أو عثر بدهن أو طعام بِآنِيَةٍ فَانْكَسَرَتْ وَلَمْ يَتَعَدَّ
الشروح عليها
(أَوْ عَثَرَ) أَجِيرُ حَمْلٍ أَوْ عَثَرَتْ دَابَّتُهُ (بِدُهْنٍ أَوْ طَعَامٍ) أَوْ غَيْرِهِمَا (أَوْ) عَثَرَ (بِآنِيَةٍ فَانْكَسَرَتْ، وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يَتَعَدَّ) فِي فِعْلِهِ، وَلَا سَوْقِ دَابَّتِهِ فَلَا ضَمَانَ إلَّا أَنْ يُتَّهَمَ بِأَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ رَبُّهُ، وَلَمْ يُصَاحِبْهُ، وَلَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَيَضْمَنُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: أَوْ عَثَرَ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى شُرِطَ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي حَيِّزِ الْمُبَالَغَةِ
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا اسْتَأْجَرَهُ عَلَى حَمْلِ دُهْنٍ أَوْ طَعَامٍ كَسَمْنٍ أَوْ عَسَلٍ أَوْ عَلَى حَمْلِ آنِيَةٍ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ عَلَى أَكْتَافِهِ أَوْ عَلَى دَابَّتِهِ فَعَثَرَ أَوْ عَثَرَتْ الدَّابَّةُ فَانْكَسَرَ ذَلِكَ الْمَحْمُولُ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ فِي فِعْلِهِ، وَلَا بِسَوْقِ الدَّابَّةِ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى ذَلِكَ الْمُسْتَأْجَرِ بِالْفَتْحِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ ضَمَانِ الْمُسْتَأْجَرِ بِالْفَتْحِ عَلَى الْحَمْلِ إذَا عَثَرَ أَوْ عَثَرَتْ دَابَّتُهُ فَتَلِفَ الْمَحْمُولُ لَا يُنَافِي قَوْلَهُمْ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ سَوَاءٌ؛
لِأَنَّ قَوْلَهُمْ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُخْطِئُ أَمِينًا، وَهُوَ هُنَا أَمِينٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أُذِنَ لَهُ فِي تَقْلِيبِ شَيْءٍ فَسَقَطَ مِنْ يَدِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ،
وَإِنْ سَقَطَ عَلَى غَيْرِهِ فَانْكَسَرَ ضَمِنَ مَا سَقَطَ عَلَيْهِ لَا مَا سَقَطَ،
وَفِي حَاشِيَةِ السَّيِّدِ عَلَى عبق يَضْمَنُ السَّقَّاءُ كَسْرَ الزِّيرِ، وَلَا يَضْمَنُ مَا سَقَطَ مِنْ يَدِهِ كَغِطَاءٍ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي رَفْعِهِ وَقَوْلُهُ: أَجِيرُ حَمْلٍ أَيْ أَجِيرٍ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى الْحَمْلِ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ عَلَى أَكْتَافِهِ
(قَوْلُهُ: فَلَا ضَمَانَ) أَيْ إنْ صَدَّقَهُ رَبُّهُ فِي دَعْوَاهُ انْكِسَارِهَا مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ أَوْ كَانَ كَسْرُهَا بِحَضْرَتِهِ أَوْ حَضْرَةِ وَكِيلِهِ أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِتَصْدِيقِهِ، وَالْمُرَادُ بِحَضْرَةِ رَبِّهِ مُصَاحَبَتُهُ لَهُ،
وَلَوْ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَإِذَا صَاحَبَهُ فِي بَعْضِهَا ثُمَّ فَارَقَهُ فَادَّعَى تَلَفَهُ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مُصَاحَبَتَهُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ وَمُفَارَقَتَهُ فِي بَعْضِهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا فَارَقَهُ لِمَا عَلِمَ مِنْ حِفْظِهِ وَتَحَرُّزِهِ
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَتَّهِمَ بِأَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ رَبُّهُ إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُسْتَأْجَرَ بِالْفَتْحِ لَيْسَ بِأَمِينٍ فِي الطَّعَامِ وَلِذَا قَالَ بْن حَقُّ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَأْتِيَ بِصِيغَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ قَوْلِهِ، وَهُوَ أَمِينٌ فَيَقُولُ إلَّا فِي حَمْلِ نَحْوِ طَعَامٍ مِمَّا تَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْأَيْدِي،
وَأَمَّا الْبَزُّ وَالْعُرُوضُ فَالْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِ، وَالسَّفِينَةُ كَالدَّابَّةِ.
وَحَاصِلُ فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ بِالْكَسْرِ مُصَدَّقٌ فِي دَعْوَاهُ التَّلَفَ أَوْ الضَّيَاعَ سَوَاءٌ اسْتَأْجَرَ لِرُكُوبٍ أَوْ حَمْلٍ أَوْ لُبْسٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ،
وَأَمَّا الْمُسْتَأْجَرُ بِالْفَتْحِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَأْجَرُ عَلَيْهِ غَيْرَ الطَّعَامِ كَالْعُرُوضِ وَكَالْحَيَوَانِ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّاعِي أَوْ كَانَ طَعَامًا لَا تُسْرِعُ إلَيْهِ الْأَيْدِي كَالْقَمْحِ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ التَّلَفَ أَوْ الضَّيَاعَ مَا لَمْ يَأْتِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِ،
وَإِنْ كَانَ طَعَامًا مَا تُسْرِعُ إلَيْهِ الْأَيْدِي كَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ وَالزَّيْتِ فَلَا يُصَدَّقُ وَيُحْمَلُ عَلَى الْخِيَانَةِ حَتَّى يُثْبِتَ صِدْقَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ يُصَدِّقَهُ رَبُّهُ أَوْ يَكُونَ التَّلَفُ بِحَضْرَتِهِ أَوْ حَضْرَةِ وَكِيلِهِ فَإِنْ ثَبَتَ صِدْقُهُ بِوَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ فَلَا ضَمَانَ.
(قَوْلُهُ: فَيَضْمَنُ) أَيْ مِثْلَهُ بِمَوْضِعِ غَايَةِ الْمَسَافَةِ، وَلَهُ جَمِيعُ الْأُجْرَةِ عَلَى أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ،
وَفِي التَّوْضِيحِ لَهُ بِحِسَابِ مَا سَارَ وَالْقَوْلُ الثَّانِي هُوَ الْمُوَافِقُ لِكَلَامِ الشَّارِحِ الْآتِي فِي آخِرِ الْعِبَارَةِ
لا يتكلم على هذه المسألة.
(أَوْ عَثَرَ بِدُهْنٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ آنِيَةٍ فَانْكَسَرَتْ وَلَمْ يَتَعَدَّ أَوْ انْقَطَعَ الْحَبْلُ وَلَمْ يَغُرَّ)
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا قَالَ الْمُكْرِي فِي كُلِّ عَرَضٍ إنَّهُ هَلَكَ أَوْ سُرِقَ أَوْ عَثَرَتْ الدَّابَّةُ فَانْكَسَرَتْ الْقَوَارِيرُ فَذَهَبَ الدُّهْنُ صُدِّقَ إلَّا أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَى كَذِبِهِ وَلَا يُصَدَّقُ فِي الطَّعَامِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ اسْتَأْجَرْتَهُ يَحْمِلُ لَكَ عَلَى دَوَابِّهِ دُهْنًا أَوْ طَعَامًا إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَعَثَرَتْ الدَّابَّةُ فَسَقَطَتْ فَانْكَسَرَتْ الْقَوَارِيرُ فَذَهَبَ الدُّهْنُ أَوْ هَلَكَ الطَّعَامُ أَوْ انْقَطَعَتْ الْحِبَالُ فَسَقَطَ الْمَتَاعُ فَفَسَدَ، لَمْ يَضْمَنْ الْمُكْرِي قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا إلَّا أَنْ يَغُرَّ مِنْ عِثَارٍ أَوْ ضَعْفِ الْأَحْبَالِ عَنْ حَمْلِ ذَلِكَ فَيَضْمَنُ حِينَئِذٍ. اللَّخْمِيِّ: إنْ تَبَيَّنَ كَذِبُهُ أَوْ ذَكَرَ أَنَّ ذَهَابَهُ كَانَ عَلَى صِفَةٍ أَتَى فِيهَا بِمَا لَا يُشْبِهُ ضَمِنَ.
(ص) أَوْ عَثَرَ بِدُهْنٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ بِآنِيَةٍ فَانْكَسَرَتْ وَلَمْ يَتَعَدَّ أَوْ انْقَطَعَ الْحَبْلُ (ش) هَذَا عُطِفَ عَلَى شُرِطَ فَهُوَ فِي حَيِّزِ الْمُبَالَغَةِ أَوْ عَلَى مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ وَهُوَ أَمِينٌ إنْ ادَّعَى التَّلَفَ أَوْ عَثَرَ إلَخْ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ آجَرَ شَخْصًا لِحَمْلِ دُهْنٍ أَوْ طَعَامٍ عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ دَابَّتِهِ فَعَثَرَ هُوَ أَوْ الدَّابَّةُ أَوْ انْقَطَعَ الْحَبْلُ فَتَلِفَ مَتَاعُهُ فَإِنَّ الْمُكْرِيَ لَا يَضْمَنُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إذَا لَمْ يَتَعَدَّ أَوْ يُغَرَّ مِنْ ضَعْفِ حَبْلٍ وَنَحْوِهِ
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَلَمْ يُغَرَّ بِفِعْلِهِ) إلَى أَنَّ الْغُرُورَ الْقَوْلِيَّ لَا أَثَرَ لَهُ مِثَالُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِشَقَّةٍ لِخَيَّاطٍ فَيَقُولُ لَهُ هَلْ تَكْفِي هَذِهِ فَيَقُولُ نَعَمْ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَكْفِي فَيَذْهَبُ صَاحِبُهَا فَيُفَصِّلُهَا فَلَا تَكْفِي،
وَأَمَّا إنْ قَالَ لَهُ إنْ كَانَتْ تَكْفِي فَفَصِّلْهَا فَقَالَ لَهُ تَكْفِيك وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَكْفِيهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ وَمِثَالُهُ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ لَهُ الصَّيْرَفِيُّ فِي دِرْهَمٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ زَائِفٌ إنَّهُ طَيِّبٌ وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ ثَالِثُهَا إنْ كَانَ بِأُجْرَةٍ ضَمِنَ وَإِلَّا فَلَا وَرَابِعُهَا الْعَكْسُ وَالصَّوَابُ عَدَمُ الضَّمَانِ وَلَوْ عَلِمَ بِالرَّدَاءَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْغُرُورِ الْقَوْلِيِّ وَمَنْ عُلِمَ مِنْهُ ذَلِكَ عُوقِبَ وَأُخْرِجَ مِنْ السُّوقِ وَمِثَالُ الْغُرُورِ الْفِعْلِيِّ كَرَبْطِهِ بِحَبْلٍ رَثٍّ أَوْ مَشْيِهِ بِهِ فِي مَوْضِعٍ تَعَثَّرَ فِيهِ وَمَفْهُومُ وَلَمْ يَتَعَدَّ أَنَّهُ إنْ تَعَدَّى بِأَنْ أَخْرَقَ فِي السَّيْرِ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ وَكَانَ لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِحِسَابِ مَا سَارَ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ حَيْثُ ضَمِنَ فِي الْمَحْمُولَاتِ كَانَ لَهُ بِحِسَابِ مَا سَارَ وَإِنْ لَمْ يَضْمَنْ فَلَا كِرَاءَ لَهُ إلَّا عَلَى الْبَلَاغِ،
وَأَمَّا فِي الْمَرْكُوبَاتِ فَلَهُ بِحِسَابِ مَا سَارَ مُطْلَقًا.
(قَوْلُهُ أَوْ طَعَامٌ) أَيْ: غَيْرَ دُهْنٍ وَإِلَّا فَيَلْزَمُ عَطْفُ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ وَهُوَ لَا يَجُوزُ؛ إذْ هُوَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الْوَاوِ ك، وَاعْلَمْ أَنَّ غَيْرَ الدُّهْنِ وَالطَّعَامِ بِالْأَوْلَى فِي عَدَمِ الضَّمَانِ
(قَوْلُهُ فَإِنَّ الْمُكْرِيَ لَا يَضْمَنُ) فَهُوَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ أَوْ الظَّهْرِ كَأَنْ يَحْمِلَ عَلَى ظَهْرِهِ فَهُوَ مُكْرٍ لِظَهْرِهِ
(قَوْلُهُ وَلَمْ يَغْتَرَّ بِفِعْلٍ) صَادِقٌ بِعَدَمِ الْغُرُورِ أَصْلًا وَبِالْغُرُورِ بِالْقَوْلِ
(قَوْلُهُ إلَى أَنَّ الْغُرُورَ الْقَوْلِيَّ) يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَنْ دَلَّ لِصًّا أَوْ مُحَارِبًا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ عَلَى الْمَذْهَبِ خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَمَحَلُّ عَدَمِ الضَّمَانِ فِي الْغُرُورِ الْقَوْلِيِّ مَا لَمْ يَنْضَمَّ لَهُ عَقْدٌ وَإِلَّا فَيَضْمَنُ كَأَنْ يَقُولَ هِيَ سَلِيمَةٌ وَيَتَوَلَّى الْعَقْدَ عَلَيْهَا فَهُوَ كَالْفِعْلِ
(قَوْلُهُ وَمَنْ عَلِمَ مِنْهُ عُوقِبَ) أَقُولُ وَمِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ الْقَوْلُ بِالضَّمَانِ حَيْثُ أَخَذَ أَجْرًا كَمَا سَيَأْتِي عَنْ عج فِي الْخُفَرَاءِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَدْت عَنْ شَيْخِنَا عَبْدِ اللَّهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا نَصُّهُ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الصَّوَابُ الضَّمَانُ إذَا انْضَمَّ لِغُرُورِهِ عَقْدٌ كَمَا إذَا عَقَدَ مَعَهُ بِجَدِيدٍ مَثَلًا وَقَلَبَهُ وَوَزَنَهُ وَقَالَ لَهُ طَيِّبٌ وَازِنٌ وَهُوَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْغُرُورَ الْقَوْلِيَّ إذَا انْضَمَّ لَهُ عَقْدٌ صَارَ مِنْ الْفِعْلِيِّ فَالضَّمَانُ وَأَفَادَ شَيْخُنَا الْمَذْكُورُ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِأَجْرٍ ضَمِنَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
(قَوْلُهُ أَخْرَقَ فِي السَّيْرِ) أَيْ أَسْرَعَ فِي السَّيْرِ قَوْلُهُ: وَالْحَاصِلُ) لَيْسَ الْمُرَادُ حَاصِلَ مَا تَقَدَّمَ بَلْ الْمُرَادُ حَاصِلُ الْفِقْهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ حَيْثُ ضَمِنَ فِي تَلَفِ الْمَحْمُولَاتِ كَانَ لَهُ بِحِسَابِ مَا سَارَ طَعَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَضْمَنْ فَلَا كِرَاءَ) مَا لَمْ يَكُنْ التَّلَفُ بِسَمَاوِيٍّ لَا سَبَبَ لِرَبِّ الدَّابَّةِ فِيهِ وَهَلْ لِرَبِّهِ أَنْ يُلْزِمَهُ حَمْلَ مِثْلِهِ بَقِيَّةَ الْمَسَافَةِ وَيُعْطِيَهُ بَقِيَّةَ الْأَجْرِ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَوْ يَفْسَخُ الْعَقْدَ؟
وَقَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي الْمَرْكُوبَاتِ حَيْثُ تَلِفَ الْمَرْكُوبُ وَيَقْرَأُ ضُمِنَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ
(قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ: سَوَاءٌ ضَمِنَ أَوْ لَا.
(أَوْ عَثَرَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ الْحَمَّالُ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ ظَهْرِهِ أَوْ دَابَّتِهِ (بِدُهْنٍ) بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ سَمْنٌ مَائِعٌ أَوْ زَيْتٌ (أَوْ) بِ (طَعَامٍ) مُسْتَأْجَرٍ عَلَى حَمْلِهِ فَتَلِفَ فَلَا يَضْمَنُهُ (أَوْ) عَثَرَ (بِآنِيَةٍ فَانْكَسَرَتْ وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يَبْتَعِدْ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا فِي سَيْرِهِ وَلَا فِي سَوْقِ دَابَّتِهِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
أو عثر بدهن أو طعام، كنصر وضرب وعلم؛ يعني أن من واجر شخصا لحمل دهن أو طعام على ظهره أو دابته فعثر هو أو الدابة فتلف في ذكر فإنه لا ضمان عليه، فقوله: أو عثر، عطف على المبالغة؛ أي وهو أمين فلا ضمان ولو شرط إثباته أو عثر بدهن أو طعام، وقوله: أو طعام، من عطف العام على الخاص، وقضية المص أن أجير الطعام هذا أمين فلا ضمان عليه حيث ادعى أنه عثر بدهن أو طعام، وليس كذلك لأن محل عدم الضمان حيث صدقه ربه أو قامت بينة بتصديقه وإلا ضمن،
فالصواب لو قال: لا إن عثر بدهن أو طعام لخ. قال بناني: كان على المؤلف أن لو أتى في هذا بصيغة الاستثناء من قوله: وهو أمين؛ لأنه في الدهن والطعام غير أمين فلا يقبل قوله في التلف إلا ببينة، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة،
ونصها: وإن كان المكرى وحده فلا يصدق في الطعام والإدام إذا قال: سرق مني، حمله على نفسه أو دابته أو سفينته إلا أن تقوم له بينة. اهـ.
وعبارة ابن يونس: ومن المدونة قال مالك: ومن استأجرته يحمل لك دهنا أو طعاما فحمله فعثر به فأهريق لم يضمن لأنه أجير، والأجير لا يضمن إلا أن يتعدى،
وإن كذبته في ذلك وقلت: لم تعثر ولم يذهب لك شيء فهو ضامن في الطعام والإدام،
وأما في البز والعروض إذا حملها فالقول قوله إلا أن يأتي بما يدل على كذبه. انتهى.
وقال ابن عرفة: وفيها مع غيرها: لزوم ضمان الأكرياء الطعام والإدام إلا أن تقوم بينة بهلاكهما أو يكون معه ربه والسفينة كالدابة،
وفي الموازية: أو وكيل رب الطعام، وفيها قال ابن القاسم: لا يضمن الأكرياء سائر العروض ولا شيئا غير الطعام. اهـ.
ابن الحاجب: وفي حمل الطعام يضمن مطلقا إلا ببينة أو يصحبه ربه،
وقال به الفقهاء السبعة. انتهى.
ابن عرفة: وقول ابن الحاجب: وقال به الفقهاء السبعة، لا أعرفه، إنما فيها الطعام أمر ضمنه أهل العلم ولم يجدوا من ذلك بدا. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه: تأمل قول ابن عرفة: لا أعرفه،
فإن ابن الحاجب عدل لا يتهم في النقل ولم يعزه ابن الحاجب للمدونة حتى يقول ابن عرفة إنما فيها لخ. والله تعالى أعلم. أو بآنية فانكسرت؛ يعني أنه إذا واجره على حمل آنية على ظهره أو دابته فعثر هو أو الدابة فانكسرت الأواني فإنه لا ضمان على الأجير كما لا ضمان عليه في الدهن والطعام ولم يتعدَّ؛ يعني أن محل عدم الضمان في الدهن والطعام والآنية التي انكسرت إنما هو حيث لم يتعد الأجير في فعله ولا في سَوْق دابته وإلا ضمن؛
قال عبد الباقي: أو عثر أجير حمل على رأسه أو عثرت دابته بدهن أو طعام غير دهن أو عثر بآنية فانكسرت، والحال أنه لم يتعد في فعله ولا في سوق دابته لم يضمن إن صدقه ربه أو كان بحضرته أو حضرة وكيله أو قامت بينة بتصديقه وإلا ضمن، سواء ادعى تلفه بعثار دابته أو من الله، وحينئذ فيضمن مثله لوضع غاية المسافة وله جميع الأجرة وليس لربه إلزامه حمله مثله بقية المسافة وإن أخذ جميع الأجرة؛
لأنه ضمن له مثله بموضع، غايتها كما علم، والمراد بحضرة ربه مصاحبته له ولو في بعض الطريق ثم فارقه فادعى تلفه بعد مفارقته فإنه يصدق. قاله في التوضيح. انتهى. ونحوه لغيره، والله تعالى أعلم.
وقال الرهوني: قال ابن يونس: وتحصيل ما يضمنه الحاملون أم لا على خمسة أوجه، فالأول: ما هلك بسبب حامله ولم يغر.
والثَّاني: ما غرَّ فيه. والثالثُ: ما ثبت هلاكه من عرض أو طعام بأمر من الله تعالى بالبينة. والرابعُ: ما هلك من الطعام بقولهم. والخامسُ: ما هلك من العروض بقولهم، فالأول: ما هلك بسبب حامله من عثار حامله أو ضعف أحبل لم يغروا منها أو ذهاب دابة أو سفينة بما عليها، فقال: ملك لا ضمان في ذلك كله ولا كراء ولا على ربه أن يأتي بمثله ليحمله ويرجع بالكراء إن دفعه،
وقال غيره: ما هلك بسبب حامله من عثار كما هلك من الله،
وقال ابن نافع: لرب السفينة بحساب ما بلغت.
والثاني: ما غر فيه من عثار أو ضعف حبل فإنه يضمن قيمة ذلك العرض بموضع هلك وله من الكراء بحسابه،
وقيل: قيمته بموضع حمل منه إن أراد لأن منه تعدى.
والثالث: ما هلك بأمر من الله تعالى بالبينة من عرض وغيره فللمكري الكراء بأسره وعليه حمل مثله من موضع هلك فيه. والرابع: ما هلك بقولهم من الطعام فلا يصدقون فيه ويضمنون مثله بموضع حملوه إليه ولهم جميع الكراء. والخامس: ما هلك بقولهم من العروض فهم مصدقون فيه. قال ابن المواز: ولهم الكراء بأسره وعليهم حمل مثله من موضع هلك فيه إلى موضع يحمله إليه، كالذي ثبت هلاكه بأمر الله تعالى.
وقال ابن حبيب: لهم من الكراء بحسب ما بلغوا من الطريق وفسخ الأمر بينهم، فوجه قول ابن المواز أنه لما كانوا مصدقين في تلف العروض أشبه ذلك ما لو قامت البينة بتلفه من غير سببهم، وهذا مما لا اختلاف فيه أن لهم جميع الكراء وعليهم حمل مثله إلى غايته، ووجه قول ابن حبيب أنه لما لم يعلم ذلك إلا من ناحيتهم أشبه ما هلك بسببهم من عثار ونحوه، وقول ابن المواز أصوب لما قدمناه.
اهـ. فالقسم الرابع في كلامه هو مسألة الزرقاني وجزم فيه بما قاله الزرقاني، وما رده به البناني هو القسم الثاني في كلام ابن يونس، ومحلهما مختلف عنده وكلامه نص في ذلك، وما جزم به في القسم الرابع منصوص عليه لابن القاسم وسلمه ابن رشد ولم يحك فيه خلافا ونقله ابن عرفة وقبله. اهـ المراد منه. وبه تعلم ما في كلام البناني هنا. والله سبحانه أعلم.
تنبيه: ظاهر قول المص: فانكسرت، أنه يشمل ما إذا ثبت أنها انكسرت وما إذا لم يثبت فيكون مصدقا أنه عثر بها.
وفي الرهوني: سمع أبو زيد ابنَ القاسم من عثر بجرة استحملها فانكسرت وهو قوي على حملها لا ضمان عليه ولا أجر له وإن لم يكن معها ربها فهو مصدق أنه عثر بها،
وإن كان كسرها غير معروف فله الأجرة إذا ضمن. اهـ. قال الرهوني: فقوله: له الأجر إذا ضمن معناد لا يصدق فيما ادعاه من العثار. اهـ. قال مقيده عفا الله عنه: قضية المص أن الأجير على حمل الطعام أمين فلا ضمان عليه وهو مصدق، وقد علمت أن ذلك لا يصح كما مر،
وأن الأجير على حمل الآنية أمين عرف الكسر أم لا. وهو خلاف ما مر عن ابن القاسم قريبا، ابن رشد: هذا مثل قول ابن القاسم فيها وروايته أن ما تلف من قبل حامله ولم يغر به فلا ضمان ولا كراء لأنه على البلاغ،
وقيل: إذا سقط ضمانه لزم رب المحمول أن يأتي بمثله وهو يأتي على قول ابن نافع فيها في السفر،
وإذا ظهر الكسر صدق في العثار،
وإن لم يظهر وكأن غير معروف فقوله: له الأجر إذا ضمن، معناه لا يصدق فيما ادعاه من العثار والتلف ويضمن مثله في أقصى الغاية وتكون له أجرة كاملة، هذا في الطعام والمتاع القول قوله في تلفه وإن لم يعلم ذلك إلا بقوله، وابن الماجشون لا يصدقه في أنه عثر به وإن ظهر كسره. نقله الرهوني.
وفي الخرشي قوله: أو عثر أي عثرت دابته.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.