يَتَيَمَّمُ ذُو مَرَضٍ وَسَفَرٍ أُبِيحَ
الشروح عليها
(فَصْلٌ) فِي التَّيَمُّمِ وَهُوَ لُغَةً الْقَصْدُ وَشَرْعًا طَهَارَةٌ تُرَابِيَّةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى مَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِنِيَّةٍ، وَالْمُرَادُ بِالتُّرَابِ جِنْسُ الْأَرْضِ فَيَشْمَلُ الْحَجَرَ وَغَيْرَهُ مِمَّا يَأْتِي وَاَلَّذِي يَسُوغُ لَهُ التَّيَمُّمُ فَاقِدُ الْمَاءِ فِي سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ وَفَاقِدُ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ وَهُوَ الْمَرِيضُ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا وَكُلُّ مَنْ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ فَيَتَيَمَّمُ لِلْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَلِلْجُمُعَةِ وَالْجِنَازَةِ تَعَيَّنَتْ أَوَّلًا إلَّا الصَّحِيحُ الْحَاضِرُ الْفَاقِدُ لِلْمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ إلَّا لِفَرْضٍ غَيْرِ الْجُمُعَةِ وَالْجِنَازَةِ الْمُتَعَيِّنَةِ عَلَيْهِ فَلَا يُصَلِّي بِهِ النَّفَلَ أَوْ جِنَازَةً غَيْرَ مُتَعَيِّنَةً إلَّا تَبَعًا وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ (يَتَيَمَّمُ ذُو مَرَضٍ) وَلَوْ حُكْمًا كَصَحِيحٍ خَافَ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ حُدُوثَهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ بِسَبَبِهِ (وَ) ذُو (سَفَرٍ) وَإِنْ لَمْ تُقْصَرْ فِيهِ الصَّلَاةُ (أُبِيحَ) أَرَادَ بِهِ مَا قَابَلَ الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ فَيَشْمَلُ الْفَرْضَ وَالْمَنْدُوبَ كَسَفَرِ الْحَجِّ وَالْمُبَاحِ كَالتَّجْرِ وَخَرَجَ الْمُحَرَّمُ كَالْعَاقِّ أَوْ الْآبِقِ وَالْمَكْرُوهِ كَسَفَرِ اللَّهْوِ وَهُوَ ضَعِيفٌ
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْمُسَافِرَ الْفَاقِدَ لِلْمَاءِ يَتَيَمَّمُ وَلَوْ عَاصِيًا بِسَفَرِهِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي مَسْحِ الْخُفَّيْنِ مِنْ الْقَاعِدَةِ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ لُغَةً الْقَصْدُ) أَيْ فَيُقَالُ يَمَّمْت فُلَانًا إذَا قَصَدْته وَمِنْهُ مَنْ أَمَّكُمْ لِرَغْبَةِ فِيكُمْ ظَفِرَ ...
وَمَنْ تَكُونُوا نَاصِرِيهِ يَنْتَصِرْ
(قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالتُّرَابِ) أَيْ الَّذِي نُسِبَتْ لَهُ الطَّهَارَةُ
(قَوْلُهُ: يَتَيَمَّمُ ذُو مَرَضٍ) أَيْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ أَوْ غَيْرِهِ
(قَوْلُهُ: أَوْ حُكْمًا) أَيْ وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي خَافَ بِاسْتِعْمَالِهِ حُدُوثَ مَرَضٍ فَهُوَ بِسَبَبِ خَوْفِهِ الْمَذْكُورِ فِي حُكْمِ غَيْرِ الْقَادِرِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ
(قَوْلُهُ: وَالْجِنَازَةُ الْمُتَعَيِّنَةُ عَلَيْهِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِفَرْضٍ غَيْرِ الْجُمُعَةِ أَيْ إلَّا لِفَرْضٍ غَيْرِ الْجُمُعَةِ وَإِلَّا لِلْجِنَازَةِ الْمُتَعَيِّنَةِ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: فَلَا يُصَلِّي بِهِ النَّفَلَ) أَيْ وَلَا فَرْضَ الْجُمُعَةِ
(قَوْلُهُ: إلَّا تَبَعًا) أَيْ لِلْفَرْضِ الَّذِي تَيَمَّمَ لَهُ
(قَوْلُهُ: يَتَيَمَّمُ ذُو مَرَضٍ) أَيْ عَاجِزٌ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِخَوْفِهِ تَأْخِيرَ بُرْئِهِ أَوْ زِيَادَةِ مَرَضِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ مِنْهُ الْمَبْطُونُ الْمُنْطَلِقُ الْبَطْنِ الْقَادِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِأَنَّ هَذَا يَتَوَضَّأُ وَمَا خَرَجَ مِنْهُ غَيْرُ نَاقِضٍ كَمَا مَرَّ فِي السَّلَسِ وِفَاقًا لح خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّهُ يَتَيَمَّمُ اُنْظُرْ بْن
(قَوْلُهُ: بِسَبَبِهِ) أَيْ بِسَبَبِ الْمَرَضِ أَوْ خَوْفِهِ حُدُوثَ الْمَرَضِ
(قَوْلُهُ: أُبِيحَ) صِفَةٌ لِسَفَرٍ لَا أَنَّهُ رَاجِعٌ لِمَرَضٍ أَيْضًا لِأَنَّ مَنْ كَانَ مَرَضُهُ مِنْ مَعْصِيَةٍ يَتَيَمَّمُ لِلْفَرْضِ وَالنَّفَلِ اتِّفَاقًا وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ كَانَ عَاصِيًا بِسَفَرِهِ أَنَّ الْأَوَّلَ لَمَّا حَصَلَ لَهُ الْمَرَضُ بِالْفِعْلِ صَارَ لَا يُمْكِنُهُ إزَالَتُهُ
بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الرُّجُوعِ مِنْ السَّفَرِ وَإِذَا عَلِمْت أَنَّ الْمُسَافِرَ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ تَعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ اسْتِصْحَابُ الْمَاءِ مَعَهُ فِي السَّفَرِ لِلطَّهَارَةِ كَمَا فِي ح وَغَيْرِهِ
(قَوْلُهُ: كَسَفَرِ الْحَجِّ) مِثَالٌ لِلْفَرْضِ وَالْمَنْدُوبِ لِأَنَّ الْحَجَّ تَارَةً يَكُونُ فَرْضًا وَتَارَةً يَكُونُ مَنْدُوبًا
(قَوْلُهُ: وَخَرَجَ الْمُحَرَّمُ) أَيْ خَرَجَ السَّفَرُ الْمُحَرَّمُ وَالْمَكْرُوهُ فَلَا يَجُوزُ الْقُدُومُ عَلَى التَّيَمُّمِ فِيهِمَا
(قَوْلُهُ: كَالْعَاقِّ) أَيْ كَسَفَرِ الْعَاقِّ وَسَفَرِ الْآبِقِ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ تَقْيِيدِ السَّفَرِ بِالْإِبَاحَةِ ضَعِيفٌ
(قَوْلُهُ: يَتَيَمَّمُ) أَيْ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ حَتَّى لِلنَّوَافِلِ كَمَا فِي ح وَلَوْ عَاصِيًا بِسَفَرِهِ
[فَصَلِّ فِي التَّيَمُّم] ص (فَصْلٌ يَتَيَمَّمُ) ش: لَمَّا ذَكَرَ الطَّهَارَةَ الْمَائِيَّةَ بِقِسْمَيْهَا وَمَا يَنُوبُ فِي غَسْلِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ ذَكَرَ مَا يَنُوبُ عَنْ غَسْلِ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَهُوَ التَّيَمُّمُ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ أَعْنِي كَوْنَهُ نَائِبًا عَنْهُمَا وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَفِي كَوْنِهِ أَصْلًا، أَوْ نَائِبًا عَنْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ خِلَافٌ، وَهُوَ لُغَةً الْقَصْدُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} أَيْ: تَقْصِدُونَهُ وَشَرْعًا
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: طَهَارَةٌ تُرَابِيَّةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى مَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: طَهَارَةٌ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، أَوْ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ وَزَادَ الْمُنَاوِيُّ بَعْدَ قَوْلِنَا: طَهَارَةٌ تُرَابِيَّةٌ " ضَرُورِيَّةً "، وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا الشَّبِيبِيُّ، وَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِمَا: تُرَابِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ عَلَى الْجِيرِ وَغَيْرِهِ مَعَ وُجُودِ التُّرَابِ،
وَكَذَلِكَ لَا يُحْتَاجُ لِقَوْلِهِمَا كَابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ مُحْرِزٍ " ضَرُورِيَّةٌ "؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ يُغْنِي عَنْهُ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ عَلَى الْجِيرِ يُرِيدُ قَبْلَ طَبْخِهِ كَمَا سَيَأْتِي، وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِمَا وَقَوْلُهُمَا تُرَابِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ التُّرَابُ وَمَا هُوَ مِنْ جِنْسِهِ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: طَهَارَةُ تُرَابِهِ تُفْعَلُ مَعَ الِاضْطِرَارِ دُونَ الِاخْتِيَارِ.
وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ قَوْله تَعَالَى:{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} . الْآيَةَ وَأَحَادِيثُ يَأْتِي بَعْضُهَا، وَمِنْهَا حَدِيثُ مُسْلِمٍ:«جُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا.» وَحَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» . وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ وَعَلَى أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ لُطْفًا مِنْ اللَّهِ بِهَا وَإِحْسَانًا وَلِيَجْمَعَ لَهَا بَيْنَ التُّرَابِ الَّذِي هُوَ مَبْدَأُ إيجَادِهَا وَالْمَاءِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ اسْتِمْرَارِ حَيَاتِهَا إشْعَارًا بِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ سَبَبُ الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ وَالسَّعَادَةِ السَّرْمَدِيَّةِ جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْ أَهْلِهَا،
وَقِيلَ فِي حِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّتِهِ: إنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - لَمَّا عَلِمَ مِنْ النَّفْسِ الْكَسَلَ وَالْمَيْلَ إلَى تَرْكِ الطَّاعَةِ شَرَعَ لَهَا التَّيَمُّمَ عِنْدِ عَدَمِ الْمَاءِ لِئَلَّا تَعْتَادَ بِتَرْكِ الْعِبَادَةِ فَيَصْعُبُ عَلَيْهَا مُعَاوَدَتُهَا عِنْدَ وُجُودِهِ،
وَقِيلَ: يَسْتَشْعِرُ بِعَدَمِ الْمَاءِ مَوْتَهُ وَبِالتُّرَابِ إقْبَارَهُ فَيَزُولُ عَنْهُ الْكَسَلُ ذَكَرَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ التَّادَلِيُّ قَالَ ابْنُ نَاجِي وَلَا أَعْرِفُهَا لِغَيْرِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا أَقْوَالٌ مُتَبَايِنَةٌ بَلْ كُلٌّ عَبَّرَ بِمَا ظَهَرَ لَهُ وَالْمُرَادُ الْجَمِيعُ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَظْهَرُ لَنَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَحُكْمُهُ الْوُجُوبُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ بِإِجْمَاعٍ
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَاخْتُلِفَ هَلْ هُوَ لِلْمُسَافِرِ عَزِيمَةٌ؟ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: التَّيَمُّمُ يَجِبُ لِعَدَمِ الْمَاءِ وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ جَمَاعَةَ أَنَّهُ رُخْصَةٌ قَالَ التَّادَلِيُّ وَالْحَقُّ عِنْدِي أَنَّهُ عَزِيمَةٌ فِي حَقِّ الْعَادِمِ لِلْمَاءِ رُخْصَةٌ فِي حَقِّ الْوَاجِدِ الْعَاجِزِ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ. وَالْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ مُطْلَقًا لَا يَسْتَقِيمُ فِي حَقِّ الْوَاجِدِ إذْ قَدْ يَتَكَلَّفُ وَيَسْتَعْمِلُهُ وَمَعَ جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ لَا يَكُونُ التَّيَمُّمُ وَاجِبًا. وَالْقَوْلُ بِالرُّخْصَةِ لَا يَسْتَقِيمُ فِي حَقِّ الْعَادِمِ فَإِنَّ الرُّخْصَةَ تَقْتَضِي إمْكَانَ الْفِعْلِ الْمُرَخَّصِ فِيهِ وَتَرْكَهُ كَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ، وَالْعَادِمُ لِلْمَاءِ لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى تَرْكِ التَّيَمُّمِ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ الرُّخْصَةَ قَدْ تَنْتَهِي إلَى الْوُجُوبِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ فَإِنَّهَا إذَا انْتَهَتْ إلَيْهِ صَارَتْ عَزِيمَةً وَزَالَ عَنْهَا اسْمُ الرُّخْصَةِ انْتَهَى.
وَفِيمَا قَالَهُ التَّادَلِيُّ نَظَرٌ فَإِنَّ الْعَاجِزَ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِخَوْفِ ضَرَرٍ أَوْ زِيَادَةِ مَرَضٍ لَا يُقَالُ بِجَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ لِلْمَاءِ غَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ لَوْ تَكَلَّفَ وَارْتَكَبَ الْخَطَرَ صَحَّ مَعَ إثْمِهِ فِي إقْدَامِهِ عَلَى الْخَطَرِ، وَإِنْكَارُهُ كَوْنَ الرُّخْصَةِ تَنْتَهِي لِلْوُجُوبِ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ كَابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ تَقْسِيمِهِمْ إيَّاهَا لِلْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ، زَادَ بَعْضُهُمْ: وَخِلَافُ الْأُولَى، وَالْحَقُّ أَنَّهُ رُخْصَةٌ تَنْتَهِي فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لِلْوُجُوبِ كَمَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ، أَوْ خَافَ الْهَلَاكَ بِاسْتِعْمَالِهِ، أَوْ شَدِيدَ الْأَذَى، وَبَنَى بَعْضُهُمْ عَلَى الْخِلَافِ فِي كَوْنِهِ رُخْصَةً، أَوْ عَزِيمَةً تَيَمُّمَ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ فَعَلَى أَنَّهُ عَزِيمَةٌ يَتَيَمَّمُ وَعَلَى أَنَّهُ رُخْصَةٌ لَا يَتَيَمَّمُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عَزِيمَةً وَيَتَوَقَّفُ عَلَى تَوْبَتِهِ مِنْ عِصْيَانِهِ كَمَا أَنَّ فُرُوعَ الشَّرِيعَةِ يُخَاطَبُ بِهَا الْكَافِرُ وَيَتَوَقَّفُ الْإِتْيَانُ بِهَا عَلَى الْإِسْلَامِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ص (ذُو مَرَضٍ) ش: أَيْ: صَاحِبُ الْمَرَضِ وَمَيْدُ الْبَحْرِ مَرَضٌ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَيَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي، وَلَا يُعِيدُ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِي سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ الْمَبْطُونُ وَالْمَائِدُ عَلَى الْوُضُوءِ تَيَمَّمَا فَحَمَلَهُ ابْنُ رَاشِدٍ عَلَى أَنَّهُمَا لَا يَقْدِرَانِ عَلَى مَسِّ الْمَاءِ وَقَالَ سَنَدٌ: يُرِيدُ إذَا عَظُمَتْ بَطْنُهُ حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ مِنْ تَنَاوُلِ الْمَاءِ وَرَفْعِهِ مِنْ الْإِنَاءِ،
وَكَذَلِكَ الْمَائِدُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَمْسِكَ نَفْسَهُ حَتَّى يَرْفَعَ الْمَاءَ فَيَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي، وَلَا يُعِيدُ، انْتَهَى.
وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِأَنْ لَا يَجِدَا مَنْ يُوَضِّئُهُمَا، أَوْ لَا يَسْتَطِيعَانِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَحَمَلَهُ الطُّلَيْطِلِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ عَلَى مَنْ انْطَلَقَتْ بَطْنُهُ،
وَنَصُّهُ: وَإِنْ كَانَ مَبْطُونًا بِبَطَنٍ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ بَطْنُهُ لَا يَسْتَطِيعُ إمْسَاكَهُ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي، وَقَدْ قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، انْتَهَى. وَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي كَلَامِهِ هُوَ الْجَارِي عَلَى الْمَعْرُوفِ فِي الْمَذْهَبِ فِي الْأَحْدَاثِ الْمُسْتَنْكَحَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ قَرِيبٌ مِنْ فَتْوَى اللَّخْمِيِّ وَلَعَلَّهُ اغْتَرَّ بِظَاهِرِ لَفْظِ الرِّوَايَةِ ثُمَّ
قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الطُّلَيْطِلِيِّ: وَمَنْ كَانَ لَا يُدْرِكُ بِيَدَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ مَخْرَجَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ مِنْ عِلَّةٍ نَزَلَتْ بِهِ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ، أَوْ جَارِيَةٌ غَسَلَتْ ذَلِكَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا وَقَدَرَ عَلَى تَحْصِيلِهَا فَعَلَيْهِ ذَلِكَ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، وَلَا زَوْجَةٌ، وَلَا خَادِمٌ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي، انْتَهَى. وَمَا قَالَهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ فِي فَصْلِ الِاسْتِبْرَاءِ أَنَّهُ يُصَلِّي بِالنَّجَاسَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. ص (وَسَفَرٍ أُبِيحَ) ش: دَخَلَ السَّفَرُ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ مِنْ بَابِ أَوْلَى،
وَلَوْ قَالَ: جَائِزٌ لَشَمِلَ كَلَامُهُ ذَلِكَ نَصًّا، وَخَرَجَ الْمَكْرُوهُ وَالْحَرَامُ. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ اشْتِرَاطِ إبَاحَةِ السَّفَرِ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَاعْتَرَضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي حِكَايَتِهِ فِيهِ الْخِلَافَ فَقَالَ وَشَرَطَ الْقَاضِي إبَاحَةَ السَّفَرِ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى الْأَصَحِّ لَا أَعْرِفُهُ نَصًّا، انْتَهَى. وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْمَشَذَّالِيُّ بِلَفْظِ وَشَرَطَ الْقَاضِي إبَاحَةَ السَّفَرِ فَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ لَا أَعْرِفُهُ، وَلَفْظُ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَلَا يَتَرَخَّصُ بِالْعِصْيَانِ عَلَى الْأَصَحِّ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: نَفْيُ ابْنِ الْحَاجِبِ التَّرَخُّصَ بِسَبَبِ الْعِصْيَانِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ نَفْيَ التَّيَمُّمِ خَاصَّةً وَهُوَ الْأَقْرَبُ مِنْ مُرَادِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ نَفْيَ التَّرَخُّصِ عُمُومًا كَالتَّيَمُّمِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ،
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَنْتَفِي مِنْ التَّرَخُّصِ بِسَبَبِ الْعِصْيَانِ إلَّا رُخْصَةً يَظْهَرُ أَثَرُهَا فِي السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ كَالْقَصْرِ وَالْفِطْرِ،
وَأَمَّا رُخْصَةٌ يَظْهَرُ أَثَرُهَا فِي السَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ كَالتَّيَمُّمِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَلَا يَمْنَعُ الْعِصْيَانُ مِنْهَا وَمَعْنَى هَذَا لِابْنِ رُشْدٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ إذَا قُلْنَا يَمْسَحُ فِي الْحَضَرِ فَهَلْ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا مَنْ سَافَرَ فِي مَعْصِيَةٍ؟ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: لَا يَمْسَحُ، وَلَا يَتَرَخَّصُ بِرُخْصَةٍ حَتَّى يَتُوبَ،
وَقِيلَ: يَمْسَحُ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ لَا تَخْتَصُّ رُخْصَتُهُ بِالسَّفَرِ، انْتَهَى. وَصَرَّحَ صَاحِبُ الطِّرَازِ أَيْضًا فِي بَابِ الْقَصْرِ بِأَنَّهُ يَتَيَمَّمُ بِلَا خِلَافٍ، وَنَصُّهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي مَسْحِ الْخُفَّيْنِ: وَلَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ إذَا عَدِمَ الْمَاءَ يَتَيَمَّمُ وَيُجْزِئُهُ، انْتَهَى. وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ الْخِلَافَ وَصَحَّحَ مَا رَجَّحَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) أَكْثَرُ نُصُوصِهِمْ التَّعْبِيرُ بِالْعِصْيَانِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَهُوَ لَا يَقْتَضِي إخْرَاجَ الْمَكْرُوهِ خِلَافَ مَا تُعْطِيهِ عِبَارَةُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ وَالْمُصَنِّفِ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ الْمَكْرُوهَ لَا يَمْنَعُ الْقَصْرَ تَحْرِيمًا، وَإِنَّمَا يَمْنَعُهُ عَلَى سَبِيلِ الْكَرَاهَةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ وَقَالُوا إنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إنْ قَصَرَ فِيهِ مَعَ اشْتِرَاطِهِمْ هُنَاكَ إبَاحَةَ السَّفَرِ عَلَى الْمَشْهُورِ فَأَحْرَى هُنَا فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) مَثَّلَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْفَصْلِ التَّاسِعِ مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْ تَبْصِرَتِهِ الْعَاصِيَ بِسَفَرِهِ كَالْآبِقِ وَقَاطِعِ الطَّرِيقِ وَالْعَاقِّ لِوَالِدَيْهِ وَالْمُخَالِفِ لِشَيْخِهِ الَّذِي فَوَّضَ إلَيْهِ أُمُورَهُ عَلَى مَا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ التَّيَمُّمُ عَلَى الْأَصَحِّ
وَيَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَإِذَا عَزَمَ عَلَى التَّوْبَةِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - السَّفَرَ، فَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ سَفَرَ قَصْرٍ، أَوْ دُونَهُ، وَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِيهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ: الْأُولَى اشْتِرَاطُهُ. الثَّانِيَةُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ. الثَّالِثَةُ فِيهِ قَوْلَانِ.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِهِ: الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِسَفَرِ الْقَصْرِ وَقَالَ التُّونُسِيُّ هُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ نَصُّ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي مُخْتَصَرِهِ وَصَدَّرَ بِهِ فِي الشَّامِلِ
فَقَالَ: وَإِنْ قَصَرَ سَفَرَهُ، وَقِيلَ: كَالْقَصْرِ وَبِهِ جَزَمَ فِي الْإِشْرَافِ،
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ مِمَّا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ،
وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَتَيَمَّمُ إلَّا فِي سَفَرِ الْقَصْرِ، وَاشْتَرَطَ آخَرُونَ أَنْ يَكُونَ سَفَرَ طَاعَةٍ، وَهَذَا كُلُّهُ ضَعِيفٌ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَهَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الطِّرَازِ مِمَّا يُصَحِّحُ وُجُودَ الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الْعِصْيَانِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَلَا يُقَالُ: هَذَا الْفَرْعُ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ إلَّا عَلَى مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ الَّذِي يَمْنَعُ الْحَاضِرَ الصَّحِيحَ مِنْ التَّيَمُّمِ لِلْفَرَائِضِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ بَلْ يُحْتَاجُ إلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ أَيْضًا فِي التَّيَمُّمِ لِلسُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ فَعَلَى الصَّحِيحِ مَنْ عَدِمَ اشْتِرَاطَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ يَتَيَمَّمُ لِلسُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ، وَعَلَى مُقَابِلِهِ يَكُونُ كَالْحَاضِرِ لَا يَتَيَمَّمُ إلَّا لِلْفَرَائِضِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَإِقَامَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِطَلَبِ الْعَقْدِ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُبَاحُ السَّفَرُ لِلتَّجْرِ،
وَإِنْ أَدَّى إلَى التَّيَمُّمِ وَاحْتَجَّ بِالْحَدِيثِ؛
لِأَنَّ إقَامَتَهُمْ عَلَى الْتِمَاسِ الْعَقْدِ ضَرْبٌ مِنْ مَصْلَحَةِ الْمَالِ وَتَنْمِيَتِهِ وَقَبِلَهُ هُوَ وَعِيَاضٌ وَقَالَ الْأَبِيُّ: قُلْتُ: إنَّمَا فِيهِ الْإِقَامَةُ لِحِفْظِ الْمَالِ وَحِفْظُهُ وَاجِبٌ
بِخِلَافِ السَّفَرُ لِتَنْمِيَتِهِ وَقَالَ عِيَاضٌ فِيهِ جَوَازُ الْإِقَامَةِ بِمَوْضِعٍ لَا مَاءَ فِيهِ لِحَوَائِجِ الْإِنْسَانِ وَمَصَالِحِهِ وَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الِانْتِقَالُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ هُوَ مَا لَزِمَهُ مِنْ طَهَارَةِ الْمَاءِ، أَوْ التَّيَمُّمِ إنْ عَدِمَهُ مَا لَمْ يَكُنْ الْمَاءُ قَرِيبًا مِنْهُ فَيَلْزَمُهُ طَلَبُهُ عِنْدَ كُلِّ طَهَارَةٍ وَنَحْوِهِ لِلْبَاجِيِّ فِي الْمُنْتَقَى قَالَ الْأَبِيُّ الْمَصْلَحَةُ هُنَا حِفْظُ الْمَالِ وَهُوَ وَاجِبٌ فَلَا يَلْزَمُ جَوَازُ الْإِقَامَةِ لِمُطْلَقِ الْمَصْلَحَةِ، انْتَهَى فَتَأَمَّلْهُ.
وَمَا قَالَهُ الْأَوَّلُونَ ظَاهِرٌ بَلْ نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ ذَلِكَ عَنْ الْبَاجِيِّ صَرِيحًا قَالَ مَا نَصَّهُ الْبَاجِيُّ عَنْ الْمَذْهَبِ وَابْنِ مَسْلَمَةَ جَوَازُ سَفَرِ التَّجْرِ وَالرَّعْيِ حَيْثُ يَتَيَقَّنُ عَدَمَ الْمَاءِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ
وَيُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَهَا وَيَقُومُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ الْخُرُوجُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ مِنْ مَنْزِلِهِ إلَى مَكَان يُحْدِثُ فِيهِ عَلَى أَمْيَالٍ دُونَ مَا إذَا كَانَ يَشُكُّ هَلْ فِيهِ مَاءٌ أَمْ لَا؟ وَانْظُرْ إذَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ هَلْ يَجِبْ حَمْلُ الْمَاءِ، أَوْ يُسْتَحَبُّ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَجِبُ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَكَذَلِكَ اسْتِعْدَادُ الْمَاءِ لَهَا وَشَاهَدْتُ فِي حَالِ صِغَرِي فَتْوَى شَيْخِنَا الشَّبِيبِيِّ بِذَلِكَ الْأَمْرِ وَلَا أَدْرِي هَلْ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ؟
وَنَفْسِي إلَى الْوُجُوبِ أَمْيَلُ، انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْوُجُوبِ لِقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ خَرَجَ مِنْ قَرْيَةٍ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ يُرِيدُ قَرْيَةً أُخْرَى وَهُوَ غَيْرُ مُسَافِرٍ فَغَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ،
فَإِنْ طَمِعَ بِإِدْرَاكِ الْمَاءِ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ مَضَى إلَيْهِ وَإِلَّا تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ بِلَفْظِ: مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ عَلَى الْمِيلِ وَالْمِيلَيْنِ وَلَمْ يَحْمِلْهُ أَحَدٌ مِنْ الشُّرَّاحِ عَلَى مَا بَعْدَ الْوُقُوعِ فَتَأَمَّلْهُ، وَهَذَا حَيْثُ تَدْعُوهُ إلَى الْخُرُوجِ ضَرُورَةٌ فَإِنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ سَبَبٍ يَنْقُلُ إلَى التَّيَمُّمِ إلَّا عِنْدَ حَاجَةٍ، أَوْ حُدُوثِ ضَرُورَةٍ.
(الْخَامِسُ) دَخَلَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا إذَا كَانَ السَّفَرُ مُبَاحًا وَعَصَى فِيهِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ
(يَتَيَمَّمُ ذُو مَرَضٍ وَسَفَرٍ) ابْنُ حَارِثٍ: يُتَيَمَّمُ لِفَقْدِ الْمَاءِ الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ الْعَاجِزُ عَنْ فِعْلِ الْوُضُوءِ اتِّفَاقًا (أُبِيحَ) شَرَطَ الْقَاضِي إبَاحَةَ السَّفَرِ وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: يَلْزَمُ الْقَائِلَ لَا يَتَيَمَّمُ الْعَاصِي: أَنْ لَا يَمْسَحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ إنْ انْكَسَرَ وَلَا يَأْكُلُ فِي رَمَضَانَ وَإِنْ خَافَ الْمَوْتَ، اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ:" وَعِصْيَانٌ بِلُبْسِهِ ".
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: غَيْرُ وَاجِبٍ حَمْلُ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: يَجُوزُ السَّفَرُ فِي طَرِيقٍ يَتَيَقَّنُ فِيهِ عَدَمَ الْمَاءِ طَلَبًا لِمَالٍ وَرَعْيِ الْمَوَاشِي،
وَيَجُوزُ لَهُ الْمُقَامُ عَلَى حِفْظِ مَالِهِ وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى أَدَاءِ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ وَنَحْوِ هَذَا فِي الْإِكْمَالِ فَانْظُرْهُ.
(ص) يَتَيَمَّمُ ذُو مَرَضٍ وَسَفَرٍ أُبِيحَ لِفَرْضٍ وَنَفْلٍ (ش) وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُبَاحُ التَّيَمُّمُ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ سَفَرًا جَائِزًا وَلَوْ قَصَرَ لِلْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ اسْتِقْلَالًا وَتَبَعًا وَيَتَيَمَّمُ مَائِدُ الْبَحْرِ الَّذِي لَا يَمْسِكُ نَفْسَهُ لِلْوُضُوءِ وَلَا يَجِدُ مَنْ يُوَضِّئُهُ
وَكَذَا مَنْ خَشِيَ الْمَرَضَ مِنْ صَحِيحٍ مُقِيمٍ
وَكَذَا مَنْ عَظُمَتْ بَطْنُهُ حَتَّى لَا يَسْتَطِيعَ تَنَاوُلَ الْمَاءِ وَلَا يَجِدَ مُوَضِّئًا وَالْمُرَادُ بِالْمُبَاحِ مَا قَابَلَ الْمُحَرَّمَ وَالْمَكْرُوهَ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُبَاحُ كَسَفَرِ التَّجْرِ لِمَا هُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْ تَحْصِيلِهِ وَالْوَاجِبُ كَالسَّفَرِ لِحَجِّ الْفَرِيضَةِ وَيَخْرُجُ الْمُحَرَّمُ كَالسَّفَرِ لِمَعْصِيَةٍ وَالْمَكْرُوهُ كَسَفَرِ اللَّهْوِ وَالْحُكْمُ فِي الْعَاصِي بِالسَّفَرِ أَنَّهُ يُؤَخَّرُ لِبَقَاءِ رَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا مِنْ الضَّرُورِيِّ وَيُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ فَإِنْ تَيَمَّمَ قَبْلَ التَّوْبَةِ وَصَلَّى فَيُعِيدُ صَلَاتَهُ أَبَدًا عَلَى الْمَشْهُورِ وَفِي السَّفَرِ الْمَكْرُوهِ كَرَاهَةُ التَّيَمُّمِ بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُثِيبُهُ عَلَى هَذَا التَّيَمُّمِ فَإِنْ قِيلَ الْحَاضِرُ الصَّحِيحُ مَثَلًا إذَا عَدِمَ الْمَاءَ وَخَافَ فَوَاتَ الْوَقْتِ يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ وَلَوْ كَانَ عَاقًّا لِوَالِدَيْهِ فَلِمَ لَمْ يُبَحْ لِلْمُسَافِرِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَالْجَوَابُ أَنَّ السَّفَرَ لَمَّا كَانَ لَهُ دَخْلٌ فِي عَدَمِ الْمَاءِ أَوْ خَوْفِ الْفَوَاتِ وَهُوَ عَاصٍ بِهِ لَمْ يُبَحْ لَهُ التَّيَمُّمُ لِذَلِكَ وَمُرَادُ الْمُؤَلِّفِ بِالنَّفْلِ مَا لَمْ يَكُنْ فَرْضًا فَيَشْمَلُ السُّنَّةَ وَشَمِلَ الْفَرْضُ الْجُمُعَةَ فَيَتَيَمَّمُ لَهَا الْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ إذَا حَضَرَهَا.
(قَوْلُهُ: وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُبَاحُ) أَيْ يَجِبُ وُجُوبًا عَزْمِيًّا أَوْ وُجُوبًا تَرْخِيصِيًّا فَالتَّيَمُّمُ وَاجِبٌ وَالْخِلَافُ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ وُجُوبَ الْعَزَائِمِ أَوْ وُجُوبَ الرُّخَصِ اهـ.
وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ يَجِبُ وُجُوبًا تَرْخِيصِيًّا هَذَا مَا اقْتَضَاهُ قَوْلُ الشَّارِحِ مُعَبِّرًا بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمُشْعِرَةِ بِالْوُجُوبِ وَالْحَقُّ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْإِبَاحَةِ الْإِذْنُ الشَّامِلُ لِلْوُجُوبِ وَغَيْرِهِ كَمَا يَتَبَيَّنُ مِنْ الشَّارِحِ فِيمَا سَيَأْتِي
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَصُرَ) أَيْ وَلَوْ كَانَ السَّفَرُ قَصِيرًا لَمْ تُقْصَرْ فِيهِ الصَّلَاةُ
(قَوْلُهُ: وَكَذَا مَنْ خَشِيَ الْمَرَضَ إلَخْ) يُمْكِنُ دُخُولُ هَذِهِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَقَدْ قَالَ بَعْضٌ وَعُدُولُ الْمُؤَلِّفِ عَنْ مَرِيضِ الْأَخْصَرِ إلَى قَوْلِهِ: ذُو مَرَضٍ لِيَشْمَلَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ فَرْحُونٍ مِنْ جَوَازِ تَيَمُّمِ الْحَاضِرِ الْوَاجِدِ لِلْمَاءِ الصَّحِيحِ الْخَائِفِ الْمَرَضِ لِلْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فَقَوْلُهُ ذُو مَرَضٍ حَاصِلٍ أَوْ يَتَوَقَّعُ وَالْإِضَافَةُ تَأْتِي لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَائِدَ الْبَحْرِ وَمَنْ عَظُمَتْ بَطْنُهُ وَمَنْ خَشِيَ الْمَرَضَ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِ ذُو مَرَضٍ
(قَوْلُهُ: وَيَخْرُجُ الْمُحْرِمُ إلَخْ) أَيْ مِنْ السَّفَرِ
وَأَمَّا الْمَرَضُ فَيَتَيَمَّمُ لَهُ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُبَاحٍ بِاعْتِبَارِ تَشَاغُلِهِ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا تَعَسُّرُ زَوَالِ الْمَرَضِ دُونَ السَّفَرِ
(قَوْلُهُ: وَيُسْتَتَابُ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الِاسْتِتَابَةَ لَا تَكُونُ إلَّا إذَا بَقِيَ مِقْدَارُ رَكْعَةٍ وَلَا يُسْتَتَابُ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَا ظُهُورَ لَهُ وَالْأَحْسَنُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ فَيُؤْمَرُ بِالتَّوْبَةِ فَإِنْ لَمْ يَتُبْ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُؤَخَّرُ لِبَقَاءِ رَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا مِنْ الضَّرُورِيِّ وَيُقْتَلُ حِينَئِذٍ اهـ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ) هَذَا ضَعِيفٌ
وَالرَّاجِحُ تَيَمُّمُهُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ سَنَدٌ وَالْقُرْطُبِيُّ وَابْنُ مَرْزُوقٍ
(قَوْلُهُ: كَرَاهَةَ التَّيَمُّمِ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الْعَاصِي يَتَيَمَّمُ كَمَا قُلْنَا فَأَوْلَى الْمَكْرُوهُ
(قَوْلُهُ: بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُثِيبُهُ) أَيْ لَا بِمَعْنَى تَيَمُّمُهُ مَكْرُوهٌ بَلْ بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُثِيبُهُ وَإِنْ كَانَ التَّيَمُّمُ وَاجِبًا عَلَيْهِ لِعَدَمِهِ الْمَاءَ إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُرَادُ إفَادَةَ الْحُكْمِ بِالْوُجُوبِ أَوْ الْإِذْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَالْأَوْلَى أَنْ يُرَادَ بِالْإِبَاحَةِ مَا قَابَلَ التَّحْرِيمَ فَيَصْدُقُ بِالْمَكْرُوهِ وَبَعْدَ كَتْبِي هَذَا مُعْتَمِدًا عَلَى بَعْضِ النُّقُولِ رَأَيْت الشَّيْخَ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيَّ قَالَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْإِبَاحَةِ هُنَا الْجَوَازَ لِيَدْخُلَ الْمَكْرُوهُ وَالْمَطْلُوبُ أَيْضًا
(قَوْلُهُ: وَخَافَ فَوَاتَ الْوَقْتِ إلَخْ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ.
فَصْلٌ فِي التَّيَمُّم] وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الطَّهَارَةِ الْمَائِيَّةِ صُغْرَى وَكُبْرَى شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الطَّهَارَةِ الصَّعِيدِيَّةِ فَقَالَ: (فَصْلٌ) يَتَيَمَّمُ ذُو مَرَضٍ وَسَفَرٍ أُبِيحَ، لِفَرْضٍ وَنَفْلٍ، وَحَاضِرٌ صَحَّ لِجِنَازَةٍ إنْ تَعَيَّنَتْ، [منح الجليل] (فَصْلٌ فِي التَّيَمُّمِ) وَهُوَ لُغَةً: الْقَصْدُ، وَشَرْعًا: طَهَارَةٌ صَعِيدِيَّةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِنِيَّةٍ وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إجْمَاعًا وَهَلْ هُوَ عَزِيمَةٌ أَوْ رُخْصَةٌ أَوْ لِعَدَمِ الْمَاءِ عَزِيمَةٌ وَلِلْمَرَضِ وَنَحْوِهِ رُخْصَةٌ أَقْوَالٌ. (يَتَيَمَّمُ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا وُجُوبًا إنْ خَافَ هَلَاكًا أَوْ شِدَّةَ أَذَى بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ أَوْ لَمْ يَجِدْهُ وَجَوَازًا إنْ خَافَ مَرَضًا خَفِيفًا بِهِ وَفَاعِلُ تَيَمَّمَ (ذُو) أَيْ صَاحِبُ (مَرَضٍ) عَاجِزٍ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ بِسَبَبِهِ أَوْ لِعَدَمِهِ كَمَا يَأْتِي فِي الْمَتْنِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَصَحِيحٍ خَافَ حُدُوثَهُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ. (وَ) ذُو (سَفَرٍ) طَوِيلٍ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِيهِ بَلْ وَإِنْ كَانَ قَصِيرًا لَا تَقْصُرُ الصَّلَاةُ فِيهِ، وَنَعَتَ سَفَرٍ بِجُمْلَةِ (أُبِيحَ) أَيْ لَمْ يُمْنَعْ فَشَمِلَ الْفَرْضَ كَسَفَرِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَالنَّذْرَ الْمَنْدُوبَ كَسَفَرِ حَجِّ التَّطَوُّعِ، وَالْمُبَاحَ كَسَفَرِ التِّجَارَةِ أَوْ هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَالْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ أَوْلَى فَهُوَ مِنْ فَحْوَى الْخِطَاب وَخَرَجَ السَّفَرُ الْمُحَرَّمُ كَسَفَرِ الْآبِقِ وَالْعَاقِّ وَقَاطِعِ الطَّرِيقِ وَالْمَكْرُوهِ كَسَفَرِ اللَّهْوِ وَهَذَا ضَعِيفٌ
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْكُلَّ سَوَاءٌ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ لَهُمْ بِأَسْبَابِهِ الْآتِيَةِ فِي الْمَتْنِ لِعُمُومِ التَّيَمُّمِ لِلْحَاضِرِ وَالْمُسَافِرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَسْحِ الْخُفِّ وَصِلَةُ يَتَيَمَّمُ
فأشار إلى الأول بقوله: يتيمم ذو مرض يعني أن المريض يتيمم للفرض والنفل إن عدم الماء، أو خاف باستعماله زيادة المرض أو تأخر البرء كما سيذكره،
وفي حكم المريض الحاضرُ الصحيح الذي يخاف باستعمال الماء مرضا كما نص عليه الإمام الحطاب والشيخ الخرشي؛ ونص عليه ابن فرحون، والشيخ عبد الباقي، والشيخ الأمير. فقوله: "ذو مرض" واقع أو متوقع كما في الخرشي.
وقال ابن وهب في سماع عبد الملك: إذا لم يقدر المبطون والمائد على الوضوء تيمما فحمله ابن رشد على أنهما لا يقدران على مس الماء.
وقال سند يريد إذا عظمت بطنه حتى لا يتمكن من تناول الماء ورفعه من الإناء،
وكذلك المائد لا يقدر أن يمسك نفسه حتى يرفع الماء فيتيمم ويصلي ولا يعيد، ولا بد من التقييد بأن لا يجدا من يوضئهما، ولا يستطيعان ذلك. والله أعلم. وحمله الطليطلي على من انطلقت بطنه،
ونصه: وان كان مبطونا قد غلب عليه بطنه لا يستطيع إمساكه فإنه يتيمم ويصلي. وقد قيل إنه يتوضأ لكل صلاة. انتهى. قال الإمام الحطاب: والقول الثاني في كلامه هو الجاري على المعروف من المذهب في الأحداث المستنكحة؛ والقول الأول قريب من فتوى اللخمي، ولعله اغتر بظاهر لفظ الرواية.
وفي الطليطلي: وإن كان لا يدرك بيديه أن يغسل مخرج البول والغائط من علة نزلت به،
فإن كانت له زوجة أو جارية غسلت ذلك وتوضأ وصلى،
وإن لم تكن له واحدة منهما وقدر على تحصيلها فعليه ذلك.
وإن لم يكن له مال ولا زوجة ولا خادم فإنه يتيمم ويصلي. انتهى. وما قاله غير ظاهر، وقد تقدم عن صاحب المدخل في فصل الاستبراء أنه يصلي بالنجاسة ولم يذكر في ذلك خلافا وهو المعروف من المذهب. والله أعلم انتهى كلام الحطاب.
وقال الأمير: يتيمم عاجز عن استعمال الماء وليس منه المبطون؛ أي الذي إذا قام للماء واستعمله انطلق بطنه،
أما مبطون يضر به الماء، أوأعجزه الإعياء، أو عظم البطن عن تناول الماء، فيتيمم. انتهى. وسفر يعني أن السفر كالمرض، فيجوز للمسافر أن يتيمم للفرض والنفل بشرط عدم الماء، أو خوف المرض باستعماله كما يأتي، وهذا إذا كان سفره قد أبيح أي أذن فيه فيشمل الواجب والجائز والمندوب؛ فالواجب كسفر لحجة الفرض والرعى الذي تتوقف حياة الدواب عليه، والمندوب كالسفر لقصد زيارة سيد الوجود صلى الله عليه وسلم، والجائز كسفر تجر لمستغن عن تحصيله والرعي الذي لا تتوقف حياة الدواب عليه.
وخرح السفر المحرم؛ وهو سفر العاصي بسفره كالآبق؛ وقاطع الطريق، والعاق لوالديه، والمخالف لشيخه الذي فوض إليه أموره على ما ذكره بعضهم.
فهؤلاء لا يجوز لأحد منهم التيمم على الأصح: ويجب عليه الرجوع لا يجب عليه فإذا عزم على التوبة جاز له ذلك. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب عن ابن فرحون.
وقال الشيخ عبد الباقي: إن العاصي بسفره يؤمر بالتوبة فإن لم يتب فالظاهر أن يؤخر لبقاء ركعة بسجديتها من الضروري ويقتل حينئذ.
وأما السفر المكروه كالصيد للهو فقال الشيخ محمد بن الحسن: الذي للشيخ أحمد بن فجلة: ينبغي أن يكون المراد بالإباحة الجواز؛ أي مقابل الحرمة فيدخل المكروه والمطلوب، وحينئذ يخرج سفر المعصية فقط، فيفيد أن الإقدام على التيمم في السفر المكروه جائز لا مكروه. قال الحطاب: وهو الظاهر لقول ابن الحاجب: ولا يترخص بالعصيان على الأصح، وأكثر نصوصهم التعبير بالعصيان على أن الحق هو ما رجحه سند؛ والقرطبي، وابن عبد السلام؛
وابن مرزوق من الجواز مطلقا، أي سواء كان عاصيا بسفره أم لا. وبكلامهم يسقط اعتراض ابن عرفة على ابن الحاجب في ثبوت مقابل الأصح؛ ومقابل الأصح هو أن العاصي بسفره يتيمم. انتهى. وما مر من قول عبد الباقي: فالظاهر أنه يؤخر لبقاء ركعة بسجدتيها الخ. قال الشيخ محمد بن الحسن: غير ظاهر.
قال: وقال بعضهم لعل مراد من أخرج العاصي بسغره أنه عنده في الحكم بمنزلة الحاضر الصحيح، فيتيمم للفرائض فقط غير الجمعة؛ لأنه لا أقل أن ينزل سفره منزلة العدم فيبقى حاضرا صحيحا.
وفي كلام سند ما يقتضي أن العاصي بسفره يتيمم اتفاقا؛ وقول المص: "أبيح" ؛ أي السفر كما مر،
وأما المرض فلا فرق فيه بين أن يكون نشأ عن غير مباح،
وأن لا يكون كذلك. وقوله: "وسفر" ،
وإن لم تقصر فيه الصلاة على المشهور؛ وهو مذهب مالك وجمهور الفقهاء.
وقال قوم: إن ذلك في سفر القصر، وينبني على الشهور، ومقابله تيمم مسافر دون قصر لنافلة، وجنازة غير متعينة، وجمعة، فيتيمم لها على الشهور لا على مقابله.
فإن قيل: الحاضر الصحيح إذا عدم الماء، وخاف فوات الوقت، يباح له التيمم ولو كان عاقا لوالديه، فلِمَ لَمْ يبح للمسافر؟ في هذه الحالة فالجواب أن السفر لما كان له دَخَلٌ في عدم الماء أو خوف الفوات وهو عاص به لم يبح له التيمم لذلك. انتهى. وقول ابن الحاجب: ولا يترخص بالعصيان يحتمل أن يريد به نفي التيمم خاصة وهو الأقرب من مراده، ويحتمل أن يريد نفي الترخص عموما كالتيمم والمسح على الخفين وأكل الميتة،
وظاهر قوله جل وعز: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} أن رخصة الميتة والدم ونحوهما لا تتناول العاصي بسفره. والله سبحانه أعلم.
وقال ابن عبد السلام: والحق أنه لا ينتفي من الترخص بسبب العصيان إلا رخصة يظهر أثرها في السفر دون الحضر كالقصر والفطر،
وأما رخصة يظهر أثرها في السفر والإقامة كالتيمم والمسح على الخفين فلا يمنع العصيان منها، ومعنى هذا لابن رشد. قاله الإمام الحطاب. وقوله: "وسفر أبيح" يدخل فيه ما إذا كان السفر مباحا وعصى فيه، فإنه يتيمم للفرض والنفل،
ويجوز السفر في طريق يتيقن فيه عدم الماء للتجر ورعي المواشي.
وقال ابن ناجي في شرح قول الرسالة
ويكره النوم قبلها: ويقوم من كلام الشيخ أنه يكره للرجل الخروج قبل دخول الوقت من منزلة إلى مكان يحرث فيه على أميال دون ماء إذا كان يشك فيه هل فيه ماء أم لا؟ وانظر إذا تحقق أنه ليس فيه ماء، هل يجب حمل الماء إليه أو يستحب؟ فقط؛ لأن الطهارة لا تجب إلا بعد دخول الوقت، فكذلك استعداد الماء لها. وشاهدت في حال صغرى فتوى شيخنا الشبيبي بالأمر بذلك، ولا أدري هل ذلك منه على الوجوب أو على الندب؟
ونفسي إلى الوجوب أميل. انتهى.
والظاهر عدم الوجوب لقوله في المدونة: ومن خرج من قرية على غير وضوء يريد أخرى، وهو غير مسافر، فغربت الشمس،
فإن طمع في إدراك الماء قبل مغيب الشفق مضى إليه، وإلا تيمم وصلى. ونقله الشيخ أبو محمد بلفظ: من خرج من قرية إلى قرية على الميل أو الميلين. ولم يحمله أحد من الشروح على ما بعد الوقوع، فتأمله. وهذا حيث تدعوه إلى الخروج ضرورة، فإنه سيأتي أنه لا يجوز استعمال سبب ينقل إلى التيمم إلا عند حاجة. قاله الإمام الحطاب.
وقال الشيخ الأمير: ولا يلزمد استصحاب الماء. هذا هو المشهور. ونفي اللزوم لا ينافي الندب لمراعاة الخلاف. انتهى.
وفي الإعلام: وليستعد الماء للأماكن التي يعلم أن الصلاة تدركه بها وليس بها ماء: ويتعين عليه. وفيه. وسئل ابن لب هل يجب طلب الماء ونقله قبل الوقت أو لا يجب إلا بعد دخوله عند الأداء؟ فأجاب: يجب إعداد الماء للأماكن التي لا ماء فيها، ويأخذه الوقت فيها. انتهى. واعلم أن التيمم واجب، والخلاف إنما هو في كونه واجبا وجوب الرخص أو وجوب العزائم؛
والراجح أنه رخصة. لفرض متعلق بقوله: "يتيمم" ؛ وقد تقدم في الحل ما يدل على ذلك. وشمل قوله: فرض الجمعة فيتيمم لها المسافر والمريض إذا حضراها. ونفل يعني أن المسافر والمريض يتيممان لعدم الماء أو لعدم القدرة على استعماله للفرائض والنوافل. وقوله: "لفرض" سواء كان كفائيا أو عينيا. وقوله: "ونفل" المراد به ما قابل الفرض، فيشمل السنة والرغيبة. وحاضر صح قد تقدم حكم المريض والمسافر؛ والكلام الآن في الحاضر الصحيح، يعني أن الحاضر الصحيح ليس كالسافر والمريض؛
فلذا لا يتيمم إلا. لجنازة أي للصلاة عليها إن كانت قد تعينت عليه؛ بأن لم يوجد مصل غيره من مسافر ومريض وحاضر صحيح متوضئ؛ وخشي تغيرها بتأخيرها لوجوده،
فإذا وجد مريض أو مسافر أو حاضر صحيح متوضئ؛ لم يصلها الحاضر الصحيح بالتيمم، ويكفي الواحد على المشهور؛ لأن الجماعة فيها شرط كمال، وعلى مقابله لا يكفي الواحد بناء على أن الجماعة فيها شرط صحة. انظر الخرشي.
وإذا حضرت للمتعينة جماعة حضريون فلا يخلون من ثلاثة أوجه: الأول أن يتيمموا دفعة فيقدمون إمامهم ويصلون؛ الثاني أن يتيمموا مترتبين لكن لم يحرم الإمام حتى تيمموا فلهم الصلاة؛ الثالث أن يحرم أحدهم قبل تيممهم أو تيمم بعضهم، فليس لمن لم يتيمم قبل الإحرام أن يدخل. هذا هو تحرير المسألة أشار له الشيخ إبراهيم: وغيره.
وقيل: إن الحاضر الصحيح إذا كان إذا اشتغل بتحصيل الماء والوضوء فاتته صلاة الجنازة، يتيمم ويصليها؛ وهو مقابل للمشهور،
والمشهور أنه لا يتيمم لها.
وقال ابن وهب: إن صحبها على طهارة فانتقضت تيمم، وإلا فلا. فتلك أقوال ثلاثة.
وأما تفسير الحطاب التعين، بأن لا يوجد متوضئ يصلي عليها ولا يمكن تأخيرها حتى يحصل الماء أو يمضوا إليه، فيقتضي أنه إذا وجد حاضر صحيح فاقد للماء ومريض أو مسافر، يتيمم لها الحاضر الصحيح وليس كذلك؛ لأنها لا تتعين عليه حينئذ، كما أفاد ذلك بمفهوم قوله: "إن تعينت" فحيث لم تتعين لا يتيمم لها. أشار له الشيخ إبراهيم، وغيره.
ومن أصول الفقه في فرض الكفاية أن اللاحق بالداخلين فيه بعد تلبسهم وسقوط الفرض بهم، يلحق بهم، ويقع فعل الجميع فرضا؛ ولا يعترض بهذا على ما تقدم، من أنه إذا حضرت للمتعينة جماعة حضريون لا يدخل في الصلاة من حصل تيممهم وإحرامهم قبل تيممه؛ لأنه لا يلزم من كون اللاحق بهم يقع فعله فرضا أن تتعين عليه، والشرط هو تعينها لا وقوعها فرضا هكذا أجاب بعض الشيوخ. وهو ظاكمر. قاله الشيخ محمد بن الحسن.
وقوله: "إن تعينت" أفاد به أنها كالفرض إن تعينت، وهذا هو الأصح. ومقابله: تدفن بغير صلاة،
فإذا وجد الماء صلي على القبر. قاله الحطاب.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.