وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الْجَمَاعَةَ مَا يَلْزَمُ الْوَاحِدَ وَالْوَاحِدَ مَا يَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ
الشروح عليها
مسألة: (ويَجُوزُ أن يُعْطِىَ الجَماعَةَ ما يَلْزَمُ الواحِدَ، والواحِدَ ما يَلْزَمُ الجَماعَةَ)
أمّا إعْطاءُ الجَماعَةِ ما يَلْزَمُ الواحِدَ فلا نَعْلَمُ فيه خِلافًا إذا أعْطَى مِن كلِّ صِنْفٍ ثَلاثَةً؛ لأنَّه دَفَع الصَّدَقَةَ إلى مُسْتَحِقِّها.
وأمّا إعْطاءُ الواحِدِ ما يَلْزَمُ الجَماعَةَ،
فإنَّ الشافعىَّ ومَن وافَقَه أوْجَبُوا تَفْرِيقَ الصَّدَقَةِ على سِتَّةِ أصْنافٍ، مِن كلِّ صِنْفٍ ثَلاثةٌ. وقد رُوِى مثلُ هذا عن أحمدَ، وسَنَذْكُرُ ذلك فيما بعدَ هذا البابِ، إن شاء اللَّهُ تعالى. وظاهِرُ المَذْهَبِ الجَوازُ، وبه قال مالك، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّها صَدَقَةٌ لغير مُعَيَّنٍ، فجاز صَرْفُها إلى واحِدٍ، كالتَّطَوُّعِ. فصل: ومَصْرِفُ صَدَقَةِ الفِطْرِ مَصْرِفُ سائِرِ الزَّكَواتِ؛ لعُمُومِ قَوْلِه تعالى:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ}. الآيةُ. ولأنَّها زكاة، أشْبَهَتْ زكاةَ المالِ، فلا يَجُوزُ دَفْعُها إلى مَن لا يجوزُ دَفْعُ زكاةِ المالِ إليه.
وبهذا قال مالكٌ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ: يَجوزُ. وعن عَمْرِو بنِ مَيْمُونٍ، وعَمْرِو بنِ شُرَحْبِيل، ومُرَّةَ الهَمْدانِىِّ ، أنَّهم كانوا يُعْطُون منها الرّهْبانَ. ولَنا، أنَّها زكاةٌ، فلم يَجُزْ دَفْعُها إلى غيرِ المُسْلِمِين، كزكاةِ المالِ، وزَكاةُ المالِ لا يجوزُ دَفْعُها إلى غيرِ المُسْلِمِين إجْماعًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّه لا يَجُوزُ أن يُعْطِىَ مِن زكاةِ المالِ أحَدًا مِن أهْلِ الذِّمَّةِ.
فصل: فإن دَفَعَها إلى مُسْتَحِقها، فأخْرَجَها آخِذُها إلى دافِعِها، أو جُمِعَتِ الصَّدَقَة عندَ الإِمامِ، ففَرَّقَها على أهْلِ السُّهْمانِ، فعادَتْ إلى إنْسانٍ صَدَقَتُه. فاخْتارَ القاضى جَوازَ ذلك، قال: لأنَّ أحمدَ نَصَّ في مَن له نِصابٌ مِن الماشيَةِ والزُّرُوعِ، أنَّ الصَّدَقَةَ تُؤْخَذُ منه، وتُرَدُّ إليه، إذا لم يكنْ له قَدْرُ كِفايَتِه. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ قَبْضَ الإِمامِ أو المُسْتَحِقِّ أزالَ مِلْكَ المُخْرجِ، وعادَتْ إليه بسَبَبٍ آخَرَ، أَشْبَهَ ما لو عادَتْ إليه بمِيراثٍ.
وقال أبو بكر: مَذْهَبُ أحمدَ أنَّه لا يَحِلُّ له أخْذُها؛ لأنَّها طُهْرَةٌ، فلم يَجُزْ له أخْذُها، كشِرائِها؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أراد أن يَشتَرِى الفَرَسَ الذى حَمَلَ عليه في سَبِيلِ اللَّهِ، فقال له النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا تَشْتَرِهَا، وَلَا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ، فَإنَّ الْعائِدَ في صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ في قَيْئهِ».
فإن عادَتْ إليه بالشِّراءِ، ففيه مِن الخِلافِ مثلُ ما ذَكَرْنا، والمَنْصُوصُ أنَّه لا يجوزُ،
فإن عادَتْ إليه بالمِيراثِ، فله أخْذُها؛ لأنَّها رَجَعَتْ إليه بغيرِ فِعْلٍ منه، واللَّهُ تعالى أعلمُ.
(وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الْجَمَاعَةَ مَا يَلْزَمُ الْوَاحِدَ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إِذَا أَعْطَى مِنْ كُلِّ صِنْفٍ ثَلَاثَةً؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ الصَّدَقَةَ إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، (وَالْوَاحِدَ مَا يَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَجَازَ صَرْفُهَا إِلَى وَاحِدٍ كَالزَّكَاةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَنْقُصَ الْوَاحِدُ عَنْ مُدِّ بُرٍّ أَوْ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ،
وَعَنْهُ: الْأَفْضَلُ تَفْرِقَةُ الصَّاعِ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ،
وَعَنْهُ: الْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَنْقُصَ الْوَاحِدُ عَنْ صَاعٍ لِلْمَشَقَّةِ، وَيُصْرَفُ فِي أَصْنَافِ الزَّكَاةِ لَا فِي غَيْرِهِمْ،
وَفِي " الْفُنُونِ " عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا: تُدْفَعُ إِلَى مَنْ لَا يَجِدُ مَا يَلْزَمُهُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا تُدْفَعُ إِلَّا لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْكَفَّارَةَ؛ وَهُوَ مَنْ يَأْخُذُ لِحَاجَتِهِ، لَا فِي الْمُؤَلَّفَةِ وَالرِّقَابِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَرْعٌ: إِذَا دَفَعَهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، فَرَدَّهَا إِلَيْهِ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ جُمِعَتْ عِنْدَ الْإِمَامِ، فَقَسَّمَهَا عَلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ، فَعَادَ إِلَى إِنْسَانٍ ذَلِكَ، جَازَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَادَتْ إِلَيْهِ بِمِيرَاثٍ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَذْهَبُ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا؛ لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهَا لِسِوَاهَا، لِحَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
[
ويَجوزُ أنْ يُعْطِىَ الجَماعَةَ ما يَلزَمُ الواحِدَ، والواحِدَ ما يَلزَمُ الجَماعَةَ. هذا المذهبُ. نصَّ عليه، على ما يَأْتى فى اسْتِيعابِ الأصْنافِ، فى بابِ ذِكْرِ أهْلِ الزَّكاةِ، لكنِ الأفْضَلُ، أنْ لا ينْقُصَ الواحِدَ عن مُدِّ بُرٍّ، أو نِصْفِ صَاعٍ مِن غيرِه. على الصَّحيِح مِنَ المذهبِ. قدَّمه فى «الفُروعِ».
وعنه، الأفْضَلُ، تَفْرِقَةُ الصَّاعِ. قال فى «الفُروعِ»: وهو ظاهِرُ ما جزَم به جماعةٌ؛ للخُروجِ مِنَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخِلافِ. وعنه، الأفْضَلُ، أنْ لا ينْقُصَ الواحِدُ عنِ الصَّاعِ. قال فى «الفُروِع»: وهو ظاهِرُ كلامِ جماعَةٍ؛ للمَشَقَّةِ، وعَدَمِ نَقْلِه وعمَلِه.
وقال فى «عُيونِ المَسائلِ»: لو فَرَّقَ فِطْرَةَ رَجُلٍ واحدٍ على جَماعةٍ، لم يُجْزِئْه. قال فى «الفُروعِ»: كذا قال.
فوائد؛ الأُولَى، الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ تَفْريقَ الفِطْرَةِ بنَفْسِه أفْضَلُ.
وعنه، دَفْعُها إلى الإِمامِ العادِلِ أفْضَلُ. نقَلَه المَرُّوذِىُّ. ويأْتى مَزيدُ بَيانٍ على ذلك فى البابِ الذى بعدَه. الثَّانيةُ، لو أعْطَى الفَقيرَ فِطْرَةً، فرَدَّها الفقيرُ إليه عن نَفْسِه، جازَ عند القاضى. قال فى «التَّلْخيصِ»: جازَ فى أصحِّ الوَجْهَين. وقدَّمه فى «الفائقِ».
قلتُ: وهو الصَّوابُ إنْ لم يحْصُلْ حِيلَةٌ فى ذلك.
وقال أبو بَكْرٍ: مذهبُ أحمدَ، لا يجوزُ، كشِرائِها. وأطْلَقَهُما فى «الرِّعايَتيْن»، و «الحاوِيَيْن».
ولو حُصِّلَتْ عندَ الإِمامِ، فقَسَّمها على مُسْتَحِقيها، فعادَ إلى إنْسانٍ فِطْرَتُه، جازَ عندَ القاضى أَيضًا. وهو المذهبُ. قدَّمه المَجْدُ فى «شَرْحِه»، ونصَرَه، وغيرُه.
وقال أبو بَكْر: مذهبُ أحمدَ، لا يجوزُ كشِرائِها. وظاهِرُ «الفُروعِ»، و «ابنِ رَزِينٍ»، إطْلاقُ الخِلافِ فيهما، فإنَّهما قَالَا: جائزٌ عندَ القاضى، وعندَ أبى بَكْرٍ لا يجوزُ. وأطْلَقَهُما فى «الرِّعايَتيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفائِق». قال فى «الرِّعايَتيْن»: الخِلافُ فى الإجْزاءِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . .
وقيل: فى التَّحْريمِ. انتهى. وتقَدَّمَتِ المَسْألةُ بأعَمَّ مِن ذلك فى الرِّكازِ، فَلْتُعَاوَدْ.
ولو عادَتْ إليه بمِيراثٍ، جازَ. قَوْلًا واحِدًا. الثَّالثةُ، مَصْرِفُ الفِطْرَةِ مَصْرِفُ الزَّكاةِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ، فلا يجوزُ دَفْعُها لغيرِهم.
وقال ابنُ عَقِيلٍ فى «الفُنونِ»، عن بعضِ الأصحابِ: تُدْفَعُ إلى مَن لا يجِدُ ما يَلْزَمُه.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: لا يجوزُ دَفْعُها إلَّا لمَن يستَحِقُّ الكَفَّارَةَ، وهو مَن يأْخُذُ لحاجَتِه، ولا تُصْرَفُ فى المُؤَلَّفَةِ والرِّقابِ وغيرِ ذلك. الرَّابعةُ، قال الإِمامُ أحمدُ، فى رِوايَةِ الفَضْلِ بنِ زِيادٍ: ما أحْسَنَ ما كان عطاءٌ يَفْعَلُ، يُعْطِى عن . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . .
أبوَيْه صَدَقَةَ الفِطْرِ حتَّى ماتَ، وهذا تَبَرُّعٌ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.