Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

Prescribed penalties

Crimes and penalties

My school

In the four schools’ base texts

Hanafi
Another book
المبسوطal-Sarakhsi · 1,751 masa’il
  1. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الْحُدُودِ

  2. (قَالَ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إمْلَاءً

  3. : الْحَدُّ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْمَنْعُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْبَوَّابُ حَدَّادًا لِمَنْعِهِ النَّاسَ مِنْ الدُّخُولِ وَسُمِّيَ اللَّفْظُ الْجَامِعُ الْمَانِعُ حَدًّا؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ مَعَانِيَ الشَّيْءِ وَيَمْنَعُ دُخُولَ غَيْرِهِ فِيهِ فَسُمِّيَتْ الْعُقُوبَاتُ حُدُودًا؛ لِكَوْنِهَا مَانِعَةً مِنْ ارْتِكَابِ أَسْبَابِهَا. وَفِي الشَّرْعِ، الْحَدُّ: اسْمٌ لِعُقُوبَةٍ مُقَدَّرَةٍ تَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَلِهَذَا لَا يُسَمَّى بِهِ التَّعْزِيرُ؛

  4. لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ وَلَا يُسَمَّى بِهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الْعِبَادِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ حَقِّ الْعِبَادِ فِي الْأَصْلِ بِطَرِيقِ الْجُبْرَانِ فَأَمَّا مَا يَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَالْمَنْعُ مِنْ ارْتِكَابِ سَبَبِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَنْ أَنْ يَلْحَقَهُ نُقْصَانٌ لِيُحْتَاجَ فِي حَقِّهِ إلَى الْجُبْرَانِ

  5. وَهِيَ أَنْوَاعٌ فَهَذَا الْكِتَابُ لِبَيَانِ نَوْعَيْنِ: مِنْهَا حَدُّ الزِّنَا وَحَدُّ النِّسْبَةِ إلَى الزِّنَا، وَسَبَبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يُضَافُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَاتِ تُضَافُ إلَى أَسْبَابِهَا وَالْمُوجِبُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَكِنَّ الْأَسْبَابَ لِتَيْسِيرِ الْمَعْرِفَةِ عَلَى الْعِبَادِ لَا أَنْ تَكُونَ الْأَسْبَابُ هِيَ الْمُوجِبَةُ،

  6. ثُمَّ حَدُّ الزِّنَا نَوْعَانِ: رَجْمٌ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ، وَجَلْدٌ فِي غَيْرِ الْمُحْصَنِ.

  7. وَقَدْ كَانَ الْحُكْمُ فِي الِابْتِدَاءِ الْحَبْسُ فِي الْبُيُوتِ وَالتَّعْيِيرُ وَالْأَذَى بِاللِّسَانِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ} وَقَالَ {فَآذُوهُمَا} ثُمَّ انْتَسَخَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ» وَقَدْ كَانَ هَذَا قَبْلَ نُزُولِ سُورَةِ النُّورِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ خُذُوا عَنِّي،

  8. وَلَوْ كَانَ بَعْدَ نُزُولِهَا لَقَالَ خُذُوا عَنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ انْتَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} وَاسْتَقَرَّ الْحُكْمُ عَلَى الْجَلْدِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُحْصَنِ وَالرَّجْمِ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ فَأَمَّا الْجَلْدُ فَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَأَمَّا الرَّجْمُ فَهُوَ حَدٌّ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ، إلَّا عَلَى قَوْلِ الْخَوَارِجِ فَإِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ الرَّجْمَ؛

  9. لِأَنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ الْأَخْبَارَ إذَا لَمْ تَكُنْ فِي حَدِّ التَّوَاتُرِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الرَّجْمَ حَدٌّ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ

  10. «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَمَ مَاعِزًا بَعْدَ مَا سَأَلَ عَنْ إحْصَانِهِ وَرَجَمَ الْغَامِدِيَّةَ، وَحَدِيثُ الْعَسِيفِ حَيْثُ قَالَ: وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى الْمِنْبَرِ:

  11. وَإِنَّ مِمَّا أُنْزِلَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ الشَّيْخَ وَالشَّيْخَةَ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ وَسَيَأْتِي قَوْمٌ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ وَلَوْلَا أَنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَكَتَبْتُهَا عَلَى حَاشِيَةِ الْمُصْحَفِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ حَدًّا عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ هُمَا حَدُّ الْمُحْصَنِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ» وَلِحَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّهُ جَلَدَ شُرَاحَةَ الْهَمْدَانِيَّةَ،

  12. ثُمَّ رَجَمَهَا، ثُمَّ قَالَ: جَلَدْتهَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَرَجَمْتهَا بِالسُّنَّةِ.

  13. (وَحُجَّتنَا) حَدِيثُ مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ قَدْ رَجَمَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَجْلِدْهُمَا، وَقَالَ:

  14. فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ الزَّجْرُ عَنْ ارْتِكَابِ السَّبَبِ وَأَبْلَغُ مَا يَكُونُ مِنْ الزَّجْرِ بِعُقُوبَةٍ تَأْتِي عَلَى النَّفْسِ بِأَفْحَشِ الْوُجُوهِ فَلَا حَاجَةَ مَعَهَا إلَى الْجَلْدِ، وَالِاشْتِغَالُ بِهِ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُفِيدُ وَمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ لَا يَكُونُ مَشْرُوعًا حَدًّا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا قَدْ انْتَسَخَ وَقِيلَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ الْجَلْدُ فِي حَقِّ ثَيِّبٍ هُوَ غَيْرُ مُحْصَنٍ، وَالرَّجْمُ فِي حَقِّ ثَيِّبٍ هُوَ مُحْصَنٌ وَحَدِيثُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَأْوِيلُهُ أَنَّهُ جَلَدَهَا؛

  15. لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ إحْصَانَهَا ثُمَّ عَلِمَ إحْصَانَهَا فَرَجَمَهَا وَهُوَ الْقِيَاسُ عِنْدَنَا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْجَامِعِ

  16. ثُمَّ سَبَبُ هَذَا الْحَدِّ يَثْبُتُ عِنْدَ الْإِمَامِ بِالشَّهَادَةِ تَارَةً وَبِالْإِقْرَارِ أُخْرَى فَبَدَأَ الْكِتَابُ بِبَيَانِ مَا يَثْبُتُ بِالشَّهَادَةِ فَقَالَ وَالزِّنَا مُخْتَصٌّ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْحُقُوقِ فِي أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} وَقَالَ تَعَالَى {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} وَقَدْ تَكَلَّفَ بَعْضُهُمْ فِيهِ مَعْنًى وَهُوَ أَنَّ الزِّنَا لَا يَتِمُّ إلَّا بِاثْنَيْنِ، وَفِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ وَلَكِنَّ هَذَا ضَعِيفٌ فَإِنَّ شَهَادَةَ شَاهِدَيْنِ كَمَا يُثْبِتُ فِعْلَ الْوَاحِدِ يُثْبِتُ فِعْلَ الِاثْنَيْنِ وَلَكِنَّا نَقُولُ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ السَّتْرَ عَلَى عِبَادِهِ وَإِلَى ذَلِكَ نَدَبَ وَذَمَّ مَنْ أَحَبَّ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فَلِتَحْقِيقِ مَعْنَى السَّتْرِ شُرِطَ زِيَادَةُ الْعَدَدِ فِي الشُّهُودِ عَلَى هَذِهِ الْفَاحِشَةِ وَإِلَيْهِ «أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ ائْتِ بِأَرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِك وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِك» وَإِلَيْهِ أَشَارَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِين شَهِدَ عِنْدَهُ أَبُو بَكْرَةَ وَشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ وَنَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالزِّنَا فَقَالَ لِزِيَادٍ وَهُوَ الرَّابِعُ بِمَ تَشْهَدُ فَقَالَ: أَنَا رَأَيْت أَقْدَامًا بَادِيَةً وَأَنْفَاسًا عَالِيَةً وَأَمْرًا مُنْكَرًا، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: رَأَيْتُهُمَا تَحْتَ

  17. لِحَافٍ وَاحِدٍ يَنْخَفِضَانِ وَيَرْتَفِعَانِ وَيَضْطَرِبَانِ اضْطِرَابَ الْخَيْزُرَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ: رَأَيْت رَجُلًا أَقْعَى وَامْرَأَةً صَرْعَى وَرِجْلَيْنِ مَخْضُوبَتَيْنِ وَإِنْسَانًا يَذْهَبُ وَيَجِيءُ وَلَمْ أَرَ مَا سِوَى ذَلِكَ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَفْضَحْ وَاحِدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفِي هَذَا بَيَانُ اشْتِرَاطِ الْأَرْبَعَةِ لِإِبْقَاءِ سَتْرِ الْعِفَّةِ

  18. (قَالَ) وَإِذَا شَهِدَتْ الْأَرْبَعَةُ بِالزِّنَا بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ الزِّنَا مَا هُوَ؟ وَكَيْف هُوَ؟

  19. وَمَتَى زَنَى؟ وَأَيْنَ زَنَى؟ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِلَفْظٍ مُحْتَمِلٍ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَسْتَفْسِرَهُمْ، أَمَّا السُّؤَالُ عَنْ مَاهِيَّةِ الزِّنَا؛ لِأَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْتَقِدُ فِي كُلِّ وَطْءٍ حَرَامٍ أَنَّهُ زِنًى وَلِأَنَّ الشَّرْعَ سَمَّى الْفِعْلَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ زِنًى قَالَ «الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْمَشْيُ وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ يُكَذِّبُ» وَالْحَدُّ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَفْسَرَ مَاعِزًا حَتَّى فَسَّرَ كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ وَالرَّشَا فِي الْبِئْرِ؟

  20. وَقَالَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ: لَعَلَّك قَبَّلْتهَا، لَعَلَّك مَسِسْتهَا حَتَّى إذَا ذَكَرَ الْكَافَ وَالنُّونَ قَبْلَ إقْرَارِهِ.

  21. وَالزِّنَا لُغَةً: مَأْخُوذٌ مِنْ الزِّنَا وَهُوَ الضِّيقُ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِالْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ

  22. فَلِهَذَا سَأَلَهُمْ عَنْ مَاهِيَّةِ الزِّنَا وَكَيْفِيَّتِهِ،

  23. وَأَمَّا السُّؤَالُ عَنْ الْوَقْتِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْعَهْدُ مُتَقَادِمًا فَإِنَّ حَدَّ الزِّنَا بِحُجَّةِ الْبَيِّنَةِ لَا يُقَامُ بَعْدَ تَقَادُمِ الْعَهْدِ عِنْدَنَا وَالسُّؤَالُ عَنْ الْمَكَانِ لِتَوَهُّمِ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ تَحْتَ وِلَايَةِ الْإِمَامِ وَالسُّؤَالُ عَنْ الْمَزْنِيِّ بِهَا؛

  24. لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ مَاعِزًا عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ الْآنَ أَقْرَرْت أَرْبَعَةً فَبِمَنْ زَنَيْت وَلِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ لَهُ نِكَاحٌ أَوْ شُبْهَةُ نِكَاحٍ فِي الْمَفْعُولِ بِهَا وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلشُّهُودِ فَإِذَا فَسَّرُوا تَبَيَّنَ ذَلِكَ لِلْقَاضِي وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَاضِيَ مَنْدُوبٌ إلَى الِاحْتِيَالِ لِدَرْءِ الْحَدِّ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» وَلَقَّنَ الْمُقِرَّ الرُّجُوعَ بِقَوْلِهِ أَسَرَقَ مَا إخَالُهُ سَرَقَ وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: اُطْرُدُوا الْمُعْتَرِفِينَ يَعْنِي الَّذِينَ يُقِرُّونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ وَمِنْ أَسْبَابِ احْتِيَالِ الدَّرْءِ أَنْ يَسْتَقْصِيَ مَعَ الشُّهُودِ وَلِأَنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ مَا إذَا وَقَعَ فِيهِ الْغَلَطُ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ فَيَسْتَقْضِي لِلتَّحَرُّزِ عَنْ ذَلِكَ فَإِذَا بَيَّنُوا ذَلِكَ وَالْقَاضِي لَا يَعْرِفُ عَدَالَةَ الشُّهُودِ فَإِنَّهُ يَحْبِسُهُ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ الشُّهُودِ وَهَذَا؛

  25. لِأَنَّهُ لَوْ خَلَّى سَبِيلَهُ هَرَبَ فَلَا يَظْفَرُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا وَجْهَ إلَى أَخْذِ الْكَفِيلِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْكَفِيلِ نَوْعُ احْتِيَاطٍ فَلَا يَكُونُ مَشْرُوعًا فِيمَا بُنِيَ عَلَى الدَّرْءِ.

  26. (فَإِنْ قِيلَ) الِاحْتِيَاطُ فِي الْحَبْسِ أَظْهَرُ (قُلْنَا) حَبْسُهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ الِاحْتِيَاطِ بَلْ بِطَرِيقِ التَّعْزِيرِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُتَّهَمًا بِارْتِكَابِ الْفَاحِشَةِ

  27. فَيَحْبِسُهُ تَعْزِيرًا وَلِهَذَا لَا يَحْبِسُهُ فِي الدُّيُونِ قَبْلَ ظُهُورِ عَدَالَةِ الشُّهُودِ وَلِأَنَّ الْحَبْسَ أَقْصَى الْعُقُوبَةِ هُنَاكَ فَإِنَّهُ بَعْدَ مَا ثَبَتَ الْحَقُّ لَا يُعَاقِبُهُ إلَّا بِالْحَبْسِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَهُ قَبْلَ ثُبُوتِ الْحَقِّ

  28. بِخِلَافِ الْحُدُودِ فَإِذَا ظَهَرَتْ عَدَالَةُ الشُّهُودِ نَظَرَ فِي أَمْرِ الرَّجُلِ فَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا رَجَمَهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحْصَنٍ جَلَدَهُ وَالْإِحْصَانُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الرَّجْمُ لَهُ شَرَائِطُ فَالْمُتَقَدِّمُونَ يَقُولُونَ شَرَائِطُهُ سَبْعَةٌ: الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالنِّكَاحُ الصَّحِيحُ وَالدُّخُولُ بِالنِّكَاحِ وَأَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ مِثْلَ الْآخَرِ فِي صِفَةِ الْإِحْصَانِ وَالْإِسْلَامُ وَالْأَصَحُّ أَنْ نَقُولَ شَرْطُ الْإِحْصَانِ عَلَى الْخُصُوصِ اثْنَانِ الْإِسْلَامُ وَالدُّخُولُ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ بِامْرَأَةٍ هِيَ مِثْلُهُ،

  29. فَأَمَّا الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ فَهُمَا شَرْطُ الْأَهْلِيَّةِ لِلْعُقُوبَةِ لَا شَرْطُ الْإِحْصَانِ عَلَى الْخُصُوصِ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُخَاطَبِ لَا يَكُونُ أَهْلًا لِالْتِزَامِ شَيْءٍ مِنْ الْعُقُوبَاتِ وَالْحُرِّيَّةُ شَرْطُ تَكْمِيلِ الْعُقُوبَةِ لَا أَنْ تَكُونَ شَرْطُ الْإِحْصَانِ عَلَى الْخُصُوصِ فَأَمَّا الدُّخُولُ شَرْطٌ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ» وَالثُّيُوبَةُ لَا تَكُونُ إلَّا بِالدُّخُولِ وَشَرَطْنَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ؛

  30. لِأَنَّ الثُّيُوبَةَ عَلَى مَا عَلَيْهِ أَصْلُ حَالِ الْآدَمِيِّ مِنْ الْحُرِّيَّةِ لَا يُتَصَوَّرُ بِسَبَبٍ مَشْرُوعٍ سِوَى النِّكَاحِ الصَّحِيحِ وَكَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ تَغْلِيظُ الْجَرِيمَةِ؛ لِأَنَّ الرَّجْمَ أَفْحَشُ الْعُقُوبَاتِ فَيَسْتَدْعِي أَغْلَظَ الْجِنَايَاتِ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى الزِّنَا بَعْدَ إصَابَةِ الْحَلَالِ يَكُونُ أَغْلَظَ وَلِهَذَا لَا تُشْتَرَطُ الْعِفَّةُ عَنْ الزِّنَا فِي هَذَا الْإِحْصَانِ

  31. بِخِلَافِ إحْصَانِ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ الزِّنَا بَعْدَ الزِّنَا أَغْلَظُ فِي الْجَرِيمَةِ مِنْ الزِّنَا بَعْدَ الْعِفَّةِ.

  32. فَأَمَّا الْإِسْلَامُ شَرْطٌ فِي قَوْلِ عُلَمَائِنَا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - «لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَضِّي عَنْهُمَا رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا» وَزَادَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَقَدْ أُحْصِنَا، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ هَذِهِ عُقُوبَةٌ يَعْتَقِدُ الْكَافِرُ حُرْمَةَ سَبَبِهَا فَيُقَامُ عَلَيْهِ كَمَا يُقَامُ عَلَى الْمُسْلِمِ كَالْجَلْدِ وَالْقَطْعِ وَالْقَتْلِ فِي الْقِصَاصِ

  33. بِخِلَافِ حَدِّ الشُّرْبِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقَدُ حُرْمَةُ سَبَبِهِ وَتَأْثِيرُهُ مَا بَيَّنَّا أَنَّ مَا اُشْتُرِطَ فِي الْإِحْصَانِ إنَّمَا يُشْتَرَطُ لِمَعْنًى تَغَلُّظِ الْجَرِيمَةِ، وَغِلَظُ الْجَرِيمَةِ بِاعْتِبَارِ الدِّينِ مِنْ حَيْثُ اعْتِقَادُ الْحُرْمَةِ فَإِذَا كَانَ هُوَ فِي دِينِهِ مُعْتَقِدًا لِلْحُرْمَةِ كَالْمُسْلِمِ فَقَدْ حَصَلَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ فَكَانَ بِهِ مُحْصَنًا،

  34. فَإِنَّ الْمُحْصَنَ مَنْ يَكُونُ فِي حِصْنٍ وَمُنِعَ مِنْ الزِّنَا وَهُوَ بِاعْتِقَادِهِ مَمْنُوعٌ مِنْ الزِّنَا، وَقَدْ أُنْذِرَ عَلَيْهِ بِالْعُقُوبَةِ فِي دِينِهِ فَكَانَ مُحْصَنًا ثُمَّ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْإِسْلَامِ لِمَعْنَى الْفَضِيلَةِ وَالْكَرَامَةِ وَالنِّعْمَةِ كَمَا لَا يُشْتَرَطُ سَائِرُ الْفَضَائِلِ مِنْ الْعِلْمِ وَالشَّرَفِ وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْإِسْلَامِ لِمَعْنَى التَّغْلِيظِ؛

  35. لِأَنَّ الْكُفْرَ أَلْيَقُ بِهَذَا مِنْ الْإِسْلَامِ فَالْإِسْلَامُ

  36. لِلتَّخْفِيفِ وَالْعِصْمَةِ وَالْكُفْرُ مِنْ دَوَاعِي التَّغْلِيظِ فَإِذَا كَانَ تُقَامُ هَذِهِ الْعُقُوبَةُ عَلَى الْمُسْلِمِ بِارْتِكَابِ هَذِهِ الْفَاحِشَةِ فَعَلَى الْكَافِرِ أَوْلَى.

  37. (وَحُجَّتُنَا) قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ» مَعْنَاهُ لَيْسَ بِكَامِلِ الْحَالِ فَإِنَّ الْمُحْصَنَ مَنْ هُوَ كَامِلُ الْحَالِ، وَالرَّجْمُ لَا يُقَامُ إلَّا عَلَى مَنْ هُوَ كَامِلُ الْحَالِ وَالِاعْتِمَادُ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالثُّيُوبَةِ فَإِنَّ الثُّيُوبَةَ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ شَرْطٌ لِإِيجَابِ الرَّجْمِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَقْصُودَ انْكِسَارُ شَهْوَتِهِ بِإِصَابَةِ الْحَلَالِ وَهَذَا الْمَقْصُودُ يَتِمُّ بِالْإِصَابَةِ بِمُلْكِ الْيَمِينِ كَمَا يَتِمُّ بِالنِّكَاحِ،

  38. ثُمَّ شُرِطَ أَنْ يَكُونَ بِالنِّكَاحِ فَمَا كَانَ ذَلِكَ إلَّا لِاعْتِبَارِ مَعْنَى النِّعْمَةِ وَيَتَبَيَّنُ بِهَذَا أَنَّ مَا يُشْتَرَطُ لِإِقَامَةِ الرَّجْمِ يُشْتَرَطُ بِطَرِيقٍ هُوَ نِعْمَةٌ فَكَذَلِكَ اعْتِقَادُ الْحُرْمَةِ يُشْتَرَطُ بِطَرِيقٍ هُوَ نِعْمَةٌ وَذَلِكَ بِالْإِسْلَامِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ أَصْلَ النِّعْمَةِ فِي الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ مَوْجُودٌ إنَّمَا انْعَدَمَ نِهَايَتُهَا، وَأَصْلُ النِّعْمَةِ مُنْعَدِمٌ هُنَا فِيمَا يَعْتَقِدُهُ الْكَافِرُ وَتَأْثِيرُهُ أَنَّ الْجَرِيمَةَ كَمَا تَتَغَلَّظُ بِاجْتِمَاعِ الْمَوَانِعِ تَتَغَلَّظُ بِاجْتِمَاعِ النِّعَمِ وَلِهَذَا هَدَّدَ اللَّهُ تَعَالَى نِسَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَضِي اللَّهُ عَنْهُنَّ وَبِضِعْفِ مَا هَدَّدَ بِهِ غَيْرَهُنَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} لِزِيَادَةِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِنَّ وَعُوتِبَ الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى الزَّلَّاتِ بِمَا لَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ غَيْرُهُمْ لِزِيَادَةِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ، وَالْحُرُّ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ الْكَامِلُ وَلَا يُقَامُ عَلَى الْعَبْدِ لِزِيَادَةِ نِعْمَةِ الْحُرِّيَّةِ فِي حَقِّ الْحُرِّ، فَبَدَنُ الْعَبْدِ أَكْثَرُ احْتِمَالًا لِلْحَدِّ مِنْ بَدَنِ الْحُرِّ فَعَرَفْنَا أَنَّ بِزِيَادَةِ النِّعْمَةِ يَزْدَادُ تَغْلِيظُ الْجَرِيمَةِ؛

  39. لِمَا فِي ارْتِكَابِ الْفَاحِشَةِ مِنْ كَفْرَانِ النِّعْمَةِ،

  40. فَأَمَّا سَائِرُ الْفَضَائِلِ إنَّمَا لَا تُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْحَدِّ بِالرَّأْيِ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ وَنَحْنُ قُلْنَا مَا يَكُونُ شَرْطًا بِالِاتِّفَاقِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ بِطَرِيقٍ هُوَ نِعْمَةٌ اسْتِدْلَالًا بِالثُّيُوبَةِ،

  41. فَأَمَّا مَا لَمْ يُعْرَفْ شَرْطًا لَوْ أَثْبَتْنَاهُ لَأَثْبَتْنَاهُ بِالرَّأْيِ ابْتِدَاءً مَعَ أَنَّهُ إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِحْصَانِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِحْصَانِ وَسَائِرُ الْفَضَائِلِ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِحْصَانِ،

  42. وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِحْصَانِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} وَقَالَ تَعَالَى {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ} فَأَمَّا الْعِفَّةُ،

  43. وَإِنْ كَانَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِحْصَانِ وَلَكِنَّ الْعِفَّةَ انْزِجَارٌ عَنْ الزِّنَا، وَالِانْزِجَارُ عَنْ الزِّنَا مَعَ الْإِقْدَامِ عَلَى الزِّنَا لَا يَتَحَقَّقُ فَلَا يُمْكِنُ اشْتِرَاطُ الْعِفَّةِ مُقْتَرِنًا بِالزِّنَا وَلَا سَابِقًا عَلَى الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ لَا تَتَغَلَّظُ بِهِ الْجَرِيمَةُ كَمَا بَيَّنَّا،

  44. فَإِنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى الزِّنَا أَفْحَشُ فِي الْجَرِيمَةِ مَعَ أَنَّ الْعِفَّةَ الْوُقُوفُ عَلَى حُدُودِ الدِّينِ،

  45. فَإِذَا شَرَطْنَا أَصْلَ الدِّينِ بِطَرِيقٍ هُوَ نِعْمَةٌ فَقَدْ حَصَلَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ.

  46. فَأَمَّا الْحَدِيثُ فَإِنَّمَا رَجَمَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ دَعَا بِالتَّوْرَاةِ

  47. وَبِابْنِ صُورِيَّا الْأَعْوَرِ وَنَاشَدَهُ بِاَللَّهِ حَتَّى اعْتَرَفَ بِأَنَّ حُكْمَ الزِّنَا فِي كِتَابِهِمْ الرَّجْمُ فَرَجَمَهُمَا، وَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ مَنْ أَحْيَا سُنَّةً أَمَاتُوهَا، وَإِحْيَاءُ سُنَّةٍ أُمِيتَتْ إنَّمَا يَكُونُ بِالْعَمَلِ بِهَا فَدَلَّ أَنَّهُ إنَّمَا رَجَمَهُمَا بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَلَمْ يَكُنْ الْإِحْصَانُ شَرْطًا فِي الرَّجْمِ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَقَوْلُهُ وَقَدْ أُحْصِنَا شَاذٌّ وَلَوْ ثَبَتَ فَمُرَادُهُ الْإِحْصَانُ مِنْ حَيْثُ الْحُرِّيَّةُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} وَأَمَّا اشْتِرَاطُ إحْصَانِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْآخَرِ فَهُوَ مَذْهَبُنَا، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ بِشَرْطٍ، حَتَّى إنَّ الْمَمْلُوكَيْنِ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَطْءٌ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ فِي حَالَةِ الرِّقِّ ثُمَّ عَتَقَا لَا يَكُونَا مُحْصَنَيْنِ عِنْدَنَا،

  48. وَكَذَلِكَ الْكَافِرَانِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُمَا مُحْصَنَانِ.

  49. وَكَذَلِكَ الْحُرُّ إذَا تَزَوَّجَ أَمَةً أَوْ صَغِيرَةً أَوْ مَجْنُونَةً وَدَخَلَ بِهَا،

  50. وَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُ إذَا تَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً وَدَخَلَ بِهَا أَوْ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا الزَّوْجُ الْكَافِرُ فَدَخَلَ بِهَا قَبْلَ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ مُحْصَنَةً بِهَذَا الدُّخُولِ عِنْدَنَا وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَثْبُتُ الْإِحْصَانُ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ قَدْ تَمَّ وَهُوَ انْكِسَارُ الشَّهْوَةِ بِإِصَابَةِ الْحَلَالِ وَأَنْ يَكُونَ بِطَرِيقٍ هُوَ نِهَايَةٌ فِي النِّعْمَةِ وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِيَهُودِيَّةٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعْهَا فَإِنَّهَا لَا تُحْصِنُك» ،

  51. وَأَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً فَقَالَ لَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: دَعْهَا فَإِنَّهَا لَا تُحْصِنُك «وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تُحْصِنُ الْمُسْلِمَ الْيَهُودِيَّةُ وَلَا النَّصْرَانِيَّةُ، وَلَا الْحُرَّةَ الْعَبْدُ وَلَا الْحُرَّ الْأَمَةُ» وَفِيهِ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ تَنْبِيءُ عَنْ الْمُسَاوَاةِ فَذَلِكَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِمْ زَوْجُ نَعْلٍ زَوْجُ خُفٍّ، وَقَدْ صَارَتْ الزَّوْجِيَّةُ هُنَا شَرْطًا فَتُشْتَرَطُ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا فِي الصِّفَةِ؛

  52. لِأَنَّ تَمَامَ الزَّوْجِيَّةِ يَكُونُ بِهِ ثُمَّ بِسَبَبِ الرِّقِّ يُنْتَقَصُ مِلْكُ الْحِلِّ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ حُرِّيَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِتَكُونَ الثُّيُوبَةُ بَعْدَ كَمَالِ مِلْكِ الْحِلِّ،

  53. وَإِذَا ثَبَتَ اشْتِرَاطُ الْحُرِّيَّةِ يَثْبُتُ اشْتِرَاطُ الْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ فِيهَا بِطَرِيقِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ بِسَبَبِ الصِّغَرِ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْفِعْلِ نُقْصَانٌ فَإِنَّ تَمَامَ مَيْلِ طَبْعِ الْمَرْءِ إلَى الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ.

  54. وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ الْإِسْلَامُ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَةَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ نَاقِصَةُ الْحَالِ لَا يَتِمُّ سُكُونُهُ إلَيْهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الرَّجْمَ أَقْصَى الْعُقُوبَاتِ، وَفِي شَرَائِطِهِ يُعْتَبَرُ النِّهَايَةُ أَيْضًا احْتِيَالًا لِدَرْءِ هَذِهِ الْعُقُوبَةِ،

  55. فَإِنْ أَقَرَّ الزَّانِي بِأَنَّهُ مُحْصَنٌ فَإِقْرَارُهُ عَلَيْهِ حُجَّةٌ تَامَّةٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيمَا يُقِرُّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَلَكِنَّهُ يَسْتَفْسِرُهُ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّ الْإِحْصَانَ لَفْظٌ مُبْهَمٌ وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى أَشْيَاءَ يُسَمَّى بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا،

  56. وَإِنْ قَالَ لَسْت بِمُحْصَنٍ فَشَهِدَ عَلَيْهِ

  57. شَاهِدَانِ أَنَّهُ مُحْصَنٌ اسْتَفْسَرَهُمَا عَنْ الْإِحْصَانِ مَا هُوَ وَكَيْفَ هُوَ فَإِذَا بَيَّنَا ذَلِكَ رَجَمَهُ إنْ كَانَ الشَّاهِدُ بِالْإِحْصَانِ رَجُلَيْنِ،

  58. وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِحْصَانِ عَدَدُ الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ مُوجِبٌ لِلْعُقُوبَةِ.

  59. (قَالَ) وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِالْإِحْصَانِ وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَا يَثْبُتُ الْإِحْصَانُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَمَّا الْكَلَامُ مَعَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَنْبَنِي عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي النِّكَاحِ أَنَّ النِّكَاحَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ عِنْدَهُ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الرَّجُلِ مَعَ النِّسَاءِ؛

  60. لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا مِنْ حُقُوقِ مَا هُوَ مَالٌ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الْكَلَامُ هُنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ زُفَرَ فَحُجَّته - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْإِحْصَانِ هُنَا تَكْمِيلُ الْعُقُوبَةِ وَبِاعْتِبَارِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ لَا يَكُونُ لِلنِّسَاءِ فِيهِ شَهَادَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُكَمِّلَ لِلْعُقُوبَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمُوجِبِ لِأَصْلِ الْعُقُوبَةِ بِهِ فَكَمَا لَا يَثْبُتُ أَصْلُ الْعُقُوبَةِ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ.

  61. فَكَذَلِكَ تَكْمِيلُهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا الزَّانِيَ لَوْ كَانَ عَبْدًا مُسْلِمًا لِذِمِّيٍّ فَشَهِدَ ذِمِّيَّانِ أَنَّ مَوْلَاهُ كَانَ أَعْتَقَهُ قَبْلَ الزِّنَا وَقَدْ اسْتَجْمَعَ سَائِرَ شَرَائِطِ الْإِحْصَانِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الْعِتْقِ عَلَى الذِّمِّيِّ مَقْبُولَةٌ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ هُنَا تَكْمِيلَ الْعُقُوبَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ نَظَرْنَا إلَى الْمَقْصُودِ دُونَ الْمَشْهُودِ بِهِ.

  62. يُوَضِّحُ مَا قُلْنَا أَنَّ الْإِحْصَانَ شَرْطٌ وَالْحُكْمُ يُضَافُ إلَى الشَّرْطِ وُجُودًا عِنْدَهُ كَمَا يُضَافُ إلَى السَّبَبِ ثُبُوتًا بِهِ فَكَمَا لَا يَثْبُتُ سَبَبُ الْعُقُوبَةِ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ فَكَذَلِكَ شَرْطُهَا.

  63. (وَحُجَّتُنَا) فِيهِ أَنَّ الْإِحْصَانَ لَيْسَ بِسَبَبٍ مُوجِبٍ لِلْعُقُوبَةِ فَيَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَهَذَا لَا إشْكَالَ فِيهِ فَإِنَّ الْإِحْصَانَ عِبَارَةٌ عَنْ خِصَالٍ حَمِيدَةٍ بَعْضُهَا مَأْمُورٌ بِهِ وَبَعْضُهَا مَنْدُوبُ إلَيْهِ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِإِيجَابِ الْعُقُوبَةِ وَلَا هُوَ شَرْطٌ أَيْضًا؛

  64. لِأَنَّ الشَّرْطَ مَا يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ عَلَى وُجُودِهِ بَعْدَ السَّبَبِ وَلَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُ الرَّجْمِ عَلَى وُجُودِ الْإِحْصَانِ بَعْدَ الزِّنَا فَإِنَّهُ وَإِنْ صَارَ مُحْصَنًا بَعْدَ الزِّنَا لَمْ يُرْجَمْ وَلَكِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ حَالٍ فِي الزَّانِي يَصِيرُ الزِّنَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مُوجِبًا لِلرَّجْمِ، وَالْحُكْمُ غَيْرُ مُضَافٍ إلَى الْحَالِ ثُبُوتًا بِهِ وَلَا وُجُودًا عِنْدَهُ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالنِّكَاحِ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ سَوَاءٌ.

  65. وَأَمَّا شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَنَقُولُ: الْعِتْقُ هُنَاكَ يَثْبُتُ وَإِنَّمَا لَا يَثْبُتُ سَبْقُ التَّارِيخِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَارِيخٌ يُنْكِرُهُ الْمُسْلِمُ وَمَا يُنْكِرُهُ الْمُسْلِمُ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلِأَنَّ الْمُسْلِمَ يَتَضَرَّرُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ مِنْ حَيْثُ إقَامَةُ الْعُقُوبَةِ الْكَامِلَةِ عَلَيْهِ،

  66. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَضَرَّرَ الْمُسْلِمُ بِشَهَادَةِ الْكُفَّارِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ دَخَلَهَا الْخُصُوصُ فِي الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لَا فِي الْمَشْهُودِ بِهِ فَإِنَّ شَهَادَتَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وَعَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ مَقْبُولَةٌ فِي الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا فَإِذَا كَانَ الْخُصُوصُ فِي

  67. الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ يَنْظُرُ إلَى مَنْ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بَعْدَ شَهَادَتِهِمْ وَاَلَّذِي يُقَامُ هُنَا الْحَدُّ الْكَامِلُ عَلَى الْمُسْلِمِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا فِيهِ،

  68. فَأَمَّا شَهَادَةُ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ دَخَلَهَا الْخُصُوصُ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ لَا فِي الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ قَبُولُهَا إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ سَبَبَ الْعُقُوبَةِ أَوْ شَرْطًا مُؤَثِّرًا فِي الْعُقُوبَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْإِحْصَانِ فَلِهَذَا قُبِلَتْ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ هُنَا.

  69. (قَالَ) فَإِنْ قَالَ شُهُودُ الْإِحْصَانِ حِينَ اسْتَفْسَرَهُمْ الْقَاضِي: إنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَجَامَعَهَا أَوْ بَاضَعَهَا فَذَلِكَ كَافٍ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْجِمَاعِ يَتَنَاوَلُ الْجِمَاعَ فِي الْفَرْجِ خَاصَّةً، وَلِهَذَا مَا تَعَلَّقَ بِالْجِمَاعِ مِنْ الْأَحْكَامِ شَرْعًا إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ، وَالْمُبَاضَعَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنْ إدْخَالِ الْبُضْعِ فِي الْبُضْعِ فَأَمَّا إذَا قَالُوا دَخَلَ بِهَا فَذَلِكَ يَكْفِي لِثُبُوتِ الْإِحْصَانِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا يَكْفِي فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: الدُّخُولُ مُشْتَرَكٌ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْوَطْءُ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْمُلَاقَاةُ.

  70. وَكُلُّ لَفْظٍ مُشْتَرَكٍ أَوْ مُبْهَمٍ يَذْكُرُ الشُّهُودُ فَعَلَى الْقَاضِي أَنْ يَسْتَفْسِرَهُمْ لِيَكُونَ إقْدَامُهُ عَلَى الْأَمْرِ عَنْ بَصِيرَةٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا: أَتَاهَا أَوْ قَرِبَهَا لَا يُكْتَفَى بِذَلِكَ؟ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ: إنَّهُمْ ذَكَرُوا الدُّخُولَ مُضَافًا إلَيْهَا وَالدُّخُولَ مُضَافًا إلَى النِّسَاءِ بِحَرْفِ الْبَاءِ يُرَادُ بِهِ الْجِمَاعُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} وَإِذَا قِيلَ: فُلَانٌ دَخَلَ بِامْرَأَتِهِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إلَّا الْجِمَاعُ، وَالِاسْمُ مُشْتَرَكٌ بِدُونِ الصِّلَةِ،

  71. وَأَمَّا مَعَ هَذِهِ الصِّلَةِ وَالْإِضَافَةِ فَلَا وَهُوَ كَاسْمِ الْوَطْءِ فَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْوَطْءُ بِالْقَدَمِ،

  72. ثُمَّ إذَا قَالُوا: وَطِئَهَا كَانَ ذَلِكَ كَافِيًا لِثُبُوتِ الْإِحْصَانِ فَهَذَا مِثْلُهُ، وَلَكِنْ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: قَدْ يُقَالُ: دَخَلَ بِهَا وَالْمُرَادُ مَرَّ بِهَا أَيْ خَلَى بِهَا إلَّا أَنَّ ذَلِكَ نَوْعُ مَجَازٍ وَالْمَجَازُ لَا يُعَارِضُ الْحَقِيقَةَ.

  73. (قَالَ) وَإِنْ شَهِدُوا عَلَى التَّزْوِيجِ فَقَطْ غَيْرَ أَنَّ لَهُ مِنْهَا وَلَدًا فَهُوَ إحْصَانٌ،

  74. وَلَا يَكُونُ الْإِحْصَانُ بِشَيْءٍ أَبْيَنَ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّا لَمَّا حَكَمْنَا بِثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْهُ فَقَدْ حَكَمْنَا بِالدُّخُولِ بِهَا وَذَلِكَ أَقْوَى مِنْ شَهَادَةِ الشُّهُودِ عَلَى أَنَّهُ جَامَعَهَا، وَلِأَنَّ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الْعِلْمُ بِالدُّخُولِ بِهَا إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا أَوْلَادٌ فَوْقَ مَا يَقَعُ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ.

  75. (قَالَ) وَلَا يَكُونُ مُحْصَنًا بِالْخَلْوَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَهْرِ وَالْعِدَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ انْكِسَارُ الشَّهْوَةِ بِإِصَابَةِ الْحَلَالِ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ الْحَرَامِ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِالْخَلْوَةِ وَإِنَّمَا تُجْعَلُ الْخَلْوَةُ تَسْلِيمًا لِلْمُسْتَحِقِّ بِالْعَقْدِ فِي حُكْمِ الْمَهْرِ وَالْعِدَّةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ سَائِرَ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْوَطْءِ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهَا بِالْخَلْوَةِ؟ فَكَذَلِكَ الْإِحْصَانُ

  76. (قَالَ) وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ،

  77. وَلَا بَيْنَ الْجَلْدِ وَالنَّفْيِ أَمَّا فِي حَقِّ

  78. الْجَمْعِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ فَقَدْ بَيَّنَّاهُ،

  79. وَأَمَّا فِي حَقِّ الْبِكْرِ فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالنَّفْيِ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَيَجْلِدُ مِائَةً وَيُغَرِّبُ سَنَةً، وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ «بِحَدِيثِ الْعَسِيفِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ عَلَى ابْنِك جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَرَبَ وَغَرَّبَ وَأَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ضَرَبَ وَغَرَّبَ وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَاشْتَغَلَ بَعْضُهُمْ بِالْقِيَاسِ فَقَالَ: النَّفْيُ مِمَّا يَقَعُ بِهِ التَّعْزِيرُ فَكَانَ مِنْ جِنْسِهِ حَدًّا كَالْجَلْدِ، وَلَكِنْ هَذَا كَلَامُ الْجُهَّالِ فَإِنَّ إثْبَاتَ الْحُدُودِ وَتَكْمِيلَهَا بِالْقِيَاسِ لَا يَكُونُ وَلَكِنْ الْحَرْفُ لَهُمْ أَنَّ الزِّنَا قَبْلَ أَنْ تَتَّخِذَهُ الْمَرْأَةُ عَادَةً تَكْتَسِبُ بِهِ إنَّمَا يَنْشَأُ مِنْ الصُّحْبَةِ وَالْمُؤَالَفَةِ وَالْمُؤَانَسَةِ، وَالْفَرَاغُ وَالتَّغْرِيبُ قَاطِعٌ لِهَذَا السَّبَبِ وَالْحَدُّ مَشْرُوعٌ لِلزَّجْرِ عَنْ ارْتِكَابِ سَبَبِهِ فَمَا يَكُونُ قَاطِعًا لِلسَّبَبِ يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُود فَيَكُونُ حَدًّا.

  80. أَلَا تَرَى أَنَّ حَدَّ السَّرِقَةِ مَشْرُوعٌ بِقَطْعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ؛ لِأَنَّ تَمَكُّنَهُ مِنْ هَذَا الْفِعْلِ بِالْمَشْيِ وَالْبَطْشِ فَقَطْعُ الْآلَةِ الْمَاشِيَةِ وَالْبَاطِشَةِ مَانِعٌ لَهُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِكُمْ كَيْفَ تَنْفِي مَعَ الْمَحْرَمِ أَوْ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ هِجْرَةٌ وَاجِبَةٌ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَحْرَمُ كَالْهِجْرَةِ فِي الَّتِي أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلَمَّا كَانَ حَدًّا فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَكَلَّفَ لِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي إقَامَتِهِ كَالْجَلْدِ.

  81. (وَحُجَّتُنَا) فِيهِ قَوْله تَعَالَى {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} فَقَدْ جَعَلَ الْجَلْدَ جَمِيعَ حَدِّ الزِّنَا فَلَوْ أَوْجَبْنَا مَعَهُ التَّغْرِيبَ كَانَ الْجَلْدُ بَعْضَ الْحَدِّ فَيَكُونُ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ وَذَلِكَ يَعْدِلُ النَّسْخَ، وَرُوِيَ «أَنْ مُحَدَّجًا سَقِيمًا وُجِدَ عَلَى بَطْنِ أَمَةٍ مِنْ إمَاءِ الْحَيِّ يَفْجُرُ بِهَا فَأُتِيَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: اضْرِبُوهُ مِائَةً، فَقَالُوا: إنَّ بَدَنَهُ لَا يَحْتَمِلُ الضَّرْبَ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: خُذُوا عُثْكَالًا عَلَيْهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ فَاضْرِبُوهُ بِهَا» وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالتَّغْرِيبِ،

  82. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ حَدًّا لَتَكَلَّفَ لَهُ كَمَا تَكَلَّفَ لِلْحَدِّ،

  83. وَأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَلَدَ أَبَا بَكْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي دَارِهِ عَلَى الزِّنَا، وَأَمَرَ امْرَأَتَهُ أَنْ تَكْتُمَ فَلَوْ كَانَ التَّغْرِيبُ مُتَمِّمًا لِلْحَدِّ لَمَا أَمَرَهَا بِالْكِتْمَانِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ وَلَمَّا نُفِيَ شَارِبُ الْخَمْرِ ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِالرُّومِ فَقَالَ وَاَللَّهِ لَا أَنْفِي أَحَدًا بَعْدَ هَذَا أَبَدًا فَلَوْ كَانَ مَشْرُوعًا حَدًّا لَمَا حَلَفَ أَنْ لَا يُقِيمَهُ قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَفَى بِالنَّفْيِ فِتْنَةً وَالْحَدُّ مَشْرُوعٌ لَتَسْكِينِ الْفِتْنَةِ فَمَا يَكُونُ فِتْنَةً لَا يَكُونُ حَدًّا.

  84. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ عَلِيًّا وَابْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - اخْتَلَفَا فِي أُمِّ وَلَدٍ زَنَتْ بَعْدَ مَوْتِ مَوْلَاهَا قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تُجْلَدُ،

  85. وَلَا تُنْفَى، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تُنْفَى وَأَخَذْنَا بِقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى دَفْعِ الْفِتْنَةِ وَالْفَسَادِ وَمَعْنَى هَذَا مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ قَالَ أَرَأَيْت شَابَّةً زَنَتْ أَكُنْتُ

  86. أَنْفِيهَا؟ أَيْ فِي نَفْيِهَا تَعْرِيضٌ لَهَا لِمِثْلِ مَا اُبْتُلِيَتْ بِهِ فَإِنَّهَا عِنْدَ أَبَوَيْهَا تَكُونُ مَحْفُوظَةً فَفِي دَارِ الْغُرْبَةِ تَكُونُ خَلِيعَةَ الْعَذَارِ، وَالنِّسَاءُ لَحْمٌ عَلَى وَضَمٍ إلَّا مَا ذُبَّ عَنْهُنَّ، وَإِنَّمَا تَبْقَى الْمَرْأَةُ مَحْفُوظَةً بِالْحَافِظِ وَالِاسْتِحْيَاءِ وَذَلِكَ يَنْعَدِمُ بِالتَّغْرِيبِ فَيَكُونُ تَعْرِيضًا لَهَا لِلْإِقْدَامِ عَلَى هَذِهِ الْفَاحِشَةِ بِرَفْعِ الْمَانِعِ وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا قَالَهُ الْخَصْمُ؛

  87. لِأَنَّ مَا يَنْشَأُ عَنْ الصُّحْبَةِ وَالْمُؤَانَسَةِ يَكُونُ مَكْتُومًا، وَمَا يَنْشَأُ عَنْ الْمُوَاقَحَةِ يَكُونُ ظَاهِرًا،

  88. فَإِنَّ فِي هَذَا قَطْعًا لِسَبَبِ مَا يَنْشَأُ عَنْ الْمُحَادَثَةِ وَهُوَ مَكْتُومٌ فَفِيهِ تَعْرِيضٌ لِلزِّنَا بِطَرِيقِ الْوَقَاحَةِ وَهُوَ أَفْحَشُ ثُمَّ قَالَ: أَرَأَيْت أَمَةً زَنَتْ أَكُنْت أَنْفِيهَا؟ فَأَحُولُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَوْلَاهَا وَبَيْنَ خِدْمَتِهَا وَحَقُّ الْمَوْلَى فِي الْخِدْمَةِ مَرْعِيٌّ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الشَّرْعِ،

  89. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْأَمَةَ لَا تُنْفَى فَكَذَلِكَ الْحُرَّةُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ} وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ نِصْفَ الْحَدِّ خَمْسُونَ جَلْدَةً ثَبَتَ أَنَّ كَمَالَهُ مِائَةُ جَلْدَةٍ ثُمَّ لَا يَجُوزُ أَنْ تُنْفَى الْحُرَّةُ مَعَ الْمَحْرَمِ؛ لِأَنَّ الْمَحْرَمَ لَمْ يَزْنِ فَكَيْف يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ؟

  90. وَبِدُونِ الْمَحْرَمِ هِيَ مَمْنُوعَةٌ عَنْ الْمُسَافَرَةِ شَرْعًا فَلَا يَجُوزُ إقَامَةُ الْحَدِّ بِطَرِيقٍ فِيهِ إبْطَالُ مَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ شَرْعًا.

  91. فَأَمَّا الْمُهَاجِرَةُ لَا تَقْصِدُ السَّفَرَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ وَإِنَّمَا تَقْصِدُ التَّخَلُّصَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى لَوْ وَصَلَتْ إلَى جَيْشٍ لَهُمْ مَنَعَةٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَأَمِنَتْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُسَافِرَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ بَعْدَ ذَلِكَ،

  92. فَأَمَّا الْحَدِيثُ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالتَّغْرِيبِ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ ثُمَّ اُنْتُسِخَ بِنُزُولِ سُورَةِ النُّورِ.

  93. وَالْمُرَادُ بِالتَّغْرِيبِ الْحَبْسُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْزِيرِ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى {أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ} : إنَّهُ الْحَبْسُ، وَقَالَ الْقَائِلُ:

  94. وَمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْلُهُ ... فَإِنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ

  95. أَيْ: مَحْبُوسٌ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِحَبْسٍ بِطَرِيقِ التَّعْزِيرِ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ وَإِنْ ثَبَتَ النَّفْيُ عَلَى أَحَدٍ فَذَلِكَ بِطَرِيقِ الْمَصْلَحَةِ لَا بِطَرِيقِ الْحَدِّ كَمَا نَفَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هِيتَ الْمُخَنَّثَ مِنْ الْمَدِينَةِ، وَنَفَى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَصْرَ بْنَ حَجَّاجٍ مِنْ الْمَدِينَةِ حِينَ سَمِعَ قَائِلَةً تَقُولُ:

  96. هَلْ مِنْ سَبِيلٍ إلَى خَمْرٍ فَأَشْرَبُهَا ... أَوْ هَلْ سَبِيلٌ إلَى نَصْرِ بْنِ حَجَّاجِ

  97. فَنَفَاهُ وَالْجَمَالُ لَا يُوجِبُ النَّفْيَ وَلَكِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِلْمَصْلَحَةِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَمَا ذَنْبِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: لَا ذَنْبَ لَك وَإِنَّمَا الذَّنْبُ لِي حَيْثُ لَا أُطَهِّرُ دَارَ الْهِجْرَةِ مِنْك، وَقَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي النَّفْيِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ يَنْفِي إلَى بَلَدٍ غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي فَجَرَ فِيهِ وَلَكِنْ دُونَ مَسِيرَةِ سَفَرٍ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَكُونُ النَّفْيُ دُونَ مَسِيرَةِ سَفَرٍ.

  98. (قَالَ) وَلَا يَكُونُ مُحْصَنًا بِالْجِمَاعِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْوَطْءِ الْحَرَامِ فَلَا يُتِمُّ بِهِ عَلَيْهِ النِّعْمَةَ

  99. وَلَا يَسْتَفِيدُ كَمَالَ الْحَالِ، وَالْإِحْصَانُ عِبَارَةٌ عَنْ ذَلِكَ وَلَا بِالْجِمَاعِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ إذَا كَانَ قَالَ لَهَا إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ قَامَتْ لَنَا عَلَى أَنَّهَا تَطْلُقُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فَجِمَاعُهُ إيَّاهَا بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ زِنًى إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ لِشُبْهَةِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَلَكِنْ لَا يُسْتَفَادُ بِهَذَا الْفِعْلِ كَمَالُ الْحَالِ،

  100. وَكَذَلِكَ إنْ تَزَوَّجَ الْمُسْلِمُ مَجُوسِيَّةً أَوْ مُسْلِمَةً بِغَيْرِ شُهُودٍ فَدَخَلَ بِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ أَنْوَاعِ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ

  101. (قَالَ) وَإِذَا ثَبَتَ الزِّنَا عِنْدَ الْقَاضِي سَأَلَ الزَّانِيَ: أَمُحْصِنٌ أَنْتَ؟ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالْإِحْصَانِ اسْتَغْنَى الْقَاضِي عَنْ طَلَبِ إحْصَانِهِ بِالْحُجَّةِ،

  102. فَإِنْ أَنْكَرَ إحْصَانَهُ وَشَهِدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ فَرُجِمَ ثُمَّ رَجَعَ شُهُودُ الْإِحْصَانِ لَمْ يَضْمَنُوا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمْ مَا شَهِدُوا بِسَبَبِ الْعُقُوبَةِ وَلَا بِشَرْطِهَا، وَلِأَنَّ سَبَبَ الْعُقُوبَةِ ثَابِتٌ بِبَقَاءِ شُهُودِ الزِّنَا عَلَى شَهَادَتِهِمْ،

  103. فَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الزِّنَا وَشُهُودُ الْإِحْصَانِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى شُهُودِ الْإِحْصَانِ عِنْدَنَا وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَشْتَرِكُونَ فِي الضَّمَانِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِ أَنَّ الْإِحْصَانَ شَرْطُ الرَّجْمِ وَأَنَّ شُهُودَ الشَّرْطِ يَضْمَنُونَ عِنْدَ الرُّجُوعِ كَشُهُودِ السَّبَبِ عِنْدَهُ، وَعِنْدَنَا لَا ضَمَانَ عَلَى شُهُودِ الشَّرْطِ،

  104. ثُمَّ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْإِحْصَانَ لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ حَقِيقَةً مَا يَتَوَقَّفُ تَمَامُ السَّبَبِ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ حَالٌ فِي الزَّانِي فَلَا يَكُونُ الْإِتْلَافُ مُضَافًا إلَيْهِ بِوَجْهٍ، وَرُبَّمَا قَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْإِحْصَانُ يَغْلُظُ جَرِيمَتُهُ وَالرَّجْمُ عُقُوبَةُ جَرِيمَةٍ مُغَلَّظَةٍ،

  105. فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ بِشُهُودِ الْإِحْصَانِ تَغَلَّظَتْ جَرِيمَتُهُ كَانُوا بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَثْبَتَ أَصْلَ الْجَرِيمَةِ فَصَارُوا فِي الْمَعْنَى كَسِتَّةِ نَفَرٍ شَهِدُوا عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْقَتْلِ، وَلَكِنَّ هَذَا بَعِيدٌ،

  106. فَإِنَّ الْإِسْلَامَ وَالنِّكَاحَ يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُضَافَ إلَيْهِمَا الْجَرِيمَةُ وَلَا تَغْلِيظُهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ بِالزِّنَا وَآخَرَانِ بِالْإِحْصَانِ لَا تَتِمُّ الْحُجَّةُ، مَعْلُومٌ أَنَّ الرَّجْمَ يُسْتَحَقُّ بِشَهَادَةِ شُهُودٍ أَرْبَعَةٍ فَلَوْ كَانَ شُهُودُ الْإِحْصَانِ كَشُهُودِ الزِّنَا لَتَمَّتْ الْحُجَّةُ هُنَا،

  107. فَأَمَّا إذَا رَجَعَ شُهُودُ الزِّنَا أَوْ بَعْضُهُمْ فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:

  108. إمَّا أَنْ يَرْجِعَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَ الْقَضَاءِ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ أَوْ بَعْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ،

  109. فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ الْقَضَاءِ يُحَدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ عِنْدَنَا كَمَا لَوْ رَجَعُوا جَمِيعًا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُحَدُّ إلَّا الرَّاجِعُ خَاصَّةً وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الْحُجَّةَ تَمَّتْ بِاجْتِمَاعِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَتَمَامُ الْحُجَّةِ يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُمْ قَذْفًا،

  110. ثُمَّ الرَّاجِعُ فَسَخَ مَعْنَى الشَّهَادَةِ مِنْ كَلَامِهِ بِرُجُوعِهِ فَيَنْقَلِبُ كَلَامُهُ قَذْفًا وَلَكِنَّ لَهُ وِلَايَةَ فَسْخِ الشَّهَادَةِ عَلَى نَفْسِهِ لَا عَلَى غَيْرِهِ فَيَبْقَى كَلَامُ الْبَاقِينَ

  111. شَهَادَةً وَصَارَ فِي حَقِّهِمْ كَأَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ فَلَا يَلْزَمُهُمْ الْحَدُّ

  112. بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ ثَلَاثَةٌ وَامْتَنَعَ الرَّابِعُ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ لَمْ تَتِمَّ هُنَاكَ وَالشَّهَادَةُ عَلَى الزِّنَا فِي الْحَقِيقَةِ قَذْفٌ، وَلَكِنْ بِاعْتِبَارِ تَمَامِ الْحُجَّةِ يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَذْفًا شَرْعًا فَلَمَّا لَمْ تَتِمَّ الْحُجَّةُ هُنَاكَ بَقِيَ كَلَامُهُمْ قَذْفًا فَيَلْزَمُهُمْ الْحَدُّ وَلَمَّا تَمَّتْ الْحُجَّةُ هُنَا لَمْ يَكُنْ كَلَامُهُمْ قَذْفًا،

  113. ثُمَّ حُكْمُ فَسْخِ الشَّهَادَةِ بِرُجُوعِ الرَّابِعِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى الْبَاقِي.

  114. (وَحُجَّتُنَا) فِيهِ أَنَّ الْعَارِضَ بِالشُّهُودِ قَبْلَ الْقَضَاءِ كَالْمُقْتَرِنِ بِأَصْلِ الْأَدَاءِ بِدَلِيلِ عَمَى الشُّهُودِ وَرِدَّتِهِمْ وَبِدَلِيلِ الْمَالِ،

  115. فَإِنَّ رُجُوعَ الشُّهُودِ هُنَاكَ قَبْلَ الْقَضَاءِ يَمْنَعُ الْقَاضِيَ مِنْ الْقَضَاءِ بِالْمَالِ لِعَدَمِ تَمَامِ الْحُجَّةِ فِي الِابْتِدَاءِ،

  116. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: لَوْ امْتَنَعَ الرَّابِعُ مِنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فِي الِابْتِدَاءِ يُقَامُ حَدُّ الْقَذْفِ عَلَى الثَّلَاثَةِ،

  117. وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لِسُكُوتِ الرَّابِعِ بَلْ بِنِسْبَتِهِمْ إيَّاهُ إلَى الزِّنَا، فَكَذَلِكَ إذَا رَجَعَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ الْقَضَاءِ قَوْلُهُ إنَّ الْحُجَّةَ تَمَّتْ وَكَانَ كَلَامُهُمْ شَهَادَةً.

  118. (قُلْنَا) هَذَا مَوْقُوفٌ مُرَاعًى؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَكُونُ حُجَّةً مُوجِبَةً مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهَا الْقَضَاءُ،

  119. فَإِذَا لَمْ يَتَّصِلْ الْقَضَاءُ هُنَا بِالشَّهَادَةِ حَتَّى رَجَعَ أَحَدُهُمْ بَقِيَ كَلَامُهُمْ قَذْفًا بِالزِّنَا إلَّا أَنْ يَكُونَ حُجَّةُ الْحَدِّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ تَامَّةً، أَلَا تَرَى أَنَّ كَلَامَ الرَّاجِعِ قَذْفٌ بِالزِّنَا؟ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ شُهِدَ مَعَ الْقَاذِفِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يُقَامُ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ جَمِيعًا فَكَذَلِكَ هُنَا،

  120. فَأَمَّا إذَا رَجَعَ أَحَدُهُمْ بَعْدَ الْقَضَاءِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ فَإِنَّهُ لَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعَارِضَ بَعْدَ الْقَضَاءِ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ كَالْعَارِضِ قَبْلَهُ بِدَلِيلِ عَمَى الشُّهُودِ وَرِدَّتِهِمْ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يُمْكِنُهُ إقَامَةُ الْحَدِّ إلَّا بِحُجَّةٍ كَامِلَةٍ وَلَمْ تَبْقَ بَعْدَ رُجُوعِ أَحَدِهِمْ ثُمَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى الْآخَرِ يُحَدُّونَ جَمِيعًا حَدَّ الْقَذْفِ اسْتِحْسَانًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يُحَدُّ الرَّاجِعُ وَحْدَهُ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛

  121. لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ رُجُوعَ الشَّاهِدِ بَعْدَ الْقَضَاءِ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ كَالرُّجُوعِ قَبْلَ الْقَضَاءِ.

  122. وَفِيمَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ كَالرُّجُوعِ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ بِدَلِيلِ الْمَالِ، فَإِنَّهُمْ إذَا رَجَعُوا بَعْدَ الْقَضَاءِ لَا يَمْتَنِعُ الِاسْتِيفَاءُ عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ إذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ فَرُجُوعُ أَحَدِهِمْ فِيهِ بَعْدَ الْقَضَاءِ كَالرُّجُوعِ قَبْلَهُ،

  123. فَأَمَّا سُقُوطُ حَدِّ الْقَذْفِ عَنْهُمْ يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ فَرُجُوعُ أَحَدِهِمْ فِيهِ بَعْدَ الْقَضَاءِ كَرُجُوعِهِ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ تَوْضِيحُهُ أَنَّ الْحُجَّةَ تَعْتَمِدُ الْقَضَاءَ وَبَعْدَ مَا تَمَّتْ الْحُجَّةُ لَا يَكُونُ كَلَامُهُمْ قَذْفًا ثُمَّ بِرُجُوعِ أَحَدِهِمْ يَبْطُلُ مَعْنَى الْحُجَّةِ فِي حَقِّهِ فَيَصِيرُ كَلَامُهُ قَذْفًا وَلَكِنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْبَاقِينَ وَلَا عَلَى إبْطَالِ حُكْمِ الْحَاكِمِ، فَيَبْقَى كَلَامُ الْبَاقِينَ حُجَّةً غَيْرَ قَذْفٍ كَمَا كَانَ قَبْلَ

  124. رُجُوعِهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَقُولَانِ: رُجُوعُ أَحَدِهِمْ بَعْدَ الْقَضَاءِ كَرُجُوعِهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِدَلِيلِ سُقُوطِ الْحَدِّ عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ،

  125. وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ إبْطَالِ الْحُكْمِ،

  126. وَإِذَا ثَبَتَ بُطْلَانُ الْحُكْمِ بِهَذَا الدَّلِيلِ كَانَ هَذَا وَمَا قَبْلَ الْقَضَاءِ سَوَاءً، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ فِيمَا يَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى تَمَامُ الْقَضَاءِ بِالِاسْتِيفَاءِ فَإِنَّ الِاسْتِيفَاءَ مِنْ تَتِمَّةِ الْقَضَاءِ وَلِهَذَا كَانَ إلَى الْإِمَامِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِإِعْلَامِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ بِحَقِّهِ أَوْ لِتَمْكِينِهِ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ، وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ الْمُعْتَبَرُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى النِّيَابَةُ فِي الِاسْتِيفَاءِ وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ بِالْقَضَاءِ بَلْ بِحَقِيقَةِ الِاسْتِيفَاءِ فَإِذَا رَجَعَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ تَمَامِ الْقَضَاءِ بِالِاسْتِيفَاءِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ رُجُوعِهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ

  127. وَكَذَلِكَ إنْ أُقِيمَ بَعْضُ الْحَدِّ،

  128. ثُمَّ رَجَعَ أَحَدُهُمْ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَتَجَزَّى فَاسْتِيفَاؤُهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِإِتْمَامِهِ فَأَمَّا إذَا رَجَعَ أَحَدُهُمْ بَعْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ:

  129. إمَّا أَنْ يَكُونَ الْحَدُّ جَلْدًا أَوْ رَجْمًا،

  130. فَإِنْ كَانَ جَلْدًا فَإِنَّهُ يُحَدُّ هَذَا الرَّاجِعُ بِالِاتِّفَاقِ وَلَا حَدَّ عَلَى الْبَاقِينَ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ تَمَّتْ وَالْحُكْمَ تَأَكَّدَ بِالِاسْتِيفَاءِ، فَرُجُوعُ أَحَدِهِمْ يُبْطِلُ مَعْنَى الشَّهَادَةِ فِي حَقِّهِ لِإِقْرَارِهِ فَيَكُونُ قَاذِفًا لَهُ،

  131. وَلَا يَبْطُلُ بِهِ مَعْنَى الشَّهَادَةِ الْمُتَأَكَّدَةِ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمْ،

  132. فَأَمَّا إذَا كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا فَعِنْدَنَا يُحَدُّ الرَّاجِعُ وَحْدَهُ، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُحَدُّ الرَّاجِعُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الرَّاجِعَ لَا يَكُونُ قَاذِفًا لَهُ بِالرُّجُوعِ فَإِنَّهُ يُثْنِي عَلَيْهِ خَيْرًا فَيَقُولُ: كَانَ عَفِيفًا وَلَمْ يَكُنْ زَانِيًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ قَاذِفًا لَهُ بِالشَّهَادَةِ السَّابِقَةِ، فَتَبَيَّنَّ أَنَّهُ قَذَفَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ وَمَنْ قَذَفَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ؛

  133. لِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ لَا يُورَثُ

  134. بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْحَدُّ جَلْدًا؛ لِأَنَّ الْمَقْذُوفَ حَيٌّ بَعْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْقِ أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ أَنَّ أَحَدَ الشُّهُودِ كَانَ عَبْدًا،

  135. فَإِنْ كَانَ الْحَدُّ جَلْدًا يُحَدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ وَإِنْ كَانَ رُجِمَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ فَلَا رَجْمَ عَلَيْهِمْ بِالِاتِّفَاقِ وَهَذَا مِثْلُهُ.

  136. (وَحُجَّتُنَا) فِيهِ أَنَّهُ بِالرُّجُوعِ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْتِزَامِ حَدِّ الْقَذْفِ وَإِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ حُجَّةٌ وَتَحْقِيقُهُ وَهُوَ أَنَّ الشَّاهِدَ عِنْدَ الرُّجُوعِ لَا يَصِيرُ قَاذِفًا مِنْ وَقْتِ الشَّهَادَةِ بَلْ يَصِيرُ قَاذِفًا فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ اقْتِرَانَ مَعْنَى الشَّهَادَةِ بِكَلَامِهِ يَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَذْفًا وَإِنَّمَا انْتَزَعَ مَعْنَى الشَّهَادَةِ مِنْ كَلَامِهِ عِنْدَ رُجُوعِهِ فَيَصِيرُ كَلَامُهُ السَّابِقُ الْآنَ قَذْفًا، كَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ عِنْدَ دُخُولِ الدَّارِ يَصِيرُ ذَلِكَ الْكَلَامُ طَلَاقًا لَا أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ طَلَاقًا؛

  137. لِأَنَّ صَيْرُورَتَهُ طَلَاقًا بِاعْتِبَارِ وُصُولِهِ إلَى الْمَحَلِّ، وَوُصُولُهُ إلَى الْمَحَلِّ مَقْصُورٌ عَلَى الْحَالِ،

  138. فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ كَلَامُهُ فِي الْحَالِ قَذْفًا، وَالْمَقْذُوفُ فِي الْحَالِ مَيِّتٌ وَمَنْ قَذَفَ مَيِّتًا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ (فَإِنْ قِيلَ) هُوَ فِي الْحَالِ مَرْجُومٌ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ لَوْ

  139. قَذَفَهُ قَاذِفٌ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ فَكَيْف يُحَدُّ هَذَا الرَّاجِعُ (قُلْنَا) هُوَ مَرْجُومٌ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ بِشَهَادَتِهِمْ وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ وَزَعْمُهُ مُعْتَبَرٌ فِي نَفْسِهِ

  140. بِخِلَافِ الْقَاذِفِ، فَإِنَّ قَذْفَهُ لَا يَقْدَحُ فِي الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ حُجَّةٌ.

  141. (فَإِنْ قِيلَ) أَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّهُ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ كَانَ عَفِيفًا،

  142. وَلَوْ قَذَفَهُ إنْسَانٌ بِالزِّنَا ثُمَّ أَكْذَبَ نَفْسَهُ وَقَالَ إنَّهُ كَانَ عَفِيفًا لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَيْضًا (قُلْنَا) نَعَمْ الْقَاذِفُ وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ فَالْحُجَّةُ الْمُسْقِطَةُ لِلْإِحْصَانِ بَقِيَتْ كَامِلَةً فِي حَقِّهِ،

  143. فَأَمَّا إذَا رَجَعَ وَاحِدٌ مِنْ الشُّهُودِ لَا تَبْقَى الْحُجَّةُ الْمُسْقِطَةُ لِلْإِحْصَانِ كَامِلَةً فِي حَقِّهِ فَلِهَذَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَهَذَا

  144. بِخِلَافِ مَا إذَا ظَهَرَ أَنَّ أَحَدَهُمْ عَبْدٌ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا شَهَادَةَ لَهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ كَلَامَهُمْ كَانَ قَذْفًا فِي حَالِ حَيَاتِهِ،

  145. وَمَنْ قَذَفَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ،

  146. فَأَمَّا حُكْمُ الضَّمَانِ فَعَلَى الرَّاجِعِ رُبْعُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ مَقْتُولٌ ظُلْمًا بِشَهَادَتِهِمْ وَكُلُّ شَاهِدٍ عَلَى الزِّنَا مُتْلِفٌ رُبْعَ النَّفْسِ كَمَا قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ شَهِدَ أَحَدُ الشُّهُودِ عَلَى الْمُغِيرَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَوَّهْ أُودِيَ رُبْعُ الْمُغِيرَةِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ عَلَى الشَّهَادَةِ مَنْ يَقُومُ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْحَقِّ، وَإِنَّمَا انْعَدَمَتْ الْحُجَّةُ فِي رُبْعِ الْحَقِّ فَلِهَذَا كَانَ عَلَى الرَّاجِعِ رُبْعُ الدِّيَةِ عِنْدَنَا.

  147. (قَالَ) وَلَوْ رَجَعُوا جَمِيعًا حُدُّوا حَدَّ الْقَذْفِ وَغَرِمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رُبْعَ الدِّيَةِ عِنْدَنَا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالْحَسَنُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: يُقْتَلُونَ؛ لِأَنَّهُمْ قَاتِلُونَ لَهُ،

  148. فَإِنَّ مَا يَحْصُلُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي يَكُونُ مُضَافًا إلَى شَهَادَةِ الشُّهُودِ، وَنَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْقَاتِلِينَ لَهُ، وَلَكِنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي بِإِبَاحَةِ دَمِهِ شُبْهَةٌ مَانِعَةٌ مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ مَعَ أَنَّ الرَّجْمَ يَكُونُ بِالْحِجَارَةِ، وَمُبَاشَرَةُ الْقَتْلِ بِالْحَجَرِ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ عِنْدَنَا، وَالشُّهُودُ مُتَسَبِّبُونَ عِنْدَنَا،

  149. وَلَا قِصَاصَ عَلَى الْمُتَسَبِّبِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ فِي شُهُودِ الْقِصَاصِ

  150. (قَالَ) وَإِنْ قَالَ أَحَدُ الشُّهُودِ بَعْدَ الرَّجْمِ: كُنْت يَوْمَ شَهِدْت عَلَيْهِ كَافِرًا أَوْ مَمْلُوكًا لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ كَلَامَهُمْ حُجَّةٌ مُتَأَكَّدَةٌ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، وَإِقْرَارُ الْمَرْءِ حُجَّةٌ عَلَى نَفْسِهِ لَا عَلَى غَيْرِهِ فَلَا يَتَبَيَّنُ بِقَوْلِهِ إنَّ كَلَامَهُمْ كَانَ قَذْفًا

  151. بِخِلَافِ مَا إذَا ظَهَرَ أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا فَإِنَّ هُنَاكَ تَبَيَّنَ أَنَّ كَلَامَهُمْ كَانَ قَذْفًا فَإِنْ كَانَ الْمَقْذُوفُ حَيًّا بِأَنْ كَانَ الْحَدُّ جَلْدًا يُحَدُّونَ وَإِنْ كَانَ الْمَقْذُوفُ مَيِّتًا بِأَنْ كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا لَا يُحَدُّونَ ثُمَّ إذَا ظَهَرَ أَنَّ أَحَدَ الشُّهُودِ كَانَ أَعْمَى أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ فَهُوَ وَمَا لَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ عَبْدٌ سَوَاءٌ؛

  152. لِأَنَّ الْمَحْدُودَ فِي الْقَذْفِ لَيْسَ لَهُ شَهَادَةُ الْأَدَاءِ فَإِنَّ الشَّرْعَ أَبْطَلَ شَهَادَتَهُ وَلِهَذَا لَا يُلَاعِنُ امْرَأَتَهُ وَالْأَعْمَى لَيْسَتْ لَهُ شَهَادَةٌ فِي الزِّنَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الزِّنَا لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ الرُّؤْيَةِ كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ وَلَيْسَ لِلْأَعْمَى ذَلِكَ وَمُعْتَقُ الْبَعْضِ كَالْمُكَاتَبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

  153. وَلَا شَهَادَةَ لِلْمُكَاتَبِ، فَإِذَا كَانَ ظُهُورُ هَذَا بَعْدَ الرَّجْمِ فَدِيَةُ الْمَرْجُومِ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ هَذَا خَطَأٌ مِنْ الْإِمَامِ فِي عَمَلِهِ لِلَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ ضَمَانُهُ فِي مَالِ اللَّهِ وَهُوَ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ، وَالْإِمَامُ فِي هَذَا عَامِلٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَطْهِيرُ دَارِ الْإِسْلَامِ عَنْ ارْتِكَابِ الْفَوَاحِشِ فِيهَا فَيَكُونُ الضَّمَانُ فِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا؛

  154. لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إيجَابُ الضَّمَانِ عَلَى الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ضَمِنَ كَانَ خَصْمًا وَفِيمَا هُوَ خَصْمٌ لَا يَكُونُ قَاضِيًا كَمَا فِي حُقُوقِ نَفْسِهِ فَإِذَا تَعَذَّرَ إيجَابُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ قُلْنَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى مَنْ وَقَعَ الْقَضَاءُ لَهُ فَفِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى يَكُونُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَفِي حُقُوقِ الْعِبَادِ كَالْقِصَاصِ وَالْمَالِ يَكُونُ الضَّمَانُ عَلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ

  155. (قَالَ) فَإِنْ رَجَمَهُ الْإِمَامُ بِشَهَادَتِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ الشُّهُودِ،

  156. ثُمَّ سَأَلَ عَنْهُمْ فَأُخْبِرَ أَنَّهُمْ غَيْرُ عُدُولٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّ لِلْفَاسِقِ شَهَادَةَ الْأَدَاءِ عِنْدَنَا وَلَكِنْ يَتَوَقَّفُ فِي شَهَادَتِهِ لِتَمَكُّنِ تُهْمَةِ الْكَذِبِ، وَلِهَذَا يُلَاعِنُ امْرَأَتَهُ فَلَا يَتَبَيَّنُ بِظُهُورِ فِسْقِهِمْ أَنَّ الْقَاضِيَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ فَلِهَذَا لَا يَجِبُ الضَّمَانُ

  157. بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، وَفِي الْكِتَابِ قَالَ: إنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ إذَا تَابُوا، وَهَذَا ضَعِيفٌ فَالْكُفَّارُ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ إذَا أَسْلَمُوا وَالْعَبِيدُ إذَا أُعْتِقُوا، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى مَا قُلْنَا

  158. وُجِدَ الرَّجُلُ مَجْبُوبًا بَعْدَ مَا رُجِمَ

  159. (قَالَ) فَإِنْ وُجِدَ الرَّجُلُ مَجْبُوبًا بَعْدَ مَا رُجِمَ فَعَلَى الشُّهُودِ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ كَذِبُهُمْ بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّ الْمَجْبُوبَ لَيْسَ لَهُ آلَةُ الزِّنَا فَكَيْف يَزْنِي، وَظُهُورُ كَذِبِهِمْ هُنَا فَوْقَ ظُهُورِ كَذِبِهِمْ فِيمَا إذَا رَجَعُوا

  160. بِخِلَافِ مَا إذَا ظَهَرَ أَنَّهُمْ عَبِيدٌ أَوْ كُفَّارٌ،

  161. فَإِنَّ هُنَاكَ لَمْ يَتَيَقَّنْ بِكَذِبِهِمْ وَالْعَبْدُ وَالْكَافِرُ قَدْ يُصَدَّقُ، وَلَكِنْ لَا شَهَادَةَ لَهُمْ فَكَانَ خَطَأً مِنْ الْإِمَامِ فَلِهَذَا كَانَ الضَّمَانُ فِي بَيْتِ الْمَالِ،

  162. وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً فَنَظَرَ النِّسَاءُ إلَيْهَا بَعْدَ الرَّجْمِ، وَقُلْنَ هِيَ عَذْرَاءُ أَوْ رَتْقَاءُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الشُّهُودِ بِقَوْلِ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ لَا تَكُونُ حُجَّةً تَامَّةً فِي إلْزَامِ ضَمَانِ الْمَالِ وَلَا مَقْصُودَ هُنَا سِوَى إيجَابِ ضَمَانِ الْمَالِ عَلَى الشُّهُودِ

  163. بِخِلَافِ الْجَبِّ فَذَلِكَ مُعَايَنٌ يُتَيَقَّنُ بِهِ لَا مِنْ جِهَةِ قَوْلِ النِّسَاءِ، لَكِنْ إنْ نَظَرَ إلَيْهَا النِّسَاءُ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ وَقُلْنَ هِيَ عَذْرَاءُ أَوْ رَتْقَاءُ يُدْرَأُ عَنْهَا الْحَدُّ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ تَتَمَكَّنُ بِقَوْلِ النِّسَاءِ وَلَا شُبْهَةَ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا فَمَعَ الرَّتْقِ لَا يُتَصَوَّرُ الزِّنَا الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ، وَبَعْدَ الزِّنَا الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ لَا يُتَصَوَّرُ بَقَاءُ الْعُذْرَةِ

  164. (قَالَ) وَإِذَا شَهِدُوا بِالزِّنَا وَالْإِحْصَانِ وَمَاتُوا أَوْ غَابُوا أَوْ عَمُوا أَوْ ارْتَدُّوا أَوْ خَرِسُوا أَوْ ضُرِبُوا حَدَّ الْقَذْفِ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ أَوْ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى بِشَهَادَتِهِمْ لَمْ يُرْجَمْ، أَمَّا مَا يُبْطِلُ الشَّهَادَةَ كَالْعَمَى وَالْخَرَسِ وَالرِّدَّةِ وَحَدِّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعَوَارِضَ لَوْ اقْتَرَنَتْ بِالشَّهَادَةِ مَنَعَتْهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ حُجَّةً، فَكَذَلِكَ إذَا اعْتَرَضَتْ بَعْدَ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَ الْقَضَاءِ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ؛

  165. لِأَنَّ مُوجِبَهُ مِمَّا يَنْدَرِئُ

  166. بِالشُّبُهَاتِ وَلَكِنْ لَا حَدَّ عَلَى الشُّهُودِ؛ لِأَنَّهُمْ جَاءُوا مَجِيءَ الشُّهُودِ وَالْعَدَدُ مُتَكَامِلٌ،

  167. وَكَذَلِكَ إنْ أَصَابَ ذَلِكَ أَحَدُ الشُّهُودِ فَهُوَ وَمَا لَوْ أَصَابَهُمْ فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ فَأَمَّا فِي مَوْتِ الشُّهُودِ وَغَيْبَتِهِمْ فَنَقُولُ إنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي الْحُجَّةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ فِي حُقُوقِ النَّاسِ لَا يَمْتَنِعُ عَلَى الْقَاضِي الْقَضَاءُ بِهَا فَكَذَلِكَ فِي الزِّنَا، إذَا كَانَ الْحَدُّ جَلْدًا؛

  168. لِأَنَّ بِالْمَوْتِ يَتَأَكَّدُ عَدَالَتُهُمْ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ مَا يُبْطِلُ عَدَالَتَهُمْ،

  169. وَكَذَلِكَ غَيْبَتُهُمْ لَا تَكُونُ قَدْحًا فِي عَدَالَتِهِمْ فَلَا يَمْنَعُ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى الْقَاضِي،

  170. فَأَمَّا إذَا كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا فَإِنَّهُ لَا يُقَامُ بَعْدَ غَيْبَةِ الشُّهُودِ وَمَوْتِهِمْ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي الرَّجْمِ أَنْ يَبْدَأَ بِهِ الشُّهُودُ ثُمَّ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ وَقَدْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِمْ وَغَيْبَتِهِمْ.

  171. وَهَذَا قَوْلُنَا، وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُعْتَبَرُ فِي الرَّجْمِ بِدَايَةُ الشُّهُودِ وَلَكِنَّ الْإِمَامَ هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ قَالَ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ فَارَقُوا سَائِرَ النَّاسِ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَإِقَامَةُ الرَّجْمِ لَيْسَ مِنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فِي شَيْءٍ فَهُمْ فِي ذَلِكَ كَسَائِرِ النَّاسِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَدَّ لَوْ كَانَ جَلْدًا لَا يُؤْمَرُ الشُّهُودُ بِالضَّرْبِ؟

  172. فَكَذَا الرَّجْمُ وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْجُمَ شُرَاحَةَ الْهَمْدَانِيَّةَ قَالَ الرَّجْمُ رَجْمَانِ رَجْمُ سِرٍّ وَرَجْمُ عَلَانِيَةٍ فَرَجْمُ الْعَلَانِيَةِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الْمَرْأَةِ مَا فِي بَطْنِهَا وَتَعْتَرِفَ بِذَلِكَ فَيَبْدَأَ فِيهِ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ، وَرَجْمُ السِّرِّ أَنْ يَشْهَدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَيَبْدَأَ الشُّهُودُ ثُمَّ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ وَلِأَنَّ فِي الْأَمْرِ بِبِدَايَةِ الشُّهُودِ احْتِيَالًا لِدَرْءِ الْحَدِّ فَالْإِنْسَانُ قَدْ يَجْتَرِئُ عَلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ كَاذِبًا ثُمَّ إذَا آلَ الْأَمْرُ إلَى مُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ أُمِرْنَا فِي الْحُدُودِ بِالِاحْتِيَالِ لِلدَّرْءِ

  173. بِخِلَافِ الْجَلْدِ فَكُلُّ أَحَدٍ لَا يُحْسِنُ الضَّرْبَ،

  174. فَلَوْ أَمَرْنَا الشُّهُودَ بِذَلِكَ رُبَّمَا يَقْتُلُونَهُ بِخِرَقِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ قَتْلُهُ مُسْتَحَقًّا، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الرَّجْمِ، فَكُلُّ أَحَدٍ يُحْسِنُ الرَّمْيَ وَقَدْ صَارَ الْإِتْلَافُ مُسْتَحَقًّا هُنَا.

  175. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: يُؤْمَرُ الشُّهُودُ بِالْبِدَايَةِ إذَا كَانُوا حَاضِرِينَ حَتَّى إذَا امْتَنَعُوا لَا يُقَامُ الرَّجْمُ فَإِذَا مَاتُوا أَوْ غَابُوا يُقَامُ الرَّجْمُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَ الْبِدَايَةُ بِهِمْ بِسَبَبٍ لَا يَلْحَقُهُمْ فِيهِ تُهْمَةٌ فَلَا يَمْتَنِعُ إقَامَةُ الرَّجْمِ كَمَا لَوْ كَانُوا مَقْطُوعِي الْأَيْدِي أَوْ مَرْضَى أَوْ عَاجِزِينَ عَنْ الْحُضُورِ

  176. بِخِلَافِ مَا لَوْ امْتَنَعُوا؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا مُتَّهَمِينَ بِذَلِكَ وَلَكِنَّا نَقُولُ حِين كَانُوا مَقْطُوعِي الْأَيْدِي فِي الِابْتِدَاءِ لَمْ تُسْتَحَقَّ الْبِدَايَةُ بِهِمْ لِلتَّعَذُّرِ،

  177. فَأَمَّا هُنَا فَقَدْ اُسْتُحِقَّ الْبِدَايَةُ بِهِمْ لِتَيَسُّرِ ذَلِكَ عِنْدَ الْحُكْمِ فَإِذَا تَعَذَّرَ بِالْمَوْتِ أَوْ الْغَيْبَةِ لَا يُقَامُ الْحَدُّ كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ بِامْتِنَاعِهِمْ

  178. (قَالَ) وَلَا يُحْفَرُ لِلْمَرْجُومِ وَلَا يُرْبَطُ بِشَيْءٍ وَلَا يُمْسَكُ وَلَكِنْ يُنْصَبُ قَائِمًا لِلنَّاسِ فَيُرْجَمُ «؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَمَ مَاعِزًا وَلَمْ يُحْفَرْ لَهُ وَلَا رَبَطَهُ فَإِنَّهُ رُوِيَ لَمَا مَسَّهُ حَرُّ الْحِجَارَةِ

  179. هَرَبَ فَاسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ بِلَحْيِ جَمَلٍ فَقَتَلَهُ ثُمَّ لَمَّا أُخْبِرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ هَلَّا خَلَّيْتُمْ سَبِيلَهُ؟ وَفِي رِوَايَةٍ أَبْطَأَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ فَهَرَبَ مِنْ أَرْضٍ قَلِيلَةِ الْحِجَارَةِ إلَى أَرْضِ كَثِيرَةِ الْحِجَارَةِ»،

  180. وَلَوْ كَانَ مَرْبُوطًا أَوْ فِي حَفِيرَةٍ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْهَرَبِ،

  181. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنْ حُفِرَ لَهَا فَحَسَنٌ وَإِنْ تَرَكَ لَمْ يَضُرَّ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَمَرَ بِرَجْمِ الْغَامِدِيَّةِ أَمَرَ بِأَنْ يُحْفَرَ لَهَا إلَى قَرِيبٍ مِنْ السُّرَّةِ فَجُعِلَتْ فِيهَا فَلَمَّا رَجَمُوهَا وَمَاتَتْ أَمَرَ بِإِخْرَاجِهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا وَقَالَ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ» وَأَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَفَرَ لِشُرَاحَةَ الْهَمْدَانِيَّةِ إلَى قَرِيبٍ مِنْ السُّرَّةِ ثُمَّ لَفَّهَا فِي ثِيَابِهَا وَجَعَلَهَا فِيهَا ثُمَّ رَمَاهَا وَكَانَ مُصِيبَ الرَّمْيَةِ فَأَصَابَ أَصْلَ أُذُنِهَا وَلِأَنَّ مَبْنَى حَالِ الْمَرْأَةِ عَلَى السِّتْرِ وَالْحَفْرُ أَسْتَرُ لَهَا؛

  182. لِأَنَّهَا تَضْطَرِبُ إذَا مَسَّتْهَا الْحِجَارَةُ فَرُبَّمَا يَنْكَشِفُ شَيْءٌ مِنْ عَوْرَتِهَا وَلَكِنْ مَعَ هَذَا الْحَفْرِ لَيْسَ مِنْ الْحَدِّ فِي شَيْءٍ فَلَا يَضُرُّ تَرْكُهُ فَأَمَّا مَبْنَى حَالِ الرِّجَالِ عَلَى الظُّهُورِ فَيَنْصِبُ قَائِمًا عِنْدَ الرَّجْمِ وَلَا يُشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ فِي الْحَفْرِ لَهُ

  183. وَإِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ بِالزِّنَا فَادَّعَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ أَكْرَهَهَا وَلَمْ يَشْهَدْ الشُّهُودُ بِذَلِكَ وَلَكِنَّهُمْ شَهِدُوا أَنَّهَا طَاوَعَتْهُ فَعَلَيْهِمَا الْحَدُّ؛ لِأَنَّ إنْكَارَهَا صِفَةَ الطَّوَاعِيَةِ لَا يَكُونُ فَوْقَ إنْكَارِهَا أَصْلَ الْفِعْلِ وَلَا يَنْفَعُهَا ذَلِكَ بَعْدَ مَا شَهِدَ الشُّهُودُ بِهِ عَلَيْهَا وَلَكِنْ إنْ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي، وَقَالَ الرَّجُلُ: كَذَبَتْ بَلْ زَنَيْت بِهَا فَلَا حَدَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛

  184. لِأَنَّهَا تَدَّعِي عَلَيْهِ الصَّدَاقَ وَلَوْ سَاعَدَهَا الزَّوْجُ عَلَى ذَلِكَ لَزِمَهُ الصَّدَاقُ فَإِذَا أَنْكَرَ كَانَ لَهَا أَنْ تُحَلِّفَهُ عَلَيْهِ فَإِذَا نَكَلَ لَزِمَهُ الصَّدَاقُ وَإِنْ حَلَفَ لَمْ يَلْزَمْهُ الصَّدَاقُ وَلَا يُحَدُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أُقِيمَ الْحَدُّ إنَّمَا يُقَامُ بِالْحَلِفِ وَالْحُدُودُ لَا تُقَامُ بِالْأَيْمَانِ

  185. بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهَا بِدَعْوِي الْإِكْرَاهِ لَا تَدَّعِي الصَّدَاقَ؛ لِأَنَّ الزِّنَا بِالْمُكْرَهَةِ لَا يُوجِبُ الصَّدَاقَ لَهَا وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُخَالِفُنَا فِي الْفَصْلَيْنِ فَيَقُولُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُمَا أَوْ دَعْوَى أَحَدِهِمَا النِّكَاحَ لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ» وَهَذَا؛

  186. لِأَنَّ كُلَّ زَانٍ لَا يَعْجِزُ عَنْ دَعْوِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ فَاسِدٍ فَلَوْ أَسْقَطْنَا الْحَدَّ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى لَانْسَدَّ بَابُ إقَامَةِ الْحَدِّ وَلَكِنَّا نَقُولُ كَمَا أُمِرْنَا بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ فَقَدْ أُمِرْنَا بِدَرْئِهَا بِالشُّبْهَةِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» وَتَتَمَكَّنُ الشُّبْهَةُ عِنْدَ دَعْوَى أَحَدِهِمَا النِّكَاحَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ عَلَى ذَلِكَ وَيُسْتَحْلَفُ خَصْمُهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى الِاسْتِحْلَافَ فِي النِّكَاحِ فَإِذَا سَقَطَ الْحَدُّ يَسْقُطُ عَنْ الْآخَرِ لِلشَّرِكَةِ وَلَا يُؤَدِّي هَذَا إلَى سَدِّ بَابِ الْحَدِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا الْحَدَّ يُقَامُ بِالْإِقْرَارِ ثُمَّ لَوْ رَجَعَ الْمُقِرُّ عَنْ إقْرَارِهِ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ وَلَا يُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى سَدِّ بَابِ إقَامَةِ

  187. الْحَدِّ فِي الْإِقْرَارِ.

  188. فَأَمَّا إذَا زَنَى بِمُكْرَهَةٍ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ دُونَ الْمَهْرِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجِبُ الْمَهْرُ لَهَا وَهِيَ نَظِيرُ مَسْأَلَةِ الْقَطْعِ وَالضَّمَانِ أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ عِنْدَنَا عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي السَّرِقَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: هُنَا الْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْءِ مُتَقَوِّمٌ لِحَقِّهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ مُتَقَوِّمٌ بِالْعَقْدِ وَالشُّبْهَةِ فَلَا يَجُوزُ إسْقَاطُ حَقِّهَا عَنْهُ بِغَيْرِ رِضَاهَا،

  189. فَإِذَا كَانَتْ مُطَاوِعَةً فَقَدْ رَضِيَتْ بِسُقُوطِ حَقِّهَا فَيَجِبُ الْمَهْرُ لَهَا وَلَكِنَّا نَقُولُ فِعْلُهُ بِالْمُكْرَهَةِ زِنًى وَالْوَاجِبُ بِالزِّنَا الْحَدُّ فَلَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ بِالرَّأْيِ،

  190. ثُمَّ لَوْ كَانَ بُضْعُهَا يَتَقَوَّمُ عَلَى الزَّانِي لَمْ يَسْقُطْ ذَلِكَ بِرِضَاهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَتَقَوَّمُ بِشُبْهَةِ الْعَقْدِ لَمْ يَسْقُطْ بِرِضَاهَا بِأَنْ طَاوَعَتْهُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ زَنَى بِأَمَةٍ وَهِيَ مُطَاوِعَةٌ لَمْ يَجِبْ الْمَهْرُ وَتُقَوَّمُ بُضْعُهَا لِحَقِّ الْمَوْلَى فَلَا يَسْقُطُ بِرِضَاهَا وَلَكِنْ إنَّمَا لَمْ يَجِبْ؛

  191. لِأَنَّ الْبُضْعَ لَا يَتَقَوَّمُ بِالْمَالِ بِالزِّنَا الْمَحْضِ، وَإِنَّمَا يَتَقَوَّمُ بِالْعَقْدِ أَوْ بِشُبْهَتِهِ وَلَمْ يُوجَدْ ثُمَّ إذَا سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُ بِدَعْوَاهَا النِّكَاحَ وَجَبَ الصَّدَاقُ لَهَا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ عُقُوبَةٍ أَوْ غَرَامَةٍ فَإِذَا جُعِلَ مَا ادَّعَتْ مِنْ النِّكَاحِ كَالثَّابِتِ فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ، فَكَذَلِكَ فِي إيجَابِ الْمَهْرِ يُجْعَلُ كَالثَّابِتِ فِي إيرَاثِ الشُّبْهَةِ

  192. يَطَأُ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ وَقَالَ ظَنَنْتهَا تَحِلُّ لِي

  193. (قَالَ) وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يَطَأُ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ وَقَالَ: ظَنَنْتهَا تَحِلُّ لِي، أَوْ يَطَأُ جَارِيَةَ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ وَيَقُولُ: ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي لَا حَدَّ عَلَيْهِمَا عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهِمَا الْحَدُّ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ وَهُوَ الزِّنَا قَدْ تَقَرَّرَ بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَوْ قَالَا عَلِمْنَا بِالْحُرْمَةِ يَلْزَمُهُمَا الْحَدُّ وَلَوْ سَقَطَ إنَّمَا يَسْقُطُ بِالظَّنِّ وَالظَّنُّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا كَمَنْ وَطِئَ جَارِيَةَ أَخِيهِ أَوْ أُخْتِهِ وَقَالَ: ظَنَنْتهَا تَحِلُّ لِي وَلَكِنَّا نَقُولُ قَدْ تَمَكَّنَتْ بَيْنَهُمَا شُبْهَةُ اشْتِبَاهٍ؛

  194. لِأَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مَا يُشْتَبَهُ،

  195. فَإِنَّ مَالَ الْمَرْأَةِ مِنْ وَجْهٍ كَأَنَّهُ لِلزَّوْجِ قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} أَيْ بِمَالِ خَدِيجَةَ، وَلَمَّا جَاءَ رَجُلٌ إلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ: إنَّ عَبْدِي سَرَقَ مِرْآةَ امْرَأَتِي، فَقَالَ: مَالُكَ سَرَقَ بَعْضُهُ بَعْضًا وَلِأَنَّهَا حَلَالٌ لَهُ فَرُبَّمَا يُشْتَبَهُ عَلَيْهِ أَنَّ حَالَ جَارِيَتِهَا كَحَالِهَا، وَفِي جَارِيَةِ الْأَبِ وَالْأُمِّ.

  196. كَذَلِكَ قَدْ يُشْتَبَهُ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأَمْلَاكَ مُتَّصِلَةٌ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَوْلَادِ، وَالْمَنَافِعُ دَائِرَةٌ وَلِأَنَّ الْوَلَدَ جُزْءٌ مِنْ أَبِيهِ فَرُبَّمَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ حَلَالًا لِلْأَصْلِ تَكُونُ حَلَالًا لِلْجُزْءِ أَيْضًا وَشُبْهَةُ الِاشْتِبَاهِ مُؤَثِّرَةٌ فِي حَقِّ مَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ دُونَ مَنْ لَمْ يَشْتَبِهْ عَلَيْهِ كَالْقَوْمِ عَلَى مَائِدَةٍ فَسُقُوا خَمْرًا عَلَى عِلْمٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ خَمْرٌ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ لَا يُحَدُّ وَالْأَصْلُ فِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَجُلًا تَضَيَّفَ أَهْلَ بَيْتٍ بِالْيَمَنِ فَأَصْبَحَ يُخْبِرُ النَّاسَ أَنَّهُ زَنَى بِرَبَّةِ الْبَيْتِ فَكَتَبَ إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ عُمَرُ إنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ

  197. اللَّهَ حَرَّمَ الزِّنَا فَحُدُّوهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ فَعَلِّمُوهُ،

  198. فَإِنْ عَادَ فَحُدُّوهُ فَقَدْ جَعَلَ ظَنَّ الْحِلِّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ شُبْهَةً لِعَدَمِ اشْتِهَارِ الْأَحْكَامِ فَلَأَنْ يَكُونَ الظَّنُّ فِي مَوْضِعِ الِاشْتِبَاهِ مُورِثًا شُبْهَةً أَوْلَى فَأَمَّا إذَا لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ وَجَبَ الْمَهْرُ؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ عُقُوبَةٍ أَوْ غَرَامَةٍ وَإِذَا سَقَطَتْ الْعُقُوبَةُ وَجَبَ الْمَهْرُ

  199. شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ اسْتَكْرَهَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ فَزَنَى بِهَا

  200. (قَالَ) وَإِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ اسْتَكْرَهَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ فَزَنَى بِهَا حُدَّ الرَّجُلُ دُونَ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ لِلزَّجْرِ وَهِيَ مُنْزَجِرَةٌ حِينَ أَبَتْ التَّمْكِينَ حَتَّى اسْتَكْرَهَهَا، وَلِأَنَّ الْإِكْرَاهَ مِنْ جِهَتِهَا يُعْتَبَرُ فِي نَفْيِ الْإِثْمِ عَنْهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ أَنَّ لَهَا أَنْ تُمَكِّنَ إذَا أُكْرِهَتْ بِوَعِيدٍ مُتْلِفٍ، وَالْحَدُّ أَقْرَبُ إلَى السُّقُوطِ مِنْ الْإِثْمِ فَإِذَا سَقَطَ الْإِثْمُ عَنْهَا فَالْحَدُّ أَوْلَى، وَيُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الرَّجُلِ؛

  201. لِأَنَّ الزِّنَا التَّامَّ قَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ وَجِنَايَتُهُ إذَا اسْتَكْرَهَهَا أَغْلَظُ مِنْ جِنَايَتِهِ إذَا طَاوَعَتْهُ.

  202. وَلَا يُقَالُ قَدْ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ كَمَا لَوْ ادَّعَتْ النِّكَاحَ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ بِدَعْوِي النِّكَاحِ تَتَمَكَّنُ فِي الْفِعْلِ وَالْفِعْلُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا،

  203. فَأَمَّا كَوْنُهَا مُكْرَهَةً لَا يَتَمَكَّنُ بِهِ شُبْهَةٌ فِي الْفِعْلِ وَلَا يَخْرُجُ فِعْلُ الرَّجُلِ مِنْ أَنْ يَكُونَ زِنًى مَحْضًا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مَحَلُّ الْفِعْلِ وَلَا تَنْعَدِمُ الْمَحَلِّيَّةُ بِكَوْنِهَا مُكْرَهَةً، وَهُوَ كَمَا لَوْ زَنَى بِصَبِيَّةٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ أَوْ نَائِمَةٍ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا

  204. (قَالَ) وَلَوْ أَنَّ مَجْنُونًا أَكْرَهَ عَاقِلَةً حَتَّى زَنَى بِهَا لَا حَدَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَّا الْمَرْأَةُ فَلِأَنَّهَا مُكْرَهَةٌ غَيْرُ مُمَكِّنَةٍ طَوْعًا،

  205. وَأَمَّا الرَّجُلُ فَلِأَنَّهُ مَجْنُونٌ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْتِزَامِ الْعُقُوبَةِ،

  206. فَإِذَا دَعَتْ الْعَاقِلَةُ الْبَالِغَةُ مَجْنُونًا أَوْ صَبِيًّا إلَى نَفْسِهَا فَزَنَى بِهَا لَا حَدَّ عَلَيْهَا عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهَا الْحَدُّ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهَا زَانِيَةٌ فَعَلَيْهَا الْحَدُّ بِالنَّصِّ، وَبَيَانُهُ وَهُوَ أَنَّ الزِّنَا لَيْسَ إلَّا وَطْءٌ مُتَعَرٍّ عَنْ الْعَقْدِ وَالْمِلْكِ وَشَبَهِهِمَا وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْ أَحَدِهِمَا لِانْعِدَامِ الْأَهْلِيَّةِ لِمَعْنًى فَلَا يَمْتَنِعُ إقَامَتُهُ عَلَى الْآخَرِ كَمَا لَوْ زَنَى بِصَبِيَّةٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ وَهَذَا؛

  207. لِأَنَّ فِعْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَامِلٌ فِي نَفْسِهِ وَهِيَ فِي التَّمْكِينِ زَانِيَةٌ كَالرَّجُلِ فِي الْإِيلَاجِ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهَا زَانِيَةً وَبَدَأَ بِذِكْرِهَا وَأَنَّ مَنْ نَسَبَهَا إلَى الزِّنَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ،

  208. وَلَوْ كَانَ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهَا مُبَاشَرَةُ الزِّنَا لَمْ يَحُدَّ قَاذِفُهَا بِهِ كَالْمَجْبُوبِ وَلِأَنَّهَا بِهَذَا التَّمْكِينِ تَقْضِي شَهْوَتَهَا كَالرَّجُلِ بِالْإِيلَاجِ فَإِذَا ثَبَتَ كَمَالُ الْفِعْلِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ يُرَاعَى حَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْعُقُوبَةِ.

  209. (وَحُجَّتُنَا) فِي ذَلِكَ أَنَّهَا مَكَّنَتْ نَفْسَهَا مِنْ فَاعِلٍ لَمْ يَأْثَمْ وَلَمْ يُحْرَجْ فَلَا يَلْزَمْهَا الْحَدُّ كَمَا لَوْ مَكَّنَتْ نَفْسَهَا مِنْ زَوْجِهَا وَبَيَانُ الْوَصْفِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْإِثْمَ وَالْحَرَجَ يَنْبَنِي عَلَى الْخِطَابِ وَهُمَا لَا يُخَاطَبَانِ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْمُبَاشِرَ لِلْفِعْلِ هُوَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ تَابِعَةٌ بِدَلِيلِ

  210. تَصَوُّرِ الْفِعْلِ فِيهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ لَا تَشْعُرُ بِذَلِكَ،

  211. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَصْلُ الْفِعْلِ زِنًى فَهِيَ لَا تَصِيرُ زَانِيَةً؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ التَّبَعِ بِثُبُوتِ الْأَصْلِ وَفِعْلُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ زِنًى لُغَةً، وَلَكِنْ لَيْسَ بِزِنًا شَرْعًا؛ لِأَنَّ الزِّنَا شَرْعًا فِعْلٌ وَجَبَ الْكَفُّ عَنْهُ لِخِطَابِ الشَّرْعِ فَلَا يَنْفَكُّ عَنْ الْإِثْمِ وَالْحَرَجِ، وَفِعْلُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لَا يُوصَفُ بِذَلِكَ وَإِذَا انْعَدَمَ الزِّنَا شَرْعًا فِي جَانِبِهِ فَكَذَلِكَ فِي جَانِبِهَا وَالْحَدُّ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَيَسْتَدْعِي ثُبُوتَ سَبَبِهِ شَرْعًا وَإِنَّمَا سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى زَانِيَةً عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا مَزْنِيٌّ بِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى {فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} أَيْ مَرْضِيَّةٍ وَقَالَ تَعَالَى {مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} أَيْ مَدْفُوقٍ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى قَاذِفِهَا لِنِسْبَتِهَا إلَى مَا تَتَعَيَّرُ وَتَسْتَوْجِبُ بِهِ الْحَدَّ وَتَقْضِي بِهِ شَهْوَتَهَا وَهُوَ التَّمْكِينُ مِنْ الزِّنَا وَإِنْ كَانَتْ تَابِعَةً فِي ذَلِكَ.

  212. وَأَمَّا الرَّجُلُ إذَا زَنَى بِصَبِيَّةٍ فَهُوَ الْمُبَاشِرُ لِأَصْلِ الْفِعْلِ وَفِعْلُهُ زِنًى لُغَةً وَشَرْعًا فَلِهَذَا لَزِمَهُ الْحَدُّ بِحَقِيقَةِ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَحَلٌّ وَالْمَحَلِّيَّةُ مُشْتَهَاةٌ وَذَلِكَ بِاللِّينِ وَالْحَرَارَةِ فَلَا يَتَمَكَّنُ نُقْصَانٌ فِيهِ بِجُنُونِهَا وَصِغَرِهَا فَقَدْ تَمَّ فِعْلُهُ زِنًى لِمُصَادَفَةِ مَحَلِّهِ،

  213. فَأَمَّا مِنْ جَانِبِ الرَّجُلِ اسْتِعْمَالُ الْآلَةِ لَا نَفْسُ الْآلَةِ وَاسْتِعْمَالُ الْآلَةِ لَا يَكُونُ زِنًى شَرْعًا إلَّا إذَا كَانَ وَاجِبَ الْكَفِّ عِنْدَ الْخِطَابِ وَذَا بِصِفَةِ الْإِثْمِ وَالْحَرَجِ وَذَلِكَ يَنْعَدِمُ بِالصِّبَا وَالْجُنُونِ وَهَذَا فِقْهٌ دَقِيقٌ وَفَرْقٌ حَسَنٌ وَفِي الْكِتَابِ عِلَلٌ فَقَالَ: ذَكَرُ الصَّبِيِّ كَأُصْبُعِهِ، مَعْنَاهُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالزِّنَا مَعْدُومٌ فِي آلَةِ الصَّبِيِّ فَلَا يَكُونُ فِعْلُهُ بِهَذِهِ الْآلَةِ زِنًى وَالْمَعْتُوهُ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ فِي الْحُكْمِ،

  214. فَأَمَّا الْمُحْصَنَةُ إذَا زَنَى بِهَا غَيْرُ الْمُحْصَنِ فَعَلَيْهَا الرَّجْمُ؛ لِأَنَّ فِعْلَ غَيْرِ الْمُحْصَنِ زِنًى فَتَصِيرُ هِيَ زَانِيَةً بِالتَّمْكِينِ مِنْ الزِّنَا،

  215. ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ حَالُهَا فِيمَا يُقَامُ مِنْ الْعُقُوبَةِ بَعْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ وَكُلُّ رَجُلٍ يَزْنِي بِامْرَأَةٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ بِشُبْهَةٍ مِثْلُ الْخَرْسَاءِ الَّتِي لَا تَنْطِقُ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ تَمَكَّنَتْ هُنَا وَالْخَرْسَاءُ لَوْ كَانَتْ تَنْطِقُ رُبَّمَا تَدَّعِي شُبْهَةَ نِكَاحٍ وَقَدْ لَا تَقْدِرُ عَلَى إظْهَارِ مَا فِي نَفْسِهَا بِالْإِشَارَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهَا لَوْ ادَّعَتْ النِّكَاحَ سَقَطَ عَنْهَا الْحَدُّ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ خَرْسَاءَ وَالْأَصْل فِيهِ حَدِيثُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنَّ الْإِمَامَ لَإِنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ،

  216. فَإِذَا وَجَدْتُمْ لِلْمُسْلِمِ مَخْرَجًا فَادْرَءُوا عَنْهُ وَهَذَا

  217. بِخِلَافِ مَا إذَا زَنَى بِصَبِيَّةٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الْحَدِّ عَنْهَا لَيْسَ لِلشُّبْهَةِ بَلْ لِانْعِدَامِ الْأَهْلِيَّةِ

  218. زَنَى الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ بِالْمُسْلِمَةِ أَوْ الذِّمِّيَّةِ

  219. (قَالَ) وَإِذَا زَنَى الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ بِالْمُسْلِمَةِ أَوْ الذِّمِّيَّةِ فَعَلَيْهَا الْحَدُّ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: لَا حَدَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْأَوَّلُ ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: يُحَدَّانِ جَمِيعًا، أَمَّا الْمُسْتَأْمَنُ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا تُقَامُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ الَّتِي هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا كَحَدِّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَفِي قَوْلِ

  220. أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يُقَامُ الْحَدُّ عَلَيْهِ كَمَا يُقَامُ عَلَى الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهُ مَا دَامَ فِي دَارِنَا فَهُوَ مُلْتَزِمٌ أَحْكَامَنَا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ كَالذِّمِّيِّ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَحَدُّ الْقَذْفِ وَيُمْنَعُ مِنْ الرِّبَا وَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ وَالْمُصْحَفِ إذَا اشْتَرَاهُ كَمَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ الذِّمِّيُّ؟

  221. وَهَذَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحُدُودَ تُقَامُ صِيَانَةً لِدَارِ الْإِسْلَامِ فَلَوْ قُلْنَا لَا تُقَامُ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ يَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى الِاسْتِخْفَافِ بِالْمُسْلِمِينَ وَمَا أَعْطَيْنَاهُ الْأَمَانَ لِيَسْتَخِفَّ

  222. بِخِلَافِ حَدِّ شُرْبِ الْخَمْرِ فَإِنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَى الذِّمِّيِّ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُمَا يَعْتَقِدَانِ إبَاحَةَ شُرْبِ الْخَمْرِ وَإِنَّمَا أَعْطَيْنَاهُمْ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ.

  223. (وَحُجَّتُنَا) فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} فَتَبْلِيغُ الْمُسْتَأْمَنِ مَأْمَنَهُ وَاجِبٌ بِهَذَا النَّصِّ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَفِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ تَفْوِيتُ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ فِيهِ تَفْوِيتُ مَا هُوَ حَقُّ اللَّهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ مَا الْتَزَمَ شَيْئًا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا دَخَلَ تَاجِرًا لِيُعَامِلَنَا ثُمَّ يَرْجِعَ إلَى دَارِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ؟

  224. وَلَوْ كَانَ مُلْتَزِمًا شَيْئًا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَالذِّمِّيِّ وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ أَنْ يَعُودَ حَرْبًا لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مَا حَصَلَ فِي أَيْدِيهِمْ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى

  225. بِخِلَافِ الْقِصَاصِ فَإِنَّهُ حَقُّ الْعِبَادِ وَهُوَ قَدْ الْتَزَمَ حُقُوقَ الْعِبَادِ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَحَدُّ الْقَذْفِ فِيهِ بَعْضُ حَقِّ الْعِبَادِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ رَفْعُ الْعَارِ عَنْ الْمَقْذُوفِ، وَالْإِجْبَارُ عَلَى بَيْعِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ مِنْ حَقِّ الْعَبْدِ وَهُوَ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ فِي اسْتِخْدَامِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ نَوْعُ إذْلَالٍ بِالْمُسْلِمِينَ

  226. وَكَذَلِكَ فِي اسْتِخْفَافِهِ بِالْمُصْحَفِ وَأَمَّا الرِّبَا فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ كُلِّ عَهْدٍ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إلَّا مَنْ أَرْبَى فَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ عَهْدٌ» .

  227. فَأَمَّا فِي جَانِبِ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ فَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ لَا حَدَّ عَلَيْهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا مَكَّنَتْ نَفْسَهَا مِنْ فَاعِلٍ لَا يَلْزَمُ الْحَدُّ بِفِعْلِهِ فَهُوَ كَالتَّمْكِينِ مِنْ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا يُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ عِنْدَنَا، وَمَا هُوَ مِنْ خَالِصِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَالْخِطَابُ فِيهِ قَاصِرٌ عَنْ الْكَافِرِ كَمَا هُوَ قَاصِرٌ عَنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَقَاسَ هَذَا بِمَا لَوْ مَكَّنَتْ نَفْسَهَا مِنْ مُكْرَهٍ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَيْهَا وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ فِعْلُ الْمُسْتَأْمَنِ زِنًى بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَذَفَهُ قَاذِفٌ بِهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَصَارَتْ هِيَ زَانِيَةً بِالتَّمْكِينِ مِنْ الزِّنَا وَيُقَامُ عَلَيْهَا الْحَدُّ،

  228. بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَإِنَّ فِعْلَهُمَا لَيْسَ بِزِنًا شَرْعًا حَتَّى لَوْ قَذَفَهُمَا قَاذِفٌ بِذَلِكَ الْفِعْلِ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِنَا الْكُفَّارُ لَا يُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ وَالْعِبَادَاتِ الَّتِي تَنْبَنِي عَلَى الْإِسْلَامِ،

  229. فَأَمَّا الْحُرُمَاتُ ثَابِتَةٌ فِي حَقِّهِمْ وَكَانَ فِعْلُ الْمُسْتَأْمَنِ وَاجِبَ الْكَفِّ عَنْهُ بِخِطَابِ الشَّرْعِ

  230. فَيَكُونُ زِنًى إلَّا أَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِوُجُوبِ تَبْلِيغِهِ مَأْمَنَهُ وَأَمَّا إذَا مَكَّنَتْ نَفْسَهَا مِنْ مُكْرَهٍ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجِبُ الْحَدُّ عَلَيْهَا،

  231. وَإِنْ ضَجَعَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الرِّوَايَةَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: لَسْت أَحْفَظُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْمُكْرَهِ شَيْئًا وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ مَمْنُوعٌ عَنْ الْإِقْدَامِ عَلَى الزِّنَا وَفِي الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ يَكُونُ فِعْلُهُ زِنًى وَتَصِيرُ هِيَ بِالتَّمْكِينِ زَانِيَةً تَبَعًا فَيَلْزَمُهَا الْحَدُّ

  232. (قَالَ) وَإِذَا زَنَى الْمُسْلِمُ أَوْ الذِّمِّيُّ بِالْمُسْتَأْمَنَةِ حُدَّ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ دُونَ الْمُسْتَأْمَنَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُحَدَّانِ.

  233. أَمَّا الْكَلَامُ فِي الْمُسْتَأْمَنَةِ فَقَدْ بَيَّنَّاهُ، وَتَعَذُّرُ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا لَيْسَ لِلشُّبْهَةِ فَلَا يَمْنَعُ إقَامَتَهُ عَلَى الرَّجُلِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا؛ لِأَنَّ حَدَّ الزِّنَا يُقَامُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ عِنْدَنَا، وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يُقَامُ وَلَكِنَّهُ يُدْفَعُ إلَى أَهْلِ دِينِهِ لِيُقِيمُوا عَلَيْهِ مَا يَعْتَقِدُونَ مِنْ الْعُقُوبَةِ؛

  234. لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لَمَّا سُئِلَا عَنْ ذِمِّيِّينَ زَنَيَا فَقَالَا: يُدْفَعَانِ إلَى أَهْلِ دِينِهِمَا، وَلَكِنَّا نَقُولُ: قَدْ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّجْمَ عَلَى الْيَهُودِيَّيْنِ وَكَانَا ذِمِّيَّيْنِ وَلَنَا فِيهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، وَلِأَنَّ الذِّمِّيَّ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا وَمُلْتَزِمٌ أَحْكَامَنَا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ وَهُوَ يَعْتَقِدُ حُرْمَةَ الزِّنَا كَمَا يَعْتَقِدُهُ الْمُسْلِمُ فَيُقَامُ عَلَيْهِ كَمَا يُقَامُ عَلَى الْمُسْلِمِ؛

  235. لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْحُدُودِ تَطْهِيرُ دَارِ الْإِسْلَامِ عَنْ ارْتِكَابِ الْفَوَاحِشِ تَوْضِيحُهُ أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا فَهُوَ تَحْتَ يَدِ الْإِمَامِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا حَتَّى يَمْنَعَهُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَيُقِيمَ الْحَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا

  236. بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمَنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ تَحْتَ يَدِ الْإِمَامِ حُكْمًا حَتَّى لَا يَمْنَعَهُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ

  237. (قَالَ) وَإِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَقَالَ: ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي أَوْ شَبَّهْتهَا بِامْرَأَتِي أَوْ جَارِيَتِي لَمْ يُدْرَأْ عَنْهُ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الزِّنَا قَدْ تَحَقَّقَ عَنْهُ وَظَنُّهُ هَذَا لَيْسَ بِصَادِرٍ عَنْ دَلِيلٍ فَكَانَ لَغْوًا

  238. وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ بَصِيرًا وَجَدَ امْرَأَةً عَلَى فِرَاشِهِ فَوَاقَعَهَا عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ،

  239. وَكَذَلِكَ الْأَعْمَى عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُدْرَأُ الْحَدُّ عَنْ الْأَعْمَى؛ لِأَنَّهُ عَدِمَ آلَةَ التَّمْيِيزِ وَهُوَ الْبَصَرُ فَبُنِيَ عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ، وَالظَّاهِرُ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى فِرَاشِهِ إلَّا زَوْجَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ فَيَصِيرُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي حَقِّهِ

  240. بِخِلَافِ الْبَصِيرِ، وَمَذْهَبُنَا مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَالْمَعْنَى فِيهِ إنْ اعْتَمَدَ مُجَرَّدَ الظَّنِّ فَإِنَّ الْمَوْجُودَةَ عَلَى فِرَاشِهِ قَدْ تَكُونُ أُمَّهُ أَوْ أُخْتَهُ وَقَدْ تَكُونُ أَجْنَبِيَّةً وَقَدْ تَكُونُ زَوْجَتَهُ فَلَا مُعْتَبَرَ بِذَلِكَ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَهَا كَتَمَكُّنِ الْبَصِيرِ مِنْ أَنْ يَرَاهَا.

  241. فَأَمَّا إذَا دَعَا الْأَعْمَى امْرَأَتَهُ إلَى فِرَاشِهِ فَأَتَتْهُ أَجْنَبِيَّةٌ فَوَاقَعَهَا، إنْ كَانَتْ قَالَتْ لَهُ أَنَا زَوْجَتُك فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَإِنْ أَجَابَتْ أَوْ أَتَتْهُ سَاكِتَةً

  242. فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهَا إذَا قَالَتْ: أَنَا زَوْجَتُك فَقَدْ اعْتَمَدَ خَبَرَ الْوَاحِدِ وَذَلِكَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَصِيرَ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَأَخْبَرَهُ رَجُلٌ أَنَّ امْرَأَتَهُ هَذِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ خَبَرَهُ وَيَطَأَهَا؟

  243. فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهَا غَيْرُ امْرَأَتِهِ كَانَ الثَّابِتُ حُكْمَ الْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ، فَكَذَلِكَ هِيَ إذَا أَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ،

  244. فَأَمَّا إذَا لَمْ تُخْبِرْهُ فَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ إجَابَتُهَا أَوْ إتْيَانُهَا بَعْدَ مَا دَعَا زَوْجَتَهُ بِمَنْزِلَةِ إخْبَارِهَا أَنِّي زَوْجَتُك وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: إنْ أَجَابَتْهُ إلَى الْفِرَاشِ فَهُوَ كَمَا لَوْ وَجَدَهَا نَائِمَةً عَلَى فِرَاشِهِ وَكَمَا لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ هُنَاكَ بِظَنِّهِ فَكَذَلِكَ هُنَا

  245. اسْتَأْجَرَ امْرَأَةً لِيَزْنِيَ بِهَا فَزَنَى بِهَا

  246. (قَالَ) رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ امْرَأَةً لِيَزْنِيَ بِهَا فَزَنَى بِهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: عَلَيْهِمَا الْحَدُّ لِتَحَقُّقِ فِعْلِ الزِّنَا مِنْهُمَا،

  247. فَإِنَّ الِاسْتِئْجَارَ لَيْسَ بِطَرِيقٍ لِاسْتِبَاحَةِ الْبُضْعِ شَرْعًا فَكَانَ لَغْوًا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِلطَّبْخِ أَوْ الْخَبْزِ ثُمَّ زَنَى بِهَا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الِاسْتِئْجَارِ مَنْفَعَةٌ لَهَا حُكْمُ الْمَالِيَّةِ وَالْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْءِ فِي حُكْمِ الْعِتْقِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَالٍ أَصْلًا وَالْعَقْدُ بِدُونِ مَحَلِّهِ لَا يَنْعَقِدُ أَصْلًا،

  248. فَإِذَا لَمْ يَنْعَقِدْ بِهِ كَانَ هُوَ وَالْإِذْنُ سَوَاءً.

  249. وَلَوْ زَنَى بِهَا بِإِذْنِهَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ وَلَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - احْتَجَّ بِحَدِيثَيْنِ ذَكَرَهُمَا عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَحَدُهُمَا مَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً اسْتَسْقَتْ رَاعِيًا فَأَبَى أَنْ يَسْقِيَهَا حَتَّى تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِهَا فَدَرَأَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْحَدَّ عَنْهُمَا، وَالثَّانِي أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ رَجُلًا مَالًا فَأَبَى أَنْ يُعْطِيَهَا حَتَّى تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِهَا فَدَرَأَ الْحَدَّ وَقَالَ: هَذَا مَهْرٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا دَرَأَ الْحَدَّ عَنْهَا؛

  250. لِأَنَّهَا كَانَتْ مُضْطَرَّةً تَخَافُ الْهَلَاكَ مِنْ الْعَطَشِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْحَدِّ عَنْهُ وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيمَا إذَا كَانَتْ سَائِلَةً مَالًا كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي مَعَ أَنَّهُ عَلَّلَ فَقَالَ إنَّ هَذَا مَهْرٌ وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الْمَهْرَ وَالْأَجْرَ يَتَقَارَبَانِ قَالَ تَعَالَى {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} سُمِّيَ الْمَهْرُ أَجْرًا.

  251. وَلَوْ قَالَ: أَمْهَرْتُك كَذَا لِأَزْنِيَ بِك لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ، فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: اسْتَأْجَرْتُك تَوْضِيحُهُ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَيْسَ بِزِنًا، وَأَهْلُ اللُّغَةِ لَا يُسَمُّونَ الْوَطْءَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَى الْعَقْدِ زِنًى وَلَا يَفْصِلُونَ بَيْنَ الزِّنَا وَغَيْرِهِ إلَّا بِالْعَقْدِ فَكَذَلِكَ لَا يَفْصِلُونَ بَيْنَ الِاسْتِئْجَارِ وَالنِّكَاحِ؛

  252. لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا شَرْعِيٌّ، وَأَهْلُ اللُّغَةِ لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ فَعَرَفْنَا أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَيْسَ بِزِنًا لُغَةً وَذَلِكَ شُبْهَةٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ وُجُوبِ الْحَدِّ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا لَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الْمُخْتَلِسِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ بِسَرِقَةٍ لُغَةً، يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْءِ وَإِنْ كَانَ فِي حُكْمِ الْعِتْقِ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مَنْفَعَةٌ، وَالِاسْتِئْجَارُ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ لِمِلْكِ الْمَنْفَعَةِ وَبِاعْتِبَارِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ يَصِيرُ شُبْهَةً

  253. بِخِلَافِ الِاسْتِئْجَارِ لِلطَّبْخِ وَالْخَبْزِ وَلِأَنَّ الْعَقْدَ هُنَاكَ غَيْرُ مُضَافٍ إلَى الْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْءِ وَلَا إلَى مَا هُوَ سَبَبٌ لَهُ، وَالْعَقْدُ الْمُضَافُ إلَى مَحَلٍّ يُوجِبُ الشُّبْهَةَ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ لَا فِي مَحَلٍّ آخَرَ

  254. الْإِكْرَاه عَلَى الزِّنَا

  255. (قَالَ) رَجُلٌ أُكْرِهَ حَتَّى زَنَى بِامْرَأَةٍ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ أَوَّلًا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ لَا يَزْنِي مَا لَمْ تَنْتَشِرْ آلَتُهُ وَذَلِكَ دَلِيلُ الطَّوَاعِيَةِ

  256. بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّ التَّمْكِينَ يَتَحَقَّقُ مِنْهَا مَعَ الْإِكْرَاهِ فَلَا يَكُونُ تَمْكِينُهَا دَلِيلَ الطَّوَاعِيَةِ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ إذَا كَانَ الْمُكْرِهُ سُلْطَانًا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ مَشْرُوعٌ لِلزَّجْرِ وَهُوَ مُنْزَجِرٌ عَنْ الزِّنَا وَإِنَّمَا كَانَ قَصْدُهُ مِنْ الْإِقْدَامِ دَفْعُ الْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ كَالْمَرْأَةِ وَهَذَا؛

  257. لِأَنَّ انْتِشَارَ الْآلَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ طَائِعًا؛ لِأَنَّ انْتِشَارَ الْآلَةِ قَدْ يَكُون طَبْعًا وَقَدْ يَكُونُ طَوْعًا.

  258. أَلَا تَرَى أَنَّ النَّائِمَ قَدْ تَنْتَشِرُ آلَتُهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَفِعْلٍ مِنْهُ؟ وَإِنَّمَا انْتِشَارُ الْآلَةِ دَلِيلُ الْفُحُولِيَّةِ،

  259. فَأَمَّا إذَا أَكْرَهَهُ غَيْرُ السُّلْطَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَلْزَمُهُ الْحَدُّ إذَا زَنَى وَعِنْدَهُمَا إذَا جَاءَ مِنْ إكْرَاهِ غَيْرِ السُّلْطَانِ مَا يُشْبِهُ إكْرَاهَ السُّلْطَانِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ،

  260. وَقِيلَ هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ،

  261. فَإِنَّ السُّلْطَانَ كَانَ مُطَاعًا فِي زَمَنِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَمْ يَرَ لِغَيْرِ السُّلْطَانِ مِنْ الْقُوَّةِ مَا يَقْوَى بِهِ عَلَى الْإِكْرَاهِ، فَقَالَ: لَا يَتَحَقَّقُ الْإِكْرَاهُ إلَّا مِنْ السُّلْطَانِ،

  262. ثُمَّ فِي عَصْرِهِمَا قَدْ ظَهَرَتْ الْقُوَّةُ لِكُلِّ مُتَغَلِّبٍ فَقَالَا: يَتَحَقَّقُ الْإِكْرَاهُ مِنْ غَيْرِ السُّلْطَانِ، وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ خَوْفُ التَّلَفِ عَلَى نَفْسِهِ وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ إذَا كَانَ الْمُكْرِهَ قَادِرًا عَلَى إيقَاعِ مَا هَدَّدَ بِهِ سُلْطَانًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، بَلْ خَوْفُ التَّلَفِ هُنَا أَظْهَرُ؛

  263. لِأَنَّ الْمُتَغَلِّبَ يَكُونُ مُسْتَعْجِلًا لِمَا قَصَدَهُ لِخَوْفِهِ مِنْ الْعَزْلِ بِقُوَّةِ السُّلْطَانِ وَالسُّلْطَانُ ذُو أَنَاةٍ بِمَا يَفْعَلُهُ،

  264. فَإِذَا تَحَقَّقَ الْإِكْرَاهُ مِنْ السُّلْطَانِ بِالتَّهْدِيدِ فَمِنْ الْمُتَغَلِّبِ أَوْلَى وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ مَا يَكُونُ مُغَيِّرًا لِلْحُكْمِ يَخْتَصُّ بِالسُّلْطَانِ كَإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِهَا، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْإِكْرَاهَ مِنْ غَيْرِ السُّلْطَانِ نَادِرٌ؛ لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ بِقُوَّةِ السُّلْطَانِ فَالْمُبْتَلَى بِهِ يَسْتَغِيثُ بِالسُّلْطَانِ لِيَدْفَعَ شَرَّهُ عَنْهُ فَإِذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ نَادِرٌ وَلَا حُكْمَ لِلنَّادِرِ فَأَمَّا الْمُبْتَلَى بِالسُّلْطَانِ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَغِيثَ بِغَيْرِهِ لِيَدْفَعَ شَرَّهُ عَنْهُ فَيَتَحَقَّقَ خَوْفُ التَّلَفِ عَلَى نَفْسِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُسْقِطًا لِلْحَدِّ عَنْهُ

  265. (قَالَ) رَجُلٌ زَنَى بِأَمَةٍ أَوْ حُرَّةٍ ثُمَّ قَالَ اشْتَرَيْتهَا دُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى سَبَبًا مُبِيحًا فَإِنَّ الشِّرَاءَ فِي الْأَمَةِ يُفِيدُ مِلْكَ الْمُتْعَةِ وَفِي الْحُرَّةِ النِّكَاحُ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الشِّرَاءِ فَكَانَ دَعْوَاهُ الشِّرَاءَ كَدَعْوَى النِّكَاحِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مُجَرَّدَ دَعْوَى النِّكَاحِ يُسْقِطُ الْحَدَّ

  266. (قَالَ) وَإِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا وَزَكَّاهُمْ الْمُزَكُّونَ وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ فَرَجَمَهُ الْإِمَامُ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ عَبِيدٌ أَوْ مَجُوسٌ فَإِنْ ثَبَتَ

  267. الْمُزَكُّونَ عَلَى التَّزْكِيَةِ وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَلَى الشُّهُودِ أَمَّا عَلَى الشُّهُودِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ كَذِبُهُمْ وَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ إذْ لَا شَهَادَةَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِلْعَبِيدِ وَالْكُفَّارِ،

  268. وَأَمَّا عَلَى الْمُزَكِّينَ فَلِأَنَّهُمْ اعْتَمَدُوا مَا سَمِعُوا مِنْ إسْلَامِهِمْ وَحُرِّيَّتِهِمْ وَإِنَّمَا زَكُّوهُمْ بِقَوْلِ النَّاسِ فَلَمْ يَتَبَيَّنْ كَذِبُهُمْ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ الْقَاضِيَ مِنْ قَوْلِ النَّاسِ إنَّهُمْ أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ فَأَمَّا إذَا رَجَعُوا عَنْ التَّزْكِيَةِ، وَقَالُوا: تَعَمَّدْنَا فَعَلَيْهِمْ ضَمَانُ الدِّيَةِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُزَكِّينَ وَلَكِنَّ الدِّيَةَ فِي بَيْتِ الْمَالِ فِي الْوَجْهَيْنِ؛

  269. لِأَنَّ الْمُزَكِّينَ مَا أَثْبَتُوا سَبَبَ الْإِتْلَافِ وَهُوَ الزِّنَا وَإِنَّمَا أَثْنَوْا عَلَى الشُّهُودِ خَيْرًا، فَكَانُوا فِي الْمَعْنَى كَشُهُودِ الْإِحْصَانِ، إلَّا أَنَّ أُولَئِكَ أَثْبَتُوا خِصَالًا مَحْمُودَةً فِي الزَّانِي لَا يُقَامُ الرَّجْمُ عَلَيْهِ إلَّا بِهَا وَهَؤُلَاءِ أَثْبَتُوا خِصَالًا فِي الشَّاهِدِ لَا يُقَامُ الرَّجْمُ إلَّا عِنْدَهَا، فَكَمَا لَا ضَمَانَ عَلَى شُهُودِ الْإِحْصَانِ إذَا رَجَعُوا فَكَذَلِكَ لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُزَكِّينَ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: الْمُزَكُّونَ جَعَلُوا مَا لَيْسَ بِمُوجِبٍ مُوجِبًا فَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَثْبَتَ سَبَبَ الْإِتْلَافِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُوجِبُ شَيْئًا بِدُونِ التَّزْكِيَةِ، وَسَبَبُ الْإِتْلَافِ الشَّهَادَةُ، وَإِنَّمَا كَانَتْ مُوجِبَةً بِالتَّزْكِيَةِ فَكَانَتْ التَّزْكِيَةُ عِلَّةَ الْعِلَّةِ وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْعِلَّةِ فِي إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ،

  270. بِخِلَافِ شُهُودِ الْإِحْصَانِ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الزِّنَا بِدُونِ الْإِحْصَانِ مُوجِبٌ لِلْعُقُوبَةِ، وَشُهُودُ الْإِحْصَانِ مَا جَعَلُوا مَا لَيْسَ بِمُوجِبِ مُوجِبًا وَأُمًّا الشَّهَادَةُ لَا تُوجِبُ شَيْئًا بِدُونِ التَّزْكِيَةِ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا وَلِهَذَا اُشْتُرِطَ الذُّكُورَةُ فِي الْمُزَكِّينَ كَشُهُودِ الزِّنَا.

  271. وَيَثْبُتُ الْإِحْصَانُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ وَإِنْ كَانَ الْمُزَكُّونَ قَالُوا هُمْ عُدُولٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ صَادِقُونَ فِي ذَلِكَ وَالْعَبْدُ قَدْ يَكُونُ عَدْلًا وَيَكُونُ الْقَاضِي جَهِلَ حِينَ اكْتَفَى مِنْهُمْ بِهَذَا الْقَدْرِ فَلِهَذَا لَا يَضْمَنُ الْمُزَكُّونَ

  272. زَنَى بِجَارِيَةٍ فَقَتَلَهَا

  273. (قَالَ) وَإِذَا زَنَى بِجَارِيَةٍ فَقَتَلَهَا، إنْ قَتَلَهَا بِفِعْلِهِ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَضَمَانُ الْقِيمَةِ، الْحَدُّ لِلزِّنَا وَالْقِيمَةُ لِإِتْلَافِ النَّفْسِ، وَهُمَا مَعْنَيَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَصِلٌ عَنْ الْآخَرِ،

  274. وَكَذَلِكَ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِحُرَّةٍ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَالدِّيَةُ وَرَوَى بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْأَمَةِ يَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدَّ لِلشُّبْهَةِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْقِيمَةِ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْأَمَةِ

  275. بِخِلَافِ الْحُرَّةِ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ إذَا زَنَى بِأَمَةٍ فَأَذْهَبَ بَصَرَهَا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا وَسَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ الْجُثَّةَ الْعَمْيَاءَ تُمْلَكُ بِالضَّمَانِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ،

  276. فَأَمَّا إذَا قَتَلَهَا فَإِنَّمَا لَزِمَهُ ضَمَانُ الْقِيمَةِ بِالْجِنَايَةِ، وَضَمَانُ الْقِيمَةِ بِالْجِنَايَةِ بَدَلُ النَّفْسِ فَلَا يُوجِبُ الْمِلْكَ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا بَعْدَ تَقَرُّرِ الْجِنَايَةِ بِالْمَوْتِ وَهِيَ لَيْسَتْ بِمَحِلٍّ لِلْمُلْكِ

  277. بَعْدَ الْمَوْتِ

  278. (قَالَ) وَإِذَا زَنَى بِأَمَةٍ هِيَ رَهْنٌ عِنْدَهُ فَإِنْ قَالَ ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي دُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ،

  279. وَإِنْ قَالَ: عَلِمْت أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ حُدَّ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ يُثْبِتُ مِلْكَ الْيَدِ حَقًّا لِلْمُرْتَهِنِ وَبِمُلْكِ الْيَدِ تَثْبُتُ شُبْهَةُ الِاشْتِبَاهِ كَمَا فِي الْمُعْتَدَّةِ مِنْ خُلْعٍ أَوْ مِنْ تَطْلِيقَاتٍ إذَا وَطِئَهَا، وَقَالَ: ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي لَا يُحَدُّ لِبَقَاءِ مِلْكِ الْيَدِ لَهُ فِيهَا بِسَبَبِ الْعِدَّةِ، وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ أَنَّهُ يُحَدُّ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛

  280. لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي الْمَالِيَّةِ وَذَلِكَ لَيْسَ بِسَبَبٍ لَلْحِلِّ بِحَالٍ وَهُوَ نَظِيرُ الْغَرِيمِ إذَا وَطِئَ جَارِيَةً مِنْ التَّرِكَةِ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ وَإِنْ كَانَتْ الْمَالِيَّةُ حَقًّا لَهُ فَإِنَّهَا تُبَاعُ فِي دَيْنِهِ

  281. اسْتَأْجَرَ أَمَةً لِتَخْدُمَهُ أَوْ اسْتَعَارَهَا فَزَنَى بِهَا

  282. (قَالَ) وَلَوْ اسْتَأْجَرَ أَمَةً لِتَخْدُمَهُ أَوْ اسْتَعَارَهَا فَزَنَى بِهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا لِانْعِدَامِ شُبْهَةِ الِاشْتِبَاهِ فَإِنَّ مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ لَا يَتَعَدَّى إلَى مِلْكِ الْمَحَلِّ بِحَالٍ

  283. (قَالَ) وَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَزْنِيِّ بِهَا أَوْ فِي الْمَكَانِ أَوْ فِي الْوَقْتِ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الزِّنَا فِعْلٌ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَحَلِّ وَالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَمَا لَمْ يَجْتَمِعْ الشُّهُودُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ لَا يَثْبُتُ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَلَكِنْ لَا حَدَّ عَلَى الشُّهُودِ عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَلَيْهِمْ حَدُّ الْقَذْفِ؛

  284. لِأَنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ نَسَبَاهُ إلَى زِنًى آخَرَ فَكَانَا قَاذِفَيْنِ لَهُ، وَشَرْطُ سُقُوطِ الْحَدِّ عَنْهُمْ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الشَّهَادَةِ بِزِنًا وَاحِدٍ.

  285. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ وَسَكَتَ الرَّابِعُ حُدَّ الثَّلَاثَةُ؟ فَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَ كُلُّ اثْنَيْنِ عَلَى زِنَا آخَرَ؛ لِأَنَّ الزِّنَا لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْمَثْنَى، وَلَكِنَّا نَقُولُ: قَدْ اجْتَمَعَ الْأَرْبَعَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بِالزِّنَا، وَذَلِكَ مَنْعٌ مِنْ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ، كَمَا لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ مِنْ الْفُسَّاقِ بِالزِّنَا عَلَى رَجُلٍ تَوْضِيحُهُ أَنَّا لَوْ اعْتَبَرْنَا اخْتِلَافَهُمْ فِي الْمَزْنِيِّ بِهَا أَوْ فِي الْمَكَانِ أَوْ فِي الزَّمَانِ فِي إيرَاثِ الشُّبْهَةِ وَذَلِكَ مُسْقِطٌ لِلْحَدِّ عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْحَدِّ عَلَيْهِمْ، وَيُجْعَلُ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّهُمْ امْتَنَعُوا مِنْ بَيَانِ ذَلِكَ أَصْلًا،

  286. وَلَوْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِالزِّنَا وَامْتَنَعُوا مِنْ بَيَانِ الْمَزْنِيِّ بِهَا وَالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ لَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهِمْ فَهَذَا مِثْلُهُ.

  287. (قَالَ) وَإِذَا شَهِدُوا عَلَى بَيْتٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِيهِ، فَقَالَ اثْنَانِ: فِي مُقَدَّمِهِ وَقَالَ اثْنَانِ: فِي مُؤَخَّرِهِ فِي الْقِيَاسِ لَا حَدَّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ فِي مُقَدَّمِ الْبَيْتِ غَيْرُ الْفِعْلِ فِي مُؤَخَّرِ الْبَيْتِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ فِي بَيْتَيْنِ أَوْ قَبِيلَتَيْنِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ عِنْدَنَا؛

  288. لِأَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَمْ يُكَلَّفُوا نَقْلَهُ، وَالتَّوْفِيقُ مُمْكِنٌ فَوَجَبَ قَبُولُ شَهَادَتِهِمْ كَمَا لَوْ اخْتَلَفُوا فِي ثِيَابِهَا حِينَ زَنَى بِهَا وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّهُمْ لَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ لَمْ يَسْأَلْهُمْ الْقَاضِي إنْ كَانَ فِي مُقَدَّمِهِ أَوْ فِي مُؤَخَّرِهِ، وَبَيَانُ إمْكَانِ التَّوْفِيقِ مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا)

  289. أَنَّ ابْتِدَاءَ الْفِعْلِ كَانَ فِي مُقَدِّمِ الْبَيْتِ وَانْتِهَاءَهُ كَانَ فِي مُؤَخَّرِهِ لِاضْطِرَابِهِمَا أَوْ كَانَ فِي وَسَطِ الْبَيْتِ فَظَنَّ اثْنَانِ أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مِنْ مُقَدَّمِ الْبَيْتِ وَاثْنَانِ أَنَّهُ مِنْ مُؤَخَّرِ الْبَيْتِ فَشَهِدُوا عَلَى مَا وَقَعَ عِنْدَهُمْ

  290. بِخِلَافِ الْبَيْتَيْنِ وَالْقَبِيلَتَيْنِ فَالتَّوْفِيقُ هُنَاكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ،

  291. ثُمَّ هَذَا الِاسْتِحْسَانُ مِنَّا لِتَصْحِيحِ الشَّهَادَةِ لَا لِإِقَامَةِ الْحَدِّ فَإِنَّمَا يُسْتَحْسَنُ لِدَرْءِ الْحَدِّ وَلَمْ يُذْكَرْ إذَا تَقَارَبَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الزَّمَانِ، وَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي الْمَكَانِ إذَا تَقَارَبَ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ اسْتِحْسَانًا،

  292. وَلَوْ اخْتَلَفُوا فِي الثَّوْبِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ حِينَ زَنَى بِهَا لَمْ تَبْطُلْ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ امْتَنَعُوا مِنْ بَيَانِ ثَوْبِهِ حِينَ زَنَى لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي شَهَادَتِهِمْ فَعَرَفْنَا أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِيمَا لَمْ يُكَلَّفُوا نَقْلَهُ وَالتَّوْفِيقُ مُمْكِنٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ وَقَعَ بَصَرُ اثْنَانِ عَلَى أَحَدِهِمَا وَبَصَرُ الْآخَرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ

  293. (قَالَ) وَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا وَأَحَدُهُمْ وَالِدُهُ أَوْ وَلَدُهُ فَالشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي شَهَادَةِ الْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ ثُمَّ يَرِثُ الْوَلَدُ مِنْ وَالِدِهِ وَإِنْ رُجِمَ بِشَهَادَتِهِ إلَّا أَنَّهُ إذَا أَمَرَهُ الْإِمَامُ بِالْبِدَايَةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَعَمَّدَ قَتْلَهُ؛

  294. لِأَنَّ الْوِلَادَةَ مَانِعٌ لِلْوَلَدِ مِنْ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِوَالِدِهِ بِالْقَتْلِ وَإِنْ كَانَ مُبَاحَ الدَّمِ عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّ حَنْظَلَةَ بْنَ أَبِي عَامِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَتْلِ أَبِيهِ الْمُشْرِكِ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ وَقَالَ: يَكْفِيكَ ذَلِكَ غَيْرُك» ،

  295. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الشَّاهِدُ أَخًا أَوْ جَدًّا أَوْ وَاحِدًا مِنْ ذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ حُرْمَتَانِ الْإِسْلَامُ وَالْقَرَابَةُ، وَذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ التَّعَرُّضِ لَهُ بِالْقَتْلِ كَمَا فِي الْعَادِلِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ أَخَاهُ الْبَاغِيَ

  296. بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ أَخَاهُ الْكَافِرَ؛ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ هُنَاكَ حُرْمَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ الْقَرَابَةُ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ حُرْمَةِ الْإِسْلَامِ فِيمَا بَيْنَ الْأَجَانِبِ.

  297. (قَالَ) فَأَمَّا فِي حَقِّ الْوَالِدَيْنِ مِنْ الْكُفَّارِ الْمَوْجُودُ حُرْمَتَانِ الْوِلَادُ يَعْنِي بِهِ الْجُزْئِيَّةَ وَالْقَرَابَةَ فَلَوْ أَنَّهُ أَصَابَ مَقْتَلَهُ لَمْ يُحْرَمْ الْمِيرَاثَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ بِحَقٍّ، وَحِرْمَانُ الْمِيرَاثِ جَزَاءٌ عَلَى الْقَتْلِ الْمَحْظُورِ عُقُوبَةً فَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ فِي الْقَتْلِ بِحَقٍّ

  298. امْتَنَعَ أَحَدُ الشُّهُودِ مِنْ الْبِدَايَةِ بِالرَّجْمِ

  299. (قَالَ) وَلَوْ امْتَنَعَ أَحَدُ الشُّهُودِ مِنْ الْبِدَايَةِ بِالرَّجْمِ فَذَلِكَ شُبْهَةٌ فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الشُّهُودِ؛ لِأَنَّهُمْ ثَابِتُونَ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ بَعْضُهُمْ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ رُجُوعًا عَنْ الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا وَقَدْ يَمْتَنِعُ الْإِنْسَانُ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ بِحَقٍّ

  300. (قَالَ) وَإِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا وَعَدَلُوا فَلَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِالرَّجْمِ حَتَّى قَتَلَهُ إنْسَانٌ بِالسَّيْفِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُوجِبُ شَيْئًا مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهَا الْقَضَاءُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ رَجَعُوا بَعْدَ عَدَالَتِهِمْ

  301. لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِشَيْءٍ وَلَمْ يَضْمَنُوا لِلْمَشْهُودِ لَهُ شَيْئًا وَلَوْ وَجَبَ حَقُّ الْمَشْهُودِ لَهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِظُهُورِ عَدَالَتِهِمْ لَصَارُوا مُتْلِفِينَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِالرُّجُوعِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنُوا لَهُ، وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُوجِبُ شَيْئًا بِدُونِ الْقَضَاءِ فَبَقِيَتْ النَّفْسُ مَعْصُومَةً عَلَى مَا كَانَتْ قَبْلَ الشَّهَادَةِ فَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ عَمْدًا، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ بَطَلَتْ بِالْقَتْلِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ فَهُوَ كَمَا لَوْ بَطَلَتْ الشَّهَادَةُ بِرُجُوعِهِمْ،

  302. فَإِنْ قَضَى الْقَاضِي بِرَجْمِهِ ثُمَّ قَتَلَهُ إنْسَانٌ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ قَطَعَ يَدَهُ أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مُبَاحَ الدَّمِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَالْفِعْلُ فِي مَحَلٍّ مُبَاحٍ لَا يَكُونُ سَبَبَ وُجُوبِ الضَّمَانِ،

  303. وَكَذَلِكَ لَوْ رَجَعَ الشُّهُودُ عَنْ شَهَادَتِهِمْ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْجَانِي؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي حَقِّ الْجَانِي فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.

  304. وَإِنْ وَجَدَ أَحَدُ الشُّهُودِ عَبْدًا بَعْدَ مَا قَتَلَهُ الرَّجُلُ عَمْدًا فَفِي الْقِيَاسِ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مَحْقُونَ الدَّمِ حِينَ ظَهَرَ أَنَّ عَدَدَ الشُّهُودِ لَمْ يَتَكَامَلْ،

  305. فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا شَهَادَةَ لَهُ، وَلِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى قَتْلِهِ إيَّاهُ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي كَانَ بَاطِلًا وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَأَبْطَلَ عَنْهُ الْقِصَاصَ وَجَعَلَ عَلَيْهِ الدِّيَةَ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ قَضَى بِإِبَاحَةِ دَمِهِ، وَصُورَةُ قَضَاءِ الْقَاضِي تَكْفِي لِإِيرَاثِ الشُّبْهَةِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ حَقًّا كَانَ مُبِيحًا لِلدَّمِ، فَصُورَتُهُ تَمَكُّنُ شُبْهَةٍ كَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ يُجْعَلُ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمَوْلَى إذَا جَاءَ الْمَشْهُودُ بِقَتْلِهِ حَيًّا.

  306. وَإِذَا امْتَنَعَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ لِلشُّبْهَةِ وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ عَمْدٌ وَالْعَاقِلَةُ لَا تَعْقِلُ الْعَمْدَ وَلَكِنْ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا بِنَفْسِ الْقَتْلِ فَإِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ قَتَلَهُ رَجْمًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُمْتَثِلٌ أَمْرَ الْقَاضِي فَيَكُونُ فِعْلُهُ كَفِعْلِ الْقَاضِي فَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا وَلَكِنَّ هَذَا خَطَأٌ مِنْ الْإِمَامِ فِيمَا عَمِلَهُ لِلَّهِ تَعَالَى فَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ

  307. بِخِلَافِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ مَا امْتَثَلَ أَمْرَ الْقَاضِي فِي قَتْلِهِ إيَّاهُ بِالسَّيْفِ وَلِهَذَا يُؤَدِّبُهُ الْقَاضِي هُنَاكَ عَلَى مَا صَنَعَ وَلَا يُؤَدِّبُهُ هُنَا،

  308. وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَجْهَزُوا عَلَيْهِ حَتَّى ظَهَرَ أَنَّ أَحَدَ الشُّهُودِ عَبْدٌ فَأَرْشُ الْجِرَاحَةِ أَيْضًا فِي بَيْتِ الْمَالِ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ وَالْمَعْنَى الْجَامِعُ أَنَّ الْخَطَأَ مِنْ الْإِمَامِ فِي الْوَجْهَيْنِ

  309. (قَالَ) أَرْبَعَةٌ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا وَهُوَ غَيْرُ مُحْصَنٍ وَضَرَبَهُ الْإِمَامُ الْحَدَّ ثُمَّ وَجَدَ أَحَدَهُمْ عَبْدًا وَقَدْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الضَّرْبِ أَوْ لَمْ يَمُتْ فَلَا شَيْءَ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَا عَلَى الْإِمَامِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَهُمَا هُوَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَعَلَى هَذَا لَوْ رَجَعَ الشُّهُودُ وَقَدْ جَرَحَتْهُ

  310. السِّيَاطُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الشُّهُودِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ الشُّهُودُ أَرْشَ الْجِرَاحَاتِ وَالدِّيَةَ إنْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ.

  311. (وَحُجَّتُنَا) أَنَّ الْجَلَدَاتِ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِمْ، فَالشَّاهِدُ يُجْعَلُ كَالْمُبَاشِرِ لِمَا أَوْجَبَهُ بِشَهَادَتِهِ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ كَمَا لَوْ كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا، وَكَمَا أَنَّ شُهُودَ الْقِصَاصِ وَشُهُودَ الْقَتْلِ إذَا رَجَعُوا ضَمِنُوا مَا أُتْلِفَ بِشَهَادَتِهِمْ كَأَنَّهُمْ بَاشَرُوا ذَلِكَ فَهَذَا مِثْلُهُ،

  312. فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُمْ كَالْمُبَاشِرِينَ تَلَفًا وَمَنْ ضَرَبَ إنْسَانًا بِسَوْطٍ فَجَرَحَهُ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ أَرْشَ الْجِرَاحَةِ وَلَوْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ ضَامِنًا لِلدِّيَةِ فَكَذَلِكَ إذَا رَجَعُوا هُنَا،

  313. وَإِذَا ظَهَرَ أَنَّهُمْ عَبِيدٌ فَقَدْ ظَهَرَ الْخَطَأُ مِنْ الْإِمَامِ، فَذَلِكَ الضَّمَانُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ إنَّمَا أَوْجَبُوا بِشَهَادَتِهِمْ ضَرْبًا مُؤْلِمًا غَيْرَ جَارِحٍ وَمُتْلِفٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُقَامُ هَذَا الْحَدُّ الشَّدِيدُ عَلَى الْمَرِيضِ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى الْإِتْلَافِ، وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ يَخْتَارُ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ سَوْطًا لَا ثَمَرَةَ لَهُ كَيْ لَا يَجْرَحَهُ، وَيُفَرَّقَ عَلَى الْأَعْضَاءِ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى الْجِرَاحَةِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ ضَرَبَهُ فَلَمْ يَجْرَحْهُ يَتِمُّ إقَامَةُ الْحَدِّ حَتَّى لَا يُعَادَ عَلَيْهِ فَيَثْبُتَ أَنَّهُمْ إذَا أَوْجَبُوا بِشَهَادَتِهِمْ ضَرْبًا مُؤْلِمًا غَيْرَ جَارِحٍ وَلَا مُتْلِفٍ، وَلَكِنَّ الْجِرَاحَةَ وَالْإِتْلَافَ أَفْضَتْ إلَيْهِ الشَّهَادَةُ وَالشَّاهِدُ عِنْدَ الرُّجُوعِ لَا يَضْمَنُ مَا أَفْضَى إلَيْهِ شَهَادَتُهُ كَالشَّهَادَةِ بِالنَّسَبِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ إذَا رَجَعَ بَعْدَ مَا مَاتَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَوَرِثَ الْمَشْهُودُ لَهُ بِنِسْبَةٍ.

  314. وَكَمَا أَنَّ الْجِرَاحَةَ وَالْإِتْلَافَ لَيْسَ مِنْ مُوجِبِ الشَّهَادَةِ فَكَذَا لَيْسَ مِنْ مُوجِبِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا يَقْضِي بِمَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ فَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ الضَّمَانِ عَلَى الْقَاضِي وَلَا فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَا كَانَ وَاجِبًا بِقَضَاءِ الْقَاضِي إذَا تَبَيَّنَ فِيهِ الْخَطَأُ،

  315. وَلَا شَيْءَ عَلَى الْجَلَّادِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ امْتَثَلَ أَمْرَ الْقَاضِي وَهُوَ مُجْتَهِدٌ فِيمَا أَقَامَ مِنْ الْحَدِّ، فَلِهَذَا لَا يَضْمَنُ أَحَدٌ شَيْئًا

  316. بِخِلَافِ مَا إذَا بَاشَرَ الضَّرْبَ بِالسَّوْطِ فَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِضَرْبِهِ مِنْ مُوجِبَاتِ فِعْلِهِ وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِي ذَلِكَ فَكَانَ مُؤَاخَذًا بِضَمَانِهِ

  317. (قَالَ) أَرْبَعَةٌ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِشَيْءٍ يَجِبُ فِيهِ التَّعْزِيرُ فَعَزَّرَهُ الْإِمَامُ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْإِمَامِ،

  318. وَلَا فِي بَيْتِ الْمَالِ عِنْدَنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَجِبُ الدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأَنَّ التَّعْزِيرَ لِلتَّأْدِيبِ لَا لِلْإِتْلَافِ،

  319. فَإِذَا أَدَّى إلَى الْإِتْلَافِ كَانَ خَطَأً مِنْ الْإِمَامِ فَيَجِبُ الضَّمَانُ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَكَمَا نَقُولُ فِي الزَّوْجِ إذَا عَزَّرَ زَوْجَتَهُ فَمَاتَتْ كَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الدِّيَةِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ الْإِمَامُ مُحِقٌّ فِيمَا أَقَامَ وَهُوَ مُسْتَوْفٍ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَيَصِيرُ كَأَنَّ مَنْ لَهُ الْحَقُّ أَمَاتَهُ

  320. بِخِلَافِ الزَّوْجِ إذَا عَزَّرَ زَوْجَتَهُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَوْفِي ذَلِكَ

  321. لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ فَمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ يَكُونُ مُضَافًا إلَيْهِ.

  322. تَوْضِيحُهُ أَنَّ إقَامَةَ التَّعْزِيرِ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْإِمَامِ شَرْعًا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْزَجِرُ إلَّا بِهِ، وَمَا يَكُونُ مُسْتَحَقًّا عَلَى الْمَرْءِ لَا يَتَقَيَّدُ بِشَرْطٍ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ التَّحَرُّزُ عَنْهُ وَهُوَ كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَ السَّارِقِ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَأَمَّا تَعْزِيرُ الزَّوْجِ مُبَاحٌ لَهُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ وَالْمُبَاحَاتُ تَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ كَالْمَشْيِ فِي الطَّرِيقِ وَالرَّمْيِ إلَى الصَّيْدِ

  323. (قَالَ) وَإِذَا حَكَمَ الْإِمَامُ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا وَالرَّجْمِ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ وَقَالَ لِلنَّاسِ اُرْجُمُوهُ وَسِعَهُمْ أَنْ يَرْجُمُوهُ،

  324. وَإِنْ لَمْ يُعَايِنُوا أَدَاءَ الشَّهَادَةِ، وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَا يَسَعُهُمْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَشْهَدْ بِهِ عَدْلٌ آخَرُ عِنْدَهُمْ، أَوْ يُعَايِنُوا أَدَاءَ الشَّهَادَةِ وَالْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ أَمْرٌ عَظِيمٌ إذَا وَقَعَ فِيهِ الْغَلَطُ لَا يُمْكِنُ التَّدَارُكُ وَالتَّلَاقِي،

  325. وَمَنْ يَكُونُ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ مُلْزِمًا الْأَنْبِيَاءُ الْمَعْصُومُونَ عَنْ الْكَذِبِ فَإِنَّهُمْ لَا يُقَرُّونَ عَلَى الْكَذِبِ وَالْقَاضِي لَا تَبْلُغُ دَرَجَتُهُ دَرَجَةَ الْأَنْبِيَاءِ بَلْ هُوَ غَيْرُ مَعْصُومٍ عَنْ الْخَطَأِ وَالْكَذِبِ فَلَا يَسَعُهُمْ الْإِقْدَامُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ عَلَى مَا إذَا وَقَعَ الْغَلَطُ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ.

  326. وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي أَوْلَى مِنْ شَهَادَةِ الشُّهُودِ،

  327. فَلَوْ عَايَنُوا أَدَاءَ الشَّهَادَةِ وَسِعَهُمْ أَنْ يَرْجُمُوهُ،

  328. وَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ غَيْرَ مَعْصُومِينَ عَنْ الْكَذِبِ فَكَذَلِكَ إذَا أَخْبَرَهُمْ الْقَاضِي بِقَضَائِهِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ الظَّاهِرَةَ هِيَ الِاكْتِفَاءُ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ بِقَاضٍ وَاحِدٍ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدُ حُكْمِهِ حُجَّةً لَكَانَ يُتَّخَذُ قَاضِيَانِ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى ذَلِكَ وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِقَاضٍ وَاحِدٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ حُجَّةٌ يُطْلِقُ لَهُمْ الْإِقْدَامَ عَلَى إقَامَةِ الْحَدِّ رَجْمًا كَانَ أَوْ قَتْلًا حَدَّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ أَوْ قَطْعًا فِي السَّرِقَةِ

  329. (قَالَ) وَإِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةٌ بِالزِّنَا وَقَالَ الرَّابِعُ لَمْ أَرَ مَا قَالُوا وَلَكِنِّي رَأَيْتُهُمَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ فَشَهَادَتُهُمْ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ الرَّابِعَ مَا شَهِدَ بِشَيْءٍ فَلَمْ يَتَكَامَلْ عَدَدُ شُهُودِ الزِّنَا فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَيُحَدُّ الثَّلَاثَةُ؛ لِأَنَّهُمْ قَذَفُوهُ بِالزِّنَا حَيْثُ لَمْ يَتَكَامَلْ عَدَدُ الشُّهُودِ وَلَا يُحَدُّ الرَّابِعُ؛

  330. لِأَنَّهُ مَا نَسَبَهُ إلَى الزِّنَا بِقَوْلِهِ رَأَيْتُهُمَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ فَإِنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى الثَّلَاثَةِ حِين امْتَنَعَ زِيَادٌ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى صَرِيحِ الزِّنَا وَلَمْ يُقِمْ الْحَدَّ عَلَى زِيَادٍ،

  331. وَإِنْ كَانَ الرَّابِعُ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّهُ زَانٍ ثُمَّ سُئِلَ عَنْ صِفَتِهِ فَلَمْ يَصِفْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ بِقَوْلِهِ إنَّهُ زَانٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَسَبَهُ إلَى الزِّنَا بِهَذَا وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ،

  332. وَلَوْ لَمْ يُؤَكِّدْ ذَلِكَ بِلَفْظَةِ الشَّهَادَةِ وَلَكِنْ قَالَ هَذَا زَانٍ كَانَ قَاذِفًا لَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ مُسْتَوْجِبًا الْحَدَّ فَهُنَا أَوْلَى، وَتَأْوِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الرَّابِعَ إذَا قَالَ: هَذَا فِي مَجْلِسٍ آخَرَ سِوَى الْمَجْلِسِ الَّذِي شَهِدَ فِيهِ الثَّلَاثَةُ،

  333. فَأَمَّا إذَا اجْتَمَعَ الْأَرْبَعَةُ فِي مَجْلِسٍ وَشَهِدُوا عَلَيْهِ بِالزِّنَا وَأَبَى بَعْضُهُمْ

  334. أَنْ يُفَسِّرَ ذَلِكَ فَلَا حَدَّ عَلَى مَا فَسَّرَهُ بَعْدَ هَذَا؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ إذَا شَهِدُوا عَلَيْهِ بِالزِّنَا فَسُئِلُوا عَنْ كَيْفِيَّتِهِ وَمَاهِيَّتِه وَقَالُوا لَا نَزِيدُ لَك عَلَى هَذَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُبَيِّنُوا مُبْهَمَ كَلَامِهِمْ وَلَكِنْ لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ لِتَكَامُلِ عَدَدِهِمْ فَإِنَّ تَكَامُلَ عَدَدِ الشُّهُودِ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ مِنْ الْفُسَّاقِ بِالزِّنَا،

  335. وَكَذَلِكَ إنْ وَصَفَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ؛ لِأَنَّ عَدَدَهُمْ مُتَكَامِلٌ فِي أَصْلِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بِالزِّنَا، وَامْتِنَاعُ بَعْضِهِمْ عَنْ الْبَيَانِ لَا يَكُونُ رُجُوعًا عَنْ الشَّهَادَةِ وَلَكِنْ يَصِيرُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي حَقِّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَا يُقَامُ عَلَى الشُّهُودِ أَيْضًا كَمَا فِي فِسْقِ الشُّهُودِ

  336. (قَالَ) أَرْبَعَةٌ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا بِامْرَأَةٍ فَشَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى الشُّهُودِ أَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ زَنَوْا بِهَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ،

  337. وَلَا يُقَامُ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ الَّتِي دَخَلَتْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يُقَامُ حَدُّ الزِّنَا عَلَى الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْفَرِيقَ الثَّانِيَ عُدُولٌ شَهِدُوا عَلَى الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ بِالزِّنَا فَوَجَبَ قَبُولُ شَهَادَتِهِمْ، وَقَدْ ثَبَتَ فِسْقُهُمْ لِظُهُورِ زِنَاهُمْ بِالْحُجَّةِ فَتَبْطُلُ شَهَادَتُهُمْ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ الْأَوَّلِ، وَبَقِيَتْ الشُّبْهَةُ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى إنْ قَصَدَ الْفَرِيقُ الثَّانِي بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ إبْطَالَ شَهَادَةِ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ؛

  338. لِأَنَّهُمْ حِينَ لَمْ يَشْهَدُوا إلَى أَنْ شَهِدَ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ،

  339. فَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا كَاذِبِينَ قَاصِدِينَ إلَى إبْطَالِ شَهَادَتِهِمْ أَوْ كَانُوا صَادِقِينَ وَلَكِنَّهُمْ اخْتَارُوا السَّتْرَ فَلَمَّا شَهِدَ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ حَمَلَتْهُمْ الضَّغِينَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ دُونَ الْحِسْبَةِ وَمِثْلُ هَذِهِ الشَّهَادَةِ لَا تُقْبَلُ كَمَا لَوْ شَهِدُوا بِالزِّنَا بَعْدَ تَقَادُمِ الْعَهْدِ وَلِأَنَّ فِي لَفْظِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَصْدَهُمْ الْمُجَازَاةُ دُونَ الْحِسْبَةِ،

  340. فَإِنَّ فِي الشَّهَادَةِ بِطَرِيقِ الْحِسْبَةِ يَقُولُونَ زَنَوْا وَهُمْ زُنَاةٌ،

  341. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ هُمْ الَّذِينَ زَنَوْا يَكُونُ عَلَى طَرِيقِ الْمُجَازَاةِ ثُمَّ هَذَا يُؤَدِّي إلَى التَّهَاتُرِ فَرُبَّمَا يَشْهَدُ فَرِيقٌ ثَالِثٌ عَلَى الْفَرِيقِ الثَّانِي بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ إقَامَةُ الْحَدِّ بِهِ

  342. شَهِدَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ وَامْرَأَتَانِ بِالزِّنَا

  343. (قَالَ) وَإِنْ شَهِدَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ وَامْرَأَتَانِ بِالزِّنَا لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمْ «لِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ قَالَ مَضَتْ السُّنَّةُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ لَا شَهَادَةَ لِلنِّسَاءِ فِي حَدِّ الزِّنَا» فَكَانُوا جَمِيعًا قَذَفَةً

  344. (قَالَ) وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى شَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيهَا ضَرْبُ شُبْهَةٍ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْكَلَامَ إذَا تَدَاوَلَتْهُ الْأَلْسِنَةُ تُمْكِنُ فِيهِ زِيَادَةٌ وَنُقْصَانٌ وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ بَدَلٌ وَالْأَبْدَالُ مَنْصُوبَةٌ لِلْحَاجَةِ وَلَا تُقَامُ الْحُدُودُ بِمِثْلِهِ؛

  345. لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الدَّرْءِ وَلَا حَدَّ عَلَى الْفُرُوعِ؛ لِأَنَّهُمْ مَا نَسَبُوا الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ إلَى الزِّنَا إنَّمَا حَكَوْا شَهَادَةَ الْأُصُولِ بِذَلِكَ وَالْحَاكِي لِلْقَذْفِ عَنْ غَيْرِهِ لَا يَكُونُ قَاذِفًا،

  346. فَإِنْ قَدِمَ الْأُصُولُ فَشَهِدُوا عَلَى شَهَادَةِ أَنْفُسِهِمْ عَلَى هَذَا

  347. الرَّجُلِ بِالزِّنَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْعَهْدَ قَدْ تَطَاوَلَ وَالثَّانِي أَنَّ الْحَاكِمَ حَكَمَ بِرَدِّ هَذِهِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ نَقْبَلُ شَهَادَةَ الْأُصُولِ أَيْضًا فَفِي الْمَوْضِع الَّذِي تُرَدُّ أَيْضًا يَتَعَدَّى رَدُّهُ إلَى شَهَادَةِ الْأُصُولِ مِنْ وَجْهٍ وَذَلِكَ شُبْهَةٌ وَلَا حَدَّ عَلَى الشُّهُودِ لِتَكَامُلِ عَدَدِهِمْ، وَلِأَنَّا إنَّمَا لَا نُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِنَوْعِ شُبْهَةٍ وَالشُّبْهَةُ تَصْلُحُ لِدَرْءِ الْحَدِّ بِهَا لَا لِإِيجَابِ الْحَدِّ.

  348. (قَالَ) وَإِنْ قَالَ الشُّهُودُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَاضِي نَشْهَدُ أَنَّكُمَا زَانِيَانِ وَقَدَّمُوهُمَا إلَى الْقَاضِي وَشَهِدُوا عَلَيْهِمَا وَقَالَا: إنَّهُمْ قَدْ قَالُوا لَنَا هَذِهِ الْمَقَالَةَ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعُونَا إلَيْك، وَلَنَا بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ تَسْقُطْ شَهَادَتُهُمْ بِهِ وَحُدَّ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ؛ لِأَنَّهُمْ عُدُولٌ.

  349. (فَإِنْ قِيلَ) صَارُوا قَاذِفِينَ لَهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الزِّنَا فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَاضِي فَكَانُوا مُتَّهَمِينَ فِي الشَّهَادَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ قَصَدُوا بِهَا إسْقَاطَ الْحَدِّ.

  350. (قُلْنَا) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَكَامُلَ الْعَدَدِ كَمَا يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُمْ قَذْفًا فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي فَكَذَلِكَ فِي غَيْرِ مَجْلِسِهِ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ فِعْلِهِمَا النَّدَمُ مَعْنَاهُ أَنَّ مَقْصُودَ الشُّهُودِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَاضِي أَنَّكُمَا زَانِيَانِ لِيَظْهَرَ النَّدَمُ لِيَسْتُرُوا عَلَيْهِمَا أَوْ الْإِصْرَارُ لِيَشْهَدُوا عَلَيْهِمَا، وَالشَّاهِدُ مَنْدُوبٌ إلَى ذَلِكَ وَلِأَنَّ كَلَامَهُمْ الْأَوَّلَ مَوْقُوفٌ فَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ شَهَادَتُهُمْ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي لَمْ يَكُنْ قَذْفًا وَإِلَّا فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَذْفًا

  351. (قَالَ) وَإِذَا شَهِدُوا عَلَيْهِمَا بِالزِّنَا فَقَالَ: اثْنَانِ طَاوَعَتْهُ، وَقَالَ آخَرَانِ: اسْتَكْرَهَهَا دُرِئَ الْحَدُّ عَنْهُمَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يُحَدُّ الرَّجُلُ وَحْدَهُ لَهُمَا أَنَّ الْحُجَّةَ فِي جَانِبِ الرَّجُلِ تَمَّتْ مُوجِبَةً لِلْحَدِّ فَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي حَالِهَا، وَذَلِكَ لَا يُغَيِّرُ حُكْمَ الْفِعْلِ فِي جَانِبِهِ فَإِنَّ الْكُلَّ لَوْ اتَّفَقُوا أَنَّهَا كَانَتْ طَائِعَةً أَوْ مُكْرَهَةً يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الرَّجُلِ وَهَذَا؛

  352. لِأَنَّ الزِّنَا فِعْلَانِ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَإِنَّمَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِفِعْلِهِ، وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى وُجُودِ الْفِعْلِ الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ عَلَى الرَّجُلِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ شَهِدَا بِفِعْلٍ آخَرَ فَمَا لَمْ يَتَّفِقْ الْأَرْبَعَةُ عَلَى الْفِعْلِ الْوَاحِدِ لَا يَثْبُتُ الزِّنَا كَمَا لَوْ اخْتَلَفُوا فِي الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ شَاهِدَيْ الطَّوَاعِيَةِ شَهِدَا بِفِعْلٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهَا إذَا كَانَتْ طَائِعَةً كَانَتْ شَرِيكَةً لَهُ فِي الْفِعْلِ حَتَّى تُشَارِكَهُ فِي إثْمِ الْفِعْلِ وَشَاهِدَا الْإِكْرَاهِ شَهِدَا بِفِعْلٍ تَفَرَّدَ بِهِ الرَّجُلُ؛

  353. لِأَنَّهُ لَا شَرِكَةَ لِلْمَرْأَةِ فِي الْفِعْلِ إذَا كَانَتْ مُكْرَهَةً حَتَّى لَا تُشَارِكَهُ فِي إثْمِ الْفِعْلِ وَالْفِعْلُ الْمُشْتَرَكُ غَيْرُ الْفِعْلِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ الرَّجُلُ، وَقَوْلُنَا إنَّ الزِّنَا فِعْلَانِ يَعْنِي مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ فَأَمَّا فِي الْحَقِيقَةِ

  354. الْفِعْلُ وَاحِدٌ وَلِهَذَا لَوْ تَمَكَّنَتْ الشُّبْهَةُ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ يَصِيرُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْ الْآخَرِ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الَّذِينَ شَهِدُوا أَنَّهَا طَاوَعَتْهُ صَارُوا قَاذِفِينَ لَهَا مُلْتَزِمِينَ حَدَّ الْقَذْفِ لَوْلَا شَهَادَةُ الْآخَرِينَ أَنَّهُ زَنَى بِهَا وَهِيَ مُكْرَهَةٌ فَكَانَا خَصْمَيْنِ وَلَا شَهَادَةَ لِلْخَصْمِ، وَإِنَّمَا لَا يُقَامُ حَدُّ الْقَذْفِ عَلَيْهِمَا بِشَهَادَةِ آخَرَيْنِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَذَفَ امْرَأَةً ثُمَّ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ أَنَّهَا زَنَتْ، وَهِيَ مُكْرَهَةٌ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْ الْقَاذِفِ وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ عَدَدِ الْأَرْبَعَةِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ وَهَذِهِ شَهَادَةٌ عَلَى سُقُوطِ إحْصَانِهَا؛

  355. لِأَنَّ زِنَا الْمُكْرَهَةِ لَا يُوجِبُ حَدَّ الزِّنَا عَلَيْهَا بِحَالٍ، وَسُقُوطُ الْإِحْصَانِ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ.

  356. وَبَيَانُ هَذَا الطَّرِيقِ فِيمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْكَيْسَانِيَّاتِ قَالَ: لَوْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ أَنَّهَا طَاوَعَتْهُ وَوَاحِدٌ أَنَّهَا مُكْرَهَةٌ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الشُّهُودِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يُقَامُ عَلَى الثَّلَاثَةِ حَدُّ الْقَذْفِ بِخُصُومَتِهَا؛

  357. لِأَنَّهُمْ صَارُوا قَاذِفِينَ لَهَا، وَالشَّاهِدُ عَلَى سُقُوطِ إحْصَانِهَا وَاحِدٌ وَبِشَهَادَةِ وَاحِدٍ لَا يَثْبُتُ الْإِحْصَانُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَةَ لَا فِعْلَ لَهَا فَتَكُونُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ فِي حَقِّهَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ امْتَنَعَ الرَّابِعُ مِنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ.

  358. (قَالَ) وَلَوْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ: أَنَّهُ اسْتَكْرَهَهَا وَوَاحِدٌ أَنَّهَا طَاوَعَتْهُ فَلَيْسَ عَلَى هَذَا الْوَاحِدِ حَدُّ الْقَذْفِ لَهَا بِشَهَادَةِ الْبَاقِي بِسُقُوطِ إحْصَانِهَا هَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُكْرَهَةَ عَلَى الزِّنَا يَسْقُطُ إحْصَانُهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ إحْصَانُهَا بِفِعْلِهَا.

  359. وَوَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهَا مُمَكِّنَةٌ مِنْ وَطْءٍ حَرَامٍ فَإِنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُعْدِمُ لَهَا الْفِعْلَ خُصُوصًا فِيمَا لَا يَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ الْمُكْرَهَةُ آلَةً لِلْمُكْرِهِ وَلِأَنَّهَا مُضْطَرَّةٌ إلَى ذَلِكَ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ سُقُوطَ إحْصَانِهَا

  360. (قَالَ) وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ زَنَى بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ فِي مَوْضِعِ كَذَا فِي وَقْتِ كَذَا وَشَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُ زَنَى بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ الْأُخْرَى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِعَيْنِهِ فِي مَكَان آخَرَ وَالْبَيِّنَتَانِ بَيْنَهُمَا بُعْدٌ لَمْ يُحَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ تَيَقَّنَ بِكَذِبِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ وَالشَّخْصَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَا فِي مَكَانَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ،

  361. وَلَا يَعْرِفُ الصَّادِقَ مِنْ الْكَاذِبِ فَيَمْتَنِعُ لِلتَّعَارُضِ أَوْ لِتَمَكُّنِ تُهْمَةِ الْكَذِبِ فِي شَهَادَةِ كُلِّ فَرِيقٍ أَوْ لِعَدَمِ ظُهُورِ رُجْحَانِ جَانِبِ الصِّدْقِ،

  362. وَإِنْ شَهِدَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ عَلَى وَقْتٍ غَيْرِ الْوَقْتِ الْآخَرِ جَازَتْ الشَّهَادَةُ وَحُدَّ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَتَانِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَلَى الرَّجُلِ فِعْلَانِ وَعَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ فِعْلٌ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ بِحُجَّةٍ كَامِلَةٍ فَيُقِيمُ الْقَاضِي الْحَدَّ عَلَيْهِمْ إذْ الزِّنَا بَعْدَ الزِّنَا يَتَحَقَّقُ فِي وَقْتَيْنِ وَمَكَانَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ بِامْرَأَةٍ وَامْرَأَتَيْنِ

  363. (قَالَ) وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُ زَنَى يَوْمَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ الْعَبْدِ

  364. وَشَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُ قَتَلَ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْكُوفَةِ فُلَانًا لَمْ تُقْبَلْ وَاحِدَةٌ مِنْ الشَّهَادَتَيْنِ لِتَيَقُّنِ الْقَاضِي بِكَذِبِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ،

  365. وَلَا حَدَّ عَلَى شُهُودِ الزِّنَا لِتَكَامُلِ عَدَدِهِمْ وَعَلَى هَذَا سَائِرُ الْأَحْكَامِ مِنْ الْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ وَلَا يُقَالُ لَا تُنْكَرُ كَرَامَةُ الْأَوْلِيَاءِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ بِمَكَّةَ وَالْكُوفَةِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الْوَلِيِّ لَا يَزْنِي وَلَا يَجْحَدُ مَا فَعَلَهُ وَلِأَنَّا أُمِرْنَا بِبِنَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمَعْرُوفُ،

  366. فَإِنْ حَضَرَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ وَشَهِدُوا فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمْ ثُمَّ شَهِدَ الْآخَرُونَ فَشَهَادَةُ الْآخَرِينَ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ رُجْحَانَ جَانِبِ الصِّدْقِ ثَبَتَ فِي شَهَادَةِ الْأَوَّلِينَ حِينَ اتَّصَلَ الْحُكْمُ بِهَا فَيَبْقَى الْكَذِبُ فِي شَهَادَةِ الْفَرِيقِ الثَّانِي،

  367. وَلَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى شُهُودِ الزِّنَا وَإِنْ كَانُوا هُمْ الْفَرِيقَ الثَّانِيَ لِتَكَامُلِ عَدَدِهِمْ

  368. (قَالَ) وَإِذَا ثَبَتَ حَدُّ الزِّنَا عَلَى رَجُلٍ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ وَهُوَ مُحْصَنٌ أَوْ غَيْرُ مُحْصَنٍ، فَلَمَّا أُقِيمَ عَلَيْهِ بَعْضُهُ هَرَبَ فَطَلَبَهُ الشُّرَطُ فَأَخَذُوهُ فِي فَوْرِهِ أُقِيمَ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الْحَدِّ؛ لِأَنَّ الْهُرُوبَ غَيْرُ مُسْقِطٍ عَنْهُ مَا لَزِمَهُ مِنْ الْحَدِّ، وَأَصْلُهُ أَنَّ حَدَّ الزِّنَا لَا يُقَامُ بِحُجَّةِ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ تَقَادُمِ الْعَهْدِ عِنْدَنَا

  369. وَكَذَلِكَ كُلُّ حَدٍّ هُوَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُقَامُ وَاعْتَبَرَهُ بِسَائِرِ الْحُقُوقِ مِنْ حَيْثُ إنَّ تَقَادُمَ الْعَهْدِ غَيْرُ مُسْقِطٍ عَنْهُ مَا لَزِمَهُ فَاعْتُبِرَ الْبَيِّنَةُ بِالْإِقْرَارِ فَإِنَّ هَذِهِ الْحُدُودَ تُقَامُ بِالْإِقْرَارِ بَعْدَ تَقَادُمِ الْعَهْدِ فَكَذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهَا إحْدَى الْحُجَّتَيْنِ.

  370. (وَحُجَّتُنَا) فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَيْثُ قَالَ: أَيُّمَا قَوْمٍ شَهِدُوا عَلَى حَدٍّ لَمْ يَشْهَدُوا عِنْدَ حَضْرَتِهِ فَإِنَّمَا هُمْ شُهُودُ ضِغْنٍ، قَالَ الْحَسَنُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي حَدِيثِهِ: لَا شَهَادَةَ لَهُمْ، وَالْمُغْنِي أَنَّ الشَّاهِدَ عَلَى هَذِهِ الْأَسْبَابِ مُخَيَّرٌ فِي الِابْتِدَاءِ بَيْنَ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِ أَوْ يَشْهَدَ فَلَمَّا أَخَّرَ الشَّهَادَةَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مَالَ إلَى السَّتْرِ ثُمَّ حَمَلَتْهُ الْعَدَاوَةُ عَلَى أَنْ يَتْرُكَ السَّتْرَ وَيَشْهَدَ عَلَيْهِ فَلَا تَكُونُ هَذِهِ شَهَادَةً بِطَرِيقِ الْحِسْبَةِ فَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ

  371. بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ لَا تُقْبَلُ إلَّا بِخُصُومَةِ الْمَقْذُوفِ وَطَلَبِهِ الْحَدَّ فَإِنَّمَا أَخَّرُوا أَدَاءَ الشَّهَادَةِ لِعَدَمِ الْخُصُومَةِ مِنْ الْمَقْذُوفِ وَلِأَنَّ فِيهِ بَعْضَ حَقِّ الْعِبَادِ وَهُوَ دَفْعُ الْعَارِ عَنْ الْمَقْذُوفِ فَمَتَى أَقَامَ الْحُجَّة عَلَيْهِ وَجَبَ الْحُكْمُ بِهِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ.

  372. وَلَا يَدْخُلُ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ السَّرِقَةُ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ عَلَيْهَا لَا تُقْبَلُ قَبْلَ الْخُصُومَةِ وَلَكِنَّ خُصُومَةَ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ هُنَاكَ فِي الْمَالِ لَا فِي الْحَدِّ وَبَعْدَ تَقَادُمِ الْعَهْدِ الشَّهَادَةُ مَقْبُولَةٌ فِيمَا فِيهِ الْخُصُومَةُ لَهُ، وَلِأَنَّ الْحَدَّ هُنَاكَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا صَحَّ الرُّجُوعُ فِيهِ عَنْ الْإِقْرَارِ

  373. بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ، وَحَدُّ اللَّهِ تَعَالَى أَقْرَبُ إلَى الدَّرْءِ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يَلْحَقَهُ خُسْرَانٌ أَوْ ضَرَرٌ وَهَذَا

  374. بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ، فَإِنَّ مَعْنَى الضَّغِينَةِ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْإِقْرَارِ بَعْدَ التَّقَادُمِ إذْ الْإِنْسَانُ لَا يُعَادِي نَفْسَهُ عَلَى وَجْهٍ يَحْمِلُهُ

  375. ذَلِكَ عَلَى الْإِقْرَارِ وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي الْكِتَابِ حَدَّ التَّقَادُمِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ: جَهَدْتُ بِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كُلَّ الْجَهْدِ فَأَبَى أَنْ يُؤَقِّتَ فِي التَّقَادُمِ وَقْتًا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي الْبُعْدِ مِنْ الْقَاضِي وَالْقُرْبِ وَبِاخْتِلَافِ عَادَةِ الْقَاضِي فِي الْجُلُوسِ، وَالتَّوْقِيتُ لَا يَكُونُ بِالرَّأْيِ بَلْ بِالنَّصِّ فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ فِيهِ نَصًّا أَبَى أَنْ يُوَقِّتَهُ بِشَيْءٍ، وَجَعَلَهُ مَوْكُولًا إلَى رَأْيِ الْقَاضِي.

  376. وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ إذَا شَهِدُوا بَعْدَ سَنَةٍ لَا تُقْبَلُ وَأَشَارَ الطَّحَاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَهُوَ الْحِينُ،

  377. وَالْأَصَحُّ مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمَا قَدَّرَا ذَلِكَ بِشَهْرٍ فَقَالَا: مَا دُونَ الشَّهْرِ قَرِيبٌ عَاجِلٌ وَالشَّهْرُ وَمَا فَوْقَهُ آجِلٌ كَمَا بَيَّنَّا فِي الْإِيمَانِ،

  378. فَإِذَا شَهِدُوا بِهِ بَعْدَ شَهْرٍ لَا تُقْبَلُ، وَلَكِنَّ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقَاضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ وَعَلِمَ أَنَّهُ تَأَخَّرَ الْأَدَاءُ لِبُعْدِهِمْ مِنْ مَجْلِسِهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ قَدْحًا فِي شَهَادَتِهِمْ،

  379. وَلَا يَمْتَنِعُ إقَامَةُ الْحَدِّ بِهِ لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّهُ كَانَ وَالِيًا بِالْبَصْرَةِ حِينَ جَاءَ الشُّهُودُ إلَى الْمَدِينَةِ فَشَهِدُوا عَلَيْهِ بِالزِّنَا، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ سَلِّمْ عَمَلَك إلَى أَبِي مُوسَى وَالْحَقْ بِي،

  380. ثُمَّ لَمَّا حَضَرَ قَبْلَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ بَعْدَ شَهَادَةِ الْوَاحِدِ: أَوَّهْ أُودِيَ رُبْعُ الْمُغِيرَةِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ التَّقَادُمَ إذَا كَانَ لِعُذْرٍ ظَاهِرٍ لَا يَكُونُ قَدْحًا بِالشَّهَادَةِ، إذَا عَرَفْنَا هَذَا قُلْنَا فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ، وَهُوَ مَا إذَا هَرَبَ فَوُجِدَ بَعْدَ أَيَّامٍ فِي الْقِيَاسِ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ إقَامَةُ بَقِيَّةِ الْحَدِّ؛

  381. لِأَنَّهُ إنَّمَا تَأَخَّرَ لِعُذْرٍ وَهُوَ هَرَبُهُ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَدْحًا فِي الشَّهَادَةِ وَلَكِنَّهُ اُسْتُحْسِنَ فَقَالَ الْعَارِضُ فِي هَذِهِ الْحُدُودُ بَعْدَ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الْإِتْمَامِ كَالْمُقْتَرِنِ بِالشَّهَادَةِ بِدَلِيلِ عَمَى الشُّهُودِ وَرِدَّتِهِمْ وَهَذَا؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ هُنَا كَانَ مِنْ أَعْوَانِ الْإِمَامِ حَتَّى تَمَكَّنَ مِنْ الْهَرَبِ مِنْهُمْ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ مَالُوا إلَى اكْتِسَابِ سَبَبِ دَرْءِ الْحَدِّ عَنْهُ ثُمَّ حَمَلَتْهُمْ الْعَدَاوَةُ عَلَى الْجَدِّ فِي طَلَبِهِ فَكَانَ هَذَا وَالضَّغِينَةُ فِي الشُّهُودِ سَوَاءً

  382. (قَالَ) وَلَا تَسْقُطُ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ مَا لَمْ يَضْرِبْ تَمَامَ الْحَدِّ إذَا كَانَ عَدْلًا؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ خَبَرٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فَلَا يَكُونُ مُسْقِطًا لِلشَّهَادَةِ، وَإِنَّمَا الْمُسْقِطُ لِلشَّهَادَةِ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِكَذِبِهِ يَتَحَقَّقُ وَالْحَدُّ لَا يَتَجَزَّى فَمَا دُونَهُ يَكُونُ تَعْزِيرًا لَا حَدًّا وَالتَّعْزِيرُ غَيْرُ مُسْقِطٍ لِلشَّهَادَةِ فَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ أَحَدُهَا مَا بَيَّنَّا وَهُوَ قَوْلُهُمَا وَالثَّانِيَةُ إذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْحَدِّ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ إقَامَةً لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ، وَالثَّالِثَةُ إذَا ضُرِبَ سَوْطًا وَاحِدًا تَسْقُطُ شَهَادَتُهُ؛

  383. لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ إقَامَةِ ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ الْحَدِّ الْحُكْمُ بِكَذِبِهِ وَكَذَلِكَ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ

  384. الثَّلَاثَةُ فِي النَّصْرَانِيِّ إذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْحَدِّ ثُمَّ أَسْلَمَ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ

  385. (قَالَ) وَإِذَا أُقِيمَ عَلَى الْقَاذِفِ تِسْعَةٌ وَسَبْعُونَ سَوْطًا ثُمَّ قَذَفَ آخَرَ لَمْ يُضْرَبْ إلَّا ذَلِكَ السَّوْطَ الْوَاحِدَ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْحُدُودِ عَلَى التَّدَاخُلِ وَالْمُغَلَّبُ عِنْدَنَا فِي حَدِّ الْقَذْفِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا لَوْ قَذَفَ جَمَاعَةً لَا يُقَامُ عَلَيْهِ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ عِنْدَنَا عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ وَقَدْ اجْتَمَعَ الْحَدَّانِ هُنَا؛

  386. لِأَنَّ كَمَالَ الْحَدِّ الْأَوَّلِ بِالسَّوْطِ الَّذِي بَقِيَ، فَلِهَذَا يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ وَلَا يُقَامُ إلَّا ذَلِكَ السَّوْطُ.

  387. تَوْضِيحُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ إظْهَارُ كَذِبِهِ لِيَنْدَفِعَ بِهِ الْعَارُ عَنْ الْمَقْذُوفِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ فِي حَقِّهِمَا بِإِقَامَةِ السَّوْطِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَحْكُومًا بِكَذِبِهِ وَتَسْقُطُ شَهَادَتُهُ

  388. (قَالَ) وَضَرْبُ التَّعْزِيرِ أَشَدُّ مِنْ ضَرْبِ الزِّنَا وَضَرْبُ الزَّانِي أَشَدُّ مِنْ ضَرْبِ شَارِبِ الْخَمْرِ، وَحَدُّ الْقَذْفِ أَخَفُّ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، أَمَّا ضَرْبُ التَّعْزِيرِ أَشَدُّ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الزَّجْرُ وَقَدْ دَخَلَهُ التَّخْفِيفُ مِنْ حَيْثُ نُقْصَانُ الْعَدَدِ فَلَوْ قُلْنَا بِتَخْفِيفِ الضَّرْبِ أَيْضًا فَاتَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ؛

  389. لِأَنَّ الْأَلَمَ مَا لَمْ يَخْلُصْ إلَيْهِ لَا يَنْزَجِرُ، وَلِهَذَا قُلْنَا يُجَرَّدُ فِي التَّعْزِيرِ عَنْ ثِيَابِهِ وَيُعْذَرُ فِي إزَارٍ وَاحِدٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ التَّعْزِيرِ، فَفِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لَا يَبْلُغُ التَّعْزِيرُ أَرْبَعِينَ سَوْطًا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ التَّعْزِيرُ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ سَوْطًا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ فَهُوَ مِنْ الْمُعْتَدِينَ» قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمُرَادُ الْحَدُّ الْكَامِلُ وَهُوَ حَدُّ الْأَحْرَارِ وَأَدْنَاهُ ثَمَانُونَ جَلْدَةً، فَيَنْقُصُ التَّعْزِيرُ مِنْ ذَلِكَ خَمْسَةَ أَسْوَاطٍ وَقِيلَ كَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَضْرِبُ بِالْخَمْسِينَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَنَقَصَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً فِي التَّعْزِيرِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَ لَا يُزَادُ عَلَى تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ سَوْطًا؛

  390. لِأَنَّ الْأَرْبَعِينَ فِي حَقِّ الْعَبْدِ فِي الْقَذْفِ وَالشُّرْبِ حَدٌّ فَنَقَصَ التَّعْزِيرُ عَنْهُ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ.

  391. وَهَذَا بَيَانُ أَقْصَى التَّعْزِيرِ،

  392. فَأَمَّا فِيمَا دُونَ ذَلِكَ الرَّأْيُ إلَى الْإِمَامِ يُعَزِّرُهُ بِقَدْرِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْزَجِرُ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَبِاخْتِلَافِ جَرَائِمِهِمْ، وَرَوَى بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: أُقَرِّبُ كُلِّ شَيْءِ مِنْ بَابِهِ فَالتَّعْزِيرُ فِي اللَّمْسِ وَالْقُبْلَةِ بِشَهْوَةٍ أُقَرِّبُهُ مِنْ الزِّنَا، وَالتَّعْزِيرُ فِي الشُّبْهَةِ بِغَيْرِ الزِّنَا أُقَرِّبُهُ مِنْ الشُّبْهَةِ بِالزِّنَا فَاعْتُبِرَ كُلُّ فَرْعٍ بِأَصْلِهِ فِيمَا أُقِيمَ مِنْ التَّعْزِيرِ،

  393. ثُمَّ الضَّرْبُ فِي الزِّنَا أَشَدُّ مِنْ الضَّرْبِ فِي الشُّرْبِ؛ لِأَنَّ حَدَّ الزِّنَا يُتْلَى فِي الْقُرْآنِ وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَذَابًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ} ، وَقَالَ تَعَالَى {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} وَحَدُّ الشُّرْبِ لَا يُتْلَى فِي الْقُرْآنِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الزَّجْرُ وَدُعَاءُ الطَّبْعِ إلَى الزِّنَا عِنْدَ

  394. غَلَبَةِ الشَّبَقِ أَكْثَرُ مِنْهُ إلَى الشُّرْبِ،

  395. ثُمَّ حَدُّ الشُّرْبِ أَشَدُّ مِنْ حَدِّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ جَرِيمَةَ الشَّارِبِ مُتَيَقَّنٌ بِهَا

  396. بِخِلَافِ جَرِيمَةِ الْقَاذِفِ فَالْقَذْفُ خَبَرٌ مُتَمَثِّلٌ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَقَدْ يَعْجِزُ عَنْ إقَامَةِ أَرْبَعَةٍ مِنْ الشُّهَدَاءِ مَعَ صِدْقِهِ، فَلِهَذَا كَانَ حَدُّ الْقَذْفِ أَخَفَّ مِنْ حَدِّ الشُّرْبِ حَتَّى يُضْرَبَ حَدَّ الْقَذْفِ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ، إلَّا أَنَّهُ يُنْزَعُ عَنْهُ الْحَشْوُ وَالْفَرْوُ لِيَخْلُصَ الْأَلَمُ إلَى بَدَنِهِ وَسَائِرُ الْحُدُودِ تُقَامُ عَلَى الرَّجُلِ فِي إزَارٍ، إلَّا أَنَّهُ رَوَى ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الشُّرْبِ، وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ أَيْضًا؛

  397. لِأَنَّ حَدَّ الشُّرْبِ حَدُّ الْقَذْفِ كَمَا قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إذَا شَرِبَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى وَحَدُّ الْمُفْتَرِينَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ثَمَانُونَ جَلْدَةً وَلِأَنَّ حَدَّ الشُّرْبِ كَانَ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى أَنْ اتَّفَقَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى الْجَلْدِ فِي عَهْدِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا مِنْ أَحَدٍ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدٌّ فَيَمُوتُ فَأُحِبُّ أَنْ أَدِيَهُ إلَّا حَدَّ الشُّرْبِ فَإِنَّهُ بِآرَائِنَا، وَلِضَعْفِهِ قَالَ: لَا يُجَرَّدُ عَنْ ثِيَابِهِ وَلَكِنْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِتَحَقُّقِ جَرِيمَتِهِ يُجَرَّدُ كَمَا فِي حَدِّ الزِّنَا

  398. (قَالَ) وَلَا يُمَدُّ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحُدُودِ، وَالتَّعْزِيرُ قِيلَ: مُرَادُهُ الْمَدُّ بَيْنَ الْعِقَابَيْنِ،

  399. وَقِيلَ: مُرَادُهُ أَنَّ الْجَلَّادَ لَا يَفْصِلُ عَضُدَهُ عَنْ إبْطِهِ وَلَا يَمُدُّ يَدَهُ فَوْقَ رَأْسِهِ،

  400. وَقِيلَ: مُرَادُهُ أَنَّهُ بَعْدَ مَا أَوْقَعَ السَّوْطَ عَلَى بَدَنِ الْمَجْلُودِ لَا يَمُدُّهُ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ مُبَالَغَةٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُؤَدِّي إلَى التَّلَفِ، وَالتَّحَرُّزُ عَنْ ذَلِكَ وَاجِبٌ شَرْعًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَسْتَحِقُّ الْإِتْلَافَ شَرْعًا، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِحَسْمِ السَّارِقِ بَعْدَ الْقَطْعِ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْإِتْلَافِ، وَيُعْطِي كُلَّ عُضْوٍ حَظَّهُ مِنْ الضَّرْبِ؛

Show 1,351 masa’il more
Maliki
Another book
مختصر خليلKhalil · 229 masa’il
  1. الزِّنَا: وَطْءُ مُكَلَّفٍ مُسْلِمٍ فَرْجَ آدَمِيٍّ لَا ملك له فيه باتفاق تعمدا

  2. وإن لواطا

  3. أو إتيان أجنبية بدبر

  4. أو إتيان مَيِّتَةٍ غَيْرِ زَوْجٍ

  5. أَوْ صَغِيرَةٍ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا

  6. أَوْ مُسْتَأْجَرَةٍ لِوَطْءٍ أَوْ غَيْرِهِ

  7. أَوْ مَمْلُوكَةٍ تُعْتَقُ

  8. أَوْ يَعْلَمُ حُرِّيَّتَهَا

  9. أَوْ مُحَرَّمَةٍ بِصِهْرٍ مُؤَبَّدٍ

  10. أَوْ خَامِسَةٍ

  11. أَوْ مَرْهُونَةٍ

  12. أَوْ ذَاتِ مَغْنَمٍ

  13. أَوْ حَرْبِيَّةٍ

  14. أَوْ مَبْتُوتَةٍ وَإِنْ بِعِدَّةٍ

  15. وهل وإن أبت في مرة تأويلان

  16. أَوْ مُطَلَّقَةً قَبْلَ الْبِنَاءِ

  17. أَوْ مُعْتَقَةً بِلَا عَقْدٍ

  18. كَأَنْ يَطَأَهَا مَمْلُوكُهَا

  19. أَوْ مَجْنُونٌ

  20. بِخِلَافِ الصَّبِيِّ

  21. إلَّا أَنْ يَجْهَلَ الْعَيْنَ أَوْ الْحُكْمَ إن جهل مثله إلا الواضح

  22. لَا مُسَاحَقَةٌ

  23. وَأُدِّبَ اجْتِهَادًا

  24. كَبَهِيمَةٍ

  25. وَهِيَ كَغَيْرِهَا في الذبح والأكلومن حُرِّمَ لِعَارِضٍ

  26. كَحَائِضٍ

  27. أَوْ مُشْتَرَكَةٍ

  28. أَوْ مَمْلُوكَةٍ لا تعتق

  29. أو معتدة

  30. أَوْ بِنْتٍ عَلَى أُمٍّ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا

  31. أو أختا على أختها

  32. وَهَلْ إلَّا أُخْتَ النَّسَبِ لِتَحْرِيمِهَا بِالْكِتَابِ؟ تَأْوِيلَانِ

  33. وكأمة محللة

  34. وقومت وإن أبيا

  35. أو مكرهة

  36. أومبيعة بغلاء

  37. والأظهر والأصح كَأَنْ ادَّعَى شِرَاءَ أَمَةٍ وَنَكَلَ الْبَائِعُ وَحَلَفَ الواطىء

  38. وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْمُكْرَهَ كَذَلِكَ

  39. وَالْأَكْثَرُ عَلَى خِلَافِهِ

  40. ويثبت بإقرار مَرَّةً

  41. إلَّا أَنْ يَرْجِعَ مُطْلَقًا

  42. أَوْ يَهْرُبَ وإن في الحد

  43. وَبِالْبَيِّنَةِ

  44. فَلَا يَسْقُطُ بِشَهَادَةِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ بِبَكَارَتِهَا

  45. وبحمل فِي غَيْرِ مُتَزَوِّجَةٍ وَذَاتِ سَيِّدٍ مُقِرٍّ بِهِ

  46. ولم يقبل دعواها الغصب بلا قرينة

  47. يرجم المكلف الحر المسلم إن صاب بعدهن بنكاح لازم صح

  48. بِحِجَارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ

  49. وَلَمْ يَعْرِفْ بُدَاءَةَ الْبَيِّنَةِ ثُمَّ الإمام

  50. كلائط مطلقا وإن عبدين كافرين

  51. وجلد البكر الحر مائة

  52. وتشطر بالرق وإن قل

  53. وتحصن كل دون صاحبه بالعتق والوطء بعده

  54. وغرب الحر الذكر فقط عاما

  55. وَأَجْرُهُ عَلَيْهِ

  56. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فمن بيت المال

  57. كفدك وخيبر من المدينة

  58. فيسجن سنة

  59. وإن عاد أخرج ثانية

  60. وتؤخر المتزوجة لحيضة

  61. وبالجلد اعتدال الهواء

  62. وَأَقَامَهُ الْحَاكِمُ

  63. وَالسَّيِّدُ إنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِغَيْرِ ملكه بغير علمه

  64. وإن أنكرت الوطء بَعْد عِشْرِينَ سَنَةً وَخَالَفَهَا الزَّوْجُ: فَالْحَدُّ

  65. وَعَنْهُ فِي الرَّجُلِ يَسْقُطُ مَا لَمْ يُقِرَّ بِهِ أَوْ يُولَدْ لَهُ

  66. وَأَوَّلًا عَلَى الْخِلَافِ أَوْ الخلاف الزوج في الأولى فَقَطْ أَوْ لِأَنَّهُ يَسْكُتُ أَوْ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ لم تبلغ عشرين: تأويلات

  67. وَإِنْ قَالَتْ: زَنَيْتُ مَعَهُ فَادَّعَى الْوَطْءَ وَالزَّوْجِيَّةَ أَوْ وُجِدَا بِبَيْتٍ وَأَقَرَّا بِهِ وَادَّعَيَا النِّكَاحَ أَوْ ادَّعَاهُ فَصَدَّقَتْهُ هِيَ وَوَلِيُّهَا وَقَالَا: لَمْ نشهد حدا.

  1. قذف المكلف حرا مسلما بِنَفْيِ نَسَبٍ عَنْ أَبٍ أَوْ جَدٍّ لَا أم ولا إن نبذ أَوْ زِنًا إنْ كُلِّفَ وَعَفَّ عَنْ وَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ بِآلَةٍ وَبَلَغَ كَأَنْ بَلَغَتْ الْوَطْءَ أو محمولا وإن ملاعنة وابنها أو عرض غير أب إن أفهم يُوجِبُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً

  2. وَإِنْ كُرِّرَ لِوَاحِدٍ أَوْ جماعة

  3. إلا بعده

  4. ونصفه على العبد

  5. كلست بزان

  6. أو زنت عينك

  7. أو مُكْرَهَةً

  8. أَوْ عَفِيفِ الْفَرَجِ

  9. أَوْ لِعَرَبِيٍّ مَا أَنْتَ بِحُرٍّ

  10. أَوْ يَا رُومِيُّ

  11. كَأَنْ نَسَبَهُ لعمه

  12. بخلاف جده

  13. وكأن قَالَ: أَنَا نَغِلٌ

  14. أَوْ وَلَدُ زِنَا

  15. أَوْ كياقبحة

  16. أَوْ قَرْنَانُ

  17. أَوْ يَا ابْنَ مُنْزِلَةِ الرُّكْبَانِ

  18. أَوْ ذَاتَ الرَّايَةِ

  19. أَوْ فَعَلْتُ بِهَا فِي عكنها

  20. لَا إنْ نَسَبَ جِنْسًا لِغَيْرِهِ وَلَوْ أَبْيَضَ لِأَسْوَدَ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْعَرَبِ

  21. أَوْ قال مولى لغيره: أنا خير

  22. أَوْ مَا لَك أَصْلٌ وَلَا فَصْلٌ

  23. أَوْ قال لجماعة: أحدكم زان

  24. وَحُدَّ فِي مَأْبُونٍ إنْ كَانَ لَا يَتَأَنَّثُ

  25. وَفِي يَا ابْنَ النَّصْرَانِيِّ أَوْ الْأَزْرَقِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي آبَائِهِ كَذَلِكَ

  26. وَفِي مُخَنَّثٍ إنْ لَمْ يَحْلِفْ

  27. وَأُدِّبَ فِي: يَا ابْنَ الفاسقة أو الفاجرة

  28. أو حِمَارُ يَا ابْنَ الْحِمَارِ

  29. أَوْ أَنَا عَفِيفٌ

  30. أَوْ إنَّكِ عَفِيفَةٌ

  31. أَوْ يَا فَاسِقُ أَوْ يَا فَاجِرُ

  32. وَإِنْ قَالَتْ: بِكَ جَوَابًا لِزَنَيْت حدت للزنا والقذف

  33. وَلَهُ حَدُّ أَبِيهِ وَفُسِّقَ

  34. وَالْقِيَامُ بِهِ: وَإِنْ علمه من نفسه:

  35. كوارثه وإن بعد موته مِنْ وَلَدٍ وَوَلَدِهِ وَأَبٍ وَأَبِيهِ

  36. وَلِكُلٍّ الْقِيَامُ وإن حصل من هو أقرب

  37. وَالْعَفْوُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ إنْ أَرَادَ سترا

  38. وإن حصل في الحد ابتدىء لَهُمَا

  39. إلَّا أَنْ يَبْقَى يَسِيرٌ فَيُكْمِلُ الْأَوَّلَ.

  1. تقطع اليمنى وتحسم بالنار

  2. إلَّا لِشَلَلٍ أَوْ نَقْصِ أَكْثَرِ الْأَصَابِعِ فَرِجْلُهُ اليسرى

  3. ومحي ليده اليسرى

  4. ثم يده

  5. ثم رجله

  6. ثم عزر وحبس

  7. وَإِنْ تَعَمَّدَ إمَامٌ أَوْ غَيْرُهُ يُسْرَاهُ أَوَّلًا فالقود والحد باق

  8. وخطأ أجزأ فرجله اليمنى

  9. بِسَرِقَةِ طِفْلٍ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ

  10. أَوْ رُبُعِ دِينَارٍ

  11. أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ خَالِصَةٍ

  12. أَوْ مَا يساويها بالبلد شرعا

  13. وَإِنْ كَمَاءٍ

  14. أَوْ جَارِحٍ لِتَعْلِيمِهِ

  15. أَوْ جِلْدُهُ بَعْدَ ذَبْحِهِ

  16. أَوْ جِلْدُ مَيِّتَةٍ إنْ زَادَ دَبْغُهُ نِصَابًا

  17. أَوْ ظَنًّا فُلُوسًا

  18. أَوْ الثَّوْبَ فارغا

  19. أو شركة صبي

  20. لا أب

  21. وَلَا طَيْرٍ لِإِجَابَتِهِ

  22. وَلَا أَنْ تَكَمَّلَ بِمِرَارٍ في ليلة

  23. أَوْ اشْتَرَكَا فِي حَمْلٍ إنْ اسْتَقَلَّ كُلٌّ

  24. ولم ينبه نصاب

  25. مِلْكِ غَيْرٍ

  26. وَلَوْ كَذَّبَهُ رَبُّهُ

  27. أَوْ أَخَذَ ليلا وادعى الإرسال وصدق إن أشبه

  28. لَا مِلْكَهُ مِنْ مُرْتَهِنٍ وَمُسْتَأْجِرٍ

  29. كَمِلْكِهِ قَبْلَ خروجه

  30. محترم

  31. لا خمر وطنبور

  32. إلَّا أَنْ يُسَاوِيَ بَعْدَ كَسْرِهِ نِصَابًا

  33. وَلَا كلب مطلقا

  34. وأضحية بعد ذبحها

  35. بخلاف لحمها من فقير

  36. تَامَّ الْمِلْكِ

  37. لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ

  38. وَإِنْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ الْغَنِيمَةِ

  39. أَوْ مَالِ شَرِكَةٍ إنْ حُجِبَ عَنْهُ وَسَرَقَ فَوْقَ حَقِّهِ نِصَابًا

  40. لَا الْجَدُّ وَلَوْ لِأُمٍّ

  41. وَلَا مِنْ جاحد أو مماطل لحقه

  42. مُخْرَجٌ مِنْ حِرْزٍ بِأَنْ لَا يُعَدَّ الْوَاضِعُ فِيهِ مُضَيِّعًا

  43. وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ هُوَ

  44. أَوْ ابْتَلَعَ دُرًّا

  45. أَوْ أَدْهَنَ بِمَا يَحْصُلُ مِنْهُ نِصَابٌ

  46. أَوْ أَشَارَ إلَى شَاةٍ بِالْعَلَفِ فَخَرَجَتْ

  47. أَوْ اللَّحْدَ

  48. أَوْ الْخِبَاءَ أَوْ مَا فِيهِ

  49. أو حَانُوتٍ

  50. أَوْ فِنَائِهِمَا

  51. أَوْ مَحْمِلٍ

  52. أَوْ ظَهْرِ دَابَّةٍ

  53. وَإِنْ غُيِّبَ عَنْهُنَّ

  54. أَوْ بِجَرِينٍ

  55. أَوْ سَاحَةِ دَارٍ لِأَجْنَبِيٍّ إنْ حُجِرَ عَلَيْهِ

  56. كَالسَّفِينَةِ

  57. أَوْ خَانٍ لِلْأَثْقَالِ

  58. أَوْ زَوْجٍ فِيمَا حُجِرَ عنه

  59. أو موقف دابة لبيع أو غيره

  60. أو قبر

  61. أو بحر أو لِمَنْ رَمَى بِهِ لِكَفَنٍ

  62. أَوْ سَفِينَةٍ بِمِرْسَاةٍ

  63. أو كل شيء بحضرة صاحبه

  64. أو من مطمر قرب

  65. أو قطار ونحوه

  66. أَوْ أَزَالَ بَابَ الْمَسْجِدِ أَوْ سَقْفَهُ

  67. أَوْ أَخْرَجَ قَنَادِيلَهُ أَوْ حُصُرَهُ أَوْ بُسُطَهُ إنْ تركت به

  68. أَوْ حَمَّامٍ إنْ دَخَلَ لِلسَّرِقَةِ أَوْ نَقَبَ أو تسور

  69. أو بحارس لم يأذن له فِي تَقْلِيبٍ

  70. وَصُدِّقَ مُدَّعِي الْخَطَأِ

  71. أَوْ حَمَلَ عبدا لم يميز أو خدعه

  72. أَوْ أَخْرَجَهُ فِي ذِي الْإِذْنِ الْعَامِّ لِمَحِلِّهِ

  73. لَا إذْنٍ خَاصٍّ كَضَيْفٍ مِمَّا حُجِرَ عَلَيْهِ ولو خرج به مِنْ جَمِيعِهِ

  74. وَلَا إنْ نَقَلَهُ وَلَمْ يُخْرِجْهُ

  75. وَلَا فِيمَا عَلَى صَبِيٍّ أَوْ مَعَهُ

  76. وَلَا على داخل تناول منه الخارج

  77. وَلَا إنْ اخْتَلَسَ أَوْ كَابَرَ

  78. أَوْ هَرَبَ بَعْدَ أَخْذِهِ فِي الْحِرْزِ وَلَوْ لِيَأْتِيَ بِمَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ

  79. أَوْ أَخَذَ دَابَّةً بِبَابِ مَسْجِدٍ أَوْ سُوقٍ

  80. أَوْ ثَوْبًا بَعْضُهُ بِالطَّرِيقِ

  81. أَوْ ثمرا معلقة

  82. لا بِغَلْقٍ فَقَوْلَانِ

  83. وَإِلَّا بَعْدَ حَصْدِهِ فَثَالِثُهَا إنْ كَدَسَ

  84. وَلَا إنْ نَقَبَ فَقَطْ

  85. وَإِنْ الْتَقَيَا وسط النقب أو ربطه فجذبه الخارج قطعا

  86. وشرطه التكليف

  87. فيقطع الحر والعبد والمعاهد وإن لمثلهم

  88. إلا الرقيق لسيده

  89. وثبتت بإقرار إن طاع

  90. وإلا فلا ولو أخرج السرقة أو عين القتيل

  91. وقبل رجوعه ولو بلا شبهة

  92. وَإِنْ رَدَّ الْيَمِينَ فَحَلَفَ الطَّالِبُ أَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ وَاحِدٌ وَحَلَفَ أَوْ أَقَرَّ السَّيِّدُ فَالْغُرْمُ بِلَا قَطْعٍ

  93. وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ فالعكس

  94. وَوَجَبَ رَدُّ الْمَالِ إنْ لَمْ يُقْطَعْ مُطْلَقًا

  95. أَوْ قُطِعَ إنْ أَيْسَرَ إلَيْهِ مِنْ الْأَخْذِ

  96. وسقطع الحد إن سقطع الْعُضْوُ بِسَمَاوِيٍّ

  97. لَا بِتَوْبَةٍ وَعَدَالَةٍ وَإِنْ طَالَ زمانهما

  98. وتداخلت إن اتحد الموجب كقذف وشرب أو تكررت.

  1. المحارب: قاطع الطريق لمنع سلوك أَوْ أَخْذِ مَالِ مُسْلِمٍ أَوْ غَيْرِهِ: عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْغَوْثُ

  2. وَإِنْ انْفَرَدَ بِمَدِينَةٍ:

  3. كَمَسْقِيِّ السَّيْكَرَانِ لِذَلِكَ

  4. وَمُخَادِعِ الصَّبِيِّ أَوْ غَيْرِهِ لِيَأْخُذَ مَا مَعَهُ

  5. وَالدَّاخِلِ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ: فِي زُقَاقٍ أَوْ دَارِ قَاتِلٍ لِيَأْخُذَ المال

  6. فَيُقَاتَلُ بَعْدَ الْمُنَاشَدَةِ إنْ أَمْكَنَ

  7. ثُمَّ يُصْلَبُ فيقتل

  8. أو ينفي الحر: كالزنا

  9. والقتل

  10. أَوْ تُقْطَعُ يَمِينُهُ وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى: وَلَاءً

  11. وَبِالْقَتْلِ: يَجِبُ قَتْلُهُ وَلَوْ بِكَافِرٍ أَوْ بِإِعَانَةٍ

  12. وَلَوْ جاء تائبا

  13. وليس للولي: العفو

  14. وندب لذي التدبير: القتل

  15. والبطش: القطع

  16. وَلِغَيْرِهِمَا وَلِمَنْ وَقَعَتْ مِنْهُ فَلْتَةً: النَّفْيُ وَالضَّرْبُ

  17. وَالتَّعْيِينُ لِلْإِمَامِ

  18. لَا لِمَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَنَحْوُهَا

  19. وَغُرْمُ كُلٍّ عَنْ الْجَمِيعِ مُطْلَقًا

  20. وَاتُّبِعَ: كَالسَّارِقِ

  21. وَدَفَعَ مَا بِأَيْدِيهِمْ لِمَنْ طَلَبَهُ بَعْدَ الِاسْتِينَاءِ واليمين

  22. أو بشهادة رجلين من الرفقة

  23. لا لأنفسهما

  24. ولو شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ الْمُشْتَهِرُ بِهَا: ثَبَتَتْ وَإِنْ لم يعايناها

  25. وَسَقَطَ حَدُّهَا: بِإِتْيَانِ الْإِمَامِ طَائِعًا أَوْ تَرْكِ ما هو عليه.

Shafi'i
Another book
منهاج الطالبينal-Nawawi · 279 masa’il
  1. إيلاج الذكر بفرج محرم لعينه خال عن الشبهة مشتهى يوجب الحد

  2. ودبر ذكر أو أنثى كقبل على المذهب

  3. ولا حد بمفاخذة

  4. ووطء زوجته وأمته في حيض وصوم وإحرام

  5. وكذا أمته المزوجة والمعتدة وكذا مملوكته المحرم ومكره في الأظهر

  6. وكذا كل جهة أباح بها عالم كنكاح بلا شهود على الصحيح

  7. ولا بوطء ميتة في الأصح

  8. ولا بهيمة في الأظهر

  9. ويحد في مستأجرة ومبيحة ومحرم وإن كان تزوجها

  10. وشرطه التكليف

  11. إلا السكران

  12. وعلم تحريمه

  13. وحد المحصن الرجم

  14. وهو مكلف حر ولو ذمي غيب حشفته بقبل في نكاح صحيح

  15. لا فاسد في الأظهر

  16. والأصح اشتراط التغيب حال حريته وتكليفه

  17. وأن الكامل الزاني بناقص محصن

  18. والبكر الحر مائة جلدة وتغريب عام إلى مسافة قصر فما فوقها

  19. وإذا عين الإمام جهة فليس له طلب غيرها في الأصح

  20. ويغرب غريب في بلد الزنا إلى غير بلده

  21. فإن عاد إلى بلده منع في الأصح

  22. ولا تغرب المرأة وحدها في الأصح

  23. بل مع زوج أو محرم ولو بأجرة

  24. فإن امتنع باجرة لم يجبر في الأصح

  25. والعبد خمسون

  26. ويغرب نصف سنة

  27. وفي قول سنة

  28. وقول لا يغرب

  29. ويثبت ببينة أو إقرار مرة

  30. ولو أقر ثم رجع سقط

  31. ولو قال لا تحدوني أو هرب فلا في الأصح

  32. ولو شهد أربعة بزناها وأربع أنها عذراء لم تحد هي ولا قاذفها

  33. ولو عين شاهد زانية لزناه والباقون غيرها لم يثبت

  34. ويستوفيه الإمام ونائبه من حر ومبعض

  35. ويستحب حضور الإمام وشهوده

  36. ويحد الرقيق سيده أو الإمام

  37. فإن تنازعا فالأصح الإمام

  38. وأن السيد يغربه

  39. وأن المكاتب كحر

  40. وأن الفاسق والكافر والمكاتب يحدون عبيدهم

  41. وأن السيد يعزر ويسمع البينة بالعقوبة

  42. والرجم بمدر وحجارة معتدلة

  43. ولا يحفر للرجل

  44. والأصح استحبابه للمرأة إن ثبت ببينة

  45. ولا يؤخر لمرض وحر وبرد مفرطين

  46. وقيل: يؤخر إن ثبت بإقرار

  47. ويؤخر الجلد للمرض

  48. فإن لم يرج برؤه جلد لا بسوط بل بعثكال عليه مائة غصن فإن كان خمسون ضرب به مرتين وتمسه الأغصان أو ينكبس بعضها على بعض ليناله بعض الألم

  49. فإن برأ أجزأه

  50. ولا جلد في حر وبرد مفرطين

  51. وإذا جلد الإمام في مرض أو حر أو برد فلا ضمان على النص فيقتضي أن التأخير مستحب.

  1. شرط حد القاذف التكليف

  2. إلا السكران

  3. والاختيار

  4. ويعزر المميز

  5. ولا يحد بقذف الولد وإن سفل

  6. فالحر ثمانون

  7. والرقيق أربعون

  8. والمقذوف الإحصان وسبق في اللعان

  9. ولو شهد دون أربعة بزنا حدوا في الأظهر

  10. وكذا أربعة نسوة وعبيد وكفرة على المذهب

  11. ولو شهد واحد على إقراره فلا

  12. ولو تقاذفا لم يتقاصا

  13. ولو استقل المقذوف بالاستيفاء لم يقع الموقع.

  1. يشترط لوجوبه في المسروق أمور كونه ربع دينار خالصا أو قيمته

  2. ولو سرق ربعا سبيكة يساوي ربعا مضروبا فلا قطع في الأصح

  3. ولو سرق دنانير ظنها فلوسا لا تساوي ربعا قطع

  4. وكذا ثوب رث في جيبه تمام ربع جهله في الأصح

  5. ولو أخرج نصابا من حرز مرتين فإن تخلل علم المالك وإعادة الحرز فالإخراج الثاني سرقة أخرى

  6. وإلا قطع في الأصح

  7. ولو نقب وعاء حنطة ونحوها فانصب نصاب قطع في الأصح

  8. ولو اشتركا في إخراج نصابين قطعا وإلا فلا

  9. ولو سرق خمرا وخنزيرا وكلبا وجلد ميتة بلا دبغ فلا قطع

  10. فإن بلغ إناء الخمر نصابا قطع على الصحيح

  11. ولا قطع في طنبور ونحوه

  12. وقيل: إن بلغ مكسره نصابا قطع

  13. قلت: الثاني: أصح والله أعلم

  14. الثاني كونه ملكا لغيره

  15. لو ملكه بإرث وغيره قبل إخراجه من الحرز أو نقص فيه عن نصاب بأكل وغيره لم يقطع

  16. وكذا إن ادعى ملكه على النص

  17. ولو سرقا وادعاه أحدهما له أولهما فكذبه الآخر لم يقطع المدعي وقطع الآخر في الأصح

  18. وإن سرق من حرز شريكه مشتركا فلا قطع في الأظهر وإن قل نصيبه

  19. الثالث: عدم شبهته فيه

  20. فلا قطع بسرقة مال أصل وفرع وسيد

  21. والأظهر قطع أحد زوجين بالآخر

  22. ومن سرق مال بيت مال إن فرز لطائفة ليس هو منهم قطع

  23. وإلا فالأصح أنه إن كان له حق في المسروق كمال مصالح وكصدقة وهو فقير فلا وإلا قطع

  24. والمذهب قطعه بباب مسجد وجزعه

  25. لا حصره وقناديل تسرج

  26. والأصح قطعه بموقوف

  27. وأم ولد سرقها نائمة أو مجنونة

  28. الرابع: كونه محرزا بملاحظة أو حصانة موضعه

  29. فإن كان بصحراء أو مسجد اشترط دوام لحاظ

  30. وإن كان بحصن كفى لحاظ معتاد

  31. وإصطبل حرز دواب

  32. لا آنية وثياب

  33. وعرصة دار وصفتها حرز آنية وثياب بذلة

  34. لا حلى ونقد

  35. ولو نام بصحراء أو مسجد على ثوب أو توسد متاعا فمحرز

  36. فلو انقلب فزال عنه فلا

  37. وثوب ومتاع وضعه بقربه بصحراء إن لاحظه محرز وإلا فلا

  38. وشرط الملاحظة قدرته على منع سارق بقوة أو استغاثه

  39. ودار منفصلة عن العمارة إن كان بها قوي يقظان حرز مع فتح الباب وإغلاقه وإلا فلا

  40. ومتصلة حرز مع إغلاقه وحافظ ولو نائما

  41. ومع فتحه ونومه غير حرز ليلا

  42. وكذا نهارا في الأصح

  43. وكذا يقظان تغفله سارق في الأصح

  44. فإن خلت فالمذهب أنها حرز نهارا زمن أمن وإغلاقه

  45. فإن فقد شرط فلا

  46. وخيمة بصحراء إن لم تشد أطنابها وترخى أذيالها فهي وما فيها كمتاع بصحراء

  47. وإلا فحرز بشرط حافظ قوي فيها ولو نائما

  48. وماشية بأبنية مغلفة متصلة بالعمارة محرزة بلا حافظ

  49. وببرية يشترط حافظ ولو نائما

  50. وإبل بصحراء محرزة بحافظ يراها

  51. ومقطورة يشترط التفات قائدها إليها كل ساعة بحيث يراها

  52. وأن لا يزيد قطار على تسعة

  53. وغير مقطورة ليست محرزة في الأصح

  54. وكفن في قبر ببيت محرز

  55. وكذا بمقبرة بطرف العمارة في الأصح

  56. لا بمضيعه في الأصح.

  57. فصل

  58. يقطع مؤجر الحرز

  59. وكذا معيره في الأصح

  60. ولو غصب حرزا لم يقطع مالكه

  61. وكذا أجنبي في الأصح

  62. ولو غصب مالا وأحرزه بحرزه فسرق المالك منه مال الغصب أو أجنبي المغصوب فلا قطع في الأصح

  63. ولا يقطع مختلس ومنتهب وجاحد وديعة

  64. ولو نقب وعاد في ليلة أخرى فسرق قطع في الأصح.

  65. قلت: هذا إذا لم يعلم المالك النقب ولم يظهر للطارقين وإلا فلا يقطع قطعا والله أعلم

  66. ولو نقب وأخرج غيره فلا قطع

  67. ولو تعاونا في النقب وانفرد أحدهما بالإخراج أو وضعه ناقب بقرب النقب فأخرجه آخر قطع المخرج

  68. ولو وضعه بوسط نقبه فأخذه خارج وهو يساوي نصابين لم يقطعا في الأظهر

  69. ولو رماه إلى خارج حرز أو وضعه بماء جار أو ظهر دابة سائرة أو عرضه لريح هابة فأخرجته قطع

  70. أو واقفة فمشت بوضعه فلا في الأصح

  71. ولا يضمن حر بيد

  72. ولا يقطع سارقه

  73. ولو سرق صغيرا بقلادة فكذا في الأصح

  74. ولو نام عبد على بعير فقاده وأخرجه عن القافلة قطع

  75. أو حر فلا في الأصح

  76. ولو نقل من بيت مغلق إلى صحن دار بابها مفتوح قطع وإلا فلا

  77. وقيل: إن كانا مغلقين قطع

  78. وبيت خان وصحنه كبيت ودار في الأصح.

  79. فصل

  80. لا يقطع صبي ومجنون ومكره

  81. ويقطع مسلم وذمي بمال مسلم وذمي

  82. وفي معاهد أقوال أحسنها إن شرط قطعه بسرقة قطع وإلا فلا.

  83. قلت: الأظهر عند الجمهور لا قطع والله أعلم

  84. وتثبت السرقة بيمين المدعي المردودة في الأصح

  85. وبإقرار السارق

  86. والمذهب قبول رجوعه

  87. ومن أقر بعقوبة لله تعالى فالصحيح أن للقاضي أن يعرض له بالرجوع

  88. ولا يقول ارجع

  89. ولو أقر بلا دعوى أنه سرق مال زيد الغائب لم يقطع في الحال بل ينتظر حضوره في الأصح

  90. أو أنه أكره أمة غائب على زنا حد في الحال في الأصح

  91. وتثبت بشهادة رجلين

  92. فلو شهد رجل وامرأتان ثبت المال

  93. ولا قطع

  94. ويشترط ذكر الشاهد شروط السرقة

  95. ولو اختلف شاهدان كقوله سرق بكرة والآخر عشية فباطلة

  96. وعلى السارق رد ما سرق

  97. فإن تلف ضمنه

  98. وتقطع يمينه

  99. فإن سرق ثانيا بعد قطعها فرجله اليسرى

  100. وثالثا يده اليسرى

  101. ورابعا رجله اليمنى

  102. وبعد ذلك يعزر

  103. ويغمس محل قطعه بزيت أو دهن مغلي

  104. قيل: هو تتمة للحد

  105. والأصح أنه حق للمقطوع فمؤنته عليه

  106. وللإمام إهماله

  107. وتقطع اليد من كوع

  108. والرجل من مفصل القدم

  109. ومن سرق مرارا بلا قطع كفت يمينه

  110. وإن نقصت أربع أصابع.

  111. قلت: وكذا لو ذهبت الخمس في الأصح والله أعلم

  112. وتقطع يد زائدة أصبعا في الأصح

  113. ولو سرق فسقطت يمينه بآفة سقط القطع

  114. أو يساره فلا على المذهب.

  1. هو مسلم مكلف له شوكة

  2. لا مختلسون يتعرضون لآخر قافلة يعتمدون الهرب

  3. والذين يغلبون شرذمة بقوتهم قطاع في حقهم

  4. لا لقافلة عظيمة

  5. وحيث يلحق غوث ليسوا بقطاع

  6. وفقد الغوث يكون للبعد أو لضعف

  7. وقد يغلبون والحالة هذه في بلد فهم قطاع

  8. ولو علم الإمام قوما يخيفون الطريق ولم يأخذوا مالا ولا نفسا عزرهم بحبس وغيره

  9. وإذا أخذ القاطع نصاب السرقة قطع يده اليمنى ورجله اليسرى

  10. فإن عاد فيسراه ويمناه

  11. وإن قتل قتل حتما

  12. وإن قتل وأخذ مالا قتل ثم صلب ثلاثا ثم ينزل

  13. وقيل: يبقى حتى يسيل صديده

  14. وفي قول يصلب قليلا ثم ينزل فيقتل

  15. ومن أعانهم وكثر جمعهم عزر بحبس وتغريب وغيرهما

  16. وقيل: يتعين التغريب إلى حيث يراه

  17. وقتل القاطع يغلب فيه معنى القصاص

  18. وفي قول الحد

  19. فعلى الأول لا يقتل بولد وذمي

  20. ولو مات فدية

  21. ولو قتل جمعا قتل بواحد وللباقين ديات

  22. ولو عفا وليه بمال وجب وسقط القصاص ويقتل حدا

  23. ولو قتل بمثقل أو بقطع عوض فعل به مثله

  24. ولو جرح فاندمل لم يتحتم قصاص في الأظهر

  25. وتسقط عقوبات تخص القاطع بتوبته قبل القدرة عليه

  26. لا بعدها على المذهب

  27. ولا تسقط سائر الحدود بها في الأظهر.

  28. فصل

  29. من لزمه قصاص وقطع وحد قذف وطالبوه جلد ثم قطع ثم قتل

  30. ويبادر بقتله بعد قطعه

  31. لا قطعه بعد جلد إن غاب مستحق قتله

  32. وكذا إن حضر وقالوا عجلوا القطع في الأصح

  33. وإذا أخر مستحق النفس حقه جلد فإذا برأ قطع

  34. ولو أخر مستحق طرف جلد

  35. وعلى مستحق النفس الصبر حتى يستوفي الطرف

  36. فإن بادر فقتل فلمستحق الطرف دية

  37. ولو أخر مستحق الجلد حقه فالقياس صبر الآخرين

  38. ولو اجتمع حدود لله تعالى قدم الأخف فالأخف

  39. أو عقوبات لله تعالى والآدميين قدم حد قاذف على زنا

  40. تقديمه على حد شرب

  41. وأن القصاص قتلا وقطعا يقدم على الزنا.

  1. له دفع كل صائل على نفس أو طرف أو بضع أو مال

  2. فإن قتله فلا ضمان

  3. ولا يجب الدفع عن مال

  4. ويجب عن بضع

  5. وكذا نفس قصدها كافر أو بهيمة

  6. لا مسلم في الأظهر

  7. والدفع عن غيره كهو عن نفسه

  8. وقيل: يجب قطعا

  9. ولو سقطت جرة ولم تندفع عنه إلا بكسرها ضمنها في الأصح

  10. ويدفع الصائل بالأخف

  11. فإن أمكن بكلام واستغاثة حرم الضرب أو بضرب بيد حرم سوط أو بسوط حرم عصا أو بقطع عضو حرم قتل

  12. فإن أمكن هرب فالمذهب وجوبه وتحريم قتال

  13. ولو عضت يده خلصها بالأسهل من فك لحييه وضرب شدقيه

  14. فإن عجز فسلها فندرت أسنانه فهدر

  15. ومن نظر إلى حرمه في داره من كوة أو ثقب عمدا فرماه بخفيف كحصاة فأعماه أو أصاب قرب عينه فجرحه فمات فهدر

  16. بشرط عدم محرم وزوجة للناظر

  17. قيل: واستتار الحرم

  18. قيل: وإنذار قبل رميه

  19. ولو عزر ولي ووال وزوج ومعلم فمضمون

  20. ولو حد مقدرا فلا ضمان

  21. ولو ضرب شارب بنعال وثياب فلا ضمان على الصحيح

  22. وكذا أربعون سوطا على المشهور

  23. أو أكثر وجب قسطه بالعدد

  24. وفي قول نصف دية

  25. ويجريان في قاذف جلد أحدا وثمانين

  26. ولمستقبل قطع سلعة

  27. إلا مخوفة لا خطر في تركها أو الخطر في قطعها أكثر

  28. ولأب وجد قطعها من صبي ومجنون مع الخطر إن زاد خطر الترك

  29. لا لسلطان

  30. وله ولسلطان قطعها بلا خطر وفصد وحجامة

  31. فلو مات بجائز من هذا فلا ضمان في الأصح

  32. ولو فعل سلطان بصبي ما منع فدية مغلظة في ماله

  33. وما وجب بخطأ إمام في حد وحكم فعلى عاقلته

  34. وفي قول في بيت المال

  35. ولو حده بشاهدين فبانا عبدين أو ذميين أو مراهقين فإن قصر في اختبارهما فالضمان عليه

  36. وإلا فالقولان

  37. فإن ضمنا عاقلة أو بيت مال فلا رجوع على الذميين والعبدين في الأصح

  38. ومن حجم أو فصد بإذن لم يضمن

  39. وقتل جلاد وضربه بأمر الإمام كمباشرة إمام إن جهل ظلمه وخطأه

  40. وإلا فالقصاص والضمان على الجلاد إن لم يكن إكراه

  41. ويجب ختان المرأة بجزء من اللحمة بأعلى الفرج والرجل بقطع ما يغطي حشفته بعد البلوغ

  42. ويندب تعجيله في سابعة

  43. فإن ضعف عن احتماله أخر

  44. ومن ختنه في سن لا يحتمله لزمه قصاص

  45. إلا والدا

  46. فإن احتمله ختنه ولي فلا ضمان في الأصح

  47. وأجرته في مال المختون.

  48. فصل

  49. من كان مع دابة أو دواب ضمن إتلافها نفسا ومالا ليلا ونهارا

  50. ولو بالت أو راثت بطريق فتلفت به نفس أو مال فلا ضمان

  51. ويحترز عما لا يعتاد كركض شديد في وحل

  52. فإن خالف ضمن ما تولد منه

  53. ومن حمل حطبا على ظهره أو بهيمة فحك بناء فسقط ضمنه

  54. فإن دخل سوقا فتلف به نفس أو مال ضمن إن كان زحام

  55. فإن لم يكن وتمزق ثوب فلا

  56. إلا ثوب أعمى ومستدبر لبهيمة فيجب تنبيهه

  57. وإنما يضمنه إذا لم يقصر صاحب المال

  58. فإن قصر بأن وضعه بطريق أو عرضه للدابة فلا

  59. وإن كانت الدابة وحدها فأتلفت زرعا أو غيره نهارا لم يضمن صاحبها

  60. أو ليلا ضمن

  61. إلا أن لا يفرط في ربطها أو حضر صاحب الزرع وتهاون في دفعها

  62. وكذا إن كان الزرع في محوط له باب تركه مفتوحا في الأصح

  63. وهرة تتلف طيرا أو طعاما إن عهد ذلك منها ضمن مالكها في الأصح ليلا ونهارا

  64. وإلا فلا في الأصح.

Hanbali
Another book
زاد المستقنعal-Hajjawi · 105 masa’il
  1. لا يجب الحد إلا على بالغ عاقل "ملتزم" عالم بالتحريم

  2. فيقيمه الإمام أو نائبه في غير مسجد.

  3. ويضرب الرجل في الحد قائما بسوط لا جديد ولا خلق

  4. ولا يمد

  5. ولا يربط

  6. ولا يجرد بل يكون عليه قميص أو قميصان

  7. ولا يبالغ بضربه بحيث يشق الجلد

  8. ويفرق الضرب على بدنه

  9. ويتقي الرأس والوجه والفرج والمقاتل

  10. والمرأة كالرجل فيه

  11. إلا أنها تضرب جالسة وتشد عليها ثيابها وتمسك يداها لئلا تنكشف.

  12. وأشد الجلد حد الزنا ثم القذف ثم الشرب ثم التعزيز

  13. ومن مات في حد فالحق قتله

  14. ولا يحفر للمرجوم في الزنا.

  1. إذا زنى المحصن رجم حتى يموت

  2. والمحصن: من وطئ امرأته "المسلمة أو الذمية" في نكاح صحيح وهما بالغان عاقلان حران

  3. فإن اختل شرط منها في أحدهما فلا إحصان لواحد منهما.

  4. وإذا زنى الحر غير المحصن جلد مائة جلدة

  5. وغرب عاما ولو امرأة

  6. والرقيق خمسين جلدة

  7. ولا يغرب

  8. وحد لوطي كزان.

  9. ولا يجب الحد إلا بثلاثة شروط: أحدها: تغييب حشفته "الأصلية" كلها في قبل أو دبر "أصليين" من آدمي حيي "حراما محضا" .

  10. الثاني: انتفاء الشبهة فلا يحد بوطء أمة له فيها شرك أو لولده

  11. "أو وطء" امرأة ظنها زوجته أو سريته

  12. أو في نكاح باطل "اعتقد صحته"

  13. أو نكاح "أو ملك" مختلف فيه ونحوه

  14. أو أكرهت المرأة على الزنا.

  15. الثالث: ثبوت الزنا ولا يثبت إلا بأحد أمرين:

  16. أحدهما: أن يقر به أربع مرات في مجلس أو مجالس ويصرح

  17. ولا ينزع عن إقراره حتى يتم عليه الحد.

  18. الثاني: أن يشهد عليه في مجلس واحد بزنا واحد يصفونه أربعة ممن تقبل شهادتهم فيه سواء أتوا الحكم جملة أو متفرقين

  19. وإن حملت امرأة لا زوج لها ولا سيد لم تحد بمجرد ذلك.

  1. إذا قذف "المكلف" بالزنا محصنا جلد ثمانين جلدة إن كان حرا

  2. وإن عبدا أربعين

  3. "والمعتق بعضه بحسابه"

  4. وقذف غير المحصن يوجب التعزير

  5. وهو حق للمقذوف

  6. والمحصن هنا: الحر المسلم العاقل العفيف "الملتزم" الذي يجامع مثله

  7. ولا يشترط بلوغه.

  8. وصريح القذف: يا زاني يا لوطي ونحوه

  9. وكنايته يا قحبة يا فاجرة يا خبيثة فضحت زوجك أو نكست رأسه أو جعلت له قرونا ونحوه

  10. إن فسره بغير القذف قبل

  11. وإن قذف أهل بلد أو جماعة لا يتصور منهم الزنا عادة عزر.

  12. "ويسقط حد القذف بالعفو" ,

  13. "ولا يستوفى بدون الطلب" .

  1. كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام

  2. وهو خمر من أي شيء كان

  3. ولا يباح شربه للذة

  4. ولا لتداو

  5. ولا عطش ولا غيره

  6. إلا لدفع لقمة غص بها "ولم يحضره غيره" .

  7. وإذا شربه "المسلم" المكلف مختارا عالما أن كثيره يسكر فعليه الحد ثمانون جلدة مع الحرية

  8. وأربعون مع الرق.

  1. وهو التأديب

  2. وهو واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة كاستمتاع لا حد فيه وسرقة لا قطع فيها وجناية لا قود فيها وإتيان المرأة المرأة والقذف بغير الزنا ونحوه.

  3. ولا يزاد في التعزير على عشر جلدات

  4. ومن استمنى بيده بغير حاجة عزر.

  1. "إذا أخذ الملتزم نصابا من حرز مثله من مال معصوم لا شبهة له فيه" على وجه الاختفاء قطع

  2. فلا قطع على منتهب ولا مختلس ولا غاصب

  3. ولا خائن في وديعة أو عارية أو غيرها

  4. ويقطع الطرار الذي يبط الجيب أو غيره ويأخذ منه.

  5. ويشترط أن يكون المسروق مالا محترما

  6. فلا قطع بسرقة آلة لهو

  7. ولا محرم كالخمر.

  8. ويشترط أن يكون نصابا

  9. وهو ثلاثة دراهم أو ربع دينار أو عرض قيمته كأحدهما

  10. وإذا نقصت قيمة المسروق أو ملكها السارق لم يسقط القطع

  11. "وتعتبر قيمتها وقت إخراجها من الحرز"

  12. فلو ذبح فيه كبشا "أو شق فيه ثوبا فنقصت قيمته عن نصاب ثم أخرجه" "أو تلف فيه المال" لم يقطع.

  13. وأن يخرجه من الحرز

  14. فإن سرقه من غير حرز فلا قطع

  15. وحرز المال: ما العادة حفظه فيه

  16. ويختلف باختلاف الأموال والبلدان وعدل السلطان وجوره وقوته وضعفه

  17. فحرز الأموال والجواهر والقماش في الدور والدكاكين والعمران وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة

  18. وحرز البقل وقدور الباقلاء ونحوهما وراء الشرائج إذا كان في السوق حارس

  19. وحرز الحطب والخب والحظائر

  20. وحرز المواشي الصير

  21. وحرزها في المرعى الراعي ونظره إليها "غالبا" .

  22. وأن تنتفي الشبهة فلا يقطع بالسرقة من مال أبيه وإن علا

  23. ولا من مال ولده وإن سفل

  24. والأب والأم في هذا سواء

  25. ويقطع "الأخ" وكل قريب بسرقة مال قريبه

  26. ولا يقطع أحد من الزوجين بسرقته من مال الآخر ولو كان محرزا عنه

  27. وإذا سرق عبد من مال سيده "أو سيد من مال مكاتبه" , "أو حر" مسام من بيت المال أو من غنيمة لم تخمس "أو فقير من غلة وقف على الفقراء" أو شخص من مال له فيه شركة له أو لأحد ممن لا يقطع بالسرقة منه لم يقطع.

  28. ولا يقطع إلا بشهادة عدلين

  29. أو بإقرار مرتين

  30. ولا ينزع عن إقراره حتى يقطع.

  31. وأن يطالب المسروق منه بماله.

  32. وإذا وجب القطع قطعت يده اليمنى من مفصل الكف وحسمت.

  33. ومن سرق شيئا من غير حرز ثمرا كان أو كثرا أو غيرهما أضعفت عليه القيمة ولا قطع.

  1. وهم الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء أو البنيان فيغصبونهم المال مجاهرة لا سرقة.

  2. فمن منهم قتل مكافئا أو غيره "كالولد والعبد والذمي" وأخذ المال قتل ثم صلب حتى يشتهر.

  3. وإن قتل ولم يأخذ المال قتل حتما ولم يصلب.

  4. وإن جنوا بما يوجب قودا في الطرف تحتم استيفاؤه.

  5. وإن أخذ كل واحد من المال قدر ما يقطع يأخذه السارق ولم يقتلوا قطع من كل واحد يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد وحسمتا ثم خلي.

  6. فإن لم يصيبوا نفسا ولا مالا يبلغ نصاب السرقة نفوا بأن يشردوا فلا يتركوا يأوون إلى بلد.

  7. ومن تاب منهم قبل أن يقدر عليه سقط عنه ما كان لله من نفي وقطع وصلب وتحتم قتل

  8. وأخذ بما للآدميين من نفس وطرف ومال

  9. إلا أن يعفى له عنها.

  10. ومن صال على نفسه أو حرمته أو ماله آدمي أو بهيمة فله الدفع عن ذلك بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به

  11. فإن لم يندفع إلا بالقتل فله ذلك ولا ضمان عليه

  12. وإن قتل فهو شهيد

  13. ويلزمه الدفع عن نفسه "وحرمته دون ماله"

  14. ومن دخل منزل رجل متلصصا فحكمه كذلك.

In the books of comparative fiqh

الإجماعIbn al-Mundhirكتاب الحدود95 masa’il
التجريدal-Quduriحد الزاني البكر، هل الإسلام شرط في الإحصان؟، حد المكلف إذا زنى مع غير مكلف2,427 masa’il
المبسوطal-Sarakhsiكِتَابُ الْحُدُودِ، كِتَابُ السَّرِقَةِ، بَابُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ1,751 masa’il
بداية المجتهدIbn Rushdالْبَابُ الْأَوَّلُ فِي حَدِّ الزِّنَى، الْبَابُ الْأَوَّلُ، الْبَابُ الثَّانِي فِي أَصْنَافِ الزُّنَاةِ وَعُقُوبَاتِهِمْ334 masa’il
المغنيIbn Qudama · on مختصر الخرقيكتاب الحدود، كتاب القطع في السرقة، كتاب قطاع الطرق1,561 rows
المجموع شرح المهذبal-Nawawi · on المهذبNothing of it on this topic
الشرح الكبير على المقنعIbn Abi 'Umar · on المقنعكِتَابُ الْحُدُودِ، فَصْلٌ، فَصْلٌ1,693 rows
الفقه على المذاهب الأربعةal-Jaziriكتاب الحدود المقدمة في تعريف الحدود الشرعية، المعنى، ما يؤخذ من الحديث3,649 masa’il
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميUsama al-Qahtani and othersالفصل الثالث: مسائل الإجماع في الحدود، الفصل الرابع: مسائل الإجماع في الاسبتراء، الباب الأول: مسائل الإجماع العامة في الحدود، وفيه تمهيد وثلاثة فصول:861 masa’il
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)under 'Alawi al-Saqqafالحدود، * أقسام الحدود:، * حكمة مشروعية الحدود:195 masa’il

What the schools’ books say, not a fatwa.On the map: Prescribed penalties