القسمة
القضاء والشهادات
في متون المذاهب الأربعة
-
اعْلَمْ بِأَنَّ الزَّوْجَ مَأْمُورٌ بِالْعَدْلِ فِي الْقِسْمَةِ فِيمَا بَيْنَ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} إلَى قَوْلِهِ {ذَلِكَ أَدْنَى أَلَا تَعُولُوا} مَعْنَاهُ: أَنْ لَا تَجُورُوا، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنْ لَا تَكْثُرَ عِيَالُكُمْ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِ السَّلَفِ فَالْمَنْقُولُ عَنْهُمْ أَنْ لَا تَمِيلُوا، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ خَطَأٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ كَثْرَةَ الْعِيَالِ لَكَانَ يَقُولُ: أَنْ لَا تُعِيلُوا.
-
يُقَالُ: عَالَ إذَا مَالَ، وَأَعَالَ إذَا صَارَ مُعِيلًا،
-
وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى كَذَلِكَ أَيْضًا غَلَطٌ، فَإِنَّهُ أَمَرَ بِالِاكْتِفَاءِ بِالْوَاحِدَةِ وَاِتِّخَاذِ مَا بَيَّنَّا مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ عِنْدَ هَذَا الْجَوْرِ، وَمَعْنَى كَثْرَةِ الْعِيَالِ وَوُجُوبِ النَّفَقَةِ يَحْصُلُ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ، كَمَا يَحْصُلُ فِي مِلْكِ النِّكَاحِ وَإِنَّمَا يَنْعَدِمُ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ اسْتِحْقَاقُ التَّسْوِيَةِ فِي الْقِسْمَةِ.
-
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَعْدِلُ فِي الْقِسْمَةِ بَيْنَ نِسَائِهِ، وَكَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تُؤَاخِذْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ» يَعْنِي: مِنْ زِيَادَةِ الْمَحَبَّةِ لِبَعْضِهِنَّ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَتَانِ فَمَالَ إلَى إحْدَاهُمَا فِي الْقَسْمِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَحَدُ شِقَّيْهِ مَائِلٌ» ؛
-
وَلِأَنَّ النِّسَاءَ رَعَايَاهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَحْفَظُهُنَّ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِنَّ وَكُلُّ رَاعٍ مَأْمُورٌ بِالْعَدْلِ فِي رَعِيَّتِهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: إذَا كَانَ لِلرَّجُلِ الْحُرِّ، أَوْ الْمَمْلُوكِ امْرَأَتَانِ حُرَّتَانِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يَوْمًا وَلَيْلَةً وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَعَلَ؛
-
لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ،
-
فَأَمَّا فِي مِقْدَارِ الدَّوْرِ فَالِاخْتِيَارُ إلَيْهِ، وَهَذِهِ التَّسْوِيَةُ فِي الْبَيْتُوتَةِ عِنْدَهَا لِلصُّحْبَةِ وَالْمُؤَانَسَةِ لَا فِي الْمُجَامَعَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْبَنِي عَلَى النَّشَاطِ وَلَا يُقْدَرُ عَلَى اعْتِبَارِ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ، فَهُوَ نَظِيرُ الْمَحَبَّةِ فِي الْقَلْبِ.
-
وَرُوِيَ عَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ الْحَكَمِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - حِينَ دَخَلَ
-
بِهَا: إنْ شِئْت سَبَّعْتُ لَك وَسَبَّعْتُ لَهُنَّ»، زَادَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «إنْ شِئْت ثَلَّثْتُ لَك وَثَلَّثْتُ لَهُنَّ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «وَإِنْ شِئْت ثَلَّثْتُ لَك،
-
ثُمَّ دُرْت» ، وَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَخَذَ عُلَمَاؤُنَا فَقَالُوا: الْجَدِيدَةُ وَالْقَدِيمَةُ فِي حُكْمِ الْقَسْمِ سَوَاءٌ بِكْرًا كَانَتْ الْجَدِيدَةُ، أَوْ ثَيِّبًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنْ كَانَتْ بِكْرًا يُفَضِّلُهَا بِسَبْعِ لَيَالٍ،
-
وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَثَلَاثُ لَيَالٍ،
-
ثُمَّ التَّسْوِيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «تُفَضَّلُ الْبِكْرُ بِسَبْعٍ وَالثَّيِّبُ بِثَلَاثٍ» ، وَلِأَنَّ الْقَدِيمَةَ قَدْ أَلِفَتْ صُحْبَتَهُ وَأَنِسَتْ بِهِ وَالْجَدِيدَةُ مَا أَلِفَتْ ذَلِكَ بَلْ فِيهَا نَوْعُ نَفْرَةٍ وَوَحْشَةٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُزِيلَ ذَلِكَ عَنْهَا بِبَعْضِ الصُّحْبَةِ لِتَسْتَوِيَ بِالْقَدِيمَةِ فِي الْإِلْفِ،
-
ثُمَّ الْمُسَاوَاةُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِذَا كَانَتْ بِكْرًا فَفِيهَا زِيَادَةُ نَفْرَةٍ عَنْ الرِّجَالِ فَيُفَضِّلُهَا بِسَبْعِ لَيَالٍ،
-
وَإِذَا كَانَتْ ثَيِّبًا فَهِيَ قَدْ صَحِبَتْ الرِّجَالَ وَإِنَّمَا لَمْ تَصْحَبْهُ خَاصَّةً فَيَكْفِيهَا ثَلَاثُ لَيَالٍ؛ لِتَأْنَسَ بِصُحْبَتِهِ. وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ؛ اجْتِمَاعُهَا فِي نِكَاحِهِ وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَلَوْ وَجَبَ تَفْضِيلُ إحْدَاهُمَا كَانَتْ الْقَدِيمَةُ أَوْلَى بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَحْشَةَ فِي جَانِبِهَا أَكْثَرُ حَيْثُ أَدْخَلَ غَيْرَهَا عَلَيْهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يَغِيظُهَا عَادَةً، وَلِأَنَّ لِلْقَدِيمَةِ زِيَادَةَ حُرْمَةٍ بِسَبَبِ الْخِدْمَةِ، كَمَا يُقَالُ لِكُلِّ جَدِيدٍ لَذَّةٌ وَلِكُلِّ قَدِيمٍ حُرْمَةٌ وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَالْمُرَادُ التَّفْضِيلُ بِالْبِدَايَةِ دُونَ الزِّيَادَةِ، كَمَا ذُكِرَ فِي «حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - إنْ شِئْت سَبَّعْت لَك وَسَبَّعْت لَهُنَّ» وَقَوْلُهُ: «إنْ شِئْت ثَلَّثْت لَك،
-
ثُمَّ دُرْت» أَيْ أَخْبَرْت بِمِثْلِ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ إنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَبْدَأَ بِالْجَدِيدَةِ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ اللَّذَّةِ وَلَكِنْ بَعْدَ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمَا.
-
(قَالَ:) وَالْمُسْلِمَةُ وَالْكَافِرَةُ وَالْمُرَاهِقَةُ وَالْمَجْنُونَةُ وَالْبَالِغَةُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْقَسْمِ سَوَاءٌ لِلْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُنَّ فِي سَبَبِ هَذَا الْحَقِّ وَهُوَ الْحِلُّ الثَّابِتُ بِالنِّكَاحِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ أَكْثَرَ مِمَّا يُقِيمُ عِنْدَ الْأُخْرَى، إلَّا أَنْ تَأْذَنَ لَهُ فِيهِ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَأْذَنَ نِسَاءَهُ فِي مَرَضِهِ أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَأَذِنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ فَكَانَ فِي بَيْتِهَا حَتَّى قُبِضَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ وَالْمَرِيضَ فِي الْقَسْمِ سَوَاءٌ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَوَّلِ مَرَضِهِ كَانَ يَكُونُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، ثُمَّ لَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ اسْتَأْذَنَهُنَّ فِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ وَالْمَرِيضَ سَوَاءٌ وَأَنَّ عِنْدَ الْإِذْنِ لَهُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ.
-
فَأَمَّا الْأَمَةُ وَالْمُكَاتَبَةُ وَالْمُدَبَّرَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ تَكُونُ زَوْجَةَ الرَّجُلِ فَيَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا حُرَّةً فَلِلْحُرَّةِ يَوْمَانِ وَلِلْأَمَةِ يَوْمٌ وَاحِدٌ؛ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى مَا رَوَيْنَا
-
قَالَ: وَلِلْحُرَّةِ الثُّلُثَانِ مِنْ الْقَسْمِ وَلِلْأَمَةِ الثُّلُثُ، وَلِأَنَّ حِلَّ الْأَمَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حِلِّ الْحُرَّةِ، وَاسْتِحْقَاقُ الْقَسْمِ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ، وَالرِّقُّ فِي الْمُكَاتَبَةِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ قَائِمٌ.
-
(قَالَ:) ، وَإِنْ سَافَرَ الرَّجُلُ مَعَ إحْدَى امْرَأَتَيْهِ لِحَجٍّ أَوْ غَيْرِهِ فَلَمَّا قَدِمَ طَالَبَتْهُ الثَّانِيَةُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا مِثْلَ الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا مَعَ الْأُخْرَى فِي السَّفَرِ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ وَلَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ بِأَيَّامِ سَفَرِهِ مَعَ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ وَلَكِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الْعَدْلَ بَيْنَهُنَّ، وَالْكَلَامُ هُنَا فِي فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِأَيَّتِهِمَا مِنْ غَيْرِ إقْرَاعٍ بَيْنَهُمَا عِنْدَنَا.
-
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمَا؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَأَصَابَتْنِي الْقُرْعَةُ فِي السَّفْرَةِ الَّتِي أَصَابَنِي فِيهَا مَا أَصَابَنِي» .
-
وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَرْأَةِ فِي الْقَسْمِ عِنْدَ سَفَرِ الزَّوْجِ، أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ وَلَا يَسْتَصْحِبَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ فَلَيْسَ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِي حَالَةِ السَّفَرِ وَإِنَّمَا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَطْبِيبًا لِقُلُوبِهِنَّ وَنَفْيًا لِتُهْمَةِ الْمَيْلِ عَنْ نَفْسِهِ، وَبِهِ نَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ لِلزَّوْجِ،
-
ثُمَّ إذَا سَافَرَ بِبَعْضِهِنَّ لَيْسَ لِلْبَاقِينَ بَعْدَ الرُّجُوعِ الِاحْتِسَابُ عَلَيْهِ بِتِلْكَ الْمُدَّةِ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ سَافَرَ بِبَعْضِهِنَّ بِغَيْرِ اقْتِرَاعٍ فَذَلِكَ مَحْسُوبٌ عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْأُخْرَى بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْإِقْرَاعَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ كَانَتْ مُدَّةُ سَفَرِهِ نَوْبَةَ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْأُخْرَى مِثْلُ ذَلِكَ لِيَتَحَقَّقَ الْعَدْلُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ وُجُوبُ التَّسْوِيَةِ فِي وَقْتِ اسْتِحْقَاقِ الْقَسْمِ عَلَيْهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَرْأَةِ فِي الْقَسْمِ فِي حَالِ سَفَرِ الزَّوْجِ فَلَا يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ التَّسْوِيَةِ بِاعْتِبَارِ تِلْكَ الْمُدَّةِ كَمَا إذَا سَافَرَ بِهَا بِالْقُرْعَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ فِي حَالَةِ الْحَضَرِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْبِدَايَةُ بِإِقْرَاعٍ، أَوْ بِغَيْرِ إقْرَاعٍ، فَكَذَلِكَ فِي السَّفَرِ.
-
(قَالَ:) وَلَوْ أَقَامَ عِنْدَ إحْدَاهُمَا شَهْرًا،
-
ثُمَّ خَاصَمَتْهُ الْأُخْرَى فِي ذَلِكَ قُضِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْعَدْلَ بَيْنَهُمَا وَمَا مَضَى فَهُوَ هَدَرٌ، غَيْرَ أَنَّهُ هُوَ فِيهِ آثِمٌ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ تَكُونُ بَعْدَ الطَّلَبِ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَمَا مَضَى قَبْلَ الطَّلَبِ لَيْسَ مِنْ الْقِسْمَةِ فِي شَيْءٍ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ الْعَدْلُ فِي الْقِسْمَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَا مَضَى قَبْلَ نِكَاحِ إحْدَاهُمَا لَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الَّتِي جَدَّدَ نِكَاحَهَا، فَكَذَلِكَ مَا مَضَى قَبْلَ طَلَبِهَا.
-
(قَالَ:) فَإِنْ عَادَ إلَى الْجَوْرِ بَعْدَ مَا نَهَاهُ الْقَاضِي أَوْجَعَهُ عُقُوبَةً وَأَمَرَهُ بِالْعَدْلِ؛ لِأَنَّهُ أَسَاءَ الْأَدَبَ فِيمَا صَنَعَ وَارْتَكَبَ مَا هُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ وَهُوَ الْجَوْرُ فَيُعَزَّرُ فِي ذَلِكَ وَيُؤْمَرُ بِالْعَدْلِ.
-
(قَالَ:) وَلَوْ كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ امْرَأَةٌ فَدَخَلَتْ فِي سِنِّهَا أَيْ كَبِرَتْ
-
فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَبْدِلَ بِهَا شَابَّةً فَطَلَبَتْ أَنْ يُمْسِكَهَا وَيَتَزَوَّجَ بِالْأُخْرَى وَيُقِيمَ عِنْدَ الَّتِي تَزَوَّجَ أَيَّامًا وَيُقِيمَ عِنْدَهَا يَوْمًا فَتَزَوَّجَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ كَانَ جَائِزًا لَا بَأْسَ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {، وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا، أَوْ إعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي هَذَا.
-
وَبَلَغَنَا «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِسَوْدَةِ بِنْتِ زَمْعَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - حِينَ طَعَنَتْ فِي السِّنِّ: اعْتَدِّي فَسَأَلَتْهُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُرَاجِعَهَا وَيَجْعَلَ يَوْمَ نَوْبَتِهَا لِعَائِشَةَ؛ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لِكَيْ تُحْشَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ أَزْوَاجِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَضِيَ عَنْهُنَّ فَفَعَلَ.»
-
(قَالَ:) وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ عِنْد إحْدَى امْرَأَتَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا يُقِيمُ عِنْدَ الْأُخْرَى إذَا أَذِنَتْ لَهُ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ فِي مَقَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - بِإِذْنِهِنَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ - وَلِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ} قَالَ: هَذَا فِي الْحُبِّ فَأَمَّا فِي الْقَسْمِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْدِلَ وَلَا يُفَضِّلَ إحْدَاهُمَا، إلَّا بِإِذْنِ الْأُخْرَى وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قَوْله تَعَالَى {، وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا} مِثْلُ قَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الَّتِي رَضِيَتْ أَسْقَطَتْ حَقَّ نَفْسِهَا وَهِيَ مِنْ أَهْلِ أَنْ تُسْقِطَ حَقَّهَا، إلَّا أَنَّ هَذَا الرِّضَا لَيْسَ يُلْزِمُهَا شَيْئًا حَتَّى إذَا أَرَادَتْ أَنْ تَرْجِعَ وَتُطَالِبَ بِالْعَدْلِ فِي الْقَسْمِ فَلَهَا ذَلِكَ.
-
(قَالَ:) وَاذَا أَقَامَ عِنْدَ امْرَأَتِهِ الْأَمَةِ يَوْمًا،
-
ثُمَّ أُعْتِقَتْ لَمْ يُقِمْ عِنْدَ الْحُرَّةِ الْأُخْرَى، إلَّا يَوْمًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَقَةَ اسْتَوَتْ بِالْحُرَّةِ فِي السَّبَبِ فَعَلَيْهِ مُرَاعَاةُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْقَسْم وَتُجْعَلُ حُرِّيَّتُهَا عِنْدَ انْتِهَاءِ النَّوْبَةِ إلَيْهَا بِمَنْزِلَةِ حُرِّيَّتِهَا عِنْدَ ابْتِدَاءِ النَّوْبَةِ وَلَوْ أَقَامَ عِنْدَ الْحُرَّةِ يَوْمًا،
-
ثُمَّ أَعْتَقَتْ تَحَوَّلَ عَنْهَا إلَى الْمُعْتَقَةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ اسْتَوَتْ بِهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَضِّلَ الْحُرَّةَ بِشَيْءٍ بَعْدَ مَا اسْتَوَتْ الْمُعْتَقَةُ بِهَا.
-
(قَالَ:) وَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ فَكَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ وَيَصُومُ النَّهَارَ فَاسْتَعْدَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ، فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِأَنْ يَبِيتَ مَعَهَا وَيُفْطِرَ لَهَا. وَبَلَغَنَا عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لِكَعْبِ بْنَ سَوْرٍ اقْضِ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: أَرَاهَا إحْدَى نِسَائِهِ الْأَرْبَعِ لَهُنَّ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا وَلَهَا يَوْمُ وَلَيْلَةٌ.
-
وَقِصَّةُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَالَتْ: إنَّ زَوْجِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ، فَقَالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَوْجُك، فَأَعَادَتْ كَلَامَهَا مِرَارًا، فِي كُلِّ ذَلِكَ يُجِيبُهَا عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِهَذَا، فَقَالَ كَعْبُ بْنُ سَوْرٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّهَا تَشْكُو مِنْ زَوْجِهَا فِي أَنَّهُ هَجَرَ مِنْ صُحْبَتِهَا فَتَعَجَّبَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ فِطْنَتِهِ وَقَالَ اقْضِ بَيْنَهُمَا، فَقَضَى كَعْبٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِمَا ذُكِرَ فَوَلَّاهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
-
قَضَاءَ الْبَصْرَةِ، ثُمَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَتَعَيَّنُ حَقُّهَا فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِ لَيَالٍ وَلَكِنْ يُؤْمَرُ الزَّوْجُ بِأَنْ يُرَاعِيَ قَلْبَهَا وَيَبِيتَ مَعَهَا أَحْيَانًا.
-
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: إذَا كَانَ لِلرَّجُلِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ فَاشْتَغَلَ عَنْهَا بِالصِّيَامِ وَالْقِيَامِ، أَوْ بِصُحْبَةِ الْإِمَاءِ فَخَاصَمَتْهُ فِي ذَلِكَ قَضَى الْقَاضِي لَهَا بِلَيْلَةٍ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِ لَيَالٍ لِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ سَوْرٍ، وَلِأَنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُسْقِطَ حَقَّهَا عَنْ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ ثَلَاثًا سِوَاهَا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسْقِطَ حَقَّهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
-
وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْقِسْمَةَ وَالْعَدْلَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْمُزَاحَمَةِ وَلَا مُزَاحَمَةَ هُنَا حِينَ لَمْ يَكُنْ فِي نِكَاحِهِ، إلَّا وَاحِدَةٌ، أَرَأَيْت لَوْ كَانَ تَحْتَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ أَكَانَ يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَلَا يَشْتَغِلُ بِالصِّيَامِ وَالْقِيَامِ أَبَدًا، حَتَّى لَا يَصُومَ لَا رَمَضَانَ وَلَا غَيْرَهُ، هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ،
-
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِأَنْ يُؤْنِسَهَا بِصُحْبَتِهِ أَحْيَانًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ عِنْدَ الْمُزَاحَمَةِ تَلْحَقُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الْمُغَايَظَةُ لِمَقَامِهِ عِنْدَ الْأُخْرَى، فَيُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الْمُزَاحَمَةِ.
-
(قَالَ:) وَإِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ عَلَى أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ إحْدَاهُمَا يَوْمًا وَالْأُخْرَى يَوْمَيْنِ،
-
ثُمَّ طَلَبَتْ الَّتِي لَهَا الْيَوْمُ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُمَا فَلَهَا ذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهَا رَضِيَتْ بِتَرْكِ الْعَدْلِ فِيمَا مَضَى مِنْ الْمُدَّةِ فَلَا يُلْزِمُهَا ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ شَيْئًا، وَلِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ وَهُوَ بَاطِلٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ.»
-
(قَالَ:) وَالْمَجْبُوبُ وَالْخَصِيُّ وَالْعِنِّينُ فِي الْقِسْمَةِ سَوَاءٌ بَيْنَ النِّسَاءِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ وُجُوبَ الْقَسْمِ وَالْعَدْلِ لِلصُّحْبَةِ وَالْمُؤَانَسَةِ دُونَ الْمُجَامَعَةِ وَحَالُ هَؤُلَاءِ فِي هَذَا كَحَالِ الْفَحْلِ،
-
وَكَذَلِكَ الْغُلَامُ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ إذَا دَخَلَ بِامْرَأَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا فِي الْقَسْمِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ التَّسْوِيَةِ لِحَقِّ النِّسَاءِ، وَحُقُوقُ الْعِبَادِ تَتَوَجَّهُ عَلَى الصِّبْيَانِ عِنْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ كَمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الْبَالِغِينَ.
-
(قَالَ:) وَإِذَا جَعَلَتْ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا جُعْلًا عَلَى أَنْ يَزِيدَهَا فِي الْقَسْمِ يَوْمًا فَفَعَلَ لَمْ يَجُزْ، وَتَرْجِعُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهَا رَشَتْهُ عَلَى أَنْ يَجُورَ وَالرِّشْوَةُ حَرَامٌ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الرِّشْوَةِ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ مِنْ السُّحْتِ؛ فَلِهَذَا تَسْتَرِدُّ مَا أَعْطَتْ وَعَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ فِي الْقَسْمِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ حَطَّتْ لَهُ شَيْئًا مِنْ الْمَهْرِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، أَوْ زَادَهَا الزَّوْجُ فِي مَهْرِهَا، أَوْ جَعَلَ لَهَا جُعْلًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ نَوْبَتَهَا لِفُلَانَةَ فَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا بِهَذَا لَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ شَيْئًا فَلَا تَسْتَوْجِبُ عَلَيْهِ الْمَالَ بِمُقَابِلَتِهِ وَلِأَنَّهَا أَخَذَتْ الرِّشْوَةَ عَلَى أَنْ
-
تَرْضَى بِالْجَوْرِ وَذَلِكَ حَرَامٌ، فَكَانَ الْجُعْلُ مَرْدُودًا. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
-
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الْقِسْمَةِ (قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ: إمْلَاءُ الْقِسْمَةِ مِنْ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ فِي الْمَحَلِّ الْمُحْتَمَلِ لَهَا عِنْدَ طَلَبِ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ وَجَوَازُهَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) أَمَّا الْكِتَاب فَقَوْلُهُ تَعَالَى {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} وَالسُّنَّةُ مَا اُشْتُهِرَ مِنْ «قِسْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْغَنَائِمَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -» وَقِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالنَّاسُ يُعَامَلُونَ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى يَوْمِنَا هَذَا وَإِنَّمَا تَجِبُ بَعْدَ طَلَبِ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ؛
-
لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ مُنْتَفِعٌ بِنَصِيبِ صَاحِبِهِ فَالطَّالِبُ لِلْقِسْمَةِ يَسْأَلُ الْقَاضِيَ أَيْ يَخُصُّهُ بِالِانْتِفَاعِ بِنَصِيبِهِ وَيَمْنَعُ الْغَيْرَ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ فَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي إجَابَتُهُ إلَى ذَلِكَ.
-
وَفِي الْقِسْمَةِ شَيْئَانِ: الْمُعَادَلَةُ فِي الْمَنْفَعَةِ وَتَمْيِيزُ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا مِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ وَهِيَ تَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا تَمْيِيزٌ مَحْضٌ وَهُوَ الْقِسْمَةُ فِي الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ؛ وَلِهَذَا يَنْفَرِدُ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ حَتَّى أَنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ إذَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَحَدُهُمَا غَائِبٌ كَانَ لِلْحَاضِرِ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ مِقْدَارِ نَصِيبِهِ وَبَعْدَ مَا اقْتَسَمَا نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَيَّنَ مَا كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ؛
-
وَلِهَذَا يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً عَلَى نِصْفِ الثَّمَنِ وَنَوْعٌ هُوَ تَمْيِيزٌ فِيهِ مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ كَالْقِسْمَةِ فِيمَا يَتَفَاوَتُ مِنْ الثِّيَابِ وَالْحَيَوَانَاتِ فَإِنَّمَا يَتَمَيَّزُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ وَتَقَارُبِ الْمَنْفَعَةِ؛ وَلِهَذَا يُجْبَرُ الْقَاضِي عَلَيْهَا عِنْدَ طَلَبِ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ وَفِيهَا مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ مَا يُصِيبُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِمَّا يَصِفُهُ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ وَنِصْفُهُ عِوَضٌ عَمَّا أَخَذَهُ صَاحِبُهُ مِنْ نَصِيبِهِ؛
-
وَلِهَذَا لَا يَنْفَرِدُ بِهِ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَلَا يَبِيعُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مُرَابَحَةً إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: بَدَأَ الْكِتَابُ بِحَدِيثِ يُسَيْرِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ قَسَّمَ جِبْرِيلُ عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا جَمَعَ ثَمَانِيَة عَشَرَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَسَهْمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَهُمْ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا فِيهَا أَرْزَاقُ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ
-
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَوَائِبُهُ» وَاعْلَمْ أَنَّ خَيْبَرَ كَانَتْ سِتَّةَ حُصُونٍ الشَّقَّ وَالنَّطَاةَ وَالْكَيْبَةَ وَالسَّلَالِمَ وَالْغُمُوضَ وَالْوَطِيحَةَ إلَّا أَنَّ الْأَمْوَالَ وَالْمَزَارِعَ كَانَتْ فِي ثَلَاثَةِ حُصُونٍ مِنْهَا: النَّسَقِ وَالنَّطَاةِ وَالْكَيْبَةِ وَقَدْ افْتَتَحَ بَعْضَ الْحُصُونِ مِنْهَا عَنْوَةً وَقَهْرًا وَبَعْضَهَا صُلْحًا عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ «كِنَانَةَ بْنَ أَبِي الْحَقِيقِ مَعَ قَوْمِهِ صَالَحَ عَلَى النُّزُولِ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي الْمَغَازِي فَمَا افْتَتَحَ مِنْهَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَالِصًا؛
-
فَإِنَّهُمْ إنَّمَا خَرَجُوا؛ لِمَا وَقَعَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الرُّعْبِ» وَقَدْ خَصَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنُّصْرَةِ بِإِلْقَاءِ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِهِ «قَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ» وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ {: وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ} .
-
إلَى قَوْلِهِ {: وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ:}
-
«فَجَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِلْكَ الْحِصَّةَ مَعَ الْخُمْسِ فِي الشَّطْرِ وَقَسَّمَ الشَّطْرَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ» وَقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَالْكَلْبِيُّ عَلَى مَا ذُكِرَ بَعْدَ هَذَا عَنْهُمَا «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَّمَ خَيْبَرَ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا جَمِيعًا وَكَانَتْ الرِّجَالُ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ وَالْخَيْلُ مِائَتَيْ فَرَسٍ، وَكَانَ عَلَى كُلِّ مِائَةٍ رَجُلٌ، فَكَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى مِائَةٍ وَكَانَ عُبَيْدُ السُّهَا عَلَى مِائَةٍ وَكَانَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى مِائَةٍ وَكَانَ الْقَاسِمُ فِي النَّسَقِ وَالنَّطَاةِ وَكَانَتْ النَّسَقُ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَالنَّطَاةُ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ وَكَانَتْ الْكَتِيبَةُ فِيهَا خُمْسُ اللَّهِ وَطَعَامُ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَطَايَاهُ وَكَانَ أَوَّلُ سَهْمٍ خَرَجَ مِنْ النَّسَقِ سَهْمَ عَاصِمٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَفِيهِ سَهْمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» .
-
الْحَدِيثُ إلَى آخِرِهِ. فَهَذَا الْحَدِيثُ يُبَيِّنُ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فَفِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ذَكَرَ الشَّطْرَيْنِ وَأَنَّ أَصْلَ الْقِسْمَةِ كَانَتْ عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ ذَكَرَ مِقْدَارَ مَا قَسَّمَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ أَنَّهُ قَسَّمَ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ فِي الْمَغَانِمِ قِسْمَيْنِ عَلَى الْعُرَفَاءِ وَأَصْحَابِ الرَّايَاتِ وَقِسْمَةً أُخْرَى عَلَى الرُّءُوسِ الَّذِينَ هُمْ تَحْتَ كُلِّ رَايَةٍ وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ؛
-
لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْمُعَادَلَةِ بِهَذَا الطَّرِيقِ أَيْسَرُ؛ فَإِنَّهُ لَوْ قَسَّمَ ابْتِدَاءً عَلَى الرُّءُوسِ رُبَّمَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ اعْتِبَارُ الْمُعَادَلَةِ،
-
ثُمَّ «لَمْ يَجْعَلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاسْمِ نَفْسِهِ سَهْمًا وَلَكِنْ كَانَ سَهْمُهُ مَعَ سَهْمِ ابْنِ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -» فَقِيلَ إنَّهُ تَوَاضَعَ بِذَلِكَ وَقِيلَ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يُسَاوِي اسْمَهُ اسْمٌ فِي الْمُزَاحَمَةِ عِنْدَ خُرُوجِ الْقُرْعَةِ؛
-
وَلِهَذَا خَرَجَ سَهْمُ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَوَّلًا؛ لِأَنَّ فِيهِ سَهْمَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا يَقُولُهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا إنَّ الْعَرَافَةَ مَذْمُومَةٌ فِي الْجُمْلَةِ فَيُتَحَرَّزُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ فِي الْجِهَادِ وَقِسْمَةِ الْغَنَائِمِ الْعَرَافَةَ غَيْرَ مَذْمُومَةٍ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ
-
اخْتَارَ لِذَلِكَ الْكِبَارَ مِنْ الصَّحَابَةِ كَعَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -،
-
ثُمَّ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ اسْتَدَلَّ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِي أَنَّ سَهْمَ الْفَرَسِ ضِعْفُ سَهْمِ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَكَانَتْ الرِّجَالُ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ وَالْخَيْلُ أَرْبَعَمِائَةِ فَرَسٍ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ كَانَ لِكُلِّ مِائَةٍ مِنْ الرِّجَالِ سَهْمٌ وَعَرَفْنَا أَنَّهُ كَانَ لِكُلِّ مِائَةٍ مِنْ الرِّجَالِ سَهْمٌ وَلِكُلِّ مِائَةٍ مِنْ الْخَيْلِ سَهْمَانِ وَلَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: الْمُرَادُ بِالرِّجَالِ الرَّجَّالَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {: يَأْتُوك رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} .
-
وَالْمُرَادُ بِالْخَيْلِ الْفُرْسَانُ يُقَالُ: غَارَتْ الْخَيْلُ قَالَ اللَّهُ {: وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِك وَرَجْلِكَ} . أَيْ بِفُرْسَانِك وَرَجَّالَتِك فَهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الرِّجَالَ كَانُوا أَلْفًا وَسِتَّمِائَةٍ وَأَنَّهُ أَعْطَى الْفَارِسَ سَهْمَيْنِ وَالرَّاجِلَ سَهْمًا.
-
وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِ الْقُرْعَةِ فِي الْقِسْمَةِ فَقَدْ «اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ فِي قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ مَعَ نَهْيِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه عَنْ الْقِمَارِ» فَدَلَّ أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ لَيْسَ مِنْ الْقِمَارِ وَذُكِرَ عَنْ مَسْرُوقٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ عَنْ الْقَضَاءِ رِزْقًا فَفِيهِ دَلِيلُ أَنَّهُ مَنْ اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ وَكَانَ صَاحِبَ يَسَارٍ فَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَحْتَسِبَ وَلَا يَأْخُذَ كِفَايَتَهُ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ،
-
وَإِنْ كَانَ لَوْ أَخَذَ جَازَ لَهُ وَبَيَانُهُ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيهِ قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ يَأْخُذَ قَاضِي الْمُسْلِمِينَ أَجْرًا وَلَا الَّذِي عَلَى الْغَنَائِمِ وَلَا الَّذِي عَلَى الْمَقَاسِمِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ الْأَجْرِ فَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْقَضَاءِ لَا يَجُوزُ وَلَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ عَلَى الْقَضَاءِ،
-
وَإِنْ شُرِطَ وَلَكِنَّ مُرَادَهُ الْكَفَالَةُ الَّتِي يَأْخُذُهَا الْقَاضِي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ عِنْدَ الِاسْتِغْنَاءِ أَنْ لَا يَأْخُذَ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ} وَقَدْ بَيَّنَّا الْكَلَامَ فِي هَذَا الْفَصْلِ فِيمَا أَمْلَيْنَاهُ مِنْ شَرْحِ أَدَبِ الْقَاضِي وَاَلَّذِي عَلَى الْغَنَائِمِ يَحْفَظُهَا وَاَلَّذِي عَلَى الْمَقَاسِم مَنْ وُجِدَ كَالْقَاضِي؛
-
لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي فِي الْحُكْمِ حَتَّى يَجُوزَ اسْتِئْجَارُهُ عَلَى ذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ نَصِيبٌ وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ إذَا كَانَ لَهُ نَصِيبٌ فِي ذَلِكَ فَاسْتِئْجَارُ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ عَلَى الْعَمَلِ فِي الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ لَا يَجُوزُ كَمَا لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْقَاضِي عَلَى الْقَضَاءِ ذُكِرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَزَّارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَحْيَى كَانَ يَقْسِمُ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْهُ الدُّورَ وَالْأَرْضِينَ وَيَأْخُذُ عَلَى ذَلِكَ الْأَجْرَ وَقَدْ بَيَّنَّا فَوَائِدَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَدَبِ الْقَاضِي وَجَوَازُ الِاسْتِئْجَارِ لِعَمَلِ الْقِسْمَةِ بِخِلَافِ عَمَلِ الْقَضَاءِ
-
وَعَنْ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى الْيَمَنِ فَأَتَى بِرِكَازٍ مِنْهُ فَأَخَذَ مِنْهُ الْخُمْسَ وَتَرَكَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ لِلْوَاجِدِ وَأَتَاهُ ثَلَاثَةٌ يَدَّعُونَ غُلَامًا كُلُّ وَاحِدٍ يَقُولُ: ابْنِي فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ وَقَضَى بِالْغُلَامِ لِلَّذِي خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ وَجَعَلَ عَلَيْهِ الدِّيَةَ لِصَاحِبَيْهِ قَالَ الرَّاوِي فَقُلْت لِعَامِرٍ: هَلْ رُفِعَ عَنْهُ بِحِصَّتِهِ؟
-
قَالَ: لَا أَدْرِي، أَمَّا حُكْمُ الْخُمْسِ فِي الرِّكَازِ فَقَدْ بَيَّنَّاهُ
-
فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ وَأَمَّا حُكْمُ الْقُرْعَةِ فَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَسْتَدِلُّ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمُصِرِّ عَلَى الْقُرْعَةِ فِي دَعْوَى النَّسَبِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ وَلَسْنَا نَأْخُذُ بِذَلِكَ أَنَّ فِعْلَهُ هَذَا كَانَ بَعْدَ حُرْمَةِ الْقِمَارِ أَمْ قَبْلَهُ، وَأَنَّهُ عَرَضَ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَضِيَ بِهِ أَوْ لَمْ يَرْضَ عَلَيْهِ،
-
ثُمَّ لَعَلَّ الْقَضَاءَ لَهُ بِحُجَّةٍ أَقَامَهَا وَكَانَ اسْتِعْمَالُهُ الْقُرْعَةَ لِيُطَيِّبَ الْقُلُوبَ وَإِنَّمَا رَجَّحَهُ فِي الْقَضَاءِ لِتَرْجِيحٍ فِي حُجَّتِهِ مِنْ يَدٍ أَوْ غَيْرِهِ
-
وَقَوْلُهُ: فَقَضَى لِلَّذِي خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ مَذْكُورٌ عَلَى سَبِيلِ التَّعْرِيفِ لَا لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ كَانَ بِالْقُرْعَةِ كَمَا يُقَالُ قَضَى الْقَاضِي لِصَاحِبِ الطَّيْلَسَانِ وَمَا ذُكِرَ فِي آخِرِهِ مِنْ أَنَّهُ جَعَلَ عَلَيْهِ الدِّيَةَ لِصَاحِبَيْهِ مُشْكِلٌ لَا يَتَّضِحُ فَالْحَيُّ الْحُرُّ لَا يَتَقَوَّمُ بِالدِّيَةِ،
-
وَإِنْ كَانَ هَذَا الْغُلَامُ مَمْلُوكًا لَهُمْ أَوْ مِنْ جَارِيَةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَهُمْ فَإِقْرَارُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ ابْنُهُ يُوجِبُ حُرِّيَّةَ نَصِيبِهِ وَيَسْقُطُ حَقُّهُ فِي التَّضْمِينِ،
-
وَكَذَلِكَ مَا أَشْكَلَ عَلَى السَّائِلِ حَيْثُ قَالَ: هَلْ رَفَعَ عَنْهُ بِحِصَّتِهِ فَإِنَّ الدِّيَةَ اسْمٌ يَجْمَعُ بَدَلَ النَّفْسِ وَقَدْ كَانَ فِي ذَلِكَ حِصَّةُ الَّذِي قَرَعَ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُ بِحِصَّتِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ كَأَحَدِ الشُّرَكَاءِ فِي الْعَبْدِ إذَا قَبِلَهُ إلَّا أَنَّ عَامِرًا لَمْ يُحَارَفْ أَلَمْ يَرُدَّ مَا سَمِعَ؟
-
فَقَالَ: لَا أَدْرِي فَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّفْ لِذَلِكَ لِعِلْمِهِ إنَّ هَذَا لَيْسَ بِحُكْمٍ مَأْخُوذٍ بِهِ فَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ ضَعْفُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي اسْتِعْمَالِ الْقُرْعَةِ فِي النَّسَبِ وَعَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ قَالَ: خَاصَمْت أَخِي إلَى الشَّعْبِيِّ فِي دَارٍ صَغِيرَةٍ أُرِيدُ قِسْمَتَهَا وَيَأْبَى ذَلِكَ فَقَالَ الشَّعْبِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَوْ كَانَتْ مِثْلَ هَذِهِ فَخَطَّ بِيَدِهِ مِقْدَارَ آجُرَّةٍ قَسَمْتُهَا بَيْنَكُمْ فَقَالَ: وَخَطَّهَا عَلَى أَرْبَعِ قِطَعٍ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يُقَسِّم الْمُشْتَرَكَ عِنْدَ طَلَبِ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ،
-
وَإِنْ أَبَى ذَلِكَ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّ الَّذِي طَلَبَ الْقِسْمَةَ مُتَظَلِّمٌ مِنْ صَاحِبِهِ أَنَّهُ يَشْفَعُ بِمِلْكِهِ وَلَا يُنْصِفُهُ فِي الِانْتِفَاعِ وَاَلَّذِي يَتَعَنَّتُ وَإِنَّمَا يَبْنِي الْقَاضِي قَضَاءَهُ عَلَى الْتِمَاسِ الْمُتَظَلِّمِ الطَّالِبِ لِلْإِنْصَافِ دُونَ الْمُتَعَنِّتِ؛ وَلِهَذَا لَا تَجِبُ الْقِسْمَةُ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُهَا عِنْدَ طَلَبِ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ؛
-
لِأَنَّ الطَّالِبَ هُنَا مُتَعَنِّتٌ؛ فَإِنَّهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ يَنْتَفِعُ بِنَصِيبِهِ وَبِالْقِسْمَةِ تَنْقَطِعُ عَنْهُ الْمَنْفَعَةُ وَأَمَّا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ فِي مِقْدَارِ آجَرَّةٍ خَطَّهَا عَلَى الْأَرْضِ قَسَمْتهَا بَيْنَكُمْ عَلَى وَجْهِ التَّمْثِيلِ دُونَ التَّحْقِيقِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي دَارِ الَّذِي يَأْتِي الْقِسْمَةَ مِنْهُمَا فِيمَا يَحْتَمِلُ؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ الْآجُرَّةِ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» وَالْمَسْجِدُ لَا يَكُونُ كَمَفْحَصِ الْقَطَاةِ وَإِنَّمَا قَالَ: ذَلِكَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي بَيَانِ الْمِثْلِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
-
أُجْرَةُ الْقَسَّامِ إذَا اسْتَأْجَرَهُ الشُّرَكَاءُ لِلْقِسْمَةِ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ لَا عَلَى مِقْدَارِ الْأَنْصِبَاءِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - عَلَى مِقْدَارِ الْأَنْصِبَاءِ وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ قَاسِمُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ
-
- رَحِمَهُ اللَّهُ - وَجْهُ قَوْلِهِمْ أَنَّ هَذِهِ مُؤْنَةٌ تَلْحَقُ الشُّرَكَاءَ بِسَبَبِ الْمِلْكِ فَيَكُونُ بَيْنَهُمْ عَلَى وَجْهِ النَّفَقَةِ عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ كَالنَّفَقَةِ وَأُجْرَةِ الْكَيَّالِ وَالْوَزَّانِ إنْ اسْتَأْجَرُوهُ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ فِيمَا هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا بِالْقِسْمَةِ أَنْ يَتَوَصَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَى الِانْتِفَاعِ بِنَصِيبِهِ وَمَنْفَعَةُ نَصِيبِ صَاحِبِ الْكَبِيرِ أَكْبَرُ مِنْ مَنْفَعَةِ نَصِيبِ صَاحِبِ الْقَلِيلِ أَوْ لِأَنَّ الْغُرْمَ مُقَابَلٌ بِالْغُنْمِ،
-
ثُمَّ الْغُنْمُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ يَعْنِي الثِّمَارَ وَالْأَوْلَادَ، فَكَذَلِكَ الْغُرْمُ عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ الْمِلْكِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ عَمَلَهُ لَهُمْ سَوَاءٌ وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ بِذَلِكَ فَيَكُونُ الْأَجْرُ عَلَيْهِمْ بِالتَّسْوِيَةِ كَمَا إذَا اسْتَوَتْ الْأَنْصِبَاءُ وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّ الْقَسَّامَ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ بِالْمِسَاحَةِ وَمَدِّ الْأَطْنَابِ وَالْمَشْيِ عَلَى الْحُدُودِ؛
-
فَإِنَّهُ لَوْ اسْتَعَانَ فِي ذَلِكَ بِأَرْبَابِ الْمِلْكِ اسْتَوْجَبَ كَمَالَ الْأَجْرِ إذَا قَسَّمَ بِنَفْسِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ بِالْقِسْمَةِ وَهِيَ تَمْيِيزُ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَا تَفَاوُتَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ فَكَمَا يَتَمَيَّزُ نَصِيبُ صَاحِبِ الْكَبِيرِ بِعَمَلِهِ عَنْ نَصِيبِ صَاحِبِ الْقَلِيلِ يَتَمَيَّزُ نَصِيبُ صَاحِبِ الْقَلِيلِ عَنْ نَصِيبِ صَاحِبِ الْكَبِيرِ وَرُبَّمَا يَكُونُ عَمَلُهُ فِي نَصِيبِ صَاحِبِ الْقَلِيلِ أَكْبَرَ وَالْحِسَابُ لَا يَدِقُّ إذَا اسْتَوَتْ الْأَنْصِبَاءُ وَإِنَّمَا يَدِقُّ عِنْدَ تَفَاوُتِ الْأَنْصِبَاءِ وَتَزْدَادُ دِقَّتُهُ بِقِلَّةِ بَعْضِ الْأَنْصِبَاءِ فَلَعَلَّ تَمْيِيزَ نَصِيبِ صَاحِبِ الْقَلِيلِ أَسْوَأُ مِنْ تَمْيِيزِ نَصِيبِ الْكَبِيرِ وَلَكِنْ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ؛
-
لِأَنَّ التَّمْيِيزَ حَصَلَ بِعَمَلٍ وَاحِدٍ وَهُمَا فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ سَوَاءٌ
-
بِخِلَافِ الزَّوَائِدِ فَإِنَّهَا تَتَوَلَّدُ مِنْ الْمِلْكِ فَإِنَّمَا تَتَوَلَّدُ بِقَدْرِ الْمِلْكِ وَبِخِلَافِ النَّفَقَةِ فَإِنَّهَا لِإِبْقَاءِ الْمِلْكِ وَحَاجَةُ الْكَبِيرِ إلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ حَاجَةِ صَاحِبِ الْقَلِيلِ وَلَا مَعْنَى لِمَا قَالَ: إنَّ مَنْفَعَةَ صَاحِبِ الْكَثِيرِ هُنَا أَكْثَرُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ نَصِيبِهِ لَا لِلْعَمَلِ الَّذِي اسْتَوْجَبَ الْأَجْرَ بِهِ فَأَمَّا أَجْرُ الْكَيَّالِ وَالْوَزَّانِ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا هُوَ عَلَى الْخِلَافِ فَإِنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ يُقْسَمُ بِذَلِكَ وَالْكَيَّالُ وَالْوَزَّانُ بِمَنْزِلَةِ الْقَسَّامِ
-
وَالْأَصَحُّ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فَنَقُولُ هُنَا: إنَّمَا لَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ بِعَمَلِهِ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اسْتَعَانَ فِي ذَلِكَ بِالشُّرَكَاءِ لَمْ يَسْتَوْجِبْ الْأَجْرَ وَعَمَلُهُ فِي ذَلِكَ بِالشُّرَكَاءِ لَمْ يَسْتَوْجِبْ الْأَجْرَ وَعَمَلُهُ فِي ذَلِكَ لِصَاحِبِ الْكَثِيرِ أَكْثَرُ فَكُلُّ عَاقِلٍ يَعْرِفُ أَنَّ كَيْلَ مِائَةِ قَفِيزٍ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ كَيْلِ عَشَرَةِ أَقْفِزَةٍ؛
-
فَلِهَذَا كَانَتْ الْأُجْرَةُ عَلَيْهِمَا بِقَدْرِ الْمِلْكِ
-
بِخِلَافِ الْقَسَّامِ فَذَكَرَ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَجْعَلَ لِقَاسِمِ الْأَرْضِينَ رِزْقًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ حَتَّى لَا يَأْخُذَ مِنْ النَّاسِ شَيْئًا،
-
وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ رِزْقًا لَهُ فَقَسَمَ بِالْأَجْرِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لَيْسَتْ كَعَمَلِ الْقَضَاءِ فَالْقَضَاءُ فَرْضٌ هُوَ عِبَادَةٌ وَالْقَاضِي فِي ذَلِكَ نَائِبٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
-
وَالْقِسْمَةُ
-
لَيْسَتْ مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ وَلَكِنَّهَا تَتَّصِلُ بِالْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ تَمَامَ انْقِطَاعِ الْمُنَازَعَةِ يَكُونُ بِالْقِسْمَةِ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ الْقَسَّامُ نَائِبٌ عَنْ الْقَاضِي فَالْأَوْلَى أَنْ يَجْعَلَ كِفَايَتَهُ فِي مَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَمِنْ حَيْثُ إنَّ عَمَلَهُ لَيْسَ مِنْ الْقَضَاءِ فِي شَيْءٍ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَى ذَلِكَ وَالْقَسَّامُ بِمَنْزِلَةِ الْكَاتِبِ لِلْقَاضِي فِي ذَلِكَ وَقَدْ قَرَّرْنَا هَذَا فِي أَدَبِ الْقَاضِي،
-
وَكَذَلِكَ مَا ذُكِرَ بَعْدَهُ مِنْ حَدِيثِ شُرَيْحٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَمَالِي لَا أَرْتَزِقُ أَسْتَوْفِي مِنْهُمْ وَأُوفِيهِمْ أَصْبِرُ لَهُمْ نَفْسِي فِي الْمَجْلِسِ وَأَعْدِلُ بَيْنَهُمْ فِي الْقَضَاءِ، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ شُرَيْحًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ يَأْخُذُ كِفَايَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يَرْزُقُهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ عَلَى الْقَضَاءِ فَزَادَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ عِيَالِهِ حَتَّى جَعَلَ لَهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَلَعَلَّ عَاتَبَهُ بَعْضُ أَصْدِقَائِهِ عَلَى أَخْذِ الْأَجْرِ، وَقَالَ لَهُ احْتَسِبْ فَقَالَ شُرَيْحٌ فِي جَوَابِهِ مَا قَالَ وَمُرَادُهُ إنِّي فَرَّغْت نَفْسِي عَنْ أَشْغَالِي لِعَمَلِ الْمُسْلِمِينَ فَآخُذُ كِفَايَتِي مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَكَأَنَّهُ بِهَذَا الْكَلَامِ أَشَارَ إلَى الِاسْتِدْلَالِ بِمَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ النَّصِيبِ فِي الصَّدَقَاتِ لِلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا؛
-
فَإِنَّهُمْ لَمَّا فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ لِعَمَلِ الْفُقَرَاءِ اسْتَحَقُّوا الْكِفَايَةَ فِي مَالِ الْفُقَرَاءِ وَذَكَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَالْكَلْبِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا سَافَرَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ» قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَأَصَابَتْنِي الْقُرْعَةُ فِي السَّفَرَةِ الَّتِي أَصَابَنِي فِيهَا مَا أَصَابَنِي تُرِيدُ بِهِ حَدِيثَ الْإِفْكِ وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا حَقَّ لَهَا فِي الْقَسْمِ عِنْدَ سَفَرِ الزَّوْجِ فَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا يُسَافِرَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَأَنْ يُسَافِرَ بِمَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ وَلَكِنَّهُ «كَانَ يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ تَطْبِيبًا لِقُلُوبِهِنَّ» فَاسْتِعْمَالُ الْقُرْعَةِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ جَائِزٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَجْمَعَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -.
-
وَبِهَذَا الْحَدِيثِ قُلْنَا: إذَا تَزَوَّجَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ فَلَهُ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ لِإِبْدَائِهِ بِالْقَسْمِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِمَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ فَيُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِنَّ وَنَفْيًا لِتُهْمَةِ الْمَيْلِ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْحَدِيثَ لِلْحُكْمِ الْمَذْكُورِ بَعْدَهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْقَسَّامِ أَنْ يَسْتَعْجِلَ الْقُرْعَةَ فِي الْقِسْمَةِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ قَاسِمُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ وَفِي الْقِيَاسِ هَذَا لَا يَسْتَقِيمُ؛
-
لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْقِمَارِ؛ فَإِنَّهُ تَعْلِيقُ الِاسْتِحْقَاقِ بِخُرُوجِ الْقُرْعَةِ وَالْقِمَارُ حَرَامٌ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُجَوِّزْ عُلَمَاؤُنَا اسْتِعْمَالَ الْقُرْعَةِ فِي دَعْوَى النَّسَبِ وَدَعْوَى الْمِلْكِ وَتَعْيِينِ الْعِتْقِ،
-
ثُمَّ هَذَا فِي مَعْنَى الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ الَّذِي كَانَ بِعِبَادَةِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ رِجْسٌ وَفِسْقٌ وَلَكِنَّا تَرَكْنَا بِالسُّنَّةِ وَالتَّعَامُلِ الظَّاهِرِ فِيهِ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى يَوْمِنَا هَذَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرِ مُنْكِرٍ،
-
ثُمَّ هَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَى الْقِمَارِ فَفِي الْقِمَارِ أَصْلُ الِاسْتِحْقَاقِ يَتَعَلَّقُ بِمَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ وَفِي هَذَا
-
الْمَوْضِعِ أَصْلُ الِاسْتِحْقَاقِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا يَتَعَلَّقُ بِخُرُوجِ الْقُرْعَةِ،
-
ثُمَّ الْقَاسِمُ لَوْ قَالَ: عَدَلْت أَنَا فِي الْقِسْمَةِ فَخُذْ أَنْتَ هَذَا الْجَانِبَ وَأَنْتَ هَذَا الْجَانِب كَانَ مُسْتَقِيمًا إلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا يُتَّهَمُ فِي ذَلِكَ فَيَسْتَعْمِلُ الْقُرْعَةَ لِتَطْبِيبِ قُلُوبِ الشُّرَكَاءِ وَنَفْيِ تُهْمَةِ الْمَيْلِ عَنْ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي مِثْلِ هَذَا اسْتَعْمَلَ هَذِهِ الْقُرْعَةَ مَعَ أَصْحَابِ السَّفِينَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {: فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ} .
-
وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ وَلَكِنْ لَوْ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ رُبَّمَا يُنْسَبُ إلَى مَا لَا يَلِيقُ بِالْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - فَاسْتَعْمَلَ الْقُرْعَةَ لِذَلِكَ
-
وَكَذَلِكَ زَكَرِيَّا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اسْتَعْمَلَ الْقُرْعَةَ مَعَ الْأَحْبَارِ فِي ضَمِّ مَرْيَمَ - عَلَيْهَا السَّلَامُ - إلَى نَفْسِهِ وَقَدْ كَانَ عَلِمَ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ خَالَتَهَا كَانَتْ تَحْتَهُ وَلَكِنْ اسْتَعْمَلَ الْقُرْعَةَ تَطْبِيبًا لِقُلُوبِهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} .
-
ثُمَّ إنْ كَانَ الْقَاضِي هُوَ الَّذِي يُقَسِّمُ بِالْقُرْعَةِ أَوْ نَائِبُهُ فَلَيْسَ لِبَعْضِ الشُّرَكَاءِ أَنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِ بَعْضِ السِّهَامِ كَمَا لَا يَلْتَفِتُ إلَى إبَاءِ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ قَبْلَ خُرُوجِ الْقُرْعَةِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْقَاسِمُ يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ بِالتَّرَاضِي فَرَجَعَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ خُرُوجِ بَعْضِ السِّهَامِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا إذَا خَرَجَتْ السِّهَامُ كُلُّهَا إلَّا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ التَّمْيِيزَ هُنَا يَعْتَمِدُ التَّرَاضِيَ بَيْنَهُمْ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ وَبِخُرُوجِ بَعْضِ السِّهَامِ لَا يَتِمُّ فَكَانَ هَذَا كَالرُّجُوعِ عَنْ الْإِيجَابِ قَبْلَ قَوْلِ الْمُشْتَرِي فَأَمَّا إذَا خَرَجَ جَمِيعُ السِّهَامِ إلَّا وَاحِدًا فَقَدْ تَمَّتْ الْقِسْمَةُ؛
-
لِأَنَّ نَصِيبَ ذَلِكَ الْوَاحِدِ تَعَيَّنَ خَرَجَ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ فَلَا يَمْلِكُ بَعْضُهُمْ الرُّجُوعَ بَعْدَ تَمَامِ الْقِسْمَةِ.
-
دَارٌ بَيْنَ وَرَثَةٍ اقْتَسَمُوهَا وَفَضَّلُوا بَعْضًا عَلَى بَعْضٍ بِفَضْلِ قِيمَةِ الْبِنَاءِ وَعَلَى بَعْضٍ بِفَضْلِ قِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْمَوْضِعِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْقِسْمَةِ الْمُعَادَلَةُ فِي الْمَالِيَّةِ وَالْمَنْفَعَةِ وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي الْمُسَاوَاةِ فِي الزَّرْعِ وَالْبِنَاءُ يَكُونُ فِي جَانِبٍ دُونَ جَانِبٍ وَبَعْضُ الْعَرْصَةِ تَكُونُ أَفْضَلَ قِيمَةً مِنْ الْبَعْضِ وَأَكْثَرَ مَنْفَعَةً فَإِنَّ مُقَدِّمَ الدَّارِ يُرْغَبُ فِيهِ مَا لَا يُرْغَبُ فِي مُؤَخَّرِهِ وَفِي اعْتِبَارِ هَذِهِ الْمُعَادَلَةِ لَا بُدَّ مِنْ تَفْضِيلِ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ فِي الْمِسَاحَةِ،
-
وَإِنْ اقْتَسَمُوا الْأَرْضَ مِسَاحَةً وَالْبِنَاءُ وَالْقِيمَةَ قِيمَةً بِقِيمَةِ عَدْلٍ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ التَّرَاضِي لَا يُشْكِلُ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا قَضَى الْقَاضِي بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُعَادَلَةَ فِي الْأَرْضِ بِاعْتِبَارِ الْمِسَاحَةِ تَتَّسِرُ وَقَدْ يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ فِي الْبِنَاءِ؛ لِمَا بَيْنَ الْأَبْنِيَةِ مِنْ التَّفَاوُتِ الْعَظِيمِ فِي الْقِيمَةِ فَقِسْمَةُ الْبِنَاءِ بِالتَّقْوِيمِ تَكُونُ أَعْدَلَ وَإِذَا جَازَ قِسْمَةُ الْكُلِّ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ فَقِسْمَةُ الْبَعْضِ كَذَلِكَ،
-
وَإِنْ كَانَ الْبِنَاءُ حِينَ اقْتَسَمُوا الْأَرْضَ غَيْرَ مَعْرُوفِ الْقِسْمَةِ فَهَذَا فِي الْقِيَاسِ لَا يَكُونُ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ وَالْأَرْضَ تَتَنَاوَلُهُمَا قِسْمَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِذَا لَمْ تُعْرَفْ قِيمَةُ الْبِنَاءِ فَقَدْ تَعَذَّرَ تَصْحِيحُ الْقِسْمَةِ فِي الْبِنَاءِ لِلْجَهَالَةِ فَلَا تَصِحُّ الْقِسْمَةُ فِي الْأَرْضِ أَيْضًا كَمَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْعَقْدِ
-
الْوَاحِدِ إذَا فَسَدَ فِي بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَسَدَ فِي الْكُلِّ وَلَكِنَّا اسْتَحْسَنَّا وَجَوَّزْنَا هَذَا لِمَعْنَيَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُمْ مَيَّزُوا الْبِنَاءَ عَنْ الْأَرْضِ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ حِينَ خَالَفُوا بَيْنَهُمَا فِي طَرِيقِ الْقِسْمَةِ فَاعْتَبَرُوا فِي الْأَرْضِ الْمُعَادَلَةَ فِي الْمِسَاحَةِ وَفِي الْبِنَاءِ الْمُعَادَلَةَ فِي الْقِيمَةِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ أَرْضَيْنِ يَقْسِمُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قِسْمَةً عَلَى حِدَةٍ وَفِي ذَلِكَ تَصِحُّ الْقِسْمَةُ فِي أَحَدَيْهِمَا قَبْلَ ظُهُورِ الْمِسَاحَةِ فِي الْأُخْرَى، فَكَذَلِكَ هُنَا تَجُوزُ الْقِسْمَةُ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ قِيمَةُ الْبِنَاءِ (وَالثَّانِي) أَنَّ حُكْمَ الْقِسْمَةِ فِي الْأَرْضِ لَا يَتِمُّ بِالْمِسَاحَةِ وَلَكِنْ يَتَوَقَّفُ تَمَامُ الْقِسْمَةِ فِيهَا عَلَى مَعْرِفَةِ قِيمَةِ الْبِنَاءِ وَقِسْمَتُهَا بِالْقِيمَةِ لَا تَتِمُّ الْقِسْمَةُ إلَّا بَعْدَ ظُهُورِ الْمُعَادَلَةِ فِي الْكُلِّ وَمَعْرِفَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ نَصِيبَهُ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ حَالُ تَمَامِ الْعَقْدِ وَإِذَا كَانَ يَتِمُّ فِي الْمَعْلُومِ لَمْ تَضُرَّهُمْ الْجَهَالَةُ فِي الِابْتِدَاءِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَحَدَ الثِّيَابِ الثَّلَاثَةِ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ يَأْخُذُ أَيَّهُمَا شَاءَ وَيُسَمِّي لِكُلِّ وَاحِدٍ ثَمَنًا.
-
وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ مِيرَاثًا بَيْنَ قَوْمٍ حُضُورٍ كِبَارٍ تَصَادَقُوا عِنْدَ الْقَاضِي عَلَيْهَا وَأَرَادُوا الْقِسْمَةَ بِهَا فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمْ لَمْ يَمْنَعْهُمْ الْقَاضِي مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا تَصَرُّفٌ مِنْهُمْ فِيمَا بَقِيَ فِي أَيْدِيهمْ بِطَرِيقٍ مَشْرُوعٍ وَلَوْ تَصَرَّفُوا فِي ذَلِكَ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ لَمْ يُمْنَعُوا مِنْهُ، فَكَذَلِكَ بِالْقِسْمَةِ،
-
وَإِنْ سَأَلُوا الْقَاضِيَ أَنْ يَقْسِمَهَا بَيْنَهُمْ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ الْقَاضِي لَا يُقْسِمُ الْعَقَارَ بَيْنَهُمْ بِإِقْرَارِهِمْ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَصْلِ الْمِيرَاثِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَقْسِمُهَا بَيْنَهُمْ وَيُشْهِدُ أَنَّهُ قَسَّمَهَا بِإِقْرَارِهِمْ وَقَضَى بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الْيَدَ فِيهَا لَهُمْ وَمَنْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ فَقَوْلُهُ: مَقْبُولٌ فِيهِ مَا لَمْ يَحْضُرْ خَصْمٌ يُنَازِعُهُ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ هُنَا خَصْمٌ يُنَازِعُهُمْ فَلَا حَاجَةَ لَهُمْ إلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لِإِثْبَاتِ مِلْكِهِمْ فِيهَا وَإِذَا كَانَ الْمِلْكُ ثَابِتًا لَهُمْ بِقَوْلِهِمْ إنَّمَا سَأَلُوا الْقَاضِيَ أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُمْ مِلْكَهُمْ فَعَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَهُمْ إلَى ذَلِكَ كَمَا لَوْ زَعَمُوا أَنَّ الدَّارَ مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ وَلَمْ يَذْكُرُوا مِيرَاثًا وَلَا غَيْرَهُ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَقْسِمَهَا بَيْنَهُمْ قَسَّمَهُمْ الْقَاضِي بِطَلَبِهِمْ وَأُشْهِدُوا أَنَّهُ قَضَى بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ نَظَرًا مِنْهُ لِغَائِبٍ عَسَى يَحْضُرُ فَيَدَّعِي لِنَفْسِهِ فِيهَا حَقًّا، فَكَذَلِكَ هُنَا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهمْ عُرُوضٌ أَوْ مَنْقُولٌ سِوَى الْعَقَارِ فَأَقَرُّوا أَنَّهَا مِيرَاثٌ بَيْنَهُمْ وَطَلَبُوا قِسْمَتَهَا قَسَّمَهَا الْقَاضِي بِإِقْرَارِهِمْ وَأَشْهَدَ عَلَى أَنَّهُ قَسَّمَهَا بِإِقْرَارِهِمْ لِاعْتِبَارِ يَدِهِمْ، فَكَذَلِكَ فِي الْعَقَارِ؛
-
لِأَنَّ الْيَدَ تَثْبُتُ عَلَى الْعَقَارِ كَمَا تَثْبُتُ عَلَى الْمَنْقُولِ.
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ دَارٌ فَأَقَرُّوا أَنَّهَا دَارُهُمْ اشْتَرَوْهَا مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ وَسَأَلُوا الْقَاضِيَ قِسْمَتَهَا أَجَابَهُمْ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ بِهَذَا الطَّرِيقِ، فَكَذَلِكَ فِي الْمِيرَاثِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُمْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَقَرُّوا بِأَصْلِ الْمِلْكِ لِغَيْرِهِمْ،
-
ثُمَّ أَخْبَرُوا بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ إلَيْهِمْ بِسَبَبٍ مُحْتَمَلٍ مَشْرُوعٍ فَإِذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ الْقِسْمَةَ
-
عَلَى قَوْلِهِمْ، فَكَذَلِكَ فِي الشِّرَاءِ،
-
وَكَذَلِكَ فِي الْمِيرَاثِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا عَلَى قَوْلِهِمْ فِي أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي هُنَا يَتَنَاوَلُ الْمَيِّتَ وَيَصِيرُ هُوَ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ بِقِسْمَةِ الْقَاضِي وَقَوْلُهُمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لِيَثْبُتَ بِهَا حُجَّةُ الْقَضَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ التَّرِكَةَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ مُبْقَاةٌ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ بِدَلِيلِ أَنَّ حَقَّهُ يَثْبُتُ فِي الزَّوَائِدِ الَّتِي تَحْدُثُ حَتَّى يَقْضِيَ مِنْهُ دُيُونَهُ وَيُنَفِّذَ وَصَايَاهُ وَبِالْقِسْمَةِ يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَيِّتِ عَنْ التَّرِكَةِ حَتَّى لَا يَثْبُتَ حَقُّهُ فِيمَا يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الزَّوَائِدِ فَكَانَ فِيهِ قَضَاءٌ عَلَى الْمَيِّتِ يَقْطَعُ حَقَّهُ
-
(وَالثَّانِي) أَنَّ الْقَاضِيَ يَثْبُتُ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَى الْمَيِّتِ فِي تَرِكَتِهِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى النَّظَرِ وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ إلَيْهِ إذَا كَانَ فِيهِ نَظَرٌ لِلْمَيِّتِ فَبِمَ يُخْبِرُونَ الْقَاضِيَ بِثُبُوتِ وِلَايَتِهِ عَلَى الْمَيِّتِ لِيَلْزَمَ الْمَيِّتَ قَضَاؤُهُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى النَّظَرِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ وَرَاءَ مَا فِي أَيْدِيهمْ فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ حُجَّةً فَيُكَلِّفُهُمْ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ وَتُقْبَلُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ؛
-
لِأَنَّهَا تَقُومُ لِإِثْبَاتِ وِلَايَةِ النَّظَرِ لِلْقَاضِي فِي حَقِّ مَنْ هُوَ عَاجِزٌ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا إذَا اقْتَسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُمْ لَا يُلْزِمُ الْمَيِّتَ شَيْئًا وَبِخِلَافِ الْعُرُوضِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى النَّظَرِ لِلْمَيِّتِ هُنَاكَ فِي الْقِسْمَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْعُرُوضَ يُخْشَى عَلَيْهَا النَّوَى وَالتَّلَفُ وَفِي الْقِسْمَةِ تَحْصِينٌ وَحِفْظًا لَهَا فَأَمَّا الْعَقَارُ مُحْصَنَةٌ بِنَفْسِهَا لَا يُخْشَى عَلَيْهَا التَّلَفُ فَفِي الْقِسْمَةِ قَضَاءٌ عَلَى الْمَيِّتِ يَقْطَعُ حَقَّهُ عَنْهَا
-
(وَالثَّانِي) أَنَّ فِي الْعُرُوضِ مَا يَأْخُذُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ يَصِيرُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالْقَبْضِ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ فَفِي ذَلِكَ مَضْمُونًا عَلَيْهِمْ مَعْنَى النَّظَرِ لِلْمَيِّتِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الْعَقَارِ فَإِنَّهَا لَا تَصِيرُ مَضْمُونَةً عَلَى مَنْ أَثْبَتَ يَدَهُ فِيهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا زَعَمُوا أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْقِسْمَةِ هُنَاكَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِمْ إذْ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا أَصْلُ الْمِلْكِ لِغَيْرِهِمْ فَأَمَّا فِي الشِّرَاءِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي غَيْرِ الْأُصُولِ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْسِمُهَا بَيْنَهُمْ وَسَوَّى؛
-
بَيْنَ الشِّرَاءِ وَالْمِيرَاثِ وَلَكِنْ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ نُسَلِّمُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ فَنَقُولُ قَضَاؤُهُ بِالْقِسْمَةِ فِي الْمُشْتَرَى لَا يَتَضَمَّنُ قَطْعَ حَقِّ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ بَعْدَ الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ لَا يَبْقَى الْمَبِيعُ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْبَائِعِ
-
بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ وَلِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِلْقَاضِي الْوِلَايَةُ عَلَى الْغَائِبِ بِالتَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِ فَهُمْ مَا أَخْبَرُوا الْقَاضِي بِثُبُوتِ وِلَايَتِهِ عَلَى الْبَائِعِ الْغَائِبِ
-
بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ عَلَى مَا قَرَّرْنَا وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقَضَاءِ بِالْقِسْمَةِ حَتَّى يَقْضِيَ بِمَوْتِ الْمُوَرِّثِ وَيَتَعَلَّقُ بِمَوْتِهِ أَحْكَامٌ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ عَلَى مَا فِي أَيْدِيهمْ مِنْ وُقُوعِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ وَعِتْقِ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ وَمُدَبَّرَاتِهِ وَحُلُولِ آجَالِهِ.
-
وَقَوْلُهُمْ لَيْسَ بِحُجَّةِ فِي شَيْءٍ
-
مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَشْتَغِلُ الْقَاضِي بِالْقِسْمَةِ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ عَلَى الْمَوْتِ وَأَصْلُ الْمِيرَاثِ
-
بِخِلَافِ الْعُرُوضِ فَالْقِسْمَةُ فِيهَا لِلتَّحْصِينِ لَا لِتَحْصِيلِ الْمِلْكِ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْقِسْمَةَ فِي الْعُرُوضِ تُجْرَى بَيْنَ الْمُوَدِّعِينَ لِلْحِفْظِ فَلَا يَتَضَمَّنُ الْقَضَاءَ بِمَوْتِهِ فَأَمَّا فِي الْعَقَارِ الْقِسْمَةُ لِتَحْصِيلِ الْمِلْكِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الْقَضَاءِ بِمَوْتِهِ وَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ يَأْخُذُ فِي مَسْأَلَةِ الشِّرَاءِ بِرِوَايَةِ النَّوَادِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقَضَاءِ بِالْقِسْمَةِ حَتَّى يَقْضِيَ بِالْبَيْعِ وَزَوَالُ مِلْكِ الْبَائِعِ وَقَوْلُهُمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَيْهِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَنَقُولُ الْحُكْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْبَيْعِ هُنَاكَ مَقْصُودٌ عَلَى مَا فِي أَيْدِيهمْ فَيَسْتَقِيمُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ نَائِبًا فِي حَقِّهِمْ بِإِقْرَارِهِمْ
-
بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ وَإِذَا كَانَ فِي الْوَرَثَةِ صَغِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ غَائِبٌ وَالدَّارُ فِي أَيْدِي الْكِبَارِ الْحُضُورِ، فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَقْسِمُهَا الْقَاضِي بَيْنَهُمْ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى أُصُولِ الْمَوَارِيثِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا لَمْ يَقْسِمْ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مَعَ أَنَّ الْوَرَثَةَ كُلَّهُمْ كِبَارٌ حُضُورٌ فَفِي هَذَا الْفَصْلِ أَوْلَى أَنْ لَا يَقْسِمَ؛
-
لِأَنَّ فِي قِسْمَتِهِ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ بِقَوْلِهِمْ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَقْسِمُهَا بَيْنَهُمْ وَيَعْزِلُ حَقَّ الْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ وَيُشْهِدُ أَنَّهُ قَسَّمَهَا بِإِقْرَارِ الْحُضُورِ الْكِبَارِ وَأَنَّ الْغَائِبَ وَالصَّغِيرَ عَلَى حُجَّتِهِمَا كَمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الدَّارَ كُلَّهَا فِي يَدِ الْكِبَارِ الْحُضُورِ وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ قَضَاءٌ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْغَائِبِ بِإِخْرَاجِ شَيْءٍ مِنْ يَدِهِمَا بَلْ فِيهَا نَظَرٌ لَهُمَا بِظُهُورِ نَصِيبِهِمَا مِمَّا فِي يَدِ الْغَيْرِ؛
-
فَإِنَّهُ بِالْقِسْمَةِ يَعْزِلُ نَصِيبَ الْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ وَكَانَ هَذَا مَحْضُ نَظَرٍ فِي حَقِّ الْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ وَلِلْقَاضِي هَذِهِ الْوِلَايَةُ،
-
وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ الْعَقَارِ فِي يَدِ الصَّغِيرِ أَوْ الْغَائِبِ لَمْ أُقَسِّمْهَا بِإِقْرَارِ الْحُضُورِ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَصْلِ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ بِإِخْرَاجِ شَيْءٍ مِمَّا كَانَ فِي يَدِهِ عَنْ يَدِهِ
-
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْكَبِيرُ أَوْدَعَ مَا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْهَا رَجُلًا حِينَ غَابَ؛ لِأَنَّ الْمُودَعَ أَمِينٌ فَلَا يَكُونُ خَصْمًا فِي ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ عَلَى الْغَائِبِ بِحُضُورِ أَمِينِهِ؛ فَلِهَذَا لَا يَقْسِمُ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ فَإِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ قَبِلَهَا الْقَاضِي؛
-
لِأَنَّهَا تَقُومُ لِإِثْبَاتِ وِلَايَةِ الْقَاضِي فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ وَلِأَنَّ الْوَرَثَةَ يَخْلُفُونَ الْمَيِّتَ فِي الْمِيرَاثِ فَيَنْتَصِبُونَ خَصْمًا عَنْهُ وَيُنَصِّبُ بَعْضُهُمْ خَصْمًا عَنْ بَعْضٍ فَقَلَّ مَا تَخْلُو تَرِكَةٌ عَنْ هَذَا فَإِنَّ الْوَرَثَةَ يَكْثُرُونَ وَقَلَّ مَا يَحْضُرُونَ فَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ وَلَمْ يَقْسِمْهَا لِمَكَانٍ غَائِبٍ أَوْ صَغِيرٍ أَدَّى إلَى الضَّرَرِ، وَالضَّرَرُ مَدْفُوعٌ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا حَضَرَ الْقَاضِيَ اثْنَانِ مِنْ الْوَرَثَةِ وَالْعَقَارُ فِي أَيْدِيهمَا وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى أَصْلِ الْمِيرَاثِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْسِمُهَا بَيْنَهُمْ وَيُوَكِّلُ بِنَصِيبِ الْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ مَنْ يَحْفَظُهُ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ أَحَدَ الْحَاضِرِينَ خَصْمًا عَنْ الْمَيِّتِ وَعَنْ الصَّغِيرِ وَالْغَائِبِ وَالْآخَرَ خَصْمًا عَنْ نَفْسِهِ
-
فَيَتَمَكَّنُ مِنْ قَبُولِ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ وَالْعَمَلِ بِهَا بِحُضُورِ مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ وَإِذَا كَانَ الْحَاضِرُ وَاحِدًا لَمْ يَقْسِمْهَا الْقَاضِي وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ خَصْمٌ فَإِنَّ الْحَاضِرَ لَوْ كَانَ خَصْمًا عَنْ نَفْسِهِ فَلَيْسَ هُنَا خَصْمًا عَنْ الْمَيِّتِ وَعَنْ الْغَائِبِ،
-
وَإِنْ كَانَ هَذَا الْحَاضِرُ خَصْمًا عَنْهُمَا فَلَيْسَ هُنَا مَنْ يُخَاصِمُ عَنْ نَفْسِهِ لِيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْحَاضِرُ اثْنَيْنِ مِنْ الْوَرَثَةِ وَالثَّانِي أَنَّ الْحَاضِرَ إذَا كَانَ وَاحِدًا فَهُوَ غَيْرُ مُتَظَلِّمٍ فِي طَلَبِ الْقِسْمَةِ وَلَا طَالِبٌ لِلْإِنْصَافِ إذْ لَيْسَ مَعَهُ مَنْ يَنْتَفِعُ بِمِلْكِهِ حَتَّى يَقُولَ لِلْقَاضِي أَقْسِمْهَا بَيْنَنَا لِكَيْ لَا يَنْتَفِعَ بِمِلْكِي غَيْرِي فَإِذَا حَضَرَ اثْنَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَطْلُبُ الْقِسْمَةَ لِيَسْأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يَمْنَعَ صَاحِبَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِنَصِيبِهِ، وَذَلِكَ مُسْتَقِيمٌ،
-
وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ خَصْمٌ صَغِيرٌ جَعَلَ لَهُ الْقَاضِي وَصِيًّا؛ لِأَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةَ النَّظَرِ لِلصَّبِيِّ فِي نَصِيبِ الْوَصِيِّ
-
وَوَصِيُّ الصَّغِيرِ قَائِمٌ مَقَامَ الصَّغِيرِ فَكَأَنَّهُ بَالِغٌ حَاضِرٌ فَتُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ حِينَئِذٍ وَيَأْمُرُ بِالْقِسْمَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَجْعَلُ أَحَدَهُمَا مُدَّعِيًا وَالْآخَرَ مُدَّعًى عَلَيْهِ وَأَحَدَهُمَا خَصْمًا عَنْ نَفْسِهِ وَالْآخَرُ عَنْ الْمَيِّتِ وَالْغَائِبِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْعَقَارُ شِرَاءً بَيْنَهُمْ وَمِنْهُمْ غَائِبٌ لَمْ أَقْسِمْهَا بَيْنَهُمْ،
-
وَإِنْ أَقَامُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ؛ لِأَنَّ فِي الْمِيرَاثِ إنَّمَا قَسَّمَهَا عِنْدَ حُضُورِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ لِتَعَذُّرِ اشْتِرَاطِ حُضُورِهِمْ عِنْدَ الْقِسْمَةِ بِطَرِيقِ الْعَادَةِ وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الشِّرَاءِ فَقَدْ كَانُوا حَاضِرِينَ عِنْدَ الشِّرَاءِ فَتَيَسَّرَ اشْتِرَاطُ حُضُورِهِمْ عِنْدَ الْقِسْمَةِ أَيْضًا وَلِأَنَّ الْحَاضِرَ مِنْ الْمَسِيرَيْنِ لَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ؛
-
لِأَنَّ النَّائِبَ بِالشِّرَاءِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِلْكٌ جَدِيدٌ بِسَبَبٍ بَاشَرَهُ فِي نَصِيبِهِ وَلَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ بِالْبَيِّنَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَنْهُ خَصْمٌ حَاضِرٌ فَأَمَّا فِي الْمِيرَاثِ لَا يَثْبُتُ لِلْوَرَثَةِ مِلْكٌ مُتَجَدِّدٌ بِسَبَبٍ حَادِثٍ وَإِنَّمَا يُنْسَبُ إلَيْهِمْ مَا كَانَ مِنْ الْمِلْكِ لِلْمُورَثِ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ؛
-
وَلِهَذَا يَثْبُتُ لَهُمْ حَقُّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ عَلَى بَائِعِ الْمُورَثِ وَيَصِحُّ إقَالَتُهُمْ مَعَهُ فَيَسْتَقِيمُ أَنْ يَجْعَلَ بَعْضَهُمْ خَصْمًا عَنْ الْبَعْضِ فِي ذَلِكَ لِاتِّحَادِ السَّبَبِ فِي حَقِّهِمْ وَهُوَ الْخِلَافَةُ عَنْ الْمَيِّتِ.
-
وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ مِيرَاثًا وَفِيهَا وَصِيَّةٌ بِالثُّلُثِ وَبَعْضُ الْوَرَثَةِ غَائِبٌ وَبَعْضُهُمْ شَاهِدٌ فَأَرَادَ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ الْقِسْمَةَ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَوَارِيثِ وَالْوَصِيَّةِ فَإِنَّ الدَّارَ تُقْسَمُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ حَضَرَ مِنْ الْوَرَثَةِ يُنْتَصَبُ خَصْمًا عَنْ الْمَيِّتِ وَعَنْ سَائِرِ الْوَرَثَةِ فَتُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْمُوصَى لَهُ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَإِذَا قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ قُسِّمَتْ الدَّارُ بَيْنَهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
-
وَلَوْ أَنَّ بَيْتًا فِي دَارٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَرَادَ أَحَدُهُمَا قِسْمَتَهُ وَامْتَنَعَ الْآخَرُ وَهُوَ صَغِيرٌ لَا يَنْتَفِعُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِنَصِيبِهِ إذَا قَسَّمَ لَمْ يُقَسِّمْهُ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الطَّالِبَ لِلْقِسْمَةِ بَيْنَهُمَا مُتَعَنِّتٌ فَإِنْ قَبِلَ الْقِسْمَةَ يَتَمَكَّنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الِانْتِفَاعِ بِنَصِيبِهِ وَبِالْقِسْمَةِ يَفُوتُ ذَلِكَ فَالطَّالِبُ
-
مِنْهُمَا إنَّمَا يَقْصِدُ التَّعَنُّتَ وَالْإِضْرَارَ بِشَرِيكِهِ فَلَا يُجِيبُهُ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ،
-
وَكَذَلِكَ لَا يَقْسِمُ الْحَائِطَ وَالْحَمَّامَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّ فِي قِسْمَتِهِ ضَرَرًا وَالْمَقْصُودُ بِالْقِسْمَةِ اتِّصَالُ مَنْفَعَةِ الْمِلْكِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ وَفِي الْحَائِطِ وَالْحَمَّامِ تَفُوتُ الْمَنْفَعَةُ بِالْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَنْتَفِعُ بِنَصِيبِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ كَمَا كَانَ يَنْتَفِعُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَلَا يَقْسِمُهُ الْقَاضِي بَيْنَهُمْ؛
-
لِأَنَّهُ لَا يَشْتَغِلُ؛ لِمَا لَا يُفِيدُهُ وَلَا بِمَا فِيهِ إضْرَارٌ وَلَوْ اقْتَسَمُوا بَيْنَهُمْ بِالتَّرَاضِي لَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ أَقْدَمُوا عَلَى إتْلَافِ الْمِلْكِ لَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ، فَكَذَلِكَ إذَا تَرَاضَوْا الْقِسْمَةَ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَإِنْ كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَلِأَحَدِهِمَا فِيهَا بَعْضٌ قَلِيلٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إذَا قُسِّمَ فَأَرَادَ صَاحِبُ الْكَثِيرِ الْقِسْمَةَ قَسَّمَهَا بَيْنَهُمْ،
-
وَإِنْ أَبَى ذَلِكَ صَاحِبُ الْقَلِيلِ عِنْدَنَا (وَقَالَ) ابْنُ أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَقْسِمُهَا،
-
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ سَائِرُ الشُّرَكَاءِ لَا يَنْتَفِعُونَ بِأَنْصِبَائِهِمْ إلَّا هَذَا الْوَاحِدُ الطَّالِبُ لِلْقِسْمَةِ؛ فَإِنَّهُ يَقْسِمُهَا بَيْنَهُمْ،
-
وَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ صَاحِبَ الْقَلِيلِ لَمْ يَقْسِمْهَا إذَا كَانَ هُوَ لَا يَنْتَفِعُ بِنَصِيبِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَقْسِمُهَا عِنْدَ إبَاءِ بَعْضِهِمْ إلَّا إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَنْتَفِعُ بِنَصِيبِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْقِسْمَةِ تَحْصِيلُ الْمَنْفَعَةِ لَا تَفْوِيتُهَا وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقِسْمَةِ الْمُعَادَلَةُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فِي الْمَنْفَعَةِ فَإِذَا كَانَ بَعْضُهُمْ لَا يَنْتَفِعُ بِنَصِيبِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَهَذِهِ قِسْمَةٌ تَقَعُ عَلَى ضَرَرٍ
-
وَالْقَاضِي لَا يُجْبِرُ الشُّرَكَاءَ عَلَى مِثْلِهِ كَمَا لَوْ كَانَ الطَّالِبُ مَنْ لَا يَنْتَفِعُ بِنَصِيبِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَلَنَا أَنَّ الطَّالِبَ لِلْقِسْمَةِ يَطْلُبُ الْإِنْصَافَ مِنْ الْقَاضِي وَلَا يَتَعَنَّتُ؛ لِأَنَّهُ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَخُصَّهُ بِالِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ وَيَمْنَعَ غَيْرَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ وَهَذَا مِنْهُ طَلَبٌ لِلْإِنْصَافِ فَعَلَى الْقَاضِي أَنْ يُجِيبَهُ إلَى ذَلِكَ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الطَّالِبُ لِلْقِسْمَةِ مَنْ لَا يَنْتَفِعُ بِنَصِيبِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَنِّتٌ فِي طَلَب الْقِسْمَةِ وَالْقَاضِي يُجِيبُ الْمُتَعَنِّتَ بِالرَّدِّ يُوَضِّحُهُ أَنَّ بَعْدَ الْقِسْمَةِ،
-
وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَى صَاحِبِ الْقَلِيلِ الِانْتِفَاعُ بِنَصِيبِهِ فَذَلِكَ لِقِلَّةِ نَصِيبِهِ لَا لِمَعْنًى مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الْأَكْبَرِ، وَذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْكَبِيرِ فَيَصِيرُ هَذَا فِي حَقِّهِ وَمَا إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْتَفِعُ بِنَصِيبِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ سَوَاءً وَالْحَاكِمُ فِي الْمُخْتَصَرِ (قَالَ:) إذَا كَانَ الضَّرَرُ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ قَسَمْتهَا أَيُّهُمَا طَلَبَ الْقِسْمَةَ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنَّمَا يَقْسِمُ إذَا طَلَبَ ذَلِكَ صَاحِبُ الْكَبِيرِ خَاصَّةً وَمِنْهُمْ مَنْ صَحَّحَ مَا ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَالَ صَاحِبُ الْقَلِيلِ رَضِيَ بِالضَّرَرِ حِينَ طَلَبَ الْقِسْمَةَ وَصَاحِبُ الْكَبِيرِ مُنْتَفِعٌ بِالْقِسْمَةِ فَيَقْسِمُهُ الْقَاضِي بَيْنَهُمْ لِهَذَا وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ؛
-
لِأَنَّ رِضَاهُ بِالْتِزَامِ الضَّرَرِ لَا يُلْزِمُ الْقَاضِي شَيْئًا وَإِنَّمَا الْمُلْزَمُ طَلَبُهُ الْإِنْصَافَ مِنْ الْقَاضِي وَاتِّصَالُهُ إلَى مَنْفَعَةِ مِلْكِهِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ عِنْدَ طَلَبِ صَاحِبِ الْقَلِيلِ
-
أَلَا تَرَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَنْتَفِعُ بِنَصِيبِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَطَلَبَا جَمِيعًا الْقِسْمَةَ مِنْ الْقَاضِي لَمْ يَقْسِمْهَا الْقَاضِي بَيْنَهُمَا، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الطَّالِبُ مَنْ لَا يَنْتَفِعُ بِنَصِيبِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالْحُرُّ وَالْمَمْلُوكُ وَأَهْلُ الْإِسْلَامِ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ فِي الْقِسْمَةِ سَوَاءٌ؛
-
لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ وَالْمَقْصُودُ التَّوَصُّلُ بِهَا إلَى مَنْفَعَةِ الْمِلْكِ وَهُمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.
-
وَإِذَا اقْتَسَمَ الرَّجُلَانِ دَارًا وَرَفَعَا بَيْنَهُمَا طَرِيقًا فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُمَا قَسَمَا بَعْضَ الْمُشْتَرَكِ وَبَقِيَا شَرِكَتَهُمَا فِي الْبَعْضِ وَهُوَ مَوْضِعُ الطَّرِيقِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْقِسْمَةِ أَنْ يَنْتَفِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنَصِيبِهِ وَإِنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ إذَا رَفَعَا طَرِيقًا بَيْنَهُمَا وَمَا يَرْجِعُ إلَى تَتْمِيمِ الْمَقْصُودِ بِالْقِسْمَةِ لَا يَكُونُ مَانِعًا صِحَّتَهَا،
-
وَإِنْ كَانَ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ يَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ وَيَذْكُرَ كَيْفَ الطَّرِيقُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ فِي مَوْضِعِ الطَّرِيقِ مَا كَانَ لَهُمَا مِنْ الشَّرِكَةِ فِي جَمِيعِ الدَّارِ وَقَدْ كَانَتْ شَرِكَتُهُمَا فِيهَا عَلَى التَّفَاوُتِ فَإِنَّمَا يَحْصُلُ التَّوَثُّقُ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ؛
-
لِأَنَّهُمَا إذَا لَمْ يُبَيِّنَا فَرُبَّمَا يَدَّعِي صَاحِبُ الْأَقَلِّ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا فِي رَقَبَةِ الطَّرِيقِ وَيُحْتَجُّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ مُسَاوٍ فِي اسْتِعْمَالِهِ بِالتَّطَرُّقِ فِيهِ وَإِنَّمَا يَكْتُبُ الْكِتَابَ بَيْنَهُمَا لِلتَّوَثُّقِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ عَلَى وَجْهٍ يَحْصُلُ بِهِ مَعْنَى التَّوَثُّقِ لَهُمَا.
-
وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَفِيهَا صُفَّةٌ فِيهَا بَيْتٌ وَبَابُ الْبَيْتِ فِي الصِّفَةِ وَمَسِيلُ مَاءِ ظَهْرِ الْبَيْتِ عَلَى ظَهْرِ الصِّفَةِ فَاقْتَسَمَا فَأَصَابَ الصِّفَةَ أَحَدُهُمَا وَقَطَعَهُ مِنْ السَّاحَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ طَرِيقًا وَلَا مَسِيلَ مَاءٍ وَصَاحِبُ الْبَيْتِ يَقْدِرُ أَنْ يَفْتَحَ بَابَهُ فِيمَا أَصَابَهُ مِنْ السَّاحَةِ وَيُسِيلُ مَاءَهُ فِي ذَلِكَ فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ فِي الصِّفَةِ عَلَى حَالِهِ وَيُسَيَّلَ مَاءَهُ عَلَى مَا كَانَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ سَوَاءٌ اشْتَرَطَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ لَهُ مَا أَصَابَهُ بِكُلِّ حَقٍّ لَهُ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ وَالْقِسْمَةُ فِي هَذَا
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ بَاعَ الْبَيْتَ وَذَكَرَ فِي الْبَيْعِ الْحُقُوقَ وَالْمَرَافِقَ دَخَلَ الطَّرِيقُ وَمَسِيلُ الْمَاءِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْحُقُوقَ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْبَيْعِ إيجَابُ الْمِلْكِ وَقَصْدُ الْمُشْتَرِي أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ الِانْتِفَاعِ، وَذَلِكَ يَتِمُّ بِالطَّرِيقِ وَالْمَسِيلِ لَا أَنَّ ذَلِكَ خَارِجٌ مِنْ الْمَحْدُودِ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ بِمُطْلَقِ التَّسْمِيَةِ لِلْبَيْتِ إلَّا بِذِكْرِ الْحُقُوقِ وَالْمَرَافِقِ فَالْمَقْصُودُ بِالْقِسْمَةِ تَمْيِيزُ أَحَدِ الْمِلْكَيْنِ مِنْ الْآخَرِ وَأَنْ يَخْتَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالِانْتِفَاعِ بِنَصِيبِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُشَارِكُهُ الْآخَرُ فِيهِ وَإِنَّمَا يَتِمُّ هَذَا الْمَقْصُودُ إذَا لَمْ يَدْخُلْ الطَّرِيقُ وَالْمَسِيلُ لِتَمْيِيزِ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛
-
فَلِهَذَا لَا يَدْخُلُ مَعَ ذِكْرِ الْحُقُوقِ وَالْمَرَافِقِ تَوْضِيحُ الْفَرْقِ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْبَيْعِ الِاسْتِرْبَاحُ، وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ وَالْمَالِيَّةُ تَخْتَلِفُ بِدُخُولِ الطَّرِيقِ وَالْمَسِيلِ فِي الْبَيْعِ
-
فَعِنْدَ ذِكْرِ الْحُقُوقِ وَالْمَرَافِقِ عَرَفْنَا أَنَّهُمَا قَصَدَا ذَلِكَ فَأَمَّا فِي الْقِسْمَةِ الْمَقْصُودُ التَّمَيُّزُ دُونَ الِاسْتِرْبَاحِ فَبِذِكْرِ الْحُقُوقِ وَالْمَرَافِقِ لَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُمَا لَمْ يَقْصِدَا التَّمْيِيزَ فِي أَنْ لَا يَبْقَى لِأَحَدِهِمَا فِي نَصِيبِ الْآخَرِ طَرِيقُ مَسِيلِ مَاءٍ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُفْتَتَحٌ لِلطَّرِيقِ وَلَا مَسِيلُ مَاءٍ؛
-
فَإِذَا ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا أَصَابَهُ بِكُلِّ حَقٍّ لَهُ جَازَتْ الْقِسْمَةُ وَكَانَ طَرِيقُهُ فِي الصِّفَةِ وَمَسِيلِ مَائِهِ عَلَى طَرِيقِ سَطْحِهِ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْحُقُوقَ وَالْمَرَافِقَ فَالْقِسْمَةُ فَاسِدَةٌ
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ صَحِيحًا،
-
وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْحُقُوقَ وَالْمَرَافِقَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْبَيْعِ مِلْكُ الْعَيْنِ وَهَذَا الْمَقْصُودُ يَتِمُّ لِلْمُشْتَرِي
-
وَإِنْ كَانَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الِانْتِفَاعُ لِعَدَمِ الطَّرِيقِ وَالْمَسِيلِ لَهُ كَمَنْ اشْتَرَى مُهْرًا صَغِيرًا أَوْ أَرْضًا سَبْخَةً فَإِنَّهُ يَجُوزُ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يَنْتَفِعُ بِالْمُشْتَرَى وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ حِينَ لَمْ يَذْكُرْ الْحُقُوقَ وَالْمَرَافِقَ لِيَدْخُلَ الطَّرِيقُ وَالْمَسِيلُ فَلَا يَشْتَغِلُ بِالنَّظَرِ لَهُ فَأَمَّا فِي الْقِسْمَةِ الْمَقْصُودَةِ اتِّصَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى الِانْتِفَاعِ بِنَصِيبِهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُفْتَتَحًا إلَى الطَّرِيقِ وَلَا مَسِيلَ مَاءٍ فَهَذِهِ قِسْمَةٌ وَقَعَتْ عَلَى ضَرَرٍ فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ الْحُقُوقَ وَالْمَرَافِقَ فَيُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمَا قَصَدَا إدْخَالَ الطَّرِيقِ وَالْمَسِيلِ لِتَصْحِيحِ الْقِسْمَةِ لِعِلْمِهَا أَنَّ الْقِسْمَةَ لَا تَصِحُّ بِدُونِهِمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
-
بِخِلَافِ مَا سَبَقَ تَوْضِيحُهُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْقِسْمَةِ الْمُعَادَلَةُ فِي الْمَنْفَعَةِ.
-
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ وَلَا مَسِيلُ مَاءٍ لَا يَحْصُلُ مَعْنَى الْمُعَادَلَةِ فِي الْمَنْفَعَةِ فَلَا تَصِحُّ الْقِسْمَةُ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ مُهْرًا صَغِيرًا أَوْ أَرْضًا سَبِخَةً لِلزِّرَاعَةِ لَمْ يَجُزْ لِفَوَاتِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الْمَنْفَعَةُ فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ الطَّرِيقُ وَالْمَسِيلُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْحُقُوقَ وَالْمَرَافِقَ لِتَصْحِيحِ الْقِسْمَةِ كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا دَخَلَ الشُّرْبُ وَالطَّرِيقُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْحُقُوقَ وَالْمَرَافِقَ لِتَحْصِيلِ الْمَنْفَعَةِ قُلْنَا هُنَاكَ مَوْضِعُ الشُّرْبِ وَالطَّرِيقِ لَيْسَ مِمَّا تَتَنَاوَلُهُ الْإِجَارَةُ وَلَكِنْ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الِانْتِفَاعِ بِالْمُسْتَأْجَرِ وَالْأَجِيرُ إنَّمَا يَسْتَوْجِبُ الْأُجْرَةَ إذَا تَمَكَّنَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الِانْتِفَاعِ فَفِي إدْخَالِ الشُّرْبِ تَوْفِيرُ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِمَا وَأَمَّا هُنَا مَوْضِعُ الطَّرِيقِ وَالْمَسِيلِ دَاخِلٌ فِي الْقِسْمَةِ وَمُوجَبُ الْقِسْمَةِ اخْتِصَاصُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا هُوَ نَصِيبُهُ فَلَوْ أَثْبَتْنَا لِأَحَدِهِمَا حَقًّا فِي نَصِيبِ الْآخَرِ تَضَرَّرَ بِهِ الْآخَرُ وَلَا يَجُوزُ إلْحَاقُ الضَّرَرِ بِهِ بِدُونِ رِضَاهُ وَإِنَّمَا دَلِيلٌ الرِّضَا اشْتِرَاطُهُ الْحُقُوقَ وَالْمَرَافِقَ؛
-
فَلِهَذَا لَا يَدْخُلُ الطَّرِيقُ وَالْمَسِيلُ بِدُونِ ذِكْرِهِ الْحُقُوقَ وَالْمَرَافِقَ وَلَوْ رَفَعَا طَرِيقًا بَيْنَهُمَا وَكَانَ عَلَى الطَّرِيقِ ظُلَّةٌ وَكَانَ طَرِيقُ أَحَدِهِمَا عَلَى تِلْكَ الظُّلَّةِ وَهُوَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَّخِذَ طَرِيقًا آخَرَ فَأَرَادَ صَاحِبُهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الْمُرُورِ عَلَى ظَهْرِ الظُّلَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الطَّرِيقِ
-
مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَكَمَا أَنَّ أَسْفَلَهُ مَمَرٌّ لَهُمَا، فَكَذَلِكَ أَعْلَاهُ فَهُوَ لَا يُرِيدُ بِهَذَا أَنْ يُحْدِثَ لِنَفْسِهِ حَقًّا فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ
-
بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فَهُنَاكَ إنَّمَا يُرِيدُ اتِّخَاذَ طَرِيقٍ وَمَسِيلٍ لِنَفْسِهِ فِي مِلْكٍ خُصَّ بِهِ صَاحِبُهُ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ فِي الْعُلُوِّ الَّذِي لَا سُفْلَ لَهُ وَفِي السُّفْلِ الَّذِي لَا عُلُوَّ لَهُ يَحْسُبُ فِي الْقِسْمَةِ ذِرَاعٌ مِنْ السُّفْلِ بِذِرَاعَيْنِ مِنْ الْعُلُوِّ
-
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَحْسُبُ الْعُلُوُّ بِالنِّصْفِ وَالسُّفْلُ بِالنِّصْفِ،
-
ثُمَّ يُنْظَرُ كَمْ جُمْلَةِ ذَرْعِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيَطْرَحُ مِنْ ذَلِكَ النِّصْفُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقْسِمُ ذَلِكَ عَلَى الْقِيمَةِ قِيمَةِ الْعُلُوِّ أَوْ قِيمَةِ السُّفْلِ وَقِيلَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَجَابَ بِنَاءً عَلَى مَا شَاهَدَ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي اخْتِيَارِ السُّفْلِ عَلَى الْعُلُوِّ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَجَابَ بِنَاءً عَلَى مَا شَاهَدَهُ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ بَغْدَادَ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ فِي مَنْفَعَةِ السُّكْنَى وَمُحَمَّدٌ شَاهَدَ اخْتِلَافَ الْعَادَاتِ فِي الْبُلْدَانِ فَقَالَ: إنَّمَا يُقْسَمُ عَلَى الْقِيمَةِ وَقِيلَ بَلْ هُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِصَاحِبِ السُّفْلِ مَنْفَعَتَانِ مَنْفَعَةُ السُّكْنَى وَمَنْفَعَةُ الْبِنَاءِ؛
-
فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَحْفِرَ فِي سُفْلِهِ سِرْدَابًا لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ فَلِصَاحِبِ الْعُلُوِّ مَنْفَعَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ مَنْفَعَةُ السُّكْنَى؛ فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى عُلُوِّهِ عُلُوًّا آخَرَ كَانَ لِصَاحِبِ السُّفْلِ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقِسْمَةِ الْمُعَادَلَةُ فِي الْمَنْفَعَةِ؛
-
فَلِهَذَا جَعَلَ بِمُقَابَلَةِ ذِرَاعٍ مِنْ السُّفْلِ ذِرَاعَيْنِ مِنْ الْعُلُوِّ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى عُلُوِّهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ بِالسُّفْلِ كَمَا أَنَّ لِصَاحِبِ السُّفْلِ أَنْ يَحْفِرَ سِرْدَابًا فِي السُّفْلِ إذَا كَانَ لَا يَضُرُّ بِصَاحِبِ الْعُلُوِّ فَاسْتَوَيَا فِي الْمَنْفَعَةِ فَيَحْصُلُ ذِرَاعٌ مِنْ السُّفْلِ بِذِرَاعٍ مِنْ الْعُلُوِّ وَحُجَّتُهُ لِإِثْبَاتِ هَذَا الْأَصْلِ أَنَّ صَاحِبَ الْعُلُوِّ يَبْنِي عَلَى مِلْكِهِ كَمَا أَنَّ صَاحِبَ السُّفْلِ يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِهِ وَاتِّصَالُ الْعُلُوِّ بِالسُّفْلِ كَاتِّصَالِ بَيْتَيْنِ مُتَجَاوِرَيْنِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَلْتَحِقُ الضَّرَرُ لِصَاحِبِهِ
-
وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: صَاحِبُ السُّفْلِ بِحَفْرِ السِّرْدَابِ يَتَصَرَّفُ فِي الْأَرْضِ وَهِيَ خَالِصُ مِلْكِهِ وَصَاحِبُ الْعُلُوِّ يَحْمِلُ مَا يَبْنِي عَلَى حَائِطِ السُّفْلِ أَيْضًا وَهُوَ مَمْلُوكٌ لِصَاحِبِ السُّفْلِ وَزِيَادَةُ الْبِنَاءِ تَصِيرُ بِحَائِطِ صَاحِبِ السُّفْلِ لَا مَحَالَةَ وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِي الثَّانِي إنْ كَانَ لَا يَتَبَيَّنُ فِي الْحَالِ وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِدُونِ رِضَاءِ صَاحِبِ السُّفْلِ وَمُحَمَّدٌ فِي هَذَا الْفَصْلِ وَافَقَ أَبَا يُوسُفَ وَلَكِنْ فِي الْقِسْمَةِ يَقُولُ: تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ؛
-
لِأَنَّ الْعُلُوَّ وَالسُّفْلَ بِنَاءٌ وَالْمُعَادَلَةُ فِي قِسْمَةِ الْبِنَاءِ تَتَيَسَّرُ وَلِأَنَّ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ تَكُونُ قِيمَةُ الْعُلُوِّ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ السُّفْلِ وَهُوَ كَذَلِكَ
-
بِمَكَّةَ وَبِمِصْرِ وَفِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ قِيمَةُ السُّفْلِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ الْعُلُوِّ كَمَا هُوَ بِالْكُوفَةِ قِيلَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ تَكْثُرُ النَّدَاوَةُ فِي الْأَرْضِ يُخْتَارُ الْعُلُوِّ عَنْ السُّفْلِ وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَشْتَدُّ الْبَرْدُ وَيَكْثُرُ الرِّيحُ يُخْتَارُ السُّفْلُ عَلَى الْعُلُوِّ وَرُبَّمَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ أَيْضًا بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُعَادَلَةِ إلَّا بِالْقِيمَةِ فَاسْتُحْسِنَ الْقِسْمَةُ فِي الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ،
-
ثُمَّ تَفْسِيرُ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا سُفْلٌ عُلُوُّهُ لِغَيْرِهِمَا وَعُلُوٌّ سُفْلُهُ لِغَيْرِهِمَا فَأَرَادَ الْقِسْمَةَ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجْعَلُ بِمُقَابَلَةِ كُلٍّ ذِرَاعٍ ذِرَاعٍ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ بَيْتًا لِسُفْلِهِ عُلُوٌّ وَسُفْلٌ لَا عُلُوَّ لَهُ بِأَنْ كَانَ الْعُلُوُّ لِغَيْرِهِمْ وَعُلُوٌّ لَا سُفْلَ لَهُ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجْعَلُ بِإِزَاءِ مِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ الْعُلُوِّ الَّذِي لَا سُفْلَ لَهُ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ ذِرَاعًا وَثُلُثًا مِنْ الْبَيْتِ الْكَامِلِ وَبِإِزَاءِ مِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ السُّفْلِ الَّذِي لَا عُلُوَّ لَهُ سِتَّةً وَسِتِّينَ ذِرَاعًا وَثُلُثَيْ ذِرَاعٍ مِنْ الْبَيْتِ الْكَامِلِ؛
-
لِأَنَّ الْعُلُوَّ عِنْدَهُ مِثْلُ نِصْفِ السُّفْلِ كَمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُجْعَلُ بِإِزَاءِ خَمْسِينَ ذِرَاعًا مِنْ الْبَيْتِ الْكَامِلِ مِائَةَ ذِرَاعٍ مِنْ السُّفْلِ الَّذِي لَا عُلُوَّ لَهُ وَمِائَةَ ذِرَاعٍ مِنْ الْعُلُوِّ الَّذِي لَا سُفْلَ لَهُ؛
-
لِأَنَّ السُّفْلَ وَالْعُلُوَّ عِنْدَهُ سَوَاءٌ فَخَمْسُونَ ذِرَاعًا مِنْ الْبَيْتِ الْكَامِلِ بِمَنْزِلَةِ مِائَةِ ذِرَاعٍ خَمْسُونَ مِنْهَا سُفْلٌ وَخَمْسُونَ مِنْهَا عُلُوٌّ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَعْتَبِرُ الْمُعَادَلَةَ بِالْقِيمَةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
-
وَاذَا كَانَتْ الدُّورُ بَيْنَ قَوْمٍ فَأَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَجْمَعَ نَصِيبَهُ مِنْهَا فِي دَارِ وَاحِدَةٍ وَأَبِي ذَلِكَ بَعْضُهُمْ قَسَّمَ الْقَاضِي كُلَّ دَارٍ بَيْنَهُمْ عَلَى حِدَةٍ وَلَمْ يَضُمَّ بَعْضَ أَنْصِبَائِهِمْ إلَى بَعْضٍ إلَّا أَنْ يَصْطَلِحُوا عَلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الرَّأْيُ فِي ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ أَنْصِبَاءُ أَحَدِهِمْ إذَا جُمِعَتْ فِي دَارٍ كَانَ أَعْدَلَ لِلْقِسْمَةِ جَمَعَ ذَلِكَ؛
-
لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْقِسْمَةِ الْمُعَادَلَةُ فِي الْمَنْفَعَةِ وَالْمَالِيَّةِ وَالْمَقْصُودُ دَفْعُ الضَّرَرِ وَإِذَا قَسَّمَ كُلَّ دَارٍ عَلَى حِدَةٍ رُبَّمَا يَتَضَرَّرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِتَفَرُّقِ نَصِيبِهِ وَإِذَا قَسَّمَ الْكُلَّ قِسْمَةً وَاحِدَةً يَجْتَمِعُ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي دَارٍ وَيَنْتَفِعُ بِذَلِكَ وَالْقَاضِي نَصَّبَ نَاظِرًا فَيَمْضِي قَضَاؤُهُ عَلَى وَجْهٍ يَرَى النَّظَرَ فِيهِ كَمَا يَمْضِي قَضَاؤُهُ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ عَلَى مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَلِأَنَّ الدُّورَ فِي حُكْمِ جِنْسٍ وَاحِدٍ لِاتِّحَادِ الْمَقْصُودِ بِهَا وَهُوَ السُّكْنَى وَالْجِنْسُ الْوَاحِدُ يُقَسَّمُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ قِسْمَةً وَاحِدَةً كَالْغَنَمِ وَالثِّيَابِ الْهَرَوِيَّةِ إلَّا أَنَّهَا تَتَفَاوَتُ مَنْفَعَةُ السُّكْنَى بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ وَبِاخْتِلَافِ الْمَحَالِّ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ نِسْبَةُ الْبُلْدَانِ وَالْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ فَعِنْدَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ الرَّأْيُ لِلْقَاضِي فَيُرَجِّحُ بَعْضَهَا بِطَرِيقِ النَّظَرِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: الدُّورُ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ صَدَاقًا بِمُطْلَقِ التَّسْمِيَةِ حَتَّى إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى دَارٍ فَهُوَ
-
بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى ثَوْبٍ
-
(وَكَذَلِكَ) لَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِشِرَاءِ دَارٍ لَمْ يَصِحَّ التَّوْكِيلُ وَبَعْدَ إعْلَامِ الْجِنْسِ جَهَالَةُ الْوَصْفِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَكَالَةِ فَعَرَفْنَا أَنَّهَا أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ وَالْأَجْنَاسُ الْمُخْتَلِفَةُ لَا تُقْسَمُ قِسْمَةً وَاحِدَةً إلَّا بِاصْطِلَاحِ الشُّرَكَاءِ عَلَى ذَلِكَ؛ وَهَذَا لِأَنَّ فِي الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ يَغْلِبُ عَلَى مَعْنَى التَّمْيِيزِ وَالْمُعَاوَضَةُ تَعْتَمِدُ التَّرَاضِيَ وَفِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مَعْنَى التَّمْيِيزِ يَغْلِبُ، وَذَلِكَ دَاخِلٌ تَحْتَ وِلَايَةِ الْقَاضِي فَفِي الدُّورِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ يَغْلِبُ؛
-
لِأَنَّ قَبْلَ الْقِسْمَةِ يَتَيَقَّنُ بِأَنَّ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي أَمْكِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَإِذَا جَمَعَهَا فِي مَكَان وَاحِدٍ يَكُونُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ وَإِذَا قَسَّمَ كُلَّ ذِرَاعٍ عَلَى حِدَةٍ فَمَعْنَى التَّمْيِيزِ فِيهِ يَغْلِبُ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَكُونُ فِي أَمْكِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ بَعْدَ الْقِسْمَةِ كَمَا كَانَ قَبْلَهَا،
-
ثُمَّ الْمَقْصُودُ بِالْقِسْمَةِ تَمْكِينُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْمُعَادَلَةِ فِي الْمَنْفَعَةِ وَالتَّفَاوُتُ فِي الْمَنْفَعَةِ فِي الدُّورِ تَفَاوُتٌ عَظِيمٌ فَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ وَبِاخْتِلَافِ الْمَحَالِّ وَبِاخْتِلَافِ الْجِيرَانِ وَبِالْقُرْبِ مِنْ الْمَاءِ وَبِالْبُعْدِ عَنْهُ وَبِالْقُرْبِ مِنْ الرَّبْطِ وَالْبَعْدِ عَنْهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ اعْتِبَارُ الْمُعَادَلَةِ فِي الْمَنْفَعَةِ إذَا قَسَّمَهَا قِسْمَةً وَاحِدَةً وَأَنَّ قِسْمَةَ كُلِّ دَارٍ عَلَى حِدَةٍ أَعْدَلُ،
-
ثُمَّ هِيَ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ عِنْدَهُ الدُّورُ وَالْبُيُوتُ وَالْمَنَازِلُ فَالدُّورُ سَوَاءً كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً أَوْ مُتَلَازِقَةً لَا يُقَسَّمُ عِنْدَهُ قِسْمَةً وَاحِدَةً إلَّا بِرِضَاءِ الشُّرَكَاءِ وَالْبُيُوتُ تُقَسَّمُ قِسْمَةً وَاحِدَةً سَوَاءً كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً أَوْ مُجْتَمَعَةً فِي مَكَان وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهَا تَتَفَاوَتُ فِي مَنْفَعَةِ السُّكْنَى فَالْبَيْتُ اسْمٌ لِمُسَقَّفٍ وَاحِدٍ لَهُ دِهْلِيزٌ فَلَا يَتَفَاوَتُ فِي الْمَنْفَعَةِ عَادَةً.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّهَا تُؤَجَّرُ بِأَجْرٍ وَاحِدٍ فِي كُلِّ مَحَلَّةٍ فَتُقْسَمُ قِسْمَةً وَاحِدَةً
-
وَالْمَنَازِلُ إنْ كَانَتْ مُجْتَمَعَةً فِي دَارِ وَاحِدَةٍ مُتَلَازِقَةً بَعْضُهَا بِبَعْضٍ تُقْسَمُ قِسْمَةً وَاحِدَةً،
-
وَإِنْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً تُقْسَمُ كُلُّ مَنْزِلَةٍ عَلَى حِدَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي مَحَالِّ أَوْ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ بَعْضُهَا فِي أَقْصَاهَا وَبَعْضُهَا فِي أَدْنَاهَا؛ لِأَنَّ الْمَنْزِلَ فَوْقَ الْبَيْتِ وَدُونَ الدَّارِ فَالْمَنَازِلُ تَتَفَاوَتُ فِي مَنْفَعَةِ مَعْنَى السُّكْنَى وَلَكِنَّ التَّفَاوُتَ فِيهَا دُونَ التَّفَاوُتِ فِي الدُّورِ فَهِيَ تُشْبِهُ الْبُيُوتَ مِنْ وَجْهٍ وَالدُّورَ مِنْ وَجْهٍ فَلِشَبَهِهَا بِالْبُيُوتِ قُلْنَا: إذَا كَانَتْ مُتَلَازِقَةً تُقْسَمُ قِسْمَةً وَاحِدَةً؛
-
لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِيهَا يَقِلُّ فِي مَكَان وَاحِدٍ وَلِشَبَهِهَا بِالدُّورِ قُلْنَا: إذَا كَانَتْ فِي أَمْكِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ لَا تُقْسَمُ قِسْمَةً وَهُمَا فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا يَقُولَانِ يَنْظُرُ الْقَاضِي إلَى أَعْدِلْ الْوُجُوهِ فَتَمْضِي الْقِسْمَةُ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ اخْتَلَفُوا فِي قِيمَةِ الْبِنَاءِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجْعَلُ الْبِنَاءَ بِذَرْعٍ مِنْ الْأَرْضِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجْعَلُهَا عَلَى الدَّرَاهِمِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقَاضِيَ يَجْعَلُهَا عَلَى الذَّرْعِ إذَا تَيَسَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛
-
لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ لَيْسَتْ مِنْ الْمِيرَاثِ وَالثَّابِتُ لِقَاضِي وِلَايَةٍ قِسْمَةُ الْمِيرَاثِ بَيْنَهُمْ فَإِذَا جَعَلَ عَلَى ذَلِكَ الذَّرْعِ كَانَ ذَلِكَ تَصَرُّفًا فِي
-
مَحَلُّ وِلَايَتِهِ وَإِذَا جَعَلَ ذَلِكَ عَلَى الدَّرَاهِمِ كَانَ ذَلِكَ تَصَرُّفًا مِنْهُ وَرَاءَ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَرُبَّمَا لَا يَقْدِرُ كُلُّ أَحَدٍ عَلَى تَحْصِيلِ الدَّرَاهِمِ وَأَدَائِهَا فَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُكَلِّفَهُ ذَلِكَ تَوْضِيحُهُ أَنَّهُ إذَا جَعَلَ ذَلِكَ عَلَى الدَّرَاهِمِ فَاَلَّذِي وَقَعَ الْبِنَاءُ فِي نَصِيبِهِ الدِّرْهَمُ دَيْنٌ عَلَيْهِ وَرُبَّمَا يَنْوِي ذَلِكَ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ كَانَ يَخْرُجُ فَنَفْسُ الْقِسْمَةِ يَتَعَجَّلُ نَصِيبَ مَنْ وَقَعَ الْبِنَاءُ فِي نَصِيبِهِ وَيَتَأَخَّرُ نَصِيبُ الْآخَرِ إلَى خُرُوجِ الدَّيْنِ مِنْهُ فَتَنْعَدِمُ الْمُعَادَلَةُ بِذَلِكَ وَإِذَا جَعَلَ ذَلِكَ عَلَى الذَّرْعِ يَتَعَجَّلُ وُصُولَ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَيْهِ وَيَتِمَّ الْقِسْمَةَ وَلَا حَقَّ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَهَذَا أَوْلَى الْوَجْهَيْنِ وَإِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ اعْتِبَارُ الْمُعَادَلَةِ عَلَى الذَّرْعِ فَلَهُ أَنْ يَقْسِمَ عَلَى الدَّرَاهِمِ عِنْدَنَا
-
(وَقَالَ) مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَصْطَلِحُوا عَلَيْهِ أَوْ تَكُونَ الدَّرَاهِمُ يَسِيرَةً؛ لِأَنَّ فِي الْقِسْمَةِ عَلَى الدَّرَاهِمِ مَحْضَ الْمُعَاوَضَةِ وَهُوَ بَيْعُ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا مِنْ الْبِنَاءِ بِمَا يُوجِبُ لَهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَيْسَ لِلْقَاضِي وِلَايَةُ الْمُعَاوَضَةِ إلَّا عِنْدَ تَرَاضِي الْخَصْمَيْنِ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ الدَّرَاهِمِ رُبَّمَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الْحَاجَةُ وَالضَّرُورَةُ فَيَتَعَدَّى إلَيْهِ حُكْمُ وِلَايَتِهِ لِلْحَاجَةِ وَأَصْحَابُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - يَقُولُونَ هَذِهِ الْحَاجَةُ تَتَحَقَّقُ فِي الْكَثِيرِ كَمَا تَتَحَقَّقُ فِي الْقَلِيلِ؛
-
لِأَنَّ قِيمَةَ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا مِنْ الْبِنَاءِ رُبَّمَا يَكُونُ أَضْعَافَ جَمِيعِ قِيمَةِ الْأَرْضِ فَتَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الْقِسْمَةُ بِطَرِيقِ مُقَابَلَةِ قِيمَةِ الْبِنَاءِ بِالذَّرْعِ مِنْ الْأَرْضِ أَوْ يَقَعُ جَمِيعُ السَّاحَةِ لِأَحَدِهِمَا فَلَا يَتَمَكَّنُ صَاحِبُ الْبَيْتِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْبِنَاءِ بِدُونِ الْأَرْضِ وَإِذَا كُلِّفَ نَقْلَ الْبِنَاءِ تَنْقَطِعُ الْمَنْفَعَةُ عَنْهُ؛
-
فَلِهَذَا قُلْنَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْقِسْمَةَ فِي الْبِنَاءِ عَلَى الدَّرَاهِمِ وَهَذَا لِأَنَّ وِلَايَةَ الْقِسْمَةِ تَثْبُتُ لَهُ فَلَا يَتَعَدَّى فَيَتَعَدَّى وِلَايَتَهُ إلَى مَا لَا يَتَأَتَّى لَهُ الْقِسْمَةُ إلَّا بِهِ كَالْجَدِّ مَعَ مُوصَى الْأَبِ يَصِحُّ مِنْهُ تَسْمِيَةُ الصَّدَاقِ فِي النِّكَاحِ،
-
وَإِنْ كَانَ التَّصَرُّفُ فِي الْمَالِ إلَى الْوَصِيِّ دُونَ الْجَدِّ،
-
وَكَذَلِكَ الْأَخُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ،
-
ثُمَّ لَهُ وِلَايَةُ التَّسْمِيَةِ فِي الصَّدَاقِ بِاعْتِبَارِ ثُبُوتِ الْوِلَايَةِ فِي التَّزْوِيجِ.
-
وَلَوْ اخْتَلَفُوا فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَرْفَعُ طَرِيقًا بَيْنَنَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَرْفَعُ نَظَرَ فِيهِ الْحَاكِمُ فَإِنْ كَانَ يَسْتَقِيمُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ طَرِيقًا يَفْتَحُهُ فِي نَصِيبِهِ قَسَمَهُ بَيْنَهُمْ بِغَيْرِ طَرِيقٍ يُرْفَعُ كَمَا بَيَّنَ عَنْهُمْ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ رَفَعَ طَرِيقًا بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْقِسْمَةِ تَوْفِيرُ الْمَنْفَعَةِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ،
-
ثُمَّ مَوْضِعُ الطَّرِيقِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ كَغَيْرِهِ فَإِذَا كَانَ يَسْتَقِيمُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ طَرِيقٌ يَفْتَحُهُ فِي نَصِيبِهِ فَاَلَّذِي يَقُولُ: لَا يَرْفَعُ طَرِيقًا بِطَلَبِ الْقِسْمَةِ فِي جَمِيعِ الْمُشْتَرَكِ، وَذَلِكَ مُمْكِنٌ مَعَ اعْتِبَارِ الْمُعَادَلَةِ فِي الْمَنْفَعَةِ فَيُجِيبُهُ الْقَاضِي إلَى مَا الْتَمَسَ وَإِذَا كَانَ لَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ فَفِي قِسْمَةِ مَوْضِعِ الطَّرِيقِ قَطْعُ الْمَنْفَعَةِ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ ضِدُّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْقِسْمَةِ
-
وَالْقَائِلُ لَا يَرْفَعُ طَرِيقًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مُتَعَنِّتٌ تَوْضِيحُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمْ مَوْضِعَ الطَّرِيقِ فَقَطْ فَطَلَبَ بَعْضُهُمْ قِسْمَتَهُ وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَمْ يُجِبْهُ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ،
-
وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلطَّالِبِ أَجَابَهُ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُشْتَرَكُ مَوْضِعَ الطَّرِيقِ وَغَيْرِهِ.
-
وَلَوْ اخْتَلَفُوا فِي سَعَةِ الطَّرِيقِ وَضِيقِهِ جَعَلَ الطَّرِيقَ بَيْنَهُمْ عَلَى عَرْضِ بَابِ الدَّارِ وَطُولِهِ عَلَى أَدْنَى مَا يَكْفِيهِمْ؛ لِأَنَّ بَابَ الدَّارِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ يُرَدُّ إلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ،
-
ثُمَّ لَا فَائِدَةَ فِي جَعْلِ الطَّرِيقِ أَعْرَضَ مِنْ بَابِ الدَّارِ؛ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَدْخُلْ الْحِمْلُ مِنْ بَابِ الدَّارِ لَا يَحْمِلُهُ فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ وَإِذَا جَعَلَ الطَّرِيقَ أَضْيَقَ مِنْ بَابِ الدَّارِ يَتَضَرَّرُ بِهِ الشُّرَكَاءُ وَمَقْصُودُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَحْمِلَ إلَى مَسْكَنِهِ فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ مَا يُدْخِلُهُ فِي بَابِ الدَّارِ؛
-
فَلِهَذَا يَجْعَلُ الطَّرِيقَ بَيْنَهُمْ عَلَى عَرْضِ الدَّارِ وَطُولِهِ.
-
وَإِذَا وَقَعَ الْحَائِطُ لِأَحَدِ الْقِسْمَيْنِ وَعَلَيْهِ جُذُوعٌ لِلْآخَرِ وَوَقَعَتْ الْقِسْمَةُ عَلَى أَنْ يَكُونَ هَكَذَا أَوْ لَمْ يَذْكُرَا ذَلِكَ فِي الْقِسْمَةِ؛ فَإِنَّهُ يُتْرَكُ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ كَذَلِكَ عِنْدَ تَمَامِ الْقِسْمَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِلْكُ الْحَائِطِ لِأَحَدِهِمَا وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ حَقُّ وَضْعِ الْجُذُوعِ فَيُتْرَكُ عَلَى حَالِهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ قَلْعَ الْجُذُوعِ عَنْهُ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ لِلْحَدِيثِ: «الشَّرْطُ أَمْلَكُ» ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَزَجُّ وَقَعَ عَلَى حَائِطٍ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ أَوْ دَرَجَةٍ،
-
وَكَذَلِكَ أُسْطُوَانَةٌ وَقَعَ عَلَيْهَا جُذُوعٌ،
-
وَكَذَلِكَ رَوْشَنٌ وَقَعَ عَلَى صَاحِبِ الْعُلُوِّ مُشْرِفٌ عَلَى نَصِيبِ الْآخَرِ فَأَرَادَ صَاحِبُ السُّفْلِ أَنْ يَقْطَعَ الرَّوْشَنُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ قَطْعَهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ قَرَارِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَحَقًّا لِإِنْسَانٍ فِي حَائِطِ غَيْرِهِ فَإِذَا تَمَّتْ الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ يَجِبُ تَرْكُهَا كَذَلِكَ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ أَصَابَ أَحَدَهُمَا ثَبْتُ عُلُوٍّ وَالْآخَرَ السُّفْلُ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ السُّفْلِ أَنْ يَهْدِمَ الْعُلُوَّ فَأَمَّا إذَا وَقَعَتْ السَّاحَةُ لِأَحَدِهِمَا وَلِلْآخَرِ أَطْرَافُ جُذُوعٍ شَاخِصَةٌ فِيهَا فَأَرَادَ صَاحِبُ السَّاحَةِ قَطْعَ تِلْكَ الْجُذُوعِ فَإِنْ كَانَتْ أَطْرَافُ الْجُذُوعِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ الْبِنَاءُ عَلَيْهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ ذَلِكَ؛
-
لِأَنَّ هَذَا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَرَارُهُ مُسْتَحَقًّا لِإِنْسَانٍ فِي سَاحَةِ غَيْرِهِ،
-
وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ الْبِنَاءُ عَلَيْهَا فَلِصَاحِبِ السَّاحَةِ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى قَطْعِ ذَلِكَ أَوْ تَفْرِيغِ هَوَاءِ السَّاحَةِ عَنْهُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَقًّا مُسْتَحَقًّا لَهُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ إذْ هُوَ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ مِنْ حَيْثُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ.
-
وَلَوْ وَقَعَتْ شَجَرَةٌ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا وَأَغْصَانُهَا مُتَدَلِّيَةٌ إلَى نَصِيبِ الْآخَرِ فَقَدْ ذَكَّرَنِي رُسْتُمُ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ لَهُ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى قَطْعِ تِلْكَ الْأَغْصَانِ وَهَذَا مِمَّا لَا يَسْتَحِقُّ إقْرَارَهُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ وَذَكَّرَنِي سِمَاعَةُ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ يُتْرَكُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بِالْقِسْمَةِ اسْتَحَقَّ
-
الشَّجَرَةَ بِأَغْصَانِهَا فَتَرْكُ الْأَغْصَانِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ عِنْدَ تَمَامِ الْقِسْمَةِ بِمَنْزِلَةِ الْأَزَجِّ وَالدَّرَجَةِ.
-
وَإِذَا أَصَابَ رَجُلًا مَقْصُورَةٌ مِنْ الدَّارِ وَأَصَابَ الْآخَرَ مَنْزِلٌ طَرِيقُ عُلُوِّ هَذَا الْمَنْزِلِ فِي هَذِهِ الْمَقْصُورَةِ وَلَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ عِنْدَ الْقِسْمَةِ فَلَا طَرِيقَ لَهُ فِي الْمَقْصُورَةِ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ طَرِيقَهُ فِي حَقِّهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَالْقِسْمَةُ لِتَمْيِيزِ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا مِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ وَتَمَامُ التَّمْيِيزِ إذَا لَمْ يَبْقَ لِأَحَدِهِمَا حَقٌّ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ فَإِذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَجِبُ إمْضَاءُ الْقِسْمَةِ عَلَيْهِ.
-
وَإِذَا أَصَابَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ سَاحَةٍ فِي الْقِسْمَةِ فَأَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ فِيهَا وَيَرْفَعَ بِنَاءً وَأَرَادَ الْآخَرُ مَنْعَهُ، وَقَالَ: إنَّك تَسُدُّ عَلَيَّ الرِّيحَ وَالشَّمْسَ فَلَهُ أَنْ يَرْفَعَ بِنَاءَ مَا بَدَا لَهُ؛ لِأَنَّ السَّاحَةَ مِلْكُهُ وَالسَّاحَةُ حَقٌّ خَالِصٌ لَهُ وَلِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ بِمَا يَبْدُو لَهُ وَلَيْسَ لِلْجَارِ أَنْ يَمْنَعَهُ عَنْ ذَلِكَ وَلَهُ أَنْ يَتَّخِذَ فِيهَا حَمَّامًا أَوْ تَنُّورًا أَوْ مَخْرَجًا؛
-
لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ أَرَأَيْت لَوْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ فِيهَا رَحًى أَوْ حَدَّادًا أَوْ قَصَّارًا كَانَ لِلْآخَرِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ
-
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ تَصَرَّفَ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ فِي الْحُكْمِ،
-
وَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي إلَى إلْحَاقِ الضَّرَرِ بِالْغَيْرِ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ مَنْ اتَّجَرَ فِي حَانُوتِهِ نَوْعَ تِجَارَةٍ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ،
-
وَإِنْ كَانَتْ تَكْسُدُ بِسَبَبِهِ تِجَارَةٌ وَأَنَّ أَصْحَابَ الْحَوَانِيتِ يَتَأَذَّوْنَ بِغُبَارِ سَنَابِكِ الدَّوَابِّ الْمَارَّةِ وَأَنْ يَتَأَذَّى الْمَارَّةُ بِدُخَانِ نِيرَانِهِمْ الَّتِي يُوقِدُونَهَا فِي حَوَانِيتِهِمْ،
-
ثُمَّ لَيْسَ لِلْبَعْضِ مَنْعُ الْبَعْضِ مِنْ ذَلِكَ وَلِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْقِيَ أَرْضَهُ وَلَيْسَ لِجَارِهِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَقِلَّ مَاءُ بِئْرِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمَالِكَ مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ فِيمَا هُوَ خَالِصُ حَقِّهِ،
-
وَإِنْ كَفَّ عَمَّا يُؤْذِي جَارَهُ كَانَ أَحْسَنَ لَهُ «قَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا زَالَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُوصِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» وَالتَّحَرُّزُ عَنْ سُوءِ الْمُجَاوِرَةِ مُسْتَحَقٌّ دَيْنًا وَلَكِنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ
-
وَالْحِيلَةُ لِلْجَارِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مِلْكٍ عَلَى وَجْهٍ يَدْفَعُ بِهِ ضَرَرًا عَنْ نَفْسِهِ وَيَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَقْصُودِهِ عَلَى مَا حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ: إنَّ جَارِيَ اتَّخَذَ مُجَمِّدَةً بِجَنْبِ حَائِطِي فَقَالَ: اتَّخِذْ أَنْتَ أَتُونًا بِجَنْبِ الْحَائِطِ لِيُذِيبَ هُوَ مَا يَجْمَعُ مِنْ الْجَمْدِ وَعَلَى هَذَا قَالَ فِي الْكِتَابِ لَوْ فَتَحَ صَاحِبُ الْبِنَاءِ فِي عُلُوِّ بِنَائِهِ بَابًا أَوْ كَوَّةً فَتَأَذَّى بِذَلِكَ صَاحِبُ السَّاحَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ؛
-
لِأَنَّ اتِّخَاذَ الْبَابِ وَالْكَوَّةِ يَرْفَعُ نَقْصَ الْحَائِطِ وَلَوْ رَفَعَ جَمِيعَ الْبِنَاءِ لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْهُ؛ فَلِهَذَا أَوْلَى وَلَكِنَّهُ يَبْنِي فِي مِلْكِهِ مَا يَسْتُرُهُ إنْ شَاءَ وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْكَوَّةِ أَنْ يَمْنَعَهُ عَنْ ذَلِكَ،
-
وَكَذَلِكَ هَذَا الْحُكْمُ فِي الدَّارَيْنِ وَالْجَارَيْنِ وَلَوْ اتَّخَذَ رَجُلٌ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ كِرْيَاسًا أَوْ بَالُوعَةً أَوْ بِئْرَ مَاءٍ فَنَزَّ مِنْهَا حَائِطُ جَارِهِ وَطَلَبَ
-
تَحْوِيلَ ذَلِكَ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى تَحْوِيلِهِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ،
-
وَإِنْ سَقَطَ الْحَائِطُ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي هَذَا السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبُ إذَا كَانَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ فِي تَسَبُّبِهِ فَهُوَ غَيْرُ ضَامِنٍ؛ لِمَا تَلِفَ بِهِ كَمَا لَوْ سَقَطَ إنْسَانٌ فِي بِئْرِهِ هَذَا.
-
وَإِذَا قَسَّمَ رَجُلَانِ دَارًا فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا حَيِّزًا وَالْآخَرُ حَيِّزًا فَوَقَعَ لِأَحَدِهِمَا حَائِطٌ لِلظَّاهِرِ مِنْهُ عَلَى آجُرَّتَيْنِ وَأُسُّهُ عَلَى أَرْبَعٍ وَقَدْ دَخَلَ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ مِنْ ذَلِكَ آجُرَّةٌ فَقَالَ صَاحِبُ الْحَائِطِ أَنَا آخُذُ مِنْ نَصِيبِك مَا دَخَلَ فِيهِ مِنْ أُسِّ حَائِطِي لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا لَهُ مَا ظَهَرَ مِنْ الْحَائِطِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ؛
-
لِأَنَّهُ بِالْقِسْمَةِ اسْتَحَقَّ الْحَائِطَ وَالْحَائِطُ اسْمٌ لِلْبِنَاءِ الْمُرْتَفِعِ مِنْ وَجْهِ الْأَرْضِ فَأَمَّا الْأُسُّ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ بِنَاءٌ مُرْتَفِعٌ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ فَهُوَ أَرْضٌ لَا حَائِطٌ وَالْأَرْضُ وَاقِعٌ فِي قِسْمِ الْآخَرِ فَلَوْ اسْتَحَقَّهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ إنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ حَرِيمًا لِحَائِطِهِ وَلَيْسَ لِلْحَائِطِ حَرِيمٌ.
-
وَإِذَا قَسَّمَ الشَّرِيكَانِ دَارًا أَوْ دَارَيْنِ بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ لِلْجَارِ فِي ذَلِكَ شُفْعَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَرِيكٌ لِصَاحِبِهِ وَالشَّرِيكُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجَارِ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ أَحَدَهُمَا لَوْ بَاعَ نَصِيبَهُ مِنْ صَاحِبِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْجَارِ فِيهِ الشُّفْعَةُ،
-
ثُمَّ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ مَعْنَى التَّمْيِيزِ فِي الْقِسْمَةِ تَغْلِبُ عَلَى مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ وَالشُّفْعَةُ تَخْتَصُّ بِمُعَاوَضَةِ مَالٍ بِمَالٍ.
-
وَإِذَا اقْتَسَمَ الرَّجُلَانِ دَارًا وَرَفَعَا طَرِيقًا بَيْنَهُمَا،
-
ثُمَّ أَرَادَ قِسْمَةَ الطَّرِيقِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ قِسْمَتُهُ تَسْتَقِيمُ بِغَيْرِ ضَرَرٍ قَسَمْتُهُ بَيْنَهُمَا،
-
وَإِنْ كَانَتْ لَا تَسْتَقِيمُ وَلَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا طَرِيقٌ لَمْ أَقْسِمْهُ،
-
ثُمَّ؛ لِأَنَّ فِي الْقِسْمَةِ هُنَا مَعْنَى الضَّرَرِ وَالْمَقْصُودُ بِالْقِسْمَةِ تَوْفِيرُ الْمَنْفَعَةِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا تَفْوِيتُهَا.
-
وَإِذَا اصْطَلَحَ الرَّجُلَانِ فِي الْقِسْمَةِ عَلَى إنْ أَخَذَ أَحَدُهُمَا دَارًا وَالْآخَرُ مَنْزِلًا فِي دَارٍ أُخْرَى أَوْ عَلَى أَنْ أَخَذَ أَحَدُهُمَا دَارًا وَالْآخَرُ نِصْفَ دَارٍ أُخْرَى أَوْ عَلَى أَنْ أَجَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سِهَامًا مَعْلُومَةً مِنْ دَارٍ عَلَى حِدَةٍ أَوْ عَلَى أَنْ أَخَذَ أَحَدُهُمَا دَارًا وَالْآخَرُ عَبْدًا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الِاصْطِلَاحِ فِي الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛
-
لِأَنَّ هَذِهِ مُعَاوَضَةٌ تَجْرِي بَيْنَهُمَا بِالتَّرَاضِي وَلَا رِبًا فِي شَيْءٍ مِمَّا تَنَاوَلَهُ تَصَرُّفُهُ وَلَوْ اصْطَلَحَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا الْأَرْضَ كُلَّهَا وَالْآخَرُ الْبِنَاءَ كُلَّهُ فَهُوَ جَائِزٌ لِلتَّرَاضِي فَإِنَّ الْأَرْضَ وَالْبِنَاءَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالٌ مُتَقَوِّمٌ مُبَادَلَةُ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا مِنْ الْأَرْضِ بِنَصِيبِ الْآخَرِ مِنْ الْبِنَاءِ صَحِيحٌ،
-
فَإِنْ شَرَطَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْبِنَاءُ لَهُ يَنْقُضُهُ وَتَكُونُ الْأَرْضُ لِلْآخَرِ فَهُوَ جَائِزٌ،
-
وَإِنْ اشْتَرَطَ أَنْ لَا يُقْلِعَ بِنَاءَهُ فَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ لَا يَتَوَصَّلُ بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ إلَى الِانْتِفَاعِ بِالْأَرْضِ وَلِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى بَيْعٍ شُرِطَ فِيهِ إعَارَةٍ أَوْ إجَارَةٍ فَإِنَّ صَاحِبَ الْبِنَاءِ لَمَّا شَرَطَ تَرْكَ الْبِنَاءِ فِي أَرْضِ الْآخَرِ فَإِنْ كَانَ بِمُقَابَلَةِ هَذَا التَّرْكِ شَيْءٌ مِنْ الْعِوَضِ.
-
فَهُوَ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ شُرِطَتْ فِي بَيْعٍ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِمُقَابِلَتِهَا شَيْءٌ مِنْ الْعِوَضِ فَهُوَ إعَارَةٌ مَشْرُوطَةٌ فِي الْبَيْعِ.
-
وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي طَرِيقٍ لَيْسَ بِنَافِذٍ لَهَا فِيهِ بَابٌ فَاقْتَسَمَهَا أَهْلُهَا عَلَى أَنْ يَفْتَحَ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ الزُّقَاقِ لِنَفْسِهِ فَهُوَ جَائِزٌ وَلَيْسَ لِأَهْلِ الزُّقَاقِ مَنْعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَفْتَحُ الْبَابَ بِرَفْعِ بَعْضِ الْحَائِطِ وَلَوْ رَفَعُوا جَمِيعَ الْحَائِطِ لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الزُّقَاقِ مَنْعُهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَلِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ حَقَّ الْمُرُورِ فِي هَذَا الطَّرِيقِ إلَى أَنْ يَتَوَصَّلَ إلَى مِلْكِهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَفْتَحُ الْبَابَ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ حَقَّ نَفْسِهِ وَلَا يُرِيدُ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ.
-
وَلَوْ كَانَتْ مَقْصُورَةً بَيْنَ وَرَثَةٍ بَابُهَا فِي دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ لَيْسَ لِأَهْلِ الْمَقْصُورَةِ فِيهَا إلَّا طَرِيقُهُمْ فَاقْتَسَمُوا الْمَقْصُورَةَ عَلَى أَنْ يَفْتَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَابًا مِنْ نَصِيبِهِ فِي الدَّارِ الْعُظْمَى لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهُمْ طَرِيقًا وَاحِدًا فِي مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ مِنْ عَرْصَةِ الدَّارِ فَهُمْ يُرِيدُونَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي ذَلِكَ بِأَنْ يَجْعَلُوا جَمِيعَ صَحْنِ الدَّارِ مَمَرًّا فَيَكُونُ لِأَهْلِ الدَّارِ مَنْعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: لَا يُمْنَعُونَ مِنْ فَتْحِ الْبَابِ؛
-
لِأَنَّ ذَلِكَ رَفْعُ الْحَائِطِ وَالْحَائِطُ خَالِصُ حَقِّهِمْ وَإِنَّمَا يُمْنَعُونَ مِنْ التَّطَرُّقِ فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الْمَعْرُوفِ طَرِيقًا لَهُمْ فِي صَحْنِ الدَّارِ وَلَكِنْ فِي ظَاهِرِ الْجَوَابِ قَالَ: يُمْنَعُونَ مِنْ فَتْحِ الْأَبْوَابِ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا تَمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ فَرُبَّمَا يَدَّعِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَعْدَ تَقَادُمِ الزَّمَانِ لَهُمْ طَرِيقًا خَاصًّا فِي صَحْنِ الدَّارِ وَيُسْتَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ بِالْبَابِ الْمُرَكَّبِ وَقَدْ يَعْتَمِدُ ذَلِكَ بَعْضُ الْقُضَاةِ فَيُفَصِّلُ الْحُكْمَ بِهِ؛
-
فَلِهَذَا مَنَعُوا مِنْ فَتْحِ الْأَبْوَابِ وَلِأَهْلِ الدَّارِ أَنْ يَبْنُوا مَا بَدَا لَهُمْ فِي صَحْنِ الدَّارِ بَعْدَ أَنْ يَتْرُكُوا لَهُمْ طَرِيقًا وَاحِدًا بِقَدْرِ عَرْضِ بَابِ الدَّارِ الْعُظْمَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنْ حَقِّهِمْ مُتَّفَقٌ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ صَحْنِ الدَّارِ فَهُوَ مِلْكٌ خَاصٌّ لِأَهْلِ الدَّارِ فَلَهُمْ أَنْ يَبْنُوا فِيهَا مَا أَحَبُّوا وَيَفْتَحُ أَهْلُ الْمَقْصُورَةِ مَا بَدَا لَهُمْ مِنْ الْأَبْوَابِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ؛
-
لِأَنَّهُمْ بِفَتْحِ هَذِهِ الْأَبْوَابِ لَا يَبْنُونَ لِأَنْفُسِهِمْ زِيَادَةً عَلَى مِقْدَارِ حَقِّهِمْ،
-
وَإِنْ كَانَ لِأَهْلِ هَذِهِ الْمَقْصُورَةِ دَارًا أُخْرَى إلَى جَنْبِ هَذِهِ الْمَقْصُورَةِ فَوَقَعَتْ هَذِهِ الدَّارُ فِي قِسْمِ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَأَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ بَابًا فِي هَذِهِ الطُّرُقِ الْمَرْفُوعِ بَيْنَهُمْ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لِهَذِهِ الدَّارِ فِيهَا فَسَاكِنُهَا يُرِيدُ إثْبَاتَ طَرِيقٍ لِنَفْسِهِ فِي طَرِيقٍ مُشْتَرَكٍ الشَّرِكَةُ فِيهَا خَاصَّةٌ وَالطَّرِيقُ الْخَاصُّ بِمَنْزِلَةِ الْمِلْكِ فَكَمَا لَا يُمَكَّنُ مِنْ إحْدَاثِ طَرِيقِ لِنَفْسِهِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، فَكَذَلِكَ فِي الطَّرِيقِ الْخَاصِّ
-
وَإِنْ اشْتَرَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الْمَقْصُورَةُ هَذِهِ الدَّارَ فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ طَرِيقَهَا فِي
-
مَقْصُورَتِهِ، ثُمَّ يَمُرُّ فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ الْمُشْتَرَكِ فَلَهُ إذَا كَانَ الدَّارُ وَالْمَقْصُورَةُ وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْكُلَّ فِي حُكْمِ مَنْزِلٍ وَاحِدٍ،
-
وَإِنْ كَانَ سَاكِنُ الْمَقْصُورَةِ غَيْرَ سَاكِنِ الدَّارِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا مَنْزِلَانِ وَكَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِسَاكِنِ الدَّارِ أَنْ يَتَطَرَّقَ فِي هَذَا الطَّرِيقِ مِنْ دَارِهِ، فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَتَطَرَّقَ فِيهِ مِنْ الْمَقْصُورَةِ؛ لِأَنَّ لِصَاحِبِ الْمَقْصُورَةِ أَنْ يَرْضَى بِتَطَرُّقِهِ فَمَا هُوَ خَالِصُ مِلْكِهِ وَهُوَ الْمَقْصُورَةُ وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ بِذَلِكَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ وَهُوَ الطَّرِيقُ وَفَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الشُّرْبِ فَإِنَّ مَنْ لَهُ أَرْضٌ بِجَنْبِ نَهْرٍ شُرْبُهَا مِنْ ذَلِكَ النَّهْرِ إذَا اشْتَرَى بِجَنْبِ أَرْضِهِ أَرْضًا أُخْرَى وَأَرَادَ أَنْ يَسْقِيَ الْأَرْضَ الْأُخْرَى مِنْ هَذَا النَّهْرِ بِإِجْرَاءِ الْمَاءِ فِي أَرْضِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَفِي الطَّرِيقِ لَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ سَاكِنُ الدَّارِ وَالْمَقْصُورَةِ وَاحِدًا؛
-
لِأَنَّ هُنَاكَ يَسْتَوْفِي مِنْ الْمَاءِ فَوْقَ حَقِّهِ فَإِنَّ حَقَّهُ فِي هَذَا النَّهْرِ مِقْدَارُ مَا يَسْقِي بِهِ أَرْضَهُ فَإِذَا سَقَى بِهِ أَرْضَيْنِ فَهُوَ يَسْتَوْفِي أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَفِي الطَّرِيقِ هُوَ الَّذِي يَتَطَرَّقُ سَوَاءٌ دَخَلَ الْمَقْصُورَةَ فَقَطْ أَوْ يَحُولُ مِنْ الْمَقْصُورَةِ إلَى الدَّارِ؛
-
فَلِهَذَا لَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ سَاكِنُ الدَّارِ وَالْمَقْصُورَةِ وَاحِدًا.
-
وَإِذَا اقْتَسَمَ الرَّجُلَانِ دَارًا فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا طَائِفَةً وَفِي نَصِيبِ الْآخَرِ ظُلَّةٌ عَلَى الطَّرِيقِ وَكَنِيفُ شَارِعٍ فَالْقِسْمَةُ فِي هَذَا كَالْبَيْعِ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ أَنَّ كَنِيفَ الشَّارِعِ يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الدَّارِ سَوَاءٌ ذَكَر الْحُقُوقَ وَالْمَرَافِقَ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ وَالظُّلَّةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَدْخُلُ إلَّا بِذِكْرِ الْحُقُوقِ وَالْمَرَافِقِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَدْخُلُ إذَا كَانَ مِفْتَحُهَا فِي الدَّارِ سَوَاءً ذَكَر الْحُقُوقَ وَالْمَرَافِقَ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ، فَكَذَلِكَ فِي الْقِسْمَةِ فَإِنْ هَدَمَ أَهْلُ الطَّرِيقِ تِلْكَ الظُّلَّةَ لَمْ تُنْتَقَضْ الْقِسْمَةُ؛
-
لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَحَقَّ الْبِنَاءَ بِالْقِسْمَةِ، أَمَّا الْأَرْضُ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالْقِسْمَةِ مَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَالْمُشْتَرَكُ الْبِنَاءُ دُونَ الْأَرْضِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا يَعْلَمَانِ أَنَّ الظُّلَّةَ عَلَى الطَّرِيقِ فَإِنَّ لَهُمْ مِنْهَا نَفْسَ الْبِنَاءِ لَا حَقَّ الْقَرَارِ، وَذَلِكَ سَالِمٌ لَهُ.
-
وَإِذَا اقْتَسَمَا دَارًا فَلَمَّا وَقَعَتْ الْحُدُودُ بَيْنَهُمَا إذَا أَحَدُهُمَا لَا طَرِيقَ لَهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى طَرِيقٍ فَالْقِسْمَةُ مَرْدُودَةٌ؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ عَلَى الضَّرَرِ وَالْمَقْصُودُ تَحْصِينُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ لَا قَطْعُ مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ عَنْهُ وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ قَطْعُ مَنْفَعَةِ الْمِلْكِ عَنْ أَحَدِهِمَا فَكَانَتْ مَرْدُودَةً،
-
وَإِنْ كَانَ لَهُ حَائِطٌ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَفْتَحَ بَابًا يَمُرُّ فِيهِ رَجُلٌ وَلَا تَمُرُّ فِيهِ الْحَمُولَةُ فَالْقِسْمَةُ جَائِزَةٌ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِنَصِيبِهِ بِالتَّطَرُّقِ إلَيْهِ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ فَالْأَصْلُ فِي الطَّرِيقِ مُرُورُ النَّاسِ فِيهِ فَأَمَّا مُرُورُ الْحَمُولَةِ فِيهِ لَا يَكُونُ إلَّا نَادِرًا وَبِتَعَذُّرِ ذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ اسْتِيفَاءُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ،
-
وَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ لَا يَمُرُّ فِيهِ رَجُلٌ فَلَيْسَ هَذَا بِطَرِيقٍ وَلَا تَجُوزُ الْقِسْمَةُ
-
لِمَا فِيهَا مِنْ قَطْعِ مَنْفَعَةِ الْمِلْكِ عَنْ أَحَدِهِمَا.
-
وَإِنْ كَانَ اقْتَسَمَا عَلَى أَنْ لَا طَرِيقَ لِفُلَانٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ فَهُوَ جَائِزٌ بِتَرَاضِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا لَمْ تَصِحَّ الْقِسْمَةُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ فَإِذَا رَضِيَ بِالْتِزَامِ الضَّرَرِ سَقَطَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ الضَّرَرِ.
-
وَإِذَا اقْتَسَمَا دَارًا عَلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ دَارًا لَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَالْقِسْمَةُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى الْبَيْعِ وَاشْتِرَاطُ هَذَا فِي الْبَيْعِ مُبْطِلٌ لَهُ لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ،
-
وَكَذَلِكَ كُلُّ قِسْمَةٍ عَلَى شَرْطِ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ فَهِيَ فَاسِدَةٌ كَالْبَيْعِ،
-
وَكَذَلِكَ كُلُّ شِرَاءِ عَلَى شَرْطِ قِسْمَتِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْقِسْمَةِ فِي الشِّرَاءِ كَاشْتِرَاطِ الشِّرَاءِ فِي الْقِسْمَةِ وَإِذَا كَانَتْ الْقِسْمَةُ عَلَى أَنْ يَزِيدَ شَيْئًا مَعْرُوفًا فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَرَطَ فِي الْبَيْعِ زِيَادَةً فِي الثَّمَنِ مِقْدَارًا مُسَمًّى أَوْ زِيَادَةً فِي الْمَبِيعِ شَيْئًا بِعَيْنِهِ جَازَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ فِي الْقِسْمَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
-
(قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَحَدُهُمَا وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ بَيْن رَجُلَيْنِ فَاقْتَسَمَاهَا عَلَى أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ دَرَاهِمَ مُسَمَّاةً فَهُوَ جَائِزٌ) ؛ لِأَنَّ فِي حِصَّةِ الدَّرَاهِمِ الْمَشْرُوطَةِ الْعَقْدِ بَيْعٌ وَقَدْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ وَجَوَازُ الْبَيْعِ يَعْتَمِدُ الْمُرَاضَاةَ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الشَّرِيكَيْنِ عِنْدَ الْقِسْمَةِ يَحْتَاجَانِ إلَى ذَلِكَ عَادَةً إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَأَمَّا إذَا تَرَاضَيَا عَلَى الْقِسْمَةِ فَذَلِكَ مُسْتَقِيمٌ مِنْهُمَا،
-
ثُمَّ كُلُّ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا مُسْتَحَقًّا بِالْبَيْعِ يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ عِنْدَ تَرَاضِيهِمَا عَلَيْهِ فَالنُّقُودُ حَالَّةً كَانَتْ أَوْ مُؤَجَّلَةً وَالْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ مُعَيَّنًا أَوْ مَوْصُوفًا مُؤَجَّلًا أَوْ حَالًّا يَجُوزُ اسْتِحْقَاقُهُ عِوَضًا فِي الْبَيْعِ، فَكَذَلِكَ فِي الْقِسْمَةِ فَإِنْ كَانَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ مَكَانِ الْإِيفَاءِ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَمَا فِي السَّلَمِ وَالْإِجَارَةِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إنْ بَيَّنَا لِلتَّسْلِيمِ مَكَانًا جَازَ ذَلِكَ،
-
وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنَا جَازَتْ الْقِسْمَةُ وَيَتَعَيَّنُ لِلتَّسْلِيمِ مَوْضِعُ الدَّارِ وَكَانَ يَنْبَغِي فِي الْقِيَاسِ أَنْ يَتَعَيَّنَ مَوْضِعُ الْعَقْدِ كَمَا فِي السَّلَمِ عِنْدَهُمَا وَلَكِنَّهُمَا اسْتَحْسَنَا فَقَالَا تَمَامُ الْقِسْمَةِ يَكُونُ عِنْدَ الدَّارِ وَإِنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ تَمَامِ الْقِسْمَةِ فَيَتَعَيَّنُ مَوْضِعُ الْوُجُوبِ فِيهِ لِلتَّسْلِيمِ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ عِنْدَهُمَا يَتَعَيَّنُ مَوْضِعُ الدَّارِ لَا مَوْضِعُ الْعَقْدِ؛
-
لِأَنَّ وُجُوبَ الْآخَرِ بِاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الدَّارِ يَكُونُ.
-
وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ بِعَيْنِهِ فَهُوَ جَائِزٌ،
-
وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ لَمْ يَجُزْ مَوْصُوفًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَوْصُوفٍ مُؤَجَّلًا كَانَ أَوْ حَالًّا؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يُسْتَحَقُّ فِي الذِّمَّةِ عِوَضًا عَمَّا هُوَ مَالٌ، وَإِنْ كَانَ بِعَيْنِهِ
-
وَشَرَطَ أَنْ لَا يُسَلِّمَهُ إلَى شَهْرٍ فَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ الْأَجَلَ فِي الْعَيْنِ، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْبَيْعِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ بَلْ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُتَمَلِّكِ لِلْعَيْنِ بِالْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ لِلْآخَرِ فِيهِ، فَكَذَلِكَ فِي الْقِسْمَةِ.
-
وَلَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ ثِيَابًا مَوْصُوفَةً إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ فَهُوَ جَائِزٌ،
-
وَإِنْ لَمْ يَضْرِبْ لَهُ أَجَلًا لَمْ يَجُزْ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الثِّيَابَ تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ سَلَمًا وَلَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ قَرْضًا وَالسَّلَمُ لَا يَكُونُ إلَّا مُؤَجَّلًا وَالْقَرْضُ لَا يَكُونُ إلَّا حَالًّا فَعَرَفْنَا بِذَلِكَ أَنَّهَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ مُؤَجَّلًا ثُبُوتًا صَحِيحًا وَلَا تَثْبُتُ حَالًّا.
-
وَإِذَا كَانَ مِيرَاثٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فِي دَارٍ وَمِيرَاثٌ فِي دَارٍ أُخْرَى فَاصْطَلَحَا عَلَى أَنَّ لِأَحَدِهِمَا مَا فِي هَذِهِ الدَّارِ وَلِلْآخَرِ مَا فِي تِلْكَ وَزَادَ مَعَ ذَلِكَ دَرَاهِمَ مُسَمَّاةً فَإِنْ كَانَا سَمَّيَا سِهَامًا كَمْ هِيَ سَهْمٌ مِنْ كُلِّ دَارٍ جَازَ؛ لِأَنَّ مَا يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ مَعْلُومٌ لَهُ،
-
وَإِنْ لَمْ يُسَمِّيَا ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِجَهَالَةِ مَا يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهَذِهِ جَهَالَةُ تُفْضِي إلَى تَمَكُّنِ الْمُنَازَعَةِ بَيْنَهُمَا فِي الثَّانِي وَإِنْ سَمَّيَا مَكَانَ السِّهَامِ أَذْرُعًا مُسَمَّاةً مُكَسَّرَةً جَازَ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَلَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَصْلُ الْخِلَافِ فِيمَا ذَكَرْنَا فِي الْبُيُوعِ إذَا بَاعَ ذِرَاعًا فِي عَشَرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ فَالْقِسْمَةُ نَظِيرُ الْبَيْعِ فِي ذَلِكَ.
-
دَارَانِ بَيْنَ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ اقْتَسَمُوهَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا إحْدَى الدَّارَيْنِ وَالثَّانِي الدَّارَ الْأُخْرَى عَلَى أَنْ يَرُدَّ الَّذِي أَخَذَ الدَّارَ الْكُبْرَى عَلَى الَّذِي لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا دَرَاهِمَ مُسَمَّاةً فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى نَصِيبَ الشَّرِيكِ الثَّالِثِ بِمَا أَعْطَاهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَلَوْ اشْتَرَى نَصِيبَ الشَّرِيكَيْنِ جَمِيعًا بِالدَّرَاهِمِ جَازَ، فَكَذَا إذَا اشْتَرَى نَصِيبَ أَحَدِهِمَا،
-
ثُمَّ قَاسَمَ الشَّرِيكَ الْآخَرَ عَلَى قَدْرِ مِلْكِهَا فِي الدَّارَيْنِ، وَذَلِكَ مُسْتَقِيمٌ أَيْضًا فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الدُّورَ تُقَسَّمُ قِسْمَةً وَاحِدَةً بِالتَّرَاضِي،
-
وَكَذَلِكَ إنْ أَخَذَ الدَّارَ الْكُبْرَى اثْنَانِ مِنْهُمْ وَأَخَذَ الثَّالِثُ الدَّارَ الصُّغْرَى وَإِذَا كَانَتْ دَارًا وَاحِدَةً بَيْنَهُمْ وَأَخَذَهَا اثْنَانِ مِنْهُمْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَائِفَةً مَعْلُومَةً عَلَى أَنْ يَرُدَّا عَلَى الثَّالِثِ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَيَا نَصِيبَهُ بِمَا نَفَّذَا لَهُ مِنْ الدَّاهِمِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَطُوا عَلَى أَحَدِهِمَا ثُلُثَيْ الدَّرَاهِمِ لِفَضْلٍ فِي مَنْزِلِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُشْتَرِيًا ثُلُثَيْ نَصِيبِ الثَّالِثِ وَصَاحِبُهُ الثُّلُثُ.
-
وَكَذَلِكَ دَارٌ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ اقْتَسَمَاهَا نِصْفَيْنِ عَلَى أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ عَبْدًا بِعَيْنِهِ عَلَى أَنْ زَادَهُ الْآخَرُ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْعَبْدِ عِوَضٌ عَنْ الْمِائَةِ الدَّرَاهِمِ وَبَعْضُهُ عِوَضٌ عَمَّا أَخَذَ مَالِكُ الْعَبْدِ مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِهِ بِالْقِسْمَةِ مِنْ الدَّارِ، وَذَلِكَ مُسْتَقِيمٌ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ اقْتَسَمَاهَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا الْبِنَاءَ وَأَخَذَ آخَرُ الْخَرَابَ عَلَى أَنْ يَرُدَّ صَاحِبُ الْبِنَاءِ عَلَى الْآخَرِ دَرَاهِمَ مُسَمَّاةً فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ بَعْضَ مَا أَخَذَ مِنْ الْبِنَاءِ عِوَضٌ مُسْتَحَقٌّ لَهُ بِالْقِسْمَةِ وَبَعْضُهُ مَبِيعٌ لَهُ بِمَا
-
نَقَدَ مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَخَذَ أَحَدُهُمَا السُّفْلَ وَالْآخَرُ الْعُلُوَّ وَاشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ دَرَاهِمَ مُسَمَّاةً؛ لِأَنَّ السُّفْلَ مَعَ الْعُلُوِّ كَالْبَيْتَيْنِ الْمُتَجَاوِرَيْنِ يَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ اشْتِرَاطُ فَضْلِ الدَّرَاهِمِ عَلَى أَحَدِهِمَا فِي قِسْمَةِ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ شَرْطُ ذَلِكَ عَلَى صَاحِبِ الْعُلُوِّ أَوْ عَلَى صَاحِبِ السُّفْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
بَابُ قِسْمَةِ الدُّورِ بِتَفْضِيلِ بَعْضِهَا عَلَى الْبَعْضِ بِغَيْرِ دَرَاهِمَ
-
(قَالَ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَاقْتَسَمَاهَا فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا مُقَدَّمَهَا وَهُوَ الثُّلُثُ وَالْآخَرُ أَخَذَ مُؤَخَّرَهَا وَهُوَ الثُّلُثَانِ جَازَ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْقِسْمَةِ الْمُعَادَلَةُ فِي الْمَالِيَّةِ وَالْمَنْفَعَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى مَعَ اعْتِبَارِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْمِسَاحَةِ وَمَالِيَّةُ مُقَدَّمِ الدَّارِ فَوْقَ مَالِيَّةِ مُؤَخَّرِهَا لِكَثْرَةِ الرَّغْبَةِ فِي الْمُقَدَّمِ دُونَ الْمُؤَخَّرِ وَتَتَفَاوَتُ الْمَنْفَعَةُ بِحَسْبِ ذَلِكَ فَالْقِسْمَةُ لَا تَخْلُو فِي الْعَادَةِ عَنْ التَّفَاوُتِ فِي الْمِسَاحَةِ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ ضَرَرًا وَإِنَّمَا الضَّرَرُ بِالتَّفَاوُتِ فِي الْمَنْفَعَةِ وَالْمَالِيَّةِ فَفِي ذَلِكَ تُعْتَبَرُ الْمُعَادَلَةُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا فَأَخَذَ صَاحِبُ الثُّلُثِ نَصِيبَهُ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّارِ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ حَقِّهِ فَهُوَ جَائِزٌ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ لِوُجُودِ التَّرَاضِي مِنْهُمَا وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمَالَ الَّذِي لَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا يُعْتَبَرُ لِجَوَازِ الْمُبَايَعَةِ فِيهِ الْمُرَاضَاةُ، فَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الَّذِي وَقَعَ فِي قِسْمِ الْآخَرِ لَيْسَتْ لَهُ غَلَّةٌ فَهُوَ جَائِزٌ؛
-
لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهِ لِغَرَضٍ لَهُ وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي النَّظَرِ لِنَفْسِهِ فِيهِ وَلَوْ اشْتَرَاهُ بِمَالٍ عَظِيمٍ جَازَ شِرَاؤُهُ، فَكَذَلِكَ إذَا اخْتَارَ أَحَدُهُمَا أَخْذَهُ فِي الْقِسْمَةِ بِقِسْمِهِ
-
وَإِذَا اقْتَسَمَا دَارًا بَيْنَهُمَا عَلَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَائِفَةً مِنْ الدَّارِ عَلَى أَنْ رَفَعَا طَرِيقًا بَيْنَهُمَا وَلِأَحَدِهِمَا ثُلُثُهُ وَلِلْآخَرِ ثُلُثَاهُ فَهَذَا جَائِزٌ،
-
وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي الْأَصْلِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ رَقَبَةَ الطَّرِيقِ مِلْكٌ لَهُمَا مَحَلٌّ لِلْمُعَاوَضَةِ فَقَدْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا لِنَفْسِهِ بَعْضَ نَصِيبِ صَاحِبِهِ مِنْ الطَّرِيقِ عِوَضًا عَنْ بَعْضِ مَا سَلَّمَ إلَيْهِ مِنْ نَصِيبِهِ فِي الْمَنْزِلِ الَّذِي أَخَذَهُ صَاحِبُهُ بِالْقِسْمَةِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ،
-
وَإِنْ أَخَذَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْهُمَا يَكُونُ قَدْرَ الثُّلُثِ وَأَخَذَ الْآخَرَ طَائِفَةً تَكُونُ قَدْرَ النِّصْفِ وَرَفَعَا طَرِيقًا بَيْنَهُمَا يَكُونُ مِقْدَارَ السُّدُسِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُمَا نَفَيَا شَرِكَتَهُمَا فِي مَوْضِعِ الطَّرِيقِ وَقَسَّمَا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ عَلَى الْأَخْمَاسِ فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِهِ وَالْآخَرُ خُمْسَهُ وَلَوْ قَسَّمَا الْكُلَّ بَيْنَهُمَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ جَازَ، فَكَذَلِكَ إذَا اقْتَسَمَا الْبَعْضَ وَبَقِيَا شَرِكَتَهُمَا فِي الْبَعْضِ لِيَكُونَ ذَلِكَ طَرِيقًا لَهُمَا وَلَوْ اشْتَرَطَا أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ مِسَاحَةِ مَا فِي أَيْدِيهِمَا فَهُوَ جَائِزٌ؛
-
لِأَنَّهُمَا لَوْ قَسَّمَا الْكُلَّ عَلَى هَذِهِ الْمِسَاحَةِ
-
جَازَ، فَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَطَا أَنْ يَتْرُكَاهُ مُشْتَرَكًا لِلطَّرِيقِ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ هَذِهِ الْمِسَاحَةِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ شَرَطَا أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ لِصَاحِبِ الْأَقَلِّ وَيَكُونُ لِلْآخَرِ مَمَرُّهُ فِيهِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الطَّرِيقِ مَمْلُوكٌ لَهُمَا فَقَدْ حَصَّلَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْ عَيْنِ الطَّرِيقِ لِصَاحِبِهِ عِوَضًا عَنْ بَعْضِ مَا أَخَذَهُ مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِهِ بِالْقِسْمَةِ وَلَكِنْ بَقِيَ لِنَفْسِهِ حَقُّ الْمَمَرِّ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ بِالشَّرْطِ كَمَنْ بَاعَ طَرِيقًا مَمْلُوكًا لَهُ مِنْ غَيْرِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ حَقُّ الْمَمَرِّ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بِمِثْلِهِ بَيْعُ السُّفْلِ عَلَى أَنْ يَكُونَ حَقُّ الْقَرَارِ الْعُلُوِّ لَهُ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَالطَّرِيقُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ مَا وَرِثَا؛ لِأَنَّهُمَا نَفَيَا شَرِكَتَهُمَا فِي قَدْرِ الطَّرِيقِ فَيَبْقَى فِي هَذَا الْجُزْءِ عَيْنُ مَا كَانَ لَهُمَا مِنْ الشَّرِكَةِ فِي الْكُلِّ.
-
وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَبَيْنَهُمَا شِقْصٌ مِنْ دَارٍ أُخْرَى فَاقْتَسَمَاهَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا الدَّارَ وَالْآخَرُ الشِّقْصَ وَلَمْ يُسَمِّيَا سِهَامَ الشِّقْصِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لِلْجَهَالَةِ فَإِنْ أَقَرَّا أَنَّهُمَا كَانَ يَعْرِفَانِ كَمْ هُوَ يَوْمَ اقْتَسَمَا فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ عَيْنَ التَّسْمِيَةِ فِي الْعَقْدِ غَيْرُ مَقْصُودَةٌ بَلْ الْمَقْصُودُ إعْلَامُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِهَا وَقَدْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا لَهُمَا،
-
وَإِنْ عَرَفَ ذَلِكَ أَحَدُهُمَا وَجَهِلَهُ الْآخَرُ فَالْقِسْمَةُ مَرْدُودَةٌ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى نَصِيبَ فُلَانٍ مِنْ الدَّارِ فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي يَعْلَمُ كَمْ نَصِيبُهُ جَازَ الْبَيْعُ،
-
وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ يَعْلَمُ ذَلِكَ دُونَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَيَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِي الْقِسْمَةِ عَلَى ذَلِكَ التَّفْصِيلِ أَيْضًا وَقِيلَ بَلْ هَذَا الْجَوَابُ صَحِيحٌ فِي الْقِسْمَةِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا؛
-
لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْقِسْمَةِ الْمُعَادَلَةُ فِي الْمَنْفَعَةِ وَالْمَالِيَّةِ وَلَا يَصِيرُ ذَلِكَ مَعْلُومًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا إذَا كَانَ الشِّقْصُ مَعْلُومًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ فَلِهَذَا قُلْنَا إذَا جَهِلَ أَحَدُهُمَا ذَلِكَ فَالْقِسْمَةُ مَرْدُودَةٌ فَأَمَّا الْبَيْعُ عَقْدُ مُعَايَنَةٍ يُقْصَدُ لِلِاسْتِرْبَاحِ وَالْمُشْتَرِي هُوَ الَّذِي يَقْبِضُ الْمَبِيعَ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِقْدَارُهُ مَعْلُومًا لَهُ فَأَمَّا حَقُّ الْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ مَعْلُومٌ فَلِتَحْقِيقِ هَذَا الْمَعْنَى يَظْهَرُ الْفَرْقُ.
-
وَإِذَا اقْتَسَمَ الرَّجُلَانِ دَارًا عَلَى أَنْ أَخَذَ أَحَدُهُمَا الثُّلُثَ مِنْ مُؤَخَّرِهَا بِجَمِيعِ حَقِّهِ وَأَخَذَ الثُّلُثَيْنِ مِنْ مُقَدَّمِهَا بِحَقِّهِ فَهُوَ جَائِزٌ،
-
وَإِنْ كَانَ فِيهِ غَبْنٌ؛ لِأَنَّهُمَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ وَالْقِسْمَةُ نَظِيرُ الْبَيْعِ فَلَا يُمْتَنَعُ جَوَازُهَا بِسَبَبِ الْغَبْنِ عِنْدَ تَمَامِ التَّرَاضِي مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عَلَيْهِ وَمَا لَمْ تَقَعْ الْحُدُودُ بَيْنَهُمَا وَالتَّرَاضِي بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ كَمَا فِي الْبَيْعِ قَبْلَ تَمَامِ الْعَقْدِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ، فَكَذَلِكَ فِي الْقِسْمَةِ وَتَمَامُ الْقِسْمَةِ بِوُقُوعِ الْحُدُودِ بَيْنَهُمَا وَإِذَا كَانَتْ أَقْرِحَةُ الْأَرْضِ مُتَفَرِّقَةً بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَهِيَ كَالدُّورِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُقَسَّمُ كُلُّ قَرَاحٍ بَيْنَهُمَا
-
عَلَى حِدَةٍ إلَّا إذَا تَرَاضَيَا عَلَى أَنْ يَقْسِمَا الْكُلَّ قِسْمَةً وَاحِدَةً وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَنْظُرُ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ فَيَقْسِمُهَا بَيْنَهُمْ عَلَى أَعْدَلِ الْوَجْهَيْنِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُمَا فِي الدُّورِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْأَرَاضِيَ الْمُتَفَرِّقَةَ تَتَفَاوَتُ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُمَا فِي الْعِلَّةِ وَالصَّلَاحِيَّةِ لِلرَّطْبَةِ وَالْكَرْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ تَفَاوُتِ الدُّورِ الْمُتَفَرِّقَةِ تَتَفَاوَتُ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا أَوْ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ فَكَمَا أَنَّ هُنَاكَ لِتَعَذُّرِ الْمُعَادَلَةِ فِي الْمَنْفَعَةِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تُقْسَمُ كُلُّ دَارٍ عَلَى حِدَةٍ، فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي الْأَقْرِحَةِ.
-
وَإِذَا كَانَتْ الْقَرْيَةُ مِيرَاثًا بَيْنَ قَوْمٍ اقْتَسَمُوهَا فَأَصَابَ أَحَدُهُمْ قِرَاحَ وَغَلَّاتٍ فِي قِرَاحٍ وَأَصَابَ الْآخَرُ قَرْحَا كَرْمٍ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْقِسْمَةِ يَعْتَمِدُ الرِّضَا وَمَا أَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرَ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ فَيَجُوزُ اسْتِحْقَاقُهُ بِالْقِسْمَةِ أَيْضًا وَاذَا أَصَابَ بَعْضَهُمْ بُسْتَانٌ وَكَرْمٌ وَبُيُوتٌ وَكَتَبُوا فِي الْقِسْمَةِ بِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَهَا أَوْ لَمْ يَكْتُبُوا ذَلِكَ فَلَهُ مَا فِيهَا مِنْ الشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الثَّمَرُ وَالزَّرْعُ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ فِي الْبَيْعِ فَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْقِسْمَةِ،
-
وَإِنْ كَتَبُوا بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ هُوَ فِيهَا أَوْ مِنْهَا دَخَلَ ذَلِكَ فِي الْقِسْمَةِ وَفِي كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ قَالَ: لَا يَدْخُلُ الزَّرْعُ وَالثَّمَرُ بِهَذَا اللَّفْظِ وَلَكِنْ قَالَ هُنَاكَ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ هُوَ فِيهَا وَمِنْهَا مِنْ حُقُوقِهَا فِيمَا ذَكَرَ فِي آخِرِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمُرَادَ إدْخَالُ الطَّرِيقِ وَالشُّرْبِ دُونَ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ وَهُنَاكَ أَطْلَقَ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ هُوَ فِيهَا أَوْ مِنْهَا وَالثَّمَرُ وَالزَّرْعُ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فَعِنْدَ إطْلَاقِ اللَّفْظِ تَدْخُلُ فِي الْقِسْمَةِ وَمَنْ جَعَلَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ فَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ.
-
وَإِذَا اقْتَسَمَ نَفَرٌ بَيْنَهُمْ أَرْضًا عَلَى أَنْ لَا طَرِيقَ لَهُمْ وَلَا شُرْبَ وَرَضُوا بِذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ لِوُجُودِ التَّرَاضِي مِنْهُمْ عَلَى الْتِزَامِ الضَّرَرِ إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: الْقَاضِي لَا يَشْتَغِلُ بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ،
-
وَإِنْ تَرَاضَوْا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَشْتَغِلُ بِمَا لَا يُفِيدُ وَلَكِنْ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْ ذَلِكَ كَمَا لَوْ طَلَبُوا مِنْ الْقَاضِي قِسْمَةَ الْحَمَّامِ بَيْنَهُمْ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ،
-
وَإِنْ فُعِلَ بِتَرَاضِيهِمْ لَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْ ذَلِكَ.
-
وَإِنْ كَانَتْ أَرْضٌ بَيْنَ قَوْمٍ لَهُمْ نَخْلٌ فِي غَيْرِ أَرْضِهِمْ فَاقْتَسَمُوا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ اثْنَانِ مِنْهُمْ الْأَرْضَ وَأَخَذَ الثَّالِثُ النَّخِيلَ بِأُصُولِهَا فَهَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّ النَّخْلَةَ بِمَنْزِلَةِ الْحَائِطِ مِنْهَا وَلَوْ شَرَطَ لِأَحَدِهِمْ فِي الْقِسْمَةِ حَائِطًا يَنْصِبُهُ جَازَ، فَكَذَلِكَ النَّخْلَةُ،
-
وَإِنْ شَرَطُوا أَنَّ لِفُلَانٍ هَذِهِ الْقِطْعَةَ وَهَذِهِ النَّخْلَةَ وَهُوَ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْقِطْعَةِ وَلِلْآخَرِ قِطْعَةٌ وَلِلثَّالِثِ الْقِطْعَةُ الَّتِي فِيهَا تِلْكَ النَّخْلَةُ فَأَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ النَّخْلَةَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَالنَّخْلَةُ لِصَاحِبِهَا بِأَصْلِهَا؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ النَّخْلَةَ كَالْحَائِطِ وَتَسْمِيَةُ الْحَائِطِ فِي الْقِسْمَةِ يَسْتَحِقُّهُ بِأَصْلِهِ، فَكَذَلِكَ تَسْمِيَةُ النَّخْلَةِ وَهَذَا؛
-
لِأَنَّهَا نَخْلَةٌ مَا لَمْ تُقْطَعْ فَأَمَّا بَعْدَ الْقَطْعِ هُوَ جِذْعٌ فَمِنْ ضَرُورَةِ
-
اسْتِحْقَاقِ النَّخْلَةِ اسْتِحْقَاقُ أَصْلِهَا.
-
وَكَذَلِكَ عَلَى هَذَا لَوْ أَقَرَّ لِإِنْسَانٍ بِنَخْلَةٍ اسْتَحَقَّهَا بِأَصْلِهَا وَذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ فِي الْبَيْعِ اخْتِلَافًا بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَالَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَسْتَحِقُّهَا بِأَصْلِهَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَسْتَحِقُّ بِأَصْلِهَا إلَّا بِالذِّكْرِ فَقِيلَ الْجَوَابُ فِي الْإِقْرَارِ كَالْجَوَابِ فِي الْبَيْعِ عَلَى الْخِلَافِ فَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُسَوِّي بَيْنَ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا فَنَقُولُ فِي الْقِسْمَةِ بَعْضُ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِ مِلْكُهُ وَأَصْلُ مِلْكِهِ فِيهَا نَخْلَةٌ وَإِنَّمَا تَكُونُ نَخْلَةً قَبْلَ الْقَطْعِ فَمِنْ ضَرُورَةِ اسْتِحْقَاقِهِ الْبَعْضَ بِأَصْلِهِ اسْتِحْقَاقُ جَمِيعِ النَّخْلَةِ بِأَصْلِهَا،
-
وَكَذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ فَهُوَ إخْبَارٌ بِمِلْكِ النَّخْلَةِ لَهُ وَإِنَّمَا تَكُونُ نَخْلَةً بِأَصْلِهَا فَأَمَّا الْبَيْعُ إيجَابُ مِلْكٍ مُبْتَدَأٍ فَلَا يَسْتَحِقُّ بِهِ إلَّا الْمُسَمَّى فِيهِ وَالنَّخْلَةُ اسْمٌ؛ لِمَا ارْتَفَعَ مِنْ الْأَرْضِ لَا الْأَرْضِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الْمِلْكُ ابْتِدَاءً فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَرْضِ بِتَسْمِيَةِ النَّخْلَةِ فِي الْبَيْعِ؛
-
فَلِهَذَا يَشْتَرِطُ فِيهِ ذِكْرُ الْأَصْلِ فَإِنْ قَطَعَهَا فَلَهُ أَنْ يَغْرِسَ مَكَانَهَا مَا بَدَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَحَقَّ لَهُ ذَلِكَ مِنْ الْأَرْضِ فَكَمَا كَانَ لَهُ أَنْ يُبْقِيَ الْأُولَى فِيهَا قَبْلَ الْقَطْعِ، فَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يَغْرِسَ مَكَانَهَا أُخْرَى فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَمُرَّ إلَيْهَا فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الْأَرْضِ فَالْقِسْمَةُ فَاسِدَةٌ؛
-
لِأَنَّهَا وَقَعَتْ عَلَى الضَّرَرِ فَلَا طَرِيقَ لَهُ إلَى نَخْلَتِهِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْقِسْمَةَ مَتَى وَقَعَتْ عَلَى ضَرَرٍ فَهِيَ فَاسِدَةٌ وَأَنَّ الطَّرِيقَ الْخَاصَّ لَا يَدْخُلُ إلَّا بِذِكْرِ الْحُقُوقِ وَالْمَرَافِقِ فَإِنْ كَانُوا ذَكَرُوا فِي الْقِسْمَةِ بِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَهَا فَالْقِسْمَةُ جَائِزَةٌ وَلَهُ الطَّرِيقُ إلَى نَخْلَتِهِ؛
-
لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى شَرْطِ الْحُقُوقِ وَالْمَرَافِقِ وَلَا يَقْصِدُ بِهَذَا اللَّفْظِ إلَّا شَرْطَ الطَّرِيقِ فَكَأَنَّهُ شَرَطَ الطَّرِيقَ إلَى نَخْلَتِهِ أَيْضًا.
-
وَإِذَا كَانَتْ قَرْيَةٌ وَأَرْضٌ وَرَحَا مَاءٍ بَيْنَ نَفَرٍ فَاقْتَسَمُوهَا فَأَصَابَ رَجُلٌ الرَّحَّاءَ وَأَصَابَ الْآخَرُ أَقْرِحَةً مَعْلُومَةً وَأَصَابَ الْآخَرُ بُيُوتًا وَأَقْرِحَةً فَاقْتَسَمُوهَا بِكُلِّ حَقٍّ هُوَ فَأَرَادَ صَاحِبُ النَّهْرِ أَنْ يَمُرَّ إلَى نَهْرِهِ فِي أَرْضِ قِسْمَةٍ فَمَنَعَهُ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ وَلَهُ الطَّرِيقُ إلَى نَهْرِهِ إذَا كَانَ نَهْرُهُ فِي وَسَطِ أَرْضِ هَذَا وَلَا يَخْلُصُ إلَيْهِ إلَّا بِذَلِكَ؛
-
لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِنَهْرِهِ مَا لَمْ يَخْلُصْ إلَيْهِ وَلَا طَرِيقَ لَهُ إلَى ذَلِكَ إلَّا فِي أَرْضِ قَسِيمِهِ وَقَدْ اشْتَرَطَ فِي الْقِسْمَةِ كُلَّ حَقٍّ هُوَ لَهَا فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا شَرَطَ ذَلِكَ لِأَجْلِ هَذَا الطَّرِيقِ وَالطَّرِيقُ بِالشَّرْطِ يَصِيرُ مُسْتَحَقًّا لَهُ فِي نَصِيبِ قَسِيمِهِ،
-
وَإِنْ كَانَ النَّهْرُ مُنْعَرِجًا مَعَ حَدِّ الْأَرْضِ لَهُ طَرِيقٌ إلَيْهِ فِي غَيْرِ الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمُرَّ فِي أَرْضِ هَذَا؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لِتَمْيِيزِ مِلْكِ أَحَدِهِمَا مِنْ مِلْكِ الْآخَرِ وَتَمَامُ ذَلِكَ بِأَنْ لَا يَبْقَى لِأَحَدِهِمَا حَقٌّ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ وَإِتْمَامُ الْقِسْمَةِ فِي هَذَا الْفَصْلِ مُمْكِنٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الطَّرِيقَ بِذِكْرِ الْحُقُوقِ وَالْمَرَافِقِ وَفِي الْأَوَّلِ
-
لَا يُمْكِنُ إتْمَامُ الْقِسْمَةِ بَيْنَهُمَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَيُجْعَلُ الطَّرِيقُ مُسْتَحَقًّا لَهُ بِذِكْرِ الْحُقُوقِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا الْفَرْقِ فِي الْبَيْتِ وَالصِّفَةِ،
-
وَإِنْ كَانَ فِي وَسَطِ أَرْضِ هَذَا وَلَمْ يَشْتَرِطُوا الْمَرَافِقَ وَالطَّرِيقَ وَلَا كُلَّ حَقٍّ هُوَ لَهَا وَلَا كُلَّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ هُوَ فِيهَا أَوْ مِنْهَا فَلَا طَرِيقَ لَهُ فِي أَرْضِ هَذَا؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ فِي نَصِيبِ قَسِيمِهِ حَقًّا مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فِي الْقِسْمَةِ وَالْقِسْمَةُ فَاسِدَةٌ؛
-
لِأَنَّهَا وَقَعَتْ عَلَى ضَرَرٍ إلَّا أَنْ يَقْدِرَ عَلَى أَنْ يَمُرَّ فِي بَطْنِ النَّهْرِ بِأَنْ انْكَشَفَ الْمَاءُ عَنْ مَوْضِعٍ مِنْ النَّهْرِ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى هَذَا فَالْقِسْمَةُ جَائِزَةٌ وَطَرِيقُهُ فِي بَطْنِ النَّهْرِ لِيُمْكِنَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِنَصِيبِهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَطَرِيقُهُ لَا فِي بَطْنِ النَّهْرِ زِيَادَةُ مَنْفَعَةٍ لَهُ وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ فَلَا يَسْتَحِقُّهُ وَلَا تَبْطُلُ الْقِسْمَةُ لِأَجْلِهِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِنَصِيبِهِ؛
-
لِأَنَّ حِرْمَانَهُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ بِتَرْكِهِ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ عِنْدَ الْقِسْمَةِ
-
وَإِنْ كَانَ لِلنَّهْرِ مُسَنَّاةٌ مِنْ جَانِبَيْهِ يَكُونُ طَرِيقُهُ عَلَيْهَا فَهُوَ جَائِزٌ وَطَرِيقُهُ عَلَيْهَا دُونَ أَرْضِ صَاحِبِهِ،
-
وَإِنْ ذَكَرَ الْحُقُوقَ فِي الْقِسْمَةِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالنَّهْرِ بِالتَّطَرُّقِ عَلَى مُسِنَّاتِهِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا الْمُسَنَّاةَ فِي الْقِسْمَةِ فَاخْتَلَفَ صَاحِبُ النَّهْرِ وَالْأَرْضِ فِيهَا فَهِيَ لِصَاحِبِ النَّهْرِ لِمُلْتَقَى طِينِهِ وَطَرِيقِهِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُوَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى مَسْأَلَةِ كِتَابِ الشُّرْبِ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا حَرِيمَ لِلنَّهْرِ وَعِنْدَهُمَا لِلنَّهْرِ حَرِيمٌ مِنْ جَانِبَيْهِ مِثْلُ عَرْضِ بَطْنِ النَّهْرِ فَإِذَا كَانَ عِنْدَهُمَا لِلنَّهْرِ حَرِيمٌ كَانَ اشْتِرَاطُ النَّهْرِ لِأَحَدِهِمَا فِي الْقِسْمَةِ اشْتِرَاطًا لِحَرِيمِهِ لَهُ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا حَرِيمَ لِلنَّهْرِ وَقَدْ جَعَلَا فِي الْقِسْمَةِ النَّهْرَ حَدًّا لِمِلْكِ صَاحِبِهِ وَالْمُسَنَّاةُ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ يَصْلُحُ؛
-
لِمَا يَصْلُحُ لَهُ الْأَرْضُ مِنْ الْغَرْسِ وَالزِّرَاعَةِ وَلَا يَصْلُحُ؛ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ مِنْ إجْرَاءِ الْمَاءِ فِيهِ فَيَكُونُ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَوْلَى بِهِ
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلنَّهْرِ طَرِيقٌ إلَّا فِي أَرْضٍ لِقَسِيمِهِ وَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ لَا طَرِيقَ لَهُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ فَهُوَ جَائِزٌ وَلَا طَرِيقَ لَهُ إذَا عَلِمَ يَوْمئِذٍ أَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ؛ لِأَنَّ فَسَادَ الْقِسْمَةِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ وَقَدْ رَضِيَ هُوَ بِالْتِزَامِ الضَّرَرِ، وَالشَّرْطُ أَمْلَكُ،
-
وَكَذَلِكَ النَّخْلَةُ وَالشَّجَرَةُ نُصِبَتْ إحْدَاهُمَا فِي أَرْضِ الْآخَرِ وَاشْتَرَطَا أَنْ لَا طَرِيقَ لَهُ فِي أَرْضِ صَاحِبِهِ فَهُوَ وَالنَّهْرُ سَوَاءٌ وَلَوْ كَانَ نَهْرٌ يَصُبُّ فِي أَجْمِهِ كَانَ لِصَاحِبِهِ ذَلِكَ الْمَصَبُّ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ مُسْتَعْجِلٌ لَهُ وَقَدْ وَقَعَتْ الْقِسْمَةُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَيُتْرَكُ عَلَى ذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّا فِي جُذُوعٍ لِأَحَدِهِمَا عَلَى حَائِطِ الْآخَرِ فَالْمَصَبُّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحَقًّا لِصَاحِبِ النَّهْرِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ كَالْجُذُوعِ وَإِذَا كَانَ نَهْرٌ لِرَجُلٍ يَمُرُّ فِي مِلْكِ رَجُلٍ آخَرَ فَاخْتَلَفَا فِي مُسَنَّاةٍ عَلَى النَّهْرِ فَهِيَ لِرَبِّ الْأَرْضِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَعِنْدَهُمَا الْمُسَنَّاةُ لِصَاحِبِ النَّهْرِ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى مَسْأَلَةِ
-
حَرِيمِ النَّهْرِ وَعَلَى سَبِيلِ الِابْتِدَاءِ هُمَا يَقُولَانِ لِصَاحِبِ النَّهْرِ فِي الْمُسَنَّاةِ يَدٌ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِعْمَالُ؛ فَإِنَّهُ بِالْمُسَنَّاةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ يَجْرِي مَاؤُهُ فِي النَّهْرِ مُسْتَوِيًا وَالِاسْتِعْمَالُ يَدٌ وَعِنْدَ الْمُنَازَعَةِ الْقَوْلُ قَوْلُ ذِي الْيَدِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الظَّاهِرَ يَشْهَدُ لِرَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْمُسَنَّاةَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ يَصْلُحُ؛
-
لِمَا يَصْلُحُ لَهُ الْأَرْضُ وَمِلْكُ الْآخَرِ فِي النَّهْرِ وَهُوَ الْعُمْقُ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ يَكُونُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ حَيْثُ يَثْبُتُ لِلْآخَرِ اسْتِحْقَاقُهُ بِالْحُجَّةِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَهْدِمَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِالنَّهْرِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَفِيضُ عَدَمَ الْمُسَنَّاةِ فَهُوَ مَمْلُوكٌ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَلِصَاحِبِ النَّهْرِ فِيهِ حَقُّ اسْتِمْسَاكِ الْمَاءِ بِهِ فَلَا يَهْدِمُهَا لِحَقِّهِ كَحَائِطٍ لِإِنْسَانٍ عَلَيْهِ جُذُوعٌ لِآخَرَ لَيْسَ لِصَاحِبِ النَّهْرِ أَنْ يَهْدِمَهُ وَلَكِنْ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَغْرِسَ عَلَى الْمُسَنَّاةِ مَا بَدَا لَهُ؛
-
لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِهِ
-
وَلَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّ صَاحِبِ النَّهْرِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ حَائِطٍ سُفْلُهُ لِرَجُلٍ وَعُلُوُّهُ لِآخَرَ وَلِصَاحِبِ الْعُلُوِّ أَنْ يُحْدِثَ عَلَى عُلُوِّهِ مَا بَدَا لَهُ مَا لَمْ يَضُرَّ بِالسُّفْلِ.
-
وَإِذَا كَانَتْ الْقَرْيَةُ وَالْأَرْضُ بَيْنَ قَوْمٍ اقْتَسَمُوا الْأَرْضَ مِسَاحَةً عَلَى أَنَّ مَنْ أَصَابَهُ شَجَرٌ أَوْ بُيُوتٌ فِي أَرْضِهِ فَهِيَ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهَا دَرَاهِمَ فَهُوَ جَائِزٌ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ بِمَنْزِلَةِ رَجُلَيْنِ يَقْتَسِمَانِ دَارًا عَلَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا أَصَابَهُ مِنْ الْبِنَاءِ بِالْقِيمَةِ فَهُوَ جَائِزٌ،
-
وَإِنْ لَمْ يُسَمِّيَا ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا وَقَدْ بَيَّنَّاهُ قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فِيهَا سَاحَةٌ وَبِنَاءٌ لَهُمَا وَلِآخَرَ فَاقْتَسَمَاهَا عَلَى أَنْ أَخَذَ أَحَدُهُمَا السَّاحَةَ وَأَخَذَ الْآخَرُ مَوْضِعَ الْبِنَاءِ عَلَى أَنَّ الْبِنَاءَ بَيْنَهُمْ عَلَى حَالِهِ،
-
ثُمَّ أَرَادَ الَّذِي أَصَابَهُ السَّاحَةُ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ مِنْ الْبِنَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى صَاحِبِهِ وَلَكِنْ لَهُ قِيمَةُ حَقِّهِ مِنْ ذَلِكَ أُجْبِرُهُ عَلَيْهِ فَإِذَا كُنْت أُجْبِرُهُ عَلَى أَخْذِ الْقِيمَةِ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَهِيَ إذَا كَانَ بِشَرْطٍ أَجْوَزُ،
-
وَإِنْ لَمْ يُسَمِّيَا ذَلِكَ وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الْبِنَاءَ وَصْفٌ لِلسَّاحَةِ وَتَبَعٌ لَهَا فَإِذَا اسْتَوَيَا فِي مِلْكِ الْبَيْعِ وَتَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِمِلْكِ الْأَصْلِ كَانَ لِصَاحِبِ الْأَصْلِ أَنْ يَتَمَلَّكَ عَلَى شَرِيكِهِ مِنْ الْوَصْفِ بِالْقِيمَةِ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ صَبْغَ الْغَيْرِ لَوْ اتَّصَلَ بِثَوْبِ الْغَيْرِ كَانَ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ أَنْ يَتَمَلَّكَ الصَّبْغَ عَلَى صَاحِبِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ وَصْفٌ لِمِلْكِهِ وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْبِنَاءُ كُلُّهُ لِإِنْسَانٍ فِي سَاحَةِ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ صَاحِبَ الْبِنَاءِ يَتَمَكَّنُ مِنْ رَفْعِ بِنَائِهِ مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ بِصَاحِبِ السَّاحَةِ فَلَا يَكُونُ لِصَاحِبِ السَّاحَةِ حَقُّ تَمَلُّكِ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَأَمَّا إذَا كَانَ الْبِنَاءُ مُشْتَرَكًا فَهُوَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ رَفْعِ نَصِيبِهِ مِنْ الْبِنَاءِ بِدُونِ الْإِضْرَارِ بِصَاحِبِ السَّاحَةِ؛
-
لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَرْفَعْ جَمِيعَ الْبِنَاءِ لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ بَيْنَهُمَا؛ فَلِهَذَا كَانَ لِصَاحِبِ الْأَصْلِ أَنْ يَرْفَعَ الضَّرَرَ عَنْ نَفْسِهِ وَيَتَمَلَّكَ نَصِيبَهُ عَلَيْهِ بِضَمَانِ الْقِيمَةِ تَوْضِيحُهُ أَنَّ الْبِنَاءَ تَبَعٌ مِنْ وَجْهٍ حَتَّى يَدْخُلَ فِي
-
بَيْعِ الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ كَالصَّبْغِ فِي الثَّوْبِ وَهُوَ أَصْلٌ مِنْ وَجْهٍ حَتَّى يَجُوزَ بَيْعُهُ عَلَى الِانْفِرَادِ فَيُوَفِّرَ حَظَّهُ عَلَى الشَّبَهَيْنِ فَلِشَبَهِهِ بِمَا هُوَ أَصْلٌ لَا يَكُونُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَتَمَلَّكَ عَلَى صَاحِبِ الْبِنَاءِ جَمِيعَ الْبِنَاءِ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَلِشَبَهِهِ بِالْبَيْعِ يَكُونُ لَهُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَمَلَّكَ نَصِيبَهُ مِنْ الْبِنَاءِ إذَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا
-
وَإِنْ اشْتَرَطُوا ذَلِكَ بِدَنَانِيرَ فَالدَّنَانِيرُ كَالدَّرَاهِمِ فِي أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ إلَّا ثَمَنًا فِي الذِّمَّةِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَطُوا مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا مَوْصُوفًا فِي الذِّمَّةِ فَذَلِكَ ثَمَنٌ بِمُقَابَلَةِ الْعَيْنِ، وَالْبِنَاءُ عَيْنٌ فَاشْتِرَاطُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فِي الذِّمَّةِ بِمُقَابَلَةِ الْبِنَاءِ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ الثَّمَنِ فَهُوَ كَاشْتِرَاطِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ،
-
وَإِنْ شَرَطُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ فَذَلِكَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ يُرَدُّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ مَقْصُودًا فَجَهَالَتُهُ عِنْدَ الْعَقْدِ تَكُونُ مُبْطِلَةً لِلْعَقْدِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مَعْقُودٌ بِهِ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ قِيَامَهُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي عِنْدَ الْعَقْدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةٍ الْعَقْدِ، فَكَذَلِكَ تَرْكُ تَسْمِيَةِ الْمِقْدَارِ فِيهِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْقِسْمَةِ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْقِسْمَةِ إذَا كَانَ مَعْلُومَ الْمِقْدَارِ عِنْدَ تَمَامِ الْقِسْمَةِ فَأَمَّا الْعَيْنُ يَكُونُ مَعْقُودًا عَلَيْهِ وَيُشْتَرَطُ وُجُودُهُ فِي مِلْكِ الْعَاقِدِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى تَسْلِيمِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ، فَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ بِالْإِشَارَةِ إلَى عَيْنِهِ وَهَذَا؛
-
لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا فَهُوَ يَكُونُ مُشْتَرِيًا لِلْعَيْنِ بِقِيمَتِهِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَفِي الثَّمَنِ هُنَا يَقْتَسِمَانِ الْمُشْتَرَكَ بَعْضُهُ بِالْمِسَاحَةِ وَبَعْضُهُ بِالْقِيمَةِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ وَالْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ التِّبْرُ وَالْأَوَانِي الْمَصُوغَةُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ بِعَيْنِهِ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ التِّبْرُ وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَبِيعًا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ فِي كِتَاب الشَّرِكَةِ وَالصَّرْفِ.
-
وَلَوْ أَقَامَتْ الْوَرَثَةُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَوَارِيثِ وَسَأَلُوا الْقَاضِيَ قِسْمَتَهُ وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ وَصَاحِبُ الدَّيْنِ غَائِبٌ لَمْ يَقْسِمْ شَيْئًا مِنْ أَجْنَاسِ التَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمِيرَاثِ، وَالْقِسْمَةُ لِيَتَوَصَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ إلَى الِانْتِفَاعِ بِنَفْسِهِ، وَذَلِكَ لِلْوَرَثَةِ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} فَلَا يَشْتَغِلُ الْقَاضِي بِالْقِسْمَةِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ كَمَا لَا يَشْتَغِلُ بِهِ فِي حَيَاةِ الْمُوَرِّثِ فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ أَقَلَّ مِنْ التَّرِكَةِ فَسَأَلُوهُ أَنْ يُوقِفَ مِنْهَا قَدْرَ الدَّيْنِ وَيَقْسِمَ الْبَاقِيَ؛
-
فَعَلَ ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَفْعَلُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ شَاغِلٌ لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ التَّرِكَةِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ جَمِيعُ التَّرِكَةِ إلَّا مِقْدَارَ الدَّيْنِ كَانَ ذَلِكَ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ وَهَذَا الْقِيَاسُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلِ وَلَكِنَّهُ اُسْتُحْسِنَ، وَقَالَ: قَلَّ مَا تَخْلُو التَّرِكَةُ عَنْ دَيْنٍ يَسِيرٍ وَيَقْبَحُ أَنْ يُوقَفَ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ بِدَيْنِ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَنْظُرَ الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا فَيَقِفُ مِنْ التَّرِكَةِ قَدْرَ الدَّيْنِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ وَيَقْسِمُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ بَيْنَ
-
الْوَرَثَةِ مُرَاعَاةً لِحَقِّهِمْ وَفِيهِ نَظَرٌ لِلْمَيِّتِ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ إنَّ وَارِثَهُ يَقُومُ بِحِفْظِ مَا يُصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ وَيَكُونُ ذَلِكَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ مَا لَمْ يَصِلْ إلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ حَقُّهُ وَلَا يَأْخُذُ كَفِيلًا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَرَأَيْت لَوْ لَمْ يَجِدْ الْوَارِثُ مَنْ يَكْفُلُ عَنْهُ أَوْ لَمْ يَجِدْ الْغَرِيمُ مَنْ يَكْفُلُ عَنْهُ أَيَسَعُ الْقَاضِي إمْسَاكَ حَقِّهِ وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ حَقُّهُ وَإِنَّمَا يَطْلُبُ الْكَفِيلُ بِشَيْءٍ لَمْ يَلْحَقْهُ بَعْدُ وَلَكِنَّهُ يَخَافُ ذَلِكَ وَعَسَى لَا يَلْحَقُهُ شَيْءٌ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
-
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَالَ هَذَا شَيْءٌ احْتَاطَهُ الْقُضَاةُ وَهُوَ جَوْرٌ أَيْ مَائِلٌ عَنْ طَرِيقِ الْقَصْدِ فَقَدْ بَيَّنَّا الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى،
-
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْقَاضِي بِالدَّيْنِ سَأَلَهُمْ هَلْ هِيَ دَيْنٌ أَمْ لَا؟
-
فَإِنْ لَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ وَيَقْسِمُ الْمَالَ بَيْنَهُمْ لِتَمَسُّكِهِمْ بِالْأَصْلِ وَهُوَ فَرَاغُ ذِمَّةِ الْمَيِّتِ عَنْ الدَّيْنِ وَلِأَنَّ الْمَالَ فِي أَيْدِيهمْ فَقَدْ زَعَمُوا أَنَّهُ خَالِصُ حَقِّهِمْ فَيُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُهُمْ مَا لَمْ يَحْضُرْ خَصْمٌ يُنَازِعُهُمْ فَإِنْ ظَهَرَ دَيْنٌ بَعْدَ ذَلِكَ نَقَضَ الْقِسْمَةَ بَيْنَهُمْ؛
-
لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الدَّيْنُ مَعْلُومًا لَمْ يَشْتَغِلْ بِالْقِسْمَةِ، فَكَذَلِكَ إذَا ظَهَرَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقِسْمَةَ كَانَتْ قَبْلَ أَوَانِهَا فَإِنَّ أَوَانَ الْقِسْمَةِ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَسَّمَ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ الدَّيْنِ إلَّا أَنْ يَقْضُوا الدَّيْنَ الَّذِي ظَهَرَ قَبْلَ أَنْ تُنْقَضَ الْقِسْمَةُ فَحِينَئِذٍ لَا يَنْقُضُهَا لِارْتِفَاعِ الْمُوجِبِ لِنَقْضِهَا كَمَا لَا يَنْقُضُ سَائِرَ تَصَرُّفَاتِ الْوَارِثِ إذَا قَضَى الدَّيْنَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ لَحِقَ وَارِثٌ آخَرُ لَمْ يَعْرِفْهُ الشُّهُودُ وَلَمْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ تُنْتَقَضُ فِي كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهَا وَقَعَتْ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ بَعْض الشُّرَكَاءِ وَلَوْ لَمْ تُنْقَضْ الْقِسْمَةُ تَضَرَّرَ بِهِ هَذَا الْوَارِثُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِمَّا وَصَلَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِقْدَارَ نَصِيبِهِ فَيَتَفَرَّقُ نَصِيبُهُ فِي مَوَاضِعَ؛
-
فَلِهَذَا تُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ وَيَسْتَقْبِلُ بَيْنَهُمْ،
-
وَإِنْ أَقَرَّ أَحَدُهُمْ لِرَجُلٍ بِدَيْنٍ وَجَحَدَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ قُسِّمَتْ التَّرِكَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى الْمَوَارِيثِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ الْمَانِعَ مِنْ ذَلِكَ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْجَاحِدِينَ،
-
ثُمَّ يُؤْمَرُ الْمُقِرُّ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ نَصِيبِهِ إذَا كَانَ فِي نَصِيبِهِ وَفَاءٌ بِذَلِكَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقْضِي مِنْ نَصِيبِهِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَسْأَلَةَ فِي الْإِقْرَارِ.
-
وَلَوْ قَسَّمَ الْقَاضِي التَّرِكَةَ بَيْنَهُمْ،
-
ثُمَّ أَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنْ الْمَيِّتَ أَوْصَى لَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَهِيَ تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ فَالْقِسْمَةُ تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمَالِ الْمُرْسَلِ إذَا كَانَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ يَسْتَحِقُّ سَابِقًا عَلَى الْمِيرَاثِ كَالدَّيْنِ فَظُهُورُ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ كَظُهُورِ الدَّيْنِ فَإِنْ غَرِمَ الْوَارِثُ هَذِهِ الْأَلْفَ مِنْ مَالِهِمْ مَضَتْ الْقِسْمَةُ لِوُصُولِ حَقِّ الْمُوصَى لَهُ بِكَمَالِهِ إلَيْهِ كَمَا لَوْ قَضَوْا الدَّيْنَ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَضَى ذَلِكَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَرْجِعْ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ وَهُوَ سَوَاءٌ فِي الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ،
-
وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِمْ لَمْ تَجُزْ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّ قِيَامَ حَقِّهِ فِي التَّرِكَةِ كَقِيَامِ حَقِّ صَاحِبِ الدَّيْنِ وَالْمُوصَى لَهُ
-
قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَهُ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْقِسْمَةِ إلَّا أَنْ يَقْضُوهُ بِالْحِصَصِ فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ قَبْلَ نَقْضِ الْقِسْمَةِ فَالْقِسْمَةُ مَا فِيهِ وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الْوَصِيَّةِ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِالثُّلُثِ أُبْطِلَتْ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ شَرِيكُ الْوَرَثَةِ فِي التَّرِكَةِ حَتَّى تَزْدَادَ حِصَّتُهُ بِزِيَادَةِ التَّرِكَةِ وَتَنْقُصُ بِنُقْصَانِ التَّرِكَةِ فَثُبُوتُ وَصِيَّتِهِ بِالْبَيِّنَةِ كَظُهُورِ وَارِثٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا وَقْتَ الْقِسْمَةِ فَتُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ لِحَقِّهِ
-
وَإِذَا كَانَتْ الْقَرْيَةُ وَأَرْضُهَا بَيْنَ رَجُلَيْنِ بِالشِّرَاءِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَتَرَكَ نَصِيبَهُ مِيرَاثًا فَأَقَامَ وَرَثَتُهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِيرَاثِ وَعَلَى الْأَصْلِ وَشَرِيكُ أَبِيهِمْ غَائِبٌ لَمْ يَقْسِمْ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ؛ لِأَنَّ حُضُورَ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ كَحُضُورِ الْمَيِّتِ وَلَوْ كَانَ حَيًّا وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الشَّرِكَةِ فِي الْمُشْتَرَاةِ أَنَّ غَيْبَةَ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ يَمْنَعُ الْقَاضِيَ مِنْ الْقِسْمَةِ،
-
وَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الشِّرَاءِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَلَوْ حَضَرَ الْغَائِبُ وَغَابَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ قَسَمْتُهَا بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ مَنْ حَضَرَ مِنْ الْوَرَثَةِ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَيِّتِ وَحُضُورُهُ كَحُضُورِ الْمَيِّتِ لَوْ كَانَ حَيًّا وَلِأَنَّ بَعْضَ الْوَرَثَةِ فِي التَّرِكَةِ خَصْمٌ عَنْ الْبَعْضِ وَحُضُورُ بَعْضِهِمْ كَحُضُورِ جَمَاعَةٍ أَمَّا وَارِثُ الْمَيِّتِ لَا يَكُونُ خَصْمًا عَنْ شَرِيكِهِ الْمُشْتَرِي مَعَهُ؛
-
فَلِهَذَا لَا يَشْتَغِلُ بِالْقِسْمَةِ عِنْدَ غَيْبَةِ الشَّرِيكِ.
-
وَلَوْ كَانَ الْأَصْلُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِيرَاثًا مِنْ أَبِيهِمَا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَتَرَكَ نَصِيبَهُ مِيرَاثًا بَيْنَ وَرَثَتِهِ فَحَضَرُوا وَغَابَ عَنْهُمْ وَأَقَامُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى أُصُولِ مِيرَاثِ الْجَدِّ قَسَمْتَهَا بَيْنَهُمْ وَيُعْزَلُ نَصِيبُ عَمِّهِمْ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَمُّهُمْ حَاضِرًا وَغَابَ بَعْضُ بَنِي أَخِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مِيرَاثٌ هُنَا وَفِي الْمِيرَاثِ بَعْضُ الْوَرَثَةِ يَكُونُ خَصْمًا عَنْ الْبَعْضِ فَيُجْعَلُ حُضُورُ بَعْضِهِمْ كَحُضُورِ جَمَاعَتِهِمْ لِلْقِسْمَةِ عِنْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَيُعْزَلُ نَصِيبُ كُلِّ غَائِبٍ مِنْ ذَلِكَ كَمَا لَوْ كَانَتْ الشَّرِكَةُ بِالْمِيرَاثِ بَيْنَهُمْ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ.
-
وَإِذَا اقْتَسَمَ الْقَوْمُ الْقَرْيَةَ وَهِيَ مِيرَاثٌ بِغَيْرِ قَضَاءِ قَاضٍ وَفِيهِمْ صَغِيرٌ لَيْسَ لَهُ وَصِيٌّ أَوْ غَائِبٌ لَيْسَ لَهُ وَكِيلٌ لَمْ تَجُزْ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُمْ عَلَى الْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ نَظَرَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ فَوْقَ نَظَرِهِمْ لِلْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ
-
بِخِلَافِ الْقَاضِي إذَا قَسَّمَ بَيْنَهُمْ فَلَهُ وِلَايَةُ النَّظَرِ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْغَائِبِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَنْظُرُ لَهُ شَفَقَةً لِحَقِّ الدِّينِ بِعَجْزِهِ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ اقْتَسَمُوهَا بِأَمْرِ صَاحِبِ الشَّرْطِ أَوْ عَامِلٍ غَيْرِ الْقَاضِي كَالْعَامِلِ عَلَى الرُّسْتَاقِ أَوْ الطَّسُّوجِ عَلَى الْخَرَاجِ أَوْ عَلَى الْمَعُونَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِهَؤُلَاءِ عَلَى الْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ فَوُجُودُ أَمْرِهِمْ كَعَدَمِهِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ رَضُوا بِحُكْمِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ فَسُمِعَ مِنْ بَيْنِهِمْ عَلَى الْأَصْلِ وَالْمِيرَاثِ،
-
ثُمَّ قَسَّمَهَا بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ وَفِيهِمْ صَغِيرٌ لَا وَصِيَّ لَهُ أَوْ غَائِبٌ لَا وَكِيلَ لَهُ لَمْ تَجُزْ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْغَائِبِ وَالصَّبِيِّ؛ فَإِنَّهُ صَارَ حَكَمًا بِتَرَاضِي الْخُصُومِ فَيَقْتَصِرُ وِلَايَتُهُ عَلَى مَنْ وَجَدَ مِنْهُ الرِّضَا بِحُكْمِهِ فَإِنْ أَجَازَ الْغَائِبُ أَوْ
-
كَبَرَ الصَّبِيُّ فَأَجَازَ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ مُجِيزًا حَالَ وُقُوعِهِ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ أَجَازَ جَازَ وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ بَاعَ إنْسَانٌ مَالَ الصَّبِيِّ فَكَبَرَ الصَّبِيُّ وَأَجَازَ ذَلِكَ،
-
وَإِنْ مَاتَ الْغَائِبُ أَوْ الصَّغِيرُ فَأَجَازَ وَارِثُهُ لَمْ يَجُزْ فِي الْقِيَاسِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ حَادِثٌ لِلْوَرَثَةِ فَلَا تُعْمَلُ إجَازَةُ الْوَارِثِ كَمَا لَوْ بَاعَ إنْسَانٌ مَالَهُ وَأَجَازَ وَارِثُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ الْبَيْعَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لِهَذَا الْمَعْنَى وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُهُمَا؛
-
لِأَنَّ الْوَارِثَ يَخْلُفُ الْمُورِثَ فَإِجَازَتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ كَإِجَازَةِ الْمُوَرِّثِ فِي حَيَاتِهِ وَحَرْفُ الِاسْتِحْسَانِ وَبِهِ يَتَّضِحُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْقِسْمَةِ قَائِمَةٌ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ كَمَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ فَلَوْ نُقِضَتْ تِلْكَ الْقِسْمَةُ اُحْتِيجَ إلَى إعَادَتِهَا فِي الْحَالِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ
-
وَإِنَّمَا تَكُونُ إعَادَتُهَا بِرِضَى الْوَارِثِ فَلَا فَائِدَةَ فِي نَقْضِهَا مَعَ وُجُودِ الْإِجَازَةِ مِنْهُ لِتُعَادَ بِرِضَاهُ
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّا لَوْ نَقَضْنَا ذَلِكَ الْبَيْعَ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى إعَادَتِهِ فَالْبَيْعُ لَا يَكُونُ مُسْتَحَقًّا فِي كُلِّ عَيْنٍ لَا مَحَالَةَ؛ فَلِهَذَا لَا يُعْمَلُ إجَازَةُ الْوَارِثِ فِيهِ بَعْدَ تَعَيُّنِ جِهَةِ الْبُطْلَانِ فِيهِ بِمَوْتِ الْمُوَرِّثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
(قَالَ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا كَانَتْ الْغَنَمُ بَيْنَ قَوْمٍ مِيرَاثًا أَوْ شِرَاءً فَأَرَادَ بَعْضُهُمْ قِسْمَتَهَا وَكَرِهَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْأَصْلِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْسِمُهَا بَيْنَهُمْ) ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْمُعَادَلَةِ فِي الْمَنْفَعَةِ وَالْمَالِيَّةِ عِنْدَ اتِّحَادِ جِنْسِ الْحَيَوَانِ مُمْكِنٌ لِلتَّقَارُبِ فِي الْمَقْصُودِ فَيَغْلِبُ مَعْنَى التَّمْيِيزِ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ عَلَى مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ وَبِمَعْنَى التَّمْيِيزِ يَثْبُتُ لِلْقَاضِي وِلَايَةُ إجْبَارِ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ عَلَيْهِ،
-
وَكَذَلِكَ كُلُّ صِنْفٍ مِنْ الْحَيَوَانِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الثِّيَابِ أَوْ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ فَعِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ يُجْبَرُ الْقَاضِي عَلَى الْقِسْمَةِ عِنْدَ طَلَبِ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ إلَّا فِي الرَّقِيقِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: لَا يَقْسِمُ الرَّقِيقَ بَيْنَهُمْ إذَا كَرِهَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَقْسِمُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِطَلَبِ بَعْضِهِمْ؛
-
لِأَنَّ الرَّقِيقَ جِنْسٌ وَاحِدٌ إذَا كَانُوا ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا وَمُرَاعَاةُ الْمُعَادَلَةِ فِي الْمَنْفَعَةِ مُمْكِنٌ لِتَقَارُبِ الْمَقْصُودِ فَيَقْسِمُهَا بَيْنَهُمْ عِنْدَ طَلَبِ بَعْضِهِمْ كَمَا فِي سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ (أَلَا تَرَى) أَنَّ الرَّقِيقَ كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ مَهْرًا وَلَا تَثْبُتُ سَلَمًا، فَكَذَلِكَ فِي الْقِسْمَةِ يَجْعَلُ الرَّقِيقَ كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الرَّقِيقَ يُقْسَمُ فِي الْغَنِيمَةِ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ، فَكَذَلِكَ فِي الْقِسْمَةِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: التَّفَاوُتُ فِي الرَّقِيقِ أَظْهَرُ مِنْهُ فِي الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ فَإِنَّ الْأَجْنَاسَ.
-
الْمُخْتَلِفَةَ قَدْ تَتَفَاوَتُ فِي الْمَالِيَّةِ وَالرَّقِيقُ يَتَفَاوَتُ تَفَاوُتًا فَاحِشًا،
-
ثُمَّ قِسْمَةُ الْجَبْرِ لَا تَجْرِي فِي الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ، فَكَذَلِكَ فِي الرَّقِيقِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْمُعَادَلَةُ فِي الْمَالِيَّةِ وَالْمَنْفَعَةِ، وَذَلِكَ يَتَفَاوَتُ فِي الْآدَمِيِّ بِاعْتِبَارِ مَعَانٍ بَاطِلَةٍ لَا يُوقَفُ عَلَيْهَا حَقِيقَةً كَالدُّهْنِ وَالْكِتَابَةِ وَقَدْ يَرَى الْإِنْسَانُ مِنْ نَفْسِهِ مَا لَيْسَ فِيهِ حَقِيقَةً أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ فِيهِ فَيَتَعَذَّرُ اعْتِبَارُ الْمُعَادَلَةِ فِي الْمَالِيَّةِ وَبِتَرَجُّحِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ عَلَى مَعْنَى التَّمْيِيزِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِالتَّرَاضِي وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الرَّقِيقِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ أَنَّ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ فِي سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ جِنْسٌ وَاحِدٌ وَفِي الرَّقِيقِ هُمَا جِنْسَانِ حَتَّى إذَا اشْتَرَى شَخْصًا عَلَى أَنَّهُ عَبْدٌ فَإِذَا هِيَ جَارِيَةٌ لَمْ يَجُزْ الشِّرَاءُ
-
بِخِلَافِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ وَمَا كَانَ ذَلِكَ إلَّا بِاعْتِبَارِ مَعْنَى التَّفَاوُتِ وَهَذَا
-
بِخِلَافِ قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ فَإِنَّهَا تَجْرِي فِي الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ وَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ حَقَّ الْغَانِمِينَ فِي مَعْنَى الْمَالِيَّةِ دُونَ الْعَيْنِ حَتَّى كَانَ لِلْإِمَامِ بَيْعُ الْمَغَانِمِ وَقِسْمَةُ الثَّمَنِ فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ اتِّصَالِ مِقْدَارٍ مِنْ الْمَالِيَّةِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَأَمَّا فِي الشَّرِكَةِ الْمِلْكُ حَقُّ الشُّرَكَاءِ فِي الْعَيْنِ وَالْمَالِيَّةِ فَلِلْإِمَامِ حَقُّ التَّمْيِيزِ بِالْقِسْمَةِ عَلَى طَرِيقِ الْمُعَادِلَةِ وَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الْمُعَاوَضَةِ فَإِذَا كَانَ يَتَعَذَّرُ اعْتِبَارُ الْمُعَادَلَةِ هُنَا بِطَرِيقِ التَّمْيِيزِ لَا يَثْبُتُ لِلْقَاضِي وِلَايَةُ الْإِجْبَارِ عَلَى الْقِسْمَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ الرَّقِيقِ شَيْءٌ آخَرُ مِنْ غَنَمٍ أَوْ ثِيَابٍ أَوْ مَتَاعٍ فَحِينَئِذٍ يَقْسِمُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يَقْسِمُ ذَلِكَ بِرِضَاءِ الشُّرَكَاءِ فَأَمَّا مَعَ كَرَاهَةِ بَعْضِهِمْ الْقَاضِي لَا يَقْسِمُ؛
-
لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ فِي الرَّقِيقِ لَا يَقْسِمُ قِسْمَةَ الْجَبْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَعِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ أَوْلَى وَالْأَظْهَرُ أَنَّ قِسْمَةَ الْجَبْرِ هُنَا تَجْرِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْجِنْسَ الْآخَرَ الَّذِي هُوَ مَعَ الرَّقِيقِ يُجْعَلُ أَصْلًا فِي الْقِسْمَةِ وَحُكْمُ الْقِسْمَةِ جَبْرًا يَثْبُتُ فِيهِ فَيَثْبُتُ فِي الرَّقِيقِ أَيْضًا تَبَعًا وَقَدْ يَثْبُتُ حُكْمُ الْعَقْدِ فِي الشَّيْءِ تَبَعًا،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ فِيهِ مَقْصُودًا كَالشُّرْبِ وَالطَّرِيقِ فِي الْبَيْعِ وَالْمَنْقُولَاتِ فِي الْوَقْتِ وَكَأَنَّهُ اُسْتُحْسِنَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَلَّ مَا تَخْلُو تَرِكَةٌ يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى قِسْمَةِ الْقَاضِي عَنْ الرَّقِيقِ وَإِذَا كَانَ مَعَ الرَّقِيقِ شَيْءٌ آخَرُ فَبِاعْتِبَارِ الْمُعَادَلَةِ فِي الْمَالِيَّةِ يَتَيَسَّرُ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْكُلُّ رَقِيقًا فَعِنْدَ مُقَابَلَةِ الرَّقِيقِ بِالرَّقِيقِ يَعْظُمُ الْغَبْنُ وَالتَّفَاوُتُ وَعِنْدَ مُقَابَلَةِ الرَّقِيقِ بِمَالٍ آخَرَ يَقِلُّ التَّفَاوُتُ.
-
وَإِنْ كَانَ الَّذِي بَيْنَ الشُّرَكَاءِ ثَوْبٌ زُطِّيُّ وَثَوْبٌ هَرَوِيّ وَبِسَاطٌ وَوِسَادَةٌ لَمْ يَقْسِمْهُ إلَّا بِرِضَاهُمْ؛ لِأَنَّ فِي الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ الْقِسْمَةَ تَكُونُ بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ يَتَمَلَّكُ عَلَى شَرِيكِهِ نَصِيبَهُ مِنْ الْجِنْسِ الَّذِي يَأْخُذُ عِوَضًا عَمَّا يَمْلِكُهُ مِنْ نَصِيبِ نَفْسِهِ مِنْ الْجِنْسِ الْآخَرِ وَفِي الْمُعَاوَضَاتِ لَا بُدَّ مِنْ
-
التَّرَاضِي فَإِنْ كَانَ فِي الْمِيرَاثِ بَيْنَهُمْ رَقِيقٌ وَثِيَابٌ وَغَنَمٌ وَدُورٌ وَضِيَاعٌ فَاقْتَسَمُوهَا بَيْنَهُمْ وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صِنْفًا جَازَ ذَلِكَ لِوُجُودِ التَّرَاضِي مِنْهُمْ عَلَى إنْشَاءِ الْمُعَاوَضَةِ،
-
وَإِنْ رَفَعُوا إلَى الْقَاضِي قَسَّمَ كُلَّ صِنْفٍ بَيْنَهُمْ عَلَى حِدَةٍ وَلَا يُضِيفُ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ؛ لِأَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةَ التَّمْيِيزِ بِالْقِسْمَةِ وَإِنَّمَا يَغْلِبُ مَعْنَى التَّمْيِيزِ إذَا قَسَّمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ صِنْفٍ عَلَى حِدَةٍ وَلِأَنَّ الْقَاضِيَ يَعْتَبِرُ الْمُعَادَلَةَ فِي كُلِّ مَا يَتَهَيَّأُ لَهُ اعْتِبَارُهُ، وَقِسْمَةُ كُلِّ صِنْفٍ عَلَى حِدَةٍ أَقْرَبُ إلَى الْمُعَادَلَةِ فَأَمَّا اتِّفَاقُهُمْ عَلَى الْقِسْمَةِ يَعْتَمِدُ التَّرَاضِيَ دُونَ الْمُعَادَلَةِ وَإِذَا تَمَّتْ بِتَرَاضِيهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ كَيْفَ وَقَعَتْ الْقِسْمَةُ.
-
وَإِذَا كَانَتْ الْغَنَمُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَسَمَاهَا نِصْفَيْنِ،
-
ثُمَّ أَقْرَعَا فَأَصَابَ هَذَا طَائِفَةً،
-
ثُمَّ نَدِمَ أَحَدُهُمَا وَأَرَادَ الرُّجُوعَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ قَدْ تَمَّتْ بِخُرُوجِ السِّهَامِ،
كتاب آخر
-
القسمة: تهايؤ في زمن: كخدمة عبد شهرا وسكنى دار سنين: كالإجارة
-
لا في غلة ولو يوما
-
ومراضاة فكالبيع
-
وقرعة وهي تمييز حق
-
وكفى قاسم
-
لا مقوم
-
وأجره بالعدد
-
وكره
-
وقسم العقار وغيره بالقيمة
-
وأفرد كل نوع
-
وجمع دور وأقرحة ولو بوصف إن تساوت قيمة ورغبة وتقاربت كالميل إن دعا إليه أحدهم
-
ولو بعلا وسيحا
-
إلا معروفة كالسكنى فالقول لمفردها
-
وتؤولت أيضا بخلافه
-
وفي العلو والسفل: تأويلان
-
وأفرد كل صنف كتفاح إن احتمل
-
إلا كحائط فيه شجر مختلفة
-
أو أرض بشجر متفرقة
-
وَجَازَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ إنْ جُزَّ وَإِنْ لكنصف شهر
-
وَأَخْذُ وَارِثٍ عَرْضًا وَآخَرَ دَيْنًا إنْ جَازَ بيعه
-
وأخذ أحدهما: قطنية والآخر قمحا
-
وخيار أحدهما كالبيع
-
وَغَرْسُ أُخْرَى إنْ انْقَلَعَتْ شَجَرَتُك مِنْ أَرْضِ غيرك إن لم تكن أضر
-
كغرسه بجانب نهرك الجاري في أرضه
-
وَحُمِلَتْ فِي طَرْحِ كُنَاسَتِهِ عَلَى الْعُرْفِ
-
وَلَمْ تطرح على حافته إن وجدت سعة
-
وجاز ارتزاقه من بيت المال
-
لا شهادته
-
وفي قفيز أخذ أحدهما ثلثيه والآخر ثلثه
-
لَا إنْ زَادَ عَيْنًا أَوْ كَيْلًا لِدَنَاءَةٍ
-
وفي كثلاثين قفيزا أو وَثَلَاثِينَ دِرْهَمًا: أَخْذُ أَحَدِهِمَا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَعِشْرِينَ قفيزا إن اتفق القمح صفة
-
ووجب غربلة قمح لبيع إن زادت غلته على الثلث
-
وإلا ندبت
-
وجمع بز ولو كصوف وحرير
-
لا كبعل وذات بئر أو غرب
-
وثمر أو زرع إن لم يجذاه:
-
كقسمه بأصله
-
أوقتا
-
أو ذرعا
-
أو فيه فساد: كيافوتة أو كجفير
-
أو في أصله بالخرص: كبقل
-
إلا التمر أو العنب إذَا اخْتَلَفَتْ حَاجَةُ أَهْلِهِ وَإِنْ بِكَثْرَةِ أَكْلٍ وَقَلَّ وَحَلَّ بَيْعُهُ وَاتَّحَدَ مِنْ بُسْرٍ أَوْ رطب:
-
لا تمر
-
وقسم بالقرعة بالتحرى
-
كالبلح الكبير
-
وَسَقَى ذُو الْأَصْلِ:
-
كَبَائِعِهِ الْمُسْتَثْنَى ثَمَرَتُهُ حَتَّى يسلم
-
أو فيه تراجع إلا أن يقل
-
أَوْ لَبَنٍ فِي ضُرُوعٍ إلَّا لِفَضْلٍ بَيِّنٍ
-
أو قسموا بلا مخرج مطلقا
-
وصحت إن سكتا عنه
-
ولشريكه الانتفاع
-
ولا يجبر على قسم مجرى الماء
-
وقسم بالقلد:
-
كسترة بينهما
-
وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ عَاصِبَيْنِ إلَّا بِرِضَاهُمْ
-
إلَّا مع كزوجة فيجمعوا أولا:
-
كذي سهم
-
وورثة
-
وكيتب الشُّرَكَاءَ ثُمَّ رَمَى أَوْ كَتَبَ الْمَقْسُومَ وَأَعْطَى كلا لكل
-
ومنع اشتراء الخارج
-
ولزم
-
ونظر في دعوى جورأو غَلَطٍ
-
وَحَلَفَ الْمُنْكِرُ
-
فَإِنْ تَفَاحَشَ أَوْ ثَبَتَا نقضت:
-
كالمراضاة إن أدخلا مقوما
-
وأجبر لها كل إن انتفع كل
-
وللبيع إن نقصت حصة شريكه مفردة
-
لا: كربع غلة
-
أو اشترى بعضا
-
وإن وجد عيبا بالأكثر فله ردها
-
فَإِنْ فَاتَ مَا بِيَدِ صَاحِبِهِ بِكَهَدْمٍ: رَدَّ نصف قيمته يوم قبضه ما سلم بينهما
-
وَمَا بِيَدِهِ رَدَّ نِصْفَ قِيمَتِهِ وَمَا سَلِمَ بينهما
-
وَإِلَّا رَجَعَ بِنِصْفِ الْمَعِيبِ مِمَّا بِيَدِهِ ثَمَنًا والمعيب بينهما
-
وإن استحق نصف أو ثلث: خير
-
لا ربع
-
وفسخت في الأكثر:
-
كَطُرُوِّ غَرِيمٍ أَوْ مُوصًى لَهُ بِعَدَدٍ عَلَى وَرَثَةٍ أَوْ عَلَى وَارِثٍ وَمُوصًى لَهُ بِالثُّلُثِ والمقسوم: كدار
-
وَإِنْ كَانَ عَيْنًا أَوْ مِثْلِيًّا رَجَعَ عَلَى كُلٍّ
-
وَمَنْ أَعْسَرَ: فَعَلَيْهِ إنْ لَمْ يَعْلَمُوا
-
وإن دفع جميع الورثة مضت:
-
كبيعهم بلا غبن
-
واستوفى مما وجد ثم تراجعوا
-
ومن أعسر: فعليه إن لم يعلموا
-
وَإِنْ طَرَأَ: غَرِيمٌ أَوْ وَارِثٌ أَوْ مُوصًى لَهُ عَلَى مِثْلِهِ أَوْ مُوصًى لَهُ بِجُزْءٍ على وارث اتبع كلا بحصته
-
وَأُخِّرَتْ لَا دَيْنٌ لِحَمْلٍ
-
وَفِي الْوَصِيَّةِ: قَوْلَانِ
-
وَقَسَمَ عَنْ صَغِيرِ: أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ
-
وَمُلْتَقِطٌ:
-
كقاض عن غائب
-
لَا ذِي شُرْطَةٍ أَوْ كَنَفَ أَخًا
-
أَوْ أب عن كبير وإن غاب
-
وفيها: قسم نخلة وزيتونة إن اعتدلتا
-
وهل هي قرعة وجازت للقلة أو مراضاة؟ تأويلان.
-
قد يقسم شركاء أو منصوبهم أو منصوب الإمام
-
وشرط منصوبه ذكر حر عدل يعلم المساحة والحساب
-
فإن كان فيها تقويم وجب قاسمان
-
وإلا فقاسم
-
وفي قول اثنان
-
وللإمام جعل القاسم حاكما في التقويم
-
فيعمل فيه بعدلين ويقسم
-
ويجعل الإمام رزق منصوبه من بيت المال
-
فإن لم يكن فأجرته على الشركاء
-
فإن استأجروه وسمى كل قدرا لزمه
-
وإلا فالأجرة موزعة على الحصص
-
وفي قول على الرؤوس
-
ثم ما عظم الضرر في قسمته كجوهرة وثوب نفيسين وزوجي خف إن طلب الشركاء كلهم قسمته لم يجبهم القاضي
-
ولا يمنعهم إن قسموا بأنفهسم إن لم تبطل منفعته كسيف يكسر
-
وما يبطل نفعه المقصود كحمام وطاحونة صغيرين لإيجاب طالب قسمته في الأصح
-
فإن أمكن جعله حمامين أجيب
-
ولو كان له عشر دار لا يصلح لسكنى والباقي لآخر فالأصح إجبار صاحب العشر بطلب صاحبه
-
دون عكسه
-
وما لا يعظم ضرره قسمته أنواع: أحدها: بالأجزاء كمثلى ودار متفقة أبنية وأرض مشتبهة الأجزاء فيجبر الممتنع
-
فتعدل السهام كيلا أو وزنا أو ذرعا بعدد الانصباء إن استوت
-
ويكتب في كل رقعة اسم شريك أو جزء مميز بحد أو جهة
-
وتدرج في بنادق مستوية
-
ثم يخرج من لم يحضرها رقعة على الجزء الأول إن كتب الأسماء فيعطى من خرج اسمه أو على اسم زيد إن كتب الأجزاء
-
فإن اختلفت الأنصباء كنصف وثلث وسدس جزئت الأرض على أقل السهام وقسمت كما سبق
-
ويحترز عن تفريق حصة واحد.
-
الثاني: بالتعديل كأرض تختلف قيمة أجزائها بحسب قوة إنبات وقرب ماء
-
ويجبر عليها في الأظهر
-
ولو استوت قيمة دارين أو حانوتين طلب جعل كل لواحد فلا إجبار
-
أو عبيد أو ثياب من نوع أجبر
-
أو نوعين فلا.
-
الثالث: بالرد بأن يكون في أحد الجانبين بئر أو شجر لا يمكن قسمته فيرد من يأخذه قسط قيمته
-
ولا إجبار فيه
-
وهو بيع
-
وكذا التعديل على المذهب
-
وقسمة الأجزاء إفراز في الأظهر.
-
ويشترط في الرد الرضا بعد خروج القرعة
-
ولو تراضيا بقسمة مالا إجبار فيه اشترط الرضا بعد القرعة في الأصح كقولهما رضينا بهذه القسمة أو بما أخرجته القرعة
-
ولو ثبت ببينة غلط أو حيف في قسمة إجبار نقضت
-
فإن لم تكن بينة وادعاه واحد فله تحليف شريكه
-
ولو ادعاه في قسمة تراض وقلنا هي بيع فالأصح أنه لا أثر للغلط فلا فائدة لهذه الدعوى.
-
قلت: وإن قلنا إفراز نقضت إن ثبت وإلا فيحلف شريكه والله أعلم
-
ولو استحق بعض المقسوم شائعا بطلت فهي
-
وفي الباقي خلاف تفريق الصفة
-
أو من النصيبين معين سواء بقيت
-
وإلا بطلت. والله أعلم.
-
الأصل في القسمة، الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب، فقوله تعالى:
-
وأما السنة: فقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق، فلا شفعة» . وقسم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الغنائم بين أصحابه، وأجمعت الأمة على جوازها. والعبرة تقتضيها لحاجة الشركاء، ليتخلصوا من سوء المشاركة وكثرة الأيدي، ويتصرف كل واحد في المال على الكمال، على حسب الاختيار.
-
ويجوز للشركاء أن يقتسموا بأنفسهم،
-
وأن ينصبوا قاسماً يقسم بينهم،
-
وأن يسألوا الحاكم قاسماً يقسم بينهم؛ لأن الحق لهم، فجاز ما تراضوا عليه.
-
ويجب أن يكون القاسم عالماً بالقسمة، ليوصل إلى كل ذي حق حقه، كما يجب أن يكون الحاكم عالماً بالحكم، ليحكم بالحق.
-
فإن كان منصوباً من جهة الحاكم،
-
فمن شرطه أن يكون عدلاً؛ لأنه نصبه لإلزام الحكم، فاشترطت عدالته، كالحاكم.
-
وإن كان منصوباً من جهتهما، لم تشترط عدالته؛ لأنه نائبهما، فأشبه الوكيل، إلا أنه إن كان عدلاً، كان القاسم كالحاكم في لزوم قسمته؛ لأنه يصير بتراضيهما، كالمنصوب من جهة الحاكم،
-
وإن لم يكن عدلاً، لم تلزم قسمته إلا بتراضيهما، كما لو اقتسما بأنفسهما. ويجزئ قاسم واحد، إن خلت القسمة من تقويم؛ لأنه حكم بينهما، فأشبه الحاكم.
-
وإن كان فيها تقويم، لم يجز أقل من قاسمين؛ لأن التقويم لا يثبت إلا باثنين.
-
وعلى الإمام أن يرزق القاسم من بيت المال؛ لأنه من المصالح. وقد روي أن علياً - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، اتخذ قاسماً جعل له رزقاً في بيت المال؛ ولأن هذا من المصالح، فأشبه رزق الحاكم.
-
فإن لم يعط من بيت المال شيئاً، فأجرته على الشركاء على قدر أملاكهم، سواء طلباها معاً، أو أحدهما؛ لأنها مؤنة تتعلق بالملك، فكانت على قدر الأملاك، كنفقة العبد.
-
وإن كان الشركاء نصبوا قاسماً، فأجرته بينهم على ما شرطوه؛ لأنه أجيرهم.
-
وإذا كان في القسمة رد عوض، فهي بيع، لأن صاحب الرد بذل المال عوضاً عما حصل له من حق شريكه، وهذا هو البيع.
-
وإن لم يكن فيها رد، فهي إفراز النصيبين، وتميز الحقين، وليست بيعاً، ولذلك جاز تعليقها على القرعة، وتقدرت بقدر الحق، ودخلها الإجبار.
-
ولو كانت بيعاً حتماً لم يجز ذلك فيها، كما في سائر البيوع. وحكي عن أبي عبد الله بن بطة: أنها بيع؛ لأن أحدهما يبذل نصيبه من أحد السهمين بنصيب صاحبه من السهم الآخر، وهذا حقيقة البيع.
-
والمذهب الأول. فيجوز قسمة الثمار على الشجر خرصاً، وقسمة المكيل وزنا، والموزون كيلاً، والتفرق قبل القبض.
-
ولا يحنث بها من حلف أن لا يبيع.
-
وإن كان العقار وقفاً أو نصفه، جازت القسمة،
-
وإن قلنا: هي بيع، لم يجز شي من ذلك؛ لأن بيعه غير جائز.
-
وإن كان فيها رد، لم تجز قسمة الوقف؛ لأنه لا يجوز بيع شيء منه،
-
وإن كان بعضه طلقاً، وبعضه وقفاً، والرد من صاحب الطلق، لم يجز؛ لأنه يشتري بعض الوقف.
-
وإن كان صاحب الوقف، جاز؛ ولأنه يشتري بعض الطلق.
-
إذا طلب أحد الشريكين القسمة، فأبى الآخر من غير ضرر، كالحبوب والأدهان، والثياب الغليظة، والأراضي، والدور التي يمكن قسمتها بالتعديل من غير رد عوض،
-
ولا ضرر، أجبر الممتنع عليها؛ لأن طالبها يطلب إزالة الضرر عنه وعن شريكه من غير ضرر بأحد، فوجب إجابته إليه. وسواء كانت الأرض متساوية الأجر، أو مختلفة، بعضها عامر، وبعضها خراب، أو بعضها ذو بناء، أو شجر، أو بئر، وبعضها بياض، أو يسقى بعضها سيحاً، وبعضها بناضح.
-
وإن كان عليهما ضرر في القسمة، كالجواهر، والثياب التي ينقصها القطع، والرحى الواحدة، والبئر، والحمام الصغير، لم يجبر الممتنع، لما روى مالك في موطئه عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «لا ضرر ولا ضرار» .
-
من المسند؛ ولأنه إتلاف مال، وسفه يستحق به الحجر، فلم يجبر عليه، كهدم البناء.
-
وإن كان على أحدهما ضرر دون الآخر، كدار لأحدهما ثلثاها وللآخر ثلثها، يستضر صاحب الثلث بالقسمة دون شركائه، فطلبها المستضر، ففيه وجهان:
-
أحدهما: يجبر الممتنع؛ لأنه مطالب بقسمة لا ضرر عليه فيها، فلزمته الإجابة، كالتي قبلها.
-
والثاني: لا يجبر؛ لأن طلب المستضر سفه، فلم تلزم إجابته، كما لو استضرا معاً.
-
وإن طلبها غير المستضر، فقال أبو الخطاب: لا يجبر الممتنع. وهذا ظاهر كلام أحمد؛ لأنه قال: كل قسمة فيها ضرر لا أرى قسمتها. وذلك، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا ضرر ولا ضرار» ؛ ولأنها قسمة تضره، فلم يجبر عليها، كما لو استضر.
-
وقال القاضي: يجبر؛ لأنه يطالب بحق ينفع الطالب، فوجبت إجابته، كقضاء الدين. وفي الضرر المانع روايتان:
-
إحداهما: هو أن لا يتمكن أحدهما من الانتفاع بنصيبه مفرداً، كالدار الصغيرة التي لا يمكن سكنى نصيب أحدهما منفرداً. وهذا قول الخرقي؛ لأن ضرر نقص القيمة ينجبر بزوال ضرر الشركة، فيصير كالمعدوم.
-
والثانية: هو أن تنقص قيمة نصيب أحدهما بالقسمة عن حال الشركة؛ لأنه ضرر، فمنع وجوب القسمة، للخبر، والقياس الأول.
-
وإن كان بينهما أرض مختلفة الأجزاء، وأمكنت التسوية، بأن يكون الجيد في مقدمها، والرديء في مؤخرها، فيقسمانها نصفين فيحصل في كل قسم من الجيد والرديء مثل ما في الآخر، قسم كذلك.
-
وإن لم يمكن، لكون الجيد في أحد النصفين، وأمكن التعديل بجعل ثلثيها في المساحة في مقابلة ثلثها الجيد، أجبر الممتنع؛ لأنه يوجب التساوي بالتعديل من غير رد، فأشبه ما لو تساويا في الذرع، وأجرة القاسم بينهما سواء، لتساويهما في أصل الملك.
-
ويحتمل أن يجب على صاحب الثلث ثلثها، وعلى الآخر ثلثاها، لتفاضلهما بالمأخوذ بالقسمة.
-
فإن أمكن القسمة بالتعديل والرد فدعى كل واحد منهما إلى أحدهما، أجيب من طلب قسمة التعديل؛ لأن ذلك مستحق.
-
ولا يلزم إجابة الآخر؛ لأنه بيع،
-
فلا يجبر عليه غيره.
-
وإن كان بينهما دور، أو أرض مختلفة في بعضها نخل، وفي بعضها شجر، وبعضها يسقى سيحاً، وبعضها يسقى بالنواضح، فطلب أحدهما قسمتها أعياناً بالقيمة، وطلب الآخر قسمة كل عين على حدة، قسمت كل عين على حدة؛ لأن لكل واحد منهما حقاً في الجميع، فجاز له طلبه من الجميع.
-
وإن كانت بينهما عضائد متلاصقة، فطلب أحدهما قسمتها أعياناً، وطلب الآخر قسمة كل واحدة منهما، لم يجبر واحد منهما؛ لأن كل واحدة مسكن منفرد في قسمته ضرر.
-
وإن كانت كباراً يمكن قسمتها بغير ضرر، قسمت كل واحدة على حدتها، كالدور المتفرقة.
-
وإن كانت بينهما دار، لها علو وسفل، فطلب أحدهما أن يجعل العلو لأحدهما، والسفل للآخر، فأبى الآخر، لم يجبر؛ لأن العلو تابع للعرصة،
-
فلا يجوز جعله في القسمة متبوعاً.
-
وإن طلب قسمة السفل وحده، أو العلو وحده، لم تجب إجابته؛ لأن القسمة تراد للتمييز، ومع بقاء الإشاعة في أحدهما لا يحصل التمييز.
-
وإن طلب قسمة السفل منفرداً والعلو منفرداً، لم تجب إجابته؛ لأنه قد يحصل لكل واحد منهما علو سفل الآخر، أو بعضه،
-
فلا يتميز الحقان. وإن طلبا قسمتهما معاً وكانت لا تضر، أجبر الممتنع، لما تقدم.
-
وإن كان بين ملكيهما عرصة حائط، فطلب أحدهما قسمتها طولاً، ليحصل لكل واحد منهما نصف الطول في كمال العرض، فقال أصحابنا: يجبر الممتنع؛ لأنه لا ضرر. ويحتمل أن لا يجبر؛ لأنه يفضي إلى بقاء ملكه الذي يلي نصيب صاحبه بغير حائط.
-
وإن طلب قسمتها عرضاً، ليحصل لكل واحد نصف العرض في كمال الطول، وكان يحصل لكل واحد منهما ما لا يمكن أن يبنى فيه حائط، لم يجبر الممتنع؛ لأنه يتضرر.
-
وإن حصل له ما يمكنه بناء حائط فيه، أجبر الممتنع؛ لأنه ملك مشترك يمكن كل واحد منهما الانتفاع به مقسوماً، ويحتمل أن لا يجبر؛ لأنه لا تدخله القرعة خوفاً من أن يحصل لكل واحد منهما ما يلي ملك الآخر.
-
وإن كان بينهما حائط، فطلب أحدهما قسمته طولاً في كمال العرض، ففيه وجهان:
-
أحدهما: تجب إجابته، لما ذكرنا في العرصة.
-
والثاني: لا تجب؛ لأنه إن قطع الحائط، ففيه إتلاف.
-
وإن لم يقطع أفضى إلى الضرر؛ لأن في تجميل أحدهما له ثقلاً على نصيب صاحبه.
-
وإن طلب قسمته عرضاً في كمال الطول، لم يجبر الممتنع؛ لأن فيه إفساداً، وفي جميع ذلك متى اتفقا على القسمة، جاز.
-
وإن كان بينهما أرض مزروعة، فطلب أحدهما قسمة الأرض دون الزرع لزم إجابته؛ لأن الزرع لم يمنع جواز القسمة، فلم يمنع وجوبها، كالقماش في الدار،
-
فإذا قسماها بقي الزرع بينهما مبقى إلى الحصاد. ذكره أصحابنا، والأولى أنها لا تجب؛ لأنه يلزم منها إبقاء الزرع المشترك في الأرض المقسومة إلى الحصاد،
-
بخلاف القماش، كما لو بيعت الأرض.
-
وإن طلب قسمة الزرع منفرداً، لم يلزم إجابته؛ لأنه لا يمكن تعديله.
-
ويشترط بقاؤه في الأرض المشتركة.
-
وإن طلب قسمة الأرض مع الزرع، وكان قصيلاً، لزمته إجابته؛ لأن الزرع، كالشجر في الأرض، فلم يمنع الإجبار.
-
وإن كان سنابل مشتداً حبها فكذلك، إلا عند من جعل له القسمة بيعاً،
-
فلا يجوز؛ لأنه يبيع بعضه ببعض من غير كيل.
-
وإن كان بذراً لم تجز قسمته؛ لأنه مجهول، لا يمكن تعديله، فيكون قسمة مجهول ومعلوم، ويحتمل الجواز؛ لأنه بيع لا يمنع البيع إذا اشترطه المبتاع، فكذلك لا يمنع القسمة.
-
إذا كان بينهما ثياب، أو حيوانات، أو خشب، أو عمد، أو أحجار متفاضلة، فطلب أحدهما قسمتها أعياناً بالقيمة، لم تجب إجابته؛ لأن ذلك بيع.
-
وإن كانت متماثلة، فقال القاضي: تجب إجابته؛ لأنها متماثلة، أشبهت أجزاء الأرض المتماثلة، ويحتمل أن لا يلزم إجابته؛ لأنها أعيان متفرقة، فأشبهت العضائد والدور المتفرقة.
-
إذا كانت بينهما عين، فأرادا قسمة منافعها بالمهايأة، بأن تجعل في يد أحدهما مدة، وفي يد الآخر مثلها، جاز؛ لأن المنافع كالأعيان، فجازت قسمتها.
-
وإن امتنع أحدهما، لم يجبر؛ لأن حق كل واحد منهما معجل، فلم يجبر على تأخيره بالمهايأة،
-
فإن تهايآه، اختص كل واحد منهما بمنفعته في مدته، وكسبه. وفي الأكساب النادرة، كاللقطة، والهبة، والركاز، وجهان:
-
أحدهما: يدخل فيها؛ لأنها كسب، أشبه المعتاد.
-
والثاني: لا يدخل؛ لأن المهايأة، كالبيع،
-
فلا يدخل فيها، إلا ما يقدر عليه في العادة، والنادر لا يقدر عليه عادة،
-
فلا يدخل فيها، ويكون بينهما. ونفقة الحيوان في مدة كل واحد منهما عليه؛ لأن نفعه له، فكانت مؤنته عليه، كالمنفرد به.
-
وصفة القسمة أن يحصي القاسم عدد أهل [السهمان] ثم يعدل السهمان بالأجزاء، أو بالقيمة، أو بالرد،
-
وإن كانت تقتضيه. ثم لا يخلو من حالين:
-
أحدهما: أن تتساوى سهمانهم، كأرض بين ستة، لكل واحد سدسها. فهذا يخير فيه بين إخراج الأسماء على السهام، بأن يكتب اسم كل واحد في رقعة، ويدرجها في بنادق شمع متساوية، ويطرح عليها ثوباً، ويقال لمن لم يحضر ذلك: أدخل يدك فأخرج بندقة على هذا السهم الأول.
-
فمن خرج اسمه، فهو له:
-
ثم على الثاني، والثالث، والرابع، والخامس، ويتعين السهم السادس للسادس. وبين إخراج السهام على الأسماء، بأن يكتب في رقعة السهم الأول، وفي أخرى الثاني حتى يستوفي جميع السهام،
-
ثم يأمر بإخراج بندقة على اسم أحد الشركاء، فما خرج، فهو له، كذلك إلى آخرها.
-
الحال الثاني: أن تختلف سهمانهم، مثل أن يكون لأحدهم نصفها، ولآخر ثلثها، ولآخر سدسها، فإنه يعدل السهام بعدد أقلها، ويجعلها ستة، ويخرج الأسماء على السهام لا غير، فيخرج بندقة على السهم الأول.
-
فإن خرج اسم صاحب النصف أخذه، والثاني، والثالث.
-
ثم يخرج بندقة على السهم الرابع.
-
فإن خرجت لصاحب الثلث أخذه، والخامس. ويتعين السادس لصاحب السدس. وإنما قلنا: يأخذه والذي يليه، ليجتمع حقه،
-
ولا يتضرر بتفرقته. ولا يخرج في هذا القسم السهام على الأسماء، لئلا يخرج السهم الرابع لصاحب النصف، فيقول: خذه وسهمين قبله، فيقول صاحباه: يأخذه وسهمين بعده، فيختلفان؛ ولأنه لو خرج لصاحب السدس السهم الثاني،
-
ثم خرج لصاحب النصف السهم الأول، لتفرق نصيبه.
-
وإذا قسم بينهما قاسم الحاكم قسمة إجبار، فأقرع بينهما، لزمت قسمته بغير رضاهما؛ لأن رضاهما لا يتعين في ابتداء القسمة،
-
فلا يتعين في أثنائها.
-
وإن نصبا عدلاً عالماً يقسم بينهما، لزمتهما قسمته بالقرعة؛ لأن الحاكم الذي ينصبانه كحاكم الإمام في لزوم حكمه، فقاسمهما كقاسم الإمام في لزوم قسمته.
-
وإن كان فاسقاً، أو جاهلاً بالقسمة، أو قسما بأنفسهما لم يلزم إلا بتراضيهما؛ لأن رضاهما معتبر في الأول، ولم يوجد ما يزيله، فوجب استمراره.
-
وإن كان في القسمة رد، فتولاها قاسم الحاكم، ففيها وجهان:
-
أحدهما: لا يلزم إلا بالتراضي كذلك؛ ولأنها بيع،
-
فلا يلزم بغير التراضي، كسائر البيع.
-
والثاني: يلزم بالقرعة؛ لأن القاسم، كالحاكم. وقرعته كحكمه،
-
وإن تراضيا على أن يأخذ كل واحد منهما، سهماً بغير قرعة، أو خير أحدهما صاحبه، فاختار أحد السهمين، جاز ويلزم بتراضيهما وتفرقهما، كالبيع.
-
وإن ادعى أحدهما غلطاً في قسمة الإجبار، لم يقبل إلا ببينة؛ لأن القاسم كالحاكم، فلم تقبل دعوى الغلط عليه بغير بينة، كالحاكم.
-
فإن أقام البينة نقصت القسمة.
-
وإن لم يكن له بينة، وطلب يمين شريكه، أحلف له.
-
وإن ادعى الغلط في قسمة لا تلزم إلا بتراضيهما، لم تسمع دعواه؛ لأنه رضي بذلك، ورضاه بالزيادة في نصيب شريكه تلزمه.
-
وإن ظهر بعض نصيب أحدهما مستحقاً، بطلت القسمة؛ لأنه بقي له حق في نصيب شريكه، فعادت الإشاعة.
-
وإن كان المستحق في نصيبهما على السواء وكان معيناً، لم تبطل القسمة؛ لأن الباقي مع كل واحد قدر حقه، ويحتمل أن تبطل القسمة؛ لأنه لم يتعين الباقي لكل واحد منهما في مقابلة ما بقي للآخر.
-
وإن كان مشاعاً بطلت القسمة؛ لأن الثالث شريكهما لم يأذن في القسمة، ولم يحضر، فأشبه ما لو علما به.
-
وإن قسما أرضاً نصفين، وبنى أحدهما في نصيبه داراً،
-
ثم استحق ما في يده، ونقض بناؤه، رجع على شريكه بنصف البناء؛ لأن القسمة كالبيع.
-
ولو باعه نصف الدار، رجع عليه بنصف ما غرم، كذا ها هنا.
-
فصل: .
-
إذا اقتسم الوارثان، فظهر على الميت دين متعلق بالتركة، انبنى ذلك على أن الدين، هل يمنع تصرف الورثة في التركة؟ وفيه وجهان:
-
أحدهما: يمنع، فلا تصح القسمة.
-
والثاني: لا يمنع، فتكون القسمة صحيحة، هذه هي المذهب؛ لأن تعلق الدين بالتركة لا يمنع صحة التصرف فيها، لكن إن امتنعا من وفاء الدين، بيعت في الدين وبطلت القسمة، هذا هو المذهب.
-
وإن وفى أحدهما دون الآخر، صح في نصيب من وفى، وبطل في نصيب الآخر.
-
وإذا سأل أحد الشريكين الحاكم القسمة بينه وبين شريكه فيما تدخله قسمة الإجبار، لم يجبه إلى ذلك حتى يثبت عنده ملكها؛ لأن في قسمة الإجبار حكماً عليه،
-
فلا يثبت إلا بما يثبت به الملك.
-
وإن سأله الشريكان القسمة أجابهما إليها، ولم يحتج إلى إثبات الملك؛ لأن يدهما دليل ملكهما،
-
ولا منازع لهما، فيثبت لهما من حيث الظاهر. ولكنه يثبت في القضية أن قسمه إياه بينهما بإقرارهما، لا ببينة شهدت لهما بملكهما، وكل ذي حجة على حجته، لئلا يتخذ القسمة حجة على من ينازعه في الملك.
في كتب الخلاف
الإجماعابن المنذركتاب قتال أهل البغي٧ مسائل
التجريدالقدوريلا كلام له في هذا الباب
المبسوطالسرخسيبَابُ الْقِسْمَةِ بَيْنَ النِّسَاءِ، كِتَابُ الْقِسْمَةِ، بَابُ قِسْمَةِ الدُّورِ بِالدَّرَاهِمِ يُرِيدُهَا٤٦٥ مسألة
بداية المجتهدابن رشدكِتَابُ الْقِسْمَةِ، الْبَابُ الْأَوَّلُ.، الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ٩٦ مسألة
المغنيابن قدامة، على «مختصر الخرقي»لا كلام له في هذا الباب
المجموع شرح المهذبالنووي، على «المهذب»لا كلام له في هذا الباب
الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر، على «المقنع»بَابُ الْقِسْمَةِ، فَصْلٌ، فَصْلٌ٢٤٢ سطرًا
الفقه على المذاهب الأربعةعبد الرحمن الجزيريلا كلام له في هذا الباب
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميأسامة القحطاني وآخرونلا كلام له في هذا الباب
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)بإشراف علوي السقافلا كلام له في هذا الباب
عرضٌ لما في كتب المذاهب، وليس فتوى.في الخريطة: القسمة