وفي جواز دفعها لمدين ثم أخذها: تردد
الشروح عليها
(وَفِي جَوَازِ دَفْعِهَا لِمَدِينٍ) عَدِيمٍ (ثُمَّ أَخْذِهَا) مِنْهُ فِي دَيْنِهِ (تَرَدُّدٌ) مَحَلُّهُ حَيْثُ لَمْ يَتَوَاطَآ عَلَى ذَلِكَ
وَأَشَارَ إلَى الصِّنْفِ الثَّالِثِ، وَهُوَ الْعَامِلُ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ حَيْثُ لَمْ يَتَوَاطَآ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ فَإِنْ تَوَاطَآ عَلَى ذَلِكَ لَمْ تَجُزْ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ كَمَنْ لَمْ يُعْطِهَا وَهَذَا الَّذِي قَالَ الشَّارِحُ هُوَ الظَّاهِرُ، وَهُوَ الَّذِي فِي ح وَيَكُونُ الْمُصَنِّفُ أَشَارَ بِالتَّرَدُّدِ كَمَا فِي ابْنِ غَازِيٍّ وح لِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بِالْجَوَازِ وَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيَّ مِنْ الْمَنْعِ فَهُوَ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ وَجَعَلَ تت مَحَلَّ التَّرَدُّدِ إذَا تَوَاطَآ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا جَازَ اتِّفَاقًا،
وَأَشَارَ بِالتَّرَدُّدِ لِرَأْيِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بِالْجَوَازِ وَرَأْيُ الْمُصَنِّفِ بِالْمَنْعِ اهـ بْن وَقَوْلُهُ ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْهُ فِي دَيْنِهِ ثُمَّ لِمُجَرَّدِ التَّرْتِيبِ لَا لِلتَّرْتِيبِ وَالتَّرَاخِي لِقَوْلِ طفى الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ حِينِهِ أَوْ يَتَرَاخَى فِي أَخْذِهِ وَلَمْ أَرَ مِنْ شَرْطٌ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ لِلتَّرَاخِي وَسَلَّمَهُ بْن وَأَفْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ الْإِجْزَاءَ اتِّفَاقًا إذَا دَفَعَهَا لِلْمَدِينِ وَأَخَذَ غَيْرَهَا أَوْ أَخَذَ دَيْنَهُ دَفَعَهَا لَهُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
ص (وَفِي جَوَازِ دَفْعِهَا لِمَدِينٍ ثُمَّ أَخَذَهَا تَرَدُّدٌ) ش: هَذَا إذَا لَمْ يُوَاطِئْهُ عَلَى رَدِّهَا فَإِنْ وَاطَأَهُ لَمْ يَجُزْ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ،
وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ التَّوَاطُؤِ فَهُوَ مَحِلُّ التَّرَدُّدِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَجُوزُ وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيِّ الْمَنْعُ، لَكِنَّ الْجَوَازَ أَظْهَرُ كَمَا رَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الزَّكَاةَ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْ دَيْنِهِ خَلِيلٌ، وَانْظُرْ هَلْ هَذَا مَعَ التَّوَاطُؤِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ لَا وَهُوَ الظَّاهِرُ،
وَأَمَّا مَعَ التَّوَاطُؤِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بِالْإِجْزَاءِ؛ لِأَنَّهُ كَمَنْ لَمْ يُعْطِ شَيْئًا، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ " لَوْ أَعْطَاهُ إيَّاهَا جَازَ أَخْذُهَا مِنْهُ فِي دَيْنِهِ خِلَافُ تَعْلِيلِ الْبَاجِيِّ، وَرَأَيْت ابْنَ حَبِيبٍ مَنَعَ إعْطَاءَ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا بِأَنَّهُ كَمَنْ دَفَعَ صَدَقَتَهُ لِغَرِيمِهِ لِيَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى أَدَاءِ دَيْنِهِ (قُلْت) : الْأَظْهَرُ أَنَّ أَخْذَهُ بَعْدَ إعْطَائِهِ لَهُ طَوْعُ الْفَقِيرِ دُونَ تَقَدُّمِ شَرْطِ إجْزَائِهِ وَكُرِهَ ذَلِكَ إنْ كَانَ لَهُ مَا يُوَارِيه مِنْ عِيشَةِ الْأَيَّامِ، وَإِلَّا فَلَا كَقَوْلِهَا فِي قِصَاصِ الزَّوْجَةِ بِنَفَقَتِهَا فِي دَيْنٍ عَلَيْهَا،
وَيُشْتَرَطَ لِمَنْ لَمْ يُعْطِهَا، انْتَهَى. وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ، وَنَصُّهُ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ
فَلَوْ أَعْطَاهَا لَهُ جَازَ أَخْذُهَا مِنْهُ فِي دَيْنِهِ ابْنُ عَرَفَةَ إنْ أَخَذَهَا مِنْهُ كَرْهًا وَهُوَ مُكْفَى جَازَ،
وَكَذَا إنْ أَعْطَاهَا لَهُ طَوْعًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ،
وَإِنْ أَعْطَاهَا لَهُ بِشَرْطِ رَدِّهَا إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ، انْتَهَى.
(وَفِي جَوَازِ دَفْعِهَا لِمَدِينٍ ثُمَّ أَخْذِهَا تَرَدُّدٌ) ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَوْ أَعْطَاهَا مَدِينًا لَهُ جَازَ أَخْذُهَا مِنْهُ فِي دَيْنِهِ. مَالِكٌ: يُمْنَعُ إعْطَاءُ الزَّوْجَةِ زَكَاتَهَا لِزَوْجِهَا. الْبَاجِيُّ: مُنِعَ هَذَا لِأَنَّهُ كَمَنْ دَفَعَ صَدَقَتَهُ لِغَرِيمِهِ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى أَدَاءِ دَيْنِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ
وَالْأَظْهَرُ قَوْلُ أَنَّ أَخْذَهُ بَعْدَ إعْطَائِهِ بِطَوْعِ الْفَقِيرِ دُونَ تَقَدُّمِ شَرْطِهِ أَجْزَأَهُ، وَكَرِهَا كَذَلِكَ إنْ كَانَ لَهُ مَا يُوَارِيهِ وَعَيْشُهُ الْأَيَّامُ وَإِلَّا فَلَا وَبِشَرْطٍ فَكَمَا لَمْ يُعْطِهِ.
(ص) وَفِي جَوَازِ دَفْعِهَا لِمَدِينٍ ثُمَّ أَخْذِهَا مِنْهُ تَرَدُّدٌ (ش) يَعْنِي أَنَّ مَنْ دَفَعَ زَكَاتَهُ لِمَدِينِهِ الْمُعْدِمِ ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْهُ فِي دَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَاطُؤٍ عَلَى ذَلِكَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ تَرَدُّدٌ لِلْأَشْيَاخِ الْمُتَأَخِّرِينَ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ
أَمَّا مَعَ التَّوَاطُؤِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بِالْإِجْزَاءِ؛ لِأَنَّهُ كَمَنْ لَمْ يُعْطَهَا كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمُؤَلِّفُ فِي التَّوْضِيحِ،
ثُمَّ إنَّ إتْيَانَ الْمُؤَلِّفِ بِثُمَّ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّرَاخِي يُرْشِدُ إلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَرَاخٍ بِأَنْ أَخَذَهَا عَقِبَ دَفْعِهَا لَا يَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ أَيْ: وَالْحُكْمُ الْمَنْعُ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ لِحَمْلِهِمَا حِينَئِذٍ عَلَى التَّوَاطُؤِ
(قَوْلُهُ: ثُمَّ أَخَذَهَا) فَلَوْ أَخَذَ غَيْرَهَا لَأَجْزَأَ، أَوْ أَخَذَ دَيْنَهُ، ثُمَّ دَفَعَهَا لَأَجْزَأَ.
(قَوْلُهُ: تَرَدُّدٌ لِلْأَشْيَاخِ إلَخْ) فَالْجَوَازُ رَأْيُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمَنْعُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيِّ
(قَوْلُهُ: فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بِالْإِجْزَاءِ) الْمُنَاسِبُ لِمَا تَقَدَّمَ أَنْ يَقُولَ بِالْجَوَازِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّمَا عَبَّرَ بِذَلِكَ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ الشِّقَّيْنِ أَيْ: مَعَ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ
(قَوْلُهُ: كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ إلَخْ) أَيْ: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْأَظْهَرُ أَنَّ أَخْذَهُ بَعْدَ إعْطَائِهِ بِتَطَوُّعِ الْفَقِيرِ دُونَ تَقَدُّمِ شَرْطٍ أَجْزَأَهُ وَبِشَرْطٍ كَمَنْ لَمْ يُعْطِهِ اهـ. أَيْ: الْجَزْمُ مَعَ تَعْبِيرِهِ بِالْأَظْهَرِ،
وَأَمَّا الْمُصَنِّفُ فَتَرَدَّدَ وَنَصَّهُ فِي تَوْضِيحِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الزَّكَاةَ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْ دَيْنِهِ فَانْظُرْ قَوْلَهُ: لَوْ دَفَعَ هَلْ هُوَ عَلَى التَّوَاطُؤِ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَهُوَ الظَّاهِرُ،.
وَأَمَّا عَلَى التَّوَاطُؤِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بِالْإِجْزَاءِ؛ لِأَنَّهُ كَمَنْ لَمْ يُعْطِ شَيْئًا فَهُوَ قَدْ تَرَدَّدَ وَلَمْ يَجْزِمْ بِشَيْءٍ قَالَ مُحَشِّي تت: وَتَعْبِيرُ الْمُؤَلِّفِ بِثُمَّ يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ مِنْ حِينِهِ لَا يَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَلَمْ أَرَ مَنْ شَرَطَ التَّرَاخِيَ اهـ. مُحَشِّي تت (. قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالْجَابِي إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ لَا يَحْتَاجُ لِقَوْلِهِ وَمُفَرِّقٌ
(وَفِي جَوَازِ دَفْعِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (لِ) شَخْصٍ (مَدِينٍ) لِلْمُزَكِّي عَدِيمٍ (ثُمَّ أَخَذَهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ (مِنْهُ) أَيْ الْمَدِينِ فِي الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ وَعَدَمِهِ (تَرَدُّدٌ) لِلْبَاجِيِّ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفِ فِي الْحُكْمِ لِعَدَمِ نَصِّ وَالْمُتَقَدِّمُ الْجَوَازُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَاعْتُمِدَ، وَالْمَنْعُ فُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيَّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمُصَنِّفُ. أتت مَحَلُّهُ إذْ تَوَاطَأَ عَلَيْهِ وَإِلَّا جَازَ اتِّفَاقًا.
وَقَالَ الْحَطّ مَحَلُّهُ حَيْثُ لَمْ يَتَوَاطَأْ عَلَيْهِ وَإِلَّا مُنِعَ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ كَمَنْ لَمْ يُعْطِهَا وَحَسَبَهَا عَلَى عَدِيمٍ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ. طفي الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَخْذِهَا حِينَ دَفْعِهَا وَأَخْذِهَا بَعْدَ مُدَّةٍ وَلَمْ أَرَ مَنْ شَرْطِ مَحَلِّ الْخِلَافِ التَّرَاخِيَ وَسَلَّمَهُ الْبُنَانِيُّ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ الْإِحْزَاءَ اتِّفَاقًا إذَا دَفَعَهَا لِلْمَدِينِ وَأَخَذَ مِنْهُ غَيْرَهَا وَفَاءً لِدَيْنِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ دَيْنَهُ ثُمَّ دَفَعَهَا لَهُ.
وَعَطَفَ عَلَى فَقِيرٍ فَقَالَ
وفي جواز دفعها لمدين؛ يعني أنه اختلف فيما إذا دفع شخص الزكاة لآخر عليه دين للدافع، ثم بعد أن دفعها أخذها الدافع لها من الدين في دينه أخذها مع تراخ أم لا، فأجاز ذلك ابن عبد السلام،
وقال: تجزئه، والذي يفهم من كلام الباجي منع هذه الصورة، وقوله: تردد، مبتدأ خبره في جواز؛ أي في الجواز والمنع رأي ابن عبد السلام، وكلام الباجي، فهو من تردد المتأخرين في الحكم لعدم نص المتقدمين. قال محمد بن الحسن: الظاهر من كلامهم أنه لا فرق بين أن يأخذها من حينه أم لا، ولم أر من شرط التراخي. قاله مصطفى. فَقَوْلُ من قال: عبر بثم المقتضية للتراخي يرشد إلى أنه لو لم يكن تراخ بأن أخذها عقب دفعها لا يكون الحكم كذلك غير ظاهر، وقوله: "تردد" ، محله أي التردد حيث لم يتواطآ على ذلك وإلا منع قطعا، كما جزم به ابن عرفة واستظهره في التوضيح، وفهم من كلام المصنف أنها تجزئ إن أخذ غيرها أو دفعها ولم يأخذ شيئا، أو أخذ دينه ثم دفعها.
كما قاله الأجهوري. وقال ابن عرفة: الأظهر إن أخذه بعد إعطائه بطوع الفقير دون تقديم شرط أجزأ، وكرها كذلك إن كان له ما يواريه ويعيشه الأيام وإلا فلا وبشرط كما لم يعطه. واعلم أن الراجح من التردد القول بالجواز؛ لأنه قد رجحه المصنف في التوضيح وابن عرفة،
وقال الحطاب: إنه أظهر.
ابن عبد السلام: فلو أعطاها له جاز أخذها منه في دينه. انتهى. وهو ما قدمته عن الأجهوري. وجاب، هذا هو الصنف الثالث من الأصناف الثمانية، وتقدم الكلام على اثنين منها وهما الفقير والمسكين؛ يعني أن الجابي من الذين يُعْطَوْن من الزكاة، وقوله: "وجاب" ، معطوف على فقير؛ وهو مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين وهما الياء والتنوين، والجابي اسم فاعل من جبى المال يجيبه إذا جَمَعَهُ، فالجابي هو الذي يجمع الزكاة ومن أصل هذا المعنى قوله عز وجل: {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} ، ومنه أيضا: الجابية وهي الحوض الكبير يجتمع فيه الماء، قال تعالى: {وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} ،
وقال الشاعر: نفى الذم عن آل المحلق جفنة … كجابية الشيخ العراقي تفهق وقال طرفة: بجفان تعتري نَادِيَنَا … من سديف حين هاج الصِّنَّبرْ كالجوابي لا تني مُتْرَعَةً … لقرى الأضياف أو للمحتضر قوله عز وجل {وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ} الجفنة الواحدة منها يجتمع عليها ألف رجل يأكلون منها، وقوله عز وجل: {وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} : ثابتات لها قوائم لا تتحرك عن أماكنها، تتخذ من الجبال باليمن، يصعد إليها بالسلاليم. ومفرق؛ يعني أن المفرق للزكاة من الذين يعطون الزكاة، والمفرق للزكاة هو القاسم لها على أهلها ممن تعطى لهم الزكاة، والجابي والمفرق هما المشار إليهما، بقوله تعالى: {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} ، وهم السعاة المتقدمون في قول المصنف، وخرج الساعي، وقوله: "ومفرق" مرفوع معطوف على فقير.
وقوله: "وجاب" : مثل الجابي في إعطاء الزكاة الكاتب وهو الذي يضبط الزكاة بالكتابة، والحاشر وهو الذي يجمع أرباب الأموال لأخذ ما عليهم، ولا يرد على الحاشر ما تقدم من أن السعاة عليهم أن يأتوا أرباب الماشية على مياههم، ولا يقعدون في قرية ويبعثون إليهم لأنه هنا يحمل على الذي يجمعهم من مواضعهم في قريتهم إلى الساعي بعد أن يأتيهم إليها، ولا يعطى منها راع أي الذي يرعاها، ولا ساق أي الذي يسقيها فهو اسم فاعل من السقي، ونحوه للتوضيح والشارح، وروي عن مالك أن العاملين هم سقاتها ورعاتها، ولا يعطى منها -أي من الزكاة- حارسها، وعبارة الأمير: وعامل إلا راعيا وساقيا وحارسا؛
لأنهم لا عمل لهم في جبايتها، بل أجرتهم من بيت المال، ولا مفهوم لحارس في الأصل. انتهى. ولعل الفرق أن شأن الزكاة الاحتياج إلى الأربعة الأول
بخلاف الثلاثة الأخيرة لكونها تفرق غالبا عند أخذها، والمراد بالأربعة الأول: الجابي والمفرق والمكاتب والحاشر، وبالثلاثة الأخيرة: الراعي والساقي والحارس.
وفي الحطاب عن الشامل أن: الحارس كالكاتب والقاسم، وروى أبو داود والترمذي عن رافع بن خديج رضي الله عنه: (العامل على الصدقة كالغازي في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته (١) )، ولا يعطى من الزكاة المفتي والقاضي والعالم؛ لأنهم يعطون من بيت المال، قال عبد الباقي: ولذا إن لم يعطوا منه أعطوا منها. انتهى.
وقال الشبراخيتي: وأما الفقيه والمفتي والقاضي فرزقهم من بيت المال،
فإن لم يكن أو كان ولم يعطوا أعطوا منها. انتهى. ونحوه للخرشي، قال محمد بن الحسن: ظاهر هذا أنهم حينئذ يعطون من الزكاة لو كانوا أغنياء، وليس بصحيح لأن آية الصدقة محكمة لم ينسخها شيء بإجماع،
قال في المعيار: لا يجوز إعطاء الزكاة لأهل الفقه أو الجاه أو غير ذلك، وإنما تعطى كما أمر الله للفقراء والمساكين. انتهى. وما نقله الجنان عن الحفيد ليس هو المذهب، ولا تجوز الفتوى به على أن الحفيد إنما حكى الخلاف فقط، ولم يقل الإعطاء هو المذهب ولا رجحه كما نقل عنه الجنان، وقوله: "وجاب ومفرق" ،
قال في الشامل: ولا ينبغي له أن يأكل ولا ينفق إن كان الإمام غير عدل، وإلا جاز. انتهى.
وقال في العتبية: قلت: فإن كان العامل عليها مديانا أيأخذ منها مثل ما يأخذه الغارمون؟ قال: لا، إلا أن يعطيه السلطان منها على وجه الاجتهاد، قال ابن رشد: إنما قال إن العامل على الزكاة إذا كان مديانا لا يأخذ منها كما يأخذ الغارمون من أجل أنه هو الذي يقسمها، فلا يحكم لنفسه،
ويجوز للإمام أن يعطيه من أجل دينه سوى ما يجب له لعمالته. انتهى. قاله الحطاب. خبر مبتدإ محذوف؛ أي وكل منهما حر؛ يعني أنه يشترط في الجابي والمفرق أن يكون كل منهما حرا، فلا يستعمل عليها عبد. واعلم أن المراد بالجابي من له عمل في الزكاة كما تقدمت الإشارة إليه، فيشمل الكاتب والحاشر، فلابد من حرية كل، ابن القاسم: ولا يستعمل على الصدقة عبد ولا نصراني،
فإن فات ذلك أخذ منهما ما أَخَذَا وَأُعْطيَا من غير الصدقة بقدر عنائهما. انتهى. قاله في النوادر. قاله الحطاب.
وقال في الشامل: ولو استُعْمِلَ عَبْدٌ أو نصراني فأجرته من الفيء لا منها على الأصح، ويرد ما أخذ منها. عدل؛ يعني أنه يشترط في العامل على الزكاة أن يكون عدلا أي سالما من الحيف فيما ولي عليه: فعدالة الجابي في جَبْيهَا، وعدالة المفرق في تفرقتها، وليس المراد عدل الشهادة، وإلا كان قوله وكافرٍ مكررا، واقتضى أنه يعتبر فيه أن يكون ذا مروءة بترك غير لائق إلى آخر ما يعتبر فيه، وليسَ كذلك ولا عدل رواية وإلا كان قوله: وكافر مكررا أيضا، ولم يصح قوله: "حر" ؛
لأن العبد عدل رواية. قاله الشبراخيتي.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.