وما عداه يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه
الشروح عليها
(وما عداه) أي عدا ما اشترى بكيل أو وزن أو عد أو ذرع كالعبد والدار و (يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه) لقول ابن عمر: «كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم فنأخذ عنها الدنانير وبالعكس، فسألنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: " لا بأس أن تؤخذ بسعر يومها ما لم يفترقا وبينهما شيء» رواه الخمسة، إلا المبيع بصفة أو رؤية متقدمة فلا يصح التصرف فيه قبل قبضه
لا زيادة له على هذه المسألة.
والدار . (يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه) أي ببيع، وإجارة، ورهن، وعتق، وغير ذلك، سواء تمكن من قبضه أولا،
وعنه: لا يجوز: وهو قول أكثر العلماء، ومذهب أبي حنيفة والشافعي، لا يرون بيع شيء قبل قبضه، واختاره الشيخ وغيره.
قبضه) لقول ابن عمر: كنا نبيع الإبل بالبقيع وللبيهقي: في بقيع الغرقد، ولم يكن إذا ذاك فيه قبور والآن هو معروف بالمقبرة شرقي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الخمسة . إلا المبيع بصفة، أو رؤية متقدمة ولو كان غير مكيل، أو موزون، أو معدود، أو مذروع.
رؤية متقدمة فلا يصح التصرف فيه قبل قبضه أي قبض مشتر، لأنه تعلق به حق توفية، فأشبه المبيع بكيل أو نحوه،
وظاهره: ولو بعتق، أو جعله مهرا ونحوه، ولعله غير مراد، بل المراد التصرف السابق.
«وما عداه يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه» أي: ما عدا ما اشتري بكيل، أو وزن، أو عد، أو ذرع، أو رؤية سابقة أو صفة، فيجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه.
مثاله: باع عبداً، أو بعيراً، أو داراً، أو سيارة معينة ولم يقبضها، فيجوز أن يتصرف فيها قبل القبض؛ لأنه لا يحتاج إلى توفية، أي ليس مبيعاً بكيل حتى يحتاج إلى كيل، وربما يزيد أو ينقص، أو وزن وربما يزيد أو ينقص، فهذا شيء معين يجوز أن تبيعه قبل قبضه ولو في مكان بيعه. والقول الثاني: أنه لا يجوز أن يتصرف في المبيع قبل قبضه مطلقاً في كل شيء، وهذا ما ذهب إليه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حيث قال:«ولا أحسب كل شيء إلا مثله»، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله،
وقال: إن المبيع لا يباع قبل القبض سواء بيع بكيل أو وزن أو عد أو ذرع أو رؤية سابقة أو صفة، وهذا الذي يؤيده حديث ابن عمر رضي الله عنهما :«أنهم كانوا يبيعون الطعام جزافاً على عهد النبي ﷺ في السوق فنهاهم أن يبيعوه حتى ينقلوه»، أي: إلى مكان آخر.
واستدل الشارح لهذه المسألة: بحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم ـ وفي لفظ بالنقيع بالدراهم ـ فنأخذ عنها الدنانير وبالعكس»، أي: بالدنانير فنأخذ الدراهم فسألنا رسول الله ﷺ فقال: «لا بأس أن تؤخذ بسعر يومها ما لم يفترقا وبينهما شيء».
والحديث دليل لا يطابق المدلول؛ وجه ذلك أن الحديث إنما هو بيع ما في الذمة، وليس بيع شيء معين، فقد كانوا يبيعون الإبل بالدراهم، والدراهم ثابتة في ذمة المشتري، ويبيعونها بالدنانير وهي ثابتة في ذمة المشتري، فيأخذون عن الدراهم دنانير، وعن الدنانير دراهم، وكلامنا نحن في الشيء المعين، هل يجوز أن يباع قبل أن يقبض أو لا؟ وعليه فلا دلالة في الحديث لما استدل به الشارح عليه ، وأنا سقت هذا الحديث لفائدة،
وهي أنه يجوز بيع الدين على من هو عليه بشرطين:
الشرط الأول: أن يكون بسعر يومه.
والشرط الثاني: أن يتقابضا قبل التفرق، لكن هذا فيما يشترط فيه التقابض كالدراهم بالدنانير، والدنانير بالدراهم، والبر بالشعير، والشعير بالبر، وما أشبهها.
أما شرط التقابض بين الدراهم والدنانير ونحوها فظاهر، ووجه ظهوره أنه لا يباع الشيء بالشيء في مثل هذه الصورة إلا بالتقابض؛ لقول النبي ﷺ في الذهب والفضة والبر والتمر والشعير والملح:«إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد»،
وأما كونها بسعر يومها فلئلا يربح فيما لا يدخل في ضمانه؛ لأن النبي ﷺ«نهى عن ربح ما لم يضمن».
مثاله: أن يكون لي في ذمة رجل دنانير فبعتها عليه بدراهم، وبيع الدنانير بالدراهم يشترط فيه القبض ولا يشترط التساوي للحديث:«إذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد»، فيعطيني الدراهم فقط، وليس بلازم أن يحضر الدنانير، فالدنانير عنده في ذمته قد قبضها.
مثال كونها بسعر يومها: إذا قدرنا أن عشرة دنانير قيمتها في السوق مائة درهم فأبيعها عليه بمائة درهم لا أزيد ولا أنقص؛ لأن النبي ﷺ قال:«بسعر يومها»،
فلو بعت الدنانير بمائة وعشرة فهذا لا يجوز؛ لأني ربحت عشرة في شيء في ذمة البائع لم يدخل في ضماني إلى الآن،
ولو بعت الدنانير العشرة ـ التي تساوي مائة ـ بتسعين،
فإذا نظرنا إلى ظاهر الحديث قلنا: إنه لا يجوز،
ولو نظرنا إلى العلة والحكمة فإن هذا الرجل الذي باع العشرة التي تساوي مائة بتسعين لم يربح، بل إنه أبرأ البائع من عشرة، لكن لم يُذْكر هذا في الحديث؛ لأنه أمر نادر، والذي يكون غالباً هو الربح، ولهذا قال الرسول ﷺ :«بسعر يومها»، وتحرير المسألة أن نقول: إذا باعها بأقل فقد زاد المدين خيراً،
وإن باعها بأكثر فقد ربح فيما لم يدخل في ضمانه، وهذا حرام ولا يجوز.
وقوله:«وما عداه يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه» ظاهر كلام المؤلف أنه يشمل حتى المبيع برؤية سابقة أو بصفة، ولم يتكلم على المبيع برؤية أو صفة، إنما تكلم على المكيل، والموزون، والمعدود، والمذروع، فظاهر كلامه أن ما عدا ذلك يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه، ولكن المذهب يلحقون ما بيع بصفة أو رؤية سابقة بالمكيل ونحوه؛ لأنه يحتاج إلى حق توفية، ولهذا إذا تغير المبيع عن الرؤية السابقة أو الصفة فله الخيار كما سبق، ونحن رجحنا أن كل مبيع لا يجوز بيعه إلا بعد القبض.
مسألة: هل يجوز بيع ثمر النخل على رؤوس النخل؟ أي: إذا اشتريتُ ثمراً، ثم بعتُها جاز، وهي من ضمان البائع،
فلو تلفت بآفة سماوية بعد أن بعتُها رجع المشتري عليّ، وأنا أرجع على البائع الأول.
إذاً ليس كل شيء يكون من ضمان البائع لا يصح التصرف فيه، بل قد يكون من ضمان البائع،
ويصح التصرف فيه كالثمر على رؤوس النخل.
فصارت الأشياء التي يصح التصرف فيها قبل القبض ستة أشياء: ما بيع بكيل، أو وزن، أو عدٍّ، أو ذرع، أو صفة، أو رؤية متقدمة، فهذه لا يصح التصرف فيها حتى تستوفى، وكلها مضمونة على البائع قبل أن تستوفى، ويُزاد شيء سابع وهو الثمر على الشجر، فإنه من ضمان البائع ومع ذلك يصح تصرف المشتري فيه.
هذا القبض الذي عرف ينفع في مواضع كثيرة، ينفع في كل ما يعتبر فيه القبض شرطاً لصحته أو شرطاً للزومه، كل ما يعتبر القبض فيه شرطاً لصحته كمسائل الربا، أو شرطاً للزومه كمسألة الرهن والهبة، فإنه على المذهب لا تلزم إلا بالقبض، فمعرفة ما يحصل به القبض أمر لا بد منه وليس مسألة هينة؛ لأنه سيمر في مواضع كثيرة من أبواب الفقه.
وَإِنْ تَلِفَ مَا عَدَا المَبِيْعَ بِكَيْلٍ وَنَحْوِهِ فَمِنْ ضَمَانِهِ مَا لَمْ يَمْنَعْهُ بَائع مِن قَبْضِهِ.
«وإن تلف ما عدا المبيع بكيل ونحوه فمن ضمانه» أي: ضمان المشتري، و «ما» هنا اسم موصول بمعنى «الذي» و «عدا» بمعنى «جاوز» أو بمعنى «سوى»، أي: إن تلف ما سوى المبيع بكيل ونحوه وهو: الوزن، والعد، والذرع «فمن ضمانه» أي من ضمان المشتري.
ودليل ذلك قول النبي ﷺ :«من باع عبداً وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع»، فجعل الملك ينتقل بمجرد العقد، والأصل أن الضمان على من انتقل الملك إليه لحديث «الخراج بالضمان»، أي: من له غنم شيء فعليه غرمه، فكما أن الملك للمشتري وله غنم المملوك فعليه ـ أيضاً ـ غرمه،
فإذا تلف ما عدا المبيع السابق وقد عددناه سبعة أصناف فهو من ضمان المشتري؛ ولأن ذلك لا يحتاج إلى حق توفية وقال ابن عمر رضي الله عنهما :«مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حياً مجموعاً فمن ضمان المشتري» يعني ما أدركته الصفقة غير محتاج إلى أن يستوفى، فهو من ضمان المشتري.
وهل كلام المؤلف هنا على ظاهره؛ لأنه لم يستثن إلا ما بيع بكيل ونحوه؟
الجواب: ليس على ظاهره؛
لأننا نقول: وإن تلف ما عدا المبيع بكيل أو وزن أو عد أو ذرع أو صفة، أو رؤية سابقة أو الثمر على الشجر، فالمؤلف أسقط ثلاث مسائل، وعليه فيكون قوله:«ما عدا المبيع بكيل ونحوه» فيه قصور، والصواب أن يزاد ثلاثة أشياء المبيع برؤية سابقة، أو بصفة، والثمر على الشجر.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.