واتقاء جحر
الشروح عليها
(وَاتِّقَاءُ جُحْرٍ) مُسْتَدِيرٍ أَوْ مُسْتَطِيلٍ لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْهُ مَا يُؤْذِيهِ أَوْ لِأَنَّهُ مَسْكَنُ الْجِنِّ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: أَوْ مُسْتَطِيلٌ) أَشَارَ الشَّارِحُ بِهَذَا إلَى أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِالْجُحْرِ مَا يَشْمَلُ السَّرَبَ بِفَتْحِ السِّينِ وَالرَّاءِ وَهُوَ الْمُسْتَطِيلُ لَا خُصُوصَ الْجُحْرِ لُغَةً وَهُوَ الثَّقْبُ الْمُسْتَدِيرُ
(قَوْلُهُ: لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْهُ مَا يُؤْذِيهِ) أَيْ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ كَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ
(قَوْلُهُ: أَوْ لِأَنَّهُ مَسْكَنُ الْجِنِّ) أَيْ وَقَضَاءُ الْحَاجَةِ فِيهِ يُؤْذِيهِمْ وَإِنْ كَانُوا يُحِبُّونَ النَّجَاسَةَ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ مَحَبَّةِ الشَّخْصِ لِلشَّيْءِ مَحَبَّةُ سُقُوطِهِ عَلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الطَّبِيخَ يُحِبُّهُ الْإِنْسَانُ وَيَكْرَهُ وُقُوعَهُ عَلَيْهِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
ص (وَاتِّقَاءُ جُحْرٍ) ش: بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ وَهُوَ الثَّقْبُ الْمُسْتَدِيرُ وَيَلْحَقُ بِهِ الْمُسْتَطِيلُ وَيُسَمَّى السَّرْبُ بِفَتْحِ السِّينِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ اتِّقَاءُ الْجُحْرِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ ذَلِكَ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ النَّهْيِ فَقِيلَ: لِأَنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ،
وَقِيلَ: لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ هُنَاكَ بَعْضُ الْهَوَامِّ فَيُؤْذِيهِ أَوْ يُشَوِّشُ عَلَيْهِ، وَيُقَالُ: إنَّ سَبَبَ مَوْتِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّهُ بَالَ فِي جُحْرٍ،
وَقَالَتْ الْجِنُّ فِي ذَلِكَ:
نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ ... الْخَزْرَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ رَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ ... فَلَمْ نُخْطِ فُؤَادَهْ وَهَذَا إذَا لَاقَاهُ بِغَيْرِ الذِّكْرِ وَاخْتُلِفَ إذَا بَعُدَ عَنْهَا فَوَصَلَ بَوْلُهُ إلَيْهَا فَكُرِهَ خِيفَةً مِنْ حَشَرَاتٍ تَنْبَعِثُ عَلَيْهِ مِنْ الْكُوَّةِ
وَقِيلَ: يُبَاحُ لِبُعْدِهِ عَنْ الْحَشَرَاتِ إنْ كَانَتْ فِيهَا وَالْقَوْلُ الثَّانِي ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ نَاقِلًا عَنْهُ وَنَصَّهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَلْيَتَّقِ الْجُحْرَ وَالْمَهْوَاةَ وَلْيَبُلْ دُونَهُمَا وَيَجْرِي إلَيْهِمَا وَاسْتِشْكَالُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا يُرَدُّ بِأَنَّ حَرَكَةَ الْجِنِّ فِي فَرَاغِ الْمَهْوَاةِ لَا فِي سَطْحِهَا
[فَرْعٌ الِاسْتِنْجَاء فِي غَيْر مَوْضِع قَضَاء الْحَاجَة] (فَرْعٌ) عَدَّ فِي الْمَدْخَلِ مِنْ الْخِصَالِ الْمَطْلُوبَةِ أَنْ لَا يَسْتَنْجِيَ فِي مَوْضِعِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَقَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ أَيْضًا لِمَا فِي التِّرْمِذِيِّ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فِيهِ أَوْ يَغْتَسِلُ فِيهِ فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ» قَالَ الدَّمِيرِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَسْلَكٌ يَذْهَبُ فِيهِ الْبَوْلُ وَهَذَا فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ،
وَأَمَّا إذَا اسْتَنْجَى بِغَيْرِهِ فَلَا يُنْدَبُ لَهُ ذَلِكَ قَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا وَهُوَ ظَاهِرٌ
لا يتكلم على هذه المسألة.
(ص) وَاتِّقَاءُ حَجَرٍ وَرِيحٍ وَمَوْرِدٍ وَطَرِيقٍ وَظِلٍّ وَصُلْبٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ مِنْ الْآدَابِ لِقَاضِي الْحَاجَةِ لَا بِقَيْدِ الْفَضَاءِ اتِّقَاءُ الشَّقِّ مُسْتَدِيرًا أَوْ مُسْتَطِيلًا خَوْفًا مِنْ خُرُوجِ الْهَوَامِّ الْمُؤْذِيَةِ مِنْهُ أَوْ لِكَوْنِهِ مَسَاكِنَ الْجِنِّ وَمِنْ الْآدَابِ اتِّقَاءُ مَهَابِّ الرِّيحِ وَلَوْ كَانَتْ سَاكِنَةً وَمِنْهُ الْمَرَاحِيضُ الَّتِي لَهَا مَنْفَذٌ يَدْخُلُ الْهَوَاءُ فِيهَا مِنْ مَوْضِعٍ وَيَخْرُجُ مِنْ آخَرَ مَخَافَةً مِنْ رَدِّ الرِّيحِ بَوْلَهُ عَلَيْهِ وَلْيَبُلْ فِي وِعَاءٍ وَيُفْرِغْهُ أَوْ بِالْقُرْبِ مِنْ الْمِرْحَاضِ وَيَسِيلُ إلَيْهِ وَلَا حَاجَةَ إلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ زِيَادَةِ شَطٍّ إنْ فُسِّرَ الْمَوْرِدُ بِمَا يُمْكِنُ الْوُرُودُ مِنْهُ لَا بِمَا اُعْتِيدَ لِلْوُرُودِ وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَمِنْ الْآدَابِ اتِّقَاءُ مَوْضِعِ وُرُودِ الْمَاءِ مِنْ الْآبَارِ وَالْأَنْهَارِ وَالْعُيُونِ وَلَعَلَّهُ اُسْتُغْنِيَ بِهِ عَنْ الشَّطِّ وَهُوَ جَانِبُ النَّهْرِ
وَكَذَا الْإِبَاحَةُ لِذِكْرِ الْمَاءِ الدَّائِمِ إذْ هُوَ أَحْرَى مِنْ الْمَوْرِدِ وَالشَّطِّ وَمِنْ الْآدَابِ اتِّقَاءُ طَرِيقٍ وَظِلٍّ يَسْتَظِلُّ بِهِ النَّاسُ وَيَتَّخِذُونَهُ مَقِيلًا وَمُنَاخًا عِيَاضٌ وَلَيْسَ كُلُّ ظِلٍّ يَحْرُمُ الْقُعُودُ عَنْهُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فَقَدْ قَضَاهَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - تَحْتَ حَائِشٍ أَيْ نَخْلٍ مُلْتَفٍّ وَمَعْلُومٌ أَنَّ لَهُ ظِلًّا وَمِنْ الْآدَابِ تَجَنُّبُ بِيَعِ الْيَهُودِ وَكَنَائِسِ النَّصَارَى خَوْفَ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ بِمَسَاجِدِنَا
وَيُكْرَهُ الْبَوْلُ فِي مَخَازِنِ الْغَلَّةِ وَفِي الْأَوَانِي النَّفِيسَةِ
وَيَحْرُمُ فِي النَّقْدَيْنِ وَمِنْ الْآدَابِ اتِّقَاءُ الْمَوْضِعِ الصُّلْبِ النَّجِسِ،
وَأَمَّا الطَّاهِرُ فَيَتَعَيَّنُ الْجُلُوسُ فِيهِ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ لَهُ وَالصُّلْبُ بِضَمِّ الصَّادِ وَسُكُونِ اللَّامِ أَوْ فَتْحِهَا مُشَدَّدَةً وَبِفَتْحِهِمَا الْمَوْضِعُ الشَّدِيدُ.
(قَوْلُهُ: الشَّقِّ مُسْتَدِيرًا إلَخْ) هَذَا لَيْسَ مَعْنًى لُغَوِيًّا إذْ مَعْنَى الْجُحْرِ لُغَةً الْأَوَّلُ،
وَأَمَّا الثَّانِي فَيُقَالُ لَهُ سَرَبٌ قَالَ الْحَطَّابُ جُحْرٌ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ وَهُوَ الثُّقْبُ الْمُسْتَدِيرُ وَيَلْحَقُ بِهِ الْمُسْتَطِيلُ وَيُسَمَّى السَّرَبُ بِفَتْحٍ
وَقَالَ فِي ك، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْجُحْرِ،
وَإِنْ كَانَ السَّرَبُ كَذَلِكَ جَرْيًا عَلَى الْغَالِبِ قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ وَلِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ يَنْبَغِي أَنْ يُعِدَّ مَا يَبُولُ فِيهِ لَيْلًا،
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَا يَبُولُ فِي مِرْحَاضٍ وَنَحْوِهِ حَتَّى يَضْرِبَ بِرِجْلِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا لِتَنْفِرَ الْهَوَامُّ مَخَافَةَ أَنْ تُؤْذِيَهُ أَوْ تُنَجِّسَهُ
(قَوْلُهُ: خَوْفًا مِنْ إلَخْ) أَيْ إنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ النَّهْيِ فَقِيلَ؛ لِأَنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ
وَقِيلَ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ بَعْضُ الْهَوَامِّ فَيُشَوِّشُ عَلَيْهِ (فَإِنْ قُلْت) إنَّ الشَّيَاطِينَ يُحِبُّونَ النَّجَاسَاتِ
(قَوْلُهُ: اتِّقَاءُ مَهَابِّ الرِّيحِ) عَامٌّ فِي الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ الرَّقِيقِ
قَالَ فِي ك وَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إنَّمَا يُطْلَبُ بِاتِّقَاءِ الرِّيحِ وَأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ سَاكِنَةً لَمْ يُطْلَبْ مِنْهُ اتِّقَاءُ مَهَابِّهَا مَعَ أَنَّ الَّذِي فِي الْمَدْخَلِ اتِّقَاءُ مَهَابِّهَا
(قَوْلُهُ: وَلَا حَاجَةَ إلَى مَا وَقَعَ إلَخْ) ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّ الشَّطَّ،
وَإِنْ لَمْ يُعْتَدْ لِلْوُرُودِ وَلَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ يَجْتَنِبُهُ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ خُصُوصًا إذَا لَمْ يَكُنْ بِقُرْبِ عِمَارَةٍ وَبَعْدَ كَتْبِي هَذَا رَأَيْت تت قَالَ مَا نَصُّهُ وَأُلْحِقَ بِهِ شَاطِئُ النَّهْرِ حَيْثُ يَقْصِدُهُ النَّاسُ اهـ.
(أَقُولُ) إذَا كَانَ يَقْصِدُهُ النَّاسُ صَارَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَوْرِدِ
(قَوْلُهُ: وَلَعَلَّهُ اسْتَغْنَى بِهِ عَنْ الشَّطِّ) أَيْ إنْ قُلْنَا الْمُرَادُ مَكَانُ الْوُرُودِ
(قَوْلُهُ: إذْ هُوَ أَحْرَى مِنْ النَّهْرِ) فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ» قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هُوَ نَهْيُ كَرَاهَةٍ وَإِرْشَادٍ وَهُوَ فِي الْقَلِيلِ أَشَدُّ؛ لِأَنَّهُ يُفْسِدُهُ
وَقِيلَ النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ قَدْ يَفْسُدُ لِتَكَرُّرِ الْبَائِلِينَ وَيَظُنُّ الْمَارُّ أَنَّهُ تَغَيَّرَ مِنْ قَرَارِهِ وَيَلْحَقُ بِالْبَوْلِ فِيهِ التَّغَوُّطُ فِيهِ وَصَبُّ النَّجَاسَةِ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ الْجَارِي عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ: إنَّ الْكَرَاهَةَ عَلَى التَّحْرِيمِ فِي الْقَلِيلِ إذْ قَدْ يَتَغَيَّرُ مِنْهُ فَيُظَنُّ أَنَّهُ مِنْ قَرَارِهِ وَعَزَاهُ عِيَاضٌ لِبَعْضِهِمْ
وَأَمَّا الْكَثِيرُ فَعَلَى بَابِهَا قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَلَوْ قِيلَ بِالتَّحْرِيمِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا نَقَلَهُ الْحَطَّابُ وَقَوْلُهُ الْكَرَاهَةُ عَلَى بَابِهَا أَيْ مَا لَمْ يَكْثُرْ جِدًّا كَالْمُسْتَبْحِرِ كَمَا فِي التَّلْقِينِ وَصَرَّحُوا بِجَوَازِهِ فِي الْجَارِي ذَكَرَهُ فِي ك قَوْلُهُ: اتِّقَاءُ طَرِيقٍ) هُوَ أَعَمُّ مِمَّا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْمَوْرِدَ طَرِيقُ النَّهْرِ وَطَرِيقُ الْعَيْنِ وَطَرِيقُ الْبِئْرِ وَلَكِنَّهُ ذَكَرَهُ تَبَرُّكًا بِالْحَدِيثِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْغَائِطُ أَشَدَّ مِنْ الْبَوْلِ وَبَعْدَ أَنْ عَلِمْت هَذَا فَنَقُولُ: إنَّ قَوْلَ عِيَاضٍ يُنَافِي قَوْلَ الشَّارِحِ وَمِنْ الْآدَابِ إلَخْ وَيُنَافِي قَوْلَ النَّوَادِرِ
وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَغَوَّطَ بِقَارِعَةِ الطَّرِيقِ.
قَالَ عج وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ التَّحْرِيمُ وَيَنْبَغِي الرُّجُوعُ إلَيْهِ إذْ فَاعِلُ الْمَكْرُوهِ لَا يُلْعَنُ وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ الْبِرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالظِّلِّ» وَالْبِرَازُ اسْتَصْوَبَ النَّوَوِيُّ كَسْرَ مُوَحَّدَتِهِ الْغَائِطُ وَالْمَلَاعِنُ عَنْ جَمْعِ مَلْعَنَةٍ وَهِيَ الْفَعْلَةُ الَّتِي يُلْعَنُ فَاعِلُهَا كَأَنَّهَا مَظِنَّةُ اللَّعْنِ وَمَحَلٌّ لَهُ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْمَكَانِ بِمَا يَقَعُ فِيهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَأْتُونَ إلَيْهَا فَيَجِدُونَ الْعَذِرَةَ فَيَلْعَنُونَ فَاعِلَهَا وَظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عُمُومُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَفِي الْحَدِيثِ تَخْصِيصُهُ بِالْغَائِطِ قَالَ سَيِّدِي زَرُّوقٌ وَمِثْلُ الظِّلِّ الشَّمْسُ أَيَّامَ الشِّتَاءِ أَيْ وَنَحْوُهَا كَالْقَمَرِ
(قَوْلُهُ: أَيْ نَخْلٍ مُلْتَفٍّ) قَالَ الْحَطَّابُ كَأَنَّهُ لِالْتِفَافِهِ يَحُوشُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ
(قَوْلُهُ: خَوْفَ فِعْلِهِمْ بِمَسْجِدِنَا) أَيْ لِاحْتِمَالِ،
وَأَمَّا لَوْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ أَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ ذَلِكَ فَيَجِبُ التَّرْكُ
(قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ الْبَوْلُ فِي مَخَازِنِ الْغَلَّةِ) أَيْ الَّتِي فِيهَا الْغَلَّةُ بِالْفِعْلِ أَوْ بِصَدَدِ الْوَضْعِ فِيهَا وَقَوْلُهُ: وَالْأَوَانِي النَّفِيسَةِ أَيْ كَالصِّينِيِّ، وَقَوْلُهُ: يَحْرُمُ فِي النَّقْدَيْنِ
إمَّا لِإِهَانَةِ مَا أَعَزَّهُ اللَّهُ أَوْ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهُمَا وَهُوَ حَرَامٌ وَهَذَا أَظْهَرُ
(قَوْلُهُ اتِّقَاءُ الْمَوْضِعِ الصُّلْبِ النَّجِسِ) أَيْ جُلُوسًا وَقِيَامًا قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ إنْ كَانَ صُلْبًا نَجِسًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَهُ وَيَقْصِدَ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ قَامَ خَافَ أَنْ يَتَطَايَرَ عَلَيْهِ،
وَإِنْ جَلَسَ خَافَ أَنْ يَتَلَطَّخَ بِنَجَاسَةِ الْمَوْضِعِ اهـ. ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا كَانَ صُلْبًا نَجِسًا لَا يَخْشَى التَّلَطُّخَ بِنَجَاسَةِ الْمَوْضِعِ إنَّمَا يَخْشَى مِنْ رَشَاشِ الْبَوْلِ
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الطَّاهِرُ فَيَتَعَيَّنُ الْجُلُوسُ فِيهِ) أَيْ يُنْدَبُ نَدْبًا أَكِيدًا قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ؛ لِأَنَّهُ يَأْمَنُ مِنْ التَّلَطُّخِ بِالنَّجَاسَةِ إنْ جَلَسَ وَلَا يَأْمَنُ إنْ قَامَ كَمَا أَفَادَهُ الْحَطَّابُ.
(قَوْلُهُ: بِضَمِّ الصَّادِ) مُفَادُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ فَتْحُ الصَّادِ وَسُكُونُ اللَّامِ وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ الصِّحَاحُ وَالْقَامُوسُ وَلَكِنَّ الْمَحْفُوظَ كَمَا قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ فَتْحُ الصَّادِ وَسُكُونُ اللَّامِ وَبَيَّنَ فِي الْمِصْبَاحِ أَنَّ الصُّلْبَ الْمَوْضِعُ الْغَلِيظُ الشَّدِيدُ.
(وَ) نُدِبَ (اتِّقَاءُ جُحْرٍ) أَصْلُهُ الْمُسْتَدِيرُ وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَلُ السَّرَبَ أَيْ الْمُسْتَطِيلَ لِأَنَّهُ مَسْكَنُ الْجِنِّ وَالْهَوَامِّ كَالْأَفَاعِي وَالْعَقَارِبِ فَإِنْ قِيلَ: الْجِنُّ يُحِبُّونَ النَّجَاسَةَ قُلْنَا لَا يَلْزَمُ مِنْ مَحَبَّةِ شَيْءٍ مَحَبَّةُ التَّلَطُّخِ بِهِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(واتقاء جُحْر) بضم الجيم قبل الحاء المهملة الساكنة، الثقب المستدير، ويلحق به المستطيل، ويسمى سربا بفتح السين؛ يعني أنه يندب لقاضي الحاجة أن يتقي الجحر، (لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك (١) ) رواه أبو داوود والترمذي. قاله الإمام الحطاب.
وفي الشبراخيتي عند قوله: "واتقاء جحر" لخبر: (لا يبولن أحدكم في جحر (٢) )؛ وإنما طلب اتقاؤه خوفا من خروج الهوام فتؤذيه على أحد قولين، والآخر أن علة النهي كونه مسكن الجن. وقد قيل إن سبب موت سيدنا سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه بالشام: بوله في جحر.
وقيل إنه كان بالشام فقام ليلا فبال قائما، فلم تمض له جمعة حتى مات رضي الله عنه. وقوله: "واتقاء جحر" هذا إذا لاقاه بعين الذكر: واختلف إذا بال بعيدا عنه: ويصل إليه بوله، فقيل مكروه،
وقيل يباح لبعده عن الحشرات. وهو قول ابن حبيب، وعليه ابن عرفة، وعلى الأول ابن عبد السلام: ورده ابن عرفة بأن حركة الجن في فراغ المهواة لا في سطح محيطها، وظاهر المصنف العموم في البول والغائط. وظاهر ابن عرفة اختصاصه بالبول. ونقل أحمد عن الشيخ زروق عن بعض الشافعية: ينبغي أن يعِدَّ ما يبول فيه ليلا،
فإن لم يكن فلا يبول في مرحاض ونحوه حتى يضرب برجله مرتين أو ثلاثا لتنفير الهوام مخافة أن تؤذيه وعد في المدخل من الخصال المطلوبة أن لا يستنجي في موضع قضاء الحاجة؛
وفي الترمذي أنه عليه الصلاة والسلام قال: (لا يبولن أحدكم في مستحمه فإن عامة الوسواس منه (٣) ) قال الدميري من الشافعية: هذا إذا لم يكن مسلك يذهب فيه البول، وهذا في الاستنجاء بالماء،
وأما إذا استنجى بغير الماء فلا يندب له ذلك أيضا؛ قاله الشافعية أيضا، وهو ظاهر. قاله الإمام الحطاب. وريح يعني أند يندب لقاضي الحاجة أن يتقي مهاب الريح،
ولو ساكنة في البول والغائط الرقيق: ومن جملة مهب الريح المراحيض التي فيها منفذ يدخل منه الريح ويخرج من آخر، فينبغي أن يبول في وعاء، ثم يفرغه في المرحاض أو يبول على الأرض بالقرب من المرحاض بحيث يسيل إليه. قاله الشيخ إبراهيم. وندب اتقاء الريح مخافة من رد الأذى عليه فيتنجس. وذكر القرطبي في تفسيره ما نصه: قال العلماء الريح يحرك الهواء، وقد يشتد ويضعف،
فإذا حركت الهواء من تجاه القبلة ذاهبة إلى ورائها قيل لتلك الريح الصبا،
وإذا حركته من وراء القبلة ذاهبة إلى تجاهها قيل لتلك الريح الدبور،
وإذا حركته عن يمين القبلة ذاهبة إلى يسارها قيل لتلك الريح الجنوب، وعكسه ريح الشمال ولكل واحدة طبع فتكون منفعتها بحسب طبعها، فالصبا حارة يابسة، والدبور باردة رطبة، والجنوب حارة رطبة، والشمال باردة يابسة. وكل ريح بين ريحين فحكمها حكم الريح التي تكون في هبوبها أقرب إلى مكانها، وتسمى النكباء، وذكر أيضا أنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الرياح ثمان (١) ) أربع منها عذاب، وأربع منها رحمة فالعذاب منها العاصف والصرصر والعقيم والقاصف، والرحمة منها الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات فيرسل الله المرسلات فتثير السحاب، ثم يرسل الناشرات فتنشر ما أراده.
انتهى. نقله الشبراخيتي. ومورد يعني أنه يندب لقاضي الحاجة بولا أو غائطا أن يتقي المورد؛ أي يتجنبه بقضاء الحاجة فيه، والمورد طريق الشرب، والاستقاء من الماء.
وقال الحطاب: المورد موضع الورود من الأنهار والآبار والعيون. انتهى.
قال: وقال في الإكمال الورد ضفَّة النهر، ومشارع المياه،
وإذا اتقى المورد فالماء نفسه أحرى، ويوجد التصريح به في بعض النسخ، ولا حاجة إليه.
وفي حديث مسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم (٢) )، قال القاضي عياض: هو نهي كراهةٍ وإرشاد، وهو في القليل أشد؛ لأنه يفسده.
وقيل النهي للتحريم، لأن الماء قد يفسد لتكرر البائلين، ويظن المار أنه تغير من قراره، ويلحق بالبول التغوط فيه، وصب النجاسة. قاله الإمام الحطاب. ابن ناجي: الجاري على أصل المذهب أن الكراهة على التحريم في القليل؛ إذ قد يتغير منه فيظن أنه من قراره، وعزاه عياض لبعضهم.
وأما الكثير فعلى بابها، قال بعض الشافعية: ولو قيل بالتحريم لم يكن بعيدا، والضفة بكسر الضاد المعجمة جانب النهر، وضفتاه جانباه. قاله في الصحاح. وحكى صاحب النهاية: فيه الفتح. نقله الإمام الحطاب.
وفي بعض النسخ: وشط وماء دائم بعد قوله: "ومورد" والشط للنهر؛ والبحر: والدائم الراكد؛
وظاهره ولو كثر، وبه صرح ابن عرفة.
وفي التلقين: إلا أن يكثر جدا كالمستبحر وصرحوا بجوازه في الجاري ولا حاجة إلى هذه النسخة إن فسر المورد بما يمكن منه الورود
لا إن فسر بما عتيد للورود. قاله غير واحد. وطريق يعني أنه يندب لقاضي الحاجة بولا أو غائطا -وهو أشد- أن يتقي الطريق.
قال في النوادر: ويكره أن يتغوط في ظل الجدار؛ والشجر، وقارعة الطريق، وضفة الماء، وقربه. انتهى. وروي أبو داوود عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق: والظل (١) ). انتهى. والملاعن جمع ملعنة: وهي الفعلة التي يلعن بها فاعلها كأنه مظنة للعن، ومحل له؛ لأن الناس إذا مروا به لعنوا فاعله. قاله في النهاية.
وقال ابن راشد: جمع ملعن اسم مكان، وقوله: البراز بكسر الباء على ما استصوبه النووي؛ وهو الغائط، والموارد جمع مورد وقد تقدم بيانه؛ وروى أبو داوود أيضا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا اللاعنين قالوا وما اللاعنان؛ قال: الذي يتخلى في طرق الناس أو ظلهم (٢) ).
قال في النهاية: اتقوا اللاعنين؛ أي الأمرين الجالبين للَّعن الباعثين للناس عليه؛ فإنه سبب للعن من فعله في هذه المواضع، وليس كل ظل، وإنما هو الظل الذي يستظل به الناس كما يأتي قريبا إن شاء الله تعالى.
وفي الحديث: اتقوا الملاعن. قال في الذخيرة: سميت ملاعن من باب تسمية المكان بما يقع فيه كتسمية الحرم حرما، والبلد آمنا لما حل فيهما من تحريم الصيد. وأمنه.
وفي حديث بلفظ (اللعانين (٣) ) بصيغة المبالغة، قالوا: يا رسول الله وما اللعانان؟ الحديث. قوله: "وطريق" هو أعم مما قبله؛ لأن المورد طريق النهر، وطريق العين، وطريق البير فذكره تبركا بالحديث. قاله الشيخ إبراهيم. وظل يعني أنه يندب لقاضي الحاجة بولا أو غائطا أن يتقي بحدثه الظل الذي يستظل به الناس، ويتخذونه مقيلا ومناخا،
وكذا مجلسهم بشمس أيام الشتاء، أو قمر، (وقد قضاها صلى الله عليه وسلم تحت حائش (١) )، أي نخل ملتف؛ ومعلوم أن له ظلا.
وفي الحديث (أنه كان أحب إليه ما استتر إليه حائش نخل أو حائط (٢) ) والحائش هو النخل الملتف، كأنه يحوش بعضه إلى بعض، وهو بالحاء المهملة والشين المعجمة.
وقال في المدخل في آداب الاستنجاء: أن يتجنب بيَعَ اليهود؛ وكنائس النصارى ليلا يفعلوا ذلك بمساجدنا. كما نهي عن سب الآلهة المدعوة من دون الله ليلا يسب الله؛
ويكره البول في الأواني النفيسة،
ويحرم في أواني الذهب والفضة لحرمة اتخاذها واستعمالها. قاله الإمام الحطاب. وصلب يعني أنه يندب لقاضي الحاجة أن يتقيَ الصلب،
وظاهره الإطلاق، وهم قيدوه بالنجس.
وأما الطاهر الصلب فيتأكد ندب الجلوس به، وما ذكره المصنف من الإطلاق، قال ابن غازي: لا أعرفه إلا لأبي حامد الغزالي. قاله الحطاب.
وقال ذكر في الذخيرة عن الجواهر أن من الآداب أن يتجنب الموضع الصلب احترازا من الرشاش وأطلق في ذلك، ولا شك أنه يخشى من تطاير البول فيه مطلقا سواء كان طاهرا أو نجسا فينبغي تجنبه، ولكني لم أقف على ما ذكره عن الجواهر فيها، والذي رأيت فيها وإن كان نجسا صلبا اجتنبه وعدل إلى غيره.
وفي العمدة والإرشاد أن من الآداب أن يطلب موضعا رخوا. قال شراحه: لا صلبا، وصرح بذلك ابن معلى في منسكه، فقال: واتقاء الأرض الصلبة. انتهى. والصلب بضم الصاد وسكون اللام، الموضع الشديد، ويقال أيضا بفتح الصاد وبضم اللام وبضم الصاد وفتح اللام مشددة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.