العتق
العتق
هذه نصوص المتون كما هي، وليست مقارنة.للمقارنة: مسائل الخلاف في هذا الباب
في متون المذاهب الأربعة
-
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَابُ الْعِتْقِ فِي الظِّهَارِ (قَالَ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
-
وَيَجُوزُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ عِتْقُ الرَّقَبَةِ الْعَوْرَاءِ عِنْدَنَا وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّهَا نَاقِصَةٌ بِنُقْصَانٍ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ فَكَانَتْ كَالْعَمْيَاءِ وَهُوَ الْأَصْلُ عِنْدَهُ: أَنَّ كُلَّ عَيْبٍ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ يَكُونُ فَاحِشًا يَمْنَعُ جَوَازَ التَّكْفِيرِ بِهِ وَكُلَّ عَيْبٍ يُرْجَى زَوَالُهُ يَكُونُ يَسِيرًا لَا يَمْنَعُ جَوَازَ التَّكْفِيرِ بِهِ كَالْحُمَّى وَالشَّجَّةِ وَنَحْوِهَا وَالْأَصْلُ عِنْدَنَا قَوْله تَعَالَى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ رَقَبَةٌ مُطْلَقَةٌ، وَالتَّقْيِيدُ بِصِفَةِ السَّلَامَةِ يَكُونُ زِيَادَةً، وَالزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ، وَلَكِنَّ مُطْلَقَ الرَّقَبَةِ يَقْتَضِي قِيَامَهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَالْقَائِمُ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ لَا يَكُونُ مُطْلَقًا وَالْعَمْيَاءُ مُسْتَهْلَكَةٌ مِنْ وَجْهٍ لِفَوَاتِ مَنْفَعَةِ الْحِسِّ وَهُوَ الْبَصَرُ فَإِنَّ بَقَاءَ الْآدَمِيِّ بِمَنَافِعِهِ مَعْنِيٌّ فَفَوَاتُ مَنْفَعَةِ الْحِسِّ يَكُونُ اسْتِهْلَاكًا مِنْ وَجْهٍ، وَلَيْسَ فِي الْعَوَرِ فَوَاتُ مَنْفَعَةِ الْحِسِّ
-
وَكَذَلِكَ فِي قَطْعِ الْيَدَيْنِ تَفُوتُ مَنْفَعَةُ الْبَطْشِ، وَبِقَطْعِ إحْدَى الْيَدَيْنِ لَا تَفُوتُ،
-
وَكَذَلِكَ أَشَلُّ الْيَدَيْنِ لَا يُجْزِي لِفَوْتِ مَنْفَعَةِ الْحِسِّ، وَمَقْطُوعُ الرِّجْلَيْنِ أَوْ أَشَلُّهُمَا لَا يُجْزِي لِفَوَاتِ مَنْفَعَةِ الْمَشْيِ، وَمَقْطُوعُ أَحَدِ الرِّجْلَيْنِ يُجْزِي لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْمَشْيِ لَا تَفُوتُ بِهِ
-
وَكَذَلِكَ مَقْطُوعُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْمَشْيِ بِالْعَصَا، وَمَنْفَعَةُ الْبَطْشِ بَاقِيَةٌ أَيْضًا فَلَمْ تَكُنْ مُسْتَهْلَكَةً، وَالْمَجْنُونُ، وَالْمَعْتُوهُ لَا يُجْزِي لِفَوَاتِ الْعَقْلِ بِهِ، وَهُوَ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ وَاَلَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ يُجْزِي؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْعَقْلِ غَيْرُ فَائِتَةٍ، بَلْ هِيَ قَائِمَةٌ تَسْتَتِرُ تَارَةً، وَتَظْهَرُ أُخْرَى، وَالْخَرْسَاءُ لَا تُجْزِي لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْكَلَامِ مَقْصُودَةٌ وَالْآدَمِيُّ إنَّمَا بَايَنَ سَائِرَ الْحَيَوَانَاتِ بِالْبَيَانِ فَفَوَاتُهَا يَكُونُ اسْتِهْلَاكًا مِنْ وَجْهٍ وَتُجْزِي الرَّقَبَةُ الصَّغِيرَةُ لِأَنَّهَا قَائِمَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَا يُقَالُ إنَّهَا فَائِتَةُ الْمَنَافِعِ مِنْ الْبَطْشِ وَالْمَشْيِ وَالْعَقْلِ وَالْكَلَامِ لِأَنَّهَا عَدِيمَةُ الْمَنَافِعِ إلَى الْإِصَابَةِ عَادَةً فَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ عَيْبًا وَلِأَنَّ مَا لَا يَخْلُو عَنْهُ أَصْلُ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ لَا يُعَدُّ نُقْصَانًا فَضْلًا عَنْ الِاسْتِهْلَاكِ
-
(قَالَ) : وَتُجْزِي الرَّقَبَةُ الْكَافِرَةُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْيَمِينِ وَالْإِفْطَارِ عِنْدَنَا
-
وَلَا تُجْزِي عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَّا الرَّقَبَةُ الْمُؤْمِنَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} وَلَا خُبْثَ أَشَدُّ مِنْ الْكُفْرِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَقَبَةٍ سَوْدَاءَ، وَقَالَ: عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ أَفَتُجْزِينِي هَذِهِ فَامْتَحَنَهَا بِالْإِيمَانِ فَوَجَدَهَا مُؤْمِنَةً فَقَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» فَامْتِحَانُهُ إيَّاهَا بِالْإِيمَانِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتَأَدَّى إلَّا بِالْمُؤْمِنَةِ، وَلِأَنَّ هَذَا تَحْرِيرٌ فِي تَكْفِيرٍ فَلَا يُجْزِي فِيهِ غَيْرُ الْمُؤْمِنَةِ كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَهَذَا لِأَنَّ الرَّقَبَةَ مُطْلَقَةٌ هُنَا مُقَيَّدَةٌ بِالْإِيمَانِ فِي الْقَتْلِ وَالْمُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ؛
-
لِأَنَّ الْقَيْدَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ فِي الْمُطْلَقِ، وَقِيَاسُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ عَلَى الْمَنْصُوصِ صَحِيحٌ، وَلِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ يَقْتَضِي نَفْيَ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِهِ فِي عَيْنِ مَا تَعَلَّقَ بِالشَّرْطِ
-
وَكَذَلِكَ فِي نَظَائِرِهِ اسْتِدْلَالًا بِهِ، وَالْكَفَّارَاتُ جِنْسٌ وَاحِدٌ فَالتَّقْيِيدُ بِشَرْطِ الْإِيمَانِ فِي بَعْضِهَا يُوجِبُ نَفْيَ الْجَوَازِ عِنْدَ عَدَمِ الْإِيمَانِ فِي جَمِيعِهَا كَالتَّقْيِيدِ بِشَرْطِ الْعَدَالَةِ فِي بَعْضِ الشَّهَادَاتِ أَوْجَبَ نَفْيَ الْجَوَازِ عِنْدَ عَدَمِهَا فِي الْكُلِّ
-
وَكَذَلِكَ التَّقْيِيدُ بِالتَّبْلِيغِ إلَى الْكَعْبَةِ فِي هَدْي جَزَاءِ الصَّيْدِ أَوْجَبَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْهَدَايَا.
-
وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ ظَاهِرُ الْآيَةِ فَالْمَنْصُوصُ اسْمُ الرَّقَبَةِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُنْبِئُ عَنْ صِفَةِ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، فَالتَّقْيِيدُ بِصِفَةِ الْإِيمَانِ يَكُونُ زِيَادَةً، وَالزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ فَلَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَلَا بِالْقِيَاسِ ثُمَّ قِيَاسُ الْمَنْصُوصِ عَلَى الْمَنْصُوصِ عِنْدَنَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ اعْتِقَادُ النَّقْصِ فِيمَا تَوَلَّى اللَّهُ بَيَانَهُ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ،
-
وَكَذَلِكَ شُرُوطُ الْكَفَّارَاتِ لَا تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ كَأَصْلِهَا،
-
وَلَا يَجُوزُ دَعْوَى التَّخْصِيصِ هُنَا لِأَنَّ التَّخْصِيصَ فِيمَا لَهُ عُمُومٌ وَالْمُطْلَقُ غَيْرُ الْعَامِّ وَامْتِنَاعُ جَوَازِ الْعَمْيَاءِ وَنَظَائِرِهَا لَيْسَ بِطَرِيقِ التَّخْصِيصِ بَلْ لِكَوْنِهَا مُسْتَهْلَكَةً مِنْ وَجْهٍ كَمَا بَيَّنَّا أَنَّ التَّخْصِيصَ فِيمَا لَهُ لَفْظٌ، وَالصِّفَةُ فِي الرَّقَبَةِ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ وَلَا يُقَالُ: بَيْنَ صِفَةِ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ تَضَادٌّ فَإِذَا جَوَّزْنَا الْمُؤْمِنَةَ انْتَفَى جَوَازُ الْكَافِرَةِ؛
-
لِأَنَّ جَوَازَ الْمُؤْمِنَةِ عِنْدَنَا لِأَنَّهَا رَقَبَةٌ لَا بِصِفَةِ الْإِيمَانِ أَلَا تَرَى أَنَّا نُجَوِّزُ الصَّغِيرَةَ وَالْكَبِيرَةَ وَبَيْنَ الصِّفَتَيْنِ تَضَادٌّ،
-
وَكَذَلِكَ نُجَوِّزُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَبَيْنَ الصِّفَتَيْنِ تَضَادٌّ.
-
وَلَكِنَّ الْجَوَازَ بِاسْمِ الرَّقَبَةِ فَكَانَ الْوَصْفُ فِيهِ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ فَأَمَّا حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَالْعِرَاقِيُّونَ مِنْ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاةٌ» مَعَ قَوْلِهِ «فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ السَّائِمَةِ شَاةٌ» ، وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ عِنْدَنَا فِي حَادِثَةٍ،
-
وَلَا فِي حَادِثَتَيْنِ حَتَّى جَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - التَّيَمُّمَ بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
-
«جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» وَلَمْ يُحْمَلْ هَذَا الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «التُّرَابُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ» وَهَذَا لِأَنَّ لِلْمُطْلَقِ حُكْمًا وَهُوَ الْإِطْلَاقُ وَفِي حَمْلِهِ عَلَى الْمُقَيَّدِ إبْطَالُ حُكْمِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي قَوْلِهِ: أَبْهِمُوا مَا أَبْهَمَ اللَّهُ، وَامْتِنَاعُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ لَيْسَ لِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ بَلْ لِلنَّصِّ الْوَارِدِ بِأَنْ لَا زَكَاةَ فِي الْعَوَامِلِ، وَاشْتِرَاطُ الْعَدَالَةِ فِي الشَّهَادَاتِ لَيْسَ لِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ بَلْ لِلنَّصِّ الْوَارِدِ بِالتَّثَبُّتِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ
-
وَكَذَلِكَ وُجُوبُ التَّبْلِيغِ إلَى الْكَعْبَةِ فِي جَمِيعِ الْهَدَايَا لِلنَّصِّ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {ثُمَّ مَحِلُّهَا إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} ،
-
وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ إنَّمَا يَجُوزُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْحَادِثَتَيْنِ،
-
وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَبَيْنَ سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ فَإِنَّ الْقَتْلَ مِنْ أَعْظَمِ الْكَبَائِرِ وَفِيهِ تَفْوِيتُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ مُخَاطَبَةً بِالْإِيمَانِ
-
بِخِلَافِ أَسْبَابِ سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ فَفِيهَا مِنْ التَّغْلِيظِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهَا وَلِهَذَا لَا يَكُونُ الْإِطْعَامُ بَدَلًا مِنْ الصِّيَامِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ
-
بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَاشْتِرَاطُ صِفَةِ التَّتَابُعِ عِنْدَنَا فِي الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لَيْسَ بِطَرِيقِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ بَلْ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ وَهِيَ لَازِمَةٌ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَشْتَرِطُونَ صِفَةَ التَّتَابُعِ فِيهَا لِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ،
-
وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ لِذَلِكَ الْمُطْلَقِ أَصْلَانِ أَحَدُهُمَا مُقَيَّدٌ بِالتَّفَرُّقِ وَهُوَ صَوْمُ الْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالتَّفَرُّقِ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لِأَنَّهُ مُضَافٌ إلَى وَقْتِ الرُّجُوعِ بِحَرْفِ إذَا، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {: وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ} فَأَمَّا الْحَدِيثُ فَقَدْ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ الرَّجُلَ قَالَ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أَوْ عَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِطَرِيقِ الْوَحْيِ أَنَّ عَلَيْهِ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً فَلِهَذَا امْتَحَنَهَا بِالْإِيمَانِ مَعَ أَنَّ فِي صِحَّةِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ كَلَامًا فَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَيْنَ اللَّهُ فَأَشَارَتْ إلَى السَّمَاءِ» وَلَا نَظُنُّ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ يَطْلُبُ مِنْ أَحَدٍ أَنْ يُثْبِتَ لِلَّهِ تَعَالَى جِهَةً وَلَا مَكَانًا،
-
وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي الْآيَةِ لِأَنَّ الْكُفْرَ خَبَثٌ مِنْ حَيْثُ الِاعْتِقَادِ، وَالْمَصْرُوفُ إلَى الْكَفَّارَةِ لَيْسَ هُوَ الِاعْتِقَادُ إنَّمَا الْمَصْرُوفُ إلَى الْكَفَّارَةِ الْمَالِيَّةُ وَمِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةِ هُوَ عَيْبٌ يَسِيرٌ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ.
-
(قَالَ) : وَيُجْزِئُ الْأَصَمُّ فِي جَمِيعِ الْكَفَّارَاتِ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ لَا يُجْزِئُ وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي النَّوَادِرِ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ السَّمْعِ مَقْصُودَةٌ، وَبِالصَّمَمِ يَفُوتُ ذَلِكَ؛ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ بِالصَّمَمِ لَا تَفُوتُ مَنْفَعَةُ السَّمْعِ أَصْلًا حَتَّى أَنَّهُ يَسْمَعُ إذَا صَاحَ إنْسَانٌ فِي أُذُنِهِ وَقِيلَ: الرِّوَايَةُ الَّتِي قَالَ لَا يَجُوزُ مَحْمُولٌ عَلَى صَمَمٍ أَصْلِيٍّ
-
وَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَعَهُ الْخَرَسُ فَإِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ الْكَلَامَ لِيَتَكَلَّمَ وَهَذَا لَا يُجْزِي، وَمُرَادُهُ مِنْ الرِّوَايَةِ الَّتِي قَالَ لَا يُجْزِي إذَا كَانَ الصَّمَمُ عَارِضًا فَلَا يَكُونُ مَعَهُ الْخَرَسُ وَيَسْمَعُ عِنْدَ الْمُبَالَغَةِ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ
-
(قَالَ) : وَيُجْزِي الْخَصِيُّ وَمَقْطُوعُ الْأُذُنَيْنِ وَمَقْطُوعُ الْمَذَاكِيرِ عِنْدَنَا،
-
وَلَا يُجْزِئُ عِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّهَا مُسْتَهْلَكَةٌ مِنْ وَجْهٍ بِفَوَاتِ مَنْفَعَةٍ مَقْصُودَةٍ مِنْ الْآدَمِيِّ، وَلَكِنَّا نَقُولُ بَعْدَ قَطْعِ الْأُذُنَيْنِ الشَّاخِصَتَيْنِ: السَّمْعُ بَاقٍ وَإِنَّمَا يَفُوتُ مَا هُوَ زِينَةٌ وَجَمَالٌ فَلَا تَصِيرُ الرَّقَبَةُ بِهِ مُسْتَهْلَكَةً كَفَوَاتِ شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ وَاللِّحْيَةِ، وَفِي الْخَصِيَّ وَمَقْطُوعِ الْمَذَاكِيرِ إنَّمَا تَفُوتُ مَنْفَعَةُ النَّسْلِ وَهُوَ زَائِدٌ عَلَى مَا هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ الْمَمَالِيكِ فَأَمَّا إذَا كَانَ مَقْطُوعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ لَا يُجْزِئُ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْمَشْيِ فَائِتَةٌ فَإِنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْمَشْيِ بِعَصَا،
-
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مِنْ كُلِّ يَدٍ ثَلَاثَةُ أَصَابِعَ مَقْطُوعَةً لَمْ يَجُزْ لِفَوَاتِ مَنْفَعَةِ الْبَطْشِ، وَقَطْعُ أَكْثَرِ الْأَصَابِعِ فِي هَذَا كَقَطْعِ جَمِيعِهَا،
-
وَإِنْ كَانَ الْمَقْطُوعُ مِنْ كُلِّ يَدٍ أُصْبُعًا أَوْ أُصْبُعَيْنِ سِوَى الْإِبْهَامِ يُجْزِي؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْبَطْشِ بَاقِيَةٌ،
-
وَإِنْ كَانَ مَقْطُوعَ الْإِبْهَامِ مِنْ كُلِّ يَدٍ فَمَنْفَعَةُ الْبَطْشِ فَائِتَةٌ، فَلِهَذَا لَا يُجْزِي،
-
وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْمَفْلُوجُ الْيَابِسُ الشِّقِّ لِفَوَاتِ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ مِنْهُ وَلَا يَجُوزُ عِتْقُ أُمِّ الْوَلَدِ فِي الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ الرَّقَبَةُ، وَذَلِكَ اسْمٌ لِلذَّاتِ حَقِيقَةً وَلِلذَّاتِ الْمَرْقُوقِ عُرْفًا، وَقَدْ دَلَّ عَلَى الرِّقِّ قَوْله تَعَالَى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} فَيَقْتَضِي قِيَامَ الرِّقِّ مُطْلَقًا، وَبِالِاسْتِيلَادِ يَتَمَكَّنُ النُّقْصَانُ فِي الرِّقِّ حَتَّى لَا يَعُودَ إلَى الْحَالَةِ الْأُولَى بِحَالٍ؛
-
وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} يَقْتَضِي إنْشَاءَ الْعِتْقِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَإِعْتَاقُ أُمِّ الْوَلَدِ تَعْجِيلٌ لِمَا صَارَ مُسْتَحَقًّا لَهَا مُؤَجَّلًا فَلَا يَكُونُ إنْشَاءً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَوَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ بِمَنْزِلَةِ أُمِّهِ، وَالْمُدَبَّرُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ بِالتَّدْبِيرِ صَارَ مُسْتَحِقًّا لَهُ وَلِهَذَا لَا يَحْتَمِلُ التَّدْبِيرُ الْفَسْخَ وَيَثْبُتُ بِهِ اسْتِحْقَاقُ الْوَلَاءِ.
-
(قَالَ) : وَلَا يُجْزِي إعْتَاقُ الْمُكَاتَبِ إذَا كَانَ أَدَّى شَيْئًا مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ بِعِوَضٍ وَالْكَفَّارَةُ بِهِ لَا تَتَأَدَّى قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بَشِّرْ أُمَّتِي بِالسَّنَاءِ وَالتَّمْكِينِ مَا لَمْ يَبْتَغُوا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ الدُّنْيَا» ، وَدَلِيلُ أَنَّ الْمَقْبُوضَ عِوَضٌ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَهُ زُيُوفًا رَدَّهُ وَاسْتَبْدَلَ بِالْجِيَادِ؛
-
وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - اخْتَلَفُوا فِي رِقِّهِ بَعْدَ أَدَائِهِ بَعْضَ الْبَدَلِ فَكَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ يُعْتَقُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى وَابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ إذَا أَدَّى قِيمَةَ نَفْسِهِ يُعْتَقُ، وَاخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي رِقِّهِ شُبْهَةٌ مَانِعَةٌ مِنْ جَوَازِ التَّكْفِيرِ بِهِ، وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّ رِقَّهُ لَمْ يُنْتَقَصْ بِمَا أَدَّى مِنْ الْبَدَلِ، وَلِهَذَا احْتَمَلَ عَقْدُ الْكِتَابَةِ الْفَسْخَ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ بَعْضِ الْبَدَلِ كَمَا احْتَمَلَ قَبْلَهُ فَأَمَّا إذَا أَعْتَقَهُ قَبْلَ أَنْ
-
يُؤَدِّيَ شَيْئًا جَازَ عَنْ الْكَفَّارَةِ عِنْدَنَا اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْعِتْقِ وَالْوَلَاءِ يَثْبُتُ بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ فَوْقَ مَا يَثْبُتُ بِالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ وَلِهَذَا يَصِيرُ أَحَقَّ بِمَكَاسِبِهِ، وَيُعْتَبَرُ الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ دُونَ مَالِيَّةِ الرَّقَبَةِ، وَيَمْتَنِعُ عَلَى الْمَوْلَى التَّصَرُّفَاتُ فِيهِ فَإِمَّا أَنْ يَقُولَ: يَتَمَكَّنُ بِهَذَا السَّبَبِ نُقْصَانٌ فِي رِقِّهِ، أَوْ يَكُونَ كَالزَّائِلِ عَنْ مِلْكِ الْمَوْلَى مِنْ وَجْهٍ حَتَّى لَوْ أَتْلَفَهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ.
-
وَلَوْ وَطِئَ مُكَاتَبَتَهُ يَغْرَمُ الْعُقْرَ، وَثُبُوتُ حُكْمِ الزَّوَالِ عَنْ مِلْكِهِ مِنْ وَجْهٍ يَكْفِي لِلْمَنْعِ مِنْ التَّكْفِيرِ وَلِأَنَّهُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى كَفَائِتِ الْمَنْفَعَةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ أَحَقَّ بِمَنَافِعِهِ وَمَكَاسِبِهِ، أَوْ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَمَّا صَارَ مُسْتَحَقًّا بِالْكِتَابَةِ فَإِذَا أَوْقَعَهُ وَقَعَ مِنْ الْوَجْهِ الْمُسْتَحَقِّ، وَلِهَذَا يَسْلَمُ لَهُ الْأَوْلَادُ وَالْأَكْسَابُ وَالْعِتْقُ عِنْدَ الْكِتَابَةِ لَا تَتَأَدَّى بِهِ الْكَفَّارَةُ مَعَ أَنَّ هَذَا مِنْ الْمَوْلَى إعْتَاقُ صُورَةٍ فَأَمَّا فِي الْمَعْنَى هُوَ إبْرَاءٌ عَنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، وَلِهَذَا يَسْقُطُ مَالُ الْكِتَابَةِ، وَيَسْلَمُ لَهُ الْأَوْلَادُ وَالْأَكْسَابُ، وَهُوَ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ الْوَارِثُ بَعْدَ مَوْتِهِ لَا يُجْزِي عَنْ كَفَّارَتِهِ بِالِاتِّفَاقِ.
-
(وَحُجَّتُنَا) فِي ذَلِكَ ظَاهِرُ الْآيَةِ فَفِيهَا أَمْرٌ بِتَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ، وَالتَّحْرِيرُ تَصْيِيرُ شَخْصٍ مَرْقُوقٍ حُرًّا وَقَدْ حَصَلَ. وَالرَّقَبَةُ اسْمٌ لِذَاتِ مَرْقُوقٍ عُرْفًا وَالْمُكَاتَبُ كَذَلِكَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» وَلَا يَتَمَكَّنُ النُّقْصَانُ فِي رِقِّهِ،
-
وَلَا يَصِيرُ الْعِتْقُ مُسْتَحَقًّا لَهُ بِسَبَبِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْعِتْقِ فِي الْكِتَابَةِ مُتَعَلِّقٌ بِشَرْطِ الْأَدَاءِ،
-
وَلَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِشَرْطٍ آخَرَ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ الِاسْتِحْقَاقُ فَكَذَلِكَ بِهَذَا الشَّرْطِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِسَائِرِ الشُّرُوطِ يَمْنَعُ الْفَسْخَ، وَبِهَذَا الشَّرْطِ لَا يُمْنَعُ،
-
وَلَوْ تَمَكَّنَ نُقْصَانٌ فِي رِقِّهِ لَمَا تُصُوِّرَ فَسْخُهُ وَإِعَادَتُهُ إلَى الْحَالَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ نُقْصَانَ الرِّقِّ بِثُبُوتِ الْحُرِّيَّةِ مِنْ وَجْهٍ وَكَمَا أَنَّ ثُبُوتَ الْحُرِّيَّةِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، فَكَذَلِكَ ثُبُوتُهُ مِنْ وَجْهٍ وَلِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْكِتَابَةِ انْفِكَاكُ الْحَجْرِ عَنْهُ فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ، وَبِذَلِكَ لَا يَتَمَكَّنُ النُّقْصَانُ فِي رِقِّهِ كَالْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ، إلَّا أَنَّ ذَلِكَ فَكٌّ بِغَيْرِ عِوَضٍ،
-
فَلَا يَكُونُ لَازِمًا فِي حَقِّ الْمَوْلَى، وَهَذَا فَكٌّ بِعِوَضٍ فَيَكُونُ لَازِمًا وَلَكِنْ، مَعَ هَذَا، الْمَنَافِعُ وَالْمَكَاسِبُ غَيْرُ الرَّقَبَةِ فَبِالتَّصَرُّفِ فِيهَا لَازِمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ لَازِمٍ لَا يَتَمَكَّنُ النُّقْصَانُ فِي الرِّقِّ، وَالْمِلْكُ كَالْإِعَارَةِ مَعَ الْإِجَارَةِ وَبِسَبَبِ اللُّزُومِ يَمْتَنِعُ عَلَى الْمَوْلَى التَّصَرُّفُ فِيهِ.
-
وَيَلْزَمُهُ ضَمَانُ الْعُقْرِ وَالْأَرْشِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْمَكَاسِبِ وَالْمَنَافِعِ؛ وَالْمَكَاسِبُ صَارَتْ مُسْتَحَقَّةٌ لَهُ وَلَكِنْ بِهَذَا الِاسْتِحْقَاقِ لَا تَصِيرُ الرَّقَبَةُ فِي حُكْمِ الْمُسْتَهْلَكِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْعِتْقَ لَا يَصِيرُ مُسْتَحَقًّا بِهَذَا السَّبَبِ ظَهَرَ أَنَّ إعْتَاقَ الْمَوْلَى إيَّاهُ يَكُونُ تَحْرِيرًا مُبْتَدَأً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَصِيرُ بِهِ مُمْتَثِلًا لِلْأَمْرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ بَدَلُ الْكِتَابَةِ وَلَوْ كَانَ هَذَا إعْتَاقًا بِجِهَةِ الْكِتَابَةِ
-
لَتَقَرَّرَ بِهِ الْبَدَلُ فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْمُعَوَّضِ يُوجِبُ تَقْرِيرَ الْبَدَلِ،
-
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إعْتَاقُهُ إبْرَاءً لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ بِالشَّرْطِ وَإِذَا أَعْتَقَ نِصْفَهُ يُعْتِقُ ذَلِكَ الْقَدْرَ، وَالْإِبْرَاءُ عَنْ نِصْفِ الْبَدَلِ لَا يُوجِبُ عِتْقَ شَيْءٍ مِنْهُ فَأَمَّا سَلَامَةُ الْأَكْسَابِ وَالْأَوْلَادِ فَلِأَنَّهُ عَتَقَ وَهُوَ مُكَاتَبٌ لَا لِأَنَّهُ عَتَقَ بِجِهَةِ الْكِتَابَةِ، كَمَا لَوْ كَاتَبَ أُمَّ وَلَدِهِ ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى عَتَقَتْ بِجِهَةِ الِاسْتِيلَاءِ، وَسَلَّمَ لَهَا الْأَوْلَادَ وَالْأَكْسَابَ وَهَذَا لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ وَاحِدٌ، وَالْإِعْتَاقُ مِنْ الْمَوْلَى تَخْتَلِفُ جِهَاتُهُ فَفِيمَا يَرْجِعُ إلَى حَقِّ الْمُكَاتَبِ جُعِلَ هَذَا ذَلِكَ الْعِتْقَ لِكَوْنِهِ مُتَّحِدًا وَفِي حَقِّ الْمَوْلَى يُجْعَلُ إعْتَاقًا بِجِهَةِ الْكَفَّارَةِ لِأَنَّهُ قَصَدَ ذَلِكَ، وَهُوَ كَالْمَرْأَةِ إذَا وُهِبَتْ الصَّدَاقُ مِنْ الزَّوْجِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ، وَتُجْعَلُ هِبَتُهَا فِي حَقِّ الزَّوْجِ تَحْصِيلًا لِمَقْصُودِ الزَّوْجِ عِنْدَ الطَّلَاقِ، وَفِي حَقِّهَا تُجْعَلُ تَمْلِيكًا بِهِبَةٍ مُبْتَدَأَةٍ.
-
(قَالَ) : فَإِنْ أَعْتَقَ عَنْ ظِهَارِهِ نَصِيبَهُ مِنْ عَبْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنْ ضَمِنَ نَصِيبَ شَرِيكِهِ فَأَعْتَقَ مَا بَقِيَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ عِنْدَهُ يَتَجَزَّأُ فَإِنَّمَا عَتَقَ نَصِيبَهُ فِي الِابْتِدَاءِ، وَنِصْفُ الرَّقَبَةِ لَيْسَ بِرَقَبَةٍ،
-
ثُمَّ يَتَمَكَّنُ النُّقْصَانُ فِي حَقِّ النِّصْفِ الْآخَرِ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ اسْتِدَامَةُ الرِّقِّ فِيهِ، وَهَذَا النُّقْصَانُ فِي مِلْكِ الشَّرِيكِ غَيْرُ مُجْزٍ عَنْ الْكَفَّارَةِ، وَبِالضَّمَانِ إنَّمَا يَمْلِكُ مَا بَقِيَ مِنْهُ فَإِذَا أَعْتَقَهُ كَانَ هَذَا فِي الْمَعْنَى إعْتَاقُ عَبْدٍ إلَّا شَيْئًا وَعِنْدَ الضَّمَانِ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ السِّعَايَةَ فِيمَا ضَمِنَ لِشَرِيكِهِ، فَإِعْتَاقُهُ يَكُونُ إبْرَاءً عَنْ تِلْكَ السِّعَايَةِ فَلَا تَتَأَدَّى بِهِ الْكَفَّارَةُ،
-
فَأَمَّا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - الْعِتْقُ لَا يَتَجَزَّأُ فَإِنْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ عَتَقَ كُلُّهُ إلَّا أَنَّ الْمُعْتِقَ إنْ كَانَ مُوسِرًا فَهُوَ ضَامِنٌ لِنَصِيبِ شَرِيكِهِ،
-
وَلَا سِعَايَةَ عَلَى الْعَبْدِ فَكَانَ هَذَا إعْتَاقًا بِغَيْرِ عِوَضٍ فَيُجْزِي عَنْ الْكَفَّارَةِ،
-
وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَعَلَى الْعَبْدِ السِّعَايَةُ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ فَيَكُونُ هَذَا عِتْقًا بِعِوَضٍ فَلَا تَتَأَدَّى بِهِ الْكَفَّارَةُ فَأَمَّا إذَا كَانَ الْعَبْدُ كُلُّهُ لَهُ فَأَعْتَقَ نِصْفَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ عِنْدَهُمَا يُعْتَقُ كُلُّهُ بِغَيْرِ سِعَايَةٍ وَيَجُوزُ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُعْتَقُ نِصْفُهُ وَلَا يَجُوزُ عَنْ كَفَّارَتِهِ فَإِنْ أَعْتَقَ النِّصْفَ الْبَاقِي بَعْدَ ذَلِكَ بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ فِي الْقِيَاسِ لَا يُجْزِيهِ؛
-
لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ بِإِعْتَاقِ النِّصْفِ يَتَمَكَّنُ النُّقْصَانُ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ كَمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُجْزِي؛ لِأَنَّ هَذَا النُّقْصَانَ بِسَبَبِ الْعِتْقِ عَنْ الْكَفَّارَةِ فَلَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الرَّقَبَةَ كُلَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُ هُنَا، فَالنُّقْصَانُ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ إنَّمَا يَحْصُلُ فِي مِلْكِهِ فَيُمْكِنُ تَحْرِيرُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ إذَا أَكْمَلَهُ، وَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى أَعْتَقَ النِّصْفَ وَزِيَادَةً ثُمَّ أَعْتَقَ مَا بَقِيَ بِخِلَافِ الْمُشْتَرَكِ، وَهَذَا
-
نَظِيرُ الِاسْتِحْسَانِ فِيمَنْ أَضْجَعَ أُضْحِيَّتَهُ لِيَذْبَحَهَا فَأَصَابَتْ السِّكِّينُ عَيْنَ الشَّاةِ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ التَّضْحِيَةِ بِهَا اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ حُصُولَ هَذَا الْعَيْبِ بِسَبَبِ فِعْلِ التَّضْحِيَةِ.
-
(قَالَ) : وَلَا يُجْزِيهِ الْعِتْقُ بِمَا فِي الْبَطْنِ عَنْ الْكَفَّارَةِ،
-
وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّ الْجَنِينَ بِمَنْزِلَةِ جُزْءٍ مِنْ الْأُمِّ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ فَلَا يَكُونُ رَقَبَةً مُطْلَقَةً؛ لِأَنَّ الرَّقَبَةَ الْمُطْلَقَةَ مَا يَكُونُ نَفْسًا عَلَى حِدَةٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ خُصُوصًا فِي حُكْمِ الْعِتْقِ، وَالْجَنِينُ بِمَنْزِلَةِ الْجُزْءِ حَتَّى يَعْتِقَ بِعِتْقِهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ كَيَدِهَا وَرِجْلِهَا.
-
(قَالَ) : وَإِنْ اشْتَرَى أَبَاهُ يَنْوِي بِهِ الْعِتْقَ عَنْ ظِهَارِهِ أَجْزَأَهُ اسْتِحْسَانًا فِي قَوْلِ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يُجْزِئُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلِ وَزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ التَّحْرِيرُ، وَالشِّرَاءُ غَيْرُ التَّحْرِيرِ؛
-
لِأَنَّ الشِّرَاءَ اسْتِجْلَابٌ لِلْمِلْكِ، وَالْعِتْقَ إبْطَالٌ لَهُ، فَكَانَتْ الْمُغَايِرَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبِيلِ الْمُضَادَّةِ، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ صَارَ مُسْتَحَقًّا لَهُ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ فَلَا تَتَأَدَّى بِهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِ الْغَيْرِ إنْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ،
-
ثُمَّ اشْتَرَاهُ يَنْوِي بِهِ الْكَفَّارَةَ، وَهَذَا لِأَنَّ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ إنَّمَا يَعْتِقُ بِالسَّبَبِ الَّذِي حَصَلَ الِاسْتِحْقَاقُ بِهِ، وَهُوَ الْقَرَابَةُ،
-
وَلَا يُتَصَوَّرُ اقْتِرَانُ نِيَّةِ الْكَفَّارَةِ بِذَلِكَ السَّبَبِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالْقَرَابَةِ أَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْعَبْدِ إذَا ادَّعَى سَبَبَهُ يَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ: تَوْضِيحُهُ أَنَّ أُمَّ هَذَا الْوَلَدِ اسْتَحَقَّتْ حَقَّ الْعِتْقِ عِنْدَ دُخُولِهَا فِي مِلْكِهِ وَذَلِكَ مَانِعُ إعْتَاقِهَا عَنْ الْكَفَّارَةِ حَتَّى لَوْ قَالَ لَهَا: إذَا اشْتَرَيْتُك فَأَنْتِ حُرَّةٌ عَنْ ظِهَارِي لَا يُجْزِئُهُ عَنْ الظِّهَارِ.
-
فَالِابْنُ الَّذِي اسْتَحَقَّ حَقِيقَةَ الْعِتْقِ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ، أَوْ الْأَبُ أَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزُ إعْتَاقُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْعِتْقَ مُجَازَاةٌ لِلْأُبُوَّةِ وَمُجَازَاةُ الْأُبُوَّةِ فَرْضٌ فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ وَاجِبٌ آخَرُ وَصَرْفُ مَنْفَعَةِ الْكَفَّارَةِ إلَى أَبِيهِ لَا يَجُوزُ كَالطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ.
-
(وَحُجَّتُنَا) فِي ذَلِكَ ظَاهِرُ الْآيَةِ فَفِيهَا الْأَمْرُ بِالتَّحْرِيرِ وَهُوَ تَصْيِيرُ شَخْصٍ مَرْقُوقٍ حُرًّا كَالتَّسْوِيدِ تَصْيِيرُ الْمَحَلِّ أَسْوَدَ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ، وَهَذَا لِأَنَّ شِرَاءَ الْقَرِيبِ إعْتَاقٌ قَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَنْ يُجْزِيَ وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» أَيْ بِالشِّرَاءِ كَمَا يُقَالُ: أَطْعَمَهُ فَأَشْبَعَهُ، وَسَمَّاهُ بِالشِّرَاءِ مَجَازِيًّا، وَإِنَّمَا يَكُونُ مَجَازِيًّا بِالْإِعْتَاقِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى نِصْفَ قَرِيبِهِ يَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا، وَالضَّمَانُ الَّذِي يَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ إعْتَاقٍ، وَهَذَا لِأَنَّهُ بِالشِّرَاءِ يَصِيرُ مُتَمَلِّكًا، وَالْمِلْكُ فِي الْقَرِيبِ إكْمَالٌ لِعِلَّةِ الْعِتْقِ فَإِذَا صَارَ مُضَافًا إلَى الشِّرَاءِ يَكُونُ بِهِ مُعْتَقًا؛
-
لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْحُكْمِ بِوَاسِطَةٍ كَالْمُوجِبِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ
-
فِي كَوْنِ الْحُكْمِ مُضَافًا إلَيْهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى إثْبَاتِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، أَنَّ عِتْقَ الْقَرِيبِ يَثْبُتُ بِالْقَرَابَةِ وَالْمِلْكِ جَمِيعًا قَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ فَهُوَ حُرٌّ» وَهَذَا لِأَنَّ الْعِتْقَ صِلَةٌ، وَلِلْمِلْكِ تَأْثِيرٌ فِي اسْتِحْقَاقِ الصِّلَةِ شَرْعًا حَتَّى تَجِبَ الزَّكَاةُ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ صِلَةً لِلْفُقَرَاءِ، كَمَا أَنَّ لِلْقَرَابَةِ تَأْثِيرًا فِي اسْتِحْقَاقِ الصِّلَةِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَصْفَيْنِ لِكَوْنِهِ مُؤَثِّرًا عِلَّةٌ،
-
وَمَتَى تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِعِلَّةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ، فَالْحُكْمُ لِآخِرِهِمَا وُجُودًا لِأَنَّهُ تَمَامُ الْعِلَّةِ بِهِ وَآخِرُ الْوَصْفَيْنِ هُنَا الْمِلْكُ فَيَكُونُ بِهِ مُعْتَقًا وَلِهَذَا لَوْ ادَّعَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَسَبَ نَصِيبِهِ يَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ آخِرَ الْوَصْفَيْنِ وُجُودًا الْقَرَابَةُ هُنَا فَيَصِيرُ بِهِ مُعْتِقًا وَهُوَ كَالشَّهَادَةِ عَلَى النَّسَبِ بَعْدَ الْمَوْتِ يُوجِبُ ضَمَانَ الْمِيرَاثِ عِنْدَ الرُّجُوعِ؛
-
لِأَنَّ آخِرَ الْوَصْفَيْنِ مَا أَثْبَتَهُ الشُّهُودُ،
-
وَلَا يَدْخُلُ عَلَى هَذَا شَهَادَةُ الشَّاهِدِ الثَّانِي فَإِنَّهُ لَا يُحَالُ بِالْإِتْلَافِ عَلَيْهَا،
-
وَإِنْ تَمَّتْ الْحُجَّةُ بِهَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُوجِبُ شَيْئًا بِدُونِ الْقَضَاءِ، وَالْقَضَاءُ يَكُونُ بِهِمَا مَعًا.
-
وَبِهَذَا تَبَيَّنَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ: أَنَّ الْعِتْقَ مُسْتَحَقٌّ بِالْقَرَابَةِ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ لَا يَثْبُتُ قَبْلَ كَمَالِ الْعِلَّةِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الشِّرَاءِ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ الْمَحْلُولِ بِعِتْقِهِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ هُنَا شَرْطٌ لَا أَثَرَ لَهُ فِي اسْتِحْقَاقِ ذَلِكَ الْعِتْقِ فَيَكُونُ مُعْتَقًا بِيَمِينِهِ، وَلَمْ تَقْتَرِنْ نِيَّةُ الْكَفَّارَةِ بِهَا حَتَّى لَوْ اقْتَرَنَتْ جَازَ قَوْلُهُمْ: إنَّ الْعِتْقَ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ فَرْضٌ، قُلْنَا: إنَّمَا يَقَعُ الْعِتْقُ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ، وَيَكُونُ مُجَازَاةً لَهُ إذَا قَصَدَ ذَلِكَ،
-
فَأَمَّا إذَا قَصَدَ بِهِ الْكَفَّارَةَ كَانَ هَذَا فِي حَقِّهِ إعْتَاقًا عَنْ الْكَفَّارَةِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ فُرِضَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ أَخِيهِ فَصَرَفَ إلَيْهِ زَكَاةَ مَالِهِ جَازَ،
-
ثُمَّ تَسْقُطُ بِهِ النَّفَقَةُ حُكْمًا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهَذَا الْفِقْهُ الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابَةِ أَنَّ فِي حَقِّ الْمُعْتَقِ الْعِتْقُ وَاحِدٌ، فَيَحْصُلُ مَقْصُودُهُ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ نَوَاهُ الْمُعْتِقُ، وَلَكِنْ فِي حَقِّ الْمُعْتَقِ تَكْثُرُ جِهَاتُهُ، فَيَكُونُ عَمَّا نَوَى لِيَصِحَّ قَصْدُهُ، وَلَيْسَ هَذَا نَظِيرُ أُمِّ الْوَلَدِ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْعِتْقِ لَهَا بِالِاسْتِيلَادِ كَمَا قَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» ، فَيَكُونُ الْمِلْكُ فِيهَا شَرْطًا لِلْعِتْقِ لَا إكْمَالًا لِلْعِلَّةِ،
-
وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِمْ: إنَّ هَذَا صَرْفُ مَنْفَعَةِ الْكَفَّارَةِ إلَى أَبِيهِ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ صَرْفُ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ إلَى عَبْدِهِ جَازَ صَرْفُهَا إلَى أَبِيهِ
-
بِخِلَافِ الْإِطْعَامِ، وَالْكِسْوَةِ فَصَرْفُهُ إلَى عَبْدِهِ لَا يَجُوزُ فَإِلَى أَبِيهِ أَوْلَى،
-
وَكَذَلِكَ إنْ وَهَبَ لَهُ أَبُوهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ وَهُوَ يَنْوِي عَنْ كَفَّارَتِهِ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي بَيَّنَّا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ يَحْصُلُ بِصُنْعِهِ، وَهُوَ الْقَبُولُ فَأَمَّا إذَا وَرِثَ أَبَاهُ يَنْوِي بِهِ الْكَفَّارَةَ لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ، وَبِدُونِ الصُّنْعِ لَا يَكُونُ مُحَرِّرًا، وَالتَّكْفِيرُ إنَّمَا يَتَأَدَّى بِالتَّحْرِيرِ، وَلِهَذَا لَا يَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ
-
إذَا وَرِثَ نِصْفَ قَرِيبِهِ وَإِذَا قَالَ فُلَانٌ حُرٌّ يَوْمَ أَشْتَرِيهِ،
-
ثُمَّ اشْتَرَاهُ وَنَوَى عَنْ ظِهَارِهِ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْتِقُ عِنْدَ الشِّرَاءِ بِقَوْلِهِ حُرٌّ، وَلَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ نِيَّةُ الْكَفَّارَةِ،
-
وَإِنْ كَانَ عَنَى بِقَوْلِهِ هُوَ حُرٌّ يَوْمَ أَشْتَرِيهِ عَنْ ظِهَارِي أَجْزَأَهُ لِاقْتِرَانِ نِيَّةِ الْكَفَّارَةِ بِالْإِعْتَاقِ.
-
(قَالَ) : وَإِنْ قَالَ إذَا اشْتَرَيْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ ثُمَّ قَالَ إذَا اشْتَرَيْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي فَاشْتَرَاهُ لَا يُجْزِي عَنْ الظِّهَارِ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ الْأَوَّلَ قَدْ صَحَّ عَلَى وَجْهٍ لَا يَمْلِكُ إبْطَالَهُ،
-
وَلَا تَغْيِيرَهُ فَإِنَّمَا يُحَالُ بِالْعِتْقِ عِنْدَ الشِّرَاءِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ تَرَجَّحَ بِالسَّبْقِ، وَلَمْ تَقْتَرِنْ بِهِ نِيَّةُ الْكَفَّارَةِ.
-
(قَالَ) : وَلَا يُجْزِي أَنْ يُعْتِقَ عَنْ ظِهَارٍ وَاحِدٍ نِصْفَ رَقَبَةٍ، وَيَصُومَ شَهْرًا أَوْ يُطْعِمَ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا لِأَنَّ نِصْفَ الرَّقَبَةِ لَيْسَ بِرَقَبَةٍ، وَإِكْمَالُ الْأَصْلِ بِالْبَدَلِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَإِنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فَكَيْفَ يَتَحَقَّقُ إكْمَالُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ؟.
-
(فَإِنْ قِيلَ) إنْ أَعْتَقَ نِصْفَ رَقَبَتَيْنِ بِأَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ عَبْدَانِ، (قُلْنَا) : لَا يَجُوزُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ نِصْفَ الرَّقَبَتَيْنِ لَيْسَ بِرَقَبَةٍ، وَالشَّرِكَةُ فِي كُلِّ رَقَبَةٍ تَمْنَعُ التَّكْفِيرَ بِهَا
-
بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ، فَإِنَّ رَجُلَيْنِ لَوْ ذَبَحَا شَاتَيْنِ بَيْنَهُمَا عَنْ أُضْحِيَّتِهِمَا جَازَ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ لَا تَمْنَعُ التَّضْحِيَةَ كَمَا فِي الْبَدَنَةِ
-
(قَالَ) : وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا عَنْ ظِهَارَيْنِ فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَيُجَامِعَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ،
-
وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ، وَالْإِطْعَامُ، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ لِانْعِدَامِ نِيَّةِ التَّعْيِينِ وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ مُعْتِقًا عَنْ كُلِّ ظِهَارٍ نِصْفَ رَقَبَةٍ إذْ لَيْسَ إحْدَاهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى فَهُوَ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ رَقَبَةً عَنْ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَالظِّهَارِ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ نِيَّةَ التَّعْيِينِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لَغْوٌ غَيْرُ مُفِيدٍ،
-
فَلَا تُعْتَبَرُ بِخِلَافِ الْجِنْسَيْنِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ أَيَّامٍ مِنْ رَمَضَانَ فَنَوَى صَوْمَ الْقَضَاءِ جَازَ،
-
وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ صَوْمَ يَوْمِ الْخَمِيسِ، أَوْ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ وَاحِدٌ
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُ الْقَضَاءِ، وَالنَّذْرِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّعْيِينِ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ.
-
(قَالَ) : وَلَوْ أَعْتَقَ رَجُلٌ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْره لَمْ يُجْزِهِ عَنْ ظِهَارِهِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتِقَ عَنْ الْمُعْتِقِ، وَنِيَّتُهُ مِنْ غَيْرِهِ لَغْوٌ؛ لِأَنَّهُ يَعْقُبُ الْوَلَاءَ؛ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُلْزِمَ غَيْرَهُ وَلَاءً بِغَيْرِ أَمْرِهِ؛
-
فَإِنْ كَانَ بِأَمْرِهِ فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ بِجُعْلٍ أَوْ بِغَيْرِ جُعْلٍ،
-
فَإِنْ كَانَ بِجُعْلٍ بِأَنْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنْ ظِهَارِي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَعْتَقَهُ جَازَ عَنْ ظِهَارِهِ اسْتِحْسَانًا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَوَجَبَ الْمَالُ عَلَيْهِ، وَفِي الْقِيَاسِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَعْتِقُ عَنْ الْمُعْتِقِ، وَالْوَلَاءُ لَهُ،
-
وَلَا يُجْزِئُ عَنْ ظِهَارِ الْآمِرِ،
-
وَلَا مَالَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْتَمَسَ مِنْهُ مُحَالًا، وَهُوَ أَنْ يَعْتِقَ مِلْكَ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِهِ،
-
وَلَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ فَكَانَ إعْتَاقُ زَيْدٍ مِلْكَهُ عَنْ عَمْرِو مُحَالًا،
-
وَلَا يَجُوزُ إضْمَارُ التَّمْلِيكِ هُنَا؛ لِأَنَّ الْإِضْمَارَ لِتَصْحِيحِ الْمُصَرَّحِ بِهِ لَا لِإِبْطَالِهِ
-
وَإِذَا أَضْمَرْنَا التَّمْلِيكَ صَارَ مُعْتِقًا عَنْ الْآمِرِ لَا مِلْكَ نَفْسِهِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا صَرَّحَ بِهِ وَلَكِنَّا نَقُولُ: مَعْنَى كَلَامِهِ مَلِّكْنِي عَبْدَكَ هَذَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ،
-
ثُمَّ كُنْ وَكِيلِي فِي إعْتَاقِهِ عَنْ ظِهَارِي؛ لِأَنَّهُ الْتَمَسَ مِنْهُ إعْتَاقَهُ عَنْ ظِهَارِهِ،
-
وَلَا وَجْهَ لِتَصْحِيحِ الْتِمَاسِهِ إلَّا بِهَذَا الْإِضْمَارِ، وَتَصْحِيحُ كَلَامِ الْعَاقِلِ وَاجِبٌ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فَإِذَا أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ يُصَحَّحُ لِمَعْنًى، وَهُوَ أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَحَلِّ شَرْطُ الْعِتْقِ، وَشَرْطُ الشَّيْءِ تَبَعُهُ فَيَصِيرُ كَالْمَذْكُورِ بِذِكْرِ أَصْلِهِ، كَمَنْ نَذَرَ صَلَاةً تَلْزَمُهُ الطَّهَارَةُ.
-
وَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ، وَيَصِيرُ ذَلِكَ كَالْمَذْكُورِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ بِعْت مِنْك هَذَا الْعَبْدَ بِكَذَا فَقَالَ الْمُشْتَرِي: هُوَ حُرٌّ يَعْتِقُ مِنْ جِهَتِهِ، وَيَصِيرُ الْقَبُولُ وَالتَّمْلِيكُ ثَابِتًا بِمُقْتَضَى كَلَامِهِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ عَبْدُكَ: يَعْنِي الْعَبْدَ الَّذِي هُوَ مِلْكٌ لَك لِلْحَالِ لَا عِنْدَ مُصَادَفَةِ الْعِتْقِ إيَّاهُ، فَمَقْصُودُهُ مِنْ هَذَا تَعْرِيفُ الْعَبْدِ لَا إضَافَتُهُ إلَيْهِ، وَالْخِلَافُ ثَابِتٌ فِيمَا لَوْ قَالَ أَعْتِقْ هَذَا الْعَبْدَ عَنِّي.
-
وَأَمَّا إذَا كَانَ بِغَيْرِ جُعْلٍ بِأَنْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنْ ظِهَارِي بِغَيْرِ شَيْءٍ فَأَعْتَقَهُ الْمَأْمُورُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - الْوَلَاءُ لِلْمَأْمُورِ،
-
وَلَا يُجْزِئُ عَنْ ظِهَارِ الْآمِرِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - الْوَلَاءُ لِلْآمِرِ، وَيُجْزِئُ عَنْ ظِهَارِهِ بِاعْتِبَارِ إضْمَارِ التَّمْلِيكِ كَمَا فِي الْأَوَّلِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ سَوَاءٌ حَصَلَ لَهُ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ يَجُوزُ عَنْ كَفَّارَتِهِ إذَا أَعْتَقَهُ،
-
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْمِلْكُ بِطَرِيقِ الْهِبَةِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِي بَابِ الْهِبَةِ كَالْقَبُولِ فِي الْبَيْعِ فَكَمَا سَقَطَ اعْتِبَارُ الْقَبُولِ هُنَاكَ لِكَوْنِ الْبَيْعِ فِي ضِمْنِ الْعِتْقِ، فَكَذَلِكَ يَسْقُطُ اعْتِبَارُ الْقَبْضِ هُنَا، أَوْ يَجْعَلُ الْقَبْضَ مُدْرَجًا فِي كَلَامِهِ حُكْمًا كَمَا يَنْدَرِجُ الْقَبُولُ فِي كَلَامِهِ، أَوْ يَجْعَلُ الْعَبْدَ قَابِضًا نَفْسَهُ مِنْ الْمَوْلَى لَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ أَطْعِمْ عَنْ ظِهَارِي سِتِّينَ مِسْكِينًا يَجُوزُ بِغَيْرِ بَدَلٍ عَلَى أَنْ يَقْبِضَ الْفَقِيرُ لَهُ ثُمَّ لِنَفْسِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَعْتِقْهُ عَنِّي بِأَلْفٍ وَرِطْلٍ مِنْ خَمْرٍ فَأَعْتَقَهُ جَازَ عَنْ الْآمِرِ، وَيَنْدَرِجُ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ هُنَا، وَالْمِلْكُ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْقَبْضِ كَمَا فِي الْهِبَةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولَانِ: مُسْتَوْهِبٌ أَمَرَ بِالْعِتْقِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَا يُجْزِي عَنْهُ، كَمَا لَوْ اسْتَوْهَبَهُ الْعَبْدُ نَصًّا ثُمَّ قَالَ قَبْلَ قَبْضِهِ: أَعْتِقْهُ، وَهَذَا؛
-
لِأَنَّ الْقَبْضَ فِي بَابِ الْهِبَةِ شَرْطٌ لِوُقُوعِ الْمِلْكِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ إسْقَاطُهُ بِحَالٍ،
-
فَلَا يَسْقُطُ بِالِانْدِرَاجِ فِي الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْمُسْقِطُ إنَّمَا يَعْمَلُ فِي مَحَلِّهِ، لَا فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ
-
بِخِلَافِ الْقَبُولِ فِي الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ حَتَّى لَوْ قَالَ: بِعْت مِنْك هَذَا الثَّوْبِ بِعَشْرَةٍ فَاقْطَعْهُ فَقَطَعَهُ صَارَ مُتَمَلِّكًا،
-
وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ، وَهَذَا لِأَنَّ الْإِيجَابَ مَعَ الْقَبُولِ قَدْ يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ فِي الْبَيْعِ
-
وَهُوَ عِنْدَ التَّعَاطِي فَمُجَرَّدُ الْقَبُولُ أَوْلَى أَنْ يَحْتَمِلَ السُّقُوطَ، وَبِهِ فَارَقَ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ فِي الْحُكْمِ مُلْحَقٌ بِالْجَائِزِ، وَالْقَبْضُ هُنَاكَ نَظِيرُ الْقَبُولِ هُنَا فِي أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْإِسْقَاطَ،
-
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْقَبْضَ مُدْرَجًا فِي كَلَامِهِ هُنَا؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِعْلٌ - وَالْقَوْلُ لَا يَتَضَمَّنُ الْفِعْلَ - إنَّمَا يَتَضَمَّنُ قَوْلَهُ مِثْلَهُ.
-
وَالْقَبُولُ قَوْلٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يَنْدَرِجَ فِي كَلَامِهِ،
-
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْعَبْدَ قَابِضًا نَفْسَهُ هُنَا؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ إبْطَالٌ لِلْمِلْكِ وَالْمَالِيَّةِ، وَالْعَبْدُ إنَّمَا يَقْبِضُ مَا يَسْلَمُ لَهُ دُونَ مَا لَا يَسْلَمُ لَهُ، وَبِهِ فَارَقَ الطَّعَامَ،
-
فَإِنَّ الْمِسْكِينَ يَقْبِضُ عَيْنَ الطَّعَامِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ قَابِضًا لِلْآمِرِ أَوَّلًا ثُمَّ لِنَفْسِهِ، وَلَكِنَّ الْعَبْدَ يَنْتَفِعُ بِهَذَا الْإِعْتَاقِ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَنْدَرِجُ فِيهِ أَدْنَى الْقَبْضِ، وَلَكِنَّ أَدْنَى الْقَبْضِ يَكْفِي فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ،
-
وَلَا يَكْفِي فِي الْهِبَةِ كَالْقَبْضِ مَعَ الشُّيُوعِ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، وَمَعَ الِاتِّصَالِ فِي الثِّمَارِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْجَارِ يَكْفِي لِوُقُوعِ الْمِلْكِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ دُونَ الْهِبَةِ. وَبِهَذَا يَتَّضِحُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْفُصُولِ.
-
(قَالَ) : وَلَوْ أَعْتَقَ الْمُظَاهِرُ عَبْدَهُ عَلَى جُعْلٍ لَمْ يَجُزْ قَلَّ الْجُعْلُ أَوْ كَثُرَ؛ لِأَنَّ التَّكْفِيرَ بِمَا يَخْلُصُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَعَمَلُهُ فِي الْعِتْقِ بِجُعْلٍ لَا يَكُونُ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ الْعِوَضَ، وَلِهَذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يُؤْثَرُ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ فَمَنْ عَمِلَ لِي عَمَلًا، وَأَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَهُوَ كُلُّهُ لِذَلِكَ الشَّرِيكِ، وَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ.»
-
وَإِنْ وَهَبَ لَهُ الْجُعْلَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا إبْرَاءٌ عَنْ الدَّيْنِ،
-
وَلَا مَدْخَلَ لِلْإِبْرَاءِ عَنْ الدَّيْنِ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
-
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (وَبِهِ نَسْتَعِينُ وَعَلَيْهِ نَتَوَكَّلُ،
-
وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ) .
-
(قَالَ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ، وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: اعْلَمْ بِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لُغَةً هُوَ إحْدَاثُ الْقُوَّةِ يُقَالُ: عَتَقَ الْفَرْخُ إذَا قَوِيَ فَطَارَ عَنْ، وَكْرِهِ. وَفِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ إحْدَاثِ الْمَالِكِيَّةِ وَالِاسْتِبْدَادِ لِلْآدَمِيِّ،
-
وَمِنْ ضَرُورَتِهِ، انْتِفَاءُ صِفَةِ الْمَمْلُوكِيَّةِ، وَالرِّقِّ
-
وَلِهَذَا يَتَعَقَّبُهُ الْوَلَاءُ الَّذِي هُوَ كَالنَّسَبِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ سَبَبٌ لِإِيجَادِ، وَلَدِهِ فَيَكُونُ الْوَلَدُ مَنْسُوبًا إلَيْهِ. وَالْعِتْقُ مُسَبِّبٌ لِإِحْدَاثِ صِفَةِ الْمَالِكِيَّةِ الَّتِي اخْتَصَّ الْآدَمِيُّ بِهَا فَصَارَ الْمُعْتَقُ مَنْسُوبًا إلَيْهِ بِالْوَلَاءِ، وَلِهَذَا نَدَبَ الشَّرْعُ إلَيْهِ بَيَانَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَيُّمَا مُسْلِمٍ أَعْتَقَ مُؤْمِنًا أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْ النَّارِ» ، وَلِهَذَا اسْتَحَبُّوا لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْتِقَ الْعَبْدَ، وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَعْتِقَ الْأَمَةَ لِيَتَحَقَّقَ مُقَابَلَةُ الْأَعْضَاءِ بِالْأَعْضَاءِ وَالتَّحْرِيرُ لُغَةً التَّخْلِيصُ يُقَالُ: طِينٌ حُرٌّ - أَيْ خَالِصٌ عَمَّا يَشُوبُهُ - وَأَرْضٌ حُرَّةٌ - أَيْ خَالِصَةٌ - لَا خَرَاجَ عَلَيْهَا،
-
وَلَا عُشْرَ، وَفِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ جَعْلِ الرَّقَبَةِ خَالِصَةً لِلَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنِّي نَذَرْت لَك مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} وَلِهَذَا شُرِعَ التَّحْرِيرُ فِي التَّكْفِيرِ لِأَجْلِ التَّطْهِيرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} ، وَلِهَذَا نَدَبَ الشَّرْعُ إلَى فَكِّ الرَّقَبَةِ بِقَوْلِهِ: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ} {فَكُّ رَقَبَةٍ} ، وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: لَئِنْ أَوْجَزْت الْخُطْبَةَ فَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ، فَكُّ الرَّقَبَةِ وَعِتْقُ النَّسَمَةِ. قَالَ: أَوْ لَيْسَا وَاحِدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: لَا عِتْقُ النَّسَمَةِ أَنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِهَا، وَفَكُّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا» .
-
«وَسَأَلَ أَبُو ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَفْضَلِ الرِّقَابِ فَقَالَ أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا» فَهَذِهِ الْآثَارُ تُبَيِّنُ أَنَّ الْإِعْتَاقَ مِنْ بَابِ الْبِرِّ، وَالْإِرْفَاقِ،
-
وَأَنَّ أَفْضَلَ الرِّقَابِ أَعَزُّهَا عِنْدَ صَاحِبِهَا ثُمَّ
-
بَدَأَ الْكِتَابَ بِحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ لَعِبِ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَيْهِ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ {، وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} » ، وَقَالَ عَمْرٌو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَنْ تَكَلَّمَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ أَوْ نِكَاحٍ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَيْهِ أَيْ نَافِذٌ لَازِمٌ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْهَزْلَ بِهَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ جَدٌّ كَمَا قَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ثَلَاثُ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ» وَالْهَزْلُ، وَاللَّعِبُ سَوَاءٌ، فَإِنَّهُ اسْمٌ لِكَلَامٍ يَكُونُ عَلَى نَهْجِ كَلَامِ الصِّبْيَانِ لَا يُرَادُ بِهِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَنُفُوذُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ بِوُجُودِ التَّكَلُّمِ بِهَا مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا،
-
وَلَا مُعْتَبَرَ بِقَصْدِهِ إلَى حُكْمِهَا؛ لِأَنَّ بِانْعِدَامِ الْقَصْدِ إلَى الْحُكْمِ يَنْعَدِمُ الرِّضَا بِالْحُكْمِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ لُزُومَ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ لَوْ قُرِنَ بِهَا شَرْطُ الْخِيَارِ.
-
وَالْمُرَادُ بِالْآيَاتِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} الْأَحْكَامُ، وَالْهُزْءُ اللَّعِبُ فَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّهُ لَا لَعِبَ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ،
-
وَذُكِرَ فِي الْأَصْلِ عَنْ الْحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِعَبْدٍ فَسَاوَمَ بِهِ، وَلَمْ يَشْتَرِهِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَاشْتَرَاهُ فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ أَخُوك، وَمَوْلَاك فَإِنْ شَكَرَك فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَشَرٌّ لَك، وَإِنْ كَفَرَك فَهُوَ شَرٌّ لَهُ، وَخَيْرٌ لَك، وَإِنْ مَاتَ، وَلَمْ يَتْرُكْ، وَارِثًا كُنْت أَنْتَ عَصَبَتَهُ» ، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْمُسَاوَمَةِ لِمَنْ لَا يُرِيدُ الشِّرَاءَ
-
بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ هَذَا اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُفِيدُ.
-
فَإِنَّ فِيهِ فَائِدَةً، وَهُوَ تَرْغِيبُ الْغَيْرِ فِي شِرَائِهِ، وَالرَّجُلُ تَفَرَّسَ فِيهِ خَيْرًا حِينَ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاوَمَ بِهِ فَلِهَذَا اشْتَرَاهُ، وَأَعْتَقَهُ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ أَخُوك أَيْ فِي الدِّينِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
-
{فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ يَثْبُتُ بِالْعِتْقِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْمُعْتِقُ
-
بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ، وَقَوْلُهُ فَإِنْ شَكَرَك أَيْ بِالْمُجَازَاةِ عَلَى مَا صَنَعْت إلَيْهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ انْتَدَبَ إلَى مَا نُدِبَ إلَيْهِ فِي الشَّرْعِ قَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ أَزَلْت إلَيْهِ نِعْمَةً فَلِيَشْكُرْهَا، وَشَرٌّ لَك؛ لِأَنَّهُ يَصِلُ إلَيْك بَعْضُ الْجَزَاءِ فِي الدُّنْيَا فَيُنْتَقَصُ بِقَدْرِهِ مِنْ ثَوَابِك فِي الْآخِرَةِ،
-
وَإِنْ كَفَرَك فَهُوَ خَيْرٌ لَك؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى ثَوَابُ الْعَمَلِ كُلُّهُ لَكَ فِي الْآخِرَةِ، وَشَرٌّ لَهُ؛ لِأَنَّ كُفْرَانَ النِّعْمَةِ مَذْمُومٌ قَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرْ اللَّهَ» ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُعْتِقَ يَكُونُ عَصَبَةً لِلْمُعْتَقِ؛
-
لِأَنَّهُ قَالَ كُنْت أَنْتَ عَصَبَتَهُ، وَيُسْتَدَلُّ بِالظَّاهِرِ مَنْ يُؤَخِّرُ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ عَنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ، وَلَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا، وَذَوُو الْأَرْحَامِ مِنْ جُمْلَةِ الْوَرَثَةِ، وَلَكِنْ عِنْدَنَا مَوْلَى الْعَتَاقَةِ آخِرُ الْعَصَبَاتِ مُقَدَّمٌ عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ وَمَعْنَى
-
الْحَدِيثِ لَمْ يَتْرُكْ، وَارِثًا، هُوَ عَصَبَةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ كُنْت أَنْتَ عَصَبَتَهُ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا يَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ لَهُ بِذَلِكَ كِتَابًا، وَالْمَقْصُودُ بِالْكِتَابِ التَّوْثِيقُ فَلْيَكْتُبْ عَلَى أَحْوَطِ الْوُجُوهِ، وَيَتَحَرَّزْ فِيهِ عَنْ طَعْنِ كُلِّ طَاعِنٍ، وَلِهَذَا ذَكَرَ فِيهِ أَنِّي أَعْتِقُك لِوَجْهِ اللَّهِ فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ لَا يَنْفُذُ الْعِتْقُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْمُعْتِقُ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِهَذَا حَتَّى لَوْ قَالَ: أَعْتِقُك لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ الشَّيْطَانِ نَفَذَ الْعِتْقُ.
-
وَالْحَدِيثُ الَّذِي بَدَأَ بِهِ الْكِتَابَ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يُذْكَرُ هَذَا لِلتَّحَرُّزِ عَنْ جَهْلِ بَعْضِ الْقُضَاةِ
-
وَكَذَلِكَ يَكْتُبُ وَلِي وَلَاؤُك، وَوَلَاءُ عِتْقِك مِنْ بَعْدِك؛ لِأَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: لَا يَثْبُتُ الْوَلَاءُ إلَّا بِالشَّرْطِ فَيَذْكُرُهُ فِي الْكِتَابِ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ هَذَا،
-
ثُمَّ الْأَلْفَاظُ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْعِتْقُ نَوْعَانِ: صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ فَالصَّرِيحُ لَفْظُ الْعِتْقِ، وَالْحُرِّيَّةِ، وَالْوَلَاءِ وَيَسْتَوِي إنْ ذَكَرَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ، أَوْ الْوَصْفِ، أَوْ النِّدَاءِ، إمَّا بِصِيغَةِ الْخَبَرِ أَنْ يَقُولَ قَدْ أَعْتَقْتُك أَوْ حَرَّرْتُك؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْعَاقِلِ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّحَّةِ مَا أَمْكَنَ، وَوَجْهُ الصِّحَّةِ هُنَا مُتَعَيَّنٌ، وَهُوَ الْإِنْشَاءُ، وَصِيغَةُ الْإِخْبَارِ وَالْإِنْشَاءِ فِي الْعِتْقِ، وَاحِدٌ وَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ الْوَصْفِ أَنْ يَقُولَ: أَنْتَ حُرٌّ أَنْتَ عَتِيقٌ؛
-
لِأَنَّهُ لَمَّا وَصَفَهُ بِمَا يَمْلِكُ إيجَابَهُ فِيهِ جُعِلَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِيجَابِ مِنْهُ لِتَحْقِيقِ وَصْفِهِ فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت الْكَذِبَ، وَالْخَبَرَ بِالْبَاطِلِ دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلِاحْتِمَالِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ فِي الظَّاهِرِ مَوْضُوعٌ لِإِيجَابِ الْعِتْقِ وَالْقَاضِي يَتْبَعُ الظَّاهِرَ؛
-
لِأَنَّ مَا، وَرَاءَ ذَلِكَ غَيْبٌ عَنْهُ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ يَا حُرُّ يَا عَتِيقُ؛ لِأَنَّ النِّدَاءَ لِاسْتِحْضَارِ الْمُنَادَى، وَذَلِكَ بِذَكَرِ، وَصْفٍ لَهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالنِّدَاءِ فَهَذَا، وَوَصْفُهُ إيَّاهُ بِالْعِتْقِ سَوَاءٌ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: هَذَا مَوْلَايَ أَوْ لِأَمَتِهِ: هَذِهِ مَوْلَاتِي؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى يُذْكَرُ بِمَعْنَى النَّاصِرِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا، وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ} ، وَلَكِنَّ الْمَالِكَ لَا يَسْتَنْصِرُ بِمَمْلُوكِهِ عَادَةً، وَيُذْكَرُ بِمَعْنَى ابْنِ الْعَمِّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنِّي خِفْت الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي} وَلَكِنَّ نَسَبَ الْعَبْدِ مَعْرُوفٌ فَلَا احْتِمَالَ لِهَذَا الْمَعْنَى هُنَا، وَيُذْكَرُ بِمَعْنَى الْمُوَالَاةِ فِي الدِّينِ، وَلَكِنَّهُ نَوْعُ مَجَازٍ، وَالْمَجَازُ لَا يُعَارِضُ الْحَقِيقَةَ، وَيُذْكَرُ بِمَعْنَى الْمَوْلَى الْأَعْلَى وَذَلِكَ غَيْرُ مُحْتَمَلٍ عِنْدَ الْإِضَافَةِ إلَى الْعَبْدِ فَيَتَعَيَّنُ الْمَوْلَى الْأَسْفَلُ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الْعِتْقِ فَلِهَذَا عَتَقَ بِهِ فِي الْقَضَاءِ.
-
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت بِهِ الْوِلَايَةَ فِي الدِّينِ أَوْ الْكَذِبَ دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلِاحْتِمَالِ، وَلَمْ يَدِنْ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَإِنْ قَالَ يَا مَوْلَايَ، فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَعْتِقُ بِهَذَا اللَّفْظِ إلَّا بِالنِّيَّةِ؛
-
لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ فِي مَوْضِعِ النِّدَاءِ يُقْصَدُ بِهِ
-
الْإِكْرَامُ دُونَ التَّحْقِيقِ يُقَالُ: يَا سَيِّدِي، وَيَا مَوْلَايَ وَلَوْ قَالَ لَهُ: يَا سَيِّدِي، وَيَا مَالِكِي لَا يَعْتِقُ بِهِ بِدُونِ النِّيَّةِ فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ يَا مَوْلَايَ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْكَلَامُ مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ مَا أَمْكَنَ، وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِ يَا مَوْلَايَ لَا يَكُونُ إلَّا بِوَلَاءٍ لَهُ عَلَيْهِ، وَالْعِتْقُ مُتَعَيَّنٌ لِذَلِكَ فَهَذَا، وَقَوْلُهُ يَا حُرُّ يَا عَتِيقُ سَوَاءٌ،
-
بِخِلَافِ قَوْلِهِ يَا سَيِّدِي، وَيَا مَالِكِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ مَا يَخْتَصُّ بِإِعْتَاقِهِ إيَّاهُ، وَمِمَّا يَلْحَقُ بِالصَّرِيحِ هُنَا قَوْلُهُ لِمَمْلُوكِهِ، وَهَبْت نَفْسَك مِنْك أَوْ بِعْت نَفْسَك مِنْك فَإِنَّهُ يَعْتِقُ بِهِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ؛ لِأَنَّ مُوجَبَ هَذَا اللَّفْظِ إزَالَةُ مِلْكِهِ إلَّا أَنَّهُ إذَا أَوْجَبَهُ لِإِنْسَانٍ آخَرَ يَكُونُ مُزِيلًا لِمِلْكِهِ إلَيْهِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِهِ.
-
وَإِذَا أَوْجَبَهُ لِلْعَبْدِ يَكُونُ مُزِيلًا بِطَرِيقِ الْإِسْقَاطِ لَا إلَيْهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى قَبُولِهِ، وَلَا يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ.
-
فَأَمَّا بَيَانُ أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ: قَوْلُهُ لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك فَإِنَّهُ مُحْتَمَلٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك فِي اللَّوْمِ، وَالْعُقُوبَةِ؛ لِأَنَّك وَفَيْت بِمَا أَمَرْتُك بِهِ،
-
وَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك؛ لِأَنِّي كَاتَبْتُك وَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك؛ لِأَنِّي أَعْتَقْتُك، وَالْمُحْتَمَلُ لَا تَتَعَيَّنُ جِهَةٌ فِيهِ بِدُونِ النِّيَّةِ فَلَا يَعْتِقُ بِهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْعِتْقَ،
-
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك يُحْتَمَلُ لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك لِأَنِّي بِعْتُك،
-
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ قَدْ خَرَجْت مِنْ مِلْكِي يُحْتَمَلُ هَذَا الْمَعْنَى فَلَا يَعْتِقُ بِهِ مَا لَمْ يَنْوِ، وَيَدِينُ فِي الْقَضَاءِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَوْ قَالَ لَهُ أَطْلَقْتُك يَنْوِي بِهِ الْعِتْقَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يُذْكَرُ بِمَعْنَى التَّحْرِيرِ يُقَالُ: أَطْلَقْتُهُ مِنْ السِّجْنِ، وَحَرَّرْته إذَا خَلَّى سَبِيلَهُ؛
-
وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ الْإِطْلَاقَ مِنْ الرِّقِّ الَّذِي عَلَيْهِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ: لَا رِقَّ لِي عَلَيْك فَأَمَّا إذَا قَالَ لِأَمَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ قَدْ طَلَّقْتُك، وَنَوَى بِهِ الْعِتْقَ لَمْ تَعْتِقْ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَعْتِقْ،
-
وَكَذَلِكَ سَائِرُ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ كَقَوْلِهِ قَدْ بِنْتِ مِنِّي أَوْ حُرِّمْت عَلَيَّ، أَوْ أَنْتِ خَلِيَّةٌ، أَوْ بَرِيَّةٌ، أَوْ بَائِنٌ، أَوْ بَتَّةٌ، أَوْ اُخْرُجِي أَوْ اُغْرُبِي، أَوْ اسْتَبْرِي، أَوْ تَقَنَّعِي أَوْ اذْهَبِي أَوْ قُومِي أَوْ اخْتَارِي فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا أَوْ قَالَ ذَلِكَ لِعَبْدِهِ، فَهُوَ كُلُّهُ عَلَى الْخِلَافِ، وَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ صَرِيحَ مَا يَسْرِي كِنَايَةٌ فِيمَا يَسْرِي كَلَفْظِ التَّحْرِيرِ فِي الطَّلَاقِ مَعْنَى صَرِيحِ مَا يَسْرِي مَا وُضِعَ لِمَا يَسْرِي بِطَرِيقِ الْمُطَابَقَةِ كِنَايَةً لِمَا هُوَ وَصْفٌ، وَهُوَ كَوْنُهُ حُرًّا لِمَعْنَى آخَرَ هُوَ مُسَمًّى لِلَفْظٍ آخَرَ، وَتَقْرِيرُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ لِلِاتِّصَالِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مَعْنَى طَرِيقٍ صَحِيحٍ فِي اللُّغَةِ يُقَالُ: لِلْبَلِيدِ حِمَارٌ وَلِلشُّجَاعِ أَسَدٌ لِلِاتِّصَالِ مَعْنًى، وَهُوَ الشَّجَاعَةُ وَالْبَلَادَةُ، وَبَيْنَ الْمِلْكَيْنِ اتِّصَالٌ مِنْ حَيْثُ الْمُشَابَهَةِ مَعْنًى؛
-
لِأَنَّ النِّكَاحَ فِيهِ مَعْنَى الرِّقِّ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «النِّكَاحُ رِقٌّ» .
-
وَلِأَنَّهُ يُسْتَبَاحُ بِكُلِّ، وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْوَطْءُ فِي مَحَلِّهِ، وَبَيْنَ الْإِزَالَتَيْنِ الِاتِّصَالُ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ كُلَّ، وَاحِدٍ مِنْهُمَا إبْطَالٌ لِلْمِلْكِ وَيَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ
-
بِالشَّرْطِ، وَهُوَ يُنَبِّئُ عَنْ السِّرَايَةِ،
-
وَيَلْزَمُ عَلَى، وَجْهٍ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَإِذَا ثَبَّتَتْ الْمُشَابَهَةُ مَعْنًى قُلْنَا مَا كَانَ صَرِيحًا فِي إزَالَةِ مِلْكِ الْيَمِينِ، وَهُوَ لَفْظُ التَّحْرِيرِ كَانَ كِنَايَةً فِي مِلْكِ النِّكَاحِ فَكَذَلِكَ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي مِلْكِ النِّكَاحِ يُجْعَلُ كِنَايَةً صَحِيحَةً فِي إزَالَةِ مِلْكِ الْيَمِينِ، وَلِأَنَّ التَّحْرِيمَ مِنْ مُوجِبَاتِ التَّحْرِيرِ فَإِنَّ الْأَمَةَ إذَا أَعْتَقَتْ حُرِّمَتْ عَلَى مَوْلَاهَا وَذِكْرُ الْمُوجَبِ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ عَنْ الْمُوجِبِ صَحِيحٌ كَقَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ اعْتَدِّي بِنِيَّةِ الطَّلَاقِ (وَحُجَّتُنَا) فِي ذَلِكَ أَنَّهُ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا كُلِي، وَاشْرَبِي وَنَوَى الْعِتْقَ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ اللَّفْظِ فَقَدْ تَجَرَّدَتْ النِّيَّةُ عَنْ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا مُشَابَهَةَ بَيْنَ الْعِتْقِ، وَالطَّلَاقِ صُورَةً،
-
وَلَا مَعْنًى؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ إزَالَةُ الْمَانِعِ مِنْ الِانْطِلَاقِ،
-
فَإِنَّ الْمَرْأَةَ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ حُرَّةٌ مَحْبُوسَةٌ عِنْدَ الزَّوْجِ فَبِالْفُرْقَةِ - يَزُولُ الْمَانِعُ مِنْ الِانْطِلَاقِ.
-
وَالْإِعْتَاقُ إحْدَاثُ قُوَّةِ الِانْطِلَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الرَّقِيقِ صِفَةُ الْمَالِكِيَّةِ وَبِالْعِتْقِ يَحْدُثُ لَهُ صِفَةُ الْمَالِكِيَّةِ،
-
وَلَا مُشَابَهَةَ بَيْنَ إحْدَاثِ الْقُوَّةِ، وَبَيْنَ إزَالَةِ الْمَانِعِ كَمَا لَا مُشَابَهَةَ بَيْنَ إحْيَاءِ الْمَيِّتِ وَبَيْنَ رَفْعِ الْقَيْدِ عَنْ الْمُقَيَّدِ، وَنَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُشَابَهَةَ فِي الْمَعْنَى طَرِيقُ الِاسْتِعَارَةِ، وَلَكِنْ لَا فِي كُلِّ وَصْفٍ بَلْ فِي الْوَصْفِ الْخَاصِّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالْوَصْفُ الْخَاصُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا بَيَّنَّا دُونَ مَا ذَكَرَهُ الْخَصْمُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُسْتَعَارُ الْأَسَدُ لِلْجَبَانِ، وَالْحِمَارُ لِلذَّكِيِّ، وَبَيْنَهُمَا مُشَابَهَةٌ فِي أَوْصَافٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَيَوَانٌ مَوْجُودٌ، وَلَكِنْ لَمَّا انْعَدَمَتْ الْمُشَابَهَةُ فِي الْوَصْفِ الْخَاصِّ لَمْ تَجُزْ الِاسْتِعَارَةُ فَهَذَا مِثْلُهُ فَأَمَّا إذَا اسْتَعْمَلَ لَفْظَ التَّحْرِيرِ فِي الطَّلَاقِ فَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَنَا لِلْمُشَابِهَةِ مَعْنًى بَلْ؛
-
لِأَنَّ مُوجِبَ النِّكَاحِ مِلْكُ الْمُتْعَةَ، وَمِلْكُ الرَّقَبَةِ فِي مَحَلِّ الْمُتْعَةِ يُوجِبُ مِلْكَ الْمُتْعَةِ فَمَا يُزِيلُ مِلْكَ الرَّقَبَةِ يَكُونُ سَبَبًا لِإِزَالَةِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنْهُ فَأَمَّا مَا يُزِيلُ مِلْكَ الْمُتْعَةِ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِإِزَالَةِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ فَلَا يَصْلُحُ كِنَايَةً عَنْهُ، وَلِهَذَا قُلْنَا فِي طَرَفِ الِاسْتِجْلَابِ أَنَّ مَا وُضِعَ لِاسْتِجْلَابِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ، وَهُوَ لَفْظُ النِّكَاحِ، وَالتَّزْوِيجِ لَا يَثْبُتُ بِهِ مِلْكُ الرَّقَبَةِ وَمَا وُضِعَ لِاسْتِجْلَابِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَهُوَ لَفْظُ الْهِبَةِ، وَالْبَيْعِ يَصْلُحُ لِإِيجَابِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ، وَهُوَ النِّكَاحُ،
-
وَلَا يَدْخُلُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ الْبَيْعُ فَإِنَّهُ لَا تَنْعَقِدُ بِهِ الْإِجَارَةُ عَلَى مَا قَالَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ إذَا بَاعَ سُكْنَى دَارِهِ مِنْ إنْسَانٍ، لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ بِهَذَا اللَّفْظِ ثَبَتَ مِلْكُ الرَّقَبَةِ، وَهُوَ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّ عِنْدَنَا: الْإِجَارَةُ تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ،
-
فَإِنَّ الْحُرَّ إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ بِعْت نَفْسِي مِنْك شَهْرًا بِدِرْهَمٍ لِعَمَلِ كَذَا يَكُونُ إجَارَةً صَحِيحَةً فَأَمَّا بَيْعُ السُّكْنَى إنَّمَا لَا يَجُوزُ لِانْعِدَامِ الْمَحَلِّ
-
لِأَنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ مَوْضُوعٌ لِلتَّمْلِيكِ، وَالْمَنَافِعُ مَعْدُومَةٌ لَا تَقْبَلُ التَّمْلِيكَ.
-
وَلِهَذَا لَوْ أَضَافَ لَفْظَةَ الْإِجَارَةِ إلَى الْمَنْفَعَةِ وَقَالَ أَجَّرْتُك مَنْفَعَةَ هَذِهِ الدَّارِ لَا يَجُوزُ،
-
وَإِذَا أَضَافَ لَفْظَ الْبَيْعِ إلَى عَيْنِ الدَّارِ فَهُوَ عَامِلٌ بِحَقِيقَتِهِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ قَابِلٌ لِلْبَيْعِ فَلَا تُجْعَلُ كِنَايَةً عَنْ الْإِجَارَةِ لِهَذَا وَلَا مَعْنَى لِمَا قَالَهُ: إنَّهُ ذَكَرَ الْمُوجَبَ، وَعَنَى بِهِ الْمُوجِبَ؛ لِأَنَّ الْمُوجَبَ حُكْمٌ، وَالْحُكْمُ لَا يَصْلُحُ كِنَايَةً عَنْ السَّبَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ بِدُونِ السَّبَبِ، وَالسَّبَبُ يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْحُكْمِ فَكَانَ الْحُكْمُ كَالتَّبَعِ، وَالْأَصْلُ يُسْتَعَارُ لِلتَّبَعِ،
-
وَلَا يُسْتَعَارُ التَّبَعُ لِلْأَصْلِ لِافْتِقَارِ التَّبَعِ إلَى الْأَصْلِ وَاسْتِغْنَاءِ الْأَصْلِ عَنْ التَّبَعِ.
-
وَفِي قَوْلِهِ اعْتَدِّي، وُقُوعُ الطَّلَاقِ لَيْسَ بِهَذَا الطَّرِيقِ بَلْ بِطَرِيقِ الْإِضْمَارِ حَتَّى يَقَعَ الطَّلَاقُ بِهِ عَلَى غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ
-
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَذَلِكَ اللَّفْظُ عَامِلٌ بِحَقِيقَتِهِ عِنْدَنَا لَا أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً بِطَرِيقِ أَنَّهُ ذَكَرَ الْمُوجَبَ وَعَنَى بِهِ الْمُوجِبَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ يُنَافِي النِّكَاحَ ابْتِدَاءً، وَبَقَاءً، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ هُنَا فَإِنَّ حُرْمَةَ الْأَمَةِ عَلَيْهِ لَا يُنَافِي الْمِلْكَ ابْتِدَاءً، وَبَقَاءً كَمَا فِي الْمَجُوسِيَّةِ، وَالْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعَةِ،
-
وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: لَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْك وَنَوَى الْعِتْقَ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ انْتِفَاءِ سُلْطَانِهِ عَنْهُ انْتِفَاءُ الْمِلْكِ، كَالْمُكَاتَبِ، فَإِنَّهُ لَا سُلْطَانَ لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ وَهُوَ مَمْلُوكٌ
-
بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَا: سَبِيلَ لِي عَلَيْك فَإِنَّ مِنْ ضَرُورَةِ انْتِفَاءِ السَّبِيلِ عَنْهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ - الْعِتْقَ؛ لِأَنَّ لَهُ عَلَى الْمُكَاتَبِ سَبِيلًا مِنْ حَيْثُ الْمُطَالَبَةِ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ حَتَّى إذَا انْتَفَى ذَلِكَ بِالْبَرَاءَةِ عَتَقَ،
-
وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ لِلَّهِ لَمْ يَعْتِقْ،
-
وَإِنْ نَوَى فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي مَقَالَتِهِ.
-
فَالْمَخْلُوقَاتُ كُلُّهَا لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَعْتِقُ بِهِ إذَا نَوَى؛ لِأَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ: أَنْتَ خَالِصٌ لِلَّهِ بِانْتِفَاءِ مِلْكِهِ عَنْهُ فَهُوَ كَقَوْلِهِ لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك
-
بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ،
-
وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ يَا بُنَيَّ، أَوْ لِأَمَتِهِ يَا بُنَيَّةُ لَمْ تَعْتِقْ؛ لِأَنَّ هَذَا دُعَاءٌ، وَلُطْفٌ مِنْهُ، مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ فِي مَوْضِعِ النِّدَاءِ يُقْصَدُ بِهِ اسْتِحْضَارُ الْمُنَادَى وَإِكْرَامُهُ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ يَا بُنَيَّ تَصْغِيرُ الِابْنِ،
-
وَلَوْ قَالَ يَا ابْنٌ لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي مَقَالَتِهِ، فَإِنَّهُ ابْنٌ لِأَبِيهِ، وَإِنَّمَا الْإِشْكَالُ فِي قَوْلِهِ يَا ابْنِي وَلَا يَعْتِقُ بِهَذَا اللَّفْظِ إلَّا فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ جَعَلَهُ كَقَوْلِهِ يَا حُرُّ، وَلَكِنْ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ،
-
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ فِي مَوْضِعِ النِّدَاءِ لِاسْتِحْضَارِ الْمُنَادَى وَتَفْهِيمِهِ لِيَحْضُرَ، وَذَلِكَ بِصُورَةِ اللَّفْظِ لَا بِمَعْنَاهُ، وَوُقُوعُ الْعِتْقِ بِهَذَا اللَّفْظِ لِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْبُنُوَّةِ فَلِهَذَا لَا يَعْتِقُ بِهِ عِنْدَ النِّدَاءِ حَتَّى لَوْ جَعَلَ اسْمَ عَبْدِهِ حُرًّا، وَكَانَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا عِنْدَ النَّاسِ ثُمَّ نَادَاهُ بِهِ فَقَالَ يَا حُرُّ لَمْ
-
يَعْتِقْ أَيْضًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا الِاسْمِ مَعْرُوفًا لَهُ يَعْتِقُ بِهِ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَادَاهُ بِوَصْفٍ يَمْلِكُ إيجَابَهُ
-
بِخِلَافِ قَوْلِهِ يَا ابْنِي فَإِنَّهُ نَادَاهُ بِوَصْفٍ لَا يَمْلِكُ إيجَابَهُ فَيُنْظَرُ إلَى مَقْصُودِهِ فِيهِ، وَهُوَ الْإِكْرَامُ دُونَ التَّحْقِيقِ،
-
وَإِنْ قَالَ هَذَا ابْنِي،
-
وَمِثْلُهُ يُولَدُ لِمِثْلِهِ عَتَقَ، وَيَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ دَعْوَةُ النَّسَبِ، وَهُوَ تَصَرُّفٌ يَمْلِكُهُ الْمَوْلَى فِي مَمْلُوكِهِ.
-
فَإِذَا كَانَ الْمَحَلُّ مَحَلًّا قَابِلًا لِلنَّسَبِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى النَّسَبِ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ، وَالنَّسَبُ لَا يَثْبُتُ مَقْصُورًا عَلَى الْحَالِ بَلْ يَثْبُتُ مِنْ وَقْتِ الْعُلُوقِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مَلَكَ وَلَدَهُ فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ أَعْجَمِيًّا جَلِيبًا، أَوْ مُوَلَّدًا؛ لِأَنَّ صِحَّةَ دَعْوَةِ الْمَوْلَى شَرْعًا بِوَصْلَةِ الْمِلْكِ وَحَاجَةِ الْمَمْلُوكِ إلَى النَّسَبِ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: هَذَا أَبِي أَوْ كَانَتْ أَمَةً فَقَالَ: هَذِهِ أُمِّي، وَمِثْلُهُمَا يَلِدُ مِثْلَهُ عِتْقًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبَوَانِ مَعْرُوفَانِ، وَصَدَّقَاهُ فِي ذَلِكَ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُمَا فَقَدْ اُعْتُبِرَ تَصْدِيقُهُمَا فِي دَعْوَى الْأُبُوَّةِ، وَالْأُمُومَةِ عَلَيْهِمَا وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي دَعْوَى الْبُنُوَّةِ؛
-
لِأَنَّ النَّسَبَ مِنْ حَقِّ الْوَلَدِ، فَإِنَّهُ يَشْرُفُ بِهِ فَمُدَّعِي الْبُنُوَّةِ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمَحْمُولِيَّةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَصْدِيقِهِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ يَلْزَمُ الْمُقِرَّ بِنَفْسِهِ فَأَمَّا مُدَّعِي الْأُبُوَّةِ، وَالْأُمُومَةِ يَحْتَاجُ إلَى تَصْدِيقِهِمَا؛ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ نَسَبَهُ عَلَى غَيْرِهِ فَيَكُونُ مُدَّعِيًا، وَمُجَرَّدُ الدَّعْوَى لَا يَلْزَمُ شَيْئًا بِدُونِ الْحُجَّةِ فَلِهَذَا يَحْتَاجُ إلَى تَصْدِيقِهِمَا؛
-
وَلِأَنَّ مُدَّعِي الْأُبُوَّةِ، وَالْأُمُومَةِ يُخْبِرُ أَنَّهُ عَلِقَ مِنْ مَائِهِمَا، وَهُوَ غَيْبٌ عَنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْدِيقِهِمَا، وَمُدَّعِي الْبُنُوَّةِ يُخْبِرُ أَنَّهُ عَلِقَ مِنْ مَائِهِ وَقَدْ يَعْرِفُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ عَاقِلًا عِنْدَ عُلُوقِهِ،
-
وَإِنْ كَانَ لِلْغُلَامِ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ، فَقَالَ هَذَا ابْنِي يَعْتِقُ عَلَيْهِ،
-
وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّهُ مُكَذَّبٌ فِيمَا قَالَ شَرْعًا حِينَ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْ الْغَيْرِ، وَلَكِنَّ هَذَا التَّكْذِيبِ فِي حُكْمِ النَّسَبِ دُونَ الْعِتْقِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْعِتْقِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا نَسَبَ لَهُ وَلِهَذَا قُلْنَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ إذَا قَالَ هَذَا أَبِي أَوْ أُمِّي، وَكَذَّبَاهُ يَعْتِقُ؛
-
لِأَنَّ اعْتِبَارَ تَكْذِيبِهِمَا فِي حُكْمِ النَّسَبِ دُونَ الْعِتْقِ: تَوْضِيحُهُ أَنَّ الْمَمْلُوكَ مُسْتَغْنٍ عَنْ النَّسَبِ إذَا كَانَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ مِنْ الْغَيْرِ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَغْنٍ عَنْ الْحُرِّيَّةِ فَيَثْبُتُ بِكَلَامِهِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمَمْلُوكُ دُونَ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَذِهِ ابْنَتِي وَهِيَ مَعْرُوفَةُ النَّسَبِ مِنْ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ هُنَاكَ صَارَ مُكَذَّبًا فِي حُكْمِ النَّسَبِ شَرْعًا،
-
وَلَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بِأَنْ قَالَ: غَلِطْت لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا نَسَبٌ مَعْرُوفٌ فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ مُكَذَّبًا شَرْعًا، وَهُنَا لَوْ أَكْذَبَ الْمَوْلَى نَفْسَهُ فِي حَقِّ مَنْ لَا نَسَبَ لَهُ كَانَ الْعِتْقُ ثَابِتًا فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ مُكَذَّبًا فِي النَّسَبِ شَرْعًا.
-
وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ فِي قَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ هَذِهِ ابْنَتِي غَيْرُ مُقِرٍّ عَلَى نَفْسِهِ بِشَيْءٍ، وَلَكِنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى
-
الْمَحَلِّ بِصِفَةِ الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُوجِبَ لِلنَّسَبِ فِي مِلْكِهِ مِنْ حَيْثُ الْإِزَالَةِ، وَإِنَّمَا مُوجِبُهُ حُرْمَةُ الْمَحَلِّ ثُمَّ يَنْتَفِي بِهِ الْمِلْكُ ابْتِدَاءً وَبَقَاءً، وَلَمْ يُعْتَبَرْ إقْرَارَهُ فِي حُرْمَةِ الْمَحَلِّ هُنَا لَمَّا كَانَتْ مَعْرُوفَةَ النَّسَبِ،
-
وَأَمَّا قَوْلُهُ لِعَبْدِهِ: هَذَا ابْنِي إقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ لِلْبُنُوَّةِ مُوجَبًا فِي مِلْكِهِ، وَهُوَ زَوَالُ الْمِلْكِ بِهِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ ابْنَهُ بِالشِّرَاءِ ثُمَّ يَعْتِقُ عَلَيْهِ فَيُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ فِيمَا يُقِرُّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ عِتْقُهُ عَلَيْهِ مِنْ حِينِ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ فَأَمَّا إذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِ الْمَوْلَى فَقَالَ: هَذَا ابْنِي لَمْ يَعْتِقْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَعَتَقَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْآخَرِ، وَجْهُ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ أَنَّ كَلَامَهُ مُحَالٌ فَيَلْغُو كَمَا لَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُك قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ، وَبَيَانُ الِاسْتِحَالَةِ أَنَّ قَوْلَهُ هَذَا ابْنِي أَيْ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِي، وَابْنُ خَمْسِينَ سَنَةً يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا مِنْ مَاءِ ابْنِ عِشْرِينَ سَنَةً، وَبِهِ فَارَقَ مَعْرُوفُ النَّسَبِ فَإِنَّ كَلَامَهُ مُحْتَمَلٌ هُنَاكَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا مِنْ مَائِهِ بِالزِّنَا أَوْ يَكُونَ مَخْلُوقًا مِنْ مَائِهِ بِالشُّبْهَةِ وَقَدْ اشْتَهَرَ نَسَبُهُ مِنْ الْغَيْرِ، أَلَا تَرَى أَنَّ أُمَّ الْغُلَامِ لَوْ كَانَتْ فِي مِلْكِهِ هُنَاكَ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَهُنَا لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ؛
-
وَلِأَنَّ الْحَقِيقَةَ تُكَذِّبُهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ فَيَلْغُو خَبَرُهُ كَمَا لَوْ قَالَ لِصَبِيٍّ صَغِيرٍ فِي يَدِهِ هَذَا جَدِّي أَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ هَذِهِ ابْنَتِي، أَوْ لِأَمَتِهِ هَذَا غُلَامِي، وَفِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ لَوْ قَالَ: قَطَعْت يَدَ فُلَانٍ، وَلَهُ عَلَيَّ الْأَرْشُ فَأَخْرَجَ فُلَانٌ يَدَهُ صَحِيحَةً لَمْ يَسْتَوْجِبْ شَيْئًا
-
بِخِلَافِ مَعْرُوفِ النَّسَبِ فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ لَا تُكَذِّبُهُ هُنَاكَ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْآخَرِ أَنَّهُ أَقَرَّ بِنَسَبِ مَمْلُوكِهِ طَائِعًا فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ قَالَ لِمَعْرُوفِ النَّسَبِ: هَذَا ابْنِي وَتَأْثِيرُهُ أَنَّ صَرِيحَ كَلَامِهِ مُحَالٌ كَمَا قَالَ، وَلَكِنْ لَهُ مَجَازٌ صَحِيحٌ، وَمَعْنَاهُ عَتَقَ عَلَيَّ مِنْ حِينِ مَلَكْته؛
-
لِأَنَّ الْبُنُوَّةَ سَبَبٌ لِهَذَا فَإِنَّهُ إذَا مَلَكَ ابْنَهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ فَيُجْعَلُ هَذَا السَّبَبُ كِنَايَةً عَنْ مُوجِبِهِ مَجَازًا، وَتَصْحِيحُ كَلَامِ الْعَاقِلِ وَاجِبٌ، وَلِلْعَرَبِ لِسَانَانِ: حَقِيقَةٌ، وَمَجَازٌ فَإِذَا تَعَذَّرَ تَصْحِيحُهُ بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ يُصَحَّحُ بِاعْتِبَارِ الْمَجَازِ.
-
، أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَارِثَ إذَا أَعْتَقَ الْمُكَاتَبَ يُجْعَلُ إبْرَاءً مِنْهُ عَنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمَجَازِ إلَّا أَنَّهُمَا يَقُولَانِ الْمَجَازُ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَكُونُ الْأَصْلُ مُتَصَوَّرًا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْمَجَازُ خَلَفًا عَنْهُ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُكَاتَبِ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا يَكُونُ الْأَصْلُ مُتَصَوَّرًا لَا يُمْكِنُ جَعْلُ الْمَجَازِ خَلَفًا عَنْهُ، وَهُنَا لَا تَصَوُّرَ لِلْأَصْلِ
-
بِخِلَافِ مَعْرُوفِ النَّسَبِ، فَإِنَّ هُنَاكَ الْأَصْلُ مُتَصَوَّرٌ فَيَجُوزُ إثْبَاتُ الْمَجَازِ خَلَفًا عَنْهُ وَلَكِنَّ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: الْمَجَازُ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي التَّكَلُّمِ لَا فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ فِي إقَامَةِ كَلَامٍ مَقَامَ كَلَامٍ وَالْمَقْصُودُ تَصْحِيحُ الْكَلَامِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي تَصْحِيحِ
-
الْمَجَازِ تَصَوُّرُ الْحُكْمِ لِإِثْبَاتِ الْخِلَافَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِحُرَّةٍ: اشْتَرَيْتُك بِكَذَا كَانَ نِكَاحًا صَحِيحًا، وَالْحُرَّةُ لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِأَصْلِ حُكْمِ الْبَيْعِ، وَهُوَ مِلْكُ الرَّقَبَةِ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى قُلْنَا إنَّ أُمَّ الْغُلَامِ لَوْ كَانَتْ فِي مِلْكِهِ لَا تَعْتِقُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ إذَا صَارَ مَجَازًا لِغَيْرِهِ سَقَطَ اعْتِبَارُ حَقِيقَتِهِ، وَهَذَا مَجَازٌ عَنْ الْإِقْرَارِ بِحُرِّيَّتِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ عَتَقَ عَلَيَّ مِنْ حِينِ مِلْكِهِ، وَلَيْسَ لِهَذَا اللَّفْظِ مُوجِبٌ فِي الْأُمِّ فَأَمَّا إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ هَذِهِ ابْنَتِي فَقَدْ ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِشْهَادِ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى،
-
وَمِنْ عَادَتِهِ الِاسْتِشْهَادُ بِالْمُخْتَلِفِ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فَلَا نُسَلِّمُهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ نَقُولُ: الْأَصْلُ أَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى فَالْعِبْرَةُ لِلْمُسَمَّى كَمَا لَوْ بَاعَ فَصًّا عَلَى أَنَّهُ يَاقُوتٌ فَإِذَا هُوَ زُجَاجٌ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ وَالذُّكُورُ، وَالْإِنَاثُ مِنْ بَنِي آدَمَ جِنْسَانِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْمُشَارُ إلَيْهِ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْمُسَمَّى، وَهُوَ مَعْدُومٌ وَلَا يُتَصَوَّرُ تَصْحِيحُ الْكَلَامِ إيجَابًا،
-
وَلَا إقْرَارًا فِي الْمَعْدُومِ،
-
وَكَذَا قَوْلُهُ لِصَبِيٍّ صَغِيرٍ هَذَا جَدِّي فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِشْهَادِ هُنَا وَقَدْ مَنَعُوهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ نَقُولُ: لَا مُوجِبَ لِذَلِكَ الْكَلَامِ فِي مِلْكِهِ إلَّا بِوَاسِطَةِ الْأَبِ، وَتِلْكَ الْوَاسِطَةُ غَيْرُ ثَابِتَةٍ وَبِدُونِهَا لَا مُوجِبَ لِكَلَامِهِ حَتَّى يُجْعَلَ كِنَايَةً عَنْ مُوجِبِهِ مَجَازًا،
-
فَأَمَّا لِلْبُنُوَّةِ، وَالْأُبُوَّةِ مُوجَبٌ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فَيُجْعَلُ كَلَامُهُ كِنَايَةً عَنْ مُوجِبِهِ، وَبِخِلَافِ قَوْلِهِ أَعْتَقْتُك قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؛ لِأَنَّهُ لَا مُوجِبَ فِيمَا صَرَّحَ بِهِ،
-
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ قَطَعْت يَدَك؛ لِأَنَّهُ لَا مُوجِبَ لِلْجُرْحِ بَعْدَ الْبُرْءِ إذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ أَثَرٌ فَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ كَلَامِهِ عَلَى أَنْ يُجْعَل كِنَايَةً عَنْ مُوجِبِهِ فَلِهَذَا كَانَ لَغْوًا.
-
وَإِنْ قَالَ لِعَبْدِهِ هَذَا أَخِي لَمْ يَعْتِقْ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يَعْتِقُ؛ لِأَنَّ لِلْإِخْوَةِ فِي مِلْكِهِ مُوجِبًا، وَهُوَ الْعِتْقُ فَيُجْعَلُ هَذَا اللَّفْظُ كِنَايَةً عَنْ مُوجِبِهِ، وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْأُخُوَّةَ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ قَدْ يُرَادُ بِهِ: الْأُخُوَّةُ فِي الدِّينِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ} ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الِاتِّحَادُ فِي الْقَبِيلَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْأُخُوَّةُ فِي النَّسَبِ.
-
وَالْمُشْتَرَكُ لَا يَكُونُ حُجَّةً بِدُونِ الْبَيَانِ حَتَّى لَوْ قَالَ هَذَا أَخِي لِأَبِي أَوْ لِأُمِّي نَقُولُ: يَعْتِقُ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ فَإِنْ قِيلُ: فَالْبُنُوَّةُ وَالْأُبُوَّةُ قَدْ تَكُونُ بِالرَّضَاعَةِ ثُمَّ أَثْبَتُّمْ الْعِتْقَ بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ قُلْنَا؛ لِأَنَّ الْبُنُوَّةَ مِنْ الرَّضَاعِ مَجَازٌ وَالْمَجَازُ لَا يُعَارِضُ الْحَقِيقَةَ.
-
فَأَمَّا الْأُخُوَّةُ مُشْتَرَكَةٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ كَمَا بَيَّنَّا؛ وَلِأَنَّ الْأُخُوَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا بِوَاسِطَةِ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ مُجَاوَرَةٍ فِي صُلْبٍ أَوْ رَحِمٍ، وَهَذِهِ الْوَاسِطَةُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ، وَلَا مُوجِبَ لِهَذِهِ
-
الْكَلِمَةِ بِدُونِ هَذِهِ الْوَاسِطَةِ.
-
فَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ فَرْجُك حُرٌّ أَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ رَأْسُك حُرٌّ يَعْتِقُ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي الطَّلَاقِ إنْ ذَكَرَ مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ، كَذِكْرِ الْبَدَنِ
-
بِخِلَافِ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ فَهُوَ فِي الْعَتَاقِ كَذَلِكَ،
-
وَإِنْ قَالَ: نَوَيْت الْكَذِبَ لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْقَضَاءِ كَمَا فِي قَوْلِهِ، أَنْتَ حُرٌّ،
-
وَإِنْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَوْ لِأَمَتِهِ مَا أَنْتَ إلَّا حُرٌّ أَوْ مَا أَنْتِ إلَّا حُرَّةٌ، فَإِنَّهُمَا يَعْتِقَانِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ اشْتَمَلَ عَلَى النَّفْيِ، وَالْإِثْبَاتِ وَهَذَا آكَدُ مَا يَكُونُ مِنْ الْإِثْبَاتِ، دَلِيلُهُ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ فَكَانَ هَذَا كَقَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ أَنْتَ مِثْلُ الْحُرِّ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لِلْمُشَابَهَةِ، وَالْمُشَابَهَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ قَدْ يَكُونُ خَاصًّا وَقَدْ يَكُون عَامًّا فَلَا يَثْبُتُ الْعِتْقُ بِهِ بِدُونِ النِّيَّةِ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: بَدَنُك حُرٌّ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ بَدَنُك بَدَنٌ حُرٌّ.
-
وَفِي النَّوَادِرِ قَالَ لَوْ نَوَى فَقَالَ بَدَنُك بَدَنٌ حُرٌّ يَعْتِقُ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لِلْإِيجَابِ لَا لِلتَّشْبِيهِ،
-
وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ الْيَوْمَ مِنْ هَذَا الْعَمَلِ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِالْحُرِّيَّةِ، وَتَخْصِيصُهُ وَقْتًا أَوْ عَمَلًا لَا يُغَيِّرُ حُكْمَ مَا وَصَفَهُ بِهِ وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ كَانَ لَا يُرِيدُ الْعِتْقَ، فَهُوَ عَبْدُهُ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ لَا أُكَلِّفُك الْيَوْمَ هَذَا الْعَمَلَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى مُطَّلِعٌ عَلَى ضَمِيرِهِ، وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْحُرِّيَّةَ صِفَةً لَهُ فِي الظَّاهِرِ فَلِهَذَا لَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصِّدْقِ وَالصَّوَابِ.
-
(قَالَ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ذُكِرَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَلَا مَالَ
-
لَهُ غَيْرُهُ فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُلُثَهُ، وَاسْتَسْعَاهُ فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ»، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ: أَنَّ الْعِتْقَ فِي الْمَرَضِ يَكُونُ وَصِيَّةً وَأَنَّهُ يَنْفُذُ مِنْ ثُلُثِهِ وَأَنَّ مُعْتَقَ الْبَعْضِ يُسْتَسْعَى فِيمَا بَقِيَ مِنْ قِيمَتِهِ، فَيَكُونُ دَلِيلًا لَنَا عَلَى الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛
-
لِأَنَّهُ لَا يَرَى السِّعَايَةَ عَلَى الْعَبْدِ بِحَالٍ، وَلَكِنَّهُ يَقُولُ يُسْتَدَامُ الرِّقُّ فِيمَا بَقِيَ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي مَسْأَلَةٍ تَجْزِيءِ الْعِتْقِ، وَذُكِرَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ فَأَقْرَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَرَدَّ أَرْبَعَةً فِي الرِّقِّ» وَبِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ يَحْتَجُّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْنَا فَإِنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ فِي مَرَضِهِ،
-
وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ، وَقِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُهُ، وَيَسْعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُجَزِّئُهُمْ الْقَاضِي ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ،
-
ثُمَّ يُقْرِعُ بَيْنَهُمْ فَيُعْتِقُ اثْنَيْنِ بِالْقُرْعَةِ، وَيَرُدُّ أَرْبَعَةً فِي الرِّقِّ، وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَرَجَّحَ مَذْهَبَهُ بِأَنَّ فِيهِ اعْتِبَارَ النَّظَرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ مِنْ كُلِّ، وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثَهُ تَعَجَّلَ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ، وَتَأَخَّرَ اتِّصَالُ حَقِّ الْوَرَثَةِ إلَيْهِمْ، بَلْ فِي هَذَا إبْطَالُ حَقِّ الْوَرَثَةِ مَعْنًى؛
-
لِأَنَّ السِّعَايَةَ فِي مَعْنَى التَّاوِي فَإِنَّ الْمَالَ فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ يَكُونُ تَاوِيًا فَإِذَا تَعَذَّرَ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَجَبَ جَمِيعُ الْعِتْقِ فِي شَخْصَيْنِ وَتَعْيِينُ الْمُسْتَحِقِّ بِالْقُرْعَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ، وَكَانَ فِي شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَنَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} ، وَقَالَ: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ} «، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ» ، وَالْقَاضِي إذَا قَسَّمَ الْمَالَ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَى الْقِمَارِ؛
-
لِأَنَّ فِي الْقِمَارِ تَعْلِيقُ أَصْلِ الِاسْتِحْقَاقِ بِخُرُوجِ الْقَدَحِ وَفِي هَذَا تَعْيِينُ الْمُسْتَحِقِّ فَأَمَّا أَصْلُ الِاسْتِحْقَاقِ ثَابِتٌ بِإِيجَابِ الْمُعْتِقِ.
-
(وَحُجَّتُنَا) فِي ذَلِكَ أَنَّ الْعَبِيدَ اسْتَوَوْا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِلْمُسَاوَاةِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ فَلَا يَجُوزُ إعْطَاءُ الْبَعْضِ، وَحِرْمَانُ الْبَعْضِ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِرِقَابِهِمْ لِغَيْرِهِمْ لِكُلِّ رَجُلٍ بِرَقَبَةٍ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْوَصِيَّةِ يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ مِنْ الْمُوصِي وَالرَّدَّ مِنْ الْمُوصَى لَهُ، وَهَذِهِ الْوَصِيَّةُ لَا تَحْتَمِلُ ذَلِكَ،
-
فَإِذَا لَمْ يَجُزْ حِرْمَانُ الْبَعْضِ هُنَاكَ فَهُنَا أَوْلَى،
-
ثُمَّ فِيمَا قَالَهُ الْخَصْمُ ضَرَرُ الْإِبْطَالِ فِي حَقِّ بَعْضِ الْمُوصَى لَهُمْ وَفِيمَا قُلْنَا ضَرَرُ التَّأْخِيرِ فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ، وَضَرَرُ التَّأْخِيرِ مَتَى قُوبِلَ بِضَرَرِ الْإِبْطَالِ كَانَ ضَرَرُ التَّأْخِيرِ أَهْوَنَ،
-
وَإِذَا لَمْ نَجِدْ بُدًّا مِنْ نَوْعِ ضَرَرٍ رَجَّحْنَا أَهْوَنَ الضَّرَرَيْنِ عَلَى أَعْظَمِهِمَا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا تَعْجِيلُ حَقِّ الْمُوصَى لَهُ؛ لِأَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمُسْتَسْعَى مُكَاتَبٌ فَلَا يَعْتِقُ شَيْءٌ مِنْهُمْ مَا لَمْ يَصِلْ إلَى الْوَرَثَةِ السِّعَايَةُ.
-
وَعَلَى قَوْلِهِمَا،
-
وَإِنْ
-
تَعَجَّلَ الْعِتْقَ لِلْعَبِيدِ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِصُنْعٍ مِنَّا بَلْ بِإِعْتَاقِ الْمُوصِي، وَلُزُومِ تَصَرُّفِهِ شَرْعًا،
-
وَلَوْ أَبْطَلْنَا حَقَّ بَعْضِ الْعَبِيدِ كَانَ ذَلِكَ بِإِيجَابٍ مِنَّا،
-
ثُمَّ كَلَامُهُ يُشْكَلُ بِمَا لَوْ كَانَ مَالُهُ دَيْنًا عَلَى مُفْلِسٍ فَأَوْصَى بِهِ لَهُ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ نَصِيبُهُ، وَالْبَاقِي دَيْنٌ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَى أَدَائِهِ،
-
وَلَا وَجْهَ لِتَعْيِينِ الْمُسْتَحِقِّ بِالْقُرْعَةِ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ الْمُسْتَحِقِّ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ الِاسْتِحْقَاقِ،
-
فَإِنَّ الِاسْتِحْقَاقَ فِي الْمَجْهُولِ فِي حُكْمِ الْعَيْنِ كَأَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ فَكَمَا أَنَّ تَعْلِيقَ ابْتِدَاءِ الِاسْتِحْقَاقِ بِخُرُوجِ الْقُرْعَةِ يَكُونُ قِمَارًا فَكَذَلِكَ تَعْيِينُ الْمُسْتَحِقِّ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْقُرْعَةِ عِنْدَنَا فِيمَا يَجُوزُ الْفِعْلُ فِيهِ بِغَيْرِ الْقُرْعَةِ كَمَا فِي الْقِسْمَةِ.
-
فَإِنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُعَيِّنَ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ فَإِنَّمَا يُقْرِعُ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ، وَنَفْيًا لِتُهْمَةِ الْمَيْلِ عَنْ نَفْسِهِ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ كَانَ يُقْرِعُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ نِسَائِهِ إذَا أَرَادَ سَفَرًا؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِمَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ إذْ لَا حَقَّ لِلْمَرْأَةِ فِي الْقَسَمِ فِي حَالِ سَفَرِ الزَّوْجِ،
-
وَكَذَلِكَ يُونُسُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه عَرَفَ أَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ إقْرَاعٍ، وَلَكِنَّهُ أَقْرَعَ كَيْ لَا يُنْسَبَ إلَى مَا لَا يَلِيقُ بِالْأَنْبِيَاءِ،
-
وَكَذَلِكَ زَكَرِيَّا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ أَحَقَّ بِضَمِّ مَرْيَمَ إلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ خَالَتَهَا كَانَتْ تَحْتَهُ وَلَكِنَّهُ أَقْرَعَ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ الْأَحْبَارِ، مَعَ أَنَّ تِلْكَ كَانَتْ مُعْجِزَةً لَهُ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَقْلَامَهُمْ كَانَتْ مِنْ الْحَدِيدِ، وَكَانَ الشَّرْطُ أَنَّ مَنْ طَفَا قَلَمُهُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْقَصَبِ، وَكَانَ الشَّرْطُ أَنَّ مَنْ اسْتَقْبَلَ قَلَمُهُ جَرْيَ الْمَاءِ، وَلَمْ يَجْرِ مَعَ الْمَاءِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بَقِيَ اعْتِمَادُهُمْ عَلَى الْحَدِيثِ،
-
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ لَهُ سِتَّةُ أَعْبُدٍ قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَعَهُمْ شَيْءٌ آخَرُ، وَهَذَا مِنْ أَنْدَرِ مَا يَكُونُ.
-
وَلَوْ ثَبَتَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الرَّجُلَ أَوْصَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَعْتِقَهُمْ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: فَأَعْتِقْ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ، وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَعْتِقَ أَيَّ الِاثْنَيْنِ شَاءَ مِنْهُمْ فَأَقْرَعَ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ، وَذَكَرَ الْجَصَّاصُ: أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: فَأَعْتِقْ اثْنَيْنِ أَيْ قَدْرَ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ، وَبِهِ نَقُولُ، فَإِنَّا إذَا أَعْتَقْنَا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثِهِ فَقَدْ أَعْتَقْنَا قَدْرَ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ فَأَقْرَعَ أَيْ دَقَّقَ النَّظَرَ يُقَالُ: فُلَانٌ قَرِيعُ دَهْرِهِ أَيْ دَقِيقُ النَّظَرِ فِي الْأُمُورِ وَدَقَّقَ الْحِسَابَ بِأَنْ جَعَلَ قَدْرَ الرَّقَبَتَيْنِ بَيْنَهُمْ أَسْدَاسًا، هَذَا تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ إنْ صَحَّ، وَعَنْ إسْمَاعِيل بْنِ خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فِي رَجُلٍ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ قَالَ عَامِرٌ: قَالَ مَسْرُوقٌ هُوَ حُرٌّ كُلُّهُ جَعَلَهُ لِلَّهِ لَا أَرُدُّهُ، وَقَالَ شُرَيْحٌ يَعْتِقُ ثُلُثُهُ، وَيَسْعَى فِي الثُّلُثَيْنِ فَقُلْت لِعَامِرٍ أَيُّ الْقَوْلَيْنِ أَحَبُّ إلَيْك قَالَ: فُتْيَا مَسْرُوقٍ، وَقَضَاءُ شُرَيْحٍ
-
- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَفِي هَذَا إشَارَةٌ أَنَّ الْعِتْقَ يَتَجَزَّأُ فِي الْحُكْمِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَنَّهُ يَجِبُ إتْمَامُهُ،
-
وَلَا يَجُوزُ اسْتِدَامَةُ الرِّقِّ فِيمَا بَقِيَ مِنْهُ كَمَا هُوَ فَتْوَى مَسْرُوقٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
-
وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ قَالَ يَسْعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَتِهِ، وَعَنْ أَبِي يَحْيَى الْأَعْرَجِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْعَى الْعَبْدُ فِي الدَّيْنِ» ، وَالْمُرَادُ إذَا كَانَ الدَّيْنُ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ، وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَحْوُهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: تَسْعَى الْأَمَةُ فِي ثَمَنِهَا يَعْنِي فِي قِيمَتِهَا، وَهَذَا؛
-
لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَالْمِيرَاثِ، وَالْعِتْقُ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ فَوَجَبَ رَدُّهُ لِقِيَامِ الدَّيْنِ، وَلَكِنَّ الْعِتْقَ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، وَالرِّقُّ بَعْدَ سُقُوطِهِ لَا يَحْتَمِلُ الْعَوْدَ فَكَانَ الرَّدُّ بِإِيجَابِ السِّعَايَةِ عَلَيْهِ.
-
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: إذَا كَانَ وَصِيَّةٌ، وَعِتْقٌ بُدِئَ بِالْعِتْقِ، وَهَكَذَا عَنْ شُرَيْحٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ أَقْوَى سَبَبًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُ بِنَفْسِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ وَالرُّجُوعَ عَنْهُ، وَالتَّرْجِيحُ بِقُوَّةِ السَّبَبِ أَصْلٌ، وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ نَصْرَانِيًّا يُدْعَى بُجَيْسُ، وَقَالَ: لَوْ كُنْت عَلَى دِينِنَا لَاسْتَعَنَّا بِك عَلَى بَعْضِ أَعْمَالِنَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إعْتَاقَ النَّصْرَانِيِّ قُرْبَةٌ، وَأَنَّهُمْ لَا يُؤْتَمَنُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ لَا يُؤَدُّونَ الْأَمَانَةَ فِي ذَلِكَ وَقَدْ أَنْكَرَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذَلِكَ عَلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ لَهُ: مُرْ كَاتِبَك لِيَكْتُبَ لَنَا كَذَا قَالَ: إنَّ كَاتِبِي لَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ قَالَ أَجُنُبٌ هُوَ قَالَ لَا، وَلَكِنَّهُ نَصْرَانِيٌّ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ، أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ {: لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} .
-
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ نَصْرَانِيًّا فَمَاتَ الْعَبْدُ فَجَعَلَ مِيرَاثَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ،
-
وَإِنْ مَاتَ، وَلَا وَارِثَ لَهُ فَحِصَّةُ مَالِهِ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ أَمَةً فَجَرَتْ فَوَلَدَتْ مِنْ الزِّنَا فَأَعْتَقَهَا ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَأَعْتَقَ وَلَدَهَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِعِتْقِ وَلَدِ الزِّنَا، وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنَّهُ أَوْصَى بِوَلَدِ الزِّنَا خَيْرًا، وَأَوْصَى بِهِمْ أَنْ يُعْتَقُوا، وَهَذَا؛
-
لِأَنَّ لَهُ مِنْ الْحُرْمَةِ مَا لِسَائِرِ بَنِي آدَمَ وَلَا ذَنْبَ لَهُمْ، وَإِنَّمَا الذَّنْبُ لِآبَائِهِمْ كَمَا ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا كَانَتْ تَتَأَوَّلُ فِي أَوْلَادِ الزِّنَا {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وَذُكِرَ عَنْ إبْرَاهِيمَ وَعَامِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَا لَا يُجْزِئُ وَلَدُ الزِّنَا فِي النَّسَمَةِ الْوَاجِبَةِ، وَكَأَنَّهُمَا تَأَوَّلَا فِي ذَلِكَ «قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ» وَلَسْنَا نَأْخُذُ بِقَوْلِهِمَا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِتَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ، وَأَكْثَرُ الْمَمَالِيكُ لَا تُعْرَفُ آبَاؤُهُمْ عَادَةً، وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ: شَرُّ
-
الثَّلَاثَةِ نَسَبًا فَإِنَّهُ لَا نَسَبَ لَهُ أَوْ قَالَ ذَلِكَ فِي، وَلَدِ زِنًا بِعَيْنِهِ نَشَأَ مَرِيدًا فَكَانَ أَخْبَثَ مِنْ أَبَوَيْهِ.
-
وَإِذْ قَالَ الرَّجُلُ لِأَمَتِهِ: أَمْرُك بِيَدِك يَعْنِي فِي الْعِتْقِ فَإِنْ أَعْتَقَتْ نَفْسَهَا فِي مَجْلِسِهَا عَتَقَتْ،
-
وَإِنْ قَامَتْ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ تَعْتِقَ نَفْسَهَا فَهِيَ أَمَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَلَّكَهَا أَمْرَهَا، وَأَهَمُّ أُمُورِهَا الْعِتْقُ فَتَعْمَلُ نِيَّتُهُ فِي الْعِتْقِ، وَجَوَابُ التَّمْلِيكِ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الطَّلَاقِ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فَكَذَلِكَ هُنَا إذَا لَمْ يَنْوِ الْعِتْقَ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ جَعَلَ أَمْرَهَا فِي يَدِ غَيْرِهَا،
-
وَإِنْ قَالَ لَهَا أَعْتِقِي نَفْسَك فَقَالَتْ قَدْ اخْتَرْت نَفْسِي كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ كَلَامَهَا يَصْلُحُ جَوَابًا لِلتَّخْيِيرِ، وَالْمَوْلَى مَا خَيَّرَهَا، إنَّمَا مَلَّكَهَا أَمْرَهَا، وَقَوْلُهَا اخْتَرْت نَفْسِي لَا يَصْلُحُ لِلتَّصَرُّفِ بِحُكْمِ الْمِلْكِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَوْلَى يَمْلِكُ إعْتَاقَهَا وَلَوْ قَالَ لَهَا اخْتَرْتُك مِنْ نَفْسِي، أَوْ اخْتَرْتُ نَفْسِي مِنْك لَا تَعْتِقُ فَكَذَلِكَ قَوْلُهَا اخْتَرْت نَفْسِي؛
-
وَلِأَنَّ قَوْلَهُ أَعْتِقِي نَفْسَك إقَامَةٌ مِنْهُ إيَّاهَا مَقَامَ نَفْسِهِ فِي إيقَاعِ الْعِتْقِ فَإِنَّمَا يَمْلِكُ الْإِيقَاعَ بِاللَّفْظِ الَّذِي كَانَ الْمَوْلَى مَالِكًا لِلْإِيقَاعِ بِهِ وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ حُرَّةٌ إنْ شِئْت فَإِنْ قَالَتْ فِي مَجْلِسِهَا قَدْ شِئْت كَانَتْ حُرَّةً،
-
وَلَوْ قَامَتْ قَبْلَ أَنْ تَقُولَ شَيْئًا، فَهِيَ أَمَةٌ، وَالتَّفْوِيضُ إلَى مَشِيئَتِهَا بِمَنْزِلَةِ التَّمْلِيكِ مِنْهَا فَتَقْتَصِرُ عَلَى الْجَوَابِ فِي الْمَجْلِسِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ إنْ أَرَدْت، أَوْ هَوَيْت، أَوْ أَحْبَبْت، أَوْ قَالَ أَنْتِ حُرَّةٌ إنْ كُنْت تُحِبِّينَنِي، أَوْ تَبْغَضِينَنِي فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهَا مَا دَامَتْ فِي مَجْلِسِهَا كَمَا فِي الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَى مَا فِي قَلْبِهَا إلَّا بِإِخْبَارِهَا فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ التَّعْلِيقِ بِالْإِخْبَارِ بِذَلِكَ.
-
وَإِنْ قَالَتْ فِي ذَلِكَ لَسْت أُحِبُّك ثُمَّ قَالَتْ: أَنَا أُحِبُّك لَمْ تُصَدَّقْ لِلتَّنَاقُضِ؛ وَلِأَنَّ شَرْطَ الْبِرِّ قَدْ تَمَّ بِقَوْلِهَا الْأَوَّلِ فَلَمْ يَبْقَ لَهَا قَوْلٌ مَقْبُولٌ بَعْدَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَوْلَى
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إنْ كُنْت تُحِبِّينَ الْعِتْقَ فَأَنْتِ حُرَّةٌ،
-
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ حُرَّةٌ إذَا حِضْت كَانَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهَا اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَقْتَصِرُ عَلَى مَجْلِسِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى الْإِخْبَارِ بِالْحَيْضِ عَلَى وَجْهٍ تَكُونُ صَادِقَةً فِيهِ إلَّا بَعْدَ رُؤْيَةِ الدَّمِ، وَرُبَّمَا لَا يَتَحَقَّقُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ فَمَتَى قَالَتْ حِضْت عَتَقَتْ،
-
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ حُرَّةٌ، وَفُلَانَةُ إنْ شِئْت فَقَالَتْ قَدْ شِئْت نَفْسِي لَمْ تَعْتِقْ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ إنْ شِئْت لَيْسَ بِكَلَامٍ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ جَعْلِهِ بِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ إنْ شِئْت عِتْقَكُمَا فَلَا يَتِمُّ الشَّرْطُ بِمَشِيئَتِهَا عِتْقَ نَفْسِهَا،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِأَمَتَيْهِ: أَنْتُمَا حُرَّتَانِ إنْ شِئْتُمَا فَشَاءَتْ إحْدَاهُمَا فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ إنْ شِئْتُمَا عِتْقَكُمَا فَلَا يَتِمُّ الشَّرْطُ بِمَشِيئَةِ إحْدَاهُمَا وَلَا بِمَشِيئَتِهِمَا عِتْقَ إحْدَاهُمَا،
-
وَلَوْ قَالَ: أَيَّتُكُمَا شَاءَتْ الْعِتْقَ فَهِيَ حُرَّةٌ فَشَاءَتَا جَمِيعًا عَتَقَتَا؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ أَيٍّ تَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى
-
الِانْفِرَادِ فَإِنْ شَاءَتْ إحْدَاهُمَا عَتَقَتْ الَّتِي شَاءَتْ؛ لِأَنَّ مَشِيئَةَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِهَذَا اللَّفْظِ شَرْطُ عِتْقِهِمَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ: أَيَّتُكُمَا شَاءَتْ، وَلَمْ يَقُلْ شَاءَتَا جَمِيعًا عَتَقَتَا فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت إحْدَاهُمَا لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْقَضَاءِ، وَيُصَدَّقُ فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛
-
لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ فِي اللَّفْظِ الْعَامِّ فَإِنْ كَانَ نَوَى إحْدَاهُمَا بِعَيْنِهَا عَتَقَتْ هِيَ،
-
وَإِنْ نَوَى إحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ إحْدَاهُمَا فَيُعْتِقَهَا، وَيُمْسِكَ الْأُخْرَى بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَعْتَقَ إحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا.
-
وَلَوْ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي فَهُوَ حُرٌّ، وَلَهُ عَبِيدٌ، وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادٍ وَمُدَبَّرُونَ، وَمُكَاتَبُونَ عَتَقُوا جَمِيعًا إلَّا الْمُكَاتَبِينَ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْتِقُونَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُمْ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ كُلٍّ تُوجِبُ التَّعْمِيمَ، وَقَدْ أَوْجَبَ الْعِتْقَ لِكُلِّ مَمْلُوكٍ مُضَافٍ إلَيْهِ بِالْمِلْكِيَّةِ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ لِي، وَهَذَا يَتَحَقَّقُ فِي الْعَبِيدِ، وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالْمُدَبَّرِينَ؛
-
لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُمْ رِقًّا، وَيَدًا حَتَّى يَمْلِكَ اسْتِغْلَالَهُمْ وَاسْتِكْسَابَهُمْ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْمُكَاتَبِينَ؛ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُمْ رِقًّا لَا يَدًا بَلْ الْمُكَاتَبُ كَالْحُرِّ يَدًا حَتَّى كَانَ أَحَقَّ بِمَكَاسِبِهِ،
-
وَلَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى إكْسَابَهُ، وَالثَّابِتُ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ لَا يَكُونُ ثَابِتًا مُطْلَقًا فَلِهَذَا لَا يَدْخُلُونَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُمْ،
-
فَإِنْ نَوَاهُمْ فَنَقُولُ: الْمَنْوِيُّ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُضِيفُ إلَى نَفْسِهِ مَا يَكُونُ مُضَافًا إلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ،
-
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت الرِّجَالَ دُونَ النِّسَاءِ دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يَدِنْ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ فِي اللَّفْظِ الْعَامِّ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ نَوَيْت السُّودَ مِنْهُمْ دُونَ الْبِيضِ فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ،
-
وَلَا فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ هُنَاكَ نَوَى التَّخْصِيصَ بِوَصْفٍ لَيْسَ فِي لَفْظِهِ،
-
وَلَا عُمُومَ لِمَا لَا لَفْظَ لَهُ،
-
فَلَا تَعْمَلُ فِيهِ نِيَّةُ التَّخْصِيصِ وَهُنَا نَوَى التَّخْصِيصَ فِيمَا فِي لَفْظِهِ؛ لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ حَقِيقَةٌ لِلذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ،
-
فَإِنَّ الْأُنْثَى يُقَالُ لَهَا: مَمْلُوكَةٌ وَلَكِنْ عِنْدَ الِاخْتِلَاطِ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْهِمْ لَفْظُ التَّذْكِيرِ عَادَةً فَإِذَا نَوَى الذَّكَرَ فَقَدْ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ، وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الْمُسْتَعْمَلِ، فَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ، وَلِهَذَا قِيلُ: لَوْ قَالَ: نَوَيْت النِّسَاءَ دُونَ الرِّجَالِ كَانَتْ نِيَّتُهُ لَغْوًا.
-
(قَالَ) : وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَمْ أَنْوِ الْمُدَبَّرِينَ لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْقَضَاءِ، وَفِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ يَقُولُ: إذَا قَالَ لَمْ أَنْوِ الْمُدَبَّرِينَ لَمْ يَدِنْ فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى،
-
وَلَا فِي الْقَضَاءِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَجْهُ تِلْكَ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ بِمَا لَيْسَ فِي لَفْظِهِ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ،
-
وَإِنْ كَانَ يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الْعِتْقِ فَلَا يُوجِبُ نُقْصَانًا فِي إضَافَتِهِ إلَيْهِ بِالْمِلْكِيَّةِ، وَالْيَدِ، وَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ إضَافَتَهُ إلَى الْمَوْلَى بِرِقِّهِ، وَالتَّدْبِيرُ يُمَكِّنُ نُقْصَانًا فِي الرِّقِّ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْعِتْقِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ نُقْصَانٍ فِي رَقِّهِ، وَلِهَذَا قِيلُ: الْمُدَبَّرُ مِنْ، وَجْهٍ
-
كَالْحُرِّ حَتَّى لَا يَحْتَمِلَ الْبَيْعَ فَكَانَ هُوَ كَالْمُكَاتَبِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ غَيْرُ مُضَافٍ إلَى الْمَوْلَى بِمُطْلَقِ الْمِلْكِ، وَالرِّقِّ إلَّا أَنَّ النُّقْصَانَ هُنَا فِي الْإِضَافَةِ بِمَعْنًى خَفِيٍّ فَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ الْقَضَاءِ،
-
وَلَا يَخْرُجُ مِنْ الْكَلَامِ بِدُونِ النِّيَّةِ.
-
وَفِي الْمُكَاتَبِ النُّقْصَانُ بِسَبَبِ ظَاهِرٍ، وَهُوَ مِلْكُ الْيَدِ لَهُ فِي مَكَاسِبِهِ فَلَا يَدْخُلُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ إنْشَاءُ الْعِتْقَ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ عِتْقَ الْمُدَبَّرِ مِنْ وَجْهِ تَعْجِيلٍ لِمَا اسْتَحَقَّهُ مُؤَجَّلًا فَلَا يَكُونُ إنْشَاءً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَإِذَا قَالَ لَمْ أَنْوِ الْمُدَبَّرِينَ فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ نَوَى مَا يَكُونُ إنْشَاءً مِنْ كُلِّ، وَجْهٍ خَاصَّةً، وَذَلِكَ أَمْرٌ فِي ضَمِيرِهِ خَاصَّةً فَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى،
-
وَلَوْ قَالَ لِعَبِيدِهِ أَنْتُمْ أَحْرَارٌ إلَّا فُلَانًا كَانَ كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْمُقَيَّدِ بِالِاسْتِثْنَاءِ يَكُونُ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الِاسْتِثْنَاءِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لِعَبْدَيْنِ أَنْتُمَا حُرَّانِ إلَّا سَالِمًا، وَهُوَ اسْمُ أَحَدِهِمَا كَانَ سَالِمٌ عَبْدًا؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ عِبَارَةٌ عَمَّا، وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى وَقَدْ بَقِيَ سِوَى الْمُسْتَثْنَى عَبْدٌ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ كَلَامُهُ عِبَارَةٌ عَنْهُ،
-
وَلَوْ قَالَ: سَالِمٌ حُرٌّ، وَمَرْزُوقٌ حُرٌّ إلَّا سَالِمًا عَتَقَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِكَلَامَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ بِمَا ذُكِرَ لَهُ مِنْ الْخَبَرِ فَكَانَ قَوْلُهُ إلَّا سَالِمًا اسْتِثْنَاءً لِجَمِيعِ مَا تَنَاوَلَهُ أَحَدُ كَلَامَيْهِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ تَعْطِيلٌ، وَالِاسْتِثْنَاءُ لِلتَّحْصِيلِ، وَالْبَيَانِ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إذَا كَانَ يَبْقَى سِوَى الْمُسْتَثْنَى شَيْءٌ يَتَنَاوَلُهُ ذَلِكَ الْكَلَامُ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ سَالِمٌ، وَمَرْزُوقٌ حُرَّانِ إلَّا سَالِمًا فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ صَحِيحٌ هُنَا؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ وَاحِدٌ هُنَا مَعْنًى حِينَ أَخَّرَ ذِكْرَ الْخَبَرِ حَتَّى عَطَفَ إحْدَاهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَذَكَرَ مَا يَصْلُحُ خَبَرًا لِلْمُسْتَثْنَى فَعَرَفْنَا بِهِ أَنَّ كَلَامَهُ وَاحِدٌ مَعْنًى فَكَأَنَّهُ قَالَ هُمَا حُرَّانِ إلَّا سَالِمًا فَإِنْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ أَبَدًا فَهُوَ حُرٌّ فَهَذَا اللَّفْظُ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَا يَمْلِكُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؛
-
لِأَنَّهُ قَالَ: أَبَدًا وَلَيْسَ لِلْأَبَدِ نِهَايَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَفِي الْعُرْفِ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ وَقْتٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إلَى مَوْتِهِ،
-
وَمِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الْعِتْقَ يَحْتَمِلُ الْإِضَافَةَ إلَى الْمِلْكِ كَالطَّلَاقِ فَبِأَيِّ سَبَبٍ يَمْلِكُ الْمَمْلُوكَ مِنْ شِرَاءٍ، أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ؛ لِأَنَّ الْمُضَافَ إلَى وَقْتٍ أَوْ الْمُعَلَّقَ بِشَرْطٍ عِنْدَ، وُجُودِهِ كَالْمُنْجِزِ.
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ إلَى ثَلَاثِينَ سَنَةً
-
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ أَشْتَرِيه فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ سَبَبٌ لِلْمِلْكِ، وَإِقَامَةُ السَّبَبِ مَقَامَ الْحُكْمِ صَحِيحٌ فَإِنْ أَمَرَ غَيْرَهُ فَاشْتَرِي مَمْلُوكًا لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الشَّرْطَ شِرَاءً بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ فَإِنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ، وَالْعَاقِدُ يَسْتَغْنِي عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْآمِرِ
-
بِخِلَافِ النِّكَاحِ، وَإِنْ كَانَ نَوَى أَنْ لَا يَشْتَرِيَ هُوَ،
-
وَلَا غَيْرُهُ عَتَقَ؛ لِأَنَّهُ شَدَّدَ الْأَمْرَ عَلَى نَفْسِهِ بِلَفْظٍ يَحْتَمِلُهُ فَإِنَّهُ نَوَى الْحُكْمَ، وَهُوَ الْمِلْكَ بِمَا ذَكَرَ
-
مِنْ سَبَبِهِ، وَهُوَ الشِّرَاءُ قَالُوا: وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ يُبَاشِرُ الْعَقْدَ بِنَفْسِهِ،
-
فَأَمَّا إذَا كَانَ الْحَالِفُ مِمَّنْ لَا يُبَاشِرُ الشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ عَادَةً فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَتَقَ؛ لِأَنَّهُ بِالْيَمِينِ مَنَعَ نَفْسَهُ عَمَّا يُبَاشِرُهُ عَادَةً،
-
فَإِذَا كَانَ عَادَتُهُ الشِّرَاءُ بِهَذَا الطَّرِيقِ يَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ،
-
وَإِنْ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ يَوْمَ أُكَلِّمُ فُلَانًا، وَلَيْسَ لَهُ مَمْلُوكٌ ثُمَّ اشْتَرَى مَمْلُوكًا ثُمَّ كَلَّمَهُ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَمْلِكُهُ،
-
وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فِي الِاسْتِقْبَالِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْحَالُ فِي الِاسْتِعْمَالِ يُقَالُ: فُلَانٌ يَمْلِكُ كَذَا، وَأَنَا أَمْلِكُ كَذَا يَعْنِي فِي الْحَالِ فَمَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ فِي الْحَالِ لَا يَتَنَاوَلُهُ كَلَامُهُ؛ لِأَنَّ الْمُضَافَ إلَى وَقْتٍ، وَالْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْمُنَجَّزُ فَإِذَا كَانَ الْعِتْقُ الْمُنَجِّزُ بِهَذَا اللَّفْظِ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا مَا يَمْلِكُهُ فِي الْحَالِ فَكَذَا الْمُضَافُ إلَى وَقْتٍ
-
بِخِلَافِ مَا سَبَقَ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ هُنَا فِي الْمِلْكِ لَا فِي الْحُرِّيَّةِ فَلِهَذَا يَتَنَاوَلُ مَا يَمْلِكُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
-
وَإِنْ كَانَ قَالَ يَوْمَ أُكَلِّمُ فُلَانًا فَكُلُّ مَمْلُوكٍ لِي يَوْمئِذٍ حُرٌّ عَتَقُوا؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ الْعِتْقَ لِمَا يَكُونُ فِي مِلْكِهِ وَقْتَ الْكَلَامِ، وَمَا كَانَ مَوْجُودًا فِي مِلْكِهِ، وَقْتَ الْيَمِينِ، وَمَا اسْتَحْدَثَ الْمِلْكُ فِيهِ مَوْصُوفٌ؛ بِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ وَقْتَ الْكَلَامِ فَيَعْتِقُونَ جَمِيعًا،
-
وَإِنْ قَالَ: يَوْمَ أُكَلِّمُهُ فَكُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ أَبَدًا فَهُوَ حُرٌّ ثُمَّ اشْتَرَى مَمْلُوكًا ثُمَّ كَلَّمَهُ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِالشَّرْطِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَالْمُنْجَزِ، وَقَوْلُهُ: يَوْمَ أُكَلِّمُ فُلَانًا شَرْطٌ، وَقَوْلُهُ: كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ أَبَدًا حُرٌّ فَيَصِيرُ عِنْدَ وُجُودِ الْكَلَامِ كَأَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ أَبَدًا، وَهَذَا اللَّفْظُ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَا يَمْلِكُهُ بَعْدَ الْكَلَامِ دُونَ مَا كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ قَبْلَ الْكَلَامِ وَالْمُشْتَرَى قَبْلَ الْكَلَامِ مَمْلُوكٌ لَهُ وَقْتَ الْكَلَامِ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ إيجَابُهُ،
-
وَإِنْ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ حُرٌّ يَوْمَ أُكَلِّمُ فُلَانًا، وَهُوَ يُرِيدُ مَا يَمْلِكُهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ فَاشْتَرَى مَمْلُوكًا ثُمَّ كَلَّمَهُ عَتَقَ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ فَإِنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِهِ أَمْلِكُهُ لِلِاسْتِقْبَالِ، وَلَكِنْ يَعْتِقُ فِي الْقَضَاءِ مَنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ يَوْمَ حَلَفَ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ لَفْظِهِ يَتَنَاوَلُ الْمَمْلُوكَ لَهُ فِي الْحَالِ لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَذُكِرَ فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ يُصَدَّقُ؛
-
لِأَنَّ مَا نَوَى مِنْ حَقِيقَةِ كَلَامِهِ مُسْتَعْمَلٌ أَيْضًا، وَإِنَّمَا لَا يُصَدَّقُ فِي صَرْفِ الْكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ إذَا كَانَ الْمَنْوِيُّ خِلَافَ الْمُسْتَعْمَلِ وَإِنْ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ، وَلَهُ عَبْدٌ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ آخَرَ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ الْعِتْقَ لِمَمْلُوكٍ مُضَافٍ إلَيْهِ بِالْمِلْكِ مُطْلَقًا، وَالْمَمْلُوكُ اسْمٌ لِلْعَبْدِ، وَهُوَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ، وَإِلَى شَرِيكِهِ مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ مُطْلَقُ كَلَامِهِ،
-
فَإِنْ نَوَاهُ عَتَقَ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ لَا يُسَمَّى عَبْدًا،
-
وَلَا مَمْلُوكًا فَقَدْ نَوَى خِلَافَ الْمَلْفُوظِ، وَلَكِنْ فِي الِاسْتِحْسَانِ يَقُولُ جُزْءٌ مِنْ الْعَبْدِ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ كَالْكُلِّ، وَلِهَذَا
-
صَحَّ إضَافَةُ التَّصَرُّفَاتِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْمِلْكِ إلَى الْجُزْءِ الشَّائِعِ فَإِذَا نَوَاهُ فَقَدْ شَدَّدَ عَلَى نَفْسِهِ بِلَفْظٍ يَحْتَمِلُهُ، وَبِدُونِ نِيَّتِهِ إنَّمَا لَمْ نُدْخِلْهُ لِلْعُرْفِ فَإِنَّ الْمَمْلُوكَ اسْمٌ لِلْعَبْدِ الْكَامِلِ عُرْفًا، وَقَدْ سَقَطَ اعْتِبَارُ هَذَا الْعُرْفِ حِينَ نَوَى بِخِلَافِهِ: تَوْضِيحُهُ أَنَّ الْعَبْدَ الْمُشْتَرَكِ مُضَافٌ إلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَيَكُونُ كَالْمُكَاتَبِ يَدْخُلُ بِنِيَّتِهِ.
-
وَإِنْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ تَاجِرٌ لَهُ مَمَالِيكٌ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، أَوْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ عَتَقَ الْعَبْدُ التَّاجِرُ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ رَقَبَةً، وَيَدًا فَيَتَنَاوَلُهُ مُطْلَقُ الْإِضَافَةِ فَأَمَّا مَمَالِيكُهُ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِرَقَبَتِهِ وَكَسْبِهِ لَمْ يَعْتِقْ مَمَالِيكَهُ نَوَاهُمْ، أَوْ لَمْ يَنْوِهِمْ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَعْتِقْ مَمَالِيكَهُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُمْ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ نَوَاهُمْ عَتَقُوا،
-
وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِمْ لَا يَعْتِقُونَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ يَعْتِقُونَ إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُمْ بِنِيتَةِ، وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي الْمَأْذُونِ أَنَّ الْمَوْلَى لَا يَمْلِكُ كَسْبَ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ إذَا كَانَ مُسْتَغْرِقًا بِالدَّيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَة - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَعِنْدَهُمَا يَمْلِكُهُ وَالثَّانِي - فِي الْأَيْمَانِ أَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ لَا يَكُونُ مُضَافًا إلَى الْمَوْلَى فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَكُونُ حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ فَدَخَلَ دَارَ عَبْدِهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَحْنَثُ؛
-
لِأَنَّ حَقِيقَةَ هَذِهِ الْإِضَافَةِ لِلْمِلْكِ، وَكَسْبُ الْعَبْدِ مَمْلُوكٌ لِمَوْلَاهُ وَعِنْدَهُمَا: الْإِضَافَةُ إلَى الْمَوْلَى مَجَازٌ، وَإِلَى الْعَبْدِ حَقِيقَةٌ؛ لِأَنَّهُ كَسْبُهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ بَاعَ عَبْدًا، وَلَهُ مَالٌ» وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَسْتَقِيمُ أَنْ تَنْفِيَ عَنْ الْمَوْلَى فَيُقَالُ: هَذِهِ لَيْسَتْ بِدَارِهِ بَلْ هِيَ دَارُ عَبْدِهِ، وَالْعِبْرَةُ لِلْإِضَافَةِ لَا لِلْمِلْكِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ دَارًا يَسْكُنُهَا فُلَانٌ عَارِيَّةً، أَوْ إجَارَةً كَانَ حَانِثًا إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَالْمَوْلَى لَا يَمْلِكُ كَسْبَ الْعَبْدِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَتَّى لَوْ أَعْتَقَهُ بِعَيْنِهِ لَمْ يَعْتِقْ فَكَذَلِكَ بِمُطْلَقِ كَلَامِهِ،
-
وَإِنْ نَوَاهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَهُوَ غَيْرُ مُضَافٍ إلَيْهِ مُطْلَقًا فَلَا يَعْتِقُ بِمُطْلَقِ كَلَامِهِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ فَإِنْ نَوَاهُ عَتَقَ؛ لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ كَلَامِهِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ مَالِكٌ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُضَافٍ إلَيْهِ مُطْلَقًا فَلَا يَدْخُلُ فِي كَلَامِهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ.
-
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْإِضَافَةُ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ، وَهُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ فَيَعْتِقُ بِإِيجَابِهِ إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ بِنِيَّةٍ فَيَعْمَلُ اسْتِثْنَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الْمُضَافَ إلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهَذَا مُضَافٌ إلَيْهِ مِلْكًا، وَلَكِنَّهُ مُضَافٌ إلَى عَبْدِهِ كَسْبًا، أَوْ نَوَى تَخْصِيصَ لَفْظِهِ الْعَامِّ فَتَعْمَلُ نِيَّتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا لَا يُصَدَّقُ
-
فِي الْقَضَاءِ، وَإِذَا دَعَا عَبْدَهُ سَالِمًا فَأَجَابَهُ مَرْزُوقٌ فَقَالَ: أَنْتَ حُرٌّ،
-
وَلَا نِيَّةَ لَهُ عَتَقَ الَّذِي أَجَابَهُ؛ لِأَنَّهُ أَتْبَعَ الْإِيقَاعُ الْجَوَابَ فَيَصِيرُ مُخَاطِبًا لِلْمُجِيبِ،
-
وَإِنْ قَالَ عَنَيْت سَالِمًا عَتَقَ سَالِمٌ بِنِيَّتِهِ لِكَوْنِ الْمَنْوِيِّ مِنْ مُحْتَمِلَاتِ كَلَامِهِ، وَلَكِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ فِي صَرْفِ الْعِتْقِ عَنْ مَرْزُوقٍ؛ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ تَنَاوَلَهُ فِي الظَّاهِرِ فَلَا يَدِينُ فِي صَرْفِهِ عَنْهُ فِي الْقَضَاءِ وَهُوَ مَدِينٌ فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى،
-
وَإِنْ قَالَ: يَا سَالِمٌ أَنْتَ حُرٌّ، وَأَشَارَ إلَى شَخْصٍ ظَنَّهُ سَالِمًا،
-
فَإِذَا هُوَ عَبْدٌ آخَرُ لَهُ، أَوْ لِغَيْرِهِ عَتَقَ عَبْدُهُ سَالِمٌ؛ لِأَنَّهُ أَتْبَعَ الْإِيقَاعُ النِّدَاءَ فَتَنَاوَلَ الْمُنَادَى خَاصَّةً،
-
وَلَا مُعْتَبَرَ لِظَنِّهِ فَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا،
-
وَإِذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ، أَوْ أَمَتَهُ ثُمَّ جَحَدَ الْعِتْقَ حَتَّى أَصَابَ مِنْ الْخِدْمَةِ وَالْغَلَّةِ مَا أَصَابَ،
-
ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ أَوَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْخِدْمَةِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ،
-
وَلَا تَتَقَوَّمُ الْمَنْفَعَةُ إلَّا بِعَقْدٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ غَصَبَ حُرًّا فَاسْتَخْدَمَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ سِوَى الْمَأْثَمِ عِنْدَنَا فَهَذَا مِثْلُهُ بَلْ عَيْنُهُ.
-
؛ لِأَنَّهَا تُبَيِّنُ أَنَّهَا كَانَتْ حُرَّةً حِينَ اسْتَخْدَمَهَا، وَيَرُدُّ عَلَيْهَا مَا أَصَابَ مِنْ غَلَّتِهَا، وَمُرَادُهُ إذَا كَانَتْ هِيَ الَّتِي أَجَّرَتْ نَفْسَهَا، أَوْ اكْتَسَبَتْ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهَا كَانَتْ حُرَّةً مَالِكَةً لِكَسْبِهَا فَعَلَى الْمَوْلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا مَا أَخَذَ مِنْهَا،
-
وَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَجَّرَهَا فَمَا أَخَذَ مِنْ الْغَلَّةِ يَكُونُ مَمْلُوكًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بَعْدِهِ، وَلَكِنْ لَا يَطِيبُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ بِكَسْبٍ خَبِيثٍ، وَعَلَيْهِ فِي الْوَطْءِ لَهَا - مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَطِئَهَا وَهِيَ حُرَّةٌ، وَالْوَطْءُ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ لَا يَنْفَكُّ فِي حَدٍّ، أَوْ مَهْرٍ، وَقَدْ سَقَطَ الْحَدُّ بِالشُّبْهَةِ؛
-
لِأَنَّهَا كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ يَوْمئِذٍ فِي الظَّاهِرِ فَوَجَبَ الْمَهْرُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْءِ فِي حُكْمِ الْعَيْنِ دُونَ الْمَنْفَعَةِ، وَلِهَذَا يَخْتَصُّ إبَاحَةُ تَنَاوُلِهِ بِالْمِلْكِ،
-
وَلَا يَمْلِكُ بِالْعَقْدِ إلَّا مُؤَبَّدًا وَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيٌّ جَنَى عَلَيْهِ ثُمَّ أَقَرَّ الْمَوْلَى أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى إلْزَامِ الْجَانِي حُكْمَ أَرْشِ الْحُرِّ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي حَقِّ الْجَانِي، وَثُبُوتُ الْحُكْمِ بِحَسَبِ الْحُجَّةِ، وَإِقْرَارُهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ خَاصَّةً، فَمَا وَجَبَ مِنْ أَرْشِ الْمَمَالِيكِ يَكُونُ لَهَا؛
-
لِأَنَّ الْمَوْلَى حَوَّلَ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ إلَيْهَا، وَذَلِكَ صَحِيحٌ مِنْهُ لِكَوْنِهِ مُقِرًّا بِهِ عَلَى نَفْسِهِ،
-
وَإِنْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ لَزِمَ الْجَانِي حُكْمُ الْجِنَايَةِ عَلَى الْحُرِّ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْكُلِّ، وَالثَّابِتُ مِنْ الْحُرِّيَّةِ بِهَا قَبْلَ الْجِنَايَةِ كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةً عَلَى الْحُرِّ.
-
وَلَمْ يَجُزْ عِتْقُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فِي حَالِ جُنُونِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمَا هَدَرَ شَرْعًا خُصُوصًا فِيمَا يَضُرُّهُمَا، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَنْفُذُ إلَّا بِقَوْلٍ مُلْزِمٍ لَا أَنَّهُ مُلْزِمٌ فِي نَفْسِهِ، وَقَوْلُهُمَا غَيْرُ مُلْزِمٍ شَرْعًا،
-
وَإِنْ أَعْتَقَ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ مُخَاطِبٌ لَهُ قَوْلٌ مُلْزِمٌ، وَهُوَ يَمْلِكُ الْعَبْدَ حَقِيقَةً فَيَنْفُذُ عِتْقُهُ وَإِنْ قَالَ أَعْتَقْت عَبْدِي، وَأَنَا صَبِيٌّ، وَأَنَا نَائِمٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ إقْرَارَهُ إلَى
-
حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ تُنَافِي إعْتَاقَهُ فَكَانَ إنْكَارًا لِلْعِتْقِ مَعْنًى، وَإِقْرَارًا صُورَةً وَالْعِبْرَةُ لِلْمَعْنَى دُونَ الصُّورَةِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَعْتَقْته قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ أَوْ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ تُنَافِي تَصَوُّرَ الْإِعْتَاقِ فَيَكُونُ هَذَا أَبْلَغُ فِي النَّفْيِ مِنْ الْإِضَافَةِ إلَى حَالَةٍ تُنَافِي الْإِعْتَاقَ شَرْعًا،
-
وَإِذَا وَجَبَ تَصْدِيقُهُ هُنَاكَ فَهُنَا أَوْلَى وَإِذَا قَالَ: لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ مَتَى شِئْت، أَوْ كُلَّمَا شِئْت، أَوْ مَا شِئْت فَقَالَ الْعَبْدُ إلَّا أَشَاءُ ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ ثُمَّ شَاءَ الْعِتْقَ، فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِوُجُودِ مَشِيئَتِهِ فِي عُمْرِهِ، وَلَمْ يَفُتْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ لَا أَشَاءُ؛
-
لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ مِنْهُ الْمَشِيئَةُ بَعْدَهُ، وَقَوْلُهُ لَا أَشَاءُ كَسُكُوتِهِ، أَوْ قِيَامِهِ عَنْ الْمَجْلِسِ،
-
وَلَا يُجْعَلُ قَوْلُهُ لَا أَشَاءُ رَدًّا لِأَصْلِ كَلَامِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْعِتْقِ بِالشَّرْطِ يَتِمُّ بِالْمَوْلَى فَلَا يَرْتَدُّ بِرَدِّ الْعَبْدِ،
-
وَإِذَا بَقِيَ التَّعْلِيقُ نَزَلَ الْعِتْقُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ بِمَشِيئَتِهِ.
-
(قَالَ) : أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ إنْ دَخَلْت الدَّارَ ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ فَدَخَلَ الدَّارَ يَعْتِقُ وَهَذَا مَذْهَبُنَا فَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ عِنْدَهُ كَمَا يُشْتَرَطُ لِانْعِقَادِ الْيَمِينِ يُشْتَرَطُ لِبَقَائِهَا، وَبِالْبَيْعِ زَالَ مِلْكُهُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْمِلْكُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِانْعِقَادِ الْيَمِينِ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ، وُجُودُ الْمَحْلُوفِ بِهِ فَلِهَذَا صَحَّحْنَا إضَافَةَ الْعِتْقِ إلَى الْمِلْكِ، وَالْمَحْلُوفُ بِهِ هُوَ الْعِتْقُ وَمَحَلِّيَّةُ الْعَبْدِ لِلْعِتْقِ بِصِفَةِ الرِّقِّ، وَذَلِكَ لَا يَنْعَدِمُ بِالْبَيْعِ، إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْمِلْكُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ لِنُزُولِ الْعِتْقِ؛
-
لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ يَتَّصِلُ بِالْمَحَلِّ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ بَقَاءُ الْيَمِينِ بِبَقَاءِ ذِمَّتِهِ وَبَقَاءُ الْمَحْلُوفِ بِهِ لِكَوْنِهِ مَحَلًّا لِلْعِتْقِ فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ الْمِلْكِ فِيهِ.
-
وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ حَيْثُ شِئْت فَقَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ بَطَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَيْثُ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَكَانِ أَيْ أَنْتَ حُرٌّ فِي أَيِّ مَكَان شِئْت فَلَيْسَ فِي لَفْظِهِ مَا يُوجِبُ تَعْمِيمًا فِي الْوَقْتِ فَيَتَوَقَّفُ بِالْمَجْلِسِ كَقَوْلِهِ، إنْ شِئْت وَإِنْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ كَيْفَ شِئْت عَتَقَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَمْ يَعْتِقْ فِي قَوْلِهِمَا مَا لَمْ يَشَأْ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي الطَّلَاقِ، وَالْعِتْقُ قِيَاسُهُ، وَقَوْلُهُ كَيْفَ شِئْت فِي الْعِتْقِ لَيْسَ بِشَيْءٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛
-
لِأَنَّ بَعْدَ نُزُولِ الْعِتْقِ لَا مَشِيئَةَ لِأَحَدٍ فِي تَغْيِيرِهِ مِنْ وَصْفٍ إلَى وَصْفٍ، وَلِهَذَا لَوْ شَاءَ الْعَبْدُ عَتَقَا عَلَى مَالٍ، أَوْ إلَى أَجَلٍ، أَوْ بِشَرْطٍ أَوْ شَاءَ التَّدْبِيرَ فَذَلِكَ بَاطِلٌ كُلُّهُ، وَهُوَ حُرٌّ،
-
وَإِنْ قَالَ عَبْدِي حُرٌّ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا عَبْدٌ، وَاحِدٌ عَتَقَ؛ لِأَنَّهُ عَرَفَ مَحَلَّ الْعِتْقِ بِإِضَافَتِهِ إلَى نَفْسِهِ، فَكَأَنَّهُ عَرَفَهُ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ أَوْجَبَ مَا لَا يَتِمُّ إيجَابُهُ إلَّا فِي مِلْكِهِ فَتَعَيَّنَ مِلْكُهُ لَهُ فَإِنْ قَالَ لِي عَبْدٌ آخَرُ، وَإِيَّاهُ عَنَيْت لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛
-
لِأَنَّ كَلَامَهُ تَنَاوَلَ ذَلِكَ الْعَبْدَ الَّذِي ظَهَرَ مِلْكُهُ فِيهِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ فَيَكُونُ هُوَ مُتَّهَمًا فِي صَرْفِهِ عَنْهُ إلَّا مَنْ لَا يَعْلَمُ
-
فَلَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي إلَّا بِحُجَّةٍ،
-
وَلَوْ قَالَ: أَبِيعُك عَبْدًا بِكَذَا، وَلَمْ يُسَمِّهِ، وَلَمْ يَرَهُ الْمُشْتَرِي فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَهُ فِي مَجْهُولٍ، وَإِيجَابُ الْبَيْعِ فِي الْمَجْهُولِ بَاطِلٌ، وَهَذِهِ جَهَالَةٌ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ بَيْنَهُمَا فَإِنْ اتَّفَقَا أَنَّهُ هَذَا، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ، وَالْمُنَازَعَةَ قَدْ ارْتَفَعَتْ بِاتِّفَاقِهِمَا، وَكَانَ بَيَانُهُمَا فِي الِانْتِهَاءِ بِمَنْزِلَةِ التَّعْيِينِ فِي الِابْتِدَاءِ،
-
وَإِنْ قَالَ: أَبِيعُك عَبْدِي بِكَذَا، وَلَمْ يُسَمِّ كَانَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إذَا رَآهُ؛ لِأَنَّهُ عَرَفَهُ بِالْإِضَافَةِ إلَى نَفْسِهِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ التَّعْرِيفِ بِالْإِشَارَةِ إلَى مَكَانِهِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ مُسَمًّى بِذَلِكَ الِاسْمِ إلَّا وَاحِدٌ، وَثُبُوتُ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي لِعَدَمِ الرُّؤْيَةِ.
-
(قَالَ) : وَلَيْسَ هَذَا كَالْعِتْقِ وَظَنَّ بَعْضُ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ مُرَادُهُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي إثْبَاتِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ هُوَ الْفَرْقُ؛ لِأَنَّ إيجَابَ الْعِتْقِ فِي الْمَجْهُولِ صَحِيحٌ
-
بِخِلَافِ إيجَابِ الْبَيْعِ حَتَّى لَوْ قَالَ أَعْتَقْت عَبْدًا، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا عَبْدٌ وَاحِدٌ يَعْتِقُ ذَلِكَ الْعَبْدُ
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: بِعْتُك عَبْدًا؛ لِأَنَّ الْمُنَازَعَةَ تَتَمَكَّنُ بِسَبَبِ الْجَهَالَةِ فِي الْبَيْعِ دُونَ الْعِتْقِ، وَالْبَيَانُ مِنْ الْمَوْلَى مَقْبُولٌ فِي الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ إيجَابٌ لَا يُقَابِلُهُ اسْتِيجَابٌ
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَلَوْ قَالَ: أَحَدُ عَبْدَيَّ حُرٌّ، أَوْ أَحَدُ عَبِيدِي حُرٌّ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا عَبْدٌ، وَاحِدٌ عَتَقَ ذَلِكَ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّهُ عَرَفَ مَحَلَّ الْعِتْقِ بِإِضَافَتِهِ إلَى نَفْسِهِ بِالْمِلْكِيَّةِ،
-
وَإِذَا كَانَ الْمُضَافُ إلَيْهِ بِالْمِلْكِيَّةِ وَاحِدًا كَانَ مُتَعَيَّنًا لِإِيجَابِهِ،
-
وَلَوْ قَالَ لِعَبْدَيْهِ: أَحَدُ كَمَا حُرٌّ عَتَقَ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ فَيَصِحُّ إيجَابُهُ فِي الْمَجْهُولِ كَالطَّلَاقِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِالشَّرْطِ إنَّمَا يَنْزِلُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَالْإِيجَابُ فِي الْمَجْهُولِ فِي حَقِّ الْعَيْنِ كَالْمُتَعَلِّقِ بِشَرْطِ الْبَيَانِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ فَيَصِحُّ إيجَابُهُ فِي الْمَجْهُولِ،
-
فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا، أَوْ قُتِلَ تَعَيَّنَ الْعِتْقُ فِي الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الَّذِي مَاتَ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِإِيقَاعِ الْعِتْقِ عَلَيْهِ، وَالْعِتْقُ الْمُبْهَمُ فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ كَالنَّازِلِ عِنْدَ الْبَيَانِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَقَاءٍ لِمَحَلٍّ؛ لِيَبْقَى خِيَارُهُ فِي الْبَيَانِ، وَعَدَمُ التَّعَيُّنِ فِي الْبَاقِي مِنْهُمَا كَانَ لِمُزَاحَمَةِ الْآخَرِ إيَّاهُ وَقَدْ زَالَتْ هَذِهِ الْمُزَاحَمَةُ بِخُرُوجِ أَحَدِهِمَا مِنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْعِتْقِ فَلِهَذَا يَتَعَيَّنُ فِي الْآخَرِ.
-
وَهَذَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ لَوْ اشْتَرَى أَحَدَ الْعَبْدَيْنِ وَسَمَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَنًا، وَشَرَطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ الْبَيْعُ فِي الْهَالِكِ، وَهُنَا يَتَعَيَّنُ الْعِتْقُ فِي الْقَائِمِ قَالَ عَلِيٌّ الْقُمِّيُّ: وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْهَالِكَ يَهْلِكُ عَلَى مِلْكِهِ فِي الْفَصْلَيْنِ،
-
وَالْأَصَحُّ أَنْ يَقُولَ هُنَاكَ حِينَ أَشْرَفَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْهَلَاكِ تَعَيَّنَ الْبَيْعُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ رَدُّهُ كَمَا قَبَضَ فَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ لِلْبَيْعِ، وَهُوَ حَيٌّ لَا مَيِّتٌ، وَهُنَا لَوْ تَعَيَّنَ الْعِتْقُ فِيهِ تَعَيَّنَ بَعْدَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِشْرَافِ عَلَى الْهَلَاكِ لَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْعِتْقِ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ هُوَ لَيْسَ
-
بِمَحَلٍّ لِلْعِتْقِ فَيَتَعَيَّنُ فِي الْقَائِمِ ضَرُورَةً،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ أَحَدُهُمَا أَوْ وَهَبَهُ؛ لِأَنَّهُ اكْتَسَبَ فِيهِ سَبَبَ التَّمْلِيكِ، وَالْمُعْتَقُ لَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلتَّمْلِيكِ فَمِنْ ضَرُورَةِ اكْتِسَاب سَبَبِ التَّمْلِيكِ فِيهِ نَفْيُ الْعِتْقِ عَنْهُ، وَذَلِكَ يُخْرِجُهُ مِنْ مُزَاحَمَةِ الْآخَرِ فِي ذَلِكَ الْعِتْقِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْعَاقِلِ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّحَّةِ مَا أَمْكَنَ،
-
وَمِنْ ضَرُورَةِ صِحَّةِ هَذَا، انْتِفَاءُ ذَلِكَ الْعِتْقِ عَنْ هَذَا الْمَحَلِّ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ دَبَّرَ أَحَدَهُمَا صَحَّ تَدْبِيرُهُ؛ لِأَنَّهُمَا مَمْلُوكَاهُ فِي الظَّاهِرِ،
-
وَمِنْ ضَرُورَةِ صِحَّةِ التَّدْبِيرِ انْتِفَاءُ ذَلِكَ الْعِتْقِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَقَ لَا يُدَبَّرُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ بِالشَّرْطِ، وَالْعِتْقُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ غَيْرُ مُتَعَدِّدٍ فَمِنْ ضَرُورَةِ تَنَجُّزِهِ، بُطْلَانُ التَّعَلُّقِ بِالْمَوْتِ،
-
وَمِنْ ضَرُورَةِ صِحَّةِ تَعْلِيقِهِ بِالْمَوْتِ انْتِفَاءُ تَنَجُّزِ الْعِتْقِ فِيهِ قَبْلَهُ.
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَا أَمَتَيْنِ فَوَطِئَ إحْدَاهُمَا فَعَلِقَتْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ، وَلَدٍ لَهُ فَمِنْ ضَرُورَةِ صِحَّةِ أُمِّيَّةِ الْوَلَدِ، وَاسْتِحْقَاقِ الْعِتْقِ بِهَا انْتِفَاءُ الْعِتْقِ الْمُنَجَّزِ عَنْهَا،
-
وَإِذَا انْتَفَى عَنْ إحْدَاهُمَا تَعَيَّنَ فِي الْأُخْرَى لِزَوَالِ الْمُزَاحَمَةِ،
-
وَلَوْ، وَطِئَ إحْدَاهُمَا، وَلَمْ تَعْلَقْ مِنْهُ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَتَعَيَّنُ الْعِتْقُ فِي الْأُخْرَى بَلْ يَبْقَى خِيَارُهُ فِي الْبَيَانِ: وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْوَطْءَ تَصَرُّفٌ لَا يَحِلُّ إلَّا بِالْمِلْكِ فَإِقْدَامُهُ عَلَيْهِ فِي إحْدَاهُمَا دَلِيلُ تَعْيِينِ الْمِلْكِ فِيهَا،
-
وَمِنْ ضَرُورَتِهِ انْتِفَاءُ ذَلِكَ الْعِتْقِ عَنْهَا فَتَعَيَّنَ فِي الْأُخْرَى، وَقَاسَا بِمَا بَيَّنَّا فِي التَّصَرُّفَاتِ وَبِمَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْنِ لَهُ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ وَطِئَ إحْدَاهُمَا تَعَيَّنَ الطَّلَاقُ فِي الْأُخْرَى، وَهَذَا؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْمُسْلِمِ مَحْمُولٌ عَلَى الْحِلِّ مَا أَمْكَنَ؛ لِأَنَّ عَقْلَهُ، وَدِينَهُ يَمْنَعُهُ مِنْ الْحَرَامِ، وَوَطْؤُهُمَا جَمِيعًا لَيْسَ بِحَلَالٍ لَهُ حَتَّى لَا يُفْتَى لَهُ بِذَلِكَ فَكَانَ مِنْ ضَرُورَةِ حِلِّ الْوَطْءِ فِي إحْدَاهُمَا انْتِفَاءُ الْعِتْقِ عَنْهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ جَارِيَةً عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ، وَطِئَهَا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ يَصِيرُ فَاسِخًا لِلْبَيْعِ، وَهُنَاكَ الْجَارِيَةُ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ، وَوَطْؤُهَا حَلَالٌ لَهُ ثُمَّ كَانَ مِنْ ضَرُورَةِ الْإِقْدَامِ عَلَى الْوَطْءِ انْتِفَاءُ سَبَبِ الْمُزِيلِ عَنْهَا فَهُنَا أَوْلَى،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ إحْدَى الْأَمَتَيْنِ، وَسَمَّى لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثَمَنًا وَشَرَطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ وَطِئَ إحْدَاهُمَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ الْبَيْعَ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فَوَطِئَ إحْدَاهُمَا تَعَيَّنَ الْبَيْعُ فِيهَا لِإِثْبَاتِ صِفَةِ الْحِلِّ لِفِعْلِهِ فَهَذَا قِيَاسُهُ.
-
وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ، وَطْؤُهُمَا جَمِيعًا مَمْلُوكٌ لَهُ، وَالْوَطْءُ فِي الْمِلْكِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِخْدَامِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةِ لَيْسَ فِي الْوَطْءِ إلَّا اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ، وَإِنَّمَا تَظْهَرُ الْمُفَارَقَةُ بَيْنَهُمَا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ وَذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ فَبَقِيَ فِي الْمِلْكِ الْوَطْءُ نَظِيرُ الِاسْتِخْدَامِ، وَبَيَانُ أَنَّ وَطْأَهُمَا مَمْلُوكٌ لَهُ، أَمَّا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمِ؛
-
فَلِأَنَّهُمَا لَوْ وَطِئَهُمَا بِالشُّبْهَةِ كَانَ الْوَاجِبُ عَقْرَ الْمَمْلُوكَتَيْنِ، وَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ
-
لِلْمَوْلَى وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الْبَدَلَ الْأَصْلُ،
-
وَمِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةِ؛ فَلِأَنَّهُمَا كَانَتَا مَمْلُوكَتَيْنِ لَهُ قَبْلَ إيجَابِ الْعِتْقِ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ الْعِتْقَ فِي نَكِرَةٍ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِعَيْنِهَا مَعْرِفَةٌ، وَالْمُنْكَرُ غَيْرُ الْمَعْرُوفِ فَلَا يَجُوزُ إيجَابُ الْعِتْقِ فِي الْمُعَيَّنِ قَبْلَ بَيَانِهِ؛ لِأَنَّهُ إيجَابٌ فِي غَيْرِ الْمَحَلِّ الَّذِي أَوْجَبَهُ،
-
وَلَا يَقُولُ هُوَ فِي الذِّمَّةِ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -؛ لِأَنَّهُ مَا أَوْجَبَهُ فِي الذِّمَّةِ وَلَكِنْ يَقُولُ هُوَ فِي الْمُنْكَرِ كَمَا أَوْجَبَهُ، وَعَدَمُ التَّعَيُّنِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِيجَابِ فِيمَا هُوَ أَضْيَقُ مِنْ هَذَا مَعْنًى حَتَّى لَوْ بَاعَ قَفِيزًا مِنْ صُبْرَةٍ جَازَ فَلَأَنْ لَا يَمْنَعَ صِحَّةَ الْإِيجَابِ هُنَا أَوْلَى، وَلَكِنَّ الْإِيجَابَ فِي الْمُنْكَرِ كَالْمُتَعَلِّقِ بِشَرْطِ الْبَيَانِ فِي حُكْمِ الْعَيْنِ، وَالتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ يَمْنَعُ الْوُصُولَ إلَى الْمَحَلِّ، وَفِيمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ كَالْبَيْعِ الْمُعْتَبَرِ انْتِفَاءُ مَعْنَى الْمُنَازَعَةِ لِصِحَّةِ الْإِيجَابِ،
-
فَإِذَا بَقِيَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَمْلُوكَةً لَهُ عَيْنًا بَقِيَ، وَطْءُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَمْلُوكًا لَهُ وَلَكِنْ لَا يُفْتَى بِالْحِلِّ؛ لِأَنَّ الْمُنَكَّرَ الَّذِي وَجَبَ فِيهِ الْعِتْقُ فِيهِمَا، وَالْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ فَلِهَذَا لَا يُفْتَى بِحِلِّ، وَطْئِهِمَا لَهُ،
-
وَإِنْ كَانَ وَطْؤُهُمَا مَمْلُوكًا لَهُ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَإِنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ لَيْسَ إلَّا مِلْكُ الْحِلِّ.
-
وَالطَّلَاقُ مُوجِبُهُ الْأَصْلِيُّ حُرْمَةُ الْمَحَلِّ،
-
وَلَا يَجْتَمِعُ الْوَصْفَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَمِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ بَاقِيًا لَهُ فِي الْمَوْطُوءَةِ انْتِفَاءُ التَّطْلِيقَاتِ عَنْهَا فَيَتَعَيَّنُ فِي الْأُخْرَى،
-
وَأَمَّا الْعِتْقُ يُزِيلُ مِلْكَ الرَّقَبَةِ، وَحِلُّ الْوَطْءِ بِاعْتِبَارِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ لَا بِاعْتِبَارِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ فِي مَحَلِّ انْتِفَاءِ الْعِتْقِ عَنْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ،
-
وَلَا يُقَالُ: هُنَا لَا سَبَبَ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ إلَّا مِلْكُ الرَّقَبَةِ،
-
وَمِنْ ضَرُورَةِ انْتِفَاءِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ انْتِفَاءُ مِلْكِ الْمُتْعَةِ الثَّابِتِ بِسَبَبِهِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ طَرِيقُهُ طَرِيقَ الضَّرُورَةِ تُعْتَبَرُ فِيهِ الْجُمْلَةُ، لَا الْأَحْوَالُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَارِيَةَ الْمَبِيعَةَ إذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَقُطِعَتْ يَدُ الْوَلَدِ وَأَخَذَ الْمُشْتَرِي الْأَرْشَ ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ نَسَبَ الْوَلَدِ بَطَلَ الْبَيْعُ، وَحُكِمَ بِحُرْمَةِ الْأَصْلِ لِلْوَلَدِ، وَبَقِيَ الْأَرْشُ سَالِمًا لِلْمُشْتَرِي،
-
وَلَا سَبَبَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِمِلْكِهِ الْأَرْشَ سِوَى مِلْكِ الرَّقَبَةِ ثُمَّ نُظِرَ إلَى الْجُمْلَةِ دُونَ الْأَحْوَالِ.
-
وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى لَحْمًا فَأَخْبَرَهُ عَدْلٌ أَنَّهُ ذَبِيحَةُ مَجُوسِيٍّ يَحْرُمُ عَلَيْهِ تَنَاوُلُهُ، وَسَبَبُ الْمِلْكِ هُنَا مِلْكُ الْعَيْنِ، وَلَمَّا كَانَ حِلُّ التَّنَاوُلِ يَثْبُتُ فِي الطَّعَامِ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ غَيْرِ مِلْكٍ نُظِرَ إلَى الْجُمْلَةِ دُونَ الْأَحْوَالِ
-
بِخِلَافِ حِلِّ الْوَطْءِ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَنَقُولُ: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مِلْكِ الْمُتْعَةِ، وَالْحُرِّيَّةِ فِي مَحَلِّ، وَاحِدٍ ابْتِدَاءً، وَبَقَاءً فِي الْجُمْلَةِ، وَأَكْثَرُ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يَكُونَ إقْدَامُهُ عَلَى الْوَطْءِ دَلِيلُ بَقَاءِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ لَهُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ مُنَافَاةَ الْحُرِّيَّةِ عَنْهُ ضَرُورَةً: تَوْضِيحُهُ أَنَّ وَطْءَ إحْدَاهُمَا دَلِيلُ الْحُرْمَةِ فِي الْأُخْرَى، وَالتَّصْرِيحُ
-
بِالْحُرْمَةِ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ بِأَنْ يَقُولَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ بِنِيَّةِ الطَّلَاقِ فَكَذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْحُرْمَةِ فِي الْأُخْرَى يَحْصُلُ بِهِ الْبَيَانُ فَأَمَّا التَّصْرِيحُ بِالْحُرْمَةِ لَا يَنْزِلُ بِهِ الْعِتْقُ فَكَذَلِكَ الْبَيَانُ لَا يَحْصُلُ بِمَا يَكُونُ دَلِيلَ الْحُرْمَةِ فِي إحْدَاهُمَا؛
-
لِأَنَّ الْبَيَانَ فِي حَقِّ الْمَحَلِّ كَالْإِيجَابِ ابْتِدَاءً، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ بَعْدَ الْمَوْتِ فَأَمَّا فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ،
-
وَلَوْ لَمْ يَجْعَلْهُ فَاسِخًا لِلْبَيْعِ بِالْوَطْءِ لَكَانَ إذَا جَازَ الْبَيْعُ يَمْلِكُهُ الْمُشْتَرِي مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ حَتَّى لَوْ وُطِئَتْ بِالشُّبْهَةِ كَانَ الْأَرْشُ لِلْمُشْتَرِي فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ الْبَائِعَ، وَطِئَهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فَلِهَذَا جَعَلْنَاهُ بَيَانًا وَهُنَا لَوْ عَيَّنَّ الْعِتْقَ فِي الْمَوْطُوءَةِ لَا يَتَبَيَّنُ انْعِدَامُ مِلْكِهِ فِيهَا سَابِقًا عَلَى الْوَطْءِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ يَكُونُ الْأَرْشُ سَالِمًا لِلْمَوْلَى،
-
وَإِنْ عَيَّنَ الْعِتْقَ فِيهَا مَعَ أَنَّ فَسْخَ الْبَيْعِ هُنَاكَ يَحْصُلُ بِالْجِنَايَةِ، وَهُنَا لَا يَحْصُلُ بِجِنَايَتِهِ عَلَى إحْدَاهُمَا بِالْبَيَانِ فَكَذَلِكَ بِالْوَطْءِ،
-
وَكَذَلِكَ فِي بَيْعِ إحْدَى الْأَمَتَيْنِ، أَمَّا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي؛ فَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إحْدَاهُمَا إلَّا بَعْدَ تَعْيِينِ الْبَيْعِ فِيهَا،
-
وَإِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ؛ فَلِأَنَّهُ لَوْ عَيَّنَ الْبَيْعَ فِيهَا بَعْدَ الْوَطْءِ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ وَقْتِ الْبَيْعِ، وَيَتَبَيَّنُ أَنَّهُ وَطِئَهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فَلِلتَّحَرُّزِ عَنْ هَذَا تَعَيَّنَ الْبَيْعُ فِي الْأُخْرَى ضَرُورَةً، وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَوْ قَبَّلَ إحْدَاهُمَا، أَوْ لَمَسَهَا بِشَهْوَةٍ، أَوْ نَظَرَ إلَى فَرْجِهَا فَكَذَلِكَ أَيْضًا؛
-
لِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ لَا تَحِلُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ كَالْوَطْءِ،
-
وَلَوْ أَعْتَقَ إحْدَاهُمَا بِعَيْنِهَا ثُمَّ قَالَ: إيَّاهَا كُنْت عَنَيْت بِذَلِكَ الْعِتْقِ الْأَوَّلِ كَانَ مُصَدَّقًا أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -؛ فَلِأَنَّ الْعِتْقَ الْأَوَّلَ فِي حَقِّ الْعَيْنِ لَمْ يَكُنْ نَازِلًا حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَوْقِعْ، فَكَانَ هَذَا إيقَاعًا لِذَلِكَ الْعِتْقِ فِي الْعَيْنِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: هُوَ نَازِلٌ فِي إحْدَاهُمَا حَتَّى يُقَالَ لَهُ: بَيِّنْ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الزِّيَادَاتِ، وَلَكِنَّ لَفْظَهُ فِي الْإِيقَاعِ، وَالْبَيَانِ يَتَقَارَبُ، وَالْبَيَانُ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ فَيُحْمَلُ فِعْلُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُسْتَحَقِّ.
-
وَإِنْ قَالَ أَرَدْت بِهِ الْإِيقَاعَ ابْتِدَاءً صَحَّ إيقَاعُهُ؛ لِأَنَّهَا بَقِيَتْ عَلَى مِلْكِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ الْمُبْهَمِ مَحَلًّا قَابِلًا لِتَصَرُّفِهِ، وَبِتَقَرُّرِ إيقَاعِهِ تَخْرُجُ عَنْ أَنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِذَلِكَ الْعِتْقِ الْمُبْهَمِ فَيَتَعَيَّنُ فِي الْأُخْرَى كَمَا لَوْ دَبَّرَ إحْدَاهُمَا،
-
وَلَوْ فَقَأَ رَجُلٌ عَيْنَ إحْدَاهُمَا فَالْمَوْلَى عَلَى خِيَارِهِ؛ لِأَنَّ الْمَفْقُوءَ عَيْنُهَا مَحَلٌّ لِلْعِتْقِ كَالْأُخْرَى وَسَوَاءٌ أَوْقَعَ الْعِتْقَ عَلَيْهَا، أَوْ عَلَى الْأُخْرَى فَالْوَاجِبُ عَلَى الْفَاقِئِ أَرْشُ عَيْنِ الْأَمَةِ لِلْمَوْلَى، أَمَّا إذَا أَوْقَعَ عَلَى الْأُخْرَى فَلَا إشْكَالَ فِيهِ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا أَوْقَعَ عَلَى الْمَفْقُوءِ عَيْنُهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَمْلُوكَةً حِينَ فُقِئَتْ عَيْنُهَا فَصَارَ أَرْشُ عَيْنِ الْمَمْلُوكَةِ مُسْتَحَقًّا لِلْمَوْلَى،
-
ثُمَّ إيقَاعُ الْعِتْقِ عَلَيْهَا يَعْمَلُ فِيمَا بَقِيَ مِنْهَا دُونَ مَا فَاتَ، وَنَظِيرُهُ أَرْشُ الْيَدِ فِي، وَلَدِ
-
الْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ إذَا ادَّعَى الْبَائِعُ نَسَبَهُ أَنَّهُ يَبْقَى سَالِمًا لِلْمُشْتَرِي.
-
وَإِنْ قَالَ: كُنْت عَنَيْتهَا حِينَ أَوْقَعْت الْعِتْقَ، أَوْ قَالَ: كُنْت أَوْقَعْت الْعِتْقَ عَلَيْهَا قَبْلَ فَقْءِ الْعَيْنِ لَمْ يُصَدَّقْ فِي حَقِّ الْجَانِي؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَرْشُ مَمْلُوكَةٍ فَهُوَ بِهَذَا الْكَلَامِ يُرِيدُ أَنْ يُلْزِمَهُ أَرْشُ عَيْنِ حُرَّةٍ، وَلَكِنَّهُ يُصَدَّقُ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ الْأَرْشُ لَهَا؛
-
لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْأَرْشِ ظَاهِرًا، وَقَدْ أَقَرَّ بِهِ لَهَا، فَإِقْرَارُهُ صَحِيحٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَلَوْ قَتَلَهُمَا رَجُلٌ وَاحِدٌ فَإِنْ قَتَلَ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْأُخْرَى فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْأُولَى لِلْمَوْلَى، وَدِيَةُ الْأُخْرَى لِوَرَثَتِهَا؛ لِأَنَّ بِقَتْلِ إحْدَاهُمَا يَتَعَيَّنُ الْعِتْقُ فِي الْأُخْرَى ضَرُورَةً فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ قَتَلَهَا، وَهِيَ حُرَّةٌ،
-
وَإِنْ قَتَلَهُمَا مَعًا كَانَ عَلَيْهِ قِيمَةُ أَمَةٍ، وَدِيَةُ حُرَّةٍ إنْ اسْتَوَتْ الْقِيمَتَانِ،
-
وَإِنْ اخْتَلَفَتْ فَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَنِصْفُ دِيَةِ حُرَّةٍ؛ لِأَنَّا نَتَيَقَّنُ أَنَّهُ قَتَلَ حُرَّةً، وَأَمَةً.
-
وَقَتْلُ الْحُرِّ يُوجِبُ الدِّيَةَ وَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى فَيَلْزَمُهُ نِصْفُ قِيمَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَنِصْفُ دِيَتِهَا؛ لِأَنَّ الْبَيَانَ فَاتَ حِينَ قُتِلَتَا، وَعِنْدَ فَوْتِ الْبَيَانِ يَشِيعُ الْعِتْقُ فِيهِمَا:
-
(فَإِنْ قِيلُ) : إذَا لَمْ يَكُنْ الْعِتْقُ نَازِلًا فِي إحْدَاهُمَا كَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهِ دِيَةُ حُرَّةٍ؟ (قُلْنَا) : هَذَا إنَّمَا يَلْزَمُ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْعِتْقَ نَازِلٌ فِي الذِّمَّةِ، وَنَحْنُ قُلْنَا: إنَّ الْعِتْقَ نَازِلٌ فِي الْمُنَكَّرِ وَذَلِكَ الْمُنَكَّرُ فِيهِمَا لَا يَعْدُوهُمَا فَعِنْدَ اتِّحَادِ الْقَاتِلِ يُعْلَمُ أَنَّهُ قَاتِلٌ لِلْمُنَكَّرِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ الْعِتْقُ.
-
إنما يصح إعتاق مكلف بِلَا حَجْرٍ وَإِحَاطَةِ دَيْنٍ
-
وَلِغَرِيمِهِ رَدُّهُ أَوْ بَعْضِهِ
-
إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَوْ يَطُولَ أَوْ يفيد مالا ولو قبل نفوذ البيع:
-
رقيقا: لم يتعلق حق لازم به
-
وبفك الرقبة والتحرير
-
وَإِنْ فِي هَذَا الْيَوْمِ
-
بِلَا قَرِينَةِ مَدْحٍ أو خلف أو دفع مكس
-
وبلا ملك أو سبيل لي عليك
-
إلا لجواب
-
وبكوهبت لك نفسك
-
وبكاسقني أو اذهب أو اعزب بالنية
-
وَعَتَقَ عَلَى الْبَائِعِ إنْ عَلَّقَ هُوَ وَالْمُشْتَرِي على البيع والشراء
-
وَبِالِاشْتِرَاءِ الْفَاسِدِ فِي: إنْ اشْتَرَيْتُك:
-
كَأَنْ اشْتَرَى نفسه فاسدا
-
وَالشِّقْصُ وَالْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَوَلَدُ عَبْدِهِ مِنْ أمته وإن بعد يمينه
-
والإنشاء فيمن يملكه
-
أو لي أَوْ رَقِيقِي أَوْ عَبِيدِي أَوْ مَمَالِيكِي
-
لَا عبيد عبيده:
-
كأملكه أبدا
-
وووجب بالنذر
-
ولم يقض إلا ببيت معين
-
وَهُوَ فِي خُصُوصِهِ وَعُمُومِهِ وَمُنِعَ مِنْ وَطْءٍ وبيع في صيغة حنث وعتق عضو وتمليكه العبد وجوابه: كالطلاق
-
إلَّا لِأَجَلٍ
-
وَإِحْدَاكُمَا فَلَهُ الِاخْتِيَارُ
-
وَإِنْ حَمَلَتْ فأنت حرة: فله وطؤها في كل طهر مرة
-
وَإِنْ جَعَلَ عِتْقَهُ لِاثْنَيْنِ: لَمْ يَسْتَقِلَّ أَحَدُهُمَا إن لم يكونا رسولين
-
وَإِنْ قَالَ: إنْ دَخَلْتُمَا فَدَخَلَتْ وَاحِدَةٌ: فَلَا شيء عليه فيهما
-
وَعَتَقَ بِنَفْسِ الْمِلْكِ: الْأَبَوَانِ وَإِنْ عَلَوَا
-
وَالْوَلَدُ إن سفل: كبنت
-
وأخ وأخت مطلقا
-
وَإِنْ بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ إنْ عَلِمَ الْمُعْطِي
-
وَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ
-
وَوَلَاؤُهُ لَهُ
-
وَلَا يُكَمِّلُ فِي جُزْءٍ لَمْ يَقْبَلْهُ كَبِيرٌ أو قبله ولي صغير أو لم يقبله
-
لَا بِإِرْثٍ أَوْ شِرَاءٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَيُبَاعُ
-
وَبِالْحُكْمِ إنْ عَمَدَ لِشَيْنٍ بِرَقِيقِهِ أَوْ رَقِيقِ رقيقه أو لولد صغير: غَيْرُ سَفِيهٍ وَعَبْدٍ وَذِمِّيٍّ بِمِثْلِهِ وَزَوْجَةٍ وَمَرِيضٍ في زائد الثلث ومدين:
-
كَقَلْعِ ظُفْرٍ
-
وَقَطْعِ بَعْضِ أُذُنٍ أَوْ جَسَدٍ
-
أو سن أو سَحْلِهَا
-
أَوْ خَرْمِ أَنْفٍ
-
أَوْ حَلْقِ شَعْرِ أَمَةٍ رَفِيعَةٍ أَوْ لِحْيَةِ تَاجِرٍ
-
أَوْ وَسْمِ وَجْهٍ بِنَارٍ
-
لَا غَيْرُهُ
-
وَفِي غَيْرِهَا فِيهِ: قولان
-
والقول للسيد في نفي العمد
-
لا في عتق بمال
-
وَبِالْحُكْمِ جَمِيعُهُ إنْ أَعْتَقَ جُزْءًا وَالْبَاقِي لَهُ:
-
كَانَ بَقِيَ لِغَيْرِهِ إنْ دَفَعَ الْقِيمَةَ يَوْمَهُ
-
وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَقُ مُسْلِمًا أَوْ الْعَبْدُ
-
وَإِنْ أَيْسَرَ بِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا: فَمُقَابِلُهَا
-
وَفَضَلَتْ عَنْ مَتْرُوكِ الْمُفْلِسِ
-
وَإِنْ حَصَلَ عِتْقُهُ بِاخْتِيَارِهِ
-
لَا بِإِرْثٍ
-
وَإِنْ ابْتَدَأَ الْعِتْقَ
-
لَا إنْ كَانَ حر البعض
-
وَقُوِّمَ عَلَى الْأَوَّلِ
-
وَإِلَّا فَعَلَى حِصَصِهِمَا إنْ أيسر
-
وإلا فعلى الموسر
-
وعجل في ثلث مريض أمن
-
ولم يقوم على ميت لم يوص
-
وَقُوِّمَ كَامِلًا بِمَالِهِ بَعْدَ امْتِنَاعِ شَرِيكِهِ مِنْ الْعِتْقِ
-
وَنَقْضٍ لَهُ بِيعَ مِنْهُ
-
وَتَأْجِيلُ الثَّانِي أَوْ تَدْبِيرُهُ
-
وَلَا يَنْتَقِلُ بَعْدَ اخْتِيَارِهِ أَحَدَهُمَا
-
وإذا حكم بمنعه لعسره: مضى
-
كقبله ثم أيسر إن كان بين العسر وحضر العبد
-
وأحكامه قبله: كالقن
-
ولا يلزم استسعاء العبد
-
ولا قبول مال الغير
-
وَلَا تَخْلِيدُ الْقِيمَةِ فِي ذِمَّةِ الْمُعْسِرِ بِرِضَا الشريك
-
ومن أعتق حصته لأجل قُوِّمَ عَلَيْهِ لِيُعْتِقَ جَمِيعَهُ عِنْدَهُ
-
إلَّا أَنْ يبت الثاني فنصيب الأول على حاله
-
وَإِنْ دَبَّرَ حِصَّتَهُ: تَقَاوَيَاهُ لِيُرَقَّ كُلُّهُ أَوْ يدبر
-
وإن ادعى المعتق عيبه: فله استحلافه
-
وَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ أَوْ أَجَازَ عِتْقَ عَبْدِهِ جُزْءًا: قُوِّمَ فِي مَالِ السَّيِّدِ
-
وَإِنْ اُحْتِيجَ لبيع المعتق: بيع
-
وَإِنْ أَعْتَقَ أَوَّلَ وَلَدٍ: لَمْ يُعْتِقْ الثَّانِيَ ومات
-
وَإِنْ أَعْتَقَ جَنِينًا أَوْ دَبَّرَهُ: فَحُرٌّ وَإِنْ لأكثر الحمل
-
إلا لزوج مرسل عليها فلأقله
-
وبيعت إن سبق العتق دين
-
ورق
-
ولا يستثنى ببيع أو عتق
-
ولم يجز اشتراء ولي من يعتق على ولد صغير بماله
-
ولا عبد لم يؤذن له من يعتق على سيده
-
وإن دفع عبد مالا لمن يشتريه فَإِنْ قَالَ: اشْتَرِنِي لِنَفْسِك فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إن استثنى ماله
-
وإلا غرمه
-
وبيع فيه
-
وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْعَبْدِ
-
وَالْوَلَاءُ لَهُ:
-
كلتعتقني
-
وَإِنْ قَالَ لِنَفْسِي: فَحُرٌّ وَوَلَاؤُهُ لِبَائِعِهِ إنْ استثنى ماله
-
وإلا رق
-
وَإِنْ أَعْتَقَ عَبِيدًا فِي مَرَضِهِ أَوْ أَوْصَى بِعِتْقِهِمْ وَلَوْ سَمَّاهُمْ وَلَمْ يَحْمِلْهُمْ الثُّلُثُ أَوْ أَوْصَى بِعِتْقِ ثُلُثِهِمْ أَوْ بِعَدَدٍ سَمَّاهُ مِنْ أكثر: أقرع: كالقسمة
-
إلا أن يرتب: فيتبع
-
أَوْ يَقُولَ: ثُلُثُ كُلٍّ أَوْ أَنْصَافُهُمْ أَوْ أثلاثهم
-
وتبع سيده بدين إن لم يستثن ماله
-
وَرَقَّ إنْ شَهِدَ شَاهِدٌ بِرِقِّهِ أَوْ تَقَدَّمَ دين وحلف
-
واستؤني بالمال إن شهد شاهد بِالْوَلَاءِ أَوْ اثْنَانِ أَنَّهُمَا لَمْ يَزَالَا يَسْمَعَانِ أنه مولاه أو وارثه وحلف
-
وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ أَوْ أَقَرَّ أَنَّ أَبَاهُ أَعْتَقَ عَبْدًا لَمْ يَجُزْ وَلَمْ يُقَوَّمْ عليه
-
وَإِنْ شَهِدَ عَلَى شَرِيكِهِ بِعِتْقِ نَصِيبِهِ: فَنَصِيبُ الشَّاهِدِ حُرٌّ إنْ أَيْسَرَ شَرِيكُهُ
-
وَالْأَكْثَرُ عَلَى نفيه كعسره.
-
الْوَلَاءُ لِمُعْتِقٍ
-
وَإِنْ بِبَيْعٍ مِنْ نَفْسِهِ
-
أَوْ عتق غير عنه بلا إذن
-
أَوْ لَمْ يَعْلَمْ سَيِّدُهُ, بعتقه حتى عتق
-
إلَّا كَافِرًا أَعْتَقَ مُسْلِمًا
-
وَرَقِيقًا إنْ كَانَ ينتزع ماله
-
وعن المسلمين الولاء لهم:
-
كسائبة
-
وكره
-
وَإِنْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ: عَادَ الْوَلَاءُ بِإِسْلَامِ السَّيِّدِ
-
وَجَرُّ وَلَدِ الْمُعْتَقِ
-
كَأَوْلَادِ الْمُعْتَقَةِ إنْ لَمْ يكن لهم نسب من حر
-
إلا لرق أو عتق لآخر
-
ومعتقهما
-
وَإِنْ أَعْتَقَ الْأَبُ أَوْ اسْتَلْحَقَ: رَجَعَ الْوَلَاءُ لمعتقه من معتق الجد والأم
-
وَالْقَوْلُ لِمُعْتِقِ الْأَبِ لَا لِمُعْتِقِهَا
-
إلَّا أَنْ تضع لدون ستة أشهر من عتقها
-
وإن شهد واحد بالولاء أو اثنان بأنهما لَمْ يَزَالَا يَسْمَعَانِ أَنَّهُ مَوْلَاهُ أَوْ ابْنُ عَمِّهِ: لَمْ يَثْبُتْ
-
لَكِنَّهُ يَحْلِفُ وَيَأْخُذُ الْمَالَ بعد الاستيناء
-
وقدم عاصب النسب
-
ثم المعتق
-
ثم عصبته:
-
كالصلاة
-
ثم معتق معتقه
-
ولا ترث أُنْثَى إنْ لَمْ تُبَاشِرْهُ بِعِتْقٍ أَوْ جَرِّهِ ولاء بولادة أو عتق
-
ولو اشْتَرَى ابْنٌ وَبِنْتٌ: أَبَاهُمَا ثُمَّ اشْتَرَى الْأَبُ عَبْدًا فَمَاتَ الْعَبْدُ بَعْدَ الْأَبِ وَرِثَهُ الِابْنُ
-
وإن مات لابن أَوَّلًا فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ لِعِتْقِهَا نِصْفَ الْمُعْتَقِ وَالرُّبْعُ لأنها معتقة نصف أبيه
-
وَإِنْ مَاتَ الِابْنُ ثُمَّ الْأَبُ فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ بالرحم والربع بالولاء والثمن بجره.
-
إنما يصح من مطلق التصرف
-
ويصح تعليقه وإضافته إلى جزء فيعتق كله
-
وصريحه تحرير وإعتاق
-
وكذا فك رقبة في الأصح
-
ولا يحتاج إلى نية
-
ويحتاج إليها كنايته
-
وهي لا ملك لي عليك لا سلطان لا سبيل لا خدمة أنت سائبة أنت مولاي
-
وكذا كل صريح أو كناية للطلاق
-
وقوله لعبد أنت حرة ولأمة أنت حر صريح
-
ولو قال عتقك إليك أو خيرتك ونوى تفويض العتق إليه فأعتق نفسه في المجلس عتق
-
أو أعتقتك على ألف أو أنت حر على ألف فقبل أو قال له العبد أعتقني على ألف فأجابه عتق في الحال ولزمه ألف
-
ولو قال بعتك نفسك بألف فقال اشتريت فالمذهب صحة لبيع
-
ويعتق في الحال وعليه الألف
-
والولاء لسيده
-
ولو قال لحامل أعتقتك أو أعتقك دون حملك عتقا
-
ولو اعتقه عتق دونها
-
ولو كانت لرجل والحمل لآخر لم يعتق الآخر
-
وإذا كان بينهما عبد فاعتق نصيبهما كله أو نصيبه عتق نصيبه
-
فإن كان معسرا بقي الباقي لشريكه
-
والأسرى إليه أو إلى ما أيسر به وعليه قيمة ذلك يوم الاعتقاق
-
وتقع السراية بنفس الإعتاق
-
وفي قول بأداء القيمة
-
وقول إن دفعها بان أنها بالإعتاق
-
واستيلاد أحد الشريكين الموسر يسري
-
وعليه قيمة نصيب شريكه وحصته من مهر مثل
-
وتجري الأقوال في وقت حصول السراية
-
فعلى الأول والثالث: لا تجب قيمة حصته من الولد
-
ولا يسري تدبير
-
ولا يمنع السراية دين مستغرق في الأظهر
-
ولو قال لشريكه الموسر أعتقت نصيبك فعليك قيمة نصيبي فأنكر صدق بيمينه فلا عتق نصيبه
-
ويعتق نصيب المدعي بإقراره إن قلنا يسري بالإعتاق
-
ولا يسري إلى نصيب المنكر
-
ولو قال لشريكه إن أعتقت نصيبك فنصيبي حر بعد نصيبك فاعتق الشريك وهو موسر سرى إلى نصيب الأول إن قلنا السراية بالإعتاق وعليه قيمته
-
ولو قال فنصيبي حرا جله فاعتق الشريك فإن كان المعلق معسر اعتق نصيب كل عنه والولاء لهما.
-
وكذا إن كان موسرا وأبطلنا الدور
-
وإلا فلا يعتق شيء
-
ولو كان عبد لرجل نصفه ولآخر ثلثه ولآخر سدسه فاعتق الآخران نصيبهما معا فالقيمة عليهما نصفان على المذهب
-
وشرط السراية إعتاقه باختياره
-
فلو ورث بعض ولده لم يسروا
-
لمريض معسر إلا في ثلث ماله
-
والميت معسر فلو أوصى بعتق نصيبه لم يصر.
فصل
-
إذا ملك أهل تبرع أصله أو فرعه عتق
-
ولا يشتري لطفل قريبه
-
ولو وهب له أو وصى له فإن كان كاسبا فعلى الولي قبوله ويعتق وينفق من كسبه
-
وإلا فإن كان الصبي معسرا وجب القبول ونفقته في بيت المال
-
أو موسرا حرم
-
ولو ملك في مرض موته قريبه بلا عوض عتق من ثلثه
-
وقيل: من رأس المال
-
أو بعوض بلا محاباة فمن ثلثه
-
ولا يرث
-
فإن كان عليه دين فقيل: لا يصح الشراء
-
والأصح صحته ولا يعتق بل يباع للدين
-
أو بمحاباة فقدرها كهبة والباقي من الثلث
-
ولو وهب لعبد بعض قريب سيده فقبل وقلنا يستقبل به عتق وسرى وعلى سيده قيمة باقيه.
فصل
-
أعتق في مرض موته عبدا لا يملك غيره عتق ثلثه
-
فإن كان عليه دين مستغرق لم يعتق شيء منه
-
ولو أعتق ثلاثة لا يملك غيرهم قيمتهم سواء عتق أحدهم بقرعة
-
وكذا لو قال أعتقت ثلثكم أو ثلثكم حر
-
ولو قال أعتقت ثلث كل عبد أقرع
-
وقيل: يعتق من كل ثلثه
-
والقرعة أن يؤخذ ثلاث رقاع متساوية يكتب في ثنتين رق وفي واحدة عتق وتدرج في بنادق كما سبق وتخرج واحدة باسم أحدهم فإن خرج العتق عتق ورق الآخران أو الرق رق وأخرجت أخرى باسم آخر
-
ويجوز أن يكتب أسماؤهم ثم تخرج رقعة على الحرية فمن خرج اسمه عتق ورقا
-
وإن كانوا ثلاثة قيمة واحد مائة وآخر مائتان وآخر ثلثمائة أقرع بسهمي رق وسهم عتق فإن خرج العتق لذي المائتين عتق ورقا أو للثالث عتق ثلثاه أو للأول عتق ثم يقرع بين الآخرين بسهم رق وسهم عتق فمن خرج تمم منه الثلث
-
وإن كانوا فوق ثلاثة وأمكن توزيعهم بالعدد والقيمة كستة قيمتهم سواء جعلوا اثنين اثنين
-
أو بالقيمة دون العدد كستة قيمة أحدهم مائة وقيمة اثنين مائة وثلاثة مائة جعل الأول جزأ والاثنان جزأ والثلاثة جزأ
-
وإن تعذر بالقيمة كأربعة قيمتهم سواء ففي قول يجزؤن ثلاثة أجزاء واحد وواحد واثنان فإن خرج العتق لواحد عتق ثم أقرع لتتميم الثلث أو للاثنين رق الآخران ثم أقرع بينهم فيعتق من خرج له العتق وثلث الآخر
-
وفي قول يكتب اسم كل عبد في رقعة فيعتق من خرج أولا وثلث الثاني.
-
قلت: أظهرهما الأول والله أعلم
-
والقولان في استحباب
-
وقيل: إيجاب
-
وإذا أعتقنا بعضهم بقرعة فظهر مال وخرج كلهم من الثلث عتقوا ولهم كسبهم من يوم الإعتاق
-
ولا يرجع الوارث بما أنفق عليهم
-
وإن خرج بما ظهر عبد آخر أقرع
-
ومن عتق بقرعة حكم بعتقه من يوم الإعتاق
-
وتعتبر قيمته حينئذ
-
وله كسبه من يومئذ غير محسوب من الثلث
-
ومن بقي رقيقا قوم يوم الموت وحسب من الثلثين هو وكسبه الباقي قبل الموت لا الحادث بعده
-
فلو أعتق ثلاثة لا يملك غيرهم قيمة كل مائة وكسب أحدهم مائة أقرع فإن خرج العتق للكاسب عتق وله المائة
-
وإن خرج لغيره عتق ثم أقرع فإن خرجت لغيره عتق ثلثه وإن خرجت له عتق ربعه وتبعه ربع كسبه.
فصل
-
من عتق عليه رقيق باعتاق أو كتابة وتدبير واستيلاد وقرابه وسراية فولاؤه له ثم لعصبته
-
ولا ترث امرأة بولاء إلا من عتيقها وأولاده وعتقائه
-
فإن عتق عليها أبوها ثم أعتق عبدا فمات بعد موت الأب تبلا وارث فماله للبنت والولاء لأعلى العصبات
-
ومن مسه رق فلا ولاء عليه إلا لمعتقه وعصبته
-
ولو نكح عبد معتقة فأتت بولد فولاؤه لمولى الأم
-
فإن أعتق الأب انجر إلى مواليه
-
ولو مات الأب رقيقا وعتق الجد انجر إلى مواليه
-
فإن أعتق الجد والأب رقيقا انجر
-
فإن أعتق الأب بعده انجر إلى مواليه
-
وقيل: يبقى لمولى الأم حتى يموت الأب فينجر إلى موالي الجد
-
ولو ملك هذا الولد أباه جر ولاء إخوته إليه
-
وكذا ولاء نفسه في الأصح.
-
قلت: الأصح المنصوص لا يجره. والله أعلم.
كتاب آخر
- زاد المستقنع١٣
- الإقناع٢٣٤
- الكافي في فقه الإمام أحمد٢٢٣
- الفروع٢٢١
- الرعاية الصغرى٢٠٥
- منتهى الإرادات١٦٣
- غاية المنتهى١٤٣
- المقنع١٢١
- مختصر الخرقي١٠٠
- المحرر في الفقه٧٤
- التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع٧١
- مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله٤٩
- عمدة الفقه٣٩
- دليل الطالب لنيل المطالب٢٢
- عمدة الطالب لنيل المآرب١٤
- كافي المبتدي١٠
-
والولاء لمن أعتق، وإن اختلف دينهما.
-
ومن أعتق سائبة لم يكن له الولاء.
-
وإن أخذ من ميراثه شيئا جعله في مثله.
-
ومن ملك ذا رحم محرم عتق عليه. وكان له ولاؤه. وولاء المكاتب والمدبر إذا عتقا لسيدهما.
-
ومن أعتق عبده عن رجل حي بلا أمره، أو عن ميت، فولاؤه للمعتق.
-
وإن أعتقه عنه بأمره فالولاء للمعتق عنه بأمره.
-
ومن قال: أعتق عبدك عني وعلي ثمنه؛ فالثمن عليه، والولاء للمعتق عنه.
-
ولو قال: أعتقه والثمن علي؛ كان الثمن عليه، والولاء للمعتق.
-
ومن أعتق عبدا له أولاد من مولاة لقوم، جر معتق العبد ولاء أولاده.
-
ولا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتقن، أو أعتق من أعتقن، أو كاتبن، أو كاتب من كاتبن، وقد روي عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - في بنت المعتق خاصة أنها ترث، لما روي «عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه ورث ابنة حمزة من الذي أعتقه حمزة» . والولاء لأقرب عصبة المعتق.
-
وإذا مات المعتق وخلف أبا معتقه، وابن معتقه، فلأبي معتقه السدس، وما بقي فللابن.
-
وإن خلف أخا معتقه، وجد معتقه، فالولاء بينهما نصفين.
-
وإذا هلك رجل عن ابنين ومولى، فمات أحد الابنين بعده عن ابن،
-
ثم مات المولى، فالولاء لابن معتقه، لأن الولاء للكبر،
-
ولو هلك الابنان بعده وقبل مولاه، وخلف أحدهما ابنا، وخلف الآخر تسعة، كان الولاء بينهم على عددهم، لكل واحد منهم عشره.
-
ومن أعتق عبدا فولاؤه لابنه، وعقله على عصبته.
-
وإذا كان العبد بين ثلاثة فأعتقوه معا، أو وكل نفسان للثالث أن يعتق حقوقهما مع حقه ففعل، أو أعتق كل واحد منهم حقه وكان معسرا، فقد صار العبد كله حرا، وولاؤه بينهم أثلاثا.
-
ولو أعتقه أحدهم وهو موسر عتق كله عليه. وصار لصاحبيه عليه قيمة ثلثيه.
-
فإن أعتقا بعد عتق الأول له، وقبل أخذ القيمة، لم يثبت لهما فيه عتق، لأنه قد صار حرا بعتق الأول.
-
وإذا أعتقه الأول وهو معسر، وأعتقه الثاني وهو موسر عتق عليه نصيبه، ونصيب شريكه، وكان له عليه ثلث قيمته، وكان ثلث ولائه للمعتق الأول، وثلثاه للمعتق الثاني.
-
ولو كان المعتق الثاني معسرا عتق نصيبه منه، وكان ثلثه رقيقا لمن لم يعتق،
-
فإن مات وفي يده مال كان ثلثه لمن لم يعتق، وثلثاه للمعتق الأول، والمعتق الثاني بالولاء، إذا لم يكن له وارث أحق منهما.
-
وإذا كان العبد بين نفسين، فادعى كل واحد منهما أن شريكه أعتق حقه منه،
-
فإن كانا معسرين لم يقبل قول كل واحد منهما على شريكه.
-
فإن كانا عدلين كان للعبد أن يحلف مع كل واحد منهما ويصير حرا، أو يحلف مع أحدهما ويصير نصفه حرا.
-
وإن كان الشريكان موسرين فقد صار العبد حرا باعتراف كل واحد منهما بحريته، وصار مدعيا على شريكه نصف قيمته،
-
فإن لم تكن له بينة فيمين كل واحد منهما لشريكه.
-
وإذا مات رجل وخلف ابنين وعبدين لا يملك غيرهما، وهما متساويان في القيمة، فقال أحد الابنين: أبي أعتق هذا. وقال الآخر: أبي أعتق أحدهما لا أدري من منهما. أقرع بينهما،
-
فإن وقعت القرعة على الذي اعترف الابن بعتقه عتق منه ثلثاه، إن لم يجز الابنان عتقه كاملا، وكان الآخر عبدا،
-
وإن وقعت القرعة على الآخر عتق منه ثلثه، وكان لمن أقرعنا بقوله فيه سدسه ونصف العبد الآخر، ولأخيه نصفه وسدس العبد الذي اعترف أن أباه أعتقه، فصار ثلث كل واحد من العبدين حرا.
-
وإذا كان لرجل نصف عبد، ولآخر ثلثه، ولآخر سدسه، فأعتقه صاحب النصف وصاحب السدس معا، وكانا موسرين، عتق عليهما، وضمنا حق شريكهما فيه نصفين، وكان ولاؤه بينهما أثلاثا، لصاحب النصف ثلثاه، ولصاحب السدس ثلثه.
-
وإذا كانت الأمة نفسين فأصابها أحدهما وأحبلها أدب ولم يبلغ به الحد. وضمن نصف قيمته لشريكه، وصارت أم ولد له.
-
وولده حر. فإن كان معسرا كان في ذمته نصف قيمتها.
-
وإن لم تحبل منه فعليه نصف مهر مثلها، وهي على ملكهما.
-
وإذا ملك سهما من بعض من يعتق عليه بغير الميراث وهو موسر عتق عليه كله، وكان لشريكه عليه قيمة حقه منه،
-
وإن كان معسرا لم يعتق عليه منه إلا مقدار ما ملك،
-
وإذا ملك بعضه بالميراث لم يعتق عليه إلا مقدار ما ملك منه، موسرا كان أو معسرا.
-
وإذا كان له ثلاثة أعبد فأعتقهم في مرض موته، أو دبرهم، أو دبر أحدهم. وأوصى بعتق الآخرين، ولم يخرج من ثلثه إلا واحد منهم، لتساوي قيمتهم، أقرع بينهم بسهم حرية، وسهمي رق،
-
فمن وقع له سهم حرية عتق دون صاحبيه.
-
ولو قال لهم في مرض موته: أحدكم حر. أو كلكم حر. ومات فكذلك.
-
وإذا ملك نصف عبد فدبره، أو أعتقه في مرض موته، فعتق بموته، وكان ثلث ماله يفي بقيمة النصف الذي لشريكه أعطي وكان كله حرا في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله - رَحِمَهُ اللَّهُ -، والرواية الأخرى لا يعتق إلا حصته وإن حمل ثلث ماله حصة شريكه.
-
وكذلك إذا دبر بعضه وهو مالك لكله.
-
ولو أعتقهم وثلثه يحتملهم فأعتقناهم،
-
ثم ظهر عليه دين يستغرقهم بعناهم في دينه.
-
ولو أعتقهم وهم ثلاثة فأعتقنا منهم واحدا لعجز ثلثه عن أكثر منه،
-
ثم ظهر له مال يخرجون من ثلثه عتق من أرق منهم.
-
ومن قال لعبده: أنت حر في وقت سماه، لم يعتق حتى يأتي ذلك الوقت.
-
وإذا أسلمت أم ولد النصراني منع من غشيانها والتلذذ بها، وكان نفقتها عليه،
-
فإذا مات عتقت.
-
وإذا قال لأمته: أول ولد تلدينه فهو حر. فولدت اثنين أقرع بينهما،
-
فمن أصابته القرعة عتق إذا أشكل أولهما خروجا.
-
وإذا قال العبد لرجل: اشترني من سيدي بهذا المال، وأعتقني. ففعل فقد صار العبد حرا، وعلى المشتري أن يؤدي إلى البائع مثل الذي اشتراه به، وولاؤه للذي اشتراه، إلا أن يكون قال له. بعني بهذا المال، فيكون الشراء والعتق باطلا، ويكون السيد قد أخذ ماله أخذه.
-
وإذا قال السيد لعبده أو لأمته: أنت مدبر، أو قد دبرتك، أو أنت حر بعد موتي. فقد صار مدبرا.
-
ولا تباع المدبرة في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله - رَحِمَهُ اللَّهُ -، والرواية الأخرى الأمة كالعبد.
-
فإن اشتراه بعد ذلك رجع في التدبير.
-
ولو دبره وقال: قد رجعت في تدبيري. أو قال: قد أبطلته لم يبطل. لأنه علق العتق بصفة في إحدى الروايتين،
-
والرواية الأخرى: يبطل التدبير. وما ولدت المدبرة بعد تدبيرها فولدها بمنزلتها. وله إصابة مدبرته.
-
ومن أنكر التدبير لم يحكم عليه به إلا بشاهدين عدلين، أو شاهد ويمين العبد.
-
وإذا دبر عبده ومات وله مال غائب، أو دين في ذمة موسر أو معسر، عتق من المدبر ثلثه، وكلما اقتضي من دينه شيء، أو حضر من ماله الغائب شيء، عتق من العبد بقدر ثلث ذلك، حتى يعتق كله من الثلث.
-
وإذا دبر قبل البلوغ كان تدبيره جائزا إذا كان له عشر سنين فصاعدا، وكان يعرف التدبير. وما قلته في الرجل فالمرأة مثله، إذا صار لها تسع سنين فصاعدا.
-
وإذا قتل المدبر سيده بطل تدبيره.
-
وإذا كاتب عبده أو أمته على أنجم فأديت الكتابة فقد صار حرا. وولاؤه لمكاتبه. ويعطى مما كوتب عليه الربع، لقول الله تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: ٣٣] .
-
وإن عجلت الكتابة قبل محلها لزم السيد الأخذ، وعتق من وقته في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
-
والرواية الأخرى إذا ملك ما يؤدي فقد صار حرا.
-
وإذا أدى بعض كتابته، ومات وفي يده وفاء وفضل، فهو لسيده في إحدى الروايتين، والرواية الأخرى لسيده بقية كتابته، والباقي لورثته.
-
وإذا مات السيد كان العبد على كتابته، وما أدى فبين ورثة سيده مقسوما كالميراث. وولاؤه لسيده.
-
فإن عجز فهو عبد لسائر الورثة.
-
ولا يمنع المكاتب من السفر. وليس له أن يتزوج إلا بإذن سيده.
-
ولا يبيعه سيده درهما بدرهمين. وليس للرجل أن يطأ مكاتبته إلا أن يشترط.
-
فإن وطئ ولم يشترط أدب. وكان لها عليه. مهر مثلها.
-
فإن علقت منه فهي مخيرة بين العجز وأن تكون له أم ولد، وبين المضي على الكتابة،
-
فإن أدت الكتابة عتقت،
-
وإن عجزت عتقت بموته،
-
وإن مات قبل عجزها انعتقت، لأنها صارت من أمهات الأولاد، وسقط عنها ما بقي من كتابتها، وما في يدها لورثة سيدها.
-
وإذا كاتب نصف عبد فأدى ما كوتب عليه
-
ومثله لسيده، صار نصفه حرا بالكتابة، إن كان الذي كاتبه معسرا،
-
وإن كان موسرا عتق كله، وكان نصف قيمته على الذي كاتبه لشريكه.
-
وإذا عتق المكاتب استقبل بما في يده من المال حولا، وزكاه إن كان منصبا.
-
وإذا لم يؤد نجما حتى حل الآخر عجزه السيد إن أحب، وعاد عبدا غير مكاتب. وما قبض من نجوم كتابة استقبل بزكاته حولا.
-
وإذا جنى المكاتب بدئ بجنايته قبل كتابته.
-
فإن عجز كان السيد مخيرا بين أن يفديه بقيمته إن كانت أقل من جنايته أو يسلمه.
-
وإذا كاتبه ثم دبره فإن أدى صار حرا،
-
وإن مات السيد قبل الأداء عتق بالتدبير إن حمل الثلث ما بقي عليه من كتابته، وإلا عتق منه بمقدار الثلث، وسقط من الكتابة بمقدار ما عتق، وكان على الكتابة فيما بقي.
-
وإذا ادعى المكاتب وفاء كتابته، وأتى بشاهد حلف مع شاهده وصار حرا.
-
ولا يكفر المكاتب بغير الصوم. وولد المكاتبة الذين ولدتهم في الكتابة يعتقون بعتقها.
-
ويجوز بيع المكاتب. ومشتريه يقوم فيه مقام المكاتب.
-
فإذا أدى صار حرا وولاؤه لمشتريه.
-
فإن لم يبين البائع للمشتري أنه مكاتب كان مخيرا بين أن يرجع بالثمن أو يأخذ ما بينه سليما ومكاتبا.
-
وإذا ملك المكاتب أباه أو ذا رحم من المحرم عليه نكاحه، لم يعتقوا عليه حتى يؤدي وهم في ملكه،
-
فإن عجز فهم عبيد للسيد.
-
وإذا كان العبد لثلاثة فجاءهم بثلاثمائة درهم فقال: بيعوني نفسي بها، فأجابوه، فلما عاد إليهم ليكتبوا له كتابا أنكر أحدهم أن يكون أخذ شيئا، وشهد الرجلان إذا كانا عدلين، ويشاركهما فيما أخذا من المال، وليس على العبد شيء.
-
وإذا قال السيد: كاتبتك على ألفين، وقال العبد: على ألف. فالقول قول السيد مع يمينه.
-
وإذا أعتق الأمة أو كاتبها وشرط ما في بطنها له دونها، أو أعتق ما في بطنها دونها فله شرطه.
-
ولا بأس أن يعجل المكاتب لسيده، ويضع عنه بعض كتابته.
-
وإذا كان العبد بين اثنين، فكاتب أحدهما فلم يؤد كل كتابته حتى أعتق الآخر نصيبه وهو موسر، فقد صار العبد كله حرا، ويرجع الشريك على المعتق بنصف قيمته.
-
وإذا عجز المكاتب ورد في الرق وقد كان تصدق عليه بشيء فهو لسيده.
-
وإذا اشترى المكاتبان كل واحد منهما الآخر صح شراء الأول، وبطل شراء الثاني.
-
وإن شرط في كتابته أن يوالي من شاء فالولاء لمن أعتق، والشرط باطل.
-
وإذا أسر العدو المكاتب فاشتراه رجل، فأخرجه إلى سيده، وأحب أخذه أخذه بما اشتري به وهو على كتابته،
-
وإن لم يحب أخذه فهو على ملك مشتريه، مبقى على ما بقي من كتابته، ويعتق بالأداء، وولاؤه لمن يؤدي إليه.
في كتب الخلاف
الإجماعابن المنذركتاب الفرائض، كتاب العتق١٩ مسألة
التجريدالقدوريلا كلام له في هذا الباب
المبسوطالسرخسيبَابُ الْعِتْقِ فِي الظِّهَارِ، كِتَابُ الْعِتْقِ.، كِتَابُ الْعَتَاقِ.٢٬٠٦٦ مسألة
بداية المجتهدابن رشدبَابٌ، الْمَسْأَلَةُ الأُولَى:، الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:١٧٣ مسألة
المغنيابن قدامة، على «مختصر الخرقي»كتاب الولاء، باب ميراث الولاء، كتاب العتق٢٬٥٩١ سطرًا
المجموع شرح المهذبالنووي، على «المهذب»لا كلام له في هذا الباب
الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر، على «المقنع»بَابُ الْوَلَاءِ، فَصْلٌ، فَصْلٌ فِي جَرِّ الْوَلَاءِ٨٥١ سطرًا
الفقه على المذاهب الأربعةعبد الرحمن الجزيريلا كلام له في هذا الباب
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميأسامة القحطاني وآخرونالفصل الثامن: مسائل الإجماع في القاتل والمبغض والولاء١٩٤ مسألة
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)بإشراف علوي السقاف٢٦ - العتق، * حكمة مشروعيته:، * فضل العتق:١١ مسألة
عرضٌ لما في كتب المذاهب، وليس فتوى.في الخريطة: العتق