السَّابِعُ: أَكْلُ لَحْمِ إبِلٍ تَعَبُّدًا
الشروح عليها
(السَّابِعُ: أَكْلُ لَحْمِ إبِلٍ) عَلِمَهُ أَوْ جَهِلَهُ، نِيئًا كَانَ أَوْ مَطْبُوخًا، عَالِمًا بِالْحَدِيثِ أَوْ لَا. لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ «أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: لَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ أَحْمَدُ: فِيهِ حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ، حَدِيثُ الْبَرَاءِ وَحَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ.
قَالَ الْخَطَّابِيِّ: ذَهَبَ إلَى هَذَا عَامَّةُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. وَدَعْوَى النَّسْخِ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُضُوءِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ مَرْدُودَةٌ.
وَقَدْ أَطَالَ فِيهِ فِي شَرْحِهِ وَ " إبِلٌ " بِكَسْرَتَيْنِ وَتُسَكَّنُ الْبَاءُ.
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَاحِدٌ يَقَعُ عَلَى الْجَمْعِ. وَلَيْسَ بِجَمْعٍ وَلَا اسْمِ جَمْعٍ. وَجَمْعُهُ آبَالٌ (تَعَبُّدًا) فَلَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ
(السابع) من الأنواع الثمانية: (أكل لحم إبل) بكسرتين، وتسكن الباء.
قال في " القاموس ": واحد يقع على الجمع ليس بجمع ولا اسم جمع، وجمعه: آبال. انتهى.
فينتقض به الوضوء سواء علمه أو جهله، وسواء كان نيئا أو مطبوخا، وسواء كان عالما بالحديث الوارد في ذلك أو لا. وبالنقض قاله جابر بن سلمة ومحمد بن إسحاق وأبو خيثمة ويحيى بن يحيى وابن المنذر.
قال الخطابي: ذهب إلى هذا عامة أصحاب الحديث.
وروي عن أبى عبد الله قال: ان كان لا يعلم فليس عليه وضوء،
وان كان قد علم وسمع فعليه الوضوء واجب ليس هو كمن لم يعلم.
قال الخلالى: وعلى هذا استقر قول أبي عبد الله.
وعنه: ينقض نيئه دون مطبوخه. ذكرها ابن حامد.
وعنه: لا ينقض مطلقاً، اختاره يوسف الجوزي والشيخ تقي الدين. وهذا مذهب الثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي؛ لما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" الوضوء مما يخرج لا مما يدخل " .
وقال جابر:" كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار " . رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي.
ولأنه مأكول. فلم ينقض، كسائر المأكولات.
قال في " الشرح ": ولنا ما روى البراء بن ع : " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أنتوضأ من لحوم الابل؟ قال: نعم، قيل: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: لا " . رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي.
وروى جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . أخرجه مسلم.
قال أحمد: فيه حديثان صحيحان حديث البراء وجابر بن سمرة،
فأما حديث ابن عباس فانما هو من قوله: موقوف عليه،
ولو صح لوجب تقديم حديثنا عليه؛ لكونه أصح وأخص، والخاص يقدم على العام، وحديث جابر: لا يعارض حديثنا أيضاً لصحته وخصوصه.
فان فيل: فحديث جابر متأخر فيكون ناسخا.
قلنا: لا يصح أن يكون ناسخا لوجوه أربعة:
أحدها: أن الأمر بالوضوء من لحوم الإابل متاً خر عن نسخ الوضوء مما مست النار أو مقارن له. بدليل أنه قرن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل بالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم وهي مما مست النار.
فأما أن يكون النسخ حصلى بهذا النهي أو بشيء قبله،
فان كان حصلى به كان الأمر بالوضوء من لحوم الإبل مقارنا لنسخ الوضوء مما مست النار فلا يكون ناسخا إذ من شرط النسخ:
تأخر الناسخ. وكذلك بما قبله؛ لأن الشيء لا ينسخ بما قبله.
الثانى: ان النقض بلحوم الإبل يتناول ما مست النار وغيره، ونسخ أحد الجهتين لا يثبت به نسخ الآخر كما لو حرمت المرأة بالرماع، وبكونها ربيبته فنسخ تحريم الرضاع لم يكن ناسخا لتحريم الربيبة.
الثالث: أن خبرهم عام وخبرنا خاص، فالجمع بينهما ممكن بحمل خبرهم على ما سوى صورة التخصيص،
ومن شرط النسخ تعذر الجمع بين النصين. الرابع: أن خبرنا أصح من خبرهم وأخص، والناسخ لا بد وأن يكون مساويا للمنسوخ أو راجحا عليه.
فان قيل: قالأمر بالوضوء في خبركم يحتمل الاستحباب ريحتمل انه أراد بالوضوء غسل اليد؛ لأن إمافته للطعام قرينة تدل على ذلك كما كان عليه السلام يأمر بالوضوء قبل الطعام وبعده وخص ذلك بلحم الإبل؛ لأن فيه من الحرارة والزهومة ما ليس في غيره.
قلنا: أما الأولى فمخالف للظاهر من وجوه:
أحدها: أن مقتضى الأمر الوجوب.
الثانى: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن حكم هذا اللحم فاً جاب بالأمر بالوضوء
فلو حمل على غير الوجوب كان تلبيسا لا جواباً.
الثالث: أنه عليه السلام قرنه بالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم، والمراد بالنهي ها هنا نفي الايجاب لا التحريم. فتعين حمل الأمر على الايجاب؛ ليحصل الفرق.
وأما الثاني فلا يصح لوجوه أربعة:
أحدها: أنه يلزم منه حمل الأمر على الاستحباب؛ لكون غسل اليد بمفردها غير واجب وقد بينا فساده.
الثانى: ان الوضوء في لسان الشارع انما ينصرف إلى الموضوع الشرعي إذ الظاهر منه التكلم بموضوعاته.
الثالث: أنه خرج جواباً للسؤال عن حكم الوضوء من لحومها، والصلاة في مباركها فلا يفهم من ذلك سوى الوضوء المراد للصلاة ظاهراً.
الرابع: أنه لو أراد غسل اليد لما فرق بينه وبين لحم الغنم،
فان غسل اليد منها مستحب.
وما ذكروه من زيادة الزهومة ممنوع وان ثبت فهو أمر يسير لا يقتضي التفرقة. وصرف اللفظ عن ظاهره انما يكون بدليل قوي يعدل قوة الظواهر المتروكة وأقوى منها.
فأما قياسهم فهو طردي لا معنى فيه. وانتفاء الحكم في سائر المأكولات؛ لانتفاء المقتضي لا لكونه مأكولاً.
ومن العجب: ان مخالفينا في هذه المسألة أوجبوا الوضوء بأحاديث ضعيفة تخالف الأصول. فأبو حنيفة أوجب بالقهقهه في الصلاة دون خارجها بحديث مرسل من مراسيل أبى العالية، ومالك والشافعي أوجباه بمس الذكر بحديث مختلف فيه معارض بمثله دون مس سائر الأعضاء، وتركوا هذا الحديث الصحيح الذي لا معارض له مع بعده عن التأويل وقوه دلالته؛ لقياس طردي لا معنى فيه. انتهى.
ولا نقض بأكل ما سوى لحم الإبل من اللحوم سواء كانت مباحة أو محرمة كلحوم السباع؛ لكون النقض بلحم الإبل (تعبداً) .
قال في " الإنصاف ": ظاهر كلام المصنف أن أكل الاطعمة المحرمة لا تنقض الوضوء وهو صحيح وهو المذهب وعليه الأصحاب.
وعنه: ينقض الطعام المحرم.
وعنه: ينقض اللحم المحرم مطلقاً.
وعنه: ينقض لحم الخنزير فقط.
قال أبو بكر: وبقية النجاسات تخرج عليه. حكاه عنه ابن عقيل.
وقال الشيخ تقي الدين: وأما لحم الخبيث المباح للضرورة كلحم السباع فينبنى الخلاف فيه على أن النقض بلحم الإبل تعبدي، ولا يتعدى إلى غيره أو معقول المعنى، فيعطى حكمه بل هو أبلغ منه.
قلت: الصحيح من المذهب أن الوضوء من لحم الإبل تعبدي وعليه الأصحاب. قال الزركشي: هو المشهور.
وقيل: هو معلل فقد قيل: انها من الشياطين كماجاء في الحديث الصحيح . رواه أحمد وأبو داود.
فإذا أكل منها أورث ذلك قوة شيطانية، فشرع الوضوء منها لتذهب سورة الشيطان. انتهى.
إذا تقرر هذا
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.