل مأكول يرى.
-
قلت: وكذا المتولد منه ومن غيره والله أعلم
-
ويحرم ذلك في الحرم على الحلال
-
فإن أتلف صيدا ضمنه
-
ففي النعامة بدنة
-
وفي بقر الوحش وحماره بقرة
-
والغزال عنز
-
والأرنب عناق
-
واليربوع جفرة
-
وما لا نقل فيه يحكم بمثله عدلان
-
وفيما لا مثل له القيمة
-
ويحرم قطع نبات الحرم الذي لا يستنبت
-
والأظهر تعلق الضمان به وبقطع أشجاره
-
ففي الشجرة الكبيرة بقرة والصغيرة شاة.
-
قلت: والمستنبت كغيره على المذهب
-
ويحل الإذخر وكذا الشوك كالعوسج وغيره عند الجمهور
-
والأصح حل أخذ نباته لعلف البهائم وللدواء والله أعلم
-
وصيد المدينة حرام ولا يضمن في الجديد
-
ويتخير في الصيد المثلى بين ذبح مثله والصدقة به على مساكين الحرم وبين أن يقوم المثلى دراهم ويشتري به طعاما لهم أو عن كل مد يوما
-
وغير المثلى يتصدق بقيمته طعاما أو يصوم
-
ويتخير في فدية الحلق بين ذبح شاة والتصدق بثلاثة آصع لستة مساكين وصوم ثلاثة أيام
-
والأصح أن الدم في ترك المأمور كالإحرام من الميقات دم ترتيب فإذا عجز اشترى بقيمة الشاة طعاما وتصدق به فإن عجز صام عن كل مد يوما
-
ودم الفوات كدم التمتع ويذبحه في حجة القضاء في الأصح
-
والدم الواجب بفعل حرام أو ترك واجب لا يختص بزمان
-
ويختص ذبحه بالحرم في الأظهر
-
ويجب صرف لحمه إلى مساكينه
-
وأفضل بقعة لذبح المعتمر المروة وللحاج منى
-
وكذا حكم ما ساقه من هدى مكانا
-
ووقته وقت الأضحية على الصحيح.
-
من مقدمة المؤلفوالله أعلم.
-
من أحصر تحلل
-
وقيل: لا تتحلل الشرذمة
-
ولا تحلل بالمرض
-
فإن شرطه تحلل به على المشهور
-
ومن تحلل ذبح شاة حيث أحصر.
-
قلت: إنما يحصل التحلل بالذبح ونية التحلل
-
وكذا الحلق إن جعلناه نسكا
-
فإن فقد الدم فالأظهر أن له بدلا وأنه طعام بقيمة الشاة
-
فإن عجز صام عن كل مد يوما
-
وله التحلل في الحال في الأظهر والله أعلم
-
وإذا أحرم العبد بلا إذن فلسيده تحليله
-
وللزوج تحليلها من حج تطوع لم يأذن فيه
-
وكذا من الفرض في الأظهر
-
ولا قضاء على المحصر المتطوع
-
فإن كان فرضا مستقرا بقي في ذمته
-
أو غير مستقر اعتبرت الاستطاعة بعد
-
ومن فاته الوقوف تحلل بطواف وسعي وحلق
-
وفيهما قول
-
وعليه دم والقضاء.
كتاب آخر
- زاد المستقنع١٧٠
- الفروع٢٬٥٧٥
- الإقناع١٬٠٧٦
- الكافي في فقه الإمام أحمد١٬٠٥٤
- غاية المنتهى٦٩٨
- الرعاية الصغرى٦٤٢
- منتهى الإرادات٤٩٣
- المقنع٢٦٠
- التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع٢٢٥
- مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله٢٠٠
- مختصر الخرقي١٦٤
- بداية العابد وكفاية الزاهد١٤٢
- المحرر في الفقه١٣٥
- عمدة الطالب لنيل المآرب١٢٠
- كافي المبتدي١٠٣
- عمدة الفقه٨٩
- دليل الطالب لنيل المطالب٦٦
- منظومة مفردات الإمام أحمد٤٢
-
فَرْضُ كِفَايَةٍ كُلَّ عَامٍ،
-
وَهُوَ قَصْدُ مَكَّةَ وَعَرَفَةَ لِعَمَلٍ مَخْصُوصٍ، فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ أَحَدُ أَركَانِ الإِسْلَامِ،
-
وَفُرِضَ سَنَةَ تِسْعٍ عِنْدَ الأكثَرِ،
-
وَلَم يَحُجَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَ الْهِجْرَةِ، سِوَى حَجةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ، وَكَانَ قَارِنًا نَصًّا.
-
وَالعُمرَةُ: زِيَارَةُ الْبَيتِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوص،
-
وَيَجِبَانِ وَلَوْ عُمْرَةَ مَكِّيٍ، فِي العُمرِ مَرَّةً وَاحِدَةً، إلا لِعَارِضِ نَذْرٍ وَقَضَاءٍ.
-
بِشُرُوطٍ خَمسَةٍ: إسلَامٌ، وَعَقْلٌ لِوُجُوبٍ وَصِحةٍ وَإِجْزَاءٍ،
-
فَلَا يَجِبَانِ عَلَى كَافِرٍ، وَلَوْ مُرْتَدًا،
-
وَيُعَاقَبُ عَلَى حَجٍّ وَسَائِرَ فُرُوعِ الإِسْلَامِ، كَالتوحِيدِ إجْمَاعًا،
-
وَلَا عَلَى مَجْنُونٍ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ، وَلَوْ عَقَدَهُ لَهُ وَلِيُّهُ،
-
ويجْزِئُ مَنْ أَسلَمَ أَو أَفَاقَ فَأَحْرَمَ وَأَدرَكَ الوَقْتَ.
-
الثالِثُ وَالرابع: بُلُوغٌ، وَكَمَالُ حُريةٍ لِغَيرِ صِحةٍ،
-
فَلَا يَجِبَانِ عَلَى صَغِيرٍ وَقِنٍّ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ، وَمُبَعَّضًا بِمُهَايَأَةٍ،
-
وَلَا يُجْزِئَانِهِمَا عَنْ حَجةِ الإِسْلَامِ وَعُمْرَتِهِ،
-
وَيُجْزِئَانِ إنْ بَلَغَ أَوْ عَتَقَ مُحْرِمًا أَوْ لَا، وَأَحْرَمَ قَبْلَ دَفْعِ مِنْ عَرَفَةَ أَوْ بَعْدَهُ إنْ عَادَ فَوَقَفَ وَأَدْرَكَهُ، وَيَلْزَمُهُ أَوْ قَبْلَ طَوَافِ عُمْرَةٍ،
-
مَا لَمْ يَكُنْ فِي حَجٍّ وَسَعى بَعدَ طَوَافِ قُدُومٍ، فَلَا يُجْزئُهُ عَلَى الأَصَح، وَلَوْ أَعَادَ السعْيَ، لأَنهُ لَا يُشْرَعُ مُجَاوَزَةُ عَدَدِهِ، وَلَا تَكْرَارُهُ، وَخَالفَ الْوُقُوفَ إذْ لَا قَدْرَ لَهُ مَحْدُودٌ مَا لَمْ يُتِم حَجهُ، ثُم يُحْرِمُ وَيَقِفُ ثَانِيًا إنْ أَمكَنَهُ.
-
وَيَتَّجِهُ: الصِّحةُ وَلَو بَعْدَ سَعْيٍ إنْ فَسَخَ حَجَّهُ عُمْرَةٌ، وَلَمْ يَسُق هَديًا أَو يَقِف بِعَرَفَةَ، كَمَا يَأتِي.
-
وَحُكمُ إحْرَامِهِمَا كَصَوْمِ صَغِيرٍ بَلَغَ بِأثنَائِهِ،
-
وَاخْتَارَ جَمْعٌ يَنْقَلِبُ كُلهُ فَرضا.
-
ويتجِهُ: لَو حَجَّ، وَفِي ظَنهِ أنه صَبِيٌّ أَو قِنٌّ، فَبَانَ بَالِغا حُرًّا، أَنهُ يُجْزِئُهُ.
فصل
-
وَيَصِحَّانِ مِنْ صَغِيرٍ،
-
وَيُحرِمُ وَلِيٌّ فِي مَالٍ عَمَّنْ لَمْ يُمَيِّزْ، وَلَوْ مُحرِمًا، أَوْ لَم يَحُج،
-
وَمَعْنَى إحرَامِهِ عَنهُ نِيَّةُ الإِحرَامِ لَهُ،
-
وَيَصِح مِنْ أَجنَبِيٍّ بِإِذْنِ وَليٍّ، كَمُمَيِّزٍ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ بِإِذنِهِ،
-
وَلَيسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ بَعْدُ،
-
وَبِلَا إذْنِهِ لَا يَصِحُّ.
-
وَيَتَّجِهُ احتِمَالٌ: الصحةُ لَو أَحرَمَ عَنْ نَفْسِهِ، وَمُوَلِّيهِ مَعًا.
-
وَيَفعَلُ وَليُّ صَغِيرٍ وَمُمَيِّزٍ مَا يُعْجِزُهُمَا، وَمَا لا فَلَا كَوُقُوفٍ وَمَبِيتٍ،
-
وَلَا يَبْدَأُ وَلِيٌّ بِرَمْي إلا بِنَفْسِهِ
-
فَإِنْ خَالفَ وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ، كإحْرَامِ مَنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ غَيرِهِ،
-
وَلَا يُعتَد بِرَمْيِ حَلَالٍ.
-
وَيَتَّجِهُ: لَا يِصِحُّ رَميٌ مِنْ غَيرِ وَلِيِّهِ.
-
وَإِنْ أَمكَنَ صَغِيرًا مُنَاوَلَةَ حَصًى لِنَائِبِهِ، نَاوَلَهُ،
-
وَإِلا سُنَّ وَضْع حَصَاةٍ فِي كَفِّه، ثُم تُؤْخَذُ فَتُرْمَى،
-
وَإِنْ وَضَعَها نَائِبٌ فِي يَدِ صَغِيرٍ، وَرَمَى بِهَا، فَجَعَلَ يَدَهُ كَآلةٍ، فَحَسَنٌ،
-
وَيُطَافُ بِهِ لِعَجْز رَاكِبًا أَوْ مَحمُولًا،
-
وَتُعْتَبَرُ نِيةُ طَائِفٍ بِهِ،
-
وَكَوْنُهُ مِمنْ يَصِح أَنْ يَعْقِدَ لَهُ الإِحْرَامَ لَا كَونُهُ طَافَ عَنْ نَفْسِهِ، أَو مُحْرِما،
-
فَإِنْ نَوَى عَنْ نَفْسِهِ، وَصبِي، فعَنْ صَبِي،
-
وَكَفارَةُ حَجهِ وَمَا زَادَ عَلَى نَفَقَةِ حَضَرٍ فِي مَالِ وَلِيِّهِ إنْ أَنْشَأَ السفَرَ بِهِ تَمْرِينًا عَلَى الطاعَةِ، وَإِلا فَلَا كلِمَصْلَحَتِهِ وَإِستِيطَانِهِ مَكَّةَ
-
وَنِسْيَانِهِ وَعَمدُ صَغِيرٍ وَمَجنُونٍ خَطَأٌ لَا يَجِبُ فِيهِ إلا كَمَا يَجِبُ فِي خطَأ مُكَلَّفٍ أَو نِسيَانِهِ، كَحَلقٍ وَتَقْلِيم،
-
بِخلَافِ نَحو لُبْسٍ وَتَطِيُّب،
-
لَكِنْ لَوْ فَعَلَ وَلِيُّهُ بِهِ ذِلَكَ لِمَصلَحَةٍ أَو حلَقَ رَأسَهُ فَعَلى وَلِيِّهِ،
-
وَإِن وَجَبَ فِي كَفارَةٍ مُطلَقًا صَومٌ، صَامَ وَلِيٌّ خِلَافا لِلْمُنتَهَى فِي تَفصِيِلِهِ، إذْ الصوْمُ لَا يَصِحُّ مِمنْ لَم يُمَيِّزْ، وَمِنْ مُمَيزٍ نَفْلٌ
-
وَوَطْؤُهُ كَبالِغٍ نَاسِيًا، يَمْضي فِي فَاسِدِهِ، وَيَقْضِيهِ إِذَا بَلَغَ.
-
وَيَتجِهُ: وَكَذَا مَجنونٍ وَيَقْضِي إذَا أَفَاقَ بَعْدَ حَجةِ إسْلَامٍ.
فصل
-
وَيَصِحَّانِ مِن قِنٍّ وَيَلْزَمَانِهِ بِنَذرِهِ،
-
وَلَا يُحرِمُ هُوَ وَلَا زَوْجَتُهُ بِنَفْلٍ بِلَا إذنِ سَيِّدٍ وَزَوجٍ،
-
فَإِنْ فَعَلَا حُلِّلا، وَالأَفضَلُ تَرْكُهُمَا، وَيَكُونَانِ كَمُحصَرٍ،
-
وَيَأثَمُ مَنْ لَم يَمْتَثِل،
-
وَلَهُ وَطءُ مُخَالِفَةٍ، أَمَةٍ وَزَوجَةٍ ، لَا مَعَ إذْنٍ،
-
وَيَصِحُّ رُجُوعٌ فِيهِ قَبلَ إحرَامٍ، وَلَو لَم يَعلَمَا
-
ولَا بِنَذْرٍ أُذِنَ فِيهِ لَهُمَا أَوْ لَم يُؤذن فِيهِ لَهَا.
-
وَحَرُمَ مَنعُهَا مِنْ حَجِّ فَرْضٍ كَمُلَت شَرُوطُهُ، وَسُنَّ لَهَا استِئْذَانُهُ
-
فَلَوْ لَم تَكمُل وَأحرَمَتْ بِهِ بِلَا إذْنِهِ لَم يُحَلِّلهَا،
-
فَلَو أَحرَمَتْ بِوَاجِبٍ فَحَلفَ وَلَو بِطَلَاقٍ ثَلَاثا لَا تَحُجِّي العَامَ، وَلَم يَجُر أَنْ تَحِلَّ،
-
وَإِنْ أَفْسَدَ قِنٌّ حَجهُ بِوَطْءٍ مَضَى وَقَضاهُ، وَيَصِحُّ فِي رِقِّهِ،
-
وَلَيسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ إنْ شَرَعَ فِيمَا أَفْسَدَهُ سَابِقًا بِإِذنِهِ،
-
وَإِن عَتَقَ أَو بَلَغَ الحُرُّ فِي حَجةٍ فَاسِدَةٍ فِي حَالٍ تُجزِئُهُ عَن حَجةِ الفَرضِ لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً مَضَى، وَأَجزَأَتهُ حَجةُ الإِسلَامِ، وَعَنْ حَجةِ القَضَاءِ
-
وَقِنٌّ فِي جِنَايَةٍ كَحُرٍّ مُعْسِرٍ،
-
وَإِنْ تَحَللَ بِحَصْرٍ أَوْ حَلَّلَهُ سِيِّدُهُ لَمْ يَتَحَلَّلْ قَبلَ صَومٍ، وَلَا يُمْنَعُ مِنهُ،
-
وَإنْ مَاتَ وَلَمْ يَصُمْ، فَلِسَيِّدِهِ أَنْ يُطعِمَ عَنْهُ عَلَى مَا مَرَّ قُبَيلَ صَوْمِ التَّطَوُّعِ،
-
وَإِنْ أَفسَدَ حَجَّهُ، صَامَ،
-
وَكَذَا إن تَمَتَّعَ أَو قَرَنَ،
-
وَمُشتَري الْمُحرِمِ كَبَائِعِهِ فِي تَحْلِيِلهِ وَعَدَمِهِ،
-
وَلَهُ الفسخُ إن لَم يَعلم وَلَمْ يَملِك تَحْليلَهُ،
-
وَلِكُلٍّ مِنْ أَبَوَي بَالِغ مَنْعُهُ مِن إحرَامٍ بَنَفْلٍ كجِهَادٍ، وَلَا يُحَلِّلَانِهِ،
-
وَحَرُمَ طَاعَتُهُمَا فِي مَعْصِيَةٍ، كَتَركِ حَجٍّ، وَسَفَرٍ لِعِلْمٍ وَاجِبَينِ،
-
وَلَيسَ لَهُمَا مَنْعُهُ مِنْ نَحْو سُنَّةٍ رَاتِبَةٍ عَلَى الأَصَحِّ.
-
وَوَقَعَ خُلْفٌ فِي الْمُبَاحِ، فَقِيلَ: يَلزَمُهُ طَاعَتُهُمَا وَلَو كَانَا فَاسِقَينِ، فلَا يُسَافِرُ إلا بِإِذْنِهِمَا.
-
وَيَتَّجِهُ: صِحَّةُ هَذَا فِي سَفَرِهِ، وَفِي كُلِّ مَا يَخَافَانِ عَلَيهِ مِنْهُ.
-
وَأَما مَا يَفعَلُهُ حَضَرًا كَصَلَاةٍ نافِلَةٍ وَنَحو ذَلِكَ، فَقَال ابنُ مُفْلِحٍ فِي الآدَاب: لَا يُعتَبَرُ فِيهِ إذْنُهُمَا، وَلَا أَظُنُّ أَحَدًا يَعتِبرُهُ، وَلَا وَجْهَ لَهُ، وَالعَمَلُ عَلَى خِلَافِهِ. انتَهَى.
-
وَلَا يُحَلِّلُ غِرِيمٌ مَدِينًا،
-
وَلَيسَ لِوَليِّ سَفِيهِ مُبَذرِ مَنْعُهُ مِنْ حَجٍّ فَرضٍ، وَلَا تَحْلِيلُهُ
-
وَتُدفَعُ نَفَقَتُهُ لِثِقَةٍ يُنفِقُ عَلَيهِ فِي الطرِيقِ،
-
وَيُحَلِّلُهُ بِصَومٍ إن أَحْرَمَ بِنَفْلٍ، وَزَادَت نَفَقَتُهُ عَلَى نَفَقَةِ الإِقَامَةِ، وَلَم يَكْتَسِبْهَا.
-
الْخَامِسُ: الاستِطَاعَةُ لِمُكَلَّفٍ بِهِ،
-
وَلَا تَبطُلُ بِجُنُونٍ ورِدَّةٍ،
-
وَتُشتَرَطُ لِوَجُوبٍ فَقَط، وَهِيَ مِلكُ زَادٍ يَحتَاجُهُ فِي سَفَرِهِ وَوعَائِهِ،
-
وَلَا يَلْزَمُهُ حَملُهُ إنْ وُجِدَ بِالمنَازِلِ،
-
وَمِلكُ رَاحِلَةٍ بِآلَةِ تَصْلُحُ لِمِثلِهِ، مِنْ نَحو رَحلٍ وَقَتَبٍ وَهَودَجٍ وَخَادِمٍ، إِنْ خُدِمَ مِثلَهُ بِمَسَافَةِ قَصْرٍ،
-
لَا مَا دُونَها إلا لِعَاجِزٍ عَنْ مَشيٍ، وَلَا يَلزَمُهُ حَبوا وَلَوْ أَمكَنَهُ،
-
أَوْ مِلْكُ مَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَى تَحصِيلِ ذِلِكَ،
-
فَاضِلًا عَما يَحتَاجُهُ عُرفًا، مِنْ كُتُبٍ وَمَسْكَنٍ وَخَادِمٍ، وَمَا لَا بُد مِنْهُ، مِنْ نَحو لِبَاسٍ وَغِطَاءٍ،
-
فَإِن أَمْكَنَ بَيعُ فَاضلٍ عَنْ حَاجَةٍ وَشِرَاءُ مَا يَكْفِيه، وَيَفْضُلُ مَا يَحُجُّ بِهِ، لَزِمَهُ
-
وَعَنْ قَضَاءِ دَينِ اللهِ أَو آدَمي، وَمُؤنَتِهِ وَمُؤنَةِ عِيَالِهِ عَلَى الدوَامِ، مِنْ عَقَارٍ أَو بِضَاعَةٍ أَوْ صِنَاعَةٍ وَنَحْوِهَا،
-
وَلَا يَصِيرُ مُستَطِيعًا بِبَذْلِ ذَلِكَ لَهُ، وَلَوْ مِنْ وَلَدِهِ،
-
وينبَغِي إكْثَارٌ مِن زَادٍ وَنَفَقَةٍ لِيُؤثِرَ مُحتَاجًا وَرَفِيقًا،
-
وَسُنَّ أَنْ لَا يُشَارِكَ غَيرَهُ فِي زَادٍ وَنَحوهِ،
-
فَإِن تَكَلَّفَ الحَجَّ مَنْ لَا يَلزَمُهُ وَلَا ضَرَرَ وَلَا مَسْأَلَةَ لاستِغْنَائِهِ بِصَنعَتِهِ؛ سُنَّ لَهُ الْحَجُّ،
-
وَكُرِهَ لِمَنْ حِرْفَتُهُ المسْأَلَةُ، قَال أَحْمَدُ لَا أُحِب لَهُ ذِلَكَ، يَتَوَكَّلُ عَلَى أَزْوَادِ الناسِ
-
فَإِنْ تَرَكَهُ بِهِ وَاجِبًا حَرُمَ،
-
وَمِنْ الاستِطَاعَةِ سَعَةُ وَقتٍ وَأَمنُ طَرِيقٍ، وَإلا فَلَا يَكُونُ شَهِيدا، قَال الشيخ أَعَانَ عَلَى نَفْسِهِ مُمكِنُ سُلُوكِهِ وَلَوْ بَحْرًا أَوْ غَيرَ مُعْتَادٍ بِلَا خِفَارَةٍ لَا يَسِيرَةٍ قَالهُ الموَفقُ، وَغَيرُهُ يُوجَدُ فِيهِ الماءُ وَالْعَلَفُ عَلَى الْمُعتَادِ،
-
وَدَلِيلٌ لِجَاهِلِ وَقَائِدٌ لأَعمَى، وَيَلزمُهُمَا أَجْرَةُ مِثْلِهِمَا،
-
وَيُعْتَبَرُ قُدرَةٌ عَلَيهَا فَإِنْ تَبَرعَا لَم يَلزَمْ،
-
وَعَنْهُ هَذِهِ شَرَائِطُ لُزُوم الأَدَاءِ وَالسَّعْي، وَعَلَيهِ فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ ذِلَكَ، وَجَبَ الْحَج عَلَيهِ فِي مَالِهِ اخْتَارَهُ الأَكْثَرُ،
-
وَيَأثَمُ إنْ لَمْ يَعْزِم عَلَى الْفِعلِ كَمَا نَقُولُ فِي طُرُوءِ حَيضٍ، فَالْعَزْمُ عَلَى الْعِبَادَةِ مَعَ الْعَجْزِ، يَقُومُ مَقَامَ الأَدَاءِ فِي عَدَمِ الإِثْمِ،
-
فَمَنْ كَمُلَت لَهُ الشرُوطُ، وَجَبُ عَلَيهِ السعيُ فَوْرًا، إذَا كَانَ فِي وَقْتِ المسِيرِ،
-
وَالعَاجِزُ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرجَى بُرْؤُهُ.
-
وَيَتجِهُ: وَمِنْهُ شَبَقٌ وَجُنُونٌ.
-
أَوْ ثِقَلٍ لَا يَقْدِرُ مَعَهُ رُكُوبًا إلا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، أَوْ لِكَوْنِهِ نِضْوَ الْخِلْقَةِ، لَا يَقْدِرُ ثُبُوتًا عَلَى رَاحِلَةٍ إلا بِمَشَقَّةٍ غَيرِ مُحْتَمَلَةٍ، يَلْزَمُهُ أَنْ يُقِيمَ نَائِبا حُرًّا، وَلَوْ امْرَأَةً يَحُجُّ وَيَعْتَمِرُ عَنْهُ فَوْرًا مِنْ بَلَدِهِ أَوْ مَوْضِعٍ أَيسَرَ فِيهِ،
-
وَأَجْزَأَ عَمَّنْ عُوفِيَ لَا قَبْلَ إحْرَامِ نَائِبِهِ.
-
وَيَتَّجِهُ: وَلَا يَرْجِعُ عَلَيهِ بِمَا أنْفَقَ قبلُ إِنْ عُوفِيَ بَل بَعدَه لِعَزْلِهِ إذَنْ .
-
وَيَسقُطَانِ عَمَّنْ مَاتَ وَلَم يَجِد نَائِبًا،
-
وَمَنْ لَزِمَهُ فَتُوُفِّيَ وَلَوْ قَبْلَ التَّمَكُّنِ بِحَبْسٍ بِحَقٍّ أَو ظُلمٍ أَو اعتِدَاءٍ، أُخْرِجَ عَنهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ حَجة وَعُمرَةً، مِن حَيثُ وَجَبَا،
-
وَيُجْزِئُ مِنْ أَقرَبِ وَطَنَيهِ،
-
وَمِنْ خَارِجِ بَلَدِهِ لِدُونِ مَسَافَةِ قَصْرٍ، لَا فَوقَهَا، فَلَا يُجْزِئُهُ،
-
وَيَسْقُطُ بِحَج أَجْنَبِي عَنْهُ مُطلَقًا،
-
وَيَرجِع عَلَى تَرِكَتِهِ إنْ نَوَاهُ
-
لَا عَنْ حَي بِلَا إذْنِهِ، وَيَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ وَلَوْ نَفْلًا،
-
فَإِن جَعَلَ ثَوَابَهُ لَهُ حَصَلَ لِمَا مَر آخِرَ الْجَنَائِزِ.
-
وَمَن ضَاقَ مَالُهُ أَوْ لَزِمَهُ دَينٌ أُخِذَ لِحَجٍّ بِحِصتِهِ وَحُج بِهِ مِنْ حَيثُ بَلَغَ،
-
وإن مَاتَ أَوْ نَائِبُهُ بِطَرِيقِهِ، حُج عَنْهُ مِن حَيثُ مَاتَ، فِيمَا بَقِيَ مَسَافَةً وَفِعلًا وَقَولًا،
-
وَإِنْ صُدَّ فَعَلَ مَا بَقِيَ،
-
وإن وَصَّى بِنَفْلٍ وَأَطْلَقَ جَازَ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِ مُوصٍ مَا لَم تَمْتَنِعْ قَرِينَةٌ، كَبَذْلِ مَال كَثِير.
فصل
-
وَلَا يَصِحُّ مِمَّنْ لَم يَحُج أَوْ يَعتَمِرْ عَنْ نَفْسِهِ وَلَوْ القَضَاءُ، حَجٌّ أَوْ عُمرَةٌ عَنْ غَيرِهِ وَلَا نَذْرِهِ وَنَافِلَتِهِ،
-
فَإِنْ فَعَلَ انْصَرَفَ لِحَجةِ الإِسْلَامِ وَعُمْرَتِهِ أَوْ الْقَضَاءِ،
-
وَالنائِبُ كَمَنُوبٍ عَنهُ، فَلَو أَحْرَمَ بِنَذْرِ مَنُوبِهِ، وَقَعَ عَنْ حَجةِ الإِسْلَامِ،
-
وَيَصِحُّ أَنْ يَحُج عَنْ عَاجَزٍ أَو مَيِّتٍ، وَاحِدٍ فِي فَرضِهِ، وَآخَرَ فِي نَذرِهِ فِي عَامٍ،
-
وَأَيُّهمَا أَحْرَمَ أَولًا فَعَنْ شِبْهِ حَجةِ الإِسلَام، ثُم الأُخْرَى عَنْ نَذْرِهِ وَلَو لَم يَنْوهِ،
-
وَبِنَفْلٍ مَنْ عَلَيهِ نَذْرٌ فَعَن نَذرِهِ، أَشبَهَ حَجَّةَ الإِسلَامِ،
-
وَيَصِحُّ أَن يَحُج عَن غَيرِهِ، وَيَتَنَفَّلَ بِهِ مَنْ عَلَيهِ عُمرَةٌ، وَعَكسُهُ،
-
وَأَنْ يَجعَلَ قَارِنٌ الْحَج عَنْ شخْصٍ، وَالعمرَةَ عَنْ آخَرَ بِإِذنِهِمَا
-
وَأَن يَستنِيبَ قَادِرٌ وَغَيرُهُ فِي نَفْلِ حَجٍّ وَبَعضِهِ،
-
وَالنائِبُ أَمِين فِيمَا أُعطِيَهُ لِحَج مِنهُ، فَيضمَنُ. وَيَتَّجِهُ: حَيثُ لَا عَقدَ بِجُعلٍ مَعلُومٍ. مَا زَادَ عَلَى نَفَقَةِ العُرفِ، أَو طَرِيقٍ أَقْرَبَ بَلَا ضَرَرٍ،
-
وَيَرُدَّ مَا فَضَلَ ويحسِبُ لَهُ نَفَقَةَ رُجُوعِهِ وَخَادِمِهِ إن خُدِمَ مِثلُهُ،
-
وَيَرجِعُ بِمَا استَدَانَهُ لِعُذرٍ، وَبِمَا أنفَقَ عَنْ نَفْسِهِ بِنِيةِ رُجُوعٍ،
-
وَمَا لَزِمَ نَائِبا مِنْ دَم وَغَيرِهِ بمُخَالفَتِهِ، فَمِنْهُ، حَتى دَمَ تَمَتُّع وَقِرَانٍ لَم يُؤذَن لَهُ فِيهِمَا،
-
وَنَفقَةُ حَجٍّ فَسَدَ عَلَى نِائِبٍ كَقَضَائِهِ، وَيَرُدُّ مَا أخَذَ.
-
وَيَتَّجِهُ احتِمَالٌ : تَبَيُّنُ وُقُوعِ الْحَجٌ مِنْ أَصلِهِ عَنْ النائِبِ .
-
وَإن أَحرَمَ عَنْ اثْنَينِ أَو أَحَدِهِمَا لَا بِعَيِنِهِ، وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ،
-
وَمَنْ أَخَذَ مِنْ اثْنَينِ أُجرَةَ حَجَّتَينِ لِيَحُج عَنهُمَا فِي عَامٍ، أُدِّبَ،
-
وَمَنْ استَنَابَهُ اثنَانِ بِعَامٍ فِي نُسُكٍ، فَأَحْرَمَ عَن أحَدِهِمَا بعَينِهِ، وَلَم يَنْسَهُ، صَح، وَلَمْ يَصِحَّ إحْرَامُهُ لِلآخَرِ بَعْدَهُ،
-
وَإِن نَسِيَهُ وَتَعَذَّرَ عِلمُهُ فَإِنْ فَرطَ أَعَادَ الْحَج عَنهَمَا،
-
وَإن فَرَّطَ مُوصًى إلَيهِ غَرِمَ ذِلَكَ، وَإِلا فَمِنْ تَركَةِ مُوصِيَيهِ،
-
وَلَا تُعْتَبَرُ تَسْمِيَةُ نَائِبٍ لَفظًا،
-
فَلَوْ جَهِلَ اسْمَهُ أَوْ نَسِيَهُ، لَبَّى عَمنْ سَلمَ إلَيهِ المال لِيَحُجَّ بِهِ عَنْهُ،
-
وَيَتَعَيَّنُ نَائِب بِتَعْيِينِ وَصِي جُعِلَ لَهُ التَّعْيِينُ،
-
فَإِنْ أَبَى عَيَّنَ غَيرَهُ، وَيَأتِي فِي الْمُوصَى لَهُ.
فَرْعٌ:
-
سُنَّ أَنْ يَحُجَّ عَنْ أَبَوَيهِ مَيِّتَينِ أوْ عَاجِزَينِ،
-
وَيُقَدِّمُ أُمَّهُ، لأَنَّهَا أَحَقُّ بِالْبِرِّ، وَوَاجِبَ أَبِيهِ عَلَى نَفْلِهَا.
فَصْلٌ
-
وَشُرِطَ لِوُجُوبِ سَعْيٍ عَلَى أُنْثَى مَحْرَمٌ،
-
وَيُعْتَبَرُ لَهَا حَيثُ بَلَغَتْ سَبْعًا فِي كُلِّ سَفَرٍ، فَلَا يَحِلُّ بِدُونِهِ إلا بِأطْرَافِ الْبَلَدِ مَعَ أَمْنٍ،
-
وَهُوَ زَوْجٌ أَوْ سَيِّدٌ لَا سَيِّدَةٌ، خِلَافًا لِلشَّيخِ.
-
وَيَتَّجِهُ: إلَّا إنْ سَافَرَتْ السَّيِّدَةُ مَعَ مَحْرَمٍ، وَاحْتَاجَتْ إلَيهَا .
-
أَوْ ذَكَرٌ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ وَلَوْ عَبْدًا تَحْرُمُ عَلَيهِ أَبَدًا لِحُرْمَتِهَا، بِخِلَافِ مُلَاعَنَةٍ بِنَسَبٍ أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ، كَحَلَائِلِ آباءٍ وَأَبْنَاءٍ وَأُمَّهَاتِ نِسَاءٍ،
-
بِخِلَافِ وَطْءِ زِنًا أَوْ شُبْهَةٍ.
-
وَيَتَّجِهُ احْتِمَالٌ: لَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدُ لَا يَعُودُ مَحْرَمًا .
-
سِوَى نِسَاءِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،
-
وَنَفَقَتُهُ وَلَوْ زَوْجَهَا عَلَيهَا، فَيُشْتَرَطُ لَهَا مِلْكُ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ لَهُمَا،
-
وَلَا يَلْزَمُهُ مَعَ بَذْلِهَا ذَلِكَ سَفَرٌ مَعَهَا، وَتَكُونُ كَمَنْ لَا مَحْرَمَ لَهَا،
-
فَإِنْ تَزَوَّجَتْ مَنْ يَحُجُّ بِهَا، فَلَا بَأْسَ،
-
وَمَنْ أَيِسَتْ مِنْهُ اسْتَنَابَتْ،
-
وَإِنْ حَجَّتْ بِدُونِهِ، حَرُمَ وَأَجْزَأَ،
-
وَإنْ مَاتَ بِالطَّرِيقِ بَعِيدًا مَضَتْ فِي حَجِّهَا، وَلَمْ تَصِرْ مُحْصَرَةً، وَقَرِيبًا تَرْجِعَ،
-
وَإِنْ كَانَ زَوْجًا، فَيَأْتِي فِي الْعِدَدِ.
فَرْعٌ:
-
يَصِحُّ حَجُّ مَغْصُوبٍ وَأَجِيرِ خِدْمَةٍ وَتَاجِرٍ، وَالثَّوَابُ بِحَسَبِ الإِخْلَاصِ،
-
وَمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ، فَلْيُبَادِرْ فِي خُرُوجٍ مِنْ مَظَالِمَ، وَتَحْصِيلِ رَفِيقٍ حَسَنٍ سِيَّمَا عَالِمٌ. قَال أَحْمَدُ: كُلُّ شَيءٍ مِنْ الْخَيرِ يُبَادِرُ بِهِ.
-
وَيُصَلِّي رَكْعَتَينِ، وَيَدْعُوَ بِدُعَاءِ الاسْتِخَارَةِ،
-
وَيُصَلِّي بِمَنْزِلِهِ رَكْعَتَينِ، وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ هَذَا دِيِني وَمَالِي وَأَهْلِي وَوَلَدِي وَدَيعَةً عِنْدَك، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ" ،
-
وَقَال الشَّيخُ: يَدْعُو قَبْلَ السَّلَامِ أَفْضَلُ،
-
وَيَخْرُجُ مُبَكِّرًا يَوْمَ خَمِيسٍ أَو اثْنَينِ ،
-
وَيَقُولُ إذَا نَزَلَ مَنْزِلًا أَوْ دَخَلَ بَلَدًا مَا وَرَدَ.
-
مَوَاضِعٌ وَأَزْمِنَةٌ مُعَيَّنَةٌ، لِعِبَادَةٍ مَخْصُوصَةٍ،
-
فَمِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: ذُو الْحُلَيفَةَ: عَنْ الْمَدِينَةِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ، وَعَنْ مَكَّةَ: عَشْرُ مَرَاحِلَ،
-
وَمِصْرَ وَالشَّامِ وَالْمَغْرِبِ: الْجُحْفَةُ، قَرْيَةٌ كَبِيرَةٌ بِقُرْبِ رَابغٍ، وَالْجُحْفَةُ: دُونَهَا بِيَسِيرٍ عَنْ مَكَّةَ، ثَلَاثَ مَرَاحِلَ.
-
وَالثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ بَينَ كُلٍّ مِنْهَا وَبَينَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ،
-
وَالْيَمَنِ يَلَمْلَمُ، وَيُقَالُ: أَلَمْلَمُ جَبَلٌ،
-
وَنَجْدُ الْحِجَازُ، وَنَجْدُ اليَمَنِ وَالطَّائِفِ: قَرْنُ جَبَلٌ أَيضًا،
-
وَالْمَشْرِقِ وَخُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ: ذَاتُ عِرْقٍ: قَرْيَةٌ خَربَةٌ قَدِيمَةٌ، وَعِرْقٌ: جَبَلٌ مُشْرِفٌ عَلَى الْعَقِيقِ،
-
وَكُلُّهَا ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ لَا بِاجْتَهَادِ عُمَرَ
-
وَهِيَ لأَهْلِهَا وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيهَا، كَشَامِيٍّ مَرَّ بِذِي الْحُلَيفَةَ، وَمَدنِيٍّ سَلَكَ طَرِيقَ الْجُحْفَةِ، فَيُحْرِمُ مِنْهَا،
-
وَالأَفْضَلُ إحْرَامٌ مِنْ أَوَّلِ مِيقَاتٍ، طَرَفُهُ والأَبْعَدُ عَنْ مَكَّةَ،
-
وَالْعِبْرَةُ فِي هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ بِالْبِقَاعِ لَا مَا بُنِيَ بِقُرْبِهَا وَسُمِّيَ بِاسْمِهَا، فَيَنْبغِي تَحَرِّي آثَارِ الْقُرَى الْقَدِيمَةِ،
-
وَمَنْ مَنْزِلُهُ دُونَهَا، فَمِيقَاتُهُ مَنْزِلُهُ.
-
وَيَتَّجِهُ: بَلَدَهُ كُلَّهَا مَنْزِلُهُ.
-
وَمَنْ لَهُ مَنْزِلَانِ، جَازَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَقْرَبَ لِمَكَّةَ، وَأَبْعَدَ أَفْضَلُ،
-
وَيُحْرِمُ مِنْ بِمَكَّةَ لِحَجٍّ مِنْهَا، وَنَصُّهُ مِنْ الْمَسْجِدِ،
-
وَفِي الْمُبْهِجِ مِنْ تَحْتِ الْمِيزَابِ، وَهُوَ أَفْضَلُ،
-
وَجَازَ وَصَحَّ مِنْ خَارِجِ الْحَرَمِ، وَلَا دَمَ عَلَيهِ
-
وَلِعُمْرَةٍ مِنْ الْحِلِّ،
-
وَيصِحُّ مِنْ مَكَّةَ، وَعَلَيهِ دَمٌ، وَتُجْزِئُهُ وَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ للْحِلِّ،
-
وَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ قَارِنًا فَلَا دَمَ تَغْلِيبًا لِلْحَجِّ،
-
وَمَنْ لَمْ يَمُرَّ بِمِيقَاتٍ، أَحْرَمَ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ حَاذَى أَقْرَبَهَا مِنْهُ، وَسُنَّ أَنْ يَحْتَاطَ
-
فَإِنْ اسْتَوَيَا فمِنْ أَبْعَدِهِمَا مِنْ مَكَّةَ،
-
فَإِنْ لَمْ يُحَاذِ مِيقَاتًا أَحْرَمَ عَنْ مَكَّةَ بَمْرحَلَتَينِ.
فَصْلٌ
-
وَلَا يَحِلُّ لِمُكَلَّفٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ أَرَادَ مَكَّةَ أَوْ الْحَرَمَ، أَوْ نُسُكًا، تَجَاوُزُ المِيقَاتِ بِلَا إحْرَامٍ، إلَّا لِقِتَالٍ مُبَاحٍ أَوْ خَوْفٍ أَوْ حَاجَةٍ تَتَكَرَّرُ كَحَطَّابٍ، وَمَكِّيٍّ يَتَرَدَّدُ لِقَرْيَتِهِ بِالْحِلِّ.
-
وَيتَّجِهُ: أَوْ خَارِجَ الْمِيقَاتِ.
-
ثُمَّ إنْ زَال عُذْرُ مَنْ حَلَّ لَهُ التَّجَاوُزُ بِلَا إحْرَامٍ أَوْ أَرَادَ مَكَّةَ بَعْدَ تَجَاوُزِهِ، فَمِنْ مَوْضِعِهِ، وَلَا دَمَ عَلَيهِ،
-
وَمَنْ أَحْرَمَ لِدُخُولِ مَكَّةَ لَا لِنُسَكٍ، طَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ وَحَلَّ،
-
وأُبِيحَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابِهُ دَخُولُ مَكَّةَ مِحُلِّينَ سَاعَةً، وَهِيَ مِنْ طُلوعِ الشَمْسِ إِلى صَلاةِ العَصْرِ، لَا قَطْعَ شَجَرٍ،
-
وَمَنْ جَاوزَهُ يُرِيدُ نُسُكًا جَاهِلًا أو نَاسِيًا ، لَزِمَهُ أن يَرْجِعَ فَيُحْرِمَ مِنْهُ إنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ حَجٍّ أَوْ غَيرِهِ،
-
وَيَلْزَمُهُ إنْ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ دُمٌ،
-
وَلَا يَسْقُطُ إنْ أَفْسَدَهُ أَوْ رَجَعَ لِمِيقَاتٍ.
-
وَيَتَّجِهُ: أنَّ لَا دَمَ بِغَيرِ إِحْرَامٍ.
فَرْعٌ:
-
كُرِهَ إحْرَامٌ قَبْلَ مِيقَاتٍ، وَبِحَجٍّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ، وَيَنْعَقِدُ،
-
وهِيَ: شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَيَوْمُ النَّحْرِ مِنْهَا، وَهُوَ يَوْمُ: الْحَجِّ الأَكْبَرِ،
-
وَمِيقَاتُ الْعُمْرَةِ جَمِيعُ الْعَامِ، وَيَأْتِي.
-
نِيَّةُ النَّسُكِ، أَي: الدُّخُولِ فِيهِ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِدُونِهَا، وَسُمِّيَ إحْرَامًا، لِتَحْرِيمِ مَا كَانَ يَحِلُّ،
-
وَسُنَّ لِمُرِيدِهِ، غُسْلٌ أَوْ تَيَمُّمٌ لِعَدَمٍ، وَلَا يَضُرُّ حَدَثُهُ بَينِ غُسْلٍ وَإِحْرَامٍ.
-
وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ بِجَمَاعٍ وَحَيضٍ ، وَأَنَّ الطِّفْلَ يُغَسِّلُهُ وَلِيُّهُ.
-
وَتَنَظُّفٌ بِأَخْذِ شَعْرٍ وَظُفْرٍ وَقَطْعٍ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ
-
وَتَطَيُّبٌ بِنَحْو مِسْكٍ وَعُودٍ وَمَاءِ وَرْدٍ، وَخِضَابٌ لَهَا بِحِنَّاءٍ،
-
وَكُرِهَ بَعْدَهُ كَطِيبٍ فِي ثَوْبِهِ قَبْلَهُ،
-
وَلَهُ اسْتِدَامَتُهُ مَا لَمْ يَنْزِعْهُ
-
فَإِنْ لَبِسَهُ، أَوْ نَقَلَ طِيبَ بَدَنِهِ لِمَوْضِعٍ آخَرَ، فَدَى،
-
لَا إنْ سَال بِعَرَقٍ أَوْ شَمْسٍ.
-
وَسُنَّ لِبْسُ إزَارٍ وَرِدَاءٍ أَبْيَضَينِ نَظِيفِينَ وَنَعْلَينِ، بَعْدَ تَجَرُّدِ ذَكَرٍ عَنْ مَخِيطٍ،
-
وَإحْرَامٌ عَقِبَ صَلَاةِ فَرْضٍ أَوْ رَكْعَتَينِ نَفْلًا لَا وَقْتَ نَهْيٍ، وَلَا عَادِمُ مَاءٍ وَتُرَابٍ،
-
وَأَنْ يُعَيِّنَ نُسُكًا وَيَلْفِظُ بِهِ،
-
وأَنْ يَشتَرِطَ فَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ النَّسُكَ الْفُلَانِيَّ، فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي، وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ، فَمَحِلِّي حَيثُ حَبَسْتَنِي" ،
-
وَكَيف اشْتَرَطَ جَازَ، كَقَوْلِهِ: "إِنْ تُيُسِّرَ لِي وَإلَّا فَلَا حَرجَ عَلَيَّ" ،
-
وَيَسْتَفِيدُ بِهِ أَنَّه مَتَى حُبِسَ بِمَرَضٍ أَوْ غَيرُهُ حَلَّ مَجَّانًا،
-
وَإن لَمْ يَلْفِظْ بِشَرْطٍ، أَوْ شَرَطَ أَنْ يَحِلَّ مَتَى شَاءَ، أَوْ إنْ أَفسَدَهُ لَمْ يَقْضِهِ، لَمْ يَصِحَّ،
-
وَشُرِطَ تَنْجِيزُ إحْرَامٍ، فَلَا يَنْعَقِدُ مُعَلَّقًا، كإنْ أَحْرَمَ زِيدٌ، أَوْ قَدِمَ فَأَنَا مُحْرِمٌ.
-
وَيَتَّجِهُ: وَبِمَشِيئَةِ اللهِ كَصَوْمٍ وَأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ مُتَلَاعِبًا.
-
وَيَنْعَقِدُ فَاسِدًا حَال جِمَاعٍ، وَيَلْزَمُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ،
-
وَيَبْطُلُ بِرِدَّةٍ لَا بِجُنُونٍ وَإِغْمَاءٍ وَسُكْرٍ وَمَوْتٍ،
-
وَلَا يَنْعَقِدُ مَعَ وُجُودِ أَحَدِهَما.
فَصْلٌ
-
وَيُخَيَّرُ مَرِيدُ إحْرَامٍ بَينَ تَمَتُّعٍ: وَهُوَ أَفْضَلُ، فَإِفْرَادٌ، فَقِرَانٌ،
-
فَالتَّمَتُّعُ: أَنْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ بِهِ فِي عَامِهِ مِنْ أَينَ شَاءَ، بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا.
-
وَالإِفْرَادُ: أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ، ثُمَّ بِعُمْرَةٍ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ.
-
والْقِرَانُ: أن يُحْرِمَ بِهِمَا مَعًا، أَو بِهَا ثُمَّ يُدْخِلَهُ عَلَيهَا قَبْلَ شُرُوعٍ فِي طَوَافِهَا،
-
وَيَصِحُّ مِمَّنْ مَعَهُ هَدْيٌ، وَلَوْ بَعْدَ سَعْيِهَا،
-
وَيَصِيرُ قَارِنًا وَلَوْ بَغِيرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ.
-
وَتَنْدَرِجُ أَفْعَالُ عُمْرَةِ قَارِنٍ بِحَجٍّ،
-
وَمَنْ أَحْرَمَ بِهِ ثُمَّ أَدْخَلَهَا عَلَيهِ، لَمْ يَصِحَّ إحْرَامُهُ بِهَا.
-
وَيَجِبُ عَلَى مُتَمَتِّعٍ دَمٌ، وَقَارِنٍ دَمُ نُسُكٍ لَا جُبْرَانٍ بِشرْطِ أَنْ لَا يَكُونَا مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ،
-
وَهُمْ أَهْلُ الْحَرَمِ، وَمَنْ مِنْهُ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ،
-
فَلَوْ اسْتَوْطَنَ أُفُقِيٌّ مَكَّةَ، أَوْ مَا قَارَبَهَا، فَحَاضِرٌ،
-
أَوْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِهِ بِمَكَّةَ وَالْبَعْضُ الآخَرُ عَنْهَا فَوْقَ مَسَافَةِ قَصْرٍ، وَلَوْ أَحْرَمَ مِنْ الأَبْعَدِ، أَوْ كَانَتْ إقَامَتُهُ بِهِ أَكْثَرَ لأَنَّ بَعْضَ أَهْلِهِ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَام،
-
وَمَنْ دَخَلَهَا وَهُوَ نَاويًا لإِقَامَةِ أَوْ مَكِّيًّا اسْتَوْطَنَ بَلَدًا بِعِيدًا مُتَمِتِّعًا أَوْ قِارِنًا، لَزِمَهُ دَمٌ.
-
وَشُرِطَ فِي دَمِ مُتَمَتِّعٍ وَحْدَهُ سِتَّةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَمَنْ أَحْرَمَ بِرَمَضَانَ، وَفَعَلَ الْعُمْرَةَ بِشَوَّالٍ لَا دَمَ عَلَيهِ.
-
وَأَنْ يَحُجَّ فِي عَامِهِ.
-
وأَنْ لَا يُسَافِرَ بَينَهُمَا مَسَافَةَ قَصْرٍ، فَإِنْ سَافَرَ فَأَحْرَمَ بِحَجٍّ، فَلَا دَمَ .
-
وَأَنْ يَحِلَّ مِنْهَا قَبْلَ إحْرَامِهِ بِهِ، وَإِلّا صَارَ قِارِنًا بِشَرْطِهِ.
-
وَأَنْ يُحْرِمَ بِهَا مِنْ مِيقاتٍ أَوْ مَسَافَةِ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ مِنْ مَكَّةَ، وَإلّا، لَزِمَهُ دَمٌ، لِمُجَاوَزَةِ مِيقَاتٍ، وَكَلَامُ الإِقْنَاعِ هُنَا غَيرُ مُحَرَّرٍ.
-
وَإنْ يَنْويَ التَّمَتُّعَ فِي ابْتدَائِهَا أَوْ أَثْنَائِهَا، فَلَا تَكْفِي نِيَّةُ عُمْرَةٍ فَقَطْ،
-
وَلَا يُعْتَبَرُ وُقُوعُ النُّسُكَينِ عَنْ وَاحِدٍ، فَلَوْ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ وَحَجَّ عَنْ غَيرِهِ أَوْ عَكْسُهُ أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ عَنْ اثْنَينِ بِلَا إذْنٍ فَعَلَيهِ دَمُ تَمَتُّعٍ.
-
وَيَتَّجِهُ: وَإلّا فَعَلَيهِمَا نِصْفَينِ إنْ تَمَتَّعَ بِإِذْنِهِمَا، وَكَذَا صَوْمٌ، وَاحْتَمَلَ يَصُومُ نَائِبٌ لثَّلَاثَة، وَهُمَا السَّبْعَةُ أَوْ الْعَشَرَةُ .
-
وَلَا هَذِهِ الشُّرُوطُ فِي كَوْنِهِ مُتَمَتِّعًا،
-
وَيَلْزَمُ الدَّمُ بِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَيَأْتِي وَقْتُ ذَبْحِهِ،
-
وَلَا يَسْقُطُ دَمُ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ بِفَسَادِ نُسُكِهِمَا أَوْ فَوَاتِهِ،
-
وإذَا قَضَى الْقَارِنُ قِارِنًا، لَزِمَهُ دَمَانِ: دَمٌ لِقِرَانِهِ الأَوَّلِ، وَدَمٌ لثَانٍ،
-
وَإِنْ قَضَى مُفْرِدًا، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيءٌ،
-
وَجَزَمَ جَمْعٌ يَلْزَمُهُ دَمٌ لِقِرَانِهِ الأَوَّلِ،
-
فَإِذَا فَرَغَ أَحْرَمَ بِعُمْرَةِ مِنْ أَبْعَدِ مِيقَاتَيهِ، وَإِلَّا فَدَمٌ،
-
وَإِنْ قَضَى مُتَمَتِّعًا، أَحْرَمَ بِهِ مِنْ الأَبْعَدِ إذَا فَرَغَ مِنْهَا.
-
وَسُنَّ لِمُفْرِدٍ وَقَارِنٍ فَسْخُ نِيَّتِهِمَا بِحَجٍّ، وَيَنْويَانِ بِإِحْرَامِهِمَا ذَلِكَ عُمْرَةً مُفْرِدَةً فَإِذا حَلَّا أَحْرَمَا بِهِ لِيَصِيرَا مُتَمَتَّعَينِ وَلَوْ طَافَا وَسَعَيَا، فَيُقَصِّرَانِ وَقَدْ حَلَّا،
-
مَا لَمْ يَسُوقَا هَدْيًا أَوْ يَقِفَا بِعَرَفَةَ فَلَوْ فَسَخَا فِي الْحَالتَينِ فَلَغوٌ،
-
وَإِنْ سَاقَهُ مُتَمَتِّعٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحِلَّ، فَيُحْرِمُ بِحَجٍّ إذَا طَافَ وَسَعَى لِعُمْرَتِهِ قَبْلَ تَحْلِيلٍ بِحَلْقٍ فَإِذَا ذَبَحَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، حَلَّ مِنْهُمَا مَعًا.
-
وَيَتَّجِهُ: أَنَّهُ فِي هَذِهِ قَارِنٌ.
-
وَالْمُعْتَمِرُ غَيرُ الْمُتَمَتِّعِ، يَحِلُّ بِكُلِّ حَالٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ غَيرِهَا، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ،
-
وَالمُتَمَتِّعَةُ إنْ حَاضَتْ قَبْلَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ، فَخَشِيَتْ أَوْ غَيرِهَا فَوَاتَ الْحَجِّ، أَحْرَمَتْ بِهِ وَصَارَتْ قَارِنَةً، وَلَمْ تَقْضِ طَوَافَ الْقُدُومِ،
-
وَيجِبُ عَلَى قَارِنٍ وَقَفٌ قَبْلَ طَوَافٍ وَسَعْيٍ، دَمُ قِرَانٍ،
-
وَتَسْقُطُ الْعُمرَةُ كَذَا فِي الْمُنْتَهَى .
فَصْلٌ
-
وَمَنْ أَحْرَمَ وَأَطْلَقَ، بِأَنْ لَمْ يُعَيِّنْ نُسُكًا، صَحَّ وفَاقًا، وَصَرَفَهُ لِمَا شَاءَ، بِنِيَّتِهِ، وَمَا عمِلَ قَبْلُ فَلَغْوٌ،
-
وَبِمَا أَوْ بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ فُلَانٌ، وَعَلِمَ انْعَقَدَ بِمِثْلِهِ،
-
فَإِنْ تَبَيَّنَ إطْلَاقُهُ فَلِلثَّانِي صَرْفُهُ لِمَا شَاءَ لَا لِمَا يَصْرِفُهُ أَوْ صَرَفَهُ فُلاُنٌ،
-
وَإنْ جَهِلَ إحْرَامُهُ سُنَّ صَرْفُهُ عُمْرَةً،
-
وَلَوْ شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ الأَوَّلُ، فَكَمَا لَوْ لَمْ يُحْرِمْ فَيَنْعَقِدُ مُطْلَقًا، فَيَصْرِفُهُ لِمَا شَاءَ.
-
وَيَتَّجِهُ: لَوْ تَبَيَّنَ الْحَالُ بَعْدُ، فَكمَنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ وَنَسِيَهُ،
-
وَأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ كِإِحْرَامِ اثْنَينِ، وَاتَّفَقَ نُسُكُهُمَا فَهُوَ كَوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِلَّا فَقَارِنٌ.
-
وَلَوْ كَانَ إحْرَامُ الأَوَّلِ فَاسِدًا انْعَقَدَ الثَّانِي بِمِثْلِهِ صَحِيحًا،
-
وَيَصِحُّ أَحْرَمْتُ يَوْمًا، أَوْ بِنِصْفِ نُسُكٍ وَنَحْوهِمَا، فَلَا يَتَبَعَّضُ كَطَلَاقٍ،
-
لَا إنْ أَحْرَمَ زَيدٌ فَأَنَا مُحْرِمٌ،
-
وَمَنْ أَحْرَمَ بِحَجَّتَينِ أَوْ بِعُمْرَتَينِ انْعَقَدَ بِإِحْدَاهُمَا، وَلَغَتْ الأُخْرَى
-
وَبِنُسُكٍ وَنَسِيَهُ قَبْلَ طَوَافٍ، صَرَفَهُ لِعُمْرَةٍ نَدْبًا، وَيَجُوزُ لِغَيرِهَا
-
فَإِلَى قِرَانٍ أَوْ إفْرَادٍ، يَصِحُّ حَجًّا فَقَطْ، لإِحْتِمَالِ إدْخَالِهَا عَلَيهِ وَلَا دَمَ،
-
وَإلَى تَمَتُّعٍ فَكَفَسْخِ حَجٍّ لِعُمْرَةٍ يَلْزَمُهُ دَمُ مُتْعَةٍ بِشُرُوطِهِ
-
وَبَعْدَ طَوَافٍ، وَلَا هَدْيَ مَعَهُ يَتَعَيَّنُ إلَيهَا لامْتِنَاعِ إدْخَالِهِ عَلَيهَا إذَنْ.
-
وَيَتَّجِهُ : لُزُومُ إعَادَةِ طَوَافٍ.
-
فَيَسْعَى وَيَحْلِقُ ثُمَّ يُحْرِمُ بِحَجٍّ مَعَ بَقَاءِ وَقْتِ وَقُوفٍ وَيُتمُّهُ.
-
وَيَتَّجِهُ: وَلَا دَمَ لِلْحَلْقِ إنْ تَبَيَّنَ أَنهُ كَانَ حَاجًّا، خِلَافًا لَهُمَا لأَنَّ الْحَجَّ قَدْ فُسِخَ بِالصَّرْفِ .
-
وَعَلَيهِ لِلْحَلْقِ دَمٌ إِنْ تَبَيَّنَ أَنَّه كَانَ حَاجًّا، وَإلا فَدَمُ متْعَةٍ بِشَرْطِهِ.
-
وَيَتَّجِهُ: مَعَ عَدَمِ تَبَيُّنِ لُزُومُ إِعَادَةِ عُمْرَةٍ لإِحْتِمَالِ إِفْرَادٍ .
-
وَمَعَ مُخَالِفَتِهِ بِصَرْفِهِ لِحَجٍّ أَوْ قِرَانٍ، وَجَهِلَ الْحَال يَتَحلَّلُ بِفِعْلِ حَجٍّ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ لِلشَّكِّ، وَلَا دَمَ وَلَا قَضَاءَ،
-
وَمَا عَلَيهِ مِنْ وَاجِبٍ فَفِي ذِمَّتِهِ يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ.
-
وَيَتَّجِهُ احْتِمَالٌ: لُزُومُ قَضَاءِ حَجٍّ لَوْ وَطِئَ بَعْدَ حَلْقٍ.
-
وَمَنْ مَعَهُ هَدْيٌ صَرَفَهُ لِحَجٍّ وَأَجْزَأَهُ حَجُّهُ فَقَطْ، وَيَأْتِي حُكمُ أَحَدَ طَوَافَينِ بِحَدَثٍ، وَجَهْلٍ
-
وَمَنْ أَهَلَّ لِعَامَينِ، بَأَنْ قَال: لَبَّيكَ الْعَامَ وَالْعَامَ الْقَابِلَ، حَجَّ مِنْ عَامِهِ، وَاعْتَمَرَ مِنْ قَابِلٍ.
-
وَيَتَّجِهُ احْتِمَالُ: ذَلِكَ نَدْبٌ.
فَصْلٌ
-
وَسُنَّ عَقِبَ إحْرَامِهِ تَلْبِيَةٌ حَتَّى عَنْ أَخرَسَ وَمَرِيضٍ كَتَلْبِيَتِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ، لبَّيكَ لَا شَرِيكَ لَك لبَّيكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ" ، وَاخْتِيرَ كَسْرُ هَمْزَةِ إنَّ،
-
وَلَا بَأْسَ بِزِيَادَةٍ فَقَدْ زَادَ ابْنُ عُمَرَ: "لَبَّيكَ لَبَّيكَ وَسَعْدَيكَ، وَالْخَيرُ بِيَدَيك، وَالرَّغْبَاءُ إلَيكَ وَالْعَمَلُ" .
-
وَسُنَّ ذِكرُ نُسُكِهِ فِيهَا وَبَدْءُ قَارِنٍ بِذِكْرِ عُمْرَةٍ، كَلَبَّيكَ عُمْرَةً وَحَجًّا
-
وُدَعاءٌ بَعْدَهَا بِمَا أَحَبَّ، وَيَسْأَلُ الْجَنَّةَ، ويَسْتَعِيذُ مِنْ النَّارِ وَصَلَاةٌ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،
-
وَإِكثَارُ تَلْبِيَةٍ، وَتَتَأكَّدُ إذَا عَلَا نَشَزًا أَوْ هَبَطَ وَاديًا، أَوْ صَلَّى مَكتُوبَةً، أَوْ أَقبَلَ لَيلٌ أَو نَهَارٌ، أَوْ الْتَقَتْ رِفَاقٌ، أَوْ سَمِعَ مُلَبِّيًا، أَوْ أَتَى مَحْظُورًا نَاسِيًا، أَو رَكِبَ أَو نَزَلَ أَوْ رَأَى الْكَعْبَةَ،
-
وَجَهْرُ ذَكَرٍ بِهَا في غَيرِ مَسَاجِدِ الْحِلِّ، وَأَمْصَارِهِ وَطَوَافِ قُدُومٍ وَسَعْي بَعْدَهُ،
-
وَتُشْرَعُ بِالْعَرَبِيَّةِ لِقَادِرٍ وَإلَّا فَبِلُغَتِهِ،
-
وَلَا يُسَنُّ تَكرَارُ تَلْبِيَةٍ فِي حَالةٍ وَاحِدَةٍ
-
وَاخْتَارَ بَعضٌ تَكرَارُهَا ثَلَاثًا دُبُرَ الصَّلَاةِ حَسَنٌ،
-
وَكُرِهَ لأُنْثَى جَهْرٌ بِأَكْثَرَ مَا تُسْمِعُ رَفِيقَتَهَا، وَلِطَائِفٍ بِالْبَيتِ
-
وَلَا بَأسَ بِتَلْبِيَةِ حَلَالٍ.
-
مَا حُرِّمَ عَلَى مُحْرِمٍ، وَهِيَ تِسْعَةٌ:
-
أَحَدُهَا: إزَالةُ شَعْرٍ مِنْ جَمِيعِ بَدَنِهِ، وَلَوْ مِنْ أَنْفٍ بِلَا عُذْرٍ كَخُرُوجِ شَعرٍ بِعَينَيهِ، وَنُزُولِ شَعْرِ حَاجِبَيهِ عَلَيهِمَا فَيُزِيلُهُ،
-
وَلَا فِدْيَةَ كَإِزَالتِهِ مَعَ غَيرِهِ بِقَطْعِ عُضْوٍ أَوْ جِلْدٍ،
-
وَإِنْ حَصَلَ أَذَى بِغَيرِ شَعْرٍ كَمَرَضٍ وَحَرٍّ وَقَمْلٍ وَصُدَاعٍ وَقَرَعٍ أَزَالهُ وَفَدَى.
-
الثَّانِي: إزَالةُ ظُفْرِ يَدٍ، أَو رِجْلٍ بِلَا عُذْرٍ،
-
فَإِنْ كُسِرَ ظُفْرُهُ أَوْ وَقَعَ بِهِ مَرَضٌ فَأَزَالهُ أَوْ مَعَ غَيرِهِ كَمَعَ أُصْبُعِهِ، فَلَا فِدْيَةَ،
-
وَتَجِبُ فِيمَا عُلِمَ أَنَّهُ بَانَ بِمُشْطٍ أَو تَخْلِيلٍ وَلَوْ نَاسِيًا،
-
وَهِيَ في كُلِّ فَرْدٍ أَوْ بَعْضِهِ مِنْ دُونِ ثَلَاثٍ مِن شَعْرٍ أَوْ ظُفْرٍ إطعَامُ مِسْكِينٍ، وَفِي ثَلَاثٍ الْفِدْيَةُ، وَتُسْتَحَبُّ مَعَ شَكٍّ،
-
وَمَنْ طَيَّبَ حَيًّا أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ أَوْ قَلَّمَ ظُفْرَهُ بِإِذْنِهِ أَوْ سَكَتَ، وَلَمْ يَنْهَهُ وَلَوْ مِنْ مُحْرِمٍ أَو بَيِدِهِ كُرْهًا، فَعَلَيهِ الْفِدْيَةُ
-
وَمُكْرَهًا بِيَدِ غَيرِهِ، أَوْ نَائِمًا فَعَلَى فَاعِلٍ،
-
وَلَا فِدْيَةَ بِحَلْقِ مُحْرِمِ أَوْ تَطْيِيِبِهِ حَلَالًا،
-
وَيُبَاحُ غَسْلُ شَعْرِهِ بِنَحْو سِدْرٍ وَحَكُّ بَدَنِهِ بِرفْقٍ بِلَا قَطْعِ شَعْرٍ.
فَرْعٌ:
-
حُكْمُ رَأسٍ وَبَدَنٍ في إزَالةِ شَعْرٍ وَطِيبٍ وَلِبْسٍ وَاحِدٌ،
-
فَلَوْ حَلَقَ شَعْرَ رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ أَوْ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ مِنْهُمَا أَوْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ فِيهِمَا، فَفِديَةٌ وَاحِدَةٌ.
-
الثالِثُ: تَعَمُّدُ تَغْطِيَةِ رَأْسٍ، وَمِنْهُ الأُذُنَانِ،
-
فَمَتَى غَطَّاهُ وَلَوْ بِقِرْطَاسٍ بِهِ دَوَاءٌ، أَوْ لَا أَوْ بِطِينٍ أَوْ نُورَةٍ أَوْ حِنَّاءٍ أَوْ عَصَبَهُ وَلَوْ بِسِيرٍ أَوْ اسْتَظَلَّ بِمَحْمَلٍ وَنَحْوهِ أَوْ بِنَحْو ثَوْبٍ رَاكِبًا أَوْ لَا، حَرُمَ بِلَا عُذْرٍ، وَفَدَى
-
إنْ حَمَلَ عَلَى رَأسِهِ شَيئًا أَوْ نَصَبَهُ حِيَالهُ أَو اسْتَظَلَّ بِخَيمَةٍ أَوْ شَجَرَةٍ أوْ بَيتٍ أَوْ غَطَّى وَجْهَهُ أَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ لَبَّدَهُ بِعَسَلٍ وَصَمْغٍ، وَنَحْوهِ خَوْفَ نَحْو غَبُارٍ أَوْ شُعْثٍ.
-
الرَّابعُ: تَعَمُّدُ لُبْسَ الْمَخِيطِ مُطْلَقًا، وَلَوْ عِمَامَةً أَوْ قُفَّازَينِ يُعْمَلَانِ لِلْيَدَينِ كَالْبُزَاةِ، أَوْ خُفَّيْنِ،
-
إلَّا أنْ لَا يَجِدَ إزَارًا فَيَلْبَسَ سَرَاويلَ أَوْ نَعْلَينِ فَيَلْبَسَ نَحْوَ خُفَّينِ كَرَانٍ، وَحَرُمَ قَطْعُهُمَا حَتَّى يَجِدَ إزَارًا وَنَعْلَينِ، وَلَا فِدْيَةَ،
-
وَعَنْهُ يَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَينِ، وَجَوَّزَهُ جَمْعٌ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
-
وَيَتَّجِهُ: صِحَّتُهُ إنْ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ.
-
وَإِنْ لَبِسَ مَقْطُوعًا دُونَ الْكَعْبَينِ مَعَ وُجُودِ نَعْلٍ، حَرُمَ وَفَدَى،
-
وَتُبَاحُ نَعْلٌ وَلَوْ كَانَتْ بِعَقِبٍ، وَقُيِّدَ، وَهُوَ: السَّيرُ الْمُعْتَرِضُ عَلَى الزِّمَامِ،
-
وَلَا يَعْقِدُ عَلَيهِ رِدَاءً، أَوْ مِنْطَقَةً أَوْ غَيرَهُمَا، وَلَا يَجْعَلُ لِذَلِكَ زِرًّا وَعُرْوَةً، وَلَا يُخِلُّهُ بِشَوْكَةٍ أَوْ إبْرَةٍ أَوْ خَيطٍ، وَلَا يَغْرِزُ أَطْرَافَهُ فِي إزَارِهِ، فَإِنْ فَعَلَ فَدَى،
-
إلَّا إزَارَهُ وَمِنْطَقَةً وَهِمْيَانًا فِيهِمَا نَفَقَةٌ مَعَ حَاجَةٍ لِعَقْدٍ،
-
وَيتَقَلَّدُ بِسيفٍ لِحَاجَةٍ، وَحَرُمَ بِدُونِهَا، وَيَحْرمُ حَملُ سَلَاحٍ بِمَكَّةَ،
-
وَيَحْمِلُ جَرَابَهُ وَقِرْبَةَ الْمَاءِ في عُنُقِهِ لَا صَدْرِهِ،
-
وَلَهُ شَدُّ وَسَطهِ بِنَحْو مِنْدِيلٍ وَحَبْلٍ إذَا لَمْ يَعْقِدْهُ،
-
وأَنْ يَتَّزِرَ ويَلْتَحفَ بِقَمِيصٍ، وَيَرتَدِيَ بِهِ وَبِرِدَاءٍ مُوَصَّلٍ بِلَا عَقْدٍ.
-
وَإِنْ طَرَحَ عَلَى كَتِفَيهِ قَبَاءً فَدَى، وَلَوْ لَمْ يُدْخِلْ يَدَيه في كُمَّيهِ،
-
وَإنْ غَطَّى خُنْثَى مُشكِلٌ وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ أَوْ وَجْهَهُ، وَلَبِسَ مَخِيطًا، فَدَى،
-
لَا إنْ لَبِسَهُ أَوْ غَطَّى رَأَسَهُ أَوْ غَطَّى وَجْهَهُ وَجَسَدَهُ بِلَا لُبْسٍ،
-
وَمَنْ خَافَ بَرْدًا أَوْ اسْتَحْيَا مِنْ عَيبٍ يَطَّلِعُ عَلَيهِ، لَبِسَ وَفَدَى.
-
الْخَامِسُ: تَعَمُّدَ الطِّيبَ مَسًّا وَشَمًّا وَاسْتِعْمَالًا،
-
فَمَتَى طَيَّبَ مُحْرِمٌ ثَوْبَهُ أَوْ بَدَنَهُ أَوْ اسْتْعَمَل في أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ إِدِّهَانٍ أَوْ اكْتِحَالٍ أَوْ إِسْتِعَاطٍ أَوْ إِحْتِقَانٍ طِيبًا يَظْهَرُ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ أَوْ قَصَدَ شَمَّ دُهْنٍ مُطَيِّبٍ أَوْ مِسْكٍ، أَوْ كَافُورٍ أَوْ عَنْبَرٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ أَوْ بَخُورِ عُودٍ وَنَحْوهِ أوْ مَا يُنْبِتُهُ آدَمِيٌّ لِطِيبٍ، وَيُتَّخَذُ مِنْهُ كَوَرْدٍ وَبَنَفْسَجٍ وَمَنْثُورٍ وَنَيلُوفَرَ وَيَاسَمِينَ وَبَانٌ، وَزَنْبَقٍ وَشَمَّهُ أَوْ مَسَّ مَا يَعْلَقُ بِهِ كَمَاءِ وَرْدٍ وَسَحِيقِ نَحْوَ مِسْكٍ، حَرُمَ وَفَدَى،
-
لَا إنْ شَمَّ بِلَا قَصْدٍ أَوْ مَسَّ مَا لَا يَعْلَقُ، كَقِطَعِ نَحْوَ مِسْكٍ
-
أَوْ شَمَّ، وَلَوْ قَصْدًا فَوَاكِهَ أَوْ عُودًا أَوْ نَبَاتَ صَحْرَاءَ، كَخُزَامَى وَشِيحٍ وَقَيصُومٍ وَنَرْجِسَ وَإِذْخِرٍ أَوْ مَا يُنْبِتُهُ آدَمِيٌّ، لَا بِقَصْدِ طِيبٍ كَحِنَّاءٍ وَعُصْفُرٍ وَقَرَنفُلٍ وَدَارُ صَينِيٍّ وَنَحْوُهَا، أَوْ لِقَصْدِهِ، وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُ كَرَيحَانٍ فَارِسِيٍّ وَهُوَ الْحَبَقُ وَنَمَّامٍ، وَبَرَمٍ وَهُوَ: ثَمَرُ الْعِضَاة كَأُمِّ غِيلانٍ وَمَرْدقُوشٍ
-
أَوْ ادَّهَنَ بِغَيرِ مُطَيِّبٍ كَزَيتٍ وَشَيرَجٍ، وَلَوْ في رأَسْهِ وَبَدَنِهِ
-
أَوْ شَمَّ بِلَا قَصْدٍ، كَجَالِسٍ عِنْدَ عَطَّارٍ لِحَاجَتِهِ، وَحَامِلِهِ وَمُقَلِّبِهِ بِلَا مَسٍّ، وَدَاخِلِ سُوقٍ وَكَعْبَةٍ، وَيَأْتِي إِذْا اسْتَعْمَلَهُ نَحْوُ نَاسٍ وَذَكَرَ.
-
السَّادِسُ: قَتْلُ صَيدِ بَرٍّ وَاصْطِيَادُهُ، وَهُوَ الْوَحْشِيُّ الْمَأكُولُ، أَوْ مُتَوَلِّدٍ مِنْهُ، وَمِنْ غَيرِهِ
-
وَالاعْتِبَارُ بِأَصْلِهِ، فَحَمَامٌ وَبَطٌّ، وَهُوَ: الإِوَزُّ، وَحْشِيٌّ، وَإنْ تَأَهَّلَ وَعَكْسُهُ نَحْوُ جَامُوسٍ تَوَحَّشَ،
-
فَإِذَا أَتْلَفَ مُحْرِمًا صَيدًا، أَوْ بَعْضَهُ، أَوْ أَتْلَفَ بِيَدِهِ بِمُبَاشَرَةٍ، أَوْ سَبَبٍ، وَلَوْ بِجِنَايَةِ دَابَّةٍ مُتَصَرِّفٍ فِيهَا أَوْ أَشَارَ أَوْ دَلَّ مُرِيدَ صَيدِهِ، وَلَمْ يَرَهُ.
-
وَيَتَّجِهُ: أَوْ ضَحِكَ وَقَصَدَهَا.
-
أَوْ أَعَانَهُ وَلَوْ بِمُنَاوَلَةٍ، أَوْ إعَارَةِ آلَةِ صَيدٍ لِصَيدٍ، حَرُمَ، وَعَلَيهِ الْجَزَاءُ
-
إلَّا أَنْ يَقْتُلَهُ مُحْرِمٌ فَبَينَهُمَا،
-
لَا إنْ دَلَّ عَلَى طِيبٍ وَلِبَاسٍ، أَوْ نَاوَلَهُ وَنَحْوَهُ الآلَةَ لَا لِصَيدٍ، فَصَادَ بِهَا ، أَوْ دَلَّ حَلَالٌ مُحْرِمًا عَلَى صَيدٍ.
-
وَيَتَّجِهُ: وَيَحْرُمُ خِلَافًا لَهُ .
-
وَيَضْمَنُهُ مُحْرِمٌ وَحْدَهُ كَشَريِكَ سَبُعٍ، إلَّا بِحَرَمٍ، فَيَشْتَرِكَانِ،
-
وَلَوْ جَرَحَهُ نَحْوُ حَلَالٍ، ثُمَّ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ، فَعَلَيهِ جَزَاؤُهُ مَجْرُوحًا، وَعَكْسُهُ فَأَرْشُ جَرْحِهِ،
-
وَلَوْ رَمَاهُ حَلَالًا، ثُمَّ أَحْرَمَ قَبْلَ إصَابَةٍ ضَمِنَهُ
-
وَمُحْرِمًا، ثُمَّ حَلَّ قَبْلَهَا لَمْ يَضْمَنْ،
-
وَلَوْ دَلَّ حَلَالٌ حَلَالًا عَلَى صَيدِ حَرَمٍ، بَينَهُمَا
-
وَلَوْ دَلَّ مُحْرِمٌ محرمًا، أَوْ حَلَالٌ حَلَالًا بِحَرَمٍ، ثُمَّ دَلَّ الآخَرُ آخَرَ إلَى عَشَرَةٍ مَثَلًا، فَقَتَلَهُ عَاشِرٌ، فَعَلى الكُلِّ،
-
وَإِنْ نَصَبَ نَحْوَ شَبَكَةٍ ثُمَّ أَحْرَمَ، أَوْ أَحْرَمَ ثُمَّ حَفَرَ بِئْرًا بِحَقٍّ، لَمْ يَضْمَنْ، إلا إِنْ تَحَيَّلَ،
-
وَحَرُمَ أَكلُهُ مِنْ ذِلَكَ كُلِّهِ،
-
وَكَذَا مَا ذُبِحَ أَوْ صِيدَ لأَجْلِهِ،
-
وَيَلْزَمُهُ بِأَكْلِهِ كُلِّهِ الْجَزَاءُ وَبِبَعْضِهِ قِسْطُهُ لَحْمًا،
-
وَمَا حَرُمَ عَلَيهِ لِدَلَالةٍ أَوْ إعَانَةِ حَلَالٍ أَوْ صِيدَ لَهُ لَا يَحْرُمُ عَلَى مُحْرِمٍ غَيرِهِ، كَحَلَالٌ،
-
وَإِنْ قَتَلَهُ أَوْ أَمْسَكَهُ مُحْرِمٌ أَوْ حَلَالٌ بِالْحَرَمِ، فَذَبَحَهُ وَلوْ بَعْدَ حِلِّهِ، أَوْ إخْرَاجِهِ مِنْ الْحَرَمِ، ضَمِنَهُ،
-
وَكَانَ مَا لِغَيرِ حَاجَةِ أَكْلِهِ مَيتَةً عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ، وَلِحَاجَةِ أَكْلِهِ مَيتَةً نَجِسًا في حَقِّ غَيرِهِ لَا في حَقِّ نَفْسِهِ،
-
وَإِنْ كَسَرَ مُحْرِمٌ بَيضَ صَيدٍ حَلَّ لِمُحِلٍّ، لَا لِمُحْرِمٍ،
-
وَكَذَا حَلْبِ لَبَنِ صَيدٍ،
-
وَإِنْ نَقَلَ بَيضَ صَيدٍ فَفَسَدَ، أَوْ أَتلَفَ غَيرَ مَذَرٍ، وَمَا بِهِ فَرْخٌ مَيِّتٌ إلا بَيضِ نَعَامٍ، لأنَّ لِقِشْرِهِ قِيمَةً أَوْ حَلَبَ صَيدًا ، ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ مَكَانَهُ،
-
وَلَا يَمْلِكُ مُحْرِمٌ صَيدًا ابْتِدَاءً بِغَيرِ إرْثٍ.
-
وَيَتَّجِهُ: حَتَّى مَا يَبْذُلُ مُكَاتَبٍ عَجَزَ، وَاحْتَمَلَ وَزَوْجَةٍ بَانَتْ قَبْلَ دُخُولٍ.
-
فَلَا يَسْتَرِدُّ مَبِيعًا بِخِيَارٍ أَوْ عَيبٍ، وَلِمُشْتَرٍ رَدُّهُ، وَلَا يَدْخُلُ مِلْكَ مُحْرِمٍ إذَا.
-
وَيَتَّجِهُ احْتِمَالٌ: وَلِكُلِّ حَلَالٍ تَمَلَّكُهُ .
-
فَمَنْ قَبَضَهُ بِنَحْو هِبَةٍ أَوْ رَهْنٍ، أَوْ شِرَاءٍ؛ لَزِمَهُ رَدُّهُ،
-
وَعَلَيهِ إنْ تَلِفَ قَبْلَ رَدِّ الْجَزَاءِ مَعَ قِيمَتِهِ، في هِبَةٍ وَشِرَاءٍ ، وَفِي رَهْنٍ الْجَزَاءُ فَقَطْ كَمَا لَوْ أَرْسَلَهُ مَا لَمْ يَتَعَدَّ،
-
وَمَنْ أَحْرَمَ وَبِمِلْكِهِ صَيدٌ؛ لَمْ يَزَلْ مِلْكُهُ وَلَا يَدُهُ الْحُكمِيَّةُ كَكَوْنِهِ في بَلَدِهِ أَوْ بَيتِهِ، أَوْ يَدِ نَائِبِهِ بَغَيرِ مَكَانِهِ، وَلَا يَضْمَنُهُ مَعَهَا،
-
وَمَنْ غَصَبَهُ لَزِمَهُ رَدُّهُ،
-
وَمَنْ أدْخَلَهُ الْحَرَمَ أَوْ أَحْرَمَ وَهُوَ بِيَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ، كَفِي قَبْضَتِهِ أَوْ رَحْلِهِ أَوْ خَيمَتِهِ؛ لَزِمَهُ إزَالتُهَا بِإِرْسَالِهِ،
-
وَاخْتَارَ جَمْعٌ أَوْ بِوَضعِهِ تَحْتَ يَدِ وَكِيِلِهِ،
-
فَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ إرْسَالِهِ لَمْ يَضْمَنْ،
-
وَلَا ضَمَانَ عَلَى مُرْسِلِهِ مِنْ يَدِهِ قَهْرًا،
-
وَمِلْكُهُ بَاقٍ فَيَرُدُّهُ آخِذُهُ إذَا حَلَّ، وَيَضْمَنُهُ مُنَفِّرٌ،
-
وَمَنْ قَتَلَ صَيدًا صَائِلًا دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ أَوْ بِتَخلِيصِهِ مِنْ نَحْو سَبُعٍ، أَوْ شَبَكَةٍ لِيُطْلِقَهُ أَوْ قَطَعَ مِنْهُ عُضْوًا مُتَآكِلًا، فَمَاتَ، لَمْ يَحِلَّ وَلَمْ يَضْمَنهُ،
-
وَلَوْ أَخَذَهُ لِيُدَاويَهُ، فَوَدِيعَةٌ فَإِنْ فَرَّطَ ضَمِنَ،
-
وَلَا تَأثِيرَ لِحَرَمٍ وَإحْرَامٍ في تَحْرِيمِ إنْسِيٍّ، كَخَيلٍ وَدَجَاجٍ،
-
وَمُحْرِمٍ أَكَلَ غَيرَ مُتَوَلَّدٍ كَذِئْبٍ وَثَعْلَبٍ وَرَخَمٍ وَبُومٍ، وَكَالْفَواسِقِ الخَمْسِ: حِدَأَةٌ وَغُرَابٌ وَفَأْرَةٌ وَعَقْرَبٌ وَكَلْبٌ؛ عَقُورٌ،
-
وَيُسَنُّ قَتْلُهَا حِلًّا وَحَرَامًا وَقَتْلُ كُلِّ مُؤذٍ طَبعًا غَيرَ آدَمِيٍّ، كَأَسَدٍ وَفَهْدٍ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَبَازٍ وَصَقْرٍ وَشَاهِينَ وَعُقَابٍ، وَحَشَرَاتٍ مُؤْذِيَةٍ، كَزُنْبُورٍ، وَبَقٍّ وَبَعُوضٍ وَبَرَاغِيثَ.
-
وَفِي الإِقْنَاعِ : وَرَخَمٍ وَبُومٍ وَدِيدَانَ،
-
وَلَا فِيهِ شَيءٌ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مُطلَقًا قَتْلُ مَا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ، قَالُّوا كَنَمْلٍ وَنَحْلٍ، وَهُدْهُدٍ وَصُرَدٍ، وَضَفَادِعَ، وَكِلَابٍ،
-
وَسُئِلَ الشيخُ: هَلْ يَجُوزُ إحْرَاقُ بُيُوتِ النَّمْلِ بِالنَّارِ فَقَال: يُدْفَعُ ضَرَرُهُ بِغَيرِ التَّحْرِيقِ،
-
وَلَا بَأسَ بِنَزْعِ قُرَادٍ عَنْ دَابَّتِهِ،
-
وَيَحْرُمُ بإحْرَامٍ، لَا بَحَرمٍ؛ قَتْلُ قَمْلٍ وَصِئْبَانِهِ وَلَوْ بِزِئْبَقٍ، أَوْ رَمْيُهُ، وَلَا جَزَاءَ فِيهِ،
-
وَيُضْمَنُ جَرَادٌّ بِقِيمَتِهِ، وَلَوْ بِمَشْيٍ عَلَى مُفْتَرِسٍ بِطَرِيقٍ وَلَوْ بَيضُ صَيدٍ أُتلِفَ لِحَاجَةِ مَشيٍ،
-
وَيُبَاحُ بِالْحَرمِ ، صَيدُ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ، كَسَمَكٍ ، وَلَوْ عَاشَ في بَرٍّ أَيضًا، كَسُلْحُفَاةٍ وَسَرَطَانٍ،
-
وَلِمُحْرِمٍ احْتَاجَ لِفِعْلِ مَحْظُورٍ فِعْلُهُ،
-
وَكَذَا لَوْ اُضْطُرَّ كَمَنْ بِحَرَمٍ إلَى ذَبْحِ صَيدٍ؛ فَلَهُ أَكْلُهُ، وَيَفْدِي، وَهُوَ مَيتَةٌ لِغَيرِهِ،
-
وَتُقَدَّمُ هِيَ عَلَى صَيدٍ حَيًّا، وَيَأْتِي.
-
السَّابعُ: عَقْدُ النِّكَاحِ،
-
وَلَا يَصِحُّ إلَّا في حَق النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إنْ سلَّمْنَا نِكَاحَهُ مَيمُونَةَ مُحْرِمًا، وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ
-
فَلَا يَتَزَوَّجُ، وَلَوْ بِوَكِيلٍ حَلَالٍ،
-
وَلَا يُزَوِّجُ بِولَايَةٍ أَوْ وَكَالةٍ،
في كتب الخلاف
الإجماعابن المنذرباب الوتر٨٥ مسألة
التجريدالقدوريمسألة ٤٠٨، مسألة ٤٠٩، مسألة ٤١٠٢٠٩ مسألة
المبسوطالسرخسيكِتَابُ الْمَنَاسِكِ، بَابُ الْقِرَانِ، بَابُ الطَّوَافِ١٬٣٨٥ مسألة
بداية المجتهدابن رشدكِتَابُ الْحَجِّ [الْجِنْسُ الْأَوَّلُ مَعْرِفَةُ وُجُوبِ الحج وَشُرُوطِهِ]، الْجِنْسُ الثَّالِثُ: فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَجْرِي مِنْهَا مَجْرَى الْأُمُورِ اللَّاحِقَةِ، وَهِيَ أَحْكَامُ الْأَفْعَالِ.، الْقَوْلُ فِي مِيقَاتِ الْمَكَانِ٧٩٩ مسألة
المغنيابن قدامة، على «مختصر الخرقي»باب المواقيت، كتاب الحج، باب ذكر المواقيت٢٬٧٨٣ سطرًا
المجموع شرح المهذبالنووي، على «المهذب»كتاب الحج، باب المواقيت، باب صفة الحج٥٬٦٢٧ سطرًا
الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر، على «المقنع»كِتَابُ الْمَنَاسِكِ، فَصْلٌ، فَصْلٌ٢٬٢٤٨ سطرًا
الفقه على المذاهب الأربعةعبد الرحمن الجزيريصفة تكبيرة الإحرام، شروط تكبيرة الإحرام، الفرض الثالث من فرائض الصلاة: القيام٢٬٣٦٥ مسألة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميأسامة القحطاني وآخرونلا كلام له في هذا الباب
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)بإشراف علوي السقافالمبحث الأول: تعريف الحج لغةً واصطلاحاً، المبحث الثاني: من فضائل الحج، الفصل الثاني: من حِكَم مشروعية الحج١٬٧٨٧ مسألة
عرضٌ لما في كتب المذاهب، وليس فتوى.في الخريطة: الحج والعمرة