ويعفى "في غير مائع ومطعوم" عن يسير دم نجس "من حيوان طاهر" وعن أثر استجمار.
الشروح عليها
(ويعفى في غير مائع و) في (غير مطعوم عن يسير دم نجس) ولو حيضا أو نفاسا أو استحاضة وعن يسير قيح وصديد (من حيوان طاهر) لا نجس ولا إن كان من سبيل قبل أو دبر، واليسير ما لا يفحش في نفس كل أحد بحسبه، ويضم متفرق بثوب لا أكثر، ودم السمك وما لا نفس له سائلة كالبق والقمل، ودم الشهيد عليه وما يبقى في اللحم وعروقه،
ولو ظهرت حمرته طاهر، (و) يعفى (عن أثر استجمار) بمحله بعد الإنقاء واستيفاء العدد.
يسير دم نجس) . ولو حيضا أو نفاسا لحديث أسماء قال تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه، متفق عليه، قال المجد: فيه دليل على أن دم الحيض لا يعفى عن يسيره وإن قل للعموم، والأكثر على أنه يعفى عنه، جزم به الموفق والشيخ وغيرهما، وصوبه في تصحيح الفروع،
وقال الشارح وغيره، أكثر أهل العلم يرون العفو عن يسيره من الصحابة، ولم يعرف لهم مخالف،
وكذا غيرهم وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي.
نجس) . ولو حيضا أو نفاسا أو استحاضة لأنه يشق التحرز منه.
ولا إن كان من سبيل قبل أو دبر أي القيح والصديد، لأن حكمه حكم البول والغائط، فلا يعفى عن شيء منه.
ما لا يفحش في نفس كل أحد بحسبه وقدر في الإنصاف وغيره بما ينقض الوضوء، والمعفو عنه من القيح ونحوه أكثر مما يعفى عن مثله من الدم إذا كان من حيوان طاهر.
له سائلة كالبق والقمل . ودم الشهيد عليه طاهر ولو كثر،
فإن انفصل فنجس كغيره.
ودم الشهيد عليه وما يبقى في اللحم وعروقه أي عروق لحم مأكول بعدما يخرج بالذبح، وما في خلاله.
«ويُعْفَى في غير مائعٍ ومَطْعُومٍ عن يسيرِ دمٍ نجسٍ»، العفو: التَّسامح والتَّيسير. والمائع: هو السَّائل، كالماء، واللَّبَن، والمرَق: والمطعوم: ما يُطعَم كالخبز، وما أشبه.
فيُعفى في غير هذين النَّوعين كالثياب، والبدن، والفُرش، والأرض وما أشبه ذلك عن يسيرِ دمٍ نجس … إلخ.
أما المائع والمطعوم؛ فلا يُعفى عن يسيره فيهما، هذا هو المذهب،
والرَّاجح: العفو عن يسيره فيهما كغيرهما ما لم يتغيَّر أحدُ أوصافهما بالدَّمِ.
واختلف العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ في ميزان اليسير والكثير على قولين سبق بيانهما،
والرَّاجح منهما ..... «دم نجس»، عُلِمَ منه أن الدَّمَ الطَّاهر غير داخل في هذا؛ ويتبيَّن ذلك ببيان أقسام الدِّماء.
فالدماء تنقسم إِلى ثلاثة أقسام:
الأول: نجس لا يُعْفَى عن شيء منه، وهو الدَّمُ الخارج من السَّبيلَين، ودم محرَّم الأكل إِذا كان مما له نَفْسٌ سائلة كدم الفأرة والحمار، ودم الميْتة من حيوان لا يحلُّ إِلا بالذَّكاة.
الثاني: نجس يُعْفَى عن يسيره، وهو دم الآدمي وكلُّ ما ميتته نجسة، ويُستثنى منه دَمُ الشَّهيد عليه، والمسك ووعاؤه، وما يبقى في الحيوان بعد خروج روحه بالذَّكاة الشَّرعيَّة؛ لأنَّه طاهر.
الثالث: طاهر، وهو أنواع:
١ - دم السمك، لأن ميْتته طاهرة، وأصل تحريم الميتة من أجل احتقان الدَّمِ فيها، ولهذا إِذا أُنهِرَ الدَّمُ بالذَّبْح صارت حلالاً.
٢ - دم ما لا يسيل دمه؛ كدم البعوضة، والبقِّ، والذُّباب، ونحوها،
فلو تلوَّث الثَّوب بشيء من ذلك فهو طاهر، لا يجب غَسْلُه .
وربما يُستدَلُّ على ذلك ـ بأنَّ ميْتة هذا النوع من الحشَرات طاهرة ـ بقوله ﷺ :«إِذا وَقَع الذُّبابُ في شرابِ أحدكم، فلْيَغْمِسْهُ، ثم لينزِعْهُ، فإِن في أحد جناحَيه داء، وفي الآخر شفاء».
ويلزم من غَمْسِه الموت إِذا كان الشَّراب حارًّا، أو دُهناً،
ولو كانت ميْتته نجسة لتنجَّس بذلك الشَّراب، ولا سيَّما إِذا كان الإِناء صغيراً.
٣ - الدَّمُ الذي يبقى في المذكَّاة بعد تذكِيَتِها، كالدَّمِ الذي يكون في العُروق، والقلب، والطِّحال، والكَبِد، فهذا طاهر سواء كان قليلاً، أم كثيراً.
٤ - دَمُ الشَّهيد عليه طاهر، ولهذا لم يأمُر النبيُّ ﷺ، بغَسْل الشُّهداء من دمائهم ، إِذ لو كان نجساً لأمر النبيُّ بغسله.
وهل هو طاهر لأنَّه دم شهيد، وهذا ما ذهب إليه الجمهور ، أم أنَّه طاهر لأنه دم آدمي؟. فعلى رأي الجمهور: لو انفصل عن الشَّهيد لكان نجساً. وعلى الرأي الثَّاني: هو طاهر؛ لأنَّه دم آدمي.
والقول بأن دم الآدمي طاهر ما لم يخرج من السَّبيلَين قول قويٌّ، والدَّليل على ذلك ما يلي.
١ - أنَّ الأصل في الأشياء الطَّهارة حتى يقوم دليل النَّجاسة، ولا نعلم أنَّه ﷺ أمَر بغسل الدَّمِ إِلا دم الحيض، مع كثرة ما يصيب الإِنسان من جروح، ورعاف، وحجامة، وغير ذلك،
فلو كان نجساً لبيَّنه ﷺ؛ لأنَّ الحاجة تدعو إلى ذلك.
٢ - أنَّ المسلمين ما زالوا يُصلُّون في جراحاتهم في القتال، وقد يسيل منهم الدَّمُ الكثير، الذي ليس محلاًّ للعفو، ولم يرد عنه ﷺ الأمرُ بغسله، ولم يَرِدْ أنهم كانوا يتحرَّزون عنه تحرُّزاً شديداً؛ بحيث يحاولون التخلِّي عن ثيابهم التي أصابها الدَّم متى وجدوا غيرها.
ولا يُقال: إِن الصَّحابة رضي الله عنهم كان أكثرهم فقيراً، وقد لا يكون له من الثياب إِلا ما كان عليه، ولا سيَّما أنهم في الحروب يخرجون عن بلادهم فيكون بقاء الثِّياب عليهم للضَّرورة.
فيُقال: لو كان كذلك لعلمنا منهم المبادرة إِلى غسله متى وجدوا إِلى ذلك سبيلاً بالوصول إِلى الماء، أو البلد، وما أشبه ذلك.
٣ - أنَّ أجزاء الآدميِّ طاهرة،
فلو قُطِعَت يده لكانت طاهرة مع أنَّها تحمل دماً؛ ورُبَّما يكون كثيراً،
فإِذا كان الجزء من الآدمي الذي يُعتبر رُكناً في بُنْيَة البَدَن طاهراً، فالدَّم الذي ينفصل منه ويخلفه غيره من باب أولى. ٤ - أنَّ الآدمي ميْتَته طاهرة، والسَّمك ميْتته طاهرة، وعُلّل ذلك بأن دم السَّمك طاهر؛ لأن ميتته طاهرة، فكذا يُقال: إِن دم الآدمي طاهر، لأن ميتته طاهرة.
فإِن قيل: هذا القياس يُقابل بقياس آخر، وهو أنَّ الخارجَ من الإِنسان من بولٍ وغائطٍ نجسٌ، فليكن الدَّم نجساً .........
فيُجاب: بأن هناك فرقاً بين البول والغائط وبين الدَّمِ؛ لأنَّ البول والغائط نجس خبيث ذو رائحة منتنة تنفر منه الطِّباع، وأنتم لا تقولون بقياس الدَّم عليه، إِذ الدَّم يُعْفَى عن يسيره
بخلاف البول والغائط فلا يُعْفَى عن يسيرهما، فلا يُلحق أحدُهما بالآخر.
فإِن قيل: ألا يُقاس على دَمِ الحيض، ودم الحيض نجس، بدليل أنَّ النبي ﷺ أَمَرَ المرأة أن تَحُتَّه، ثم تقرُصَه بالماء، ثم تَنْضِحَه، ثم تُصلِّي فيه ؟.
فالجواب: أن بينهما فرقاً:
أ- أن دم الحيض دم طبيعة وجِبِلَّة للنساء، قال ﷺ :«إِنَّ هذا شيءٌ كتبه اللَّهُ على بنات آدم»، فَبَيَّنَ أنه مكتوب كتابة قَدريَّة كونيَّة،
وقال ﷺ في الاستحاضة:«إِنَّه دَمُ عِرْقٍ» ففرَّق بينهما.
ب- أنَّ الحيضَ دم غليظ منتنٌ له رائحة مستكرهة، فيُشبه البول والغائط، فلا يصحُّ قياس الدَّم الخارج من غير السَبيلَين على الدَّم الخارج من السَّبيلَين، وهو دم الحيض والنِّفاس والاستحاضة. فالذي يقول بطهارة دم الآدمي قوله قويٌّ جداً؛ لأنَّ النَّصَّ والقياس يدُلاّن عليه.
والذين قالوا بالنَّجاسة مع العفو عن يسيره حكموا بحكمين:
أ- النَّجاسة.
ب- العفو عن اليسير.
وكُلٌّ من هذين الحُكْمَين يحتاج إِلى دليل، فنقول: أثبتوا أولاً نجاسة الدَّمِ، ثم أثبتوا أنَّ اليسير معفوٌّ عنه، لأنَّ الأصل أنَّ النَّجس لا يُعْفَى عن شيء منه، لكن من قال بالطَّهارة، لا يحتاج إِلا إِلى دليل واحد فقط، وهو طهارة الدَّم وقد سبق .
فإِن قيل: إِنَّ فاطمة رضي الله عنها كانت تغسل الدَّمَ عن النبيِّ ﷺ في غزوة أُحُد ، وهذا يدلُّ على النَّجاسة.
أُجيب من وجهين:
أحدهما: أنَّه مجرَّد فِعْل، والفعل المجرَّد لا يدلُّ على الوجوب.
........
الثاني: أنه يُحتَمَل أنَّه من أجل النَّظافة؛ لإِزالة الدَّم عن الوجه، لأنَّ الإِنسان لا يرضى أن يكون في وجهه دم،
ولو كان يسيراً، فهذا الاحتمال يبطل الاستدلال.
من حيوانٍ طاهرٍ ............ «من حيوانٍ طاهرٍ»، الحيوانات قسمان: طاهر، ونجس.
فالطَّاهر:
١ - كلُّ حيوان حلال كبهيمة الأنعام، والخَيل، والظِّباء، والأرانب ونحوها. ٢ - كلُّ ما ليس له دم سائل فهو طاهر في الحياة، وبعد الموت، وسبق أن الدَّمَ من هذا الجنس طاهر .
والنَّجس: كل حيوان محرَّم الأكل؛ إِلا الهِرَّة وما دونها في الخِلْقة فطاهر على المذهب؛ لحديث أبي قتادة رضي الله عنه أنَّه قُدِّمَ إِليه ماء ليتوضَّأ به،
فإِذا بِهرَّة فأصغى لها الإِناء حتى شربت، ثم قال: إِن النبيَّ ﷺ
قال في الهِرَّة: «إِنها ليست بِنَجَسٍ، إِنَّها من الطَّوَّافين عليكم والطَّوَّافات».
وسواء كان ما دون الهرة من الطوَّافين، أم لم يكن من الطَّوَّافين، حتى ولو كان لا يوجد في البيوت أبداً.
ولكن ظاهر الحديث: أن طهارتها لمشَقَّة التَّحرُّز منها؛ لكونها من الطوَّافين علينا؛ فيكثر تردُّدها علينا،
فلو كانت نجسة؛ لَشقَّ ذلك على النَّاس.
وعلى هذا يكون مناطُ الحُكْمِ التَّطْوَافُ الذي تحصُل به المشقَّة بالتَّحرُّز منها، فكل ما شقَّ التَّحرُّز منه فهو طاهر.
فعلى هذا؛ البغل والحمار طاهران، وهذ هو القول الرَّاجح الذي اختاره كثير من العلماء .
وعَنْ أَثَرِ استجمارٍ بِمَحَلِّه، ........ «وعَنْ أَثَرِ استجمارٍ بِمَحَلِّه»، أي: يُعفى عن أثر استجمار بمحلِّه.
والمراد: الاستجمار الشَّرعي، الذي تَمَّت شروطُه، وقد سبق ذلك في باب الاستنجاء .
فإِذا تَمَّتْ شروطُه، فإِنَّ الأثر الباقي بعد هذا الاستجمار يُعْفَى عنه في محلِّه، ولا يطهُر المحلُّ بالكُليَّة إِلا بالماء.
....
والدَّليل على هذا: أنه ثبت عن النبيِّ ﷺ الاقتصار على الاستجمار في التَّنَزُّه من البول والغائط.
وعليه؛ فإِذا صلَّى الإِنسان وهو مستجمِر؛ لكنه قد توضَّأ؛ فصَلاته صحيحة، ولا يُقال: إِن فيه أثر النَّجاسة، لأن هذا الأثر معفوٌّ عنه في محلِّه.
ولو صلَّى حاملاً من استجمَر استجماراً شرعيًّا لعُفِيَ عنه أيضاً.
وعُلِم من قوله:«بمحلِّه» أنه لو تجاوز محلَّه لم يُعْفَ عنه، كما لو عَرِقَ وسال العَرَقُ، وتجاوز المحلَّ، وصار على سراويله أو ثوبه، أو صفحتي الدُّبر، فإِنه لا يُعْفَى عنه حينئذ، لأنه تعدَّى محلَّه.
وعُلِمَ من كلامه رحمه الله أنَّ الاستجمار لا يُطَهِّر،
وأن أثره نجس، لكن يُعْفَى عنه في محلِّه.
والصَّحيح: أنه إِذا تَمَّتْ شروط الاستجمار، فإِنه مطَهِّر.
والدَّليل قوله ﷺ في العظم والرَّوث:«إِنَّهما لا يُطَهِّران»، وإِسناده جيد. فقوله ﷺ :«لا يُطَهِّران»، يدلُّ على أن الاستجمار بما عداهما ـ مما يباح به الاستجمار ـ يُطهِّر.
وبناءً على هذا القول ـ الذي هو الرَّاجح ـ لو تعدَّى محلَّه، وعَرِقَ في سراويله فإِنه لا يكون نجساً، لأنَّ الاستجمار مطهِّر، لكنَّه عُفي عن استعمال الماء تيسيراً على الأمة.
فهذان اثنان مما يُعْفَى عنهما:
١ - يسير الدَّم النَّجس من حيوان طاهر.
٢ - أثر الاستجمار بمحلِّه.
وظاهر كلامه: أنه لا يُعفَى عن يسير شيء مما سواهما، فالقَيء مثلاً لا يُعْفَى عن يسيره، وكذلك البول، والرَّوث.
وللعلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ في هذه المسألة أقوال :
القول الأول: أنَّه لا يُعفَى عن اليسير مطْلقاً.
القول الثَّاني: المذهب على التَّفصيل السَّابق.
القول الثَّالث: أنه يُعفَى عن يسير سائر النَّجاسات.
............
وهذا مذهب أبي حنيفة ، واختيار شيخ الإِسلام ابن تيميَّة ولا سيَّما ما يُبتلَى به النَّاس كثيراً كبعر الفأر، وروثه، وما أشبه ذلك،
فإِنَّ المشقَّة في مراعاته، والتطهُّر منه حاصلة، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ .
وكذلك أصحاب الحيوانات التي يمارسونها كثيراً، كأهل الحمير مثلاً، فهؤلاء يشقُّ عليهم التحرُّز من كُلِّ شيء.
والصَّحيح: ما ذهب إِليه أبو حنيفة، وشيخ الإِسلام، لأنَّنا إِذا حكمنا بأن هذه نجِسة،
فإِمَّا أن نقول: إِنَّه لا يُعفَى عن يسيرها كالبول والغائط؛ كما قال بعض العلماء،
وإِما أن نقول بالعَفْوِ عن يسير جميع النَّجاسات،
ومن فرَّق فعليه الدَّليل.
فإِن قيل: إِنَّ الدَّليلِ فِعْلُ الصَّحابة حيث كانوا يُصلُّون بثيابهم، وهي ملوَّثة بالدَّم من جراحاتهم.
فنقول: إِنَّه دليل على ما هو أعظم من ذلك وهو طهارة الدَّمِ.
ومن يسير النَّجاسات التي يُعْفَى عنها لمشَقَّةِ التَّحرُّز منه: يسير سَلَسِ البول لمن ابتُلي به، وتَحفَّظ تحفُّظاً كثيراً قدر استطاعته.
ولا يَنجُسُ الآدمِيُّ بالمَوْتِ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.