ويطهر محل النجس بلا نية بِغَسْلِهِ إنْ عُرِفَ
الشروح عليها
(وَيَطْهُرُ مَحَلُّ النَّجَسِ بِلَا نِيَّةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِيَطْهُرُ وَالْبَاءُ بِمَعْنَى مَعَ أَيْ يَطْهُرُ مَعَ عَدَمِ النِّيَّةِ (بِغَسْلِهِ) أَيْ بِسَبَبِهِ
وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بِلَا نِيَّةٍ مُتَعَلِّقًا بِغَسْلِهِ أَيْ يَطْهُرُ مَحَلُّ النَّجَسِ بِغَسْلِهِ مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ لِنِيَّةٍ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ النِّيَّةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي طَهَارَةِ الْخَبَثِ (إنْ عُرِفَ) مَحَلُّهُ وَالْمُرَادُ بِهَا مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ
(قَوْلُهُ: وَيَطْهُرُ مَحَلُّ النَّجَسِ) هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ النَّجَاسَةِ أَيْ يَطْهُرُ مَحَلُّ النَّجَاسَةِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ مَعْفُوًّا عَنْهَا أَمْ لَا بِغَسْلِهِ وَلَا يُطْلَبُ بِالتَّثْلِيثِ فِي غَسْلِ النَّجَاسَةِ وَاسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِيَّةُ لِحَدِيثِ الْقَائِمِ مِنْ النَّوْمِ وَأَوْجَبَ ابْنُ حَنْبَلٍ التَّسْبِيعَ فِي كُلِّ نَجَاسَةٍ قِيَاسًا عَلَى الْكَلْبِ إلَّا الْأَرْضَ فَوَاحِدَةٌ لِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ اُنْظُرْ ح
(قَوْلُهُ: أَيْ بِسَبَبِهِ) أَفَادَ أَنَّ كُلًّا مِنْ قَوْلِهِ بِلَا نِيَّةٍ وَقَوْلِهِ بِغَسْلِهِ مُتَعَلِّقٌ بِيَطْهُرُ إلَّا أَنَّ الْجَارَّ الْأَوَّلَ بِمَعْنَى مَعَ وَالثَّانِي لِلسَّبَبِيَّةِ فَلَمْ يَلْزَمْ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جَرٍّ مُتَّحِدَيْ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى بِعَامِلٍ وَاحِدٍ
(قَوْلُهُ: مُتَعَلِّقًا بِغَسْلِهِ) أَيْ وَقَوْلُهُ بِغَسْلِهِ مُتَعَلِّقٌ بِيَطْهُرُ وَالْمَعْنَى يَطْهُرُ مَحَلُّ النَّجَاسَةِ بِغَسْلِهِ مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ لِنِيَّةٍ
(قَوْلُهُ: لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي طَهَارَةِ الْخَبَثِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ تَعَبُّدٌ لَا مَعْقُولَ الْمَعْنَى وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نِيَّةٌ كَمَا هُوَ شَأْنُ التَّعَبُّدِ؛ لِأَنَّ التَّعَبُّدَ إذَا كَانَ مِنْ بَابِ التُّرُوكِ كَمَا هُنَا لَا تُطْلَبُ فِيهِ نِيَّةٌ كَمَا لَوْ كَانَ فِي الْغَيْرِ
بِخِلَافِ التَّعَبُّدِ الَّذِي لِتَحْصِيلِ الطَّهَارَةِ فَيَفْتَقِرُ لَهَا وَذَلِكَ كَغَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ
(قَوْلُهُ: إنْ عُرِفَ مَحَلُّهُ) أَيْ النَّجَسُ
(قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِهَا) أَيْ بِالْمَعْرِفَةِ مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ فَمَتَى تُحُقِّقَ مَحَلُّهَا أَوْ ظُنَّ طَهُرَ بِغَسْلِهِ وَلَوْ بِغَيْرِ نِيَّةٍ.
وَأَمَّا الْمَحَلُّ الْمَوْهُومُ كَمَا لَوْ ظَنَّ النَّجَاسَةَ فِي جِهَةٍ وَتَوَهَّمَهَا فِي أُخْرَى فَلَا يَغْسِلُهُ إذْ لَا تَأْثِيرَ لِلْوَهْمِ فِي الْحَدَثِ فَأَوْلَى الْخَبَثِ كَمَا حَقَّقَهُ طفى رَادًّا عَلَى الشَّيْخِ سَالِمٍ السَّنْهُورِيِّ فِي جَعْلِهِ الْوَهْمَ كَالشَّكِّ الْآتِي فِي قَوْلِهِ وَإِلَّا فَبِجَمِيعِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ وَذَكَرَ عبق الْقَوْلَيْنِ وَصَدَّرَ بِالْأَوَّلِ وَفِي بْن أَنَّ الْأَوَّلَ مُعْتَمَدٌ عِنْدَ عج وطفى وَرَجَّحَ أَبُو عَلِيٍّ الْمِسْنَاوِيُّ الثَّانِيَ
ص (وَيَطْهُرُ مَحَلُّ النَّجَسِ بِلَا نِيَّةٍ بِغَسْلِهِ) ش: لَمَّا قَدَّمَ حُكْمَ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَمَا يُعْفَى عَنْهُ وَمَا لَا يُعْفَى عَنْهُ تَكَلَّمَ الْآنَ فِي كَيْفِيَّةِ إزَالَةِ مَا لَا يُعْفَى عَنْهُ، وَبِمَاذَا تَكُونُ؟ وَمَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّ مَحَلَّ النَّجَاسَةِ سَوَاءٌ كَانَ بَدَنًا، أَوْ ثَوْبًا، أَوْ أَرْضًا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ إذَا أُرِيدَ تَطْهِيرُهُ إنَّمَا يَطْهُرُ بِغَسْلِهِ، وَلَا يَطْهُرُ بِغَيْرِ الْغَسْلِ، وَمَا تَقَدَّمَ فِي الْخُفِّ وَالنَّعْلِ وَالرَّحْلِ مِنْ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا وَالسَّيْفِ الصَّقِيلِ مِنْ الدَّمِ وَمَوْضِعِ الْحِجَامَةِ،
وَكَذَلِكَ الِاسْتِجْمَارُ فِي الْمَخْرَجَيْنِ وَالثَّوْبِ الصَّقِيلِ عَلَى مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْعَفْوِ عَنْ مَحَلِّهِ وَإِلَّا فَالْمَحَلُّ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِالنَّجَاسَةِ بَعْدَهَا، وَلَا يَطْهُرُ إلَّا بِغَسْلِهِ، وَالْغَسْلُ فِي كُلِّ نَجَاسَةٍ بِحَسَبِهَا، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ: النَّجَاسَةُ
إمَّا حُكْمِيَّةٌ، أَوْ عَيْنِيَّةٌ فَالْحُكْمِيَّةُ يَكْفِي فِيهَا وُرُودُ الْمَاءِ عَلَى الْمَحَلِّ وَالْعَيْنِيَّةُ لَا بُدَّ مِنْ إزَالَةِ عَيْنِهَا،
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: النَّجَاسَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ نَجَاسَةٌ كَلَوْنِ الْمَاءِ وَهِيَ الْبَوْلُ وَالْمَذْيُ وَنَحْوُهُمَا فَيَجِبُ أَنْ يُكَاثِرَ بِالْمَاءِ خَاصَّةً إذْ لَيْسَ لَهَا عَيْنٌ تُزَالُ فَكَفَى مِنْ مَاءٍ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَكْثَرُ مِنْ نُقْطَةٍ مِنْ مَذْيٍ، وَنَجَاسَةٌ تُخَالِفُ لَوْنَ الْمَاءِ فَيَلْزَمُ صَبُّ الْمَاءِ حَتَّى تَذْهَبَ عَيْنُهَا،
وَقَالَ فِي حَدِيثِ بَوْلِ الْغُلَامِ، وَقَوْلُهُ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ أَيْ صَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فَأَتْبِعْهُ الْمَاءَ وَإِنَّمَا سَقَطَ الْعَرْكُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فَإِنَّ الرَّجُلَ الْكَبِيرَ لَوْ بَالَ عَلَى ثَوْبِهِ وَأَتْبَعَهُ مَاءً لَكَانَ ذَلِكَ تَطْهِيرًا لِلْمَحَلِّ كَامِلًا،
وَقَالَ فِي حَدِيثِ بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ فِي الْمَسْجِدِ إذَا اسْتَقَرَّتْ النَّجَاسَةُ عَلَى الْأَرْضِ صُبَّ عَلَيْهَا مِنْ الْمَاءِ مَا يَغْمُرُهَا، وَيُسْتَهْلَكُ الْبَوْلُ فِيهَا بِذَهَابِ رَائِحَتِهِ وَلَوْنِهِ وَتَطْهُرُ الْأَرْضُ النَّجِسَةُ بِذَلِكَ قَالَ الْهَرَوِيُّ لَا تَطْهُرُ إلَّا بِأَنْ تُحْفَرَ وَيُجْعَلَ عَلَى ظَاهِرِهَا تُرَابٌ طَاهِرٌ وَلَيْسَ الذَّنُوبُ تَقْدِيرًا وَإِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ غَلَبَةِ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ لِلنَّجَاسَةِ وَاسْتِهْلَاكِهَا فِيهِ وَإِذَا بَالَ رَجُلَانِ فِي مَوْضِعٍ كَفَى ذَنُوبٌ وَاحِدٌ،
وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ لِكُلِّ رَجُلٍ ذَنُوبٌ وَهُوَ بَاطِلٌ،
وَلَوْ أُهْرِيقَ عَلَى الْمَوْضِعِ مَاءٌ، أَوْ جَاءَ عَلَيْهِ مَطَرٌ طَهُرَ؛ لِأَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ لَا تَفْتَقِرُ لِنِيَّةٍ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ نَصَّ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ يَكْفِي فِي تَطْهِيرِهَا صَبُّ الْمَاءِ عَلَيْهَا فَقَطْ، وَالْبَوْلُ وَغَيْرُهُ إذَا صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ مُتَتَابِعًا حَتَّى يَتَحَقَّقَ زَوَالُ النَّجَاسَةِ إنَّهُ يَطْهُرُ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى عَرْكٍ، وَلَا عَصْرٍ،
وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ فِي الزَّاهِي: وَطَهُورُ الْأَرْضِ مِنْ الْبَوْلِ صَبُّ دَلْوٍ مِنْ مَاءٍ عَلَيْهَا،
وَمَنْ أَصَابَهُ نَجَسٌ وَهَطَلَ عَلَيْهِ الْمَطَرُ فَاغْتَسَلَ بِهِ طَهَّرَهُ ذَلِكَ،
وَلَوْ كَانَ جُنُبًا انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَبِيُّ عَنْ الْمَازِرِيِّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فَدَعَا بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَصَبَّ عَلَيْهِ: فِيهِ أَنَّ النَّجَاسَةَ الْمَائِعَةَ دُونَ لُزُوجَةٍ يَكْفِي فِي تَطْهِيرِهَا صَبُّ الْمَاءِ وَإِتْبَاعُهُ دُونَ دَلْكٍ، وَكَمَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الدَّلْكُ لَا يُشْتَرَطُ فِيمَا يُغْسَلُ بِهِ مِنْ الْمَاءِ قَدْرٌ مُعَيَّنٌ بَلْ مَا يُغْمَرُ النَّجَاسَةَ وَيَغْلِبُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ ذَهَابُ عَيْنِ النَّجَاسَةِ وَإِذَا زَالَتْ بِصَبِّ الْمَاءِ دُونَ غَيْرِهِ لَمْ تَفْتَقِرْ إلَى الدَّلْكِ وَهَذَا فِيمَا لَا يَظْهَرُ لَهُ عَيْنٌ بَعْدَ صَبِّ الْمَاءِ كَالْبَوْلِ، وَحَدَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَكُونَ الْمَاءُ سَبْعَةَ أَمْثَالِ الْبَوْلِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَاءِ أَنْ يَقْطُرَ بَعْدَ صَبِّهِ عَلَيْهَا إلَى الْأَرْضِ بَلْ إذَا صُبَّ الْمَاءُ وَغَمَرَ النَّجَاسَةَ اُسْتُهْلِكَتْ وَذَهَبَ حُكْمُهَا فَإِنْ انْدَفَعَتْ الْغُسَالَةُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ أَرْضٍ، أَوْ بَدَنٍ، أَوْ ثَوْبٍ، أَوْ خَرَجَتْ مِنْ الْحَصِيرِ إلَى الْأَرْضِ الَّتِي تَحْتَهَا فَيُشْتَرَطُ فِي طَهَارَةِ مَا انْدَفَعَتْ إلَيْهِ أَنْ تَكُونَ الْغُسَالَةُ الْمُنْدَفِعَةُ غَيْرَ مُتَغَيِّرَةٍ؛
لِأَنَّ الْمُتَغَيِّرَةَ نَجِسَةٌ فَإِنْ انْدَفَعَتْ مُتَغَيِّرَةً صُبَّ عَلَيْهَا حَتَّى تَنْدَفِعَ غَيْرَ مُتَغَيِّرَةٍ انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الْحَجِّ فِي غَسْلِ ثَوْبِ الْمُحْرِمِ: فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ لَا تَفْتَقِرُ إلَى حَتٍّ وَعَرْكٍ كَالْبَوْلِ وَالْمَاءِ النَّجِسِ فَإِنَّهُ يُوَاصِلُ صَبَّ الْمَاءِ وَيَتَوَاصَلُ وَيَتَلَطَّفُ فِي غَسْلِ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَذَكَرَ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ النَّجَاسَةَ الْعَيْنِيَّةَ لَا يَكْفِي إجْرَاءُ الْمَاءِ عَلَيْهَا، وَلَا بُدَّ مِنْ مُحَاوِلَةِ إزَالَةِ أَوْصَافِهَا الثَّلَاثَةِ الطَّعْمِ وَاللَّوْنِ وَالرِّيحِ، أَوْ مَا وُجِدَ مِنْهَا انْتَهَى.
فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْحُكْمِيَّةَ هِيَ الَّتِي لَا طَعْمَ لَهَا، وَلَا لَوْنَ، وَلَا رِيحَ كَالْبَوْلِ إذَا جَفَّ وَطَالَ أَمْرُهُ، وَالْعَيْنِيَّةُ نَقِيضُ الْحُكْمِيَّةِ وَبِهَذَا فَسَّرَهُمَا الشَّافِعِيَّةُ.
(وَالْحَاصِلُ) مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ فَاَلَّتِي يُمْكِنُ زَوَالُهَا بِالْمَاءِ كَالْبَوْلِ وَالْمَاءِ الْمُتَنَجِّسِ أَوْ بِمُكَاثَرَةِ صَبِّ الْمَاءِ كَالْمَذْيِ وَالْوَدْيِ لَا يَحْتَاجُ إلَى عَرْكٍ وَدَلْكٍ وَمَا لَا يُزَالُ إلَّا بِالْعَرْكِ وَالدَّلْكِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْجَوَاهِرِ، وَلَا يَكْفِي مُرُورُ الْمَاءِ عَلَى الْمَحَلِّ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إزَالَتِهَا عَنْهُ بِإِذْهَابِ الْعَيْنِ وَالْأَثَرِ انْتَهَى. لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ مُرُورَ الْمَاءِ لَا يَكْفِي فِي كُلِّ نَجَاسَةٍ بَلْ الْمَقْصُودُ إزَالَةُ عَيْنِهَا وَأَثَرِهَا فَيُعْتَبَرُ فِي كُلِّ نَجَاسَةٍ مَا يُزِيلُ ذَلِكَ وَسَيَأْتِي فِي الْكَلَامِ عَلَى النِّيَّةِ فِي النَّضْحِ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ حُكْمَ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وُرُودُ الْمَاءِ عَلَيْهَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ بِلَا نِيَّةٍ يَعْنِي بِهِ أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا النِّيَّةُ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ وَحَكَى الْقَرَافِيُّ قَوْلًا بِأَنَّهَا تَفْتَقِرُ لِلنِّيَّةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ بَلْ حَكَى ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الِاتِّفَاقَ عَلَى عَدَمِ افْتِقَارِهَا لِلنِّيَّةِ وَحَكَى ابْنُ الْقَصَّارِ وَابْنُ الصَّلَاحِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَوْلَهُمْ لَا تَفْتَقِرُ لِنِيَّةٍ مَعَ قَوْلِهِمْ لَا تُزَالُ إلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى وَالثَّانِيَ عَلَى أَنَّهَا تَعَبُّدٌ فَهُوَ تَنَاقُضٌ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَمَا ذَكَرَهُ صَحِيحٌ وَأَوْرَدْتُهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ دُرُوسِ أَشْيَاخِي فَلَمْ يَقَعْ مِنْهُمْ جَوَابٌ إلَّا مَا لَا يَصْلُحُ.
(قُلْتُ:) مِمَّا أَجَابَ بِهِ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا مِنْ بَابِ التُّرُوكِ وَلَيْسَ فِي التَّرْكِ نِيَّةٌ فَتَأَمَّلْهُ، وَيَأْتِي فِي الْكَلَامِ عَلَى النِّيَّةِ فِي النَّضْحِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ التَّعَبُّدَ فِيمَا تَقَعُ بِهِ الْإِزَالَةُ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلنِّيَّةِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(فَائِدَةٌ) الْأَعْرَابِيُّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ اسْمُهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ، وَالذَّنُوبُ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الدَّلْوُ الْعَظِيمُ،
وَقِيلَ: لَا يُسَمَّى ذَنُوبًا إلَّا إذَا كَانَ فِيهِ مَاءٌ قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ وَيُطْلَقُ الذَّنُوبُ عَلَى النَّصِيبِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا} أَيْ نَصِيبًا مِنْ الْعَذَابِ
وَقِيلَ إنَّهُ مُسْتَعَارٌ مِنْ الذَّنُوبِ الَّذِي هُوَ الدَّلْوُ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَقُونَ وَيَجْعَلُونَ لِكُلِّ جَمَاعَةٍ ذَنُوبًا وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
وَقَالَ سَنَدٌ السَّجْلُ دَلْوٌ أَصْغَرُ مِنْ الذَّنُوبِ وَالذَّنُوبُ الدَّلْوُ الْكَبِيرُ وَهِيَ دُونَ الْغَرْبِ وَفَوْقَ السَّجْلِ. ص (إنْ عَرَفَ وَإِلَّا فَبِجَمِيعِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ كَكُمَّيْهِ بِخِلَافِ ثَوْبِهِ فَيَتَحَرَّى) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ تَحَقَّقَ إصَابَةَ النَّجَاسَةِ لِمَحَلٍّ فَإِنْ عَرَفَ مَوْضِعَهَا مِنْهُ غَسَلَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ مَعَ تَحَقُّقِهِ الْإِصَابَةَ فَإِنَّهُ يَغْسِلُ جَمِيعَ مَا شَكَّ فِي إصَابَةِ النَّجَاسَةِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَحَقَّقَ إصَابَةَ النَّجَاسَةِ وَجَبَ غَسْلُهَا
وَلَمَّا لَمْ يَتَمَيَّزْ مَوْضِعُهَا تَعَيَّنَ غَسْلُ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ زَوَالُهَا إلَّا بِذَلِكَ،
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ أَيْقَنَ أَنَّ نَجَاسَةً أَصَابَتْ ثَوْبَهُ لَا يَدْرِي مَوْضِعَهَا غَسَلَهُ كُلَّهُ،
وَإِنْ عَلِمَ تِلْكَ النَّاحِيَةِ غَسَلَهَا قَالَ ابْنُ نَاجِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ مِنْ الْمَاءِ مَا يَعُمُّ بِهِ الثَّوْبَ وَيَضِيقُ الْوَقْتُ فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى مَوْضِعَهَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الذَّخِيرَةِ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) وَأَصْلُهُ لِصَاحِبِ الطِّرَازِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَوْلُهُ كَكُمَّيْهِ يَعْنِي أَنَّ الثَّوْبَ الْمُتَّصِلَ إذَا تَحَقَّقَتْ إصَابَةُ النَّجَاسَةِ لَهُ وَشَكَّ فِي مَحَلِّهَا فَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِ جَمِيعِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ،
وَلَوْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي جِهَتَيْنِ مُتَمَيِّزَتَيْنِ كَالْكُمَّيْنِ، وَلَا يَجْتَهِدُ فِي أَحَدِ الْجِهَتَيْنِ وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ قَالَهُ سَنَدٌ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يَجْتَهِدُ فَمَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ أَنَّهُ النَّجِسُ غَسَلَهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الثَّوْبَيْنِ، وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْكُمَّيْنِ مُتَّصِلَانِ بِالثَّوْبِ وَالثَّوْبَيْنِ مُنْفَصِلَانِ، وَقَوْلُهُ
بِخِلَافِ ثَوْبَيْهِ فَيَتَحَرَّى يَعْنِي أَنَّهُ إذَا تَحَقَّقَ إصَابَةَ النَّجَاسَةِ لِأَحَدِ ثَوْبَيْهِ وَطَهَارَةَ الْآخَرِ فَاشْتَبَهَ الطَّاهِرُ بِالنَّجِسِ فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى أَيْ يَجْتَهِدَ بِعَلَامَةٍ تُمَيِّزُ لَهُ الطَّاهِرَ مِنْهُمَا مِنْ النَّجِسِ فَمَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى أَنَّهُ طَاهِرٌ صَلَّى بِهِ وَمَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى أَنَّهُ نَجِسٌ تَرَكَهُ حَتَّى يَغْسِلَهُ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ،
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُصَلِّي بِعَدَدِ النَّجِسِ وَزِيَادَةِ ثَوْبٍ كَالْأَوَانِي،
وَقَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ كَذَلِكَ مَا لَمْ يَكْثُرْ، هَذَا تَحْصِيلُ ابْنِ عَرَفَةَ، وَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَقَطْ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ يَتَحَرَّى فِي الثِّيَابِ عَدَمَ اشْتِرَاطِ الضَّرُورَةِ وَكَلَامُهُ فِي الْجَوَاهِرِ قَرِيبٌ مِنْهُ وَنَصَّ سَنَدٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَتَحَرَّى فِي الثَّوْبَيْنِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَعَدَمِ وُجُودِ مَا يَغْسِلُ بِهِ الثَّوْبَيْنِ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) وَهَكَذَا نَقْلُ صَاحِبِ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ هَارُونَ أَنَّهُ إنَّمَا يَتَحَرَّى إذَا لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا طَاهِرًا، أَوْ مَا يُطَهِّرُ بِهِ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مِنْ الثِّيَابِ وَنَقَلَهُ عَنْ سَنَدٍ أَيْضًا، قَالَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ وَغَيْرِهِ الْإِطْلَاقُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِضَرُورَةٍ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا فَقَدْ أَدْخَلَ احْتِمَالَ الْخَلَلِ فِي صَلَاتِهِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ انْتَهَى وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَعَلَى هَذَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّكِّ فِي الثَّوْبَيْنِ، أَوْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فِي وُجُوبِ الْغَسْلِ مَعَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ.
وَأَمَّا مَعَ الضَّرُورَةِ فَيَتَحَرَّى فِي الثَّوْبَيْنِ.
وَأَمَّا الثَّوْبُ الْوَاحِدُ فَلَا فَائِدَةَ لِلتَّحَرِّي فِيهِ إلَّا فِي الصُّورَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ عَنْ التَّوْضِيحِ وَهِيَ مَا إذَا لَمْ يَجِدْ مِنْ الْمَاءِ مَا يَغْمُرُ بِهِ الثَّوْبَ وَضَاقَ الْوَقْتُ، وَهَكَذَا قَالَ سَنَدٌ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْفَرْقَ بَيْنَ الثَّوْبَيْنِ وَالثَّوْبِ الْوَاحِدِ بِأَنَّهُ إذَا تَحَرَّى فِي الثَّوْبَيْنِ صَلَّى بِأَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ.
وَأَمَّا الثَّوْبُ الْوَاحِدُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْغَسْلِ وَالشَّكِّ فِي جَمِيعِ الثَّوْبِ فَيَغْسِلَ جَمِيعَهُ.
قَالَ: وَفِي التَّحْقِيقِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: وَقَدْ أَغْفَلُوا كُلُّهُمْ مَا فِي سَمَاعِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَذَكَرَ عَنْهُ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنْ مَالِكٍ يُصَلِّي فِي أَحَدِهِمَا ثُمَّ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ إنْ وَجَدَ ثَوْبًا طَاهِرًا كَمَا فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ،
وَالثَّانِي عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ كَقَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ يُصَلِّي فِي أَحَدِهِمَا ثُمَّ يُعِيدُ فِي الْآخَرِ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ اسْتِحْسَانٌ؛ لِأَنَّهُ يَرَى إذَا صَلَّى بِأَحَدِهِمَا ثُمَّ أَعَادَ فِي الْآخَرِ مَكَانَهُ فَقَدْ تَيَقَّنَ أَنَّ إحْدَى صَلَاتَيْهِ قَدْ وَقَعَتْ بِثَوْبٍ طَاهِرٍ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَلَّى بِأَحَدِهِمَا عَلَى أَنَّهُ يُعِيدُ فِي الْآخَرِ فَلَمْ يَعْزِمْ فِي صَلَاتِهِ فِيهِ عَلَى أَنَّهَا فَرْضُهُ إذَا صَلَّى بِنِيَّةِ الْإِعَادَةِ فَحَصَلَتْ النِّيَّةُ غَيْرُ مُخْلَصَةٍ لِلْفَرْضِ،
وَكَذَلِكَ إذَا أَعَادَهَا لَمْ يُخْلِصْ نِيَّتَهُ فِي إعَادَتِهِ لِلْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى أَنَّهَا صَلَاتُهُ إنْ كَانَ هَذَا الثَّوْبُ هُوَ الطَّاهِرَ.
وَقَوْلُ مَالِكٍ أَصَحُّ وَأَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ يُصَلِّي فِي أَحَدِهِمَا عَلَى أَنَّهَا فَرْضُهُ فَيَتَحَرَّى صَلَاتَهُ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَصَلَّى بِهِ وَهُوَ عَالِمٌ بِنَجَاسَتِهِ لَأَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ
ثُمَّ إنْ وَجَدَ فِي الْوَقْتِ ثَوْبًا طَاهِرًا أَعَادَ اسْتِحْبَابًا انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ النَّظَرِ فِيمَا إذَا صَلَّى بِأَحَدِهِمَا ثُمَّ أَعَادَ فِي الْآخَرِ يَأْتِي نَحْوُهُ لِابْنِ رُشْدٍ فِي اشْتِبَاهِ الْأَوَانِي وَيَأْتِي الْجَوَابُ عَنْهُ. وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ غَازِيٍّ عَنْ سَمَاعِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ حَسَنٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ يُصَلِّي بِأَحَدِهِمَا أَيْ بَعْدَ أَنْ يَتَحَرَّى وَلَا أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا يُجِيزُ لَهُ الصَّلَاةَ فِي أَحَدِهِمَا بِلَا تَحَرٍّ مَعَ إمْكَانِ التَّحَرِّي اللَّهُمَّ إلَّا إذَا تَحَرَّى أَيْ اجْتَهَدَ فَلَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَحِينَئِذٍ يُصَلِّي فِي أَحَدِهِمَا وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْقَوْلِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَقَوْلُهُ: إنَّهُ إنْ وَجَدَ ثَوْبًا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ لَا يُنَافِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ إذْ هُوَ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَيُرَجِّحُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَابْنِ هَارُونَ أَنَّ التَّحَرِّيَ إنَّمَا هُوَ مَعَ الضَّرُورَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَمَدَ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الثَّوْبَيْنِ وَالثَّوْبِ الْوَاحِدِ، وَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِفُرُوقٍ ضَعِيفَةٍ أَحْسَنُهَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَأَصْلُهُ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّوْبَيْنِ الطَّهَارَةُ عَلَى انْفِرَادِهِ فَيَسْتَنِدُ إلَى أَصْلٍ، وَلَا كَذَلِكَ الثَّوْبُ الْوَاحِدُ؛
لِأَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ قَدْ بَطَلَ لِتَحَقُّقِ حُصُولِ النَّجَاسَةِ فِيهِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَكَذَا قَالُوا وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ،
فَلَوْ فَصَلَ هَذَا الثَّوْبَ نِصْفَيْنِ بَقِيَ وُجُوبُ الْغَسْلِ عَلَى مَا كَانَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْقَسْمُ فِي مَحَلِّ النَّجَاسَةِ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَجِسًا وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُمَّيْنِ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّحَرِّي فِيهِمَا وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ
قَالَ: وَلَوْ فَصَلَهُمَا جَازَ لَهُ التَّحَرِّي إجْمَاعًا يَعْنِي عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّحَرِّي فِي الثَّوْبَيْنِ انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ فِيمَا إذَا قَسَمَ الثَّوْبَ: فَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ قَسَمَ فِي مَوْضِعٍ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَجَاسَةٌ بَلْ النَّجَاسَةُ بَعِيدَةٌ مِنْهُ لَكَانَ مِثْلَ أَحَدِ الْكُمَّيْنِ انْتَهَى.
وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّحَرِّي فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لِثُبُوتِ النَّضْحِ فِيمَا شَكَّ فِي وُصُولِ النَّجَاسَةِ إلَيْهِ وَلِأَنَّهُ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَجْتَمِعُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ وَالْيَقِينُ وَهَذَانِ الْوَصْفَانِ غَيْرُ مَوْجُودَيْنِ فِي الثَّوْبَيْنِ.
(قُلْتُ:) وَإِذَا مَشَيْنَا عَلَى مَا قَالَهُ سَنَدٌ وَغَيْرُهُ لَمْ يَحْتَجْ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
وَصَدَّرَ صَاحِبُ الشَّامِلِ بِالْقَوْلِ بِالتَّحَرِّي ثُمَّ قَالَ وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِالضَّرُورَةِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) إذَا قُلْنَا لَا يَتَحَرَّى إلَّا مَعَ الضَّرُورَةِ فَهَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُتَيَمِّمِ فَالْآيِسُ يَتَحَرَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَالرَّاجِي فِي آخِرِهِ وَالْمُتَرَدِّدُ فِي وَسَطِهِ أَوْ يُقَالُ لَا يُصَلِّي بِالتَّحَرِّي إلَّا فِي آخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ. تَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ صَاحِبُ الْجَمْعِ،
وَفِي كَلَامِهِ مَيْلٌ إلَى الثَّانِي قَالَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُتَيَمِّمِ أَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ بَدَلٌ عَنْ طَهَارَةٍ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ لَا بَدَلَ لَهَا فَيُؤَخَّرُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ ثُمَّ قَالَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُصَلٍّ بِالنَّجَاسَةِ بَلْ يَحْتَمِلُ احْتِمَالًا مَرْجُوحًا انْتَهَى.
(قُلْتُ:) الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَحَرَّى إلَّا مَعَ الضَّرُورَةِ كَمَا قَالَ سَنَدٌ وَغَيْرُهُ وَأَنَّهُ يَفْصِلُ فِيهِ كَالتَّيَمُّمِ وَأَنَّهُ إنْ وَجَدَ ثَوْبًا طَاهِرًا، أَوْ مَا يَغْسِلُ بِهِ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ كَمَا
قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) إذَا قُلْنَا بِالتَّحَرِّي مَعَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا غَسْلُ أَحَدِهِمَا وَهُوَ مَا حَكَمَ اجْتِهَادُهُ بِأَنَّهُ نَجِسٌ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ، وَفَرَّعَ عَلَيْهِ مَا إذَا لَبِسَهُمَا وَصَلَّى بِهِمَا قَالَ فَتَجُوزُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ وَهُوَ الَّذِي غَسَلَهُ، وَالْآخَرَ طَاهِرٌ بِالِاجْتِهَادِ،
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ كَثَوْبٍ وَاحِدٍ بَعْضُهُ نَجِسٌ وَبَعْضُهُ طَاهِرٌ، قَالَ: وَهَذَا قَلْبٌ لِلْحَقَائِقِ لَا يَكُونُ الثَّوْبَانِ ثَوْبًا، وَلَا الثَّوْبُ ثَوْبَيْنِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) لَا اعْتِبَارَ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْعَدَدِ عِنْدَنَا بَلْ الْمُعْتَبَرُ فِي عَيْنِهَا إزَالَةُ الْعَيْنِ،
وَفِي حُكْمِهَا إصَابَةُ الْمَاءِ الْمَحَلَّ وَاسْتَحَبَّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ثَلَاثَ غَسَلَاتٍ لِحَدِيثِ الْقَائِمِ مِنْ النَّوْمِ وَأَوْجَبَ ابْنُ حَنْبَلٍ التَّسْبِيعَ فِي كُلِّ نَجَاسَةٍ قِيَاسًا عَلَى الْكَلْبِ إلَّا الْأَرْضَ فَوَاحِدَةٌ لِحَدِيثِ بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ.
(ص) وَيَطْهُرُ مَحَلُّ النَّجَاسَةِ بِلَا نِيَّةٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ مَحَلَّ النَّجَاسَةِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ أَوْ غَيْرُهُ يَطْهُرُ مِنْ غَسْلِهِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى نِيَّةٍ فَقَوْلُهُ بِلَا نِيَّةٍ مُتَعَلِّقٌ بِ يَطْهُرُ وَفِي عِبَارَةٍ لَا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِ يَطْهُرُ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ لَيْسَ فِي طَهَارَتِهِ بِنِيَّةٍ أَوْ بِلَا نِيَّةٍ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ هَلْ تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ أَوْ لَا فَيُعْرَبُ حَالًا مِنْ غَسَلَ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ وَفِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مِنْهُ حِينَئِذٍ اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ وَلَا عَدَمُ اشْتِرَاطِهَا عِنْدَ حُصُولِهَا فَيُقَدَّرُ مُضَافٌ أَيْ بِلَا اشْتِرَاطِ نِيَّةٍ وَحِينَئِذٍ تَصِحُّ الْحَالِيَّةُ وَيُعْلَمُ مِنْهُ الرَّدُّ عَلَى الْقَائِلِ بِالِاشْتِرَاطِ وَالْبَاءُ فِي بِلَا نِيَّةٍ بَاءُ الْمُلَابَسَةِ وَفِي بِغَسْلِهِ بَاءُ الْآلَةِ. (ص) بِغَسْلِهِ إنْ عُرِفَ وَإِلَّا فَبِجَمِيعِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْمَحَلَّ الْمُتَنَجِّسَ يَطْهُرُ بِغَسْلِهِ إنْ تَعَيَّنَ وَعُرِفَ،
وَإِنْ اشْتَبَهَ مَعَ تَحَقُّقِ الْإِصَابَةِ فَلَا يَطْهُرُ إلَّا بِغَسْلِ جَمِيعِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ مِنْ جَسَدٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ مَكَان وَالْمُرَادُ بِالشَّكِّ عَدَمُ الْيَقِينِ فَيَدْخُلُ الظَّنُّ كَمَا قَالَهُ س فِي شَرْحِهِ بَحْثًا بِلَفْظِ يَنْبَغِي وَلَا فَرْقَ فِي غَسْلِ جَمِيعِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ حَصَلَتْ فِي جِهَةٍ غَيْرِ مُتَمَيِّزَةٍ مِنْهُ كَبَدَنِهِ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَوْ جِهَتَيْنِ مُتَمَيِّزَتَيْنِ مِنْهُ كَكُمَّيْهِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ (كَكُمَّيْهِ) وَلَا يَجْتَهِدُ فَيَغْسِلُ أَحَدَهُمَا عَلَى الْمَذْهَبِ.
(قَوْلُهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ أَوْ غَيْرَهُ) أَيْ فَالْخُفُّ وَالنَّعْلُ مِنْ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا بَعْدَ الدَّلْكِ وَالْمَخْرَجَانِ وَالسَّيْفُ الصَّقِيلُ وَمَوْضِعُ الْحِجَامَةِ بَعْدَ الْمَسْحِ مَحْكُومٌ عَلَيْهَا بِالنَّجَاسَةِ وَلَا يَطْهُرُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِغَسْلِهِ وَغَسْلُ النَّجَاسَةِ مِنْ بَابِ التَّعَبُّدِ فَلِذَا لَا تُزَالُ إلَّا بِالْمُطْلَقِ وَلَمْ تَحْتَجْ لِنِيَّةٍ لِكَوْنِهَا مِنْ بَابِ الْمَتْرُوكِ
(قَوْلُهُ وَفِي عِبَارَةٍ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا جُعِلَ مُتَعَلِّقًا بِيَطْهُرُ تَكُونُ الْبَاءُ بِمَعْنَى مَعَ وَالْمَعْنَى مَحَلُّ النَّجَاسَةِ يَطْهُرُ مَعَ عَدَمِ النِّيَّةِ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ مَحَلُّ النَّجَاسَةِ لَا يَطْهُرُ مَعَ عَدَمِ النِّيَّةِ بَلْ يَطْهُرُ مَعَ النِّيَّةِ وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ لَيْسَ إلَخْ أَيْ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ الطَّهَارَةُ مَعَ النِّيَّةِ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ الطَّهَارَةُ مَعَ عَدَمِ النِّيَّةِ أَيْ وَأَوْلَى مَعَ النِّيَّةِ بَلْ النِّزَاعُ فِي الِاشْتِرَاطِ وَعَدَمِهِ هَذَا حَاصِلُهُ (أَقُولُ) أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ يُعْلَمُ مِنْهُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ صَرِيحًا نَفْيُ الشَّرْطِيَّةِ.
(قَوْلُهُ بِغَسْلِهِ) وَلَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ زَوَالُ الْعَيْنِ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ إنْ عُرِفَ) أَيْ جَزْمًا كَمَا هُوَ مُفَادُ الشَّارِحِ
(قَوْلُهُ فَيَدْخُلُ الظَّنُّ) لَعَلَّهُ مَا لَمْ يَقْوَ وَعَلَى مَا قَالَهُ الشَّيْخُ سَالِمٌ فَمَنْ ظَنَّ فِي جِهَةِ النَّجَاسَةِ وَتَوَهَّمَهَا فِي أُخْرَى فَيَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الْجَمِيعِ عَلَى هَذَا وَلَوْ أَعْطَى الظَّنَّ حُكْمَ التَّحَقُّقِ لَمَا طَلَبَ بِغَسْلِ الْجِهَةِ الْمُتَوَهَّمَةِ وَبَعْضُهُمْ يُدْخِلُ الظَّنَّ تَحْتَ الْمَعْرِفَةِ فَإِذَنْ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ وَإِلَّا إلَّا صُورَةً فَقَطْ،
وَأَمَّا عَلَى حَلِّ الشَّارِحِ فَيَدْخُلُ تَحْتَ وَإِلَّا صُورَتَانِ قَالَ مُحَشِّي تت وَقَدْ يَبْحَثُ فِي غَسْلِ الْمَوْهُومِ أَيْ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّيْخُ سَالِمٌ فَإِنَّ الْوَهْمَ فِي الْحَدَثِ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فَالْخَبَثُ كَذَلِكَ أَوْ أَوْلَى فَالْحَقُّ أَنَّ الظَّنَّ كَالْعِلْمِ وَأَنَّ الْمَوْهُومَ لَا يُغْسَلُ إذْ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْحَدَثِ كَمَا يَأْتِي عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ تَوَهُّمُ جَنَابَتِهِ دُونَ شَكٍّ لَغْوٌ
(قَوْلُهُ وَلَا يَجْتَهِدُ) فَيَغْسِلُ أَحَدَهُمَا عَلَى الْمَذْهَبِ خِلَافًا لِابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي هَذِهِ قِيَاسًا لَهُمَا عَلَى الثَّوْبَيْنِ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الْكُمَّيْنِ إذَا اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَوَجَدَ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِمَا،
فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ غَسْلِهِمَا أَوْ لَمْ يَجِدْ مِنْ الْمَاءِ إلَّا مَا يَكْفِي أَحَدَهُمَا تَحَرَّى أَحَدَهُمَا وَغَسَلَهُ اتِّفَاقًا،
فَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ الْوَقْتُ لِلتَّحَرِّي صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ وَلَوْ فَصَلَ الْكُمَّيْنِ صَارَا كَالثَّوْبَيْنِ اتِّفَاقًا.
(وَيَطْهُرُ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَضَمٍّ (مَحَلُّ النَّجَسِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ أَوْ كَسْرِهَا أَيْ مَا عَرَضَتْ لَهُ النَّجَاسَةُ (بِلَا نِيَّةٍ) أَيْ لِتَطْهِيرِهِ صِلَةُ يَطْهُرُ وَبَاؤُهُ لِلْمُصَاحَبَةِ أَيْ مَعَ تَرْكِهَا فَلَيْسَتْ شَرْطًا فِيهِ وَصِلَةُ " يَطْهُرُ " أَيْضًا (بِغَسْلِهِ) وَبَاؤُهُ لِلسَّبَبِيَّةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ بِلَا نِيَّةٍ صِلَةُ غَسْلِ لِأَنَّهُ جَارٌّ وَمَجْرُورٌ (إنْ عُرِفَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ أَوْ ظُنَّ الْمَحَلُّ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(ويطهر محل النجس) لما قدم حكم إزالة النجاسة، وما يعفى عنه مما لا يعفى عنه، ومعلوم أن ما لا يعفى عنه لابد من تطهيره بالماء، والعفو عنه محله نجس محكوم بنجاسته حتى يطهر بالماء أيضا. كخف ونعل من روث دواب وبولها، والمخرجين في الاستجمار وغير ذلك، أخذ الآن يتكلم في كيفية التطهير وبماذا يكون: ومعنى كلام المص أن محك النجس أي النجاسة سواء كان بدنا أو ثوبا أو أرضا أو غير ذلك فإنه يطهر بلا نية أي لا يفتقر في غسله إلى نية،
فإذا غسل محل النجس بالماء المطلق فإنه يطهر من غير توقف على نية؛ أي يطهر وإن لم ينو أنه مزيل للنجاسة عند غسلها بالماء المطلق قاله الشيخ عبد الباقي، والباء في قوله: "بلا نية" للملابسة وهو حال قدمت على صاحبها، وهو قوله (بغسله) يعني أن محل النجس إنما يطهر بغسله أي بسبب غسله من غير اشتراط نية فيه ولا ذلك إن لم تتوقف إزالة العين عليه، والباء في قوله: "بغسله" للسببية كما قررت: وهو متعلق بقوله: "ويطهر" ، وأفاد المص بقوله: "بغسلة" أن جميع المعفوات السابقة محكوم عليها بالنجاسة، والغسل في كل نجاسة بحسبها، قال ابن العربي في العارضة وهي شرحه للترمذي: النجاسة
إما حكمية أو عينية، فالحكمية يكفي في زوالها ورود الماء على المحل، والعينية لابد من إزالة عينها. انتهى. والحكمية هي التي لا لون لها ولا طعم ولا ريح كالبول إذا جف وطال أمره، والعينية نقيض الحكمية،
وقال في موضع آخر: النجاسةُ على قسمين: نجاسة كلون الماء وهي المذي والبول ونحوهما، فيجب أن تكاثر بالماء خاصة إذ ليس لها عين تزال، وكف من ماء على ما ورد في الحديث أكثر من نقطة من مذي ونجاسة تخالف لون الماء فيلزم صب الماء عليها حتى تذهب عينها،
وقال في حديث بول الغلام (فنضحه ولم يغسله) ؛ أي صب عليه الماء بدليل قوله: فأتبعه بالماء، وإنما سقط العرك لأنه لا يحتاج إليه،
فإن الرجل الكبير لو بال على ثوب وأتبعه ماء لكان ذلك تطهيرا للمحل،
وقال في حديث بول الأعرابي في المسجد ؛ إذا استقرت النجاسة في الأرض صب عليها من الماء ما يغمرها، ويستهلك البول فيها بذهاب رائحته ولونه، وتطهر الأرض النجسة بذلك،
وقال الروي: لا تطهر إلا بأن تحفر ويجعل على ظاهرها تراب طاهر، وليس الذنوب تقديرا وإنما هو بحسب غلبة الماء، وغمره للنجاسة واستهلاكها فيه،
فإذا بال رجلان في موضع كفى ذنوب واحد.
وقال الاصطخري: لكل رجل ذنوب وهو باطل،
ولو أهريق على الموضع ماء أو جاء عليه مطر طهر، لأن إزالة النجاسة لا تفتقر إلى نية. انتهى.
وقال محمد بن عبد الباقي: في الحديث يعني حديث الأعرابي الذي بال في المسجد المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع لأمره لهم عند فراغه بصب الماء، وتعين أنه، لإزالة النجاسة، وأنه لا يشترط حفرها مطلقا خلافا للحنفية في أنه لابد من حفرها إذا كانت، صلبة، وإلقاء التراب، وفيه أن الاحتراز من النجاسة كان مقررا في نفوس الصحابة، ولذا بادروا بالإنكار بحضوره صلى الله عليه وسلم قبل استيذانه لما تقرر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وفيه جواز التمسد بالعموم حتى يظهر الخصوص.
وقال ابن فرحون: نص القاضي أبو بكر على أن الأرض يكفي في تطهيرها صب الماء عليها فقط،
وأن البول أو غيره إذا صب عليه الماء متتابعا حتى تحقق زوال النجاسة أنه يطهر ولا يحتاج إلى عصر ولا عرك ابن شعبان: طهور الأرض من البول صب دلو من ماء عليها،
ومن أصابه نجس وهطل عليه مطر فاغتسل به طهره ذلك ولو كان جنبا،
وقال الأبي في شرح حديث الأعرابي (فدعا بذنوب من ماء فصبه عليه) : فيه أن النجاسة المائعة دون اللزجة يكفي في تطهيرها صب الماء وتتابعه دون دلك، وكما لا يشترط ذلك لا يشترط من الماء قدر معين، بل ما يغمر النجاسة ويغلب عليها. انتهى نقله الحطاب.
وقال بعد جلب نقول والحاصل مما تقدم أن المقصود إزالة النجاسة، فالتي يمكن زوالها بالماء كالبول والماء المتنجس أو بمكاثرة صب الماء كالمذي والودي لا تحتاج إلى عرك ودلك، وما لا تزول إلا بالعرك والدلك فلا بد له من ذلك. انتهى. وقوله: "بلا نية" هذا هو المعروف، وحكى القرافي قولا بأنها تفتقر للنية وهو ضعيف، فقد حكى ابن بشير وابن عبد السلام الاتفاق على عدم افتقارها للنية، وحكى ابن القصار وابن الصلاح من الشافعية الإجماع على ذلك، والأعرابي الذي بال في المسجد اسمه ذو الخويصرة التميمي، والذنوب بفتح الذال المعجمة الدلو العظيم،
وقيل لا يسمى ذنوبا إلا إذا كان فيه ماء، ويطلق الذنوب على النصيب من العذاب، قال تعالى {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا} أي نصيبا من العذاب،
وقيل مستعار من الذنوب الذي هو الدلو كانوا يستقون ويجعلون لكل جماعة ذنوبا، والله أعلم.
وقال سند. السجل دلو أصغر من الذنوب، والذنوب الدلو الكبير، وهو دون الغرب وفوق السجل قاله الحطاب. إن عرف يعني أنه إذا تحقق إصابة النجس لموضع معين معلوم من ثوب أو بدن أو أرض أو غيرها، فإنه يطهر بغسله فقط وإلا أي وإن لم يعلم موضع النجاسة مع تحقق الإصابة فإنما يطهر ذلك الشيء المتنجس بغسل جميع ذلك الشيء المشكوك في نجاسته من كل الشيء أو بعضه المعين،
قال في المدونة: ومن أيقن أن نجاسة أصابت ثوبه لا يدري موضعها غسله كله،
وإن علم تلك الناحية غسلها،
وفي المظنون طريقان: هل هو كالمجزوم به وهو ما لبعضهم، أو كالمشكوك فيه وهو مقتضى الجلاب، وعليه يدخل الظن تحت وإلا ولعله ما لم يقو، ولا يدخل تحت وإلا الوهم؛ لأن الوهم لا أثر له في طهارة الحدث فطهارة الخبث كذلك بل أولى، ويدل له ما في مسألة النضح من أن الموهوم لا ينضح، وإنما وجب غسل المشكوك فيه هنا، ونضحه فيما يأتي لتحقق إصابة النجاسة هنا
بخلاف ما يأتي، وقوله: "فبجميع المشكوك فيه" إلا أن لا يجد من الماء ما يعم به الثوب ويضيق الوقت فإنه يتحرى موضعها ويغسله ويصلي ككميه يعني أن الثوب المتصل إذا تحققت إصابة النجاسة له وشك في محلها فلابد من غسل جميع المشكوك فيه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الشك حصل في جهة غير متميزة منه، أو في جهتين متميزتين ككميه المتصلين بثوبه يعلم أن بأحدهما نجاسة ولم يعلم عينه منهما، فيجب غسلهما، وهذا هو المذهب.
وقال ابن العربي: يجتهد في الكمين كالثوبين فما أداه اجتهاده إلى أنه النجس غسله. وقوله: "ككميه" هذا إن اتسع الوقت الذي هو فيه، ووجد من الماء ما يعمهما، وإلا تحرى أحدهما ليغسله، ويصلي إن اتسع الوقت للتحري، وإلا صلى بالنجاسة، لأنه يتيمم على الراجح إذا خاف فوات الوقت باستعماله الماء في طهارة الحدث فأولى هذا، ومثل الكمين الثوبان اللذان لا تمكن الصلاة إلا بهما،
وفي كتاب الشيخ الأمير ما نصه: ككميه فإن لم يكفهما تحرى
ثم إن وجد غسل الثاني. انتهى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.