الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ لِلظُّهْرِ: مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ لِآخِرِ القامة بغير ظل الزوال
الشروح عليها
(الْوَقْتُ) وَهُوَ الزَّمَانُ الْمُقَدَّرُ لِلْعِبَادَةِ شَرْعًا (الْمُخْتَارُ) وَيُقَابِلُهُ الضَّرُورِيُّ فَالصَّلَاةُ لَهَا وَقْتَانِ (لِلظُّهْرِ) ابْتِدَاؤُهُ (مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ أَيْ مَيْلُهَا عَنْ وَسَطِ) السَّمَاءِ لِجِهَةِ الْمَغْرِبِ مُنْتَهِيًا (لِآخِرِ الْقَامَةِ) أَيُّ قَامَةٍ كَانَتْ وَقَامَةُ كُلِّ إنْسَانٍ سَبْعَةُ أَقْدَامٍ بِقَدَمِ نَفْسِهِ وَأَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ بِذِرَاعِهِ فَالْمَعْنَى حَتَّى يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ (بِغَيْرِ ظِلِّ الزَّوَالِ) فَلَا يُحْسَبُ مِنْ الْقَامَةِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّمْسَ إذَا طَلَعَتْ ظَهَرَ لِكُلِّ شَاخِصٍ ظِلٌّ مِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ فَكُلَّمَا ارْتَفَعَتْ نَقَصَ فَإِذَا وَصَلَتْ وَسَطَ السَّمَاءِ وَهِيَ حَالَةُ الِاسْتِوَاءِ كَمَّلَ نُقْصَانَهُ وَبَقِيَتْ مِنْهُ بَقِيَّةٌ وَهِيَ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْأَشْهُرِ الْقِبْطِيَّةِ وَهِيَ تُوتُ فَبَابَةُ فَهَاتُورُ فَكِيهَكُ فَطُوبَةُ فَأَمْشِيرُ فَبَرَمْهَاتُ فَبَرْمُودَةُ فَبَشَنْسُ فَبُؤْنَةُ فَأَبِيبُ فَمِسْرَى وَقَدْ لَا يَبْقَى مِنْهُ بَقِيَّةٌ وَذَلِكَ بِمَكَّةَ وَزُبَيْدٍ مَرَّتَيْنِ فِي السَّنَةِ وَبِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ مَرَّةً وَهُوَ أَطْوَلُ يَوْمٍ فِيهَا فَإِذَا مَالَتْ الشَّمْسُ لِجَانِبِ الْمَغْرِبِ أَخَذَ الْفَيْءُ فِي الزِّيَادَةِ لِجِهَةِ الْمَشْرِقِ حَالَ الْأَخْذِ وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ حَتَّى يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُهُ بَعْدَ ظِلِّ الزَّوَالِ إنْ كَانَ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ الزَّمَانُ الْمُقَدَّرُ لِلْعِبَادَةِ شَرْعًا) جَعَلَ الزَّمَانَ جِنْسًا فِي تَعْرِيفِ الْوَقْتِ يَقْتَضِي أَنَّ الزَّمَانَ أَعَمُّ مِنْ الْوَقْتِ وَالْوَقْتُ أَخَفُّ مِنْهُ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الزَّمَانَ مُدَّةُ حَرَكَةِ الْفَلَكِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُقَدَّرَةً شَرْعًا أَمْ لَا
(قَوْلُهُ: الْمُقَدَّرُ لِلْعِبَادَةِ شَرْعًا) خَرَجَ الزَّمَانُ الَّذِي لَيْسَ بِمِقْدَارٍ لِلْعِبَادَةِ فَلَا يُقَالُ لَهُ وَقْتٌ قَالَ شَيْخُنَا مَا أَفَادَهُ التَّعْرِيفُ مِنْ أَنَّ الزَّمَانَ الْمُقَدَّرَ لِلْفِعْلِ غَيْرُ الْعِبَادَةِ لَا يُقَالُ لَهُ وَقْتٌ لَا يُسَلَّمُ بَلْ الزَّمَانُ الْمُقَدَّرُ لِأَيِّ فِعْلٍ يُقَالُ لَهُ وَقْتٌ لِذَلِكَ الْفِعْلِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ مُرَادُهُمْ تَعْرِيفُ الْوَقْتِ الشَّرْعِيِّ فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَهُوَ أَيْ الْوَقْتُ الشَّرْعِيُّ الزَّمَانُ الْمُقَدَّرُ إلَخْ وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ غَيْرَهُ يُقَالُ لَهُ وَقْتٌ إلَّا أَنَّهُ عَادِيٌّ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: الْمُخْتَارُ) أَيْ الَّذِي وُكِّلَ إيقَاعُ الصَّلَاةِ فِيهِ لِاخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ عَدَمِ الْإِثْمِ فَإِنْ شَاءَ أَوْقَعَهَا فِي أَوَّلِهِ أَوْ فِي وَسَطِهِ أَوْ فِي آخِرِهِ
(قَوْلُهُ: وَيُقَابِلُهُ الضَّرُورِيُّ) أَيْ وَهُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَيْهِ إلَّا لِأَرْبَابِ الضَّرُورَةِ الْآتِي ذِكْرُهُمْ
(قَوْلُهُ: لِآخِرِ الْقَامَةِ أَيُّ قَامَةٍ كَانَتْ) كَعُودٍ أَوْ حَائِطٍ أَوْ إنْسَانٍ
(قَوْلُهُ: بِغَيْرِ ظِلِّ الزَّوَالِ) أَيْ حَالَةَ كَوْنِ الْقَامَةِ مُعْتَبَرَةً بِغَيْرِ ظِلِّ الزَّوَالِ
(قَوْلُهُ: فَلَا يُحْسَبُ) أَيْ ظِلُّ الزَّوَالِ مِنْ الْقَامَةِ إنْ وُجِدَ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ اُعْتُبِرَتْ الْقَامَةُ خَاصَّةً وَإِنْ وُجِدَ اُعْتُبِرَتْ الْقَامَةُ وَذَلِكَ الظِّلُّ
(قَوْلُهُ: وَهِيَ تَخْتَلِفُ إلَخْ) قَدْ جَعَلَ بَعْضُهُمْ لِذَلِكَ ضَابِطًا بِقَوْلِهِ.
طزه جبا أبدوحى.
فَالطَّاءُ إشَارَةٌ لِإِقْدَامِ ظِلِّ الزَّوَالِ بِطُوبَةٍ وَالزَّايُ إشَارَةٌ لِعَدَمِ إقْدَامِ ظِلِّ الزَّوَالِ بِأَمْشِيرِ وَهَكَذَا لِآخِرِهَا
(قَوْلُهُ: وَذَلِكَ بِمَكَّةَ مَرَّتَيْنِ فِي السَّنَةِ وَبِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ مَرَّةً إلَخْ) بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ عَرْضَ الْمَدِينَةِ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً وَعَرْضَ مَكَّةَ إحْدَى وَعِشْرُونَ دَرَجَةً وَكِلَاهُمَا شَمَالِيٌّ وَالْمُرَادُ بِالْعَرْضِ بُعْدُ سَمْتِ رَأْسِ أَهْلِ الْبَلَدِ عَنْ دَائِرَةِ الْمُعَدَّلِ وَالْمَيْلِ الْأَعْظَمِ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً وَالْمُرَادُ بِهِ غَايَةُ بُعْدٍ لِلشَّمْسِ إذَا كَانَتْ عَلَى مِنْطَقَةِ الْبُرُوجِ مِنْ دَائِرَةِ الْمُعَدَّلِ فَإِذَا كَانَتْ الشَّمْسُ عَلَى مِنْطَقَةِ الْبُرُوجِ فِي غَايَةِ الْمِيلِ الشَّمَالِيِّ كَانَتْ مُسَامَتُهُ لِرَأْسِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَيَنْعَدِمُ الظِّلُّ عِنْدَهُمْ وَلَا تَكُونُ الشَّمْسُ كَذَلِكَ فِي الْعَامِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَذَلِكَ إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ فِي آخِرِ الْجَوْزَاءِ وَإِذَا كَانَتْ الشَّمْسُ عَلَى مِنْطَقَةِ الْبُرُوجِ وَكَانَ الْمَيْلُ الشَّمَالِيُّ إحْدَى وَعِشْرِينَ دَرَجَةً كَانَتْ مُسَامَتُهُ الرَّأْسُ أَهْلِ مَكَّةَ فَيَنْعَدِمُ الظِّلُّ عِنْدَهُمْ فِي يَوْمَيْنِ مُتَوَازِيَيْنِ يَوْمٌ قَبْلَ الْمَيْلِ الْأَعْظَمِ الشَّمَالِيِّ الْوَاقِعِ فِي آخِرِ الْجَوْزَاءِ وَيَوْمٌ قَبْلَ الْمَيْلِ الْأَعْظَمِ الْجَنُوبِيِّ الْوَاقِعِ فِي آخِرِ بُرْجِ الْقَوْسِ فَإِنْ كَانَ الْعَرْضُ أَكْثَرَ مِنْ الْمَيْلِ الْأَعْظَمِ كَمَا فِي مِصْرَ فَإِنَّ عَرْضَهَا ثَلَاثُونَ دَرَجَةً لَمْ يَنْعَدِمْ الظِّلُّ أَصْلًا لِأَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تُسَامِتْهُمْ بَلْ دَائِمًا فِي جَنُوبِهِمْ
(قَوْلُهُ: أَخْذُ الْفَيْءِ) أَيْ الظِّلِّ الْبَاقِي مِنْ ظِلِّ الشَّاخِصِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
[بَابُ مَوَاقِيت الصَّلَاة] ص (بَابُ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ لِلظُّهْرِ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ) .
ش الْأَوْقَاتُ جَمْعُ وَقْتٍ مَأْخُوذٌ مِنْ التَّوْقِيتِ وَهُوَ التَّحْدِيدُ
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَالْوَقْتُ أَخَصُّ مِنْ الزَّمَانِ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ مُدَّةُ حَرَكَةِ الْفَلَكِ، وَالْوَقْتُ هُوَ مَا قَالَ الْمَازِرِيُّ إذَا اقْتَرَنَ خَفِيٌّ بِجَلِيٍّ سُمِّيَ الْجَلِيُّ وَقْتًا نَحْوُ جَاءَ زَيْدٌ طُلُوعَ الشَّمْسِ فَطُلُوعُ الشَّمْسِ وَقْتُ الْمَجِيءِ إذَا كَانَ الطُّلُوعُ مَعْلُومًا وَالْمَجِيءُ خَفِيًّا،
وَلَوْ خَفِيَ طُلُوعُ الشَّمْسِ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَعْمَى، أَوْ مَسْجُونٍ مَثَلًا لَقُلْتُ لَهُ طَلَعَتْ الشَّمْسُ عِنْدَ مَجِيءِ زَيْدٍ فَيَكُونُ الْمَجِيءُ وَقْتَ الطُّلُوعِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: إنَّ الزَّمَانَ هُوَ حَرَكَةُ الْفَلَكِ هُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الْحُكَمَاءِ فِي تَعْرِيفِهِ وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْمَازِرِيِّ هُوَ تَعْرِيفُ الزَّمَانِ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ فَإِنَّهُمْ عَرَّفُوهُ بِأَنَّهُ مُقَارَنَةُ مُتَجَدِّدٍ مَوْهُومٍ لِمُتَجَدِّدٍ مَعْلُومٍ إزَالَةً لِلْإِبْهَامِ مِنْ الْأَوَّلِ لِمُقَارَنَةِ الثَّانِي
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ سُمِّيَ الزَّمَانُ وَقْتًا لِمَا حُدِّدَ بِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ فَكُلُّ وَقْتٍ زَمَانٌ وَلَيْسَ كُلُّ زَمَانٍ وَقْتًا وَالزَّمَانُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ اقْتِرَانُ حَادِثٍ بِحَادِثٍ قَالَ الْمَازِرِيُّ: إذَا اقْتَرَنَ خَفِيٌّ بِجَلِيٍّ سُمِّيَ الْجَلِيُّ زَمَانًا
ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ مَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَانْظُرْ مَا حَكَاهُ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ الْمَازِرِيِّ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ فَإِنَّ كَلَامَهُ فِي الذَّخِيرَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ تَعْرِيفٌ لِلزَّمَانِ، وَكَلَامَهُ فِي التَّوْضِيحِ يَقْتَضِي أَنَّهُ تَعْرِيفٌ لِلْوَقْتِ، وَكَلَامُ الْمَازِرِيِّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ مُوَافِقٌ لِمَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ،
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ فَلَعَلَّهُ رَآهُ لِلْمَازِرِيِّ فِي غَيْرِ شَرْحِ التَّلْقِينِ فَانْظُرْهُ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْوَقْتُ كَوْنُ الشَّمْسِ أَوْ نَظِيرِهَا بِدَائِرَةِ أُفُقٍ مُعَيَّنٍ أَوْ بِدَرَجَةٍ عُلِمَ قَدْرُ بُعْدِهَا مِنْهُ.
وَقَوْلُ الْمَازِرِيِّ حَرَكَاتُ الْأَفْلَاكِ صَالِحٌ لُغَةً لَا عُرْفًا لِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهِ جَوَابًا عَنْهُ عُرْفًا انْتَهَى. وَانْظُرْ مَا مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ أَوْ نَظِيرِهَا وَلَعَلَّهُ أَرَادَ غَيْرَهَا مِنْ الْكَوَاكِبِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُؤَقِّتَ بِكُلِّ كَوْكَبٍ مِنْهَا وَكَلَامُ الْمَازِرِيِّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ يَقْتَضِي أَنَّ كَوْنَ الْوَقْتِ حَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ إنَّمَا هُوَ فِي أَصْلِ التَّخَاطُبِ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ صَالِحٌ لُغَةً فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْوَقْتُ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ أَدَاءٌ وَقَضَاءٌ وَبِاعْتِبَارِ أَنَّ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَقْتَيْنِ جَمَعَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ الْأَوْقَاتَ،
وَقِيلَ: إنَّمَا جَمَعَهَا لِأَنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ يَنْقَسِمُ إلَى أَقْسَامٍ كَمَا سَيَأْتِي.
لَا يُقَالُ: إنَّ زَمَنَ الْقَضَاءِ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلصَّلَاةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ قِسْمًا مِنْهُ، وَلِذَلِكَ حَدَّ بَعْضُهُمْ الْقَضَاءَ بِأَنَّهُ إيقَاعُ الْعِبَادَةِ خَارِجَ وَقْتِهَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ بِالْوَقْتِ مَا يُمْكِنُ أَنْ تُفْعَلَ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُكَلَّفَ قَدْ يُوقِعُهَا خَارِجَ وَقْتِهَا الْمُقَدَّرِ لَهَا شَرْعًا
إمَّا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا وَعَرَّفَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ وَقْتَ الْأَدَاءِ بِأَنَّهُ مَا قُيِّدَ الْفِعْلُ بِهِ أَوَّلًا فَقَوْلُهُ مَا أَيْ: وَقْتٌ قُيِّدَ الْفِعْلُ بِهِ بِخِطَابٍ أَوَّلًا فَخَرَجَ بِقَوْلِهِ قُيِّدَ مَا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ وَقْتٌ مِنْ النَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُقَدِّرْ لَهَا وَقْتًا فَلَا تُوصَفُ بِالْأَدَاءِ وَلَا بِالْقَضَاءِ وَقَوْلُهُ أَوَّلًا احْتِرَازٌ مِنْ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ بِخِطَابٍ ثَانٍ بِنَاءً عَلَى رَأْيِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْقَضَاءَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ كَوَقْتِ الذِّكْرِ لِلنَّاسِي، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اُحْتُرِزَ بِهِ مِنْ ذِكْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ لِمَنْ نَسِيَهَا فَإِنَّهُ قَيَّدَ بِهِ الْفِعْلَ ثَانِيًا بِخِطَابٍ لَكِنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ، أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» هَكَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ زَادَ الْبَيْهَقِيُّ فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ فِعْلًا أَوَّلًا لِيُخْرِجَ الْإِعَادَةَ كَمَا قَالَ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ وَقَدْ حَكَى عَنْ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ أَنَّهُ قَالَ: احْتَرَزْتُ بِقَوْلِي أَوَّلًا مِنْ الْإِعَادَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا تَكُونُ الْإِعَادَةُ خَارِجَةً عَنْ الْأَدَاءِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ شَرْعًا كَمَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأُصُولِ لِيُخْرِجَ بِذَلِكَ مَا قُيِّدَ الْفِعْلُ بِهِ، وَلَا شَرْعًا كَمَا إذَا قَيَّدَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ خِيَاطَةَ ثَوْبٍ بِوَقْتٍ وَكَتَعْيِينِ الْإِمَامِ لِأَخْذِ الزَّكَاة شَهْرًا لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا حَدَّ هُنَا وَقْتَ الصَّلَاةِ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ
بِخِلَافِ الْمُخْتَصَرِ فَإِنَّهُ إنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَى الْأَدَاءِ مِنْ حَيْثُ هُوَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَقْتُ الْأَدَاءِ ابْتِدَاءُ تَعَلُّقِ وُجُوبِهَا بِاعْتِبَارِ الْمُكَلَّفِ، وَالْقَضَاءِ انْقِطَاعُهُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْقَضَاءُ مَا بَعْدَ الْأَدَاءِ. وَيَنْقَسِمُ وَقْتُ الْأَدَاءِ إلَى اخْتِيَارِيٍّ وَضَرُورِيٍّ فَالِاخْتِيَارِيُّ هُوَ الْوَقْتُ الَّذِي لَمْ يُنْهَ عَنْ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ إلَيْهِ وَالضَّرُورِيُّ هُوَ الَّذِي نُهِيَ عَنْ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ إلَيْهِ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْعِصْيَانِ وَالْأَدَاءِ كَمَا سَيَأْتِي وَفَسَّرَ الْمَازِرِيُّ الِاخْتِيَارَ بِأَنَّهُ وَقْتُ مُطَابَقَةِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ فَيَتَنَافَى الْأَدَاءُ وَالْعِصْيَانُ وَقَدْ يَكُونُ وَقْتُ الضَّرُورِيِّ لِغَيْرِ ذِي عُذْرٍ قَضَاءً وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ قَدْ رَضِيَ قَوْلَ ابْنِ الْقَصَّارِ إنَّ الضَّرُورِيَّ وَقْتُ أَدَاءً قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَعَزَا التُّونُسِيُّ التَّنَافِيَ بَيْنَ الْأَدَاءِ وَالْعِصْيَانِ لِلْمُخَالِفِ، وَنَفْيُهُ لَنَا، وَزَادَ صَاحِبُ الطِّرَازِ قِسْمَيْنِ آخَرَيْنِ وَقْتَ الرُّخْصَةِ وَالْعُذْرِ وَوَقْتَ سُنَّةٍ يُشْبِهُ الرُّخْصَةَ فَوَقْتُ الْعُذْرِ وَالرُّخْصَةِ هُوَ مَا قَبْلَ الْقَامَةِ لِلْعَصْرِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ وَتَأْخِيرُ الظُّهْرِ إلَى بَعْدَ الْقَامَةِ،
وَكَذَلِكَ فِي الْعِشَاءَيْنِ. وَوَقْتُ السُّنَّةِ الْمُشَابِهِ لِلرُّخْصَةِ تَقْدِيمُ الْعَصْرِ بِعَرَفَةَ وَتَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ لِلْمُزْدَلِفَةِ. وَيَنْقَسِمُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ إلَى وَقْتِ فَضِيلَةٍ وَوَقْتِ تَوْسِعَةٍ فَوَقْتُ الْفَضِيلَةِ مَا تَرَجَّحَ فِعْلُ الصَّلَاةِ فِيهِ عَلَى فِعْلِهَا فِي غَيْرِهِ مِنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ. وَوَقْتُ التَّوْسِعَةِ مَا تَرَجَّحَ فِعْلُهَا فِي غَيْرِهِ عَلَى فِعْلِهَا فِيهِ.
(فَرْعٌ) وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَوْنِ الْوُجُوبِ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ وَقْتِ الْأَدَاءِ، أَوْ بِمَا يَسَعُ الْفِعْلَ مِنْهُ مَجْهُولًا وَوَقَعَ الْفِعْلُ فِيهِ بِعَيْنِهِ فَعَزَا الْمَازِرِيُّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ لِلْجُمْهُورِ وَعَزَاهُ الْبَاجِيُّ لِأَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ وَجَعَلَ الثَّانِيَ تَخْرِيجًا وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ.
(فَرْعٌ) وَاخْتُلِفَ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ التَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ الْعَزْمُ عَلَى الْأَدَاءِ أَوْ لَا؟ فَاشْتَرَطَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ ذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ غَيْرُهُ وَقَالَ الْعَزْمُ ثَابِتٌ بِاعْتِبَارِ الْوُجُوبِ عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبَاجِيِّ، وَغَيْرُهُ لَمْ يَشْتَرِطْ الْعَزْمَ بِوَجْهٍ انْتَهَى. وَعَزَا ابْنُ عَرَفَةَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ لِلْقَاضِي وَالْمَازِرِيِّ. ص (لِلظُّهْرِ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ لِآخِرِ الْقَامَةِ بِغَيْرِ ظِلِّ الزَّوَالِ) ش: شَرَعَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَتَكَلَّمُ عَلَى بَيَانِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَبَدَأَ بِالظُّهْرِ؛
لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا تَقَدَّمَ،
وَكَذَلِكَ فَعَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ بَدَأَ بِالصُّبْحِ؛ لِأَنَّهَا الْوُسْطَى، وَلِأَنَّهَا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَسُمِّيَتْ الظُّهْرَ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا أَظْهَرُ الْأَوْقَاتِ؛ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِزِيَادَةِ الظِّلِّ،
وَقِيلَ: لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ ظَهَرَتْ فِي الْإِسْلَامِ، وَلِذَلِكَ تُسَمَّى الْأُولَى،
وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تُصَلَّى فِي وَقْتِ الظَّهِيرَةِ أَيْ: شِدَّةِ الْحَرِّ، وَلِذَلِكَ تُسَمَّى صَلَاةَ الْهَجِيرَةِ؛ لِأَنَّهَا تُصَلَّى فِي وَقْتِ الْهَاجِرَةِ وَهِيَ شِدَّةُ الْحَرِّ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا زَوَالُ الشَّمْسِ أَيْ مَيْلُهَا عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِزِيَادَةِ الظِّلِّ؛ لِأَنَّ الظِّلَّ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ يَكُونُ مُمْتَدًّا وَلَا يَزَالُ يَنْقُصُ مَا دَامَتْ الشَّمْسُ فِي جِهَةِ الْمَشْرِقِ إلَى أَنْ تَصِيرَ الشَّمْسُ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ فَإِذَا مَالَتْ الشَّمْسُ إلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ أَخَذَ الظِّلُّ فِي الزِّيَادَةِ وَذَلِكَ هُوَ الزَّوَالُ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَزِيدَ الظِّلُّ زِيَادَةً بَيِّنَةً فَحِينَئِذٍ يَدْخُلُ وَقْتُ الظُّهْرِ فَإِنَّ الزَّوَالَ عِنْدَ أَهْلِ الْمِيقَاتِ يَحْصُلُ بِمَيْلِ مَرْكَزِ الشَّمْسِ عِنْدَ خَطِّ وَسَطِ السَّمَاءِ، وَالزَّوَالُ الشَّرْعِيُّ إنَّمَا يَحْصُلُ بِمَيْلِ قُرْصِ الشَّمْسِ عَنْ خَطِّ وَسَطِ السَّمَاءِ،
وَكَذَلِكَ لِلْغُرُوبِ مِيقَاتِيٌّ وَشَرْعِيٌّ فَالْمِيقَاتِيُّ غُرُوبُ مَرْكَزِ الشَّمْسِ وَالشَّرْعِيُّ غُرُوبُ جَمِيعِ قُرْصِ الشَّمْسِ،
وَكَذَلِكَ الشُّرُوقُ الْمِيقَاتِيُّ هُوَ شُرُوقُ مَرْكَزِ الشَّمْسِ وَالشَّرْعِيُّ شُرُوقُ أَوَّلِ حَاجِبِ الشَّمْسِ وَيَحْصُلُ الشَّرْعِيُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بَعْدَ الِاصْطِلَاحِيِّ بِنَحْوِ نِصْفِ دَرَجَةٍ وَذَلِكَ قَدْرُ قِرَاءَةِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثَلَاثِينَ مَرَّةً قِرَاءَةً مُعْتَدِلَةً مَعَ الْبَسْمَلَةِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَإِذَا تَبَيَّنَتْ زِيَادَةُ الظِّلِّ فَقَدْ مَضَى هَذَا الْمِقْدَارُ يَقِينًا، وَنَقَلَ الْأَبِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْقُوتِ أَنَّهُ قَالَ: الزَّوَالُ ثَلَاثَةٌ: زَوَالٌ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ - تَعَالَى -. وَزَوَالٌ تَعْلَمُهُ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ -.
وَزَوَالٌ تَعْرِفُهُ النَّاسُ. قَالَ: وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هَلْ زَالَتْ الشَّمْسُ؟ فَقَالَ: لَا نَعَمْ. فَقَالَ: مَا مَعْنَى لَا نَعَمْ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَطَعَتْ الشَّمْسُ مِنْ فَلَكِهَا بَيْنَ قَوْلِي لَا نَعَمْ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ» انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ لِآخِرِ الْقَامَةِ يَعْنِي أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ الْمُخْتَارَ مُمْتَدٌّ مِنْ الزَّوَالِ إلَى آخِرِ الْقَامَةِ الْأُولَى وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ ظِلِّ الزَّوَالِ، وَإِنَّمَا قَالَ لِآخِرِ الْقَامَةِ؛ لِأَنَّهُ جَرَتْ عَادَةُ الْفُقَهَاءِ بِالتَّعْبِيرِ بِالْقَامَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَعَذَّرُ وَإِلَّا فَكُلُّ قَائِمٍ يُشَارِكُهَا فِي ذَلِكَ، وَالْأَصْلُ فِي تَحْدِيدِ أَوْقَاتِ الِاخْتِيَارِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ فَصَلَّى بِي الظُّهْرَ فِي الْأُولَى مِنْهُمَا حِينَ كَانَ الظِّلُّ مِثْلَ الشِّرَاكِ ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَ ظِلِّهِ ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتْ الشَّمْسُ وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَزَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ وَصَلَّى الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ لِوَقْتِهِ الْأَوَّلِ ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ الْتَفَتَ جِبْرِيلُ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَكَ، وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهَذَا لَفْظُهُ وَبَزَقَ بِالزَّايِ أَيْ بَزَغَ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِمَعْنَاهُ وَفِيهِ فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ قَدْرَ الشِّرَاكِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ هُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْمَوَاقِيتِ وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى مِثْلَ الشِّرَاكِ هُوَ السَّيْرُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى وَجْهِ النَّعْلِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ أَوَّلِ ظُهُورِ الظِّلِّ وَقَوْلُهُ حِينَ وَجَبَتْ الشَّمْسُ أَيْ: سَقَطَتْ بِالْغُرُوبِ.
(فَائِدَةٌ) ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ أَمَّنِي عِنْدَ بَابِ الْبَيْتِ فَاعْتَرَضَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ قَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ: وَلَيْسَ اعْتِرَاضُهُ جَيِّدًا؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ فِي مُشْكَلِ الْآثَارِ وَفِيهِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ صَلَاتُهُ إلَى الْبَيْتِ مَعَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مُسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) لَفْظُ الْأُمِّ أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَقَوْلُهُ وَصَلَاتُهُ إلَى الْبَيْتِ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ أَمَّنِي عِنْدَ بَابِ الْبَيْتِ وَبَابِ الْكَعْبَةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ صَلَّى إلَيْهَا فَتَأَمَّلْهُ.
(فَائِدَةٌ أُخْرَى) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: " هَذَا وَقْتُكَ وَوَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَكَ " لَا تُوجَدُ هَذِهِ اللَّفْظَةُ إلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَقَوْلُهُ بِغَيْرِ ظِلِّ الزَّوَالِ يَعْنِي بِهِ أَنَّ الْقَامَةَ إنَّمَا تَعْتَبِرُ بَعْدَ ظِلِّ الزَّوَالِ وَهُوَ الظِّلُّ الْمَوْجُودُ عِنْدَ الزَّوَالِ وَهُوَ يَزِيدُ فِي الشِّتَاءِ وَيَنْقُصُ فِي الصَّيْفِ وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ وَقَدْ يُعْدَمُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ وَذَلِكَ إذَا كَانَ عَرْضُ الْبَلَدِ قَدْرَ الْمَيْلِ الْأَعْظَمِ فَأَقَلَّ، وَالْمَيْلُ الْأَعْظَمُ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً تَقْرِيبًا وَعَرْضُ الْبَلَدِ عِبَارَةٌ عَنْ بُعْدِهَا عَنْ خَطِّ الِاسْتِوَاءِ أَيْ وَسَطِ الْأَرْضِ فَإِنْ كَانَ عَرْضُ الْبَلَدِ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً كَالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ فَيُعْدَمُ الظِّلُّ فِيهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي السَّنَةِ وَذَلِكَ فِي آخِرِ فَصْلِ الرَّبِيعِ أَعْنِي إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ فِي آخِرِ الْجَوْزَاءِ فَتَكُونُ الشَّمْسُ حِينَئِذٍ مُسَامِتَةً لِرُءُوسِهِمْ عِنْدَ الزَّوَالِ وَإِذَا كَانَ عَرْضُ الْبَلَدِ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً فَيُعْدَمُ الظِّلُّ فِيهَا فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً فِي فَصْلِ الرَّبِيعِ وَمَرَّةً وَفِي فَصْلِ الصَّيْفِ وَذَلِكَ إذَا كَانَ مَيْلُ الشَّمْسِ قَدْرَ عَرْضِ الْبَلَدِ كَمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ فَإِنَّ عَرْضَهَا إحْدَى وَعِشْرُونَ دَرَجَةً فَإِذَا كَانَ مَيْلُ الشَّمْسِ إحْدَى وَعِشْرِينَ دَرَجَةً كَانَتْ الشَّمْسُ مُسَامِتَةً لِرُءُوسِهِمْ فَيُعْدَمُ الظِّلُّ حِينَئِذٍ عِنْدَ الزَّوَالِ وَيُعْرَفُ الزَّوَالُ فِي يَوْمِ الْمُسَامَتَةِ بِوُجُودِ الظِّلِّ بَعْدَ انْعِدَامِهِ وَيُعْرَفُ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ بِأَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُسَامَتَةَ الْحَقِيقِيَّةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فِي السَّنَةِ، أَوْ فِي يَوْمَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَلَكِنَّ مَا قَارَبَ يَوْمَ الْمُسَامَتَةِ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ مِمَّا لَا يَظْهَرُ فِيهِ لِلظِّلِّ وُجُودٌ مَحْسُوسٌ فَحُكْمُهُ حُكْمُ يَوْمِ الْمُسَامَتَةِ،
وَأَمَّا الْبِلَادُ الَّتِي يَكُونُ عَرْضُهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً فَلَا يُعْدَمُ فِيهَا ظِلُّ الزَّوَالِ دَائِمًا كَمِصْرِ وَالشَّامِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّهُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ فَيَكْثُرُ فِي أَيَّامِ الشِّتَاءِ وَيَقِلُّ فِي أَيَّامِ الصَّيْفِ وَيَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْبِلَادِ فَلَا يَصِحُّ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْأَقْدَامِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَبُو مُقْرَعٍ لِلزَّوَالِ إلَّا فِي بِلَادِ مَرَّاكُشَ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا فِي الْعَرْضِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا عَلَى مَسَافَةِ يَوْمَيْنِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ الزَّوَالِ وَظِلِّ الزَّوَالِ أَنْ تَنْصِبَ شَاخِصًا فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ قُرْبَ الزَّوَالِ وَتُعَلِّمَ عَلَى رَأْسِ ذَلِكَ عَلَامَةً، أَوْ تُدِيرَ عَلَيْهِ قَوْسًا ثُمَّ تَنْظُرُ إلَى الظِّلِّ فَإِنْ نَظَرْتَهُ نَقَصَ عَلَّمْتَ عَلَامَةً أُخْرَى، وَلَا تَزَالُ تَفْعَلُ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى تَجِدَهُ قَدْ زَالَ فَإِنْ زَالَ فَذَلِكَ هُوَ الزَّوَالُ وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ وَالظِّلُّ الْمَوْجُودُ حِينَئِذٍ هُوَ ظِلُّ الزَّوَالِ.
وَآخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ أَنْ يَزِيدَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ الظِّلِّ الْمَوْجُودِ حِينَئِذٍ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْمِثْلِ وَالْمِثْلَيْنِ هُوَ مِنْ الزِّيَادَةِ الَّتِي تَزُولُ عَنْهَا الشَّمْسُ وَمَا قَبْلَهُ لَا حُكْمَ لَهُ انْتَهَى.
فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ كَمْ ظِلُّ الزَّوَالِ بِالْأَقْدَامِ فَقِسْ ذَلِكَ حِينَئِذٍ بِقَدَمَيْكَ وَذَلِكَ بِأَنْ تَقِفَ قَائِمًا مُعْتَدِلًا غَيْرَ مُنَكِّسٍ رَأْسَكَ فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ وَتَخْلَعَ نَعْلَيْكَ وَتَسْتَدْبِرَ الشَّمْسَ، أَوْ تَسْتَقْبِلَهَا وَتُعَلِّمَ عَلَى طَرَفِ ظِلَّكَ عَلَامَةً أَوْ تَأْمُرَ مَنْ يُعَلِّمُ لَكَ إنْ كُنْتَ مُسْتَقْبِلًا لِلشَّمْسِ ثُمَّ تَكِيلَ ظِلَّكَ بِقَدَمَيْكَ فَذَلِكَ هُوَ ظِلُّ الزَّوَالِ، وَهَذَا الطَّرِيقُ عَامٌّ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.
وَإِذَا أَرَدْتَ آخِرَ وَقْتِ الظُّهْرِ فَلْتَزِدْ عَلَى مَا كِلْتَهُ سَبْعَةَ أَقْدَامٍ وَهُوَ قَدْرُ الْقَامَةِ بِالْأَقْدَامِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ ابْنُ الْبَنَّاءِ وَابْنُ الشَّاطِّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ عُلَمَاءِ الْمِيقَاتِ وَهُوَ الْأَحْوَطُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ طُولُ الْقَامَةِ سِتَّةُ أَقْدَامٍ وَثُلُثَانِ،
وَقِيلَ: سِتٌّ وَنِصْفٌ، وَإِنَّمَا أَطَلْتُ الْكَلَامَ فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي عِبَارَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ هُنَا عِبَارَاتٌ غَيْرُ مُحَرَّرَةٍ، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ مِنْ الشُّيُوخِ لِمَا ذَكَرْتُهُ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) تَقَدَّمَ أَنَّ الزَّوَالَ يُعْرَفُ بِزِيَادَةِ الظِّلِّ، وَهَذَا هُوَ الطَّرِيقُ الْمَعْرُوفُ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ لِسُهُولَتِهِ وَاشْتَرَاكِ النَّاسِ فِي مَعْرِفَتِهِ،
وَلَوْ عُرِفَ الْوَقْتُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآلَاتِ كَالرُّبْعِ وَالْأَسْطُرْلَابِ وَغَيْرِهِمَا لَجَازَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ فَإِنَّ الزَّوَالَ هُوَ مَيْلُ الشَّمْسِ عَنْ خَطِّ وَسَطِ السَّمَاءِ قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ وَمِنْ الطَّرِيقِ إلَى مَعْرِفَةِ هَذَا يَعْنِي الزَّوَالَ الْأَسْطُرْلَابُ ثُمَّ قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَضَعُ خُطُوطًا خَاصَّةً وَيُقَسِّمُهَا أَقْسَامًا وَيُقِيمُ فِيهَا قَائِمًا فَإِذَا انْتَهَى ظِلُّ الْقَائِمِ إلَى حَدِّ الْأَقْسَامِ عَرَفَ قَدْرَ مَا مَضَى مِنْ النَّهَارِ، وَهَذِهِ الطَّرَائِقُ كُلُّهَا مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ الْمُتَقَدِّمِينَ ثُمَّ قَالَ لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ كُلَّهُمْ إنَّمَا يَسْلُكُونَ الْمَسْلَكَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي يَعْنِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ نَصْبِ الْعُودِ فَهَذَا الْمُتَعَارَفُ عِنْدَ أَهْلِ الشَّرْعِ وَمَا عَدَاهُ أَضْرَبُوا عَنْهُ؛
لِأَنَّ عِلْمَ الْأَسْطُرْلَابِ يَدِقُّ وَقَدْ يُؤَدِّي النَّظَرُ فِيهِ إلَى النَّظَرِ فِي عِلْمِ النُّجُومِ الَّذِي يَكْرَهُهُ الْمُشَرِّعُونَ. وَمَا سِوَاهُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ عَسِيرٌ مَطْلَبُهُ، صَعْبٌ مَرَامُهُ وَالتَّعْلِيمُ الْحَسَنُ مَا اشْتَرَكَ فِي إدْرَاكِهِ وَالْإِحَاطَةِ بِهِ الْبَلِيدُ وَالْفَطِنُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَدْ يُعْلَمُ الزَّوَالُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ الظِّلِّ بِأَنْ يُخْرِجَ خَطًّا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُسَامِتًا لِخَطِّ الزَّوَالِ فِي السَّمَاءِ بِالطُّرُقِ الْمَعْلُومَةِ عِنْدَ أَرْبَابِ الْمَوَاقِيتِ فَتَضَعَ فِيهِ قَائِمًا فَعِنْدَ الزَّوَالِ يَخْرُجُ ظِلُّ الْقَائِمِ مِنْ الْخَطِّ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ لِظِلٍّ خُصُوصًا فِي الصَّيْفِ فَهُوَ أَوَّلُ الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ ظِلِّ الزَّوَالِ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرَاقِبَ زِيَادَةَ الظِّلِّ وَإِلَّا فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ الظِّلُّ عَنْ الْخَطِّ إلَّا بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الزِّيَادَةِ وَقَالَ بَعْدَهُ فِي فَصْلِ وَقْتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَيُعْرَفُ الظُّهْرُ بِأَنْ تَضْرِبَ وَتِدًا فِي حَائِطٍ تَكُونُ الشَّمْسُ عَلَيْهِ عِنْدَ الزَّوَالِ فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ اُنْظُرْ طَرَفَ ظِلِّ الْوَتِدِ وَاجْعَلْ فِي يَدِكَ خَيْطًا فِيهِ حَجَرٌ مُدَلًّى مِنْ أَعْلَى الظِّلِّ فَإِذَا جَاءَ الْخَيْطُ عَلَى طَرَفِ الظِّلِّ فَخُطَّ مَعَ الْخَيْطِ خَطًّا طَوِيلًا فَإِنَّهُ يَكُونُ خَطَّ الزَّوَالِ أَبَدًا فَمَتَى وَصَلَ ظِلُّ ذَلِكَ الْوَتِدِ إلَيْهِ فَقَدْ زَالَتْ الشَّمْسُ لَكِنْ فِي الشِّتَاءِ يَصِلُ إلَيْهِ أَسْفَلَ وَفِي الصَّيْفِ فَوْقَ.
(قُلْتُ:) وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ إذَا كَانَ الْوَتِدُ مُعْوَجًّا وَلَمْ يَضْرِبْ فِي الْحَائِطِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ بِحَيْثُ إنَّ ظِلَّهُ خَارِجٌ عَنْهُ يَمِينًا، أَوْ شِمَالًا،
وَأَمَّا إذَا كَانَ مُسْتَقِيمًا وَظِلُّهُ تَحْتَهُ فَتَخُطُّ الْخَطَّ عَلَى ظِلِّهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَعْرِفَ الزَّوَالَ فِي الْيَوْمَ الَّذِي تَضْرِبُ فِيهِ الْوَتِدَ بِغَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوق فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ يَعْرِفُ الزَّوَالَ بِعُودٍ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَا بَأْسَ بِالْمِيزَانِ وَكَرِهَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ السَّلَفِ وَقَالَ إنَّمَا كَانُوا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ بِظِلِّ الْجِدَارِ وَظِلِّ الْإِنْسَانِ، أَوْ غَيْرِهِ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ يُكْرَهُ الْأَسْطُرْلَابُ وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ الْكَرَاهَةِ انْتَهَى.
(قُلْتُ) تَقَدَّمَ كَلَامُ الْمَازِرِيِّ وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالْكَرَاهَةِ بَلْ ذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ لِمَعْرِفَتِهِ وَلَكِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ الْفُقَهَاءُ
إمَّا لِصُعُوبَتِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى النَّظَرِ فِي النُّجُومِ فَتَأَمَّلْهُ،
وَأَمَّا ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَلَمْ أَقِفْ عَلَى كَلَامِهِ فِي ذَلِكَ، نَعَمْ
قَالَ فِي الْعَارِضَةِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّغْلِيسَ بِهَا أَفْضَلُ لَكِنْ إنَّمَا التَّغْلِيسُ الْمُسْتَحَبُّ عِنْدَ إسْفَارِ الْفَجْرِ وَبَيَانِهِ لِلْأَبْصَارِ وَمَنْ صَلَّى بِالْمَنَازِلِ قَبْلَ تَبْيِينِهِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ فَإِنَّ أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ إنَّمَا عُلِّقَتْ بِالْأَوْقَاتِ الْمُبَيَّنَةِ لِلْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْجُهَّالِ، وَإِنَّمَا شُرِعَتْ الْمَنَازِلُ لِيُعْلَمَ بِهَا قُرْبُ الصَّبَاحِ فَيَكُفَّ الصَّائِمُ وَيَتَأَهَّبَ الْمُصَلِّي حَتَّى إذَا تَبَيَّنَ الْفَجْرَ الَّذِي عَلِقَ بِهِ الْوَقْتُ صَلَّى انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِتَيْسِيرِ الْمَقَاصِدِ لِأَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ: وَوَقْتُ الصُّبْحِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ الْمُعْتَرِضِ الَّذِي يَسُدُّ الْأُفُقَ، وَلَا يَعْتَمِدُ عَلَى الْمَنَازِلِ إلَّا تَقْرِيبًا فَإِذَا ظَهَرَ لَهُ تَوَسُّطُ الْمَنْزِلَةِ تَرَبَّصَ حَتَّى يَرَى الْبَيَاضَ فَإِنْ كَانَ غَيْمٌ انْتَظَرَ قَدْرَ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ صَحْوًا لَظَهَرَ الْفَجْرُ وَيَحْتَاطُ، وَلَا يُعَجِّلُ، وَمِيزَانُ الشَّمْسِ قَطْعِيٌّ انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الثَّانِي وَالْمِائَةِ: جَرَتْ عَادَةُ الْمُؤَذِّنِينَ وَأَرْبَابِ الْمَوَاقِيتِ أَنَّهُمْ إذَا شَاهَدُوا الْمُتَوَسِّطَ فِي دَرَجِ الْفَلَكِ الَّذِي يَقْتَضِي أَنَّ دَرَجَ الشَّمْسِ قَرِيبٌ مِنْ الْأُفُقِ قُرْبًا يَقْتَضِي أَنَّ الْفَجْرَ طَلَعَ أَمَرُوا النَّاسَ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ مَعَ أَنَّ الْأُفُقَ قَدْ يَكُونُ صَاحِيًا لَا يَخْفَى فِيهِ طُلُوعُ الْفَجْرِ لَوْ طَلَعَ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَجِدُ الْإِنْسَانُ لِلْفَجْرِ أَثَرًا أَلْبَتَّةَ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، إنَّمَا نَصَبَ الشَّارِعُ سَبَبَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ طُلُوعَ الْفَجْرِ فَوْقَ الْأُفُقِ، وَلَمْ يَظْهَرْ فَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ حِينَئِذٍ،
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي بَقِيَّةِ إثْبَاتِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ ثُمَّ قَالَ:(فَإِنْ قُلْتَ:) هَذَا جُنُوحٌ مِنْكَ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الرُّؤْيَةِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَأَنْتَ قَدْ فَرَّقْت بَيْنَهَا وَبَيْنَ رُؤْيَةِ الْأَهِلَّةِ بِالرُّؤْيَةِ وَعَدَمِهَا وَقُلْتُ: السَّبَبُ فِي الْأَهِلَّةِ الرُّؤْيَةُ وَفِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ تَحَقُّقُ الْوَقْتِ دُونَ رُؤْيَتِهِ فَحَيْثُ اشْتَرَطْتَ الرُّؤْيَةَ فَقَدْ أَبْطَلْتَ مَا ذَكَرْتَ.
(قُلْتُ:) هَذَا سُؤَالٌ حَسَنٌ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنِّي لَمْ أَشْتَرِطْ الرُّؤْيَةَ فِي الْأَوْقَاتِ لَكِنْ جَعَلْتَ عَدَمَ اطِّلَاعِ الْحِسِّ عَلَى الْفَجْرِ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِهِ وَأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ لَمْ يَتَحَقَّقُ؛ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ هِيَ السَّبَبُ فَفَرْقٌ بَيْنَ كَوْنِ الْحِسِّ سَبَبًا وَبَيْنَ كَوْنِهِ دَالًّا عَلَى عَدَمِ السَّبَبِ فَفِي الْفَجْرِ جَعَلْتُهُ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ السَّبَبِ لِأَنِّي اشْتَرَطْتَ الرُّؤْيَةَ
فَلَوْ كَانَ حِسَابُهُمْ يَظْهَرُ مَعَهُ الْفَجْرُ فِي الصَّحْوِ وَيَخْفَى فِي الْغَيْمِ لَمْ أَسْتَشْكِلْهُ لَكِنِّي لَمَّا رَأَيْت حِسَابَهُمْ فِي الصَّحْوِ لَا يَظْهَرُ مَعَهُ الْفَجْرُ عَلِمْتَ أَنَّ حِسَابَهُمْ يُعَارِضُ عَدَمَ السَّبَبِ انْتَهَى.
وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ يُشِيرُ فِيهِ إلَى أَنَّ الَّذِي عُلِّقَ بِهِ الْوُجُوبَ فِي الزَّوَالِ هُوَ مَا يَظْهَرُ لِلنَّاسِ لَا الزَّوَالُ الَّذِي لَا يُدْرَكُ بِالْحِسِّ، وَإِنَّمَا يُدْرَكُ بِالْحِسَابِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الزَّوَالِ الَّذِي يَظْهَرُ لِلنَّاسِ رُؤْيَتُهُ فَإِذَا تَحَقَّقَ بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ الزَّوَالُ الْمَذْكُورُ بِحَيْثُ إنَّهُ لَوْ تَأَمَّلَ الْحِسُّ لَأَدْرَكَهُ كَفَى ذَلِكَ،
وَلَوْ كَانَ هُنَا غَيْمٌ يَمْنَعُ مِنْ رُؤْيَتِهِ
وَكَذَا الْقَوْلُ فِي غَرُوبِ الشَّمْسِ وَالشَّفَقِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ بَلْ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِ الْيَوَاقِيتِ فِي عِلْمِ الْمَوَاقِيتِ وَهُوَ كِتَابٌ يَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَبِالْأَهِلَّةِ:
وَالْمَشْهُورُ أَنَّ بَعْضَ الْأَوْلِيَاءِ ادَّعَى أَنَّهُ سَمِعَ حَرَكَةَ الشَّمْسِ لِلزَّوَالِ فَصَلَّى هُوَ وَجَمَاعَةٌ الظُّهْرَ، وَلَمْ تَزُلْ الشَّمْسُ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ إلَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ فِي تِلْكَ وَقَالَ إنَّ الْحَقَّ أَنَّهُ يَجِبُ قَضَاؤُهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - كَلَّفَ بِالصَّلَاةِ بِالرُّؤْيَةِ الظَّاهِرِيَّةِ وَلَا يَكُونُ الزَّوَالُ الَّذِي لَا تَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا الْمَلَائِكَةُ وَخَوَاصُّ الْأَوْلِيَاءِ بِطَرِيقِ الْكَشْفِ سَبَبًا لِلتَّكْلِيفِ أَلْبَتَّةَ،
قَالَ: وَلَوْ طَارَ وَلِيُّ اللَّهِ - تَعَالَى - إلَى جِهَةِ السَّمَاءِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِسَاعَةٍ فَإِنَّهُ يَرَى الْفَجْرَ فِي مَكَانِهِ بَلْ رُبَّمَا رَأَى الشَّمْسَ وَمَعَ ذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الصُّبْحِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ الْفَجْرَ الَّذِي نَصَبَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - سَبَبًا لِوُجُوبِ الصُّبْحِ إنَّمَا هُوَ الْفَجْرُ الَّذِي نَرَاهُ عَلَى سَطْحِ الْأَرْضِ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إذَا عُلِمَ دُخُولُ الْوَقْتِ بِشَيْءٍ مِنْ الْآلَاتِ الْقَطْعِيَّةِ مِثْلَ الْأَسْطُرْلَابِ وَالرُّبْعِ وَالْخَيْطِ الْمَنْصُوبِ عَلَى خَطٍّ وَسَطَ السَّمَاءِ فَإِنَّ ذَلِكَ كَافٍ فِي مَعْرِفَةِ الْوَقْتِ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى مُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الْمَنَازِلِ طَالِعَةً، أَوْ مُتَوَسِّطَةً فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَرَبَّصَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ دُخُولَ الْوَقْتِ؛
لِأَنَّ مُجَرَّدَ رُؤْيَةِ الْمَنْزِلَةِ طَالِعَةً، أَوْ مُتَوَسِّطَةً لَا تُفِيدُ بِمَعْرِفَةِ الْوَقْتِ تَحْقِيقًا إنَّمَا هُوَ تَقْرِيبٌ
بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَ تَوَسُّطَ كَوْكَبٍ مَعْلُومٍ بِالْخَيْطِ الْمَذْكُورِ وَعَلِمَ مَطَالِعَهُ وَأَنَّهُ يَتَوَسَّطُ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، أَوْ الْعِشَاءِ فَهَذَا يُفِيدُ مَعْرِفَةَ دُخُولِ الْوَقْتِ تَحْقِيقًا فَيُعْتَمَدُ ذَلِكَ وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْبُرْزُلِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
(الثَّانِي) يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمُؤَذِّنِ الْعَدْلِ الْعَارِفِ وَقَبُولُ قَوْلِهِ مُطْلَقًا أَيْ فِي الصَّحْوِ وَالْغَيْمِ قَالَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ وَصَاحِبُ الذَّخِيرَةِ وَالْبَرْزَلِيِّ وَابْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُمْ
قَالَ فِي الطِّرَازِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى وَقْتِ الظُّهْرِ
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَلَّدَ فِي الْوَقْتِ مَنْ هُوَ مَأْمُونٌ عَلَى الْأَوْقَاتِ كَمَا تُقَلَّدُ فِيهِ أَئِمَّةُ الْمَسَاجِدِ، وَلَمْ يَزَلْ الْمُسْلِمُونَ مِنْ جَمِيعِ الْأَعْصَارِ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ يُهْرَعُونَ إلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ الْإِقَامَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَبِرَ كُلُّ مَنْ يُصَلِّي قِيَاسَ الظِّلِّ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ فِي الطِّرَازِ
وَيَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَأْمُونِ كَأَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ الْمُسْلِمُونَ يُهْرَعُونَ لِلصَّلَاةِ عِنْدَ الْإِقَامَةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ مِقْيَاسٍ،
وَكَذَلِكَ الْمُؤَذِّنُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْمُؤَذِّنُونَ أُمَنَاءُ» انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَائِلِهِ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا قَبُولُ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ الْعَدْلِ الْعَارِفِ مُطْلَقًا أَيْ: فِي الْغَيْمِ وَالصَّحْوِ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ إذَا كَانَ عَارِفًا بِالْأَوْقَاتِ بِالْآلَاتِ مِثْلَ الرَّمْلِيَّاتِ وَالْمُنْقَالَاتِ وَغَيْرِهَا نُصَّ عَلَى هَذَا الْعُمُومِ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ وَغَيْرِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الْحَادِي وَالسَّبْعِينَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ أَنْ يَكُونَ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ لِجَوَازِ التَّقْلِيدِ فِي الْأَوْقَاتِ
قَالَ فِي الطِّرَازِ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي الْأَوْقَاتِ إلَّا الزَّوَالَ؛ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ يُسْتَغْنَى فِيهِ عَنْ التَّقْلِيدِ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) وَلَيْسَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ الْمُتَقَدِّمِ اسْتِثْنَاءُ الظُّهْرِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِهَا فِي الذَّخِيرَةِ وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ اسْتِثْنَاءَ الظُّهْرِ مِنْ الْقَرَافِيِّ عَنْ ابْنِ الْقَصَّارِ وَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْ نُسْخَتِي مِنْ الْفُرُوقِ وَذَكَرَ ابْنُ الْقَصَّارِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْقَرَافِيُّ مَنَعَ ابْنَ الْقَصَّارِ التَّقْلِيدَ فِي دُخُولِ وَقْتِهَا،
وَلَوْ لِعَامِّيٍّ لِوُضُوحِهِ فَأَوْرَدَ وَقْتَ الْمَغْرِبِ فَيُجَابُ بِأَنَّ وُضُوحَ وَقْتِ الظُّهْرِ لِتَأْخِيرِهَا عَنْ الزَّوَالِ، وَالْمَغْرِبُ الْمَطْلُوبُ إيقَاعُهَا إثْرِهِ
وَيَجِبُ كَوْنُ الْجُمُعَةِ كَالْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَبُ إيقَاعُهَا عَقِبَ الزَّوَالِ كَمَا سَيَأْتِي انْتَهَى.
وَنَصُّ مَا فِي الْكِتَابِ ابْنُ يُونُسَ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ
وَيَجُوزُ تَصْدِيقُ الْمُؤَذِّنِ الْعَدْلِ الْعَارِفِ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ قَالَ: وَإِنْ سَمِعَ الْأَذَانَ وَهُوَ يَأْكُلُ وَلَا عِلْمَ لَهُ بِالْفَجْرِ فَلْيَكُفَّ وَلْيَسْأَلْ الْمُؤَذِّنَ عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَيَعْمَلُ عَلَى قَوْلِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عَدْلًا، وَلَا عَارِفًا فَلْيَقْضِ انْتَهَى.
ثُمَّ ذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الصَّلَاةِ عَنْ السُّيُورِيِّ مَا نَصُّهُ: يَلْزَمُ كُلَّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى إقَامَةِ الْحَقِّ إقَامَتُهُ وَمِنْ إقَامَةِ الْحَقِّ أَنْ يُوَكِّلَ بِالْأَوْقَاتِ مَنْ يَفْهَمُ وَيَعْرِفُ الْأَوْقَاتَ كُلَّهَا مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ سَبْقِهِ فَإِنْ انْتَهَوْا وَإِلَّا تُوُعِّدُوا فَإِنْ عَادُوا سُجِنُوا
وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ: وَمَنْ تَعَدَّى بَعْدَ النَّهْيِ عُوقِبَ،
ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ التُّونُسِيِّ إنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا، أَوْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ وَلَا يُقْتَدَى بِهِ وَيُنْهَى أَنْ يَبْتَدِئَ بِالْأَذَانِ أَشَدَّ النَّهْيِ فَإِنْ عَادَ أُدِّبَ أَدَبًا وَجِيعًا وَقَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ وَمَنْ صَلَّى بِتَقْلِيدِهِ لَمْ تُجْزِهِ صَلَاتُهُ انْتَهَى. فَتَحَرَّرَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي الْأَوْقَاتِ لِمَنْ كَانَ عَدْلًا عَارِفًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي الْمَدْخَلِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ مَعْرِفَةَ الْأَوْقَاتِ فَرْضٌ فِي حَقِّ كُلِّ مُكَلَّفٍ انْتَهَى.
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهَا وَلَكِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ حَتَّى يَعْرِفَ أَنَّ الْوَقْتَ دَخَلَ
إمَّا بِالطُّرُقِ الْمُوَصِّلَةِ لِذَلِكَ أَوْ بِتَقْلِيدِ مَنْ هُوَ عَدْلٌ عَارِفٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي الطِّرَازِ: إذَا كَانَتْ السَّمَاءُ مُغَيِّمَةً، وَلَمْ تَظْهَرْ الشَّمْسُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ الْوَقْتَ انْتَهَى.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ إذَا امْتَنَعَ الِاسْتِدْلَال بِتَزَايُدِ الظِّلِّ تَكُونُ الشَّمْسُ مَحْجُوبَةً بِالْغَيْبِ رَجَعَ ذَلِكَ إلَى أَهْلِ الصِّنَاعَاتِ فَإِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ قَدْرَ مَا مَضَى لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مِنْ أَوَّلِ نَهَارِهِمْ إلَى زَوَالِ الشَّمْسِ فِي يَوْمِ الصَّحْوِ فَيَقِيسُونَ يَوْمَهُمْ بِأَمْسِهِمْ فَيَعْرِفُونَ بِذَلِكَ الْوَقْتَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ مَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ فَلْيَجْتَهِدْ وَيَسْتَدِلَّ بِمَا يُغَلِّبُ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولَهُ وَإِنْ خَفِيَ عَلَيْهِ ضَوْءُ الشَّمْسِ فَلْيَسْتَدِلَّ بِالْأَوْرَادِ وَأَعْمَالِ أَرْبَابِ الصِّنَاعَاتِ وَشِبْهِ ذَلِكَ وَيَحْتَاطُ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَخْبَرَنِي مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ فِي الْغَيْمِ تَأْخِيرَ الظُّهْرِ وَتَعْجِيلَ الْعَصْرِ وَتَأْخِيرَ الْمَغْرِبِ حَتَّى لَا يَشُكَّ فِي اللَّيْلِ وَتَعْجِيلَ الْعِشَاءِ إلَّا أَنَّهُ يَتَحَرَّى ذَهَابَ الْحُمْرَةِ وَتَأْخِيرَ الصُّبْحِ حَتَّى لَا يَشُكَّ فِي الْفَجْرِ
ثُمَّ إنْ وَقَعَتْ صَلَاتُهُ فِي الْوَقْتِ، أَوْ بَعْدَهُ فَلَا قَضَاءَ،
وَإِنْ وَقَعَتْ قَبْلَهُ قَضَاهُ كَالِاجْتِهَادِ فِي طَلَبِ شَهْرِ رَمَضَانَ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ إذَا حَصَلَ الْغَيْمُ أَخَّرَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ، وَلَا يُكْتَفَى بِالظَّنِّ
بِخِلَافِ الْقِبْلَةِ، وَالْفَرْقُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْوُصُولَ إلَى الْيَقِينِ مُمْكِنٌ فِي الْوَقْتِ
بِخِلَافِ الْقِبْلَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْقِبْلَةَ يَجُوزُ تَرْكُهَا فِي الْخَوْفِ وَالنَّافِلَةِ بِخِلَافِ الْوَقْتِ انْتَهَى.
وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدُ بَيَانٍ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَإِنْ شَكَّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ لَمْ تَجُزْ،
وَلَوْ وَقَعَتْ فِيهِ.
(الرَّابِعُ) لَا خِلَافَ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الظُّهْرِ زَوَالُ الشَّمْسِ وَأَنَّهَا لَا تَجِبُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَا تُجْزِئُ فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ، وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي إشْرَافِهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، أَوْ غَيْرَهُ كَانَ يَقُولُ تُجْزِئُ قَبْلَ الزَّوَالِ
قَالَ فِي الطِّرَازِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ وَالْإِجْمَاعُ بِخِلَافِهِ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ دُلُوكُ الشَّمْسِ إذَا فَاءَ الْفَيْءُ وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ انْتَهَى. قَالَ الْمَازِرِيُّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي قَوْله تَعَالَى:{أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غُرُوبُهَا وَمَذْهَبُنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ زَوَالُ الشَّمْسِ وَمَيْلُهَا عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ مُغَرِّبَةً.
(الْخَامِسُ) وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أَنَّ مُدَّةَ الدَّجَّالِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَأَنَّ فِيهَا يَوْمًا كَسَنَةٍ وَيَوْمًا كَشَهْرٍ وَيَوْمًا كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِنَا فَقَالَ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَيَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ قَالَ: لَا، اُقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ» قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا حُكْمٌ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ الْيَوْمِ شَرَعَهُ لَنَا صَاحِبُ الشَّرْعِ
قَالَ: وَلَوْ وُكِلْنَا إلَى اجْتِهَادِنَا لَاقْتَصَرْنَا فِيهِ عَلَى الصَّلَوَاتِ عِنْدَ الْأَوْقَاتِ الْمَعْرُوفَةِ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَيَّامِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ النَّوَوِيُّ وَقَبِلَهُ وَقَالَ بَعْدَهُ وَمَعْنَى اُقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ أَنَّهُ إذَا مَضَى بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَدْرُ مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الظُّهْرِ كُلَّ يَوْمٍ فَصَلُّوا الظُّهْرَ ثُمَّ إذَا مَضَى بَعْدَهُ قَدْرُ مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَصْرِ فَصَلُّوا الْعَصْرَ فَإِذَا مَضَى بَعْدَهَا قَدْرُ مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ فَصَلُّوا الْمَغْرِبَ
وَكَذَا الْعِشَاءُ وَالصُّبْحُ، وَهَكَذَا إلَى أَنْ يَنْقَضِيَ ذَلِكَ الْيَوْمُ وَقَدْ وَقَعَ فِيهِ صَلَوَاتُ سُنَّةٍ كُلُّهَا فَرَائِضُ مُؤَدَّاةٌ فِي وَقْتِهَا،
وَأَمَّا الْيَوْمُ الثَّانِي الَّذِي كَشَهْرٍ وَالثَّالِثُ الَّذِي كَجُمُعَةٍ فَقِيَاسُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ أَنْ يُقْدَرَ لَهُمَا كَالْيَوْمِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ انْتَهَى.
وَمِثْلُ ذَلِكَ الْأَيَّامُ الَّتِي تُحْجَبُ الشَّمْسُ فِيهَا عَنْ الطُّلُوعِ عِنْدَ إرَادَةِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - طُلُوعَهَا مِنْ مَغْرِبِهَا ذَكَرَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْأَلْغَازِ وَقَالَ هَذَا الْحُكْمُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّارِعُ.
(قُلْتُ:) وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِ الْيَوَاقِيتِ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ فِي قُطْرٍ يَطْلُعُ فِيهِ الْفَجْرُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّفَقِ قَالَ فَكَيْفَ يُصْنَعُ بِالْعِشَاءِ؟ وَهَلْ تُصَلَّى الصُّبْحُ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ؟ وَهَلْ يُحْكَمُ عَلَى الْعِشَاءِ بِالْقَضَاءِ؟ فَذَكَرَ عَنْ إمَام الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ قَالَ لَا تُصَلَّى الْعِشَاءُ حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ، وَلَا تَكُونُ قَضَاءً لِبَقَاءِ وَقْتِهَا وَيَتَحَرَّى بِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَجْرَ مَنْ يَلِيهِمْ مِنْ الْبِلَادِ، وَلَا يُعْتَبَرُ الْفَجْرُ الَّذِي لَهُمْ انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ وَكَأَنَّهُ ارْتَضَاهُ.
(السَّادِسُ) قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِ الْيَوَاقِيتِ: مَسْأَلَةٌ مِنْ نَوَادِرِ أَحْكَامِ الْأَوْقَاتِ: إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ بِبَلَدٍ مِنْ بِلَادِ الْمَشْرِقِ وَفِيهَا وَلِيٌّ فَطَارَ إلَى بَلَدٍ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ فَوَجَدَ الشَّمْسَ كَمَا طَلَعَتْ فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ مُخَاطَبٌ بِزَوَالِ الْبَلَدِ الَّذِي يُوقِعُ فِيهَا الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ أَهْلِهَا انْتَهَى.
(قُلْتُ:) وَانْظُرْ عَلَى هَذَا لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ فِي الْبَلَدِ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ فِيهِ الشَّمْسُ ثُمَّ جَاءَ إلَى الْبَلَدِ الْآخَرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُخَاطَبًا بِزَوَالِ الْبَلَدِ الَّذِي أَوْقَعَ فِيهَا الصَّلَاةَ وَسَقَطَ عَنْهُ الْوُجُوبُ بِإِيقَاعِهَا فِيهِ، وَلَمْ يُكَلِّفْ اللَّهُ بِصَلَاةٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ فَانْظُرْهُ.
(السَّابِعُ) يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِغَيْرِ ظِلِّ الزَّوَالِ أَنَّ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ سُمِّيَ ظِلًّا وَهُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ فَالظِّلُّ يُطْلَقُ عَلَى مَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَعَلَى مَا بَعْدَهُ وَالْفَيْءُ لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى مَا بَعْدَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ فَاءَ أَيْ: رَجَعَ مِنْ جَانِبٍ إلَى جَانِبٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ الظِّلَّ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَعَلَى هَذَا اقْتَصَرَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَاعْتَرَضَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَكَلَامُ الصِّحَاحِ يَقْتَضِي أَنَّ فِي ذَلِكَ خِلَافًا.
(الثَّامِنُ) إذَا عَلِمَ ظِلَّ الزَّوَالِ عَلِمَ وَقْتَ الْعَصْرِ بِزِيَادَةِ قَامَةٍ عَلَيْهِ،
وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَعْلَمْ ظِلَّ الزَّوَالِ فَنَقَلَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ وَابْنُ رَاشِدٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي زَيْدٍ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَامَ مُنْتَصِبًا وَأَغْلَقَ أَصَابِعَ يَدَيْهِ وَجَعَلَهَا عَلَى تَرْقُوَتِهِ وَخِنْصَرَهُ عَلَيْهَا وَذَقَنَهُ عَلَى إبْهَامِهَا وَاسْتَقْبَلَ الشَّمْسَ قَائِمًا لَا يَرْفَعُ حَاجِبَهُ فَإِنَّهُ إذَا رَأَى قُرْصَ الشَّمْسِ فَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ،
وَإِنْ رَآهَا عَلَى حَاجِبِهِ فَهُوَ بَعْدُ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ فِي الرِّسَالَةِ بِقَوْلِهِ: وَقِيلَ: إذَا اسْتَقْبَلْتَ الشَّمْسَ بِوَجْهِكَ إلَخْ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(ص) الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ لِلظُّهْرِ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ لِآخِرِ الْقَامَةِ (ش) بَدَأَ الْمُؤَلِّفُ بِبَيَانِ الْوَقْتِ الشَّرْعِيِّ وَبَدَأَ مِنْهُ بِاخْتِيَارَيْهِ وَبَدَأَ مِنْ الصَّلَاةِ بِالظُّهْرِ لِأَنَّهَا «أَوَّلُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَبِيحَةَ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ» وَالْمَعْنَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الظُّهْرِ مِنْ مَيْلِ قُرْصِ الشَّمْسِ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ إلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ بِأَنْ يُقَامَ عُودٌ مُسْتَقِيمٌ فَإِنْ تَنَاهَى الظِّلُّ فِي النُّقْصَانِ وَشَرَعَ فِي الزِّيَادَةِ فَذَلِكَ وَقْتُ الزَّوَالِ وَيَنْتَهِي آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ الْمُخْتَارُ لِآخِرِ الْقَامَةِ وَقَامَةُ الْإِنْسَانِ سَبْعَةُ أَقْدَامٍ بِقَدَمِ نَفْسِهِ أَوْ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ بِذِرَاعِهِ (ص) بِغَيْرِ ظِلِّ الزَّوَالِ (ش) يَعْنِي أَنَّ الظِّلَّ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ لَا اعْتِدَادَ بِهِ فِي الْقَامَةِ بَلْ يُعْتَبَرُ ظِلُّ الْقَامَةِ مُفْرَدًا عَنْ الزِّيَادَةِ فَقَوْلُهُ لِلظُّهْرِ حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي الْخَبَرِ وَلِآخِرِ مُتَعَلِّقٌ بِمَا تَعَلَّقَ بِهِ الْخَبَرُ وَبِغَيْرِ حَالٍ مِنْ ضَمِيرٍ مُتَعَلِّقِ الْخَبَرِ أَيْ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ كَائِنٌ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ حَالَ كَوْنِهِ كَائِنًا لِلظُّهْرِ كَائِنٌ لِآخِرِ الْقَامَةِ حَالَ كَوْنِهِ كَائِنًا بِغَيْرِ ظِلِّ الزَّوَالِ وَأَفْهَمَ قَوْلُ الْمُؤَلِّفِ بِغَيْرِ ظِلِّ الزَّوَالِ أَنَّ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ يُسَمَّى ظِلًّا وَهُوَ مُرْتَضَى النَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ كَمَا يُسَمَّى فَيْئًا وَمَا قَبْلَهُ ظِلٌّ فَقَطْ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: الْوَقْتُ الشَّرْعِيُّ) أَيْ الْمُقَدَّرِ لِلْعِبَادَاتِ لَا الْمُقَدَّرِ لِغَيْرِهَا مِنْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ مُطَالَعَةٍ، فَإِنَّهَا وَقْتٌ عَادِيٌّ وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَقْتَ مَأْخُوذٌ مِنْ التَّوْقِيتِ وَهُوَ التَّحْدِيدُ وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الزَّمَانِ فَكُلُّ وَقْتٍ زَمَانٌ وَلَيْسَ كُلُّ زَمَنٍ وَقْتًا، وَالزَّمَانُ لُغَةً الْمُدَّةُ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَاصْطِلَاحًا مُقَارَنَةُ مُتَجَدِّدٍ مَوْهُومٍ لِمُتَجَدِّدٍ مَعْلُومٍ إزَالَةً لِلْإِيهَامِ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ إذَا اقْتَرَنَ خَفِيٌّ بِجَلِيٍّ سُمِّيَ الْجَلِيُّ زَمَانًا نَحْوُ جَاءَ زَيْدٌ طُلُوعَ الشَّمْسِ
وَقِيلَ الزَّمَانُ مِقْدَارُ حَرَكَةِ الْفَلَكِ،
وَأَمَّا الْيَوْمُ فَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي يَقَعُ بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا،
وَأَمَّا اللَّيْلُ فَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي يَقَعُ بَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَطُلُوعِهَا
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا جِبْرِيلُ إلَخْ) وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ ظَهَرَتْ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حِكْمَةِ الْأَوَّلِيَّةِ احْتِيَاجُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلَى تَعْلِيمِ جِبْرِيلَ لِكَيْفِيَّتِهَا، وَالتَّعْلِيمُ فِي أَظْهَرِ الْأَوْقَاتِ أَظْهَرُ وَأَبْلَغُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يُقَامَ عُودٌ إلَخْ) كَأَنَّهُ يَقُولُ وَيُصَوِّرُ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: وَشَرَعَ فِي الزِّيَادَةِ) وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ بَيِّنَةً
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ كُلَّمَا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ نَقَصَ الظِّلُّ،
فَإِذَا وَصَلَتْ وَسَطَ السَّمَاءِ وَهِيَ حَالَةُ الِاسْتِوَاءِ كَمُلَ نُقْصَانُهُ وَبَقِيَتْ مِنْهُ بَقِيَّةٌ وَقَدْ لَا تَبْقَى وَذَلِكَ بِمَكَّةَ وَزُبَيْدٍ مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمَيْنِ أَحَدُهُمَا أَطْوَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ، وَالْآخَرُ قَبْلَهُ بِسِتَّةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَبِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ يَوْمٌ فِي السَّنَةِ وَهُوَ أَطْوَلُ يَوْمٍ فِيهَا،
فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ بِجَانِبِ الْمَغْرِبِ حَدَثَ الْفَيْءُ مِنْ جَانِبِ الْمَشْرِقِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَزَادَ إنْ كَانَ وَتَحَوَّلَ لِجِهَةِ الْمَشْرِقِ فَحُدُوثُهُ أَوْ زِيَادَتُهُ هُوَ الزَّوَالُ وَقَوْلُهُ بِغَيْرِ ظِلِّ الزَّوَالِ سَالِبَةٌ تَصْدُقُ بِنَفْيِ الْمَوْضُوعِ فَيَدْخُلُ الْإِقْلِيمُ الَّذِي لَا ظِلَّ لِلزَّوَالِ كَالْإِقْلِيمِ الَّذِي فِي خَطِّ الِاسْتِوَاءِ
(قَوْلُهُ: الْمُخْتَارُ) أَيْ الَّذِي أَوْقَعَ الصَّلَاةَ فِيهِ إلَى خِيرَةِ الْمُكَلَّفِ أَيْ أَنَّ الْمُكَلَّفَ مُخَيَّرٌ فِي إيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي أَيِّ جَزْءٍ مِنْهُ مَعَ التَّوْسِعَةِ مِنْ غَيْرِ تَحْجِيرٍ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: سَبْعَةُ أَقْدَامٍ) هَذَا هُوَ الْأَجْوَدُ
وَقِيلَ سِتَّةُ أَقْدَامٍ وَثُلُثَا قَدَمٍ
وَقِيلَ سِتَّةُ أَقْدَامٍ وَنِصْفٌ
(قَوْلُهُ: مُفْرَدًا عَنْ الزِّيَادَةِ) ، وَالْأَوْضَحُ أَنْ يَقُولَ مُفْرَدًا عَمَّا زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ.
(قَوْلُهُ حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي الْخَبَرِ) نَاظِرٌ لَهُ بَعْدَ حَذْفِ الْمُتَعَلِّقِ وَتَحَمَّلَ الْجَارُّ، وَالْمَجْرُورُ الضَّمِيرَ،
وَأَمَّا قَوْلُهُ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ مُتَعَلِّقِ الْخَبَرِ فَنَاظِرٌ لَهُ قَبْلَ حَذْفِ الْمُتَعَلِّقِ إلَّا أَنَّ الْمُتَعَلِّقَ قَدْ حُذِفَ فَمَا يَكُونُ إلَّا كَوْنُهُ حَالًا مِنْ الضَّمِيرِ فِي الْخَبَرِ لَا غَيْرُ ثُمَّ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّارِحِ مُتَعَلِّقٌ بِمَا تَعَلَّقَ بِهِ الْخَبَرُ يُؤْذِنُ بِاتِّحَادِ مُتَعَلِّقٍ مِنْ زَوَالٍ وَلِآخِرِ الْقَامَةِ وَعِنْدَ الْبَيَانِ تَبَيَّنَ مِنْهُ أَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِهِ لِآخِرِ الْقَامَةِ غَيْرُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ لِأَنَّهُ قَالَ كَائِنٌ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ ثُمَّ قَالَ كَائِنٌ لِآخِرِ الْقَامَةِ وَكَأَنَّهُ لَمَّا اتَّحَدَ اللَّفْظَانِ صَارَا بِمَثَابَةِ لَفْظٍ وَاحِدٍ تَعَلَّقَ بِهِ الْمَجْرُورَانِ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخَبَرَ مَجْمُوعُ الْكَائِنَيْنِ لِأَنَّهُ الَّذِي تَتِمُّ بِهِ الْفَائِدَةُ وَهُنَاكَ حَلٌّ أَسْهَلُ وَهُوَ أَنَّ الظُّهْرَ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَقْتِ أَوْ الْمُخْتَارِ وَهُوَ أَوْلَى وَقَوْلَهُ: مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ وَتُكْرَهُ الْإِقَامَةُ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْآذَانِ قَوْلُهُ: لِآخِرِ الْقَامَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ وَانْتِهَاؤُهُ وَلِآخِرِ الْقَامَةِ وَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ لِآخِرِ ظِلِّ الْقَامَةِ فَاللَّامُ بِمَعْنَى إلَى لِأَنَّ مِنْ الَّتِي لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ يُقَابِلُهَا إلَى الَّتِي لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ، وَالْغَايَةُ دَاخِلَةٌ وَأَلْ فِي الْقَامَةِ لِلْجِنْسِ أَيْ لِآخِرِ جِنْسِ كُلِّ قَامَةٍ تُفْرَضُ
(قَوْلُهُ: كَمَا يُسَمَّى فَيْئًا إلَخْ) مَعْنَى الظِّلِّ السِّتْرُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ أَنَا فِي ظِلِّك وَمِنْهُ ظِلُّ الْجَنَّةِ وَإِنَّمَا سُمِّيَ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ فَيْئًا لِأَنَّهُ ظِلٌّ فَاءَ مِنْ جَانِبٍ إلَى جَانِبٍ أَيْ رَجَعَ، وَالْفَيْءُ الرُّجُوعُ وَمُقَابِلُهُ مَا ارْتَضَاهُ النَّوَوِيُّ أَنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ فَمَا كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَهُوَ ظِلٌّ وَمَا بَعْدَهُ فَهُوَ فَيْءٌ فَقَطْ.
(بَابٌ) الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ لِلظُّهْرِ. مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ لِآخِرِ الْقَامَةِ [منح الجليل] [بَابٌ فِي بَيَان أَوْقَات الصَّلَوَات الْخَمْس] (بَابٌ) فِي بَيَانِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَشُرُوطِ صِحَّتِهَا وَفَرَائِضِهَا وَسُنَنِهَا وَمَنْدُوبَاتِهَا وَمَكْرُوهَاتِهَا وَأَحْكَامِ السَّهْوِ عَنْهَا أَوْ فِيهَا وَفِعْلِهَا فِي جَمَاعَةٍ وَقَصْرِهَا وَجَمْعِهَا وَشُرُوطِ الْجُمُعَةِ وَالسُّنَنِ وَالنَّفَلِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالتَّغْسِيلِ وَالتَّكْفِينِ وَالدَّفْنِ وَمَا يُنَاسِبُهَا. (الْوَقْتُ) أَيْ الزَّمَنُ الْمُقَدَّرُ لِلصَّلَاةِ مِنْ الشَّارِعِ، وَمَعْرِفَتُهُ بِدَلِيلٍ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَمُطْلَقُ الْجَزْمِ بِهِ شَرْطُ صِحَّةٍ، وَغَلَبَةُ الظَّنِّ كَافِيَةٌ عِنْدَ صَاحِبِ الْإِرْشَادِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَنَعْتُ " الْوَقْتُ " (الْمُخْتَارُ) أَيْ الَّذِي خَيَّرَ الشَّارِعُ الْمُكَلَّفَ فِي فِعْلِ الصَّلَاةِ فِي أَيْ جُزْءٍ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ تَأْثِيمِهِ وَإِنْ كَانَ أَوَّلُهُ أَفْضَلَ ثُمَّ وَسَطُهُ ثُمَّ آخِرُهُ. (لِلظُّهْرِ) بَدَأَ بِهَا لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ ظَهَرَتْ فِي الْإِسْلَامِ، ابْتِدَاؤُهُ (مِنْ زَوَالِ) إي انْتِقَالِ (الشَّمْسِ) مِنْ آخِرِ أَوَّلِ أَعْلَى دَرَجَاتِ دَائِرَتِهَا الْمَارَّةِ عَلَيْهَا فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ثَانِي أَعْلَى دَرَجَاتِهَا، وَيُعْرَفُ بِأَخْذِ الظِّلِّ فِي الزِّيَادَةِ عَقِبَ تَنَاهِي نَقْضِهِ وَسِيلَةً مِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ إلَى جِهَةِ الْمَشْرِقِ وَذَلِكَ أَنَّ الشَّمْسَ إذَا طَلَعَتْ مِنْ الْمَشْرِقِ ظَهَرَ لِكُلِّ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ عَلَى الْأَرْضِ ظِلٌّ مُمْتَدٌّ إلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ وَكُلَّمَا تَرْتَفِعُ الشَّمْسُ يَنْقُصُ الظِّلُّ فَإِذَا بَلَغَتْ أَعْلَى دَرَجَاتِ الدَّائِرَةِ الْيَوْمِيَّةِ الَّتِي مَرَّتْ عَلَيْهَا الشَّمْسُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ انْتَهَى تَنَاقُصُ الظِّلِّ مَا دَامَتْ الشَّمْسُ فِي تِلْكَ الدَّرَجَةِ، وَهِيَ أَعْلَى دَرَجَاتِ نِصْفِهَا الْغَرْبِيِّ مَالَ الظِّلُّ مِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ إلَى جِهَةِ الْمَشْرِقِ وَأَخَذَ فِي التَّزَايُدِ.
فَالِانْتِقَالُ الْمَذْكُورُ هُوَ الزَّوَالُ وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ الْمُخْتَارِ ابْنُ عَرَفَةَ: زَوَالُ الشَّمْسِ كَوْنُهَا بِأَوَّلِ ثَانِي أَعْلَى دَرَجَاتِ دَائِرَتِهَا يُعْرَفُ بِزِيَادَةِ أَقَلِّ ظِلِّهَا وَيَنْتَهِي آخِرُ مُخْتَارِ الظُّهْرِ. (لِآخِرِ) ظِلِّ (الْقَامَةِ) أَيْ الشَّيْءِ الْقَائِمِ عَلَى الْأَرْضِ الْمُسْتَوِيَةِ قِيَامًا مُعْتَدِلًا آدَمِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ بِأَنْ يَصِيرَ ظِلُّهَا مُسَاوِيًا لَهَا فِي الطُّولِ، وَطُولُ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْ مُنْتَهَى قَدَمِهِ إلَى مُنْتَهَى رَأْسِهِ سَبْعَةُ أَقْدَامٍ بِقَدَمِ نَفْسِهِ، وَأَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ كَذَلِكَ مِنْ آخِرِ مِرْفَقِهِ إلَى آخِرِ أُصْبُعِهِ بِغَيْرِ ظِلِّ الزَّوَالِ [منح الجليل] الْوُسْطَى فَالْمَعْنَى إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ قَائِمٍ مُسَاوِيًا لَهُ فِيهِ. (بِغَيْرِ ظِلِّ) هَا حِينَ (الزَّوَالِ) أَيْ زَائِدًا عَلَيْهِ فَبَدَأَ ظِلُّ الْقَامَةِ مِنْ حِينِ أَخْذِهِ فِي الزِّيَادَةِ
وَأَمَّا ظِلُّهَا الَّذِي تَنَاهَى النَّقْصُ إلَيْهِ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِظِلِّ الزَّوَالِ فَلَا يُحْسَبُ مِنْ ظِلِّ الْقَامَةِ الْمُقَدَّرِ بِهِ وَقْتُ الظُّهْرِ، وَظِلُّ الزَّوَالِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْهُرِ الشَّمْسِيَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ الْعَجَمِيَّةِ.
وَمِنْهَا الْقِبْطِيَّةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي مِصْرَ وَهِيَ تُوتْ فَبَابَهْ فَهَاتُورْ فَكِيهَكُ فَطُوبَهْ فَأَمْشِيرْ فَبَرَمْهَاتْ فَبَرْمُودَهْ فَبَشَمْسْ فَبَئُونَهْ فَأَبِيبْ فَمِسْرَى كُلُّ شَهْرٍ مِنْهَا ثَلَاثُونَ يَوْمًا وَيُزَادُ عَلَيْهَا خَمْسَةُ أَيَّامٍ فِي السَّنَةِ الْبَسِيطَةِ وَسِتَّةُ أَيَّامٍ فِي السَّنَةِ الْكَبِيسَةِ.
فَمَجْمُوعُ أَيَّامِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ أَوْ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ يَوْمًا وَضَبَطُوا أَقْدَامَ ظِلِّ الزَّوَالِ فِيهَا بِقَوْلِهِمْ ط ز هـ ج ب اا ب د وح ى، الْحَطّ: هُوَ لِعَرْضِ مَرَاكِشَ وَمَا قَارَبَهَا وَابْتِدَاؤُهُ مِنْ يُنِيرْ وَالْمُوَافِقُ لَهُ أَمْشِيرْ فَأَقْدَامُ ظِلِّ الزَّوَالِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهُ تِسْعَةٌ بِتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ وَفِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ بَرْمَهَاتْ سَبْعَةٌ بِتَقْدِيمِ السِّينِ وَفِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ بَرْمُودَهْ خَمْسَةٌ وَفِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ بَشَمْسْ ثَلَاثَةٌ وَفِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ بَئُونَهْ اثْنَانِ وَفِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ أَبِيبْ وَاحِدٌ.
وَكَذَا فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ مِسْرَى وَفِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ تُوتْ اثْنَانِ وَفِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ بَابَهْ أَرْبَعَةٌ وَفِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ هَاتُورْ سِتَّةٌ وَفِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ كَيْهَكْ ثَمَانِيَةٌ وَفِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ طُوبَهْ عَشَرَةٌ وَفِي حَاشِيَةِ السَّيِّدِ الْبُلَيْدِيِّ عَلَى شَرْحِ عبق وَرِسَالَةِ الْقَلْيُوبِيِّ جَرَيَانُهُ مِصْرَ وَابْتِدَاؤُهُ مِنْ طُوبَهْ فَلِأَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهَا تِسْعَةُ أَقْدَامٍ بِتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ وَهَكَذَا. . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] وَالشَّهْرَانِ الْمُتَجَاوِرَانِ إنْ تَسَاوَيَا فِي عِدَّةِ أَقْدَامِ ظِلِّ الزَّوَالِ كَأَبِيبْ وَمِسْرَى عَلَى كَلَامِ الْحَطّ وَكَبَئُونَهْ وَأَبِيبْ عَلَى كَلَامِ الْقَلْيُوبِيِّ فَأَقْدَامُ ظِلِّ الزَّوَالِ فِي أَوَّلِهِمَا لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَيَّامِهِ وَإِنْ تَفَاوَتَا فِيهَا فَيُقْسَمُ مَا تَفَاوَتَا بِهِ عَلَى تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ فَيُزَادُ لِكُلِّ يَوْمٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ عَلَى أَقْدَامِ الْأَوَّلِ جُزْءٌ مِنْ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ مِمَّا بِهِ التَّفَاوُتُ إنْ كَانَ الشَّهْرُ الْمُتَأَخِّرُ زَائِدَ الْأَقْدَامِ وَيُنْقَصُ إنْ كَانَ نَاقِصَ الْأَقْدَامِ.
وَهَكَذَا حَتَّى تَصِيرَ أَقْدَامُ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ الْأَوَّلِ مُسَاوِيَةً لِأَقْدَامِ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ الَّذِي يَلِيهِ مَثَلًا عَلَى أَنَّ الضَّابِطَ لِعَرْضِ مِصْرَ وَالطَّاءَ لِطُوبَهْ وَالزَّايَ لِأَمْشِيرْ فَالتَّفَاوُتُ قَدَمَانِ نَاقِصَانِ فَيُنْقَصُ فِي كُلِّ يَوْمٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ مِنْ التِّسْعَةِ أَقْدَامٍ جُزْءٌ مِنْ قَدَمَيْنِ مَقْسُومَيْنِ عَلَى تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ وَإِنْ كَانَ التَّفَاوُتُ بِقَدَمَيْنِ زَائِدَيْنِ زِيدَ فِي كُلِّ يَوْمٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ عَلَى أَقْدَامِ الْأَوَّلِ جُزْءٌ مِنْ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ قَدَمَيْنِ وَإِنْ كَانَ بِقَدَمٍ فَاَلَّذِي يُزَادُ أَوْ يُنْقَصُ جُزْءٌ مِنْ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ قَدَمٍ.
وَيَنْعَدِمُ ظِلُّ الزَّوَالِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي عَرْضُهُ أَيْ بُعْدُ سَمْتِهِ مِنْ الْفَلَكِ عَنْ دَائِرَةِ الْمُعَدِّلِ مُسَاوٍ لِغَايَةِ مَيْلِ الشَّمْسِ فِي يَوْمٍ مِنْ السَّنَةِ كَمَدِينَةِ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ عَرْضُهَا أَيْ بُعْدُ مُسَامِتِهَا مِنْ الْفَلَكِ عَنْ دَائِرَةِ الِاعْتِدَالِ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً فِي الشَّمَالِ، وَغَايَةُ مَيْلِ الشَّمْسِ الشَّمَالِيِّ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً.
فَإِذَا كَانَتْ الشَّمْسُ فِي غَايَةِ مَيْلِهَا الشَّمَالِيِّ كَانَتْ مُسَامِتَةً لِلْمَدِينَةِ فَلَا يَبْقَى فِيهَا مِنْ ظِلِّ الْقَامَةِ شَيْءٌ حِينَ الزَّوَالِ وَذَلِكَ فِي آخِرِ بُرْجِ الْجَوْزَاءِ.
وَفِي الْبَلَدِ الَّذِي عَرْضُهُ أَقَلُّ مِنْ الْمَيْلِ الْأَعْظَمِ فِي يَوْمَيْنِ مِنْهَا كَمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ فَعَرْضُهَا إحْدَى وَعِشْرُونَ دَرَجَةً شَمَالِيَّةً فَإِذَا كَانَ مَيْلُ الشَّمْسِ كَذَلِكَ فَهِيَ عَلَى سَمْتِهَا فَلَا يَبْقَى مِنْ ظِلِّ الزَّوَالِ شَيْءٌ وَذَلِكَ فِي يَوْمَيْنِ يَوْمٍ قَبْلَ الْمَيْلِ الْأَعْظَمِ الشَّمَالِيِّ، وَهُوَ سَابِعُ الْجَوْزَاءِ، وَيَوْمٍ بَعْدَهُ وَهُوَ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ السَّرَطَانِ.
وَإِنْ كَانَ عَرْضُ الْبَلَدِ زَائِدًا عَلَى الْمَيْلِ الْأَعْظَمِ فَلَا يَنْعَدِمُ ظِلُّ الزَّوَالِ فِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ كَمِصْرِ إذْ عَرْضُهَا ثَلَاثُونَ دَرَجَةً شَمَالِيَّةً فَظِلُّ الزَّوَالِ فِيهَا مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِ أَيَّامِ السَّنَةِ وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ، لِلِاصْفِرَارِ. وَاشْتَرَكَا بِقَدْرِ إحْدَاهُمَا. وَهَلْ فِي آخِرِ الْقَامَةِ الْأُولَى أَوْ أَوَّلِ الثَّانِيَةِ؟ خِلَافٌ.
وَلِلْمَغْرِبِ غُرُوبُ الشَّمْسِ يُقَدَّرُ بِفِعْلِهَا بَعْدَ شُرُوطِهَا [منح الجليل] وَيَخْتَلِفُ قَدْرُهُ بِحَسَبِ قُرْبِ الشَّمْسِ مِنْهَا وَبُعْدِهَا عَنْهَا فَيَنْقُصُ بِقُرْبِهَا وَيَزِيدُ بِبُعْدِهَا لِأَنَّ الشَّمْسَ لَا تُسَامِتُهُمْ بَلَى هِيَ فِي جَنُوبِهِمْ دَائِمًا.
وافتَتَحَ المص الصلاة بذكر الوقت لتعين الاهتمام بمعرفته فقال: الوقت المختار للظهر من زوال الشمس يعني أن الوقت للصلوات الخمس المشار إليهن بقوله صلى الله عليه وسلم: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد (١) ) على قسمين: ضروري وسيأتي، ومختار ومبدؤه للظهر، من زوال الشمس؛ أي ميلان قرصها لجهة الغرب عن كبد السماء،
والمختار اسم مفعول؛ أي أن المكلف يختار أي أجزائه لإيقاع الصلاة فيه إن شاء أوله،
وإن شاء وسطه، وإن شاء آخره. وقوله: "الوقت" هو الزمن المقدر للعبادة شرعا مضيقا كوقت الصوم، أو موسعا كوقت الصلاة. ومعرفته فرض كفاية عند القرافي، فيجوز فيه التقليد، وفرض عين عند صاحب المدخل، ووفق بينهما بحمل كلام صاحب المدخل على أنه لا يجوز للشخص الدخول في الصلاة حتى يتحقق الوقت. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وعبارة الشيخ الأمير الجزم بالوقت عن دليل كفائي، ومطلقة ولو تقليدا شرط في الصحة، وغلبة الظن كافية، كما قال صاحب الإرشاد: وهو المعتمد.
انتهى. وقوله: ومطلقة الضمير يرجع إلى الجزم. والله سبحانه أعلم. وسمي الظهر ظهرا؛ لأنها أول صلاة ظهرت في الإسلام، ولذا تسمى الأولى، أو لفعلها في وقت الظهيرة؛ أي شدة الحر. قال طرفة: إن تنله فلقد تمنعه … وتريه النجم يجري بالظهر وبدأ بها لأنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم صبيحة ليلة الإسراء. هذا هو قول الأكثر. ومقابله ما روي: لما فرضت الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل فصلى به الصبح حين طلع الفجر، وفيه ابن الجهم ضعيف.
وفي حديث آخر: هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم، فصلى الصبح حين طلع الفجر، وقد يقال لا دليل في هذين الحديثين وإن صَحَّا، لاحتمال أن المراد فيهما صبح اليوم الثاني. وقوله: "من زوال الشمس" وكيفية معرفة ذلك هو ما
قال في التوضيح: أن تقيم عودا مستقيما،
فإذا تناهى الظل في النقصان وشرع في الزيادة، فذلك وقت الزوال، ولا بد من زيادة بينة، وهذا الزوال يعلمه الناس. وهناك زوال لا يعلمه إلا الله. وزوال يعلمه الملائكة المقربون عليهم الصلاة والسلام. (فقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم جبريل: هل زالت الشمس؟ فقال لا نعم. فقال: ما معنى لا نعم؟ فقال: يا رسول الله قطعت الشمس من فلكها بين قولي لا نعم مسيرة خمس مائة عام ). وقد يظهر لبعض الأولياء بطريق الكشف الزوال والفجر وغيره من الأوقات، فلا يعول على ذلك شرعا.
وقوله: "من زوال الشمس" متعلق بمحذوف؛ أي مبدؤه. وينكر على الولي إذا سمع حركة الشمس للزوال فصلى قبل ظهوره للناس في رأي أعينهم، وتحرم صلاته حينئذ،
وإذا طار الولي بعد الزوال إلى موضع لم تَزُل به، أو طار قبل الزوال إلى موضع زالت به، خوطب بزوال ما يوقع به الصلاة؛ أي فإن صلاها بالأول لم يعد. وإلا فلا يصليها حتى تزول بموضعه، وله أن يصليها فيما طار إليه في الثاني؛ لأن الشمس قد زالت. انتهى ملخصا من الخطاب. والشبراخيتي، والزرقاني: وحاشية بناني. قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر أنه لا ينافي ما تقدم من أن الظهر أول صلاة صلاها جبريل بسيد الوجود صلى الله عليه وسلم: لأنه لم يصل الصبح يومئذ، لتأخير البيان من نزوله من الإسراء إلى الظهر، كما في الآيات لابن قاسم الشافعي.
قاله الشيخ عبد الباقي. ما قاله صاحب التنبيه أن أول ما فرض عليه صلى الله عليه وسلم الصبح، ثم ثنى بالظهر، ثم ثلث بالعصر، ثم ربع بالمغرب، ثم خمس بالعشاء. ونصه: اللَّهُمَّ صل وسلم على سيدنا ومولانا مُحَمَّدٍ وعلى آل سيدنا مُحَّمَدِ الذي أولُ عروس جليت عليه من الخمس المعدودة. صلاة الفجر المشهودة. اللَّهم صل وسلم على سيدنا ومولانا مُحَمَّدٍ وعلى آل سيدنا مُحَمَّدٍ الذي جليت عليه الظهر، وهي ثانية الأولى.
وقد كست صاحبها رضا وسولا، اللَّهُمَّ صل وسلم على سيدنا ومولانا مُحَمَّد وعلى آل سيدنا مُحَمَّدٍ الذي جليت عليه ثالثة الثانية، وهي العصر الوسطى من تركها أثم وأخطأ. اللَّهُمَّ صل وسلم على سيدنا ومولانا مُحَمَّدٍ وعلى آل سيدنا مُحَمَّدٍ الذي جليت عليه المغرب رابعة ما مضى، مبشرة بالفوز والرضا. اللَّهُمَّ صل وسلم على سيدنا مُحَمَّدٍ ومولانا مُحَمَّدٍ وعلى آل سيدنا ومولانا مُحَمَّدٍ الذي جليت عليه خامسة الدرر الفاخرة، وهي صلاة العشاء الآخرة.
انتهى. لأن هذا في ابتداء صلاة جبريل به وما في التنبيه في ابتداء فرضيتها. والله سبحانه أعلم. لآخر القامة متعلق بمحذوف أي ينتهي؛ يعني أن وقت المختار ممتد من الزوال إلى آخر القامة الأولى، والمراد بذلك أن يصير ظل كل شيء مثله، وقامة كل إنسان سبعة أقدام بقدمه، أو أربعة أذرع بذراعه.
وقيل: ستة أقدام وثلثا قدم،
وقيل: ستة أقدام ونصف، قاله الشيخ إبراهيم. والأصل في تحديد أوقات الاختيار ما رواه أبو داوود والترمذي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أمَّنِي جبريل عند البيت مرتين فصلى بني الظهر في الأولى منهما حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم ثم صلى العشاء حين غاب الشفق ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم.
وصلى المرة الثانية الظهر حين صار ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب لوقته الأول، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الفجر حين أسفرت الأرض. ثم التفت جبريل فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء قبلك والوقت فيما بين هذين الوقتين (١) ). قال الترمذي: حديث حسن، وبرق الفجر بزغ، وقوله: مثل الشراك؛ أي الذي يكون على وجه النعل؛
وهو كناية عن أول ظهور الظل. وقوله: حين وجبت الشمس؛ أي سقطت بالغروب، والفيء الظل بعد الزوال. انظر الخطاب. والشبراخيتي. بغير ظل الزوال يعني أن القامة إنما تعتبر بعد ظل الزوال، أي الظل الموجود عند الزوال؛ وهو يزيد في الشتاء، وينقص في الصيف ويختلف باختلاف البلاد. فقوله: "بغير ظل الزوال" ؛ أي إن كان للزوال ظل، وإلا فالمعتبر القامة خاصة؛ أي قامة كل شيء، أي شيء كان. وما ورد في صحيح مسلم من أن مدة الدجال أربعون يوما،
وأن فيها يوما كسنة، ويوما كشهر، ويوما كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا. فقال الصحابة: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا اقدروا له قدره ). فذلك حكم مخصوص بذلك اليوم، وقياس اليوم الثاني والثالث كذلك، ومثل ذلك أيام حجب الشمس عن الطلوع عند إرادة الله تعالى طلوعها من مغربها. وذكر القرافي في قطر يطلع عليه الفجر قبل غروب الشفق، أنه قال إمام الحرمين: لا تصلى العشاء حتى يغيب الشفق، وليست قضاء، ويتحرى بالصبح فجر من يليهم من البلاد.
قال القرافي: ولعل مذهبنا كمذهب الشافعية. وقالت الحنفية: يسقط العشاء والوتر. قاله الشيخ إبراهيم: ونحوه للحطاب. ومعنى اقدروا له قدره؛ أنه إذا مضى بعد طلوع الفجر قدر ما يكون بينه وبين الظهر كل يوم فصلوا الظهر ثم إذا مضى بعده قدر ما يكون بينها وبين العصر، فصلوا العصر فإذا مضى بعدها قدر ما يكون بينها وبين المغرب فصلوا المغرب،
وكذا العشاء والصبح، وهكذا إلى أن ينقضي ذلك اليوم. وقد وقع فيه صلوات سنة كلها فرائض، مؤداة في وقتها. قاله الحطاب. قال جامعه عفا الله عنه بمنه: ولم أذكر ما ذكره غير واحد هنا أن الشمس تزول بالشهر الفلاني على كذا، وبغيره على كذا؛ لأن ذلك غير عام في جميع البلاد، بل يختص ببعضها. واعلم أن أول شهور السنة القبطية: توت بتاءين مثناتين أولاهما مضمومة بينهما واو ساكنة؛ وهو غشت بالرومية: لأن الابتداء بالسنة القبطية من غشت.
ثم بابه بموحدتين وألف بينهما وآخره هاء، وهو شتنبر، وهتور كصبور بمثناة فوقية، أكتوبر،
ثم كَيَهْك بتقديم التحتية المفتوحة على الهاء الساكنة: وقيل بالعكس؛ وهو نونبر، ثم طؤبة بضم الطاء، وهو دجنبر، ثم امشير بهمزة مفتوحة وميم ساكنة وشين معجمة مكسورة وياء ساكنة وراء، وهو ينير، ثم يرهمات بياء تحتية وراء وهاء، وهو فبراير، ثم برمودة بفتح الموحدة وسكون الراء وضم اليم بعدها واو ساكنة ثم دال مهملة وهاء؛ وهو مارس، ثم بشنس بفتح الموحدة وفتح شين معجمة وسكون النون ثم سين مهملة؛ وهو شهر البركة إبريل؛
لأنه ولد فيه سيد الوجود صلى الله عليه وسلم ثم بئونة بهمزة بين الباء الموحدة والواو، وهو مايه، ثم أبيب بهمزة مفتوحة وباءين موحدتين كأمير، وهو ينيه، ثم مسرى بضم الميم وسكون السين المهملة؛ وهو يولي. قاله الشيخ محمد بن الحسن وإنما نقلتها وفسرتها، لأنها وقعت في كلام غير واحد من الشراح هنا يضبطون الظل في كل واحد منها، ويذكرون -هنا- عرض البلد وخط الاستواء. ومعنى خط الاستواء: وسط الأرض، وعرض البلد عبارة عن بعده عن خط الاستواء.
قاله الإمام الخطاب. وما ذكرته في الشهور المتقدمة هو للشيخ محمد بن الحسن كما علمت. ونحوه للرماصي. ومقتضى كلام غيره أن بشنس هو مايه. والله سبحانه أعلم. وعلم مما مر أن ما قبل الزوال من الظل لا حكم له، فتعتبر القامة والقامتان بدونه. والله سبحانه أعلم. وكيفية كيل ظلك أن تقف قائما معتدلا غير منكس رأسك في أرضى مستوية، وتخلع نعليك، وتستدبر الشمس أو تستقبلها، وتعلم على طرف ظلك علامة أو تأمر من يعلم لك إن كنت مستقبلا للشمس، ثم تكيل ظلك بقدمك؛
بأن تبتدئ من رأس القدم الذي وقفت عليه ولا تحسبه بنفسه، وهذا الطريق [علم] في كل زمان ومكان.
فإذا أردت آخر وقت الظهر فتزيد على ما كلته مما قبل الزوال سبعة؛ وهو قدر القامة كما مر وهو الأحوط. وقد قيل: إن طول القامة ستة أقدام وثلثان
وقيل ستة ونصف. واعلم أن أوقات الصلاة إنما علقت بالأوقات البينة للعامة والخاصة والعلماء والجهال، وإنما شرعت المنازل ليعلم بها قرب الصباح، فيكف الصائم ويتأهب المصلي، حتى إذا تبين الفجر الذي علق به الوقت صلى. قاله الإمام الخطاب. إلا قوله بأن تبتدئ من رأس القدم الذي وقفت عليه ولا تحسبه بنفسه، فإنه من كلام محمد بن سعيد السوسي.
وقال أي الحطاب: إن الذي علق به الوجوب في الزوال هو ما يظهر للناس لا الزوال الذي لا يدرك بالحس وإنما يدرك بالحساب، غير أنه لا يشترط في الزوال الذي يظهر للناس رؤيته،
فإذا تحقق بطريق من الطرق أنه قد حصل الزوال المذكور بحيث أنه لو تأمله الحس لأدركه، كفى ذلك ولو كان هناك غيم يمنع من رؤيته،
وكذا القول في غروب الشمس والشفق وطلوع الفجر. انتهى.
وقال الإمام الخطاب عن البرزلي: يقبل قول المؤذن العدل العارف مطلقا، أي في الغيم والصحو في الصلاة والصوم إذا كان عارفا بالأوقات بالآلات، مثل الرمليات والمنقانات وغيرها. وفيه عن الطراز: يجوز تقليد المؤذن العدل العارف وقبول قوله مطلقا؛ أي في الصحو والغيم. انتهى. وقد مر قول الأمير إن غلبة الظن في الوقت تكفي، كما قال صاحب الإرشاد، وأنه هو المعتمد.
وقال الإمام الخطاب بعد جلب نقول: فتحرر من هذا أنه يجوز التقليد في الأوقات لمن كان عدلا عارفا. والله أعلم. انتهى.
وفي المدخل: ومذهب مالك أن صرفة الأوقات فرض في حق كل مكلف. انتهى. قال الإمام الخطاب: مقتضاه أنه لا يجوز التقليد فيها، ولكن يمكن أن يحمل على أن المراد أنه لا يجوز لأحد أن يصلي حتى يعرف أن الوقت دخل:
إما بالطرق الموصلة لذلك، أو بتقليد من هو عدل عارف. والله أعلم. انتهى.
وفي الطراز: إذا كانت السماء مغيمة ولم تظهر الشمس، فينبغي أن يؤخر الصلاة حتى يتيقن الوقت. انتهى.
وقال الإمام المازري: إذا امتنع الاستدلال بتزايد الظل لكون الشمس محجوبة بالغيم، رجع في ذلك إلى أهل الصناعات؛ فإنهم يعلمون قدر ما مضى لهم من أعمالهم من أول نهارهم إلى زوال الشمس في يوم الصحو، فيقيسون يومهم بأمسهم، فيعرفون بذلك الوقت. انتهى. قاله الإمام الخطاب.
وفي الجواهر: من اشتبه عليه الوقت فليجتهد،
ويستدل بما يغلب على ظنه دخوله: وإن خفي عليه ضوء الشمس فليستدل بالأوراد وأعمال أرباب الصناعات وشبه ذلك. ويحتاط. قال ابن حبيب: وأخبرني مطرف عن مالك أن من سنة الصلاة في الغيم، تأخير الظهر وتعجيل العصر، وتأخير المغرب حتى لا يشك في الليل، وتعجيل العشاء إلا أنه يتحرى ذهاب الحمرة، وتأخير الصبح حتى لا يشك في الفجر.
ثم إن وقعت صلاته في الوقت أو بعده فلا قضاء.
وإن وقعت قبله قضى كالاجتهاد في طلب شهر رمضان. انتهى. قاله الإمام الحطاب.
وفي الذخيرة: إذا حصل الغيم أخر حتى يتيقن ولا يكتفي بالظن، ولا خلاف أن أول وقت الظهر زوال الشمس، وأنها لا تجب قبله، ولا تجزئ إن فعلت قبله لا في حضر ولا في سفر، وذكر القاضي عبد الوهاب أن ابن عباس أو غيره كان يقول: تجزئ قبل الزوال.
قال في الطراز: وذلك باطل لحديث جبريل والإجماع على خلافه. قال الله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} ، قال ابن عباس: إذا فاء الفيء،
ولا يصح عنه غير ذلك. انتهى. قاله الإمام الحطاب.
وقال المازري: اختلف الناس في قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} ، فذهب بعضهم إلى أن المراد به غروبها، ومذهبنا أن المراد به زوال الشمس وميلها عن وسط السماء مغربة. قاله الخطاب.
ومن علم ظل الزوال علم دخول وقت العصر بمضي قامته،
ومن لم يعلم ظل الزوال جرى فيه قول صاحب الرسالة: وقيل إذا استقبلت الشمس بوجهك إلى آخره. قيل: إن عدد الركعات والصلوات معقول المعنى. وعليه فاعلم أن نعم البدن خمس، فقوبلت بالصلوات الخمس شكرا، فحاسة الشم يشم بها الرائحة من الجوانب الأربع، فقوبلت بالظهر، وهي أربع ركعات.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.