شروطها قبلها منها: الوقت والطهارة من الحدث "والنجس" .
الشروح عليها
باب شروط الصلاة] الشرط ما لا يوجد المشروط مع عدمه،
ولا يلزم أن يوجد عند وجوده. (شروطها) أي ما يجب لها (قبلها) أي تتقدم عليها وتسبقها إلا النية فالأفضل مقارنتها للتحريمة.
ويجب استمرارها أي الشروط فيها وبهذا المعنى فارقت الأركان. (منها) أي من شروط الصلاة: الإسلام والعقل والتمييز، وهذه شروط في كل عبادة إلا التمييز في الحج ويأتي، ولذلك لم يذكرها كثير من الأصحاب هنا.
ومنها (الوقت) قال عمر: الصلاة لها وقت شرطه الله لها لا تصح إلا به، وهو «حديث جبريل حين أم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الصلوات الخمس ثم قال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك» ، فالوقت سبب وجوب الصلاة؛ لأنها تضاف إليه وتتكرر بتكرره. (و) منها (الطهارة من الحدث) لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» متفق عليه. (و) الطهارة من (النجس) فلا تصح الصلاة مع نجاسة بدن المصلي أو ثوبه أو بقعته ويأتي.
والصلوات المفروضات خمس في اليوم والليلة،
ولا يجب غيرها إلا لعارض كالنذر.
مع عدمه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده هذا هو المشهور فإذا عدمت الشروط أو بعضها عدمت الصلاة،
ولا يلزم من وجودها وجود الصلاة، ويقال: تعليق أمر بأمر كل منهما في المستقبل، يعني إذا وجد الشرط صحت الصلاة، ويعبر عنه أيضا بإلزام الشيء والتزامه وهو عقلي كالحياة للعلم، ولغوي كإن دخلت الدار فأنت طالق، وشرعي وهو ما يتوقف عليه صحة مشروطة إن لم يكن عذر، كالطهارة للصلاة، ولا يدخل فيه ولا يؤثر فيه، ولا يوصل إليه في الجملة، والشرط مع المشروط كالصفة مع الموصوف، والشرط والفرض يشتركان في توقف الماهية عليهما، ويفترقان في أن الشرط يكون خارج الماهية، والفرض داخلها، وأيضا فالشرط يجب استصحابه في الماهية من أولها إلى آخرها، والفرض ينقضي ويأتي غيره، واعتبر ذلك بغسل الوجه ونحوه.
مقارنتهما للتحريمة . ويجب استمرارها أي الشروط فيها أي في الصلاة إلى انقضائها، وتعبيره بـ (أي) ينبئ أن العبارة من المتن ولم أره فيه.
استمرارها أي الشروط فيها وبهذا المعنى فارقت الأركان أي بوجوب استمرار الشروط فيها فارقت الشروط الأركان، لأنه لا يجب استمرار الأركان فيها.
وقت شرطه الله لها لا تصح إلا به وأجمع المسلمون على أن للصلوات الخمس أوقاتًا مخصوصة محدودة لا تجزئ قبلها قال تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا *} أي مفروضا في الأوقات، والمفروض هو المقدر المحدود،
فإن التوقيت والتقدير والتحديد والفرض ألفاظ متقاربة، والمراد الوقت الذي عينه الله لأداء هذه العبادة، وهو القدر المحدود للفعل من الزمان، ويأتي في مواضعه.
قال: «يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك» أي والوقت الذي أجمله عمر مفصل حديث جبرئيل،
وقال بعضهم صوابه وهو ما في حديث جبريل، والحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه من حديث ابن عباس: «أمني جبرئيل عند البيت مرتين» ، يعني في أول الوقت وفي آخره: «ثم قال: الوقت ما بين هذين الوقتين» ، ولأحمد وغيره من حديث جابر قال قم فصل، فذكر نحوه، ثم قال: ما بين هذين الوقتين وقت، قال البخاري والشيخ وغيرهما: هو أصح شيء في المواقيت، وسيأتي وأصله في الصحيحين أن جبرئيل نزل فصلى ثم صلى، الحديث ثم قال: بهذا أمرت، وبين ابن إسحاق وغيره أن ذلك كان صبيحة الليلة التي فرضت فيها الصلوات، وهي ليلة الإسراء وإمامة جبرئيل به صلى الله عليه وسلم بلغت حد التواتر، قال ابن عبد البر: لم يختلف أن جبرئيل هبط صبيحة الإسراء عند الزوال فعلم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ومواقيتها وهيئتها،
وفي الباب أحاديث، منها حديث بريدة في الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت الصلاة، فصلى يومين أول الوقت وآخره ثم قال: «صلاتكم بين ما رأيتم» ، رواه مسلم، وله نحوه عن عمرو بن شعيب وعبد الله بن عمر وغيرهما.
الأنبياء من قبلك» . فالوقت سبب وجوب الصلاة أي سبب نفس الوجوب، إذ سبب وجوب الأداء الخطاب، والسبب الجزء المتصل بالأداء لا كله،
وفي الإنصاف، السبب قد يجتمع مع الشرط،
وإن كان ينفك عنه، فهو هنا سبب الوجوب، وشرط للصحة،
بخلاف غيره من الشروط فإنها شروط للصحة فقط، وأجمعوا على أنها تجب بأول الوقت، لقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} إلا أبا حنيفة فقال: تجب بآخره،
وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر: كيف بك إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها أي أول وقتها، كما هو المنقول عن أولئك الأمراء، قال له: صل الصلاة لوقتها، أي لأول وقتها، وأجمعوا على فضيلة الإتيان بها أول الوقت في الجملة لهذه الآية وقوله: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم «سأل أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها» ،
وفي رواية لوقتها، ولأبي داود والترمذي والحاكم وصححاه، أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها، وأصل طلب المسارعة إلى الخيرات والمسابقة إليها قطعي، قال ابن بطال: البدار إلى الصلاة في أول وقتها أفضل من التراخي، لأنه شرط، وجاء في ذلك أحاديث كثيرة، منها قوله: أول الوقت رضوان الله،
وقال الشيخ: الصلاة في وقتها فرض، والوقت أوكد فرائض الصلاة، وهي أحب الأعمال إلى الله إذا أقيمت لوقتها المستحب، قال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} ومن المحافظة عليها الإتيان بها أول وقتها، ويأتي قوله رحمه الله: أوله أفضل من آخره، إلا حيث استثناه الشارع، ولا ريب أن فعلها أوله هو اختيار النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه، فكانوا يصلون في أول الوقت، ولم يكونوا يختارون إلا ما هو الأفضل، والترمذي وغيره: ما صلى صلى الله عليه وسلم صلاة لوقتها إلا خير مرتين، حتى قبضه الله.
. فالوقت سبب وجوب الصلاة لأنها تضاف إليه أي لأن الصلاة تضاف إلى الوقت، فيقال: صلاة الظهر، وهي تدل على السببية.
وجوب الصلاة لأنها تضاف إليه . وتتكرر بتكرره أي الصلاة تتكرر بتكرر الوقت، فكلما دخل الوقت وجبت الصلاة، وشرط للوجوب كالأداء وغيره، وبقية الشروط للأداء مع القدرة دون الوجوب.
. وتتكرر بتكرره (و) منها (الطهارة من الحدث) أي ومن شروط الصلاة الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر وتقدم.
خمس في اليوم والليلة . ولا يجب غيرها أي غير الصلوات الخمس، لما في الصحيحين أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما افترض الله على عباده من الصلوات؟ قال: «خمس صلوات» قال: هل على غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطوع» ، فحلف الرجل لا يزيد عليها ولا ينقص، فقال صلى الله عليه وسلم أفلح الرجل إن صدق.
والليلة . ولا يجب غيرها إلا لعارض كالنذر فيجب الوفاء به، وأما الوتر فسيأتي.
بابُ شُرُوط الصَّلاة الشَّرط لُغةً: العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ ، أي: علاماتها.
والشَّرطُ عند الأصوليين: ما يلزم من عَدَمِهِ العدمُ،
ولا يلزم من وجوده الوجودُ. مثل: الوُضُوء للصَّلاة؛ يلزمَ من عدمه عدم صحَّة الصَّلاة؛ لأنه شرط لصحَّة الصَّلاة،
ولا يلزم من وجوده وجود الصَّلاة،
فلو توضَّأ إنسان فلا يلزمه أن يُصلِّي، لكن لو لم يتوضَّأ وصلَّى لم تصحَّ. «شروط الصَّلاة»، الإضافة هنا على تقدير اللام، أي: شروط للصَّلاة، وذلك لأن الإضافة تارة تكون على تقدير «في»، وتارة تكون على تقدير «من»، وتارة تكون على تقدير اللام.
فتكون على تقدير «من» إذا كان الثاني جنساً للأول مثل: خَاتم حديد، أي: من حديد، وباب خشب، أي: من خشب.
وتكون على تقدير «في» إذا كان الثاني ظرفاً للأول كقوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ، أي: في الليل والنهار.
وما عدا ذلك على تقدير اللام، وهو الأكثر.
تنبيه:
اعترض بعضُ النَّاس على الفقهاء في كونهم يقولون: شروط، وأركان، وواجبات، وفروض، ومفسدات، وموانع، وما أشبه ذلك، وقالوا: أين الدَّليل من الكتاب والسُّنَّة على هذه التَّسمية، هل قال الرَّسول ﷺ : إن شروط الصَّلاة كذا، وأركانها كذا، وواجباتها كذا … فإن قلتم: نعم، فأرونا إيَّاه،
وإن قلتم: لا، فلماذا تُحْدِثُون ما لم يفعله الرَّسول ﷺ؟!.
والجواب: أنَّ مثل هذا الإيراد دليلٌ على قِلَّة فَهْمِ مُوْرِدِه، وأنَّه لا يُفَرِّق بين الغاية والوسيلة، فالعلماء لمَّا ذكروا الشُّروط والأركان والوجبات؛ لم يأتوا بشيء زائد على الشَّرع، غاية ما هنالك أنهم صَنَّفوا ما دَلَّ عليه الشَّرع؛ ليكون ذلك أقرب إلى حصر العلوم وجمعها؛ وبالتَّالي إلى فهمها.
فهم يصنعون ذلك لا زيادة على شريعة الله، وإنما تقريباً للشَّريعة، والوسائل لها أحكام المقاصد، كما أنَّ المسلمين لا زالوا ـ وإلى الآن ـ يبنون المدارس، ويؤلِّفون الكتب وينسخونها،
وفي الأزمنة الأخيرة صاروا يطبعونها في المطابع، فقد يقول قائل أيضاً: لماذا تطبعون الكتب؛
وفي عهد الرَّسول عليه الصلاة والسلام كان النَّاس يكتبون بأيديهم، فلماذا تفعلون شيئاً محدثاً؟
فنقول: هذه وسائل يَسَّرَها اللَّهُ عز وجل للعباد؛ لتُقَرِّبَ إليهم الأمورَ، ولم يَزدِ العلماء في شريعة الله شيئاً، بل بوَّبوها ورتَّبوها، فمثلاً قول الرَّسول عليه الصلاة والسلام :«لا يقبل اللَّهُ صلاةً بغير طُهُور»،
فمِنْ هذا الحديث يُفهم أنه إذا صَلَّى الإنسانُ بغير طُهُور فصلاتُه باطلة، إذاً؛ الطُهُور شرط لصحَّة الصَّلاة، فما الفرق بين ذلك وبين أن أقول: يُشترط لصحَّة الصَّلاة الطُهُور،
فمَنْ لم يتطهَّر فلا صلاة له. وحينئذ نقول: لا اعتراض على صنيع الفقهاء رحمهم الله، بل هو من الصَّنيع الذي يُشكرون عليه؛ لما فيه من تقريب شريعة الله لعباد الله.
شُرُوطُهَا قَبْلَها منها الْوَقْتُ ................. «شُرُوطُهَا قَبْلَها»، جملة خبرية مركَّبة من مبتدأ وخبر، ومعناها أن الشرُوط تقع قبلها؛ لكن لا بُدَّ من استمرارها فيها، والأركان توافق الشُّروط في أنَّ الصَّلاة لا تصحُّ إلا بها،
لكن تُخالفها فيما يلي:
أولاً: أنَّ الشُّروط قبلها، والأركانَ فيها.
وثانياً: أنَّ الشُّروطَ مستمرَّة من قبل الدّخول في الصَّلاة إلى آخر الصَّلاة، والأركان ينتقل من ركن إلى ركن: القيام، فالرُّكوع، فالرَّفع من الرُّكوع، فالسُّجود، فالقيام من السُّجود، ونحو ذلك.
ثالثاً: الأركان تتركَّبُ منها ماهيَّةُ الصَّلاة
بخلاف الشُّروط، فَسَتْرُ العورة لا تتركَّبُ منه ماهيَّة الصَّلاة؛ لكنه لا بُدَّ منه في الصَّلاة. «منها الوقت»، «من» هنا للتبعيض، وهو يدلُّ على أنَّ هناك شروطاً أخرى، وهو كذلك؛ منها: الإسلام، والعقل، والتَّمييز، فهذه ثلاثة شروط لم يذكرها المؤلِّف؛ لأنَّ هذه الشُّروط معروفة، فكلُّ عبادة لا تصحُّ إلا بإسلامٍ وعقلٍ وتمييزٍ إلا الزَّكاة، فإنها تلزم المجنون والصَّغير على القول الرَّاجح،
وأما صحَّة الحجِّ من الصَّبي فلورود النصِّ بذلك.
والدَّليل على اشتراط الوقت: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ ، أي: مؤقَّتاً بوقته، وقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا *﴾ [الإسراء]. والأدلَّة من السُّنَّة كثيرة، منها قول النبيِّ ﷺ :«وقت الظُّهر إذا زالت الشمس، وكان ظلُّ الرَّجُلِ كطوله ما لم يحضرِ العصر، ووقت العصر ما لم تصفرَّ الشَّمسُ»، الحديث.
والصَّلاة لا تصحُّ قبل الوقت بإجماع المسلمين ،
فإن صلَّى قبل الوقت، فإن كان متعمِّداً فصلاته باطلة، ولا يسلم من الإثم،
وإن كان غير متعمِّد لظنِّه أنَّ الوقت قد دخل، فليس بآثم، وصلاته نَفْل، ولكن عليه الإعادة؛ لأنَّ من شروط الصَّلاة دخول الوقت.
وقول المؤلِّف:«منها الوقت»، هذا التَّعبير فيه تساهل؛ لأن الوقت ليس بشرط، بل الشَّرط دخول الوقت، لأننا لو قلنا: إنَّ الشَّرط هو الوقت، لزم ألا تصحَّ قبله ولا بعده، ومعلوم أنها تصحُّ بعد الوقت لعُذر؛ لقول النبيِّ ﷺ :«مَنْ نامَ عن صلاةٍ أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها»، وثبت عنه أنَّه صَلَّى الفجر بعد طلوع الشَّمس ، فتحريرُ العِبارة أن يقول:«منها دخول الوقت».
وسبقَ أن الصَّلاة قبل الوقت لا تصحُّ بالإجماع.
وهل تصحُّ بعد الوقت؟ نقول: إن كان الإنسان معذوراً فإنها تصحُّ بالنصِّ والإجماع.
أما النصُّ: فالقرآن والسُّنَّة.
أما القرآن: فإن النبيَّ ﷺ لما ذكر قوله: «من نام عن صلاة … » إلخ، تلا قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ، وتلاوته للآية استشهادٌ بها.
ومن السُّنَّة: الحديث السابق.
وأما الإجماع: فمعلومٌ.
وهل تصحُّ بعد خروج الوقت بدون عُذر؟
جمهور أهل العلم على أنها تصحُّ بعده مع الإثم .
والصَّحيح: أنها لا تصحُّ بعد الوقت إذا لم يكن له عُذر،
وأنَّ من تعمَّد الصَّلاة بعد خروج الوقت فإن صلاته لا تصحُّ،
ولو صَلَّى ألف مَرَّة؛ لأن الدَّليل حدَّد الوقت،
فإذا تعمَّد أن تكون صلاتُه خارج الوقت لم يأتِ بأمر الله، وقد قال النبيُّ ﷺ :«من عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ»، إذاً فتكون الصَّلاةُ مردودة.
وقد يُشكل على بعض الناس فيقول: إذا كان المعذور يلزمه أن يُصلِّي بعد الوقت،
وإذا تعمَّد يُقال: لا يصلِّي!! أليس إلزام المتعمِّد بالقضاء أَولى من إلزام المعذور.
فيقال: إن قولنا للمتعمّد: لا يقضي بعد الوقت؛ ليس تخفيفاً عليه، ولكن ردًّا لعَمَلِه؛ لأنه على غير أمر الله وهو آثم، فيكون هذا أبلغ في رَدْعِهِ وأقربُ لاستقامته، والذي صَلَّى وهو معذور بعد الوقت غير آثم. إذاً؛ المتعمّد عليه أن يتوبَ إلى الله تعالى مما فعله، ولا يُصلِّي.
والطَّهَارةُ مِن الحَدَثِ، والنَّجَسِ ............. «والطَّهارة من الحدث»، أي:
ومن شروط الصَّلاة: الطهارة من الحدث، ودليل ذلك من القرآن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
ووجه الدلالة: أن الله تعالى أمر ـ إذا قمنا إلى الصَّلاة ـ بالوُضُوء من الحدث الأصغر، والغُسُل من الجنابة، والتيمُّم عند العدم، وبَيَّن أن الحكمةَ في ذلك التطهير. إذاً؛ الإنسان قبل ذلك غيرُ طاهر،
ومن كان غيرَ طاهر فإنه غيرُ لائق أن يكون قائماً بين يدي الله عز وجل.
وأما الدَّليل من السُّنَّة: فمنه قول النبيِّ ﷺ: «لا يقبلُ الله صلاةَ أحدِكُم إذا أحدثَ حتى يتوضَّأ»، وهذا نصٌّ صريحٌ وقال ﷺ :«لا صلاة بغير طُهُور». «والنَّجَس»،
أي: ومن شروط الصَّلاة الطهارة من النَّجس.
وقد تقدم ـ في باب إزالة النَّجاسة ـ بيانُ الأعيان النجسة . والطَّهارةُ من النَّجس يعني: في الثوب، والبقعة، والبدن، فهذه ثلاثة أشياء.
فالدليل على اشتراط الطهارة من النَّجاسة في الثَّوب:
أولاً: ما جاء في أحاديث الحيض أن الرَّسول ﷺ سُئل عن دم الحيض يصيب الثَّوب فأمر أن «تَحُتَّه ثم تَقْرُصَه بالماء، ثم تَنْضِحَهُ، ثم تصلِّي فيه»، وهذا دليل على أنه لا بُدَّ من إزالة النَّجاسة.
ثانياً: أن الرَّسول ﷺ أُتيَ بصبيٍ لم يأكل الطَّعام؛ فبالَ في حِجْرِه، فدعا بماءٍ فأتبعه إيَّاه . وهذا فعل، والفعل لا يقوى على القول بالوجوب، لكن يؤيِّده ما جاء في الحديث السابق.
ثالثاً: أنَّ الرَّسول ﷺ صلَّى ذات يوم بنعليه، ثم خلع نعليه، فخلع الصحابةُ نِعالهم، فسألهم حين انصرف من الصَّلاة: لماذا خلعوا نعالهم؟ فقالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال:«إنَّ جبريل أتاني فأخبرني أنَّ فيهما أذًى أو قذراً»، وهذا يدلُّ على وجوب التَّخلي من النَّجَاسة حال الصَّلاة في الثوب.
والدَّليل على اشتراط الطَّهارة من النَّجاسة في البدن:
أولاً: كُلُّ أحاديث الاستنجاء والاستجمار تدلُّ على وجوب الطَّهارة من النَّجاسة؛ لأن الاستنجاء والاستجمار تطهير للمحلِّ الذي أصابته النَّجَاسة.
ثانياً: أمْرُ النبيِّ ﷺ بغسل المذي يدلُّ على أنَّه يُشترط التَّخلِّي من النَّجاسة في البدن.
ثالثاً: إخباره عن الرَّجُلين اللذين يُعذَّبان في قبريهما؛ لأن أحدهما كان لا يَسْتَنْزِهُ من البول .
والدَّليل على اشتراط الطَّهارة من النَّجاسة في المكان:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ .
ثانياً: أنه لما بال الأعرابيُّ في المسجد؛ أمرَ النبيُّ ﷺ بذَنُوبٍ من ماء فأُهريق عليه . إذاً؛ فلا بُدَّ من اجتناب النَّجاسة في هذه المواطن الثلاثة، وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ الكلام على اجتناب النَّجاسة مفصَّلاً في كلام المؤلِّف .
فَوَقْتُ الظُّهْرِ مِنَ الزَّوَالِ إِلى مُسَاوَاةِ الشَّيءِ فَيْئَه بَعْدَ فَيءِ الزوال.
ثم شرع المؤلِّف رحمه الله في بيان أوقات الصَّلاة تفصيلاً فقال: «فوقت الظُّهر من الزَّوال»، بدأ بها المؤلِّف؛ لأن جبريل بدأ بها حين أَمَّ النبيَّ ﷺ، ولأن الله تعالى بدأ بها حين ذكر أوقات الصَّلاة فقال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ الآية ، وبعض العلماء يبدأ بالفجر ؛ لأنها أوَّل صلاة النَّهار، ولأنَّها هي التي يتحقَّق بالبَدَاءة بها أن تكون صلاة العصر الوسطى من حيثُ العدد. والخَطْبُ في هذا سَهْلٌ، يعني سواء بدأنا بالظُّهر، أو بدأنا بالفجر، المهم أن نعرف الأوقات.
«إلى مُسَاواةِ الشَّيءِ فيئَه»، أي: ظِلَّه، «بعد فيءِ الزَّوال»، يقول بعضُ أهل اللغة: الفيءُ هو الظِلُّ بعد الزَّوال،
وأما قبله فيُسمَّى ظلاً، ولا يُسمَّى فيئاً، وما قالوه له وجه، لأنَّ الفيءَ مأخوذ من فاء يفيء، إذا رجعَ، كأن الظِلَّ رجع بعد أن كان ضياء،
أما الذي لم يزل موجوداً فلا يُسمَّى فيئاً؛ لأنَّه لم يزل مظلماً.
فقوله:«مساواةِ الشَّيءِ فيئَه بعد فيءِ الزَّوال»، وذلك أن الشَّمس إذا طلعت صار للشَّاخص ظِلٌّ نحو المغرب ـ والشَّاخص الشيء المرتفع ـ ثم لا يزال هذا الظِلُّ ينقص بقدر ارتفاع الشمس في الأُفق حتى يتوقف عن النقص،
فإذا توقَّف عن النقص، ثم زاد بعد توقُّف النقص ولو شعرة واحدة فهذا هو الزَّوال، وبه يدخل وقت الظُّهر.
وقوله:«بعد فيءِ الزَّوال»، أي: أنَّ الظِلَّ الذي زالت عليه الشمس لا يُحسب، ففي وقتنا الآن حين كانت الشِّمس تميل إلى الجنوب لا بُدَّ أن يكون هناك ظِلٌّ دائمٌ لكلِّ شاخص من النَّاحية الشِّمالية له، وهذا الظِلُّ لا يُعتبر،
فإذا بدأ يزيد فَضَعْ علامةً على ابتداء زيادته، ثم إذا امتدَّ الظِلُّ من هذه العلامة بقدر طول الشَّاخص، فقد خرج وقت الظُّهر، ودخل وقت العصر، ولا فرق بين كون الشَّاخص قصيراً أو طويلاً، لكن تَبَيُّن الزِّيادة والنقص في الظِلِّ فيما إذا كان طويلاً أظهر.
أما علامة الزَّوال بالسَّاعة فاقسمْ ما بين طُلوع الشَّمس إلى غروبها نصفين، وهذا هو الزَّوال،
فإذا قدَّرنا أن الشمس تطلع في الساعة السادسة، وتغيب في الساعة السادسة، فالزوال في الثانية عشرة.
وَتَعْجِيْلُها أَفْضَلُ إِلاَّ في شِدَّةِ حَرٍّ ............
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.