وصحّ الإحرام به قبلها وكره
الشروح عليها
(قَوْلُهُ وَصَحَّ الْإِحْرَامُ بِهِ قَبْلَهَا وَكُرِهَ) أَيْ صَحَّ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ مَعَ الْكَرَاهَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ لِعَدَمِ اتِّصَالِ الْأَفْعَالِ بِهِ فَجَازَ تَقْدِيمُهُ عَلَى الزَّمَانِ كَالتَّقْدِيمِ عَلَى الْمَكَانِ وَكَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ
بِخِلَافِ تَحْرِيمَتِهَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْوَقْتِ،
وَإِنْ كَانَتْ شَرْطًا عِنْدَنَا لِمَا أَنَّ الْأَفْعَالَ مُتَّصِلَةٌ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} لِأَنَّ الْفَاءَ لِلْوَصْلِ وَالتَّعْقِيبِ بِلَا تَرَاخٍ، وَإِنَّمَا كُرِهَ لِلطُّولِ الْمُفْضِي إلَى الْوُقُوعِ فِي مَحْظُورِهِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ شَبِيهٌ بِالرُّكْنِ وَلِذَا إذَا أُعْتِقَ الْعَبْدُ بَعْدَمَا أَحْرَمَ لَا يَتَمَكَّنُ عَنْ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ ذَلِكَ الْإِحْرَامِ لِلْفَرْضِ فَالصِّحَّةُ لِلشَّرْطِ وَالْكَرَاهَةُ لِلشَّبَهِ وَأَطْلَقُوا الْكَرَاهَةَ فَهِيَ تَحْرِيمِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا الْمُرَادَةُ عِنْدَ إطْلَاقِهِمْ لَهَا.
(قَوْلُهُ وَإِنَّمَا كُرِهَ لِلطُّولِ إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ كُرِهَ التَّقْدِيمُ فَكَانَ ابْنُ شُجَاعٍ يَقُولُ لِأَنَّهُ إحْرَامٌ، وَكَانَ الْفَقِيهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ مُوَاقَعَةِ الْمَحْظُورِ فَإِذَا أَمِنَ ذَلِكَ لَا يُكْرَهُ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ، وَفِيهَا لَا يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ يَوْمَ النَّحْرِ،
وَيُكْرَهُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَقُولُ: فِيهِ إفَادَةُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَقْتِ وَقْتُ الْحَجِّ وَلَوْ لِعَامٍ مَضَى إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ مَا قَالَهُ الْفَقِيهُ إذْ لَا مَعْنَى لِكَرَاهَةِ فِعْلِ شَرْطٍ قَبْلَ وَقْتٍ مَشْرُوطٍ إلَّا كَمَا قَالَ وَلِذَا لَمْ يُعَرِّجْ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِحْرَامُهُ يَوْمَ النَّحْرِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا حَيْثُ لَمْ يَأْمَنْ،
وَإِنْ كَانَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَمَا فِي الْكِتَابِ مُقَيَّدٌ بِذَلِكَ وَإِطْلَاقُهُ يُفِيدُ التَّحْرِيمَ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي النِّهَايَةِ بِإِسَاءَتِهِ اهـ.
أَيْ فَظَاهِرُهُ عَدَمُ التَّحْرِيمِ وَقَدْ شَاعَ فِي كَلَامِهِمْ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إطْلَاقُ الْإِسَاءَةِ عَلَى تَرْكِ السُّنَّةِ لَكِنْ صَرَّحَ الْقُهُسْتَانِيُّ بِأَنَّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ،
وَقَالَ كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ قُبَيْلَ بَابِ الْإِحْرَامِ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَنَقَلْنَا هُنَاكَ خِلَافَ أَبِي يُوسُفَ فِيهَا فَرَاجِعْهُ وَبِهِ يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ فَتَدَبَّرْ.
(وصح الإحرام به) بالحج (قبلها) أي: الأشد هو لأنه شرط فأشبه الطهارة في حق جواز التقديم/ على الوقت لا مطلقة، ألا ترى أن الصبي لو بلغ بعده لا يجوز له أداء الفرض به
بخلاف ما لو بلغ بعد التوضؤ، وإنما لم يجز تقديم تكبيرة الإحرام على القول بشرطيتها لاتصالها بالأفعال، (وكره) اختلف المتأخرون في المعنى الذي لأجله كره التقديم فكان ابن شجاع يقول: لابنه أحرم قبل الوقت، وكان الفقيه أبو عبد الله يقول: لأنه لا يأمن من مواقعة المحذور
وأما إذا أمن ذلك لا يكره، كذا في (الذخيرة) وفيها لا يكوه الإحرام بالحج يوم النحو
ويكره قبل أشهر الحج.
أقول: فيه إفادة أن المراد بالوقت وقت الحج ولون عام مضى، إلا أن الظاهر ما قاله الفقيه إذ لا معنى لكراهة فعل شرط قبل وقت شروطه إلا كما قال، ولذا لم يعرج أكثر الشواء على غيره وإحرامه يوم النحر ينبغي أن يكون مكروهًا حيث لم يؤمن وإن كان في أشد هو الحج وما في (الكتاب) مقيد بذلك، وإطلاقه يفيد التحويم، وقد صرح في (النهاية) ساءته
(وَصَحَّ الْإِحْرَامُ بِهِ قَبْلَهَا وَكُرِهَ) أَيْ جَازَ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ: لَا يَجُوزُ وَيَنْعَقِدُ عُمْرَةً كَمَا لَوْ أَحْرَمَ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا تَنْعَقِدُ نَفْلًا وَكَمَا لَوْ صَامَ الْقَضَاءَ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ يَكُونُ نَفْلًا وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ رُكْنٌ عِنْدَهُ فَلَا يَجُوزُ قَبْلَ الْوَقْتِ كَسَائِرِ الْأَرْكَانِ وَلَنَا أَنَّهُ شَرْطٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُسْتَدَامُ إلَى أَنْ يَحْلِقَ وَيَنْتَقِلَ مِنْ رُكْنٍ إلَى رُكْنٍ، وَلَا يَنْتَقِلَ عَنْهُ وَيُجَامِعَ كُلَّ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ،
وَلَوْ كَانَ رُكْنًا لَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَجَازَ تَقْدِيمُهُ مِثْلَ الطَّهَارَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَّصِلُ بِهِ الْأَدَاءُ؛ وَلِهَذَا يَكُونُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَأَفْعَالُ الْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ
وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَ فِي أَوَّلِ أَشْهُرِ الْحَجِّ يَجُوزُ، وَأَدَاءُ الْأَفْعَالِ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ، وَهَذَا آيَةُ الشَّرْطِيَّةِ فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهُ
بِخِلَافِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ فِيهَا مُتَّصِلٌ بِالتَّحْرِيمَةِ فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْوَقْتِ كَيْ لَا يَقَعَ الْأَدَاءُ قَبْلَهُ،
وَأَمَّا فِي الْحَجِّ فَمُنْفَصِلٌ عَنْ الْإِحْرَامِ فَلَا مَانِعَ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ رُكْنًا لَكَانَ لَهُ وَقْتٌ مَعْلُومٌ وَمَكَانٌ مَعْلُومٌ كَسَائِرِ أَرْكَانِ الْحَجِّ فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ شَرْطًا لَمَا كُرِهَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، قُلْنَا: كَرَاهِيَتُهُ كَيْ لَا يَقَعَ فِي الْمَحْظُورَاتِ بِطُولِ الزَّمَانِ، أَوْ نَقُولُ: لَهُ شَبَهٌ بِالرُّكْنِ؛ وَلِهَذَا إذَا عَتَقَ الْعَبْدُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَدَاءُ الْفَرْضِ بِهِ
وَكَذَا الصَّبِيُّ إذَا بَلَغَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَإِذَا كَانَ لَهُ شَبَهٌ بِالرُّكْنِ وَالشَّرْطُ يُوَفِّرُ حَظَّهُمَا فِيهِ، وَاَلَّذِي يَدُلُّك عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْحَجِّ أَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يَخْلُو
إمَّا أَنْ يَكُونَ قَصَدَ الْحَجَّ أَوْ الْتَزَمَهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْحَجِّ وَلِأَنَّهُ جَازَ تَقْدِيمُهُ عَلَى وَقْتِهِ فِي الْمَكَانِ، فَكَذَا فِي الزَّمَانِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَكَانَ أَلْزَمُ فِيمَا كَانَ مُتَعَيِّنًا بِهِ مِنْ الزَّمَانِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ مَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ مِنْ الزَّمَانِ،
وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ، وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ تَحْرِيمُ أَشْيَاءَ كَلُبْسِ الْمَخِيطِ وَالتَّطَيُّبِ وَالِاصْطِيَادِ وَالْجِمَاعِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَحْظُورَاتِ، وَإِيجَابُ أَشْيَاءَ كَالْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيَصِحُّ فِي كُلِّ وَقْتٍ كَالنَّذْرِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} مِنْ حَيْثُ إنَّ جَمِيعَهَا مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ فَكَذَا لِلْحَجِّ، وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، وَقَوْلُهُ: يَنْعَقِدُ عُمْرَةً مُشْكِلٌ عَلَى قَوْلِهِ: لِأَنَّ الْعُمْرَةَ فَرْضٌ عِنْدَهُ كَالْحَجِّ فَكَيْفَ يَنْعَقِدُ بِتَحْرِيمَةِ الْفَرْضِ فَرْضٌ آخَرُ، وَهَذَا خُلْفٌ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.