وَعَنْهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا لِكَافِرٍ يَعْلَمُ نَجَاسَتَهَا وَفِي جَوَازِ الِاسْتِصْبَاحِ بِهَا رِوَايَتَانِ وَيَخْرُجُ عَلَى ذَلِكَ جَوَازُ بَيْعِهَا
الشروح عليها
(وعنه، يَجُوزُ بَيْعُها (٣) لكافِرٍ يَعْلَمُ نَجاسَتَها) لأنَّه يَعْتَقِدُ حِلَّها، ويَسْتَبِيحُ أَكْلَها، ولأنَّه قد رُوِى عن أبى مُوسَى: لُتُّوا به السَّوِيقَ وبِيعُوه، ولا تَبِيعُوه مِن مسلم، وبَيِّنُوه.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَعَنَ اللَّه اليَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فجَمَلُوهَا ، فبَاعُوهَا، وأَكَلُوا ثمنَها، إنَّ اللَّهَ إذا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَه». مُتَّفَقٌ عليه . ولأنَّه لا يَجُوزُ بَيْعُها مِن مُسْلِمٍ، فلا يَجُوزُ بَيْعُها لكافِرٍ، كالخَمْرِ والخِنْزِيرِ، فإنَّهم يَعْتَقِدُونَ حِلَّه،
ولا يَجُوزُ بَيْعُه لهم، ولأنَّه دُهْنٌ نَجِسٌ، فلم يَجُزْ بَيْعُه لكافِرٍ، كشحومِ الميْتَةِ.
قال شيخُنا: ويَجُوزُ أنْ يُدْفَعَ إلى الكافِرِ في فِكاكِ مُسْلِمٍ، ويُعْلَمُ الكافِرُ بنَجَاسَتِه؛ لأنَّه ليس بِبَيْعٍ في الحَقِيقَةِ، إنّما هو اسْتِنْقاذُ المُسْلِمِ به. ١٥٥٨ - مسألة: (وفى جَوازِ الاسْتِصْباحِ بها رِوايَتانِ. ويُخَرَّجُ على ذلك جَوازُ بَيْعِها) اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في الاسْتِصْبَاحِ بالزَّيْتِ النَّجِسِ؛ فرُوىَ عنه، أنّه لا يَجُوزُ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في السَّمْنِ الذى ماتَتْ فيه الفَأْرَةُ:«وإنْ كان مائِعًا فلا تَقْرَبُوه». ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سُئِلَ عن شُحُومِ الميْتَةِ تُطْلَى بها السُّفُنُ، وتُدْهَنُ بها الجُلُودُ، ويَسْتَصْبِحُ بها الناسُ، فقال:«لا، هو حَرَامٌ».
مُتَّفَقٌ عليه . وهذا في مَعْناه. وهو قولُ ابنِ المُنْذِرِ.
وعنه، إباحَتُه؛ لأنَّ ذلك يُرْوَى عن ابنِ عمرَ. وهو قَوْلُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه أمْكَنَ الانْتِفاعُ به مِن غيرِ ضَرَرٍ، فجازَ، كالطاهِرِ. وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِىِّ. فعلى هذا، يُسْتَصْبَحُ به على وَجْهٍ لا تَتَعَدَّى نَجاسَتُه،
إمّا أن يُجْعَلَ في إبْرِيق ويُصَبَّ منه في المِصْباحِ ولا يُمَسَّ،
وإمّا أن يَدَعَ على رَأْسِ الجَرَّةِ التى فيها الزَّيْتُ سِراجًا مَثْقُوبًا، ويُطْبِقَه على رَأْسِ إناءِ الزَّيْتِ، وكُلَّما نَقَصَ زَيْتُ السِّراجِ صَبَّ فيه ماءً بحيثُ يَرْتَفِعُ الزَّيْتُ، فيَمْلأُ السِّرَاجَ، وما أشْبَهَ هذا. وعلى قِياسِ هذا كُلُّ انْتِفاعٍ لا يُفْضِى إلى التَّنْجِيسِ بها يَجُوزُ. ويَتَخَرِّجُ على جَوازِ الاسْتِصْباحِ به جَوازُ بَيْعِه. وهكذا ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه يَجُوزُ الانْتِفاعُ به مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، فجازَ بَيْعُه، كالبَغْلِ والحِمارِ. وهل تَطْهُرُ بالغَسْلِ، فيه وَجْهَانِ ذَكَرْنَاهُما فيما مَضَى .
وإذا قُلْنَا: تَطْهُرُ بالغَسْلِ. فالقِياسُ يَقتَضِى جوازَ بَيْعِها؛ لأنَّها عَيْنٌ نَجسَةٌ تَطْهُرُ بالغَسْلِ، أَشْبَهَتِ الثَّوْبَ النَّجِسَ. وكَرِهَ أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، أَن تُدْهَنَ بها الجُلُودُ،
وقال: تُجْعَلُ منها الأسْقِيَةُ. ونُقِلَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه يُدْهَنُ بها الجلودُ. وعَجِبَ أحمدُ مِن هذا. فيَحْتَمِلُ أنْ يُحْمَلَ على ما لا تَتَعَدَّى نَجَاسَتُه، كالنِّعَالِ، كما قُلْنا في جُلودِ الميْتَةِ .
(وَعَنْهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا لِكَافِرٍ يَعْلَمُ نَجَاسَتَهَا) لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ حِلَّ ذَلِكَ وَيَسْتَبِيحُ أَكْلَهُ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَاشْتَرَطَ الْكُفْرَ لِأَجْلِ الِاعْتِقَادِ الْمُجَوِّزِ، وَالْعِلْمُ بِنَجَاسَتِهَا الْمُرَادُ بِهِ اعْتِقَادُ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْعِلْمِ بِالنَّجَاسَةِ لَيْسَ شَرْطًا فِي بَيْعِ الثَّوْبِ النَّجِسِ، فَكَذَا هُنَا وَفِيهِ شَيْءٌ،
وَفِي " الْمُغْنِي " يَجُوزُ أَنْ تَدْفَعَ إِلَى كَافِرٍ فِي فِكَاكِ مُسْلِمٍ وَيُعْلَمُ بِنَجَاسَتِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِنْقَاذُ الْمُسْلِمِ بِهِ (وَفِي جَوَازِ الِاسْتِصْبَاحِ بِهَا رِوَايَتَانِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " إِحْدَاهُمَا: لَا؛ وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَهَى عَنْ قُرْبَانِهِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الِاسْتِصْبَاحُ وَغَيْرُهُ، وَلِأَنَّهُ دِهْنٌ نَجِسٌ، فَلَمْ يَجُزِ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ كَشَحْمِ الْمَيْتَةِ، وَالثَّانِيَةُ: يُبَاحُ؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ أَشْبَهَ الِانْتِفَاعَ بِالْجِلْدِ الْيَابِسِ، فَعَلَى هَذَا يَنْتَفِعُ بِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَمَسُّهُ بِيَدِهِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ؛
لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَنْجِيسِهَا لَا نَجِسَ الْعَيْنِ كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ (وَيَخْرُجُ عَلَى ذَلِكَ جَوَازُ بَيْعِهَا) كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُنْتَفَعًا بِهِ كَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ.
فَرْعٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ سُمٍّ قَاتِلٍ، سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الْأَفَاعِي أَوِ النَّبَاتِ،
وَقِيلَ يَقْتُلُ بِهِ مُسْلِمًا. [الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لَهُ] فَصْلٌ
وفى جوازِ الاسْتِصْباحِ بها رِوايَتان. وأطْلَقهما فى «الهِدايَةِ»، و «الإِيضَاحِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الكافِى»، و «المُغْنِى»، و «التَّلْخيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «ابنِ تَميمٍ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاوِيَيْن»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الفائقِ»، و «المَذْهَبِ الأَحْمَدِ»، و «الفُروعِ»؛ إحداهما، يجوزُ. وهو المذهبُ. صحَّحَه فى «التَّصْحيحِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرى»، وغيرِهم. قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا أشْهَرُ الرِّوايتَيْن. ونَصَرَها فى «المُغْنِى». واخْتارَه الخِرَقِىُّ، والشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، وغيرُهما.
وجزَم به فى «الإِفادَاتِ»، فى بابِ النَّجاسَةِ. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يجوزُ الاسْتِصْباحُ بها. جزَم به فى «الوَجيزِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدتان؛ إحداهما، حيثُ جوَّزْنا الاسْتِصْباحَ بها، فيكونُ فى وَجْهٍ لا تتَعدَّى نَجاسَتُه؛
إمَّا أنْ يُجْعَلَ فى إبْرِيقٍ، ويُصَبَّ منه فى المِصْباحِ ولا يُمَسَّ،
وإمَّا أنْ يدَع على رأْسِ الجَرَّةِ التى فيها الدُّهْنُ سِراجًا مَثْقُوبًا، ويُطَيِّنه على رأْسِ إناءِ الدُّهْنِ، وكلَّما نقَص دُهْنُ السِّراجِ صَبَّ فيه ماءً، بحيثُ يرْفَعُ الدُّهْنَ، فيَمْلأُ السِّراجَ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وما أشْبَهَه. قالَه جماعةٌ. ونقَلَه طائِفَةٌ عنِ الإِمامِ أحمدَ.
قلتُ: الذى يَظْهَرُ أنَّ هذا ليس شَرْطًا فى صِحَّةِ البَيْعِ. وظاهِرُ كلامِ «الفُروعِ»، أنَّه جعَلَه شَرْطًا عندَ القائِلين به. الثَّانيةُ، لا يجوزُ الاسْتِصْباحُ بشُحومِ المَيْتَةِ، ولا بشَحْمِ الكَلْبِ، والخِنْزِيرِ، ولا الانْتِفاعُ بشئٍ مِن ذلك، قوْلًا واحدًا عندَ الأصحابِ، ونصَّ عليه. واخْتارَ الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ جَوازَ الانْتِفاعِ بالنَّجاسَاتِ.
وقال: سواءٌ فى ذلك شَحْمُ المَيْتَةِ وغيرُه. وهو قوْلٌ للشافِعِىِّ. وأوْمَأَ إليه فى رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ.
تنبيه: قوله: ويُخَرَّجُ على ذلك جَوازُ بَيْعِها. تقدَّم أنَّ المُصَنِّفَ وغيرَه، خرَّجُوا فَصْلٌ: الرَّابعٌ، أنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لَهُ، أَوْ مَأْذُونًا لَهُ فَى بَيْعِهِ،
فَإِنْ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أوِ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِهِ شَيْئًا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لَمْ يَصِحَّ.
وَعَنْهُ، يَصِحُّ، وَيَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ.
جَوازَ البَيْعِ مِن رِوايَةِ جَوازِ الاسْتِصْباحِ بها.
تنبيه: شَمِلَ قوْلُه: الرَّابعُ، أنْ يكونَ ممْلُوكًا له. الأسيرَ لو باعَ مِلْكَه. وهو صحيحٌ. صرَّح به فى «الفُروعِ» وغيرِه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.