وَإِنْ مَثَّلَ بِعَبْدِهِ فَجَدَعَ أَنْفَهُ، أَوْ أُذُنَهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ عَتَقَ، نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ الْقَاضِي: الْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ
الشروح عليها
مسألة: (وإن مَثَّلَ بعَبْدِه فجَدَعَ أنْفَه أو أُذُنَه ونحوَ ذلك، عَتَق. نَصَّ عليه) لِما روَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ عن أبِيه عن جَدِّه، أنَّ زِنْباعًا أبا رَوْحٍ وَجَد غُلامًا له مع جارِيَتِه، فقَطَعَ ذَكَرَه وجَدَعَ أنْفَه، فأتَى العَبْدُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فذَكَرَ ذلك له، فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟» قال: فَعَل كذا
وكذا. قال:«اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ». (قال القاضي: والقِياسُ أنَّ لا يَعْتِقَ) لأنَّ سَيِّدَه لم يَعْتِقْه بلفْظٍ صريحٍ ولا كِنايةٍ.
وإذا ثَبَت الحديثُ وجَب العملُ به وتُرِكَ القِياسُ. ٢٩٢٠ -
(وَإِنْ مَثَّلَ) كَضَرَبَ، وَهُوَ بِتَشْدِيدِ الثَّاءِ،
وَقَالَ أَبُو السَّعَادَاتِ: مَثَّلْتُ بِالْحَيَوَانِ أُمَثِّلُ مَثَلًا: إِذَا قَطَّعْتُ أَطْرَافَهُ، وَبِالْقَتْلِ: إِذَا جَدَعْتُ أَنْفَهُ أَوْ أُذُنَهُ، وَنَحْوَهُ (بِعَبْدِهِ) وَلَوْ عَبَّرَ بِرَقِيقِهِ لَعَمَّ (فَجَدَعَ أَنْفَهُ، أَوْ أُذُنَهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ) كَحَرْقِ عُضْوٍ مِنْهُ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: أَوْ حَرَّقَهُ بِالنَّارِ (عَتَقَ، نَصَّ عَلَيْهِ) أَيْ: بِلَا حُكْمٍ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ:«أَنَّ زِنْبَاعًا جَدَعَ عَبْدًا، فَأَتَى الْعَبْدُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ، لَا مُكَاتَبَ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ، وَلَا يَحْصُلُ بِضَرْبِهِ وَخَدْشِهِ،
وَفِي اعْتِبَارِ الْقَصْدِ وَثُبُوتِ الْوَلَاءِ وَجْهَانِ، وَالْأَشْهُرُ ثُبُوتُهُ وَلَوْ زَادَ ثَمَنُهُ بِجبٍّ أَوْ خِصَاءٍ، فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَتَوَجَّهُ حَلُّ الزِّيَادَةِ (وَقَالَ الْقَاضِي: الْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ) كَالْمُكَاتَبِ ; لِأَنَّ سَيِّدَهُ، لَمْ يُعْتِقْهُ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ، وَلَا كِنَايَةٍ، فَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ، أَشَبَهَ جِنَايَتَهُ عَلَى دَابَّتِهِ،
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، لِثُبُوتِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَحِينَئِذٍ يُتْرَكُ الْقِيَاسُ.
فَرْعٌ: إِذَا وَطِئَ جَارِيَتَهُ الْمُبَاحَةَ لَهُ الَّتِي لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا، فَأَفْضَاهَا، عُتِقَتْ، قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ،
وَإِنْ أَكْرَهَ رَجُلًا يَزْنِي بِهَا، فَأَفْضَاهَا، فَاحْتِمَالَانِ.
وإِنْ مَثَّلَ بعَبْدِه فجدَع أَنْفَه أوْ أُذُنَه ونَحْوَه
-وكذا لو حَرَّق عُضْوًا منه.
قال في «الرِّعايةِ الكُبْرى»: أو أحْرَقَه بالنَّارِ- عتَق عليه. نصَّ عليه، للأَثَرِ. وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وجزَم به في «المُحَررِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. قال القاضي: القِياسُ أنه لا يَعْتِقُ.
وقال جماعةٌ مِنَ الأصحابِ: لا يَعْتِقُ المُكاتَبُ. عَلَيهِ. قَال الْقَاضِي: وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَعْتِقَ.
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه سواءٌ قصَد التمْثِيلَ به أو لم يقْصِدْه. وهو أحدُ الوَجْهَين.
قال في «الفائقِ»: ولم يشْتَرِطْ غيرُ ابنِ عَقِيلٍ القَصْدَ. وقدَّمه في «الرِّعايتَين».
وقيل: يُشْتَرَطُ القَصْدُ في ذلك. اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ. وجزَم به في «الوَجيزِ». وأطْلَقَهما في «الفُروعِ».
فوائد؛ إحْداها، حيثُ قُلْنا: يعتِقُ بالتمْثِيلِ. يكونُ الوَلاءُ لسَيِّدِه. نصَّ عليه. وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الفائقِ».
وقيل: لبَيتِ المالِ. ذكَرَه في «الرِّعايةِ».
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يُصْرَفُ في الرِّقابِ، قال: وهو قِياسُ المذهبِ.
قال في «الفائقِ»: قلتُ: واخْتارَه ابنُ الزَّاغُونِيِّ. وأطْلَقَهما في «الفُروعِ».
وقال أيضًا في «الفائقِ»: ويَتَوَجه في العَمَلِ به كقَوْلِ ابنِ عَقِيلٍ،
وإنْ لم يُشْتَرَطْ، فكالمَنْصُوصِ. الثَّانيةُ، هل يَعْتِقُ بمُجَرَّدِ المُثْلَةِ، أو يُعْتِقُه عليه السُّلْطانُ؟
قال في «الفائقِ»: يحْتَمِلُ رِوايتَين مِن كلامِ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
قال في رِوايَةٍ: يعْتِقُ. وقال في رِوايَةٍ: يُعْتِقُه السُّلْطانُ. وهما رِوايَتان عن وَإذَا أَعْتَقَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ فَمَالُهُ لِلسَّيِّدِ.
الإمامِ مالكٍ، رَحِمَه اللهُ. والمَعْروفُ في المذهبِ؛ أَنه يَعْتِقُ عليه بمُجَرَّدِ ذلك. قاله في «القَواعدِ». وظاهِرُ رِوايَةِ المَيمُونِيِّ، يُعْتِقُه السُّلْطانُ عليه.
وقال في «الفائقِ» أيضًا: ولو مثَّلَ بعَبْدٍ مُشْتَرَكٍ، سرَى العِتْقُ إلى باقِيه وضَمِنَ للشَّرِيكِ . ذكَرَه ابنُ عَقِيلٍ. الثَّالثةُ، قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: لو اسْتَكْرَهَ المالِكُ عَبْدَه على الفاحِشةِ، عتَق عليه. وهو أحدُ القَوْلَين في مذهبِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، وهو مَبْنِيٌّ على القَوْلِ بالعِتْقِ بالمُثْلَةِ.
ولو اسْتَكْرَه أمَةَ امْرَأَتِه على الفاحِشَةِ، عَتَقَتْ، وغَرِمَ مثلَها لسَيِّدَتِها. قاله الإمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، في رِوايَةِ إسْحاقَ. الرَّابعةُ، مَفْهومُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه لو مَثَّلَ بعَبْدِ غيرِه، لا يَعْتِقُ عليه. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: يتَوَجَّهُ أنْ يَعْتِقَ. واخْتارَه. الخامسةُ، مَفْهومُه أيضًا، أنَّه لو لعَن عَبْدَه، لا يَعْتِقُ عليه بذلك. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ. وذكَر ابنُ حامِدٍ، عن الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أَنه قال: مَن لعَن عَبْدَه، فعليه أنْ يُعْتِقَه، أو لعَن شيئًا مِن مالِه، أنَّ عليه أنْ يتَصَدَّقَ به. قال: ويَجِئُ في لَعْنِ زَوْجَتِه، أنَّه يلْزَمُه أنْ يُطَلِّقَها. قال ابنُ رَجَبٍ في شَرْحِ حَديثِ «ليبك»: ويَشْهَدُ لهذا في الزَّوْجَةِ، وُقوعُ الفُرْقَةِ بينَ المُتَلاعِنَين لَمّا كان أحدُهما كاذِبًا في نَفْسِ الأمْرِ، قد حقَّتْ عليه اللَّعْنَةُ أو الغَضَبُ.
السَّادِسةُ، لو وَطيء جارِيَتَه المُباحَةَ التي لا يُوطَأُ مثلُها، فأفْضاها، عَتَقَتْ، وإلَّا فلا. قاله في «الرِّعايةِ الكُبْرى».
قال: (وإن مَثَّل بعبده فجدع أنفه أو أذنه ونحو ذلك عتق عليه نص عليه. قال القاضي: والقياس أن لا يعتق) .
أما كون من مثّل بعبده يعتق عليه على المنصوص؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من مثّل بعبده فهو حر». رواه الإمام أحمد.
وأما قول المصنف: فجدع أنفه أو أذنه ونحو ذلك؛ فتمثيل للتمثيل بالعبد، وتعداد لصور منه.
وأما كون القياس أن لا يعتق على قول القاضي؛ فلأن ذلك جناية على ماله. فلم يوجب زوال ملكه عنه. أشبه ما لو جنى على دابته.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.