ودون درهم من دم مطلقا
الشروح عليها
(وَ) كَ (دُونِ) مِسَاحَةِ (دِرْهَمٍ) بَغْلِيٍّ وَهِيَ الدَّائِرَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي ذِرَاعِ الْبَغْلِ (مِنْ) عَيْنٍ أَوْ أَثَرِ دَمٍ (مُطْلَقًا) مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَلَوْ دَمَ حَيْضٍ أَوْ خِنْزِيرٍ فِي ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ أَوْ مَكَان وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَا كَانَ قَدْرَ الدِّرْهَمِ لَا يُعْفَى عَنْهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ
وَالْمُعْتَمَدُ الْعَفْوُ لَا مَا فَوْقَ الدِّرْهَمِ وَلَوْ أَثَرًا
(قَوْلُهُ: وَدُونَ دِرْهَمٍ) أَيْ وَلَوْ كَانَ مَخْلُوطًا بِمَائِعٍ حَيْثُ كَانَ بِالْمَائِعِ دُونَ دِرْهَمٍ.
وَأَمَّا لَوْ صَارَ دُونَ الدِّرْهَمِ بِالْمَائِعِ أَكْثَرَ مِنْ مِسَاحَةِ الدِّرْهَمِ فَلَا عَفْوَ
وَأَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ " مِسَاحَةِ " إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْمِسَاحَةُ لَا الْكَمِّيَّةُ فَإِذَا كَانَ دُونَ مِسَاحَةِ الدِّرْهَمِ فَالْعَفْوُ وَلَوْ كَانَ الدَّمُ قَدْرَ الدِّرْهَمِ أَوْ أَكْثَرَ فِي الْكَمْيَّةِ وَذَلِكَ كَنُقْطَةٍ مِنْ الدَّمِ ثَخِينَةٍ قَالَ بْن وَاعْلَمْ أَنَّ هُنَا قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ الدَّمِ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا فَهُوَ مُغْتَفَرٌ مُطْلَقًا فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ،
وَالثَّانِي لِلْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ أَنَّ اغْتِفَارَهُ مَقْصُورٌ عَلَى الصَّلَاةِ فَلَا تُقْطَعُ لِأَجْلِهِ إذَا ذَكَرَهُ فِيهَا وَلَا يُعِيدُ.
وَأَمَّا إذَا رَآهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِغَسْلِهِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهَا يُؤْمَرُ بِغَسْلِهِ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَحَمَلَهَا ابْنُ هَارُونَ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَحَمَلَهَا عِيَاضٌ وَأَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى الْوُجُوبِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ جَرَى هُنَا عَلَى مَذْهَبِ الْعِرَاقِيِّينَ لِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ أَظْهَرُ
وَلِمَا فِي ح عَنْ سَنَدٍ مِمَّا يَقْتَضِي أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَقَرَّرَهُ عج وَحِّ بِمَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ لَكِنْ اقْتَصَرُوا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهَا لِلِاسْتِحْبَابِ تَبَعًا لِلْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ هَارُونَ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ ضَعِيفٌ) اعْلَمْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِيهَا ثَلَاثُ طُرُقٍ الْأُولَى طَرِيقَةُ ابْنِ سَابِقٍ وَهِيَ أَنَّ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ يُعْفَى عَنْهُ اتِّفَاقًا وَمَا فَوْقَهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ اتِّفَاقًا وَفِي الدِّرْهَمِ رِوَايَتَانِ
وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الْعَفْوِ، وَالثَّانِيَةُ لِابْنِ بَشِيرٍ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ يُعْفَى عَنْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالدِّرْهَمُ وَمَا فَوْقَهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ الْيَسِيرُ قَدْرُ رَأْسِ الْخِنْصَرِ وَالدِّرْهَمُ كَثِيرٌ، وَالثَّالِثَةُ مَا رَوَاهُ ابْنُ زِيَادٍ وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْإِرْشَادِ أَنَّ الدِّرْهَمَ مِنْ حَيِّزِ الْيَسِيرِ وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ دَمِ غَيْرِ أَثَرِ دُمَّلٍ،
وَأَمَّا أَثَرُهُ فَيُعْفَى عَنْهُ مُطْلَقًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ إذَا لَمْ يَنْكَ،
فَإِنْ نَكَى عُفِيَ عَمَّا قَلَّ فَقَطْ كَمَا يَأْتِي
(قَوْلُهُ: لَا مَا فَوْقَ الدِّرْهَمِ وَلَوْ أَثَرًا) أَيْ خِلَافًا لِلْبَاجِيِّ الْقَائِلِ: إنَّ الْأَثَرَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ مُطْلَقًا وَلَوْ فَوْقَ دِرْهَمٍ فَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
(وَقَوْلُهُ: وَقَيْحٍ وَصَدِيدٍ) أَيْ وَعُفِيَ عَنْ دُونِ الدِّرْهَمِ مِنْ قَيْحٍ وَصَدِيدٍ،
وَأَمَّا مَا خَرَجَ مِنْ نَفْطِ الْجَسَدِ مِنْ حَرٍّ أَوْ نَارٍ فَلَا شَكَّ فِي نَجَاسَتِهِ لَكِنَّهُ كَأَثَرِ الدُّمَّلِ يُعْفَى عَنْ كَثِيرِهِ وَقَلِيلِهِ إذَا لَمْ يَنْكَ،
فَإِنْ نَكَى كَانَ الْخَارِجُ حُكْمُهُ حُكْمُ الدَّمِ فَيُعْفَى عَنْ الدِّرْهَمِ فَدُونَ لَا مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، وَتَخْصِيصُ الْمُصَنِّفِ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ بِالذِّكْرِ مُشْعِرٌ بِعَدَمِ الْعَفْوِ عَنْ قَلِيلِ غَيْرِهَا مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ مَنِيٍّ أَوْ مَذْيٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَالْمَعْرُوفُ لَا مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ اغْتِفَارِ مِثْلِ رُءُوسِ الْإِبَرِ مِنْ الْبَوْلِ وَإِنَّمَا اخْتَصَّ الْعَفْوُ بِالدَّمِ وَمَا مَعَهُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو عَنْهُ؛ لِأَنَّ بَدَنَ الْإِنْسَانِ كَالْقِرْبَةِ الْمَمْلُوءَةِ بِالدَّمِ وَالْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ فَالِاحْتِرَازُ عَنْ يَسِيرِهَا عُسْرٌ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ النَّجَاسَاتِ، نَعَمْ أَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِالْمَعْفُوَّاتِ الْمَذْكُورَةِ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ بَوْلِ الطُّرُقَاتِ إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ جَسَدٍ أَوْ خُفٍّ مِثْلُ أَنْ تَزِلَّ الرِّجْلُ مِنْ النَّعْلِ وَهِيَ مَبْلُولَةٌ فَيُصِيبُهَا مِنْ الْغُبَارِ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مُخَالَطَةُ الْبَوْلِ لَهُ إذْ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ وَلِأَنَّ غُبَارَ الطَّرِيقِ الْأَصْلُ فِيهِ الطَّهَارَةُ فَيُعْفَى عَنْهُ وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ النَّجَاسَةَ
ص (وَدُونَ دِرْهَمٍ مِنْ دَمٍ مُطْلَقًا) . ش يَعْنِي أَنَّهُ يُعْفَى عَمَّا كَانَ دُونَ الدِّرْهَمِ مِنْ الدَّمِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ دَمَ حَيْضٍ، أَوْ مَيْتَةٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ الْحَيْضِ لِمُرُورِهِ عَلَى مَحَلِّ الْبَوْلِ وَرَوَاهُ ابْنُ أَشْرَسَ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ لَا يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ، وَلَا عَنْ يَسِيرِ دَمِ الْمَيْتَةِ، وَخَرَّجَ سَنَدٌ عَدَمَ الْعَفْوِ عَنْ دَمِ الْخِنْزِيرِ.
(فَرْعٌ) وَسَوَاءٌ كَانَ الدَّمُ مِنْ جَسَدِ الْإِنْسَانِ، أَوْ وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ خَارِجٍ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَرَأَى بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّ الْعَفْوَ خَاصٌّ بِمَا كَانَ مِنْ جَسَدِ الْإِنْسَانِ وَمَا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ خَارِجٍ فَكَالْبَوْلِ.
وَفِي اللَّخْمِيِّ يُخْتَلَفُ فِي الدَّمِ الْيَسِيرِ يَكُونُ فِي ثَوْبِ الْغَيْرِ ثُمَّ يَلْبَسُهُ الْإِنْسَانُ لِإِمْكَانِ الِانْفِكَاكِ. قَالَ سَنَدٌ مَا أَرَاهُ قَالَهُ إلَّا مِنْ رَأْيِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَفِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ الْجَوَاهِرِ أَنَّ فِي الْعَفْوِ عَمَّا أَصَابَهُ مِنْ بَدَنِ غَيْرِهِ قَوْلَيْنِ انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
وَفِي النَّظَرِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْجَوَاهِرِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَثَرَاتِ وَالْجُرْحِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَذَلِكَ يُعْفَى عَنْ الْقَلِيلِ مِنْهُ وَالْكَثِيرِ وَنَقَلَ الْخِلَافَ فِيهِ غَيْرُهُ وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي الْيَسِيرِ وَتَبِعَ ابْنُ نَاجِي الْمُصَنِّفَ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ شَاسٍ،
فَقَالَ: وَقِيلَ: إنْ أَصَابَهُ مِنْ غَيْرِهِ غَسَلَهُ. حَكَاهُ الْمَازِرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي دَمِ الْحَيْضِ وَحَكَاهُ ابْنُ شَاسٍ فِي سَائِرِ الدِّمَاءِ انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ سَنَدٌ ظَاهِرٌ فَإِنَّهُ قَالَ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحَائِضِ وَغَيْرِهَا. قَالَ التُّونُسِيُّ وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ إذَا عُفِيَ عَنْ يَسِيرِ الدَّمِ الْخَارِجِ مِنْ بَدَنِ الْمَرْءِ فِي ثَوْبِهِ فَكَذَلِكَ إذَا أَصَابَهُ مِنْ غَيْرِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ، وَقَالَ مَا أَرَاهُ إلَّا نَظَرًا مِنْهُ لَا نَقْلًا. وَاعْتَرَضَ ابْنُ نَاجِي وَابْنُ فَرْحُونٍ مَا فِي التَّوْضِيحِ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ شَاسٍ اعْتَمَدَ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ
ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ نَاجِي لَفْظَ اللَّخْمِيِّ،
وَقَالَ هَذَا كَالنَّصِّ فِي أَنَّهُ مِنْ رَأْيِهِ كَمَا قَالَ سَنَدٌ انْتَهَى.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ فَإِنَّهُ
قَالَ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ كَلَامَ ابْنِ شَاسٍ غَيْرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلَ ابْنِ رُشْدٍ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ التُّونُسِيِّ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَشَارَ إلَى إنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَنْكَرَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي دَمِ الْحَيْضِ لِنُدُورِ سَيْلِهِ وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ نَاجِي عَنْ ابْنِ الْعَطَّارِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ الدَّمِ فِي الْبَدَنِ لَا الثَّوْبِ انْتَهَى.
وَهُوَ خِلَافُ الْمَعْرُوفِ فِي الْمَذْهَبِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يُؤْمَرُ بِغَسْلِهِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْيَسِيرِ الْمَذْكُورِ هَلْ يُغْتَفَرُ مُطْلَقًا عَلَى جَمِيعِ الْوُجُوهِ حَتَّى يَصِيرَ كَالْمَائِعِ الطَّاهِرِ، أَوْ اغْتِفَارُهُ مَقْصُورٌ عَلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَقْطَعُ لِأَجْلِهِ إذَا ذَكَرَهُ فِيهَا، وَلَا يُعِيدُ.
وَأَمَّا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَيُؤْمَرُ بِغَسْلِهِ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ الْعِرَاقِيِّينَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ كَغَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا وَالثَّانِي عَزَاهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ لِلْمُدَوَّنَةِ وَعَزَاهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَابْنُ عَرَفَةَ نَاقِلًا عَنْ الْمَازِرِيِّ لِابْنِ حَبِيبٍ،
وَكَذَلِكَ ابْنُ نَاجِي قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَنَقُلْ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ مِثْلَ مَذْهَبِ الْعِرَاقِيِّينَ فَلَعَلَّ لَهُ قَوْلَيْنِ وَكَانَ الْمُصَنِّفُ اعْتَمَدَ تَرْجِيحَ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لِمَذْهَبِ الْعِرَاقِيِّينَ، أَوْ يَكُونُ مُرَادُهُ نَفْيَ الْوُجُوبِ.
(تَنْبِيهٌ) يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الدَّمَ الْيَسِيرَ وَجَمِيعَ النَّجَاسَاتِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا إذَا أَصَابَتْ طَعَامًا أَنَّهَا لَا تُنَجِّسُهُ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الْبُرْزُلِيِّ وَغَيْرِهِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(تَفْرِيعٌ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ) قَالَ فِيهَا إذَا رَآهُ فِي الصَّلَاةِ تَمَادَى وَلَمْ يَنْزِعْهُ،
وَإِنْ نَزَعَهُ فَلَا بَأْسَ. قَالَ سَنَدٌ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ لَا بَأْسَ الِاسْتِحْبَابَ وَعَدَمَهُ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ عَلَى مَذْهَبِهَا الِاسْتِحْبَابُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ كَبِيرُ عَمَلٍ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: ظَاهِرُ الْكِتَابِ أَنَّ لَهُ النَّزْعَ،
وَإِنْ كَانَ قَمِيصًا وَبِهِ قَالَ الْقَابِسِيُّ وَرَآهُ مِنْ الْعَمَلِ الَّذِي هُوَ مِنْ إصْلَاحِ الصَّلَاةِ لَا يُفْسِدُهَا كَثِيرُهُ.
وَقَالَ عِيَاضٌ مَعْنَاهُ مِمَّا لَيْسَ فِي نَزْعِهِ مَشَقَّةٌ، وَلَا شُغْلٌ فِي الصَّلَاةِ كَالْقَلَنْسُوَةِ وَالرِّدَاءِ وَالْعِمَامَةِ وَالْإِزَارِ وَشِبْهِهِ مُرَاعَاةً لِخِفَّةِ الْعَمَلِ وَقُرْبِهِ. وَقَيَّدَ ابْنُ يُونُسَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ يُرِيدُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ مَا يَسْتُرُهُ وَإِلَّا لَزِمَهُ إتْمَامُ الصَّلَاةِ بِهِ انْتَهَى.
وَهُوَ يُؤَيِّدُ اسْتِحْبَابَ النَّزْعِ وَكَانَ ابْنُ يُونُسَ قَبِلَ كَلَامَ الْقَابِسِيِّ.
وَأَمَّا سَنَدٌ فَقَالَ: إذَا كَانَ فِي نَزْعِهِ عَمَلٌ كَثِيرٌ فَلَا يَنْزِعْهُ؛ لِأَنَّ نَزْعَهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَتَرْكُ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا وَاجِبٌ وَفِعْلُ ذَلِكَ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْمُرَادُ بِالدِّرْهَمِ الدِّرْهَمُ الْبَغْلِيُّ أَشَارَ إلَيْهِ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَنَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ رَاشِدٍ وَمَجْهُولُ الْجَلَّابِ أَيْ الدَّائِرَةُ الَّتِي تَكُونُ بِبَاطِنِ الذِّرَاعِ مِنْ الْبَغْلِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ التَّوْضِيحِ،
وَفِي التِّلِمْسَانِيِّ شَارِحِ الْجَلَّابِ مِثْلُ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ النُّقُولُ فِيهَا نَظَرٌ وَالدِّرْهَمُ الْبَغْلِيُّ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ الْمُرَادُ بِهِ سِكَّةٌ قَدِيمَةٌ لِمَالِكٍ تُسَمَّى رَأْسَ الْبَغْلِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي تَحْرِيرِ التَّنْبِيهِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ: الدَّرَاهِمُ تَخْتَلِفُ، بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الدَّرَاهِمَ الْمَسْكُوكَةَ، وَقَدْ أَوْقَفْتُ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ مِمَّنْ أَدْرَكْنَاهُ عَلَى كَلَامِ النَّوَوِيِّ وَكَانَ قَدْ شَرَعَ فِي شَرْحِ التَّهْذِيبِ وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ نَحْوَ مَا ذَكَرَ ابْنُ رَاشِدٍ فَرَجَعَ وَأَصْلَحَ كِتَابَهُ.
(قُلْتُ:) وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ مُتَقَارِبٌ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ ابْنِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّ قَدْرَ الدِّرْهَمِ قَدْرُ فَمِ الْجُرْحِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
وَقِيلَ: إنَّ الْيَسِيرَ قَدْرُ الْخِنْصَرِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ صَاحِبِ الْإِرْشَادِ: إنَّ الْمُرَادَ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - مِسَاحَةُ رَأْسِهِ لَا طُولُهُ فَإِنَّ طُولَهُ أَكْثَرُ مِنْ الدِّرْهَمِ.
وَقَالَ فِي مَجْهُولِ الْجَلَّابِ يَعْنُونَ بِهِ الْأُنْمُلَةَ الْعُلْيَا.
وَقَالَ ابْنُ هَارُونَ الْمُرَادُ إذَا كَانَ مُنْطَوِيًا انْتَهَى.
وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ لَأُجِيبَكُمْ بِتَحْدِيدِهِ، هُوَ ضَلَالُ الدَّرَاهِمِ تَخْتَلِفُ فَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ يُرْجَعُ فِيهِ لِلْعُرْفِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ فِي الْعَارِضَةِ.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَلَمْ يَعْتَمِدْ الْمُتَأَخِّرُونَ تَشْهِيرَهُ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مَالِكٍ تُعَادُ الصَّلَاةُ مِنْ كَثِيرِ الدَّمِ وَكَثِيرُهُ نِصْفُ الثَّوْبِ فَأَكْثَرَ قَالَ وَكُلُّ مَنْ لَقِيتُهُ يَقُولُ هُوَ قَوْلٌ غَرِيبٌ بَعِيدٌ،
وَفِي أَوَّلِ الْإِكْمَالِ وَنَقَلَ الْمُخَالِفُ عَنْ مَذْهَبِنَا فِي ذَلِكَ قَوْلًا مُنْكَرًا عِنْدَنَا انْتَهَى.
فَلَعَلَّهُ الْقَوْلُ الْمُتَقَدِّمِ. الثَّانِي جَعَلَ الْمُصَنِّفُ هُنَا الدِّرْهَمَ مِنْ حَيِّزِ الْكَثِيرِ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ وَجَعَلَهُ فِي الرُّعَافِ مِنْ حَيِّزِ الْيَسِيرِ وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي وَرِوَايَةُ ابْنِ زَيْدٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْإِرْشَادِ فَجَمَعَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ سَابِقٍ أَنَّ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ يَسِيرٌ وَمَا فَوْقَهُ كَثِيرٌ،
وَفِي الدِّرْهَمِ رِوَايَتَانِ. وَطَرِيقَةُ ابْنِ بَشِيرٍ أَنَّ الدِّرْهَمَ كَثِيرٌ اتِّفَاقًا وَقَدْرُ الْخِنْصَرِ يَسِيرٌ وَفِيمَا بَيْنَهُمَا قَوْلَانِ
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَطَرِيقَةُ ابْنِ بَشِيرٍ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِثُبُوتِ الْخِلَافِ فِي الدِّرْهَمِ، وَقَدْ اعْتَرَضَهُ ابْنُ عَرَفَةَ أَيْضًا وَالِاعْتِرَاضُ يَأْتِي عَلَى مَا نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ،
وَكَلَامُهُ فِي التَّنْبِيهِ خِلَافُ ذَلِكَ قَالَ: فَأَمَّا مَا فَوْقَ الدِّرْهَمِ فَكَثِيرٌ بِلَا خِلَافٍ.
وَأَمَّا الْخِنْصَرُ فَيَسِيرٌ وَمَا بَيْنَ الدِّرْهَمِ وَالْخِنْصَرِ فِيهِ قَوْلَانِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ عَيْنُ الدَّمِ دُونَ أَثَرِهِ وَأَنَّ مَا فَوْقَ الدِّرْهَمِ مِنْ أَثَرٍ يَسِيرٌ انْتَهَى. فَتَأَمَّلْهُ.
(وَدُونَ دِرْهَمٍ مِنْ دَمٍ مُطْلَقًا) اُنْظُرْ هَذَا بَيْنَ رُؤْيَتِهِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ قَبْلَهَا فَرْقٌ، خِلَافًا لِلدَّاوُدِيِّ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يُغْسَلُ قَلِيلُ كُلِّ دَمٍ وَلَوْ كَانَ مِنْ ذُبَابٍ إلَّا أَنْ يَرَاهُ فِي صَلَاةٍ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: مَنْ رَأَى فِي صَلَاتِهِ دَمًا يَسِيرًا فِي ثَوْبِهِ دَمَ حَيْضٍ أَوْ غَيْرَهُ تَمَادَى وَلَوْ نَزَعَهُ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا،
وَإِنْ كَثُرَ قَطَعَ وَنَزَعَهُ وَابْتَدَأَ الْفَرِيضَةَ بِإِقَامَةٍ وَإِنْ كَانَ نَافِلَةً قَطَعَ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ قَدْرَ الْخِنْصَرِ قَلِيلٌ وَرَوَى عَلِيٍّ قَدْرِ الدِّرْهَمِ قَلِيلٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: فِي يَسَارَةِ الدِّرْهَمِ رِوَايَتَا عَلِيٍّ وَابْنِ حَبِيبٍ.
(ص) وَدُونَ دِرْهَمٍ مِنْ دَمٍ مُطْلَقًا (ش) أَيْ وَعُفِيَ عَنْ دُونِ الدِّرْهَمِ مِنْ عَيْنِ الدَّمِ إذْ الْأَثَرُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَلَوْ فَوْقَ الدِّرْهَمِ سَوَاءٌ كَانَ دَمَ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ مَيْتَةٍ أَوْ خِنْزِيرٍ مِنْ الْجَسَدِ أَوْ خَارِجِهِ فِي ثَوْبِهِ أَوْ ثَوْبِ غَيْرِهِ أَوْ بَدَنِهِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجِهَا وَمَحَلُّ الْعَفْوِ الْمَذْكُورِ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ كَمَا هُوَ سِيَاقُ الْكَلَامِ لَا بِالنِّسْبَةِ لِلطَّعَامِ فَإِنَّ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ مِنْ الدَّمِ إذَا وَقَعَ فِي طَعَامٍ يُنَجِّسُهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَا كَانَ قَدْرَ دِرْهَمٍ لَا يُعْفَى عَنْهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَعَدَمُ الْعَفْوِ فِي الدِّرْهَمِ مُقَيَّدٌ بِمَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ وَأَثَرِ دُمَّلٍ إلَخْ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ دُونَ دِرْهَمٍ) أَيْ وَلَوْ كَانَ مُخْتَلِطًا بِمَائِعٍ حَيْثُ كَانَ دُونَ الدِّرْهَمِ
فَلَوْ كَانَ دُونَ الدِّرْهَمِ مُخَالِطًا لِمَاءٍ فَصَارَ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمٍ فَلَا يُعْفَى عَنْهُ وَمَعْنَى دُونَ دِرْهَمٍ أَيْ دُونَ مِسَاحَةِ دِرْهَمٍ يَعْنِي وَلَا عِبْرَةَ بِالْكَمِّيَّةِ فَقَدْ يَكُونُ دُونَهُ فِي الْمِسَاحَةِ، وَهُوَ قَدْرُهُ أَوْ أَكْثَرُ فِي الْكَمِّيَّةِ كَنُقْطَةٍ ثَخِينَةٍ قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ
(قَوْلُهُ مُطْلَقًا) مَصْدَرٌ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ لَا عَلَى الْحَالِ؛ لِأَنَّ دَمَ نَكِرَةٌ وَمَجِيءُ الْحَالِ مِنْ النَّكِرَةِ مِنْ غَيْرِ مُسَوِّغٍ ضَعِيفٌ أَيْ أَطْلَقَ مُطْلَقًا أَيْ أَطْلَقَ الْحُكْمَ فِيهِ إطْلَاقًا دُونَ تَقْيِيدٍ وَدُونَ مَنْصُوبٌ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَعُفِيَ عَنْ نَجِسٍ دُونَ دِرْهَمٍ
(قَوْلُهُ إذْ الْأَثَرُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ) الرَّاجِحُ أَنَّ الْأَثَرَ وَالْعَيْنَ سَوَاءٌ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ مَرْزُوقٍ
(قَوْلُهُ مِنْ الْجَسَدِ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ مِنْ جَسَدِهِ أَوْ خَارِجِهِ إذْ الدَّمُ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ الْجَسَدِ
(قَوْلُهُ فِي ثَوْبِهِ أَوْ ثَوْبِ غَيْرِهِ) وَلَوْ لَمْ يَحْتَجْ لَهُ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَوْ ثَوْبِ غَيْرِهِ إنْ احْتَاجَ لَهُ وَارْتَضَى شَيْخُنَا الصَّغِيرُ الْأَوَّلَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّأْنَ الِاحْتِيَاجُ لَهُ
(قَوْلُهُ وَمَحَلُّ الْعَفْوِ الْمَذْكُورِ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ) أَيْ وَلِدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْمُكْثِ فِيهِ لَا بِالنِّسْبَةِ لِلطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُ يُنَجِّسُهُ كَمَا سَبَقَ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ الدِّرْهَمِ.
(وَ) كَ (دُونَ) أَيْ أَقَلَّ مِنْ مِسَاحَةِ (دِرْهَمٍ) بَغْلِيٍّ أَيْ الدَّائِرَةِ السَّوْدَاءِ الَّتِي فِي بَاطِنِ ذِرَاعِ الْبَغْلِ وَإِنْ زَادَ عَلَى وَزْنِهِ لِثِخَنِهِ وَبَيْنَ دُونِ الدِّرْهَمِ بِقَوْلِهِ (مِنْ) عَيْنٍ أَوْ أَثَرِ (دَمٍ مُطْلَقًا) عَنْ تَقْيِيدِهِ بِكَوْنِهِ مِنْ بَدَنِ الْمُصَلِّي أَوْ غَيْرَ حَيْضٍ وَخِنْزِيرٍ أَوْ فِي بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ مَكَان وَمَفْهُومُ دُونَ دِرْهَمٍ أَنَّ الدِّرْهَمَ لَا يُعْفَى عَنْهُ وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ سَابِقٍ أَنَّ دُونَ الدِّرْهَمِ يُعْفَى عَنْهُ اتِّفَاقًا وَالزَّائِدُ عَلَيْهِ لَا يُعْفَى عَنْهُ اتِّفَاقًا وَفِي الدِّرْهَمِ رِوَايَتَانِ مَشْهُورُهُمَا عَدَمُهُ
وَالْمُعْتَمَدُ وَقَيْحٍ: وَصَدِيدٍ وَبَوْلِ فَرَسٍ لِغَازٍ بِأَرْضِ حَرْبٍ: وَأَثَرِ ذُبَابٍ مِنْ عَذِرَةٍ: وَمَوْضِعِ حِجَامَةٍ مُسِحَ.
فَإِذَا بَرِئَ غَسَلَ وَإِلَّا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ [منح الجليل] الْعَفْوُ عَنْهُ لَا عَمَّا زَادَ عَلَيْهِ وَلَوْ أَثَرًا وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ زِيَادٍ وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْإِرْشَادِ وَطَرِيقَةُ ابْنِ بَشِيرٍ أَنَّ الْيَسِيرَ قَدْرُ رَأْسِ الْأُصْبُعِ الْخِنْصِرِ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَبْلُغْ دِرْهَمًا يُعْفَى عَنْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالدِّرْهَمُ وَمَا فَوْقَهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ اتِّفَاقًا.
وَقَالَ الْبَاجِيَّ: الْأَثَرُ يُعْفَى عَنْهُ وَلَوْ زَادَ عَلَى دِرْهَمٍ وَضِعْفٍ.
ودون درهم من دم يعني أن ما دون الدرهم من الدم يعفى عن غسله فلا تقطع له الصلاة، وسواء في ذلك عين الدم وأثره على الراجح، وللباجي أن أثر الدم ولو فوق الدرهم يسير،
وفي حاشية الأمير: لا فرق بين المختلط وغيره حيث كان المختلط طاهرا، نعم إن خالطه نجس غير معفو عنه انتفى العفو، وخالفت الشافعية فعندهم نصف درهم مثلا من دم إذا طرأ عليه قدر نصفه ماء طهور لا يعفى عنه لأن النجس الماء،
وإذا طرأ عليه ذلك من عين الدم ما زال معفوا عنه، نعم في مذهبنا إذا وقع دون الدرهم في الطعام المائع ينجسه،
فإذا أصاب من هذا الطعام نجس دون الدرهم لم يعف عنه. انتهى. ومعنى قوله: مطلقا سواء كان دم حيض، أو نفاس، أو ميتة، أو خنزير من جسد أو غيره، رآه في صلاة أو خارجها في ثوبه أو ثوب غيره إن احتاج له كما قال ابن العربي: وإلا لم يعف عنه في حقه، وجعل الحطاب وبعض الشراح ثوب غيره كثوبه ولم يقيداه بالاحتياج، والظاهر أن القيد مراد قطعا وإن لم يصرحا به؛
إذ الكلام في جزئيات العفو عما يعسر فما لا يحتاج إليه لا مشقة فيه، ثم العفو بالنسبة للصلاة ولدخول مسجد مع مكث به،
وإذا كان الدم بأكثر من موضع بحيث إذا جمع يحصل منه ما لا يعفى عنه، لم يعف عنه، والمعتبر مساحة الدرهم لا وزنه،
فإن شك في أن المصيب درهم أو دونه عفي عنه،
وإن شك في أنه دونه أو أكثر لم يعف عنه، وأولى لو شك أنه درهم أو أكثر، والعفو عن دون درهم لا ينافي أنه يندب غسله قبل دخول الصلاة، وكراهة دخولها قبله.
وفي المدونة: لا بأس بنزع ما فيه يسير الدرهم المعفو عنه وهو في الصلاة بل يندب ذلك. ابن يونس: معناه إذا كان عليه ما يستره غيره وهو ظاهر،
فإن لم يكن عليه ما يستره غيره لزمه تمام الصلاة به. سند: إذا كان في نزعه عمل كبير فلا ينزعه؛ لأن نزعه ليس بواجب، وفعل العمل الكثير يفسد الصلاة. ورأى القابسي ذلك من إصلاح الصلاة فلا تفسد بكثيرة فاليسير كنزع القلنسوة والرداء والعمامة ونحو ذلك، ومفهوم قوله: "دون درهم" أن الدرهم من الدم لا يعفى عنه، وهو كذلك على أحد قولين متساويين، أو الراجح القول بالعفو،
وقد مر المص على العفو فيما يأتي من قوله في الرعاف: فإن زاد عن درهم قطع أي بطلت، والمراد بالدرهم هنا الدرهم البغلي نسبة إلى الدائرة التي بباطن ذراع البغل،
وقال النووي: نسبة إلى سكة قديمة لملك يسمى رأس البغل، والظاهر أن ذلك متقارب قاله الحطاب، وقوله: "ودون درهم" هو بيان للقدر اليسير الذي يعفى عنه من الدم،
وقيل: إن اليسير قدر الخنصر أي مساحة رأسه،
وفي سماع أشهب: لا أجيبكم لتحديده هو ضلال، الدراهم تختلف، فأشار إلى أنه يرجع فيه للعرف؛ وعليه اقتصر في العارضة. قال الجزولي: وهو المشهور، ولم يعتمد المتأخرون تشهيره. واعلم أن العراقيين قالوا: يعفى عن يسير الدم في الصلاة وخارجها،
وفي المدونة يؤمر بغسله إذا رآه خارج الصلاة، وإنما يعفى عنه فيها، فحملها ابن هارون والمص على الاستحباب، وحملها عياض وأبو الحسن وابن عبد السلام وغيرهم على الوجوب، لكن ابن عبد السلام استظهر مذهب العراقيين. انتهى ملخصا من الحطاب، وعبد الباقي، والشبراخيتي. وحاشية محمد بن الحسن.
وقال الحطاب: يؤخذ من كلام ابن عبد السلام أن الدم اليسير وجميع النجاسات المعفو عنها إذا أصابت طعاما أنها لا تنجسه والله أعلم. وقد تقدم عن البرزلي وغيره ما يخالف ذلك، وقوله: "مطلقا" رد به على ابن حبيب القائل لا يعفى عن يسير الحيض لمروره على محل البول ورواه ابن شأس عن مالك:
وقال ابن وهب: لا يعفى عن ذلك، ولا عن يسير دم الميتة، وخرج سند عدم العفو عن دم الخنزير، ورأى بعض الشيوخ أن العفو خاص بما كان من جسم الإنسان، وما وصل إليه من خارج فكالبول، وعن أبي بكر بن عبد الرحمن أنه يعفى عن يسير الدم في البدن لا الثوب، وهو خلاف المعروف في المذهب قاله الحطاب،
وفي ابن عرفة: وفي طهر الفم بانقطاع دمه نقلا اللخمي مرجحا الأول، وابن العربي مرجحا الثاني، وفيها: كره لمن بثوبه قطرة دم نزعه بفيه ومجه بل يغسله،
ومن بصق في صلاته دما فلا شيء عليه إن لم يتفاحش، وروى ابن حبيب: من دمى فوه بالمسجد انصرف حتى ينقطع وإن كان بغيره بصق حتى ينقطع، ولا يقطع صلاته إلا أن يكثر جدا يعني أنه يعفى عن دون الدرهم من القيح فلا تقطع له الصلاة، والقيح مدة لا يخالطها دم، رقيقة كانت أو غليظة قاله الشبراخيتي صديد يعني أن دون الدرهم من الصديد معفو عنه؛ وهو مدة رقيقة أو غليظة مخلوطة بدم قاله الشيخ عبد الباقي، وخصت هذه الثلاثة بهذا الحكم دون سائر النجاسات؛
لأن الاحتراز عن يسيرها عسير
بخلاف ما يخرج من الجسد من نحو حرق، ونص المص على القيح والصديد وإن كان أصلهما دما لأنهما أقذر فربما يتوهم عدم العفو عنهما، وألحق بعضهم بالمعفوات ما يغلب على الظن من بول الطرقات إذا لم يتبين فلا يجب غسله من ثوب أو خف أو جسد، مثل أن تزول الرجل من النعل وهي مبلولة فيصيبها من تراب الطريق ما يغلب على الظن مخالطة البول له إذ لا يمكن التحرز منه ولأن أصله الطهارة، وقوله: "ودون درهم" الخ هذا في غير أثر الدمل الذي لم ينكأ،
وأما الدمل الذي لم ينكأ فإنه يعفى عنه ولو زاد عن درهم، وقوله: "وقيح وصديد" ما ذكره المص فيهما هو مذهب المدونة، وعن مالك في المبسوطة عدم العفو عن يسيرهما، وصرح ابن هارون بأن المشهور أنهما كالدم،
وفي الإكمال في حديث شق العسيب على القبرين أن القليل من النجاسة والكثير غير معفو عنه وهو مذهب مالك وعامة الفقهاء إلا ما خففوه في الدم،
وقال الثوري كانوا يرخصون في الخفيف من البول، ورخص أهل الكوفة في مثل رؤوس الإبر،
وقال مالك والشافعي وأبو ثور: يغسل، وذكر إسماعيل القاضي أن غسل ذلك على طريق الاستحسان والتنزه وهذا مذهب الكوفيين خلاف المعروف من مذهبه. وحكى في الإكمال عن مالك: اغتفار ما تطاير من البول مثل رؤوس الإبر، ثم اغتفاره يحتمل أن يكون عند بوله لأنه محل الضرورة لتكرره، ويحتمل أن يكون عاما في كل يسير من البول كما هو ظاهر نقل عياض. والاحتمال الأول هو ظاهر نقل ابن بطال عنه. قال ابن الإمام: وهو أقرب لعسر الاحتراز منه حينئذ انتهى.
وفي الإرشاد: ويعفى عن يسير كل نجاسة ما عدا الأخبثين؛ وهو قدر الدرهم فدونه، قال الشيخ زروق يعني أن كل نجس خارج من الجسد يعفى عن قليله إلا البول والغائط، وليس ذلك إلا الدم وتوابعه من القيح والصديد انتهى. وعموم كلام الإرشاد مشكل ففي المدونة: والبول، والرجيع، والمني، والمذي، والودي، وخرء الطير التي تصل إلى النتن، وزبل الدواب وأبوالها قليله وكثيرة سواء يغسل، وتقطع منه الصلاة إلا أنه يدخل في قول الشارح: الدم وتوابعه ما يسيل من الجراح من مائة، أو من نفط النار، وما ينفط أيام الحر في بدن الإنسان فإن نجاسة ذلك واضحة كما مر في الكلام على القيح والصديد، ويكون ما خرج من تلك النفطات من نفسه بمنزلة ما يخرج من الدمل من غير إنكاء يعفى عن كثيرة وقليله قاله الحطاب.
وإذا اتصل اليسير المعفو عنه مما تقدم بماء فالظاهر أن العفو باق خلافا للشافعية كما يدل على ذلك فروع المذهب، قال ابن عبد السلام: والعفو لا تلزم إزالته فإن أزيل وبقي طعمه أو غيره عفي عنه؛ إذ العفو عن الكل يستلزم العفو عن الجزء،
وفي العارضة أن من دمي فمه ثم مج ريقه حتى ذهب الصحيح طهارته بالماء إن كان كثيرا،
وإن كان يسيرا عفيَ عنه ولا يطهر الريق شيئا. وذكر البرزلي في مصل أخذ نخامة بكمه ثم وجد فيها دما: لا إعادة عليه ليسارته ولو عرق من المستجمر موضع الاستجمار فانتشر حتى أصاب الثوب والجسد كان معفوا عن ذلك على الأصح، وقد قالوا في يسير الدم إن الأظهر أنه كالمائع الطاهر والله تعالى أعلم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.