وَلَا تَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ
الشروح عليها
مسألة: (ولا تَجِبُ على صَبِيٍّ. وعنه، تَجِبُ على مَن بَلَغ عَشْرًا) ظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ الصلاةَ لا تجِبُ على الصَّبِيِّ حتى يَبلُغَ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ. وفيه رِوايةً أُخْرى، أنَّها تَجِبُ على مَن بَلَغ عَشْرًا؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ لِسَبْع سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُ عَلَيهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَينَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ». رَواه أبو داودَ . أمَرَ بعُقُوبَتِه، ولا تُشْرَعُ العُقُوبَةُ إلَّا لتَرْكِ الواجِبِ، ولأنَّ حَدَّ الواجِبِ ما عُوقِبَ على تَرْكِه.
والأوَّلُ أصَحُّ؟ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ». ولأنَّه صَبِيٌّ فلم تَجِبْ عليه، كالصَّغِيرِ، ولأنَّ الصَّبِيَّ ضَعِيفُ العَقْلِ والبِنْيَةِ، ولا بُدُّ مِن ضابِطٍ يَضْبُطُ الحَدَّ الذي تَتَكامَلُ فيه بِنْيَتُه وعَقْلُه، فإنَّه يَتَزايَدُ تَزايُدًا خَفِيَّ التَّدْرِيجِ، فلا يُعْلَمُ بنَفْسِه، والبُلُوغُ ضابِطٌ لذلك، ولهذا تَجِبُ به الحُدُودُ، ويَتَعَلَّقُ به أكْثَرُ أحْكامِ التَّكْلِيفِ، فكذلك الصلاةُ.
فأمّا التَّأْدِيبُ ههُنا فهو كالتَّأْدِيبِ على تَعَلُّمِ الخَطِّ والقُرْآنِ والصِّناعَةِ؛ ليَعْتادَها ويَتَمَرَّنَ عليها. ولا فَرْقَ بينَ الذَّكَرِ والأُنْثَى فيما ذَكَرْنا، ولا خِلافَ في أنَّها تَصِحُّ مِن الصَّبِيِّ العاقِلِ،
ويُشْتَرَطُ لصِحَّةِ صلاتِه ما يُشْتَرَطُ لصحةِ صلاةِ الكَبِيرِ، إلَّا في السُّتْرَةِ،
فإنَّ قَوْلَه - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلا بِخِمَارٍ». يَدُلُّ على صِحَّتِها بدُونِ الخِمارِ. ٢٥١ -
(وَلَا تَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَالْحَجِّ، وَالطِّفْلُ لَا يَعْقِلُ، وَالْمُدَّةُ الَّتِي يَكْمُلُ فِيهَا عَقْلُهُ وَبِنْيَتُهُ تَخْفَى وَتَخْتَلِفُ، فَنَصَبَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ عَلَامَةً ظَاهِرَةً، وَهِيَ الْبُلُوغُ، فَعَلَى هَذَا تَصِحُّ مِنَ الْمُمَيِّزِ، وَهُوَ مَنْ لَهُ سَبْعُ سِنِينَ، وَثَوَابُ فِعْلِهِ لَهُ،
وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا مَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ صَلَاةِ الْبَالِغِ إِلَّا فِي السُّتْرَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَهُوَ شَامِلٌ لُغَةً لِلصَّبِيَّةِ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ
ولا تَجِبُ على صَبِيٍّ. لا يخْلُو الصَّبِيُّ،
إمَّا أنْ يكون سِنُّه دُونَ التَّمْييزِ، أو يكونَ مُمَيِّزًا؛
فإنْ كان دُونَ التَّمْييزِ، لم تجبْ عليه العِبادةُ، قوْلًا واحدًا، ولم تصِحَّ منه، على الصَّحيحِ. وذكرَ المُصَنِّفُ وغيرُه، أنَّ ابنَ سَبْعٍ تصِحُّ طهارتُه. وذكرَ المصنِّفُ أيضًا، أنَّ ظاهرَ الخِرَقِيِّ، صِحَّةُ صلاةِ العاقلِ، مِن غيرِ تقْديرٍ بسِنٍّ. وذكرَ المصنِّفُ أيضًا، أنَّ ظاهرَ الخِرَقِيِّ، ابنُ ثلاثِ سنينَ أيضًا ونحوُه، يصِحُّ إسْلامُه إذا عَقَلَه.
وأمَّا إنْ كان مُمَيِّزًا، أو هو ابنَ سَبْعِ سنِينَ عندَ الجمهورِ. واخْتارَ في «الرِّعايَةِ» ابنَ سِتٍّ.
وقال في «القَواعِدِ الأُصولِيَّةِ»: وفي كلامِ بعضِهم ما يقْتَضِي أنَّه ابن عَشْرٍ.
وقال ابنُ أبي الفَتْحِ، في «المُطْلِعِ»: هو الذي يفْهَمُ الخِطابَ، ويرُدُّ الجوابَ، ولا ينْضَبِط بسِنٍّ، بل يخْتلِفُ باخْتِلافِ الأفْهامِ. وقاله الطُّوفِيُّ في «مُخْتَصَرِه» في الأُصولِ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ، والاشْتِقاقُ يَدُلُّ عليه. ولعلَّه مُرادُ الأوَّلِ،
وأنَّ ابن سِتٍّ أو سَبعٍ يفْهَمُ ذلك غالِبًا. وضَبَطوه بالسِّنِّ. إذا علِمْتَ ذلك، فالمذهبُ أنَّ الصَّلاةَ، غيرَها مِنَ العِباداتِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البَدَنيَّةِ لا تَجِبُ عليه إلَّا أنْ يبْلُغَ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وعنه، تجبُ على مَن بلَغ عَشْرًا.
قال في «الفائقِ»، و «القَواعِدِ»: اخْتارَها أبو بَكْرٍ. وظاهرُ كلامِه في الجارِيَةِ إذا بلغَتْ تِسْعًا تجِبُ عليها.
وعنه، تجِبُ على المُراهِقِ. اخْتارَها أبو الحسَنِ التَّمِيمِيُّ، وابنُ عَقِيل أيضًا. ذكَرَه في «الأُصولِ». قال أبو المَعالِي: ونُقِل عن أحمدَ،
في ابنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ: إذا ترَك الصَّلاةَ قُتِل: وعنه، تجِبُ على المُمَيِّزِ. ذكَرَها المصنِّفُ، وغيرُه. وأنَّه مكَّلفٌ، وذكَرَها في «المُذْهَبِ» وغيرِه في الجُمُعَةِ.
قال في الجُمُعَةِ: قال في «القَواعِدِ الأُصولِيَّةِ»: وإذا أوْجبْنا الصلاةَ وَيُؤْمَرُ بِهَا لِسَبْعٍ، وَيُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْرٍ، عليه؛ فهلِ الوُجوبُ مخْتَصٌّ بما عَدَا الجُمُعَةَ، أم يعُمُّ الجُمُعَةَ وغيرَها؟ فيه وَجْهان لأصحابِنا. أصَحُّهما، لا يَلْزمُه الجُمُعَةُ،
وإن قُلْنا بتَكْليفِه في الصلاةِ. قال المَجْدُ: هو كالإجْماعِ للخَبَرِ.
قلتُ: ظاهرُ كلامِ كثيرٍ مِنَ الأصحابِ التَّسْويَةُ بينَ الجُمُعَةِ وغيرِها. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. قدَّمه في «الفُروعِ»، في بابِ الجُمُعَةِ، ويأْتِي أيضًا هناك. فعلي القوْلِ بعدَمِ الوُجوبِ على المُمَيِّزِ، لو فعلَها صَحَّتْ منه، بلا نِزاعٍ، ويكونُ ثَوابُ عمَلِه لنَفْسِه. ذكَرَه المُصَنِّفُ في غيرِ موْضِع مِن كلامِه. وذكَرَه الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ. واخْتارَه ابن عَقِيلٍ في المُجَلَّدِ التَّاسِعَ عَشَرَ مِنَ الفُنونِ. وقاله ابنُ هُبَيرَةَ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ أيضًا في بعضِ كتُبِه: الصَّبِيُّ ليس مِن أهْل الثَّوابِ والعِقابِ، ورَدَّه في «الفروعِ».
وقال بعضُ الأصحابِ في طرِيقَتِه في مسْأَلَةَ تَصَرُّفِه: ثَوابُه لوالِدَيه.
قال: (ولا تجب على صبي. وعنه تجب على من بلغ عشراً) .
أما كون الصلاة لا تجب على صبي لم يبلغ عشراً فلا خلاف فيه عند الإمام أحمد؛ لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم:«رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ ... الحديث».
وأما كونها لا تجب على من بلغ عشراً ولم يبلغ على المذهب؛ فلما ذكر.
وأما كونها تجب عليه على روايةٍ؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم:«مروا الصبي بالصلاة لسبع واضربوه عليها لعشر». والضرب لا يكون إلا لترك واجب.
والصحيح الأول؛ لما ذكر من الحديث. والضرب للتمرين.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.