العارية
المعاملات
هذه نصوص المتون كما هي، وليست مقارنة.للمقارنة: مسائل الخلاف في هذا الباب
في متون المذاهب الأربعة
-
هل العارية مضمونة أو أمانة؟
-
قال أصحابنا: العارية أمانة لا يضمنها المستعير لا بالتعدي. وهل يضمن بالشرط؟.
-
قال أبو سعيد: تضمن. وذكر ابن رستم عن محمد أنها لا تضمن. وذكر البقالي عن محمد أنه تأول حديث صفوان علي شرط الضمان.
-
وقال الشافعي: كل عارية مضمونة علي المستعير،
-
وإن تلفت بغير فعله.
-
وأما الأجزاء فغير مضمونة عندهم مع بقاء الأصل إذا تلفت بالاستعمال.
-
وأما إذا أتلفت الجملة بعد ذلك فالمذهب أنه يضمن القيمة يوم التلف،
-
ولا يضمن الأجزاء. وقال ابن سريج يضمن الأجزاء معها.
-
لنا: ما روى همام عن عطاء بن أبي رباح عن صفوان بن يعلي عن أبيه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا أتاك رسلي فأعطهم ثلاثين درعًا وثلاثين
-
بعيرًا، قال: قلت يا رسول الله أعارية مضمونة أو عارية مؤداة؟ قال - عليه السلام -: بل مؤداة. ذكره أبو داود.
-
ويدل عليه حديث أبي أمامة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث، لا تنفق المرأة من بيتها إلا بإذن زوجها، فقيل يا رسول الله:
-
ولا الطعام، قال: ذلك أفضل أموالنا ثم قال: العارية مؤداة والمنحة مردودة، الدين مقضي والزعيم غارم.
-
فوصف العارية بأنها مؤداة [ولا فرق بينها وبين الزعامة المقتضية العزم فهذا المنع تعلق الغرم بها،
-
ثم وصفها بأنها مؤداة] وهذا مقيد، لقوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} .
-
وقد ذكر أصحاب الشافعي في هذا الخبر والعارية مضمونة. وهذا لا أصل له، وقد ذكر الخبر علي ما ذكره أبو داود والدارقطني.
-
ويدل عليه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ليس علي المستعير غير المغل ضمان،
-
ولا علي المودع غير المغل ضمان) ،
-
وقد اعترض الدارقطني هذا الحديث فقال: رواه عمر بن عبد الجبار عن عبيدة بن حسان عن عمرو بن شعيب، وعمرو وعبيدة ضعيفان. وهذا ليس بصحيح لأن البخاري ذكر في تاريخه: عبيدة بن حسان السنجاري الجزري وذكر من روى عنه، لم يذكره بضعف ولا طعن، والبخاري لا يكاد يسلم عليه أحد.
-
وقال الدارقطني أيضًا إن هذا الخبر عن شريح ورواه بإسناده عنه، وهذا ليس بطعن، لأن شريحًا إذا أفتى بما أفتى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقدح ذلك في رواية من روى. قوله: غير المغل هو الآخذ لغلته والقابض لفائدته.
-
قالوا: والخائن هو غال يقال: غل/ يغل غلولًا إذا خان.
-
فأما الغل فهو من الغلة يقال: خراج يغل فلو أراد الخيانة لقال: علي المستعير غير الغال ضمان، والدليل علي أن أغل يغل من الغلة قول زهير:
-
فتغلل لكم ما لا تغل لأهلها .... قرى بالعراق من قفيز ودرهم.
-
قالوا: وإذا ثبت أن المستغل استعملناه في موضوعين: أحدهما: قبل قبض العارية فلأنه لا ضمان عليه. والثاني: إذا كان عنده وديعة، فقال له السيد: متى اخترت أن تستخدمه عارية فافعل، فما لم يستخدمه فهو أمانة ووديعة،
-
فإذا استعمله كان عارية مضمونة فههنا لا ضمان عليه قبل الاستعمال، فإذا استعمله ضمنه.
-
والجواب: أن المغل هو الخائن.
-
قال النمر بن تولب:
-
جزى الله عنى عمرة بن نوفل .... جزاء مغل بالأمانة كاذب
-
بما حدثت عني الوشاة ليكذبوا .... علي وقد أوليتها في النوائب
-
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا إغلال في الغنيمة) .
-
وقال أبو عبيد يعنى الخيانة.
-
وقولهم: مغل معناه مستغل، لا يصح، لأن مفعل لا يستعمل مستفعل إلا في موضع المنقول عن أهل اللغة. وقول زهير: فتغلل لكم مالا يغل لأهلها، إنما قال، القرى تغل، وهي مغلة، ولم يقل إن أهلها مغلون.
-
ولو سلمنا ما قالوا كانت الحجة قائمة، لأنه يفضي إلى أن العارية غير مضمونة ما لم يستغلها، والاستغلال ليس هو الاستعمال وإنما هو الإجارة،
-
وإن كان الاستعمال استغلالا اقتضى ألا [يضمنها قبل الاستعمال وعندهم يضمنها.
-
ولأن ما ذكروه ليس بعارية؛ لأنها لا] تصير عارية قبل القبض، ولأن مغلا صفة للمعير لا للمستعير، يقال أرض مغلة.
-
ولا يقال رجل مغل للدار.
-
[قالوا] : حمله على نفي الضمان، وإنما أراد ضمان المعبر، ولأن الأجزاء عندهم مضمونة مع الأصل، إلا أن ضمانها سقط بالاستعمال.
-
قالوا معناه: أنه لا يجب عليه ضمان منافعها، وهو أجرة المثل، إلا أن يكون قد خان فيها واستعملها فيما لم يؤذن فيه، فيلزمه أجرة مثلها.
-
[قلنا] ظاهر الخبر يقتضي نفي ضمان الأجرة والعين، وحمله على ضمان الأجرة تخصيص.
-
ولأنه إذا أجر ولم يستعمل ضمن فيه لظهور الخيانة أيضًا بالاستعمال فيما لم يؤذن فيه. ولأنها عين أخذها دون مالكها لا علي وجه التمليك والوثيقة فلا تكون مضمونة له؛ أصله الوديعة.
-
وإن شئت ذكرت عبارة أصحابنا فقلت: لا علي وجه البدل والوثيقة.
-
ولا يلزم الهبة الفاسدة؛ لأنه يقبضها على وجه التمليك. وعلى العبارة الثانية يقبضها بإذن من كان مالكها،
-
ولا يلزم المقبوض بالسوم لأنه مأخوذ على وجه التمليك،
-
وعلي العبارة الثانية هو مأخوذ على وجه البدل،
-
وإن شئت أسقطت من العلة ذكر الوثيقة وقلت: الرهن ليس بمضمون. وإنما يسقط الدين بهلاكه على قول أبي الحسن وأبي طاهر.
-
فإن قيل: على العبارة الثانية إن أردتم بقولكم قبضها لا على وجه البدل بدلًا مشروطًا بطل بالقرض،
-
وإن أردتم بدلًا من طريق الحكم لم نسلم ذلك في العبارة، لأنها عندنا مضمونة يرد عينها أو قيمتها إذا تلفت.
-
قلنا: يريد أن الأخذ لم يقع لتحصيل البدل.
-
فإن قيل: ينتقض بمن دفع إلى رجل ألفًا على أن نصفه هبة ونصفه مضاربة فهلك ذلك،
-
فإن الموهوب له لا يضمن نصف الألف الذي هو الهبة. ذكر هذا محمد في أصل المضاربة.
-
قلنا: لا يلزم، لأنا قلنا: عين قبضها، والمقبوض مشاع فليس بعين،
-
وإن شئت أن تحترز بلفظ آخر قلت عين قبضها بإذن مالكها قبضًا صحيحًا.
-
ولا يلزم الراهن إذا أعار الرهن فأخذه المستعير بغير إذن المرتهن، لأنا قلنا:
-
فلا تكون مضمونة وههنا يضمنها للمرتهن لا للمالك.
-
فإن قيل: المعنى في الوديعة أنها غير مضمونة الرد، وليس كذلك العارية؛ لأنها مضمونة الرد فكانت مضمونة العين.
-
قلنا: ضمان الرد والعين قد ينفرد أحدهما عن الآخر، بدلالة أن المبيع مضمون في يد المشتري ولو تفاسخا كان مضمونًا، ورده ليس بمضمون؛ لأن أجرة النقل على البائع والمبيع مضمون على البائع، وأجرة المثل تنتقل إلى يد المشتري فيلزمه المشتري،
-
ومن غصب صبيًا حرًا فهو غير مضمون عندهم ورده مضمون.
-
والحربي إذا غلب على أموالنا ملكها عندهم،
-
وإن هلكت لم يضمنها، وردها مضمون عليه.
-
قالوا: الوديعة أخذها لمنفعة صاحبها، والعارية أخذها لمنفعة نفسه.
-
قلنا: الوصي له بالخدمة أخذ العين لمنفعة نفسه ولا يضمنها.
-
ولأن الشافعي وافقنا أن أجزاء العارية إذا أتلفت بالاستعمال لم يضمنها.
-
ولنا من ذلك طرق في الاستدلال:
-
أحدها: أن كل عين لا يضمنها بالإتلاف لا يضمنها إذا تلفت. أصله: ملكه والعين الموصى بمنفعتها له، والعين المستأجرة.
-
ولأنه مأخوذ على وجه العارية فلا يكون مضمونًا. أصله: الأجزاء إذا أتلفها.
-
ولا يلزم إذا كانت لغير المعير؛ لأن العين والأجزاء تتساوى في الضمان، ولأن الإتلاف له من التأثير في الضمان ما ليس للتلف، بدلالة أن الوديعة لم تضمن بالتلف وتضمن بالإتلاف ثم لو أتلف الأجزاء بالاستعمال لم يضمنها،
-
فإذا تلفت أولى أن لا يضمنها.
-
فإن قيل الأجزاء مضمونة عندنا وإنما سقط ضمانها، لأن المالك [أذن] في إتلافها.
-
قلنا: إذا كان الإذن في الإتلاف يسقط الضمان [فالإذن في القبض لا على وجه التمليك، والوثيقة يجب أن يسقط الضمان] أيضًا.
-
فإن قيل: لا يمتنع أن يختلف الضمان بالأجزاء والجملة، كما أن المبيع في يد البائع جملته مضمون يسقط الثمن بتلفها، وأجزاؤه غير مضمونة لا يسقط بتلفها شيء.
-
قلنا: هذا لا يلزم على لفظ علتنا. والفرق بينهما أن المبيع ضمن بالعقد فلم يضمن إلا ما يصح أن ينفرد بالعقد والأجزاء لا تنفرد بالمبيع فلا تنفرد بضمانه.
-
وأما العارية فضمانها عندهم يتعلق بالقبض، ويمكن إفراد الأجزاء بالقبض، فيمكن إفرادها بضمانه كالغصب.
-
فإن قيل: الرهن مضمون، وما زاد على مقدار الدين غير مضمون، فقد خالفت الأجزاء الجملة.
-
قلنا: غلط، مقدار الدين من الرهن مضمون الجملة والأجزاء، ومقدار الزيادة على الدين غير مضمون الأصل، والأجزاء فتساويا. و [لأنها عين أخذها ثمن عقد على منفعة فلم تكن مضمونة كالإجارة] .
-
ولأنها عين أخذها ليستوفي منفعتها [من غير تعد فأشبه الموصي بخدمته ولأنها عين أخذها ليستوفي منفعتها] وردها كالمستأجرة.
-
ولأن العقد إذا كان يبدل فهو داخل في الضمان، كالعقد إذا كان بغير بدل. ألا ترى أن تمليك الرقبة ببدل يقتضي ضمانها على المشتري كالبيع، والتمليك بغير عوض لا يضمن قيمة الرقبة كالهبة.
-
ثم اتفقنا على أن العقد على المنفعة يبدل لا يضمن العين مستوفى المنفعة يبدل لا يضمن العين مستوفى المنفعة فلأن لا يضمن في العقد على المنفعة بغير عوض أولى.
-
فإن قيل: المبيع ملك المشتري فكيف يكون مضمونًا عليه؟.
-
قلنا: لو تفاسخا البيع كان المبيع مضمونًا على المشترى،
-
ولو تفاسخا الهبة لم تكن العين مضمونة على الموهوب، وهذا يبين أن أحد القبض مضمون والآخر بخلافه.
-
قالوا: المستأجر لو ضمن رجع بالضمان على المؤجر فلا فائدة في تضمينه، والمستعير لا يرجع بما يلحقه من الضمان على المعير، فلذلك لزمه الضمان.
-
قلنا: الموصى له لا يرجع بما يلحقه من الضمان على الموصي،
-
ولا في ماله. ومع ذلك لا يلزم الضمان. ولأن ولد المرهونة وولد المبيعة كل واحد منهما غير مضمون على ما حدث في يده.
-
وإن كان المشتري يرجع بقيمة الولد عند الاستحقاق وإذا كان منه والموهوب لا يرجع، فعلم أن الرجوع وعدم الرجوع لا يدل على إيجاب الضمان ولا نفيه، لكن المشتري يرجع بما يلزمه من قيمة الولد. لأن البائع يستحق بدلًا على المشتري بإزاء ملكه فصار غارًا له بذلك،
-
فلا يرجع بما يلحقه من الضمان، والمعير ملكه المنافع متبرعًا بها فلم يصر غارًا له بذلك فلا يرجع بما لحقه من الضمان، وطريقة أخرى في المسألة: وهو أن المستأجر إذا أعار ما استأجره من إنسان لم يخل أن يضمن المستعير أو لا يضمن.
-
فإن قالوا: لا يضمن.
-
قلنا: إعارة غير المالك إذا أسقطت الضمان فإعارة المالك أولى أن تسقط الضمان.
-
فإن قالوا: إن المستعير يضمن.
-
[قلنا] : لم يصح، لأن المستعير من المستأجر يملك الشيء بحكم الإجارة، بدليل أن المؤجر يستحق الأجرة بإمساكه، ويستحيل أن يكون الشيء في يد الإنسان بحكم الإجارة من المالك ويكون مضمونًا عليه.
-
احتجوا: بما روي ابن أبي مليكة عن أمية بن صفوان عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعار منه درعًا فقال: أغصبا يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة مؤداة.
-
وصفوان كان كافرًا جاهلًا بالأحكام، فبين له - صلى الله عليه وسلم - أنها ليست غصبًا، وإنما هي عارية، ولم يكن له حكم العارية في شريعته فدل/ أن من حكم العارية الضمان.
-
الجواب: أن أمية بن صفوان هو أمية بن صفوان بن عبد الله بن صفوان
-
ابن أمية، ذكر هذا البخاري.
-
فصفوان بن أمية صاحب القصة جده لأبيه،
-
فإذا قال في الخبر عن أبيه فهو مرسل.
-
والثاني: أن هذا الخبر لم يرده بلفظ الضمان إلا شريك بن عبد الله القاضي عن عبد العزيز بن رفيع عن أمية بن صفوان قال أبو داود هكذا رواه يزيد بن هارون عن شريك ببغداد وفي روايته بواسط على خلاف
-
هذا.
-
وهذا قدح في الخبر.
-
الثالث: روى جرير بن عبد العزيز بن رفيع عن أناس من آل عبد الله ابن صفوان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يا صفوان هل عندك من سلاح؟ قال: أعارية تأخذها أم غصبًا؟ قال: لا، بل عارية.
-
فأعاره ما بين الثلاثين إلى الأربعين درعًا. وغزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حنين. فلما هزم المشركون جمعت دورع صفوان وفقد منها أدرعا، فقال عليه الصلاة والسلام لصفوان: قد فقدنا من أدرعك درعًا فهل نغرم لك؟ قال يا رسول الله في قلبي اليوم ما لم يكن يومئذ.
-
وروى أبو الأحوص عن عبد العزيز بن رفيع عن عطاء عن أناس من
-
آل صفوان قال: استعار النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر معنى حديث جرير فقد خالف جرير وأبو الأحوص شريكًا في [إسناد الخبر] .
-
فرواه جرير عن عبد العزيز بن رفيع عن أناس من آل صفوان، [ورواه أبو الأحوص عن عبد العزيز بن رفيع عن عطاء عن أناس من آل صفوان] وخالفا جميعًا شريكًا في متنه فلم يذكرا الضمان.
-
ومتى اختلفوا على عبد العزيز بن رفيع [تطرق الاحتمال] ، وأبو الأحوص أثبت من شريك؟!
-
قال البخاري: سمعت أبا بكر بن الأسود يقول: سمعت عبد الرحمن ابن مهدي يقول: أبو الأحوص سلام بن [سليم] الحنفي الكوفي أثبت من شريك
-
ابن عبد الله القاضي وأخرج البخاري جريرًا وأبا الأحوص في الصحيح، ولم يخرج شريكًا؛ فالرجوع عند الاختلاف إلى الأثبت أولى، ورواية اثنين عن عبد العزيز بن رفيع أولى من رواية واحد.
-
الرابع: قد عارض هذا رواية همام عن قتادة عن عطاء بن أبي رباح عن صفوان بن يعلي عن أبيه قال: قلت يا رسول الله أعارية مضمونة أو عارية مؤداة؟ قال: بل مؤداة، وهذا نص في نفي الضمان فلا يكون الرجوع إلى ما رووه في حديث شريك من إثبات الضمان بأولى مما في حديث قتادة من إسقاطه.
-
وقد وافق قتادة أبو الأحوص وجرير، ولم يوافق شريكًا أحد.
-
الخامس: أنا لو سلمنا ذكر الضمان لم يكن فيه دلالة، لأن عندنا العارية مضمونة الرد، وعندهم العارية مضمونة بالهلاك والخير يقتضي ثبوت الضمان، فليس ما يقولونه أولى منا نقوله. يبين ذلك: أن العارية اسم للعقد لا للعين. هذا هو الحقيقة، والعقد لا يوصف بالضمان، فلم يكن بد من الانصراف عن الظاهر فليس بأن يحمل على العين بأولى من حملنا له على الرد.
-
فإن قيل: النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الضمان صفة للعين.
-
قلنا: لم نسلم؛ لأنه وصف به العارية، والعارية ليست العين فلم يبق لهم ظاهر.
-
فإن قيل: ضمان الرد قد فهم بقوله: مؤداة.
-
قلنا: مؤداة يقتضي وجوب الرد،
-
فأما ضمان أجرة المثل فلا يفيده.
-
ألا ترى أن الوديعة [أمانة] فالأمانات أمر الله تعالى بأدائها ولم يدل ذلك على ضمان أجرة الرد.
-
الجواب السادس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذه بغير رضاه، بدلالة قوله أغصبا تأخذها يا محمد؟ وهو رجل من أهل اللغة لا يسمي العارية المأخوذة بالإذن غصبًا، وإنما ذلك اسم للمأخوذ بغير إذن المالك، فبين له عليه الصلاة والسلام أن ذلك ليس بغصب، وإنما هو عارية أذن الشرع فيها مضمونة؛
-
لأنها أخذت بغير رضاه. وعندنا: للإمام إذا احتاج إلى السلاح أن يأخذه بغير طيب نفس أصحابه ويضمنه لهم.
-
فإن قيل: في الخبر استعار.
-
قلنا: استعار معناه طلب العارية،
-
وكذلك يفعل الإمام، فإذا امتنع المالك من الدفع أخذها بغير إذنه، وكانت عارية مباحة بالشرع، يتعلق بها الضمان.
-
الجواب السابع: أن أبا سعيد البردعي قال: إن العارية إذا شرط فيها الضمان ضمنت، وقد شرط عليه السلام الضمان.
-
قالوا: لو كان مقتضاها الأمانة لم يضمن بالشرط، كما لا يضمن الوديعة بالشرط.
-
قلنا: الوديعة يمسكها لمنفعة صاحبها،
-
فلا يجوز أن يضمنها.
-
ولو ضمنها دفع بالضمان،
-
فلا معنى لإثباته، والعارية [يمسكها] لمنفعة يختص بها، فيصح إن شرط ضمانها، لأنه إذا ضمن لم يرجع بالضمان فكان في شرطه فائدة.
-
الجواب الثامن: قال محمد بن مقاتل الرازي: صفوان بن أمية كان كافرًا مستأمنًا، أخذت له زوجته الأمان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمستأمن في دارنا على حكم دار الحرب، يجوز له من الشرط ما لا يجوز للمسلمين ولهذا لا يلزم عليه الحدود لتبعيته على حكم الحرب، فلهذا شرط عليه الصلاة والسلام له ضمان العارية،
-
وإن كان ذلك لا يجوز اشتراطه للمسلمين.
-
وذكر الطحاوي في الاختلاف عن محمد بن عباس الرامي أنه تأول الخبر فقال: لأنه كان حربيًا فشرط ذلك له.
-
فإن قيل: مكة يومئذ كانت دار الإسلام والشروط التي تجوز مع أهل الحرب إنما تجوز في دار الحرب.
-
قلنا: قد بينا أن المستأمن على حكم دار الحرب، فيصح أن يشترط معه ما لا يجوز للمسلمين، ولهذا يجوز للإمام أن يأخذ أموالهم رهينة،
-
وإن لم يجز ذلك مع المسلمين.
-
الجواب التاسع: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمن أهل مكة في أنفسهم بقوله: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن) ولم يتعرض لأموالهم بشيء فكانت موقوفة على حكم أموال أهل الحرب، فأخذها النبي - صلى الله عليه وسلم - على هذا الوجه، وشرط له الضمان بإبقائه على الإسلام، ولهذا جاز الأخذ بغير رضاه حتى قال: يا محمد؟
-
الجواب العاشر: إن محمد بن جرير الطبري ذكر أن هذه الأدرع لم
-
تكن لصفوان وإنما كانت في يده لغيره، فأخذها النبي - صلى الله عليه وسلم - بإذن صفوان، فلم يسقط ضمانها في حق مالكها، فقال عليه الصلاة والسلام بل عارية مضمونة لهذا المعنى.
-
الجواب الحادي عشر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رد الأدرع فقد بعضها، فقال لصفوان: إن شئت غرمناها لك، فقال صفوان: لا أنا اليوم أرغب في الإسلام من ذلك اليوم،
-
ولو كانت مضمونة لم يخير صفوان في الضمان، ولم يقنع منه بقوله حتى يؤدى إليه المضمون أو يبرئه منه. يتبين ذلك أنه عليه الصلاة والسلام اقترض من عبد الله بن ربيعة ثلاثين ألف درهم، فلما أراد أن يعطيه أبى أن يقبل.
-
فقال عليه الصلاة والسلام: إنما جزاء القرض الوفاء والحمد.
-
احتجوا: بقوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله [قد] أعطى كل
-
ذي حق حقه فلا وصية لوارث. العارية مضمونة والمنحة مردودة) وهذا الخبر ليس فيه ذكر الضمان.
-
ذكره الدارقطني وأبو داود،
-
وكذا رويناه، وجعلناه حجة لنا.
-
ولو ثبت حملناه على ضمان الرد، وعلى عارية المكيل والموزون، وعلى عارية الرهن للمرتهن بغير رضا المرتهن.
-
قالوا: روى قتادة عن الحسن عن سمرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: علي اليد ما أخذت حتى تؤديه.
-
قلنا: لا دلالة فيه، لأنه يقتضي وجوب رد المأخوذ، وهذا متفق عليه. والخلاف في رد البدل، والخبر لا يدل على ذلك.
-
قالوا: روي أن عائشة رضي الله عنها استعارت قصعة وانكسرت فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يغرم لها قصعة مثلها.
-
قلنا: الذي روي أن صفية رضي الله عنها حملت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - طعامًا في قصعة فكسرتها عائشة رضي الله عنها، وليس يمتنع أن يكون كسرتها ويقال انكسرت، لأنهم يقولون كسرته فانكسر،
-
ولو ثبت أنها كانت عارية انكسرت بنفسها احتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بذلك على طريق حسن العشرة وتطمين القلب ولو كان على وجه الوجوب لضمنت بالقيمة، لأن القصعة لا تضمن بمثلها.
-
قالوا: روي عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهما قالا: العارية
-
مضمونة ولا مخالف لهما.
-
قلنا: ذكر الطحاوي بإسناده عن علي - رضي الله عنه - أنه كان لا يضمن العارية، ويقول: هي معروف، وذكر عن ابن عمر عن عمر - رضي الله عنه - مثله.
-
قالوا: مقبوض بغير استحقاق لنفسه له الانتفاع به، فوجب أن يكون هلاكه من ضمانه، كالقرض.
-
وقولهم: بغير استحقاق احتراز من الإجارة والموصى بخدمته.
-
[وقولهم] : لنفسه احتراز من الشركة والمضاربة والوكالة.
-
[وقولهم] له الانتفاع به: احتراز من الوهن.
-
الجواب: أن القبض لا يستحق. إنما يخالف المستحق متى لم يكن جائزًا،
-
وأما إذا جاز القبض وأذن فيه فالاستحقاق/ وعدم الاستحقاق سواء، وينتقض
-
بالمقبوض على سوم الإجارة إذا قال استعمله والأوصاف موجودة، ولا ضمان.
-
ومعنى قولنا: إنه مقبوض بنفسه أنه يقبضه حتى ينظر هل يصلح له أم لا؟ وهذه منفعة يختص بها ولا شبهة في أنه غير مضمون، لأنه مقبوض على سوم عقد لا يقتضي الضمان. والمعنى في القرض أنه قبضه ليتملكه بالعوض، فكان مضمونًا عليه.
-
والعارية قبضها بإذن مالكها لا يملكها ولا يقضي بها حقا عليه فلم يكن مضمونًا كالإجارة والوديعة. أو نقول: لفظ العوض موضوع لوجوب المثل. يقولون: الأيادي من فرض، بمعنى من أسدى معروفًا وجب له مثله.
-
وإذا اقتضى اللفظ وجوب المثل كان مضمونًا. والعارية أخذها بإذن مالكها، لا ليمتلكها ولا ليقضي بها حقا فلم تكن مضمونة.
-
قالوا: كل مال ضمن بالرد ضمن بالقبض، كالمأخوذ على سبيل السوم. وعكسه الوديعة والمضاربة والشركة والعين المستأجرة.
-
قلنا: يبطل بمن استأجر رجلا ليحمل له حمولة في منزله فالمتاع مضمون الرد على الحمال، وليس مضمون العين، [والحربي إذا غصب من المسلم مالًا فليس بمضمون العين] وهو مضمون الرد عندهم لأنه لا [يملكه] بالغلبة
-
وكذلك عن أصلهم إذا غصب صبيا حرًا فهو مضمون الرد عندهم، وليس بمضمون العين.
-
ولأن ضمان الرد إنما يجب لمعنى، وهو أن المالك لا منفعة له في قبض المستعير، وإنما انفرد بالمنفعة فلم يجز تكليف المالك مؤنة، وعليه ضمان العين للتعدي في الأجرة أو القبض للتمليك أو للقضاء، وهذا لم يوجد في العارية. والمعنى في المقبوض على وجه السوم أنه يشبه لو قبض به الموصى له ضمن، كذلك إذا قبض به غير الموصى له ضمن، بيانه: أن رجلًا لو أوصى أن يباع عبده من فلان، فمات الموصي، ودفع إلى الموصي له لينظر هل يصلح له أم لا، فهلك في يده كان مضمونًا عليه.
-
وأما العارية فهو تسليم العين على طريق التبرع بمنفعتها وهذا المعنى لو وقع إلى الموصى له لم تصر العين مضمونة عليه، كذلك إذا قبضها عن الموصى له علي ذلك الوجه لم تكن
-
مضمونة عليه.
-
قالوا: مقبوض عن عقد لا يتضمن زوال الملك فوجب أن يكون هلاكه ممن تكملت المنفعة له كالوديعة.
-
قلنا: يبطل بالعبد الموصى بخدمته. ونقلب فنقول: ألا يكون مضمونًا على القابض، كالوديعة؟
-
قالوا: المستعير من الغاصب إذا ضمن لصاحبه لم يرجع على الغاصب. فوجب إذا قبضه من صاحبه لم يكن مضمونًا. أصله: القبض لشراء فاسد على سبيل السوم وغصبه من الغاصب. وتحريره أن كل ما قبضه من الغاصب ضمنه لصاحبه، ولم يرجع على الغاصب،
-
فإذا قبضه من صاحبه كان مضمونًا عليه، أصله ما ذكرنا.
-
قلنا: الرجوع فيما لزمه من الضمان ليس من وجوب الضمان في شيء، لأن الرجوع إنما يكون لأجل الغرور بإيجاب عقد فيه بدل أو يقتضي نفعه [ولا يوجد في قبض المستعير، لأن قبضه نفعه لمنفعة نفسه] بغير عوض؛ فلهذا لا يرجع.
-
وإنما عليه الضمان بأن يكون القبض وقع بغير رضا المالك أو على وجه التملك ببدل، أو قضاء الحق، وهذا لا يوجد في العارية.
-
فإن قيل: إذا كان قبض المستعير لنفسه فيجب أن يتعلق به الضمان، إذا أعار [الغاصب] أقبض المودع الذي وقع قبضه للمالك.
-
قلنا: يبطل هذا بقبض الموصى له الخدمة.
-
فإن قيل: هناك القبض مستحق بدلالة أن الورثة لا تملك الرجوع.
-
قلنا: ليس بمستحق بدلالة أن الموجب له، وهو الموصي، يملك الرجوع فيه وإنما يتعذر عليه ما كان يملكه بموته ولم يتعذر على المعير،
-
فلا فرق بينهما. وأمس العلة المقبوض على وجه السوم وبيع فاسد، وقد بينا الفرق بين ذلك وبين العارية، وهو أن ذلك يشبه لو قبض به الموصى له كان مضمونًا وبدل المنافع على وجه التبرع سبب لو قبض به الموصي لم يكن مضمونًا،
-
وإن جعلوا الأصل الغصب.
-
والمعنى فيه أنه قبض تضمن به الأجزاء فضمنت به العين، وهذا القبض لا يضمن به الأجزاء على ما قدمنا فلا يضمن به العين. أو نقول المعنى في الغصب أنه مأخوذ على جهة التعدي فكان مضمونًا على القابض.
-
وفي مسألتنا مأخوذ بإذن المالك لينتفع بالعين ويردها، فلم يكن مضمونا كالمستأجر والموصى بخدمته.
-
قالوا: العارية على ضريين: عارية المكيل والموزون، وعارية المنافع،
-
فإذا كان يقتضي أحدهما الضمان كذلك الآخر.
-
قلنا: عارية المكيل والموزون قرض عبر عنه بالعارية فله أحكام القرض،
-
وإن عبر عنه بغير عبارته، كما أن النكاح ينعقد عندنا بلفظ الهبة، ويكون له أحكام الأنكحة لا أحكام الهبات.
-
حكم من أعار أرضا ليبني فيها أو يغرس
-
قال أصحابنا: إذا أعاره أرضًا ليبني فيها ويغرس فبنى وغرس، وقد أطلق العارية، فله الرجوع ومطالبته بقلع البناء والغراس، ولا ضمان عليه.
-
وإن وقت العارية فرجع قبل مضي الوقت كان له المطالبة بالقلع ويضمن النقصان.
-
وإن مضت المدة فطالبه بالقلع فليس عليه ضمان.
-
وكذلك الإجارة إذا انتقضت وفي الأرض بناء أو غراس فله المطالبة بالقلع، ولا ضمان عليه.
-
وقال الشافعي: إذا كانت العارية مطلقة لم يقلع إلا بشرط الضمان.
-
وكذلك إن كانت مؤقتة، فمضت المدة.
-
وكذلك الإجارة إذا انقضت لم يلزم المستأجر إلا بشرط الضمان، إلا أن يكون شرط أنه يقلع بعد مضي المدة.
-
لنا: حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: المنحة مردودة والعارية مؤداة وهذه عارية فيجب أن تكون مؤداة في كل حال.
-
وهذا لا يكون حتى يرد مواضع البناء والغراس ولأنه لم يوجد غرر من المعير فله أن يطالبه بقلع الشجر من غير ضمان، أصله إذا شرط في العارية القلع وعكسه إذا طالب بالقلع قبل مضي المدة.
-
فإن قيل: لا نسلم أنه لم يغرره؛ لأن البناء والغرس يراد للتأييد فالظهر أنه أبد العارية.
-
قلنا: العارية لا يصح التأييد فيها وما لا يصح لا يجوز أن يقتضيه العقد، ولأن الغرس قد يقصد به التأييد وقد لا يقصد فلم نسلم لهم ما ذكروه، ولأنه شغل العارية بما لا غاية لقلعه فيجبر على قلعه، أصله إذا بدل النقصان.
-
ولأنه لم يوقت العارية فكان له المطالبة بالقلع من غير ضمان. أصله إذا أطلق،
-
وإن أذن له في الغراس فبنى.
-
ولأنه استأجر، فإذا مضت المدة لم يجز أن تتأبد يده فيما استأجر، كمن استأجر للسكنى.
-
احتجوا: بقوله عليه الصلاة والسلام (وليس لعرق الظالم حق) دليله أن عرق غير الظالم له حق، فوجب أن لا يقلع.
-
فإذا مضت المدة فهو ظالم لنفسه بالغرس في أرض المالك، فهو عرق ظالم في هذه الحال.
-
قالوا: غرس مأذون فيه له بشرط قلعه، فوجب أن لا يجبر على قلعه على وجه يضر بغارسه، كما لو أعاره للغراس سنة فطالبه بالقلع قبل مضيها.
-
قلنا: هناك لما سمى له المدة، والظاهر أنه يفي بوعده، فصار غارًا بذلك، فلزمه الضمان.
-
فأما إذا مضت المدة فلا غرر؛ لأنه قدر له مدة الانتفاع، وعلم أنه قدر له ذلك ليخص العارية به.
-
فإن قيل: إنما قدر المدة حتى لا يتعدى بالغراس بعدها.
-
قلنا: غلط. الظاهر أن تقدير المدة ليختص الانتفاع بها، فلا يثبت له
-
حق فيما بعد.
-
قالوا: الظاهر أن الغراس يراد للتأييد، فحمل إطلاق العقد على ظاهره، ولم يجز له الرجوع كما لو أعاره موضعًا ليدفن فيه.
-
قلنا: عندهم لا فرق بين التوقيت وعدم التوقيت،
-
فلا معنى للرجوع إلى العادة في التأييد،
-
فأما الغرس فغير مسلم،
-
وأما إذا أعاره له- للبناء فتجوز له المطالبة بالنقل من ملكه،
-
ولو سلمنا فلأن النقل بالتراضي ممنوع منه، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه بالتراضي غير ممنوع منه.
-
رد العارية
-
قال أصحابنا: إذا رد العارية إلى منزل صاحبها، كما لو كانت دابة فردها إلى اصطبله أو إلى عبده أو إلى زوجته كان ذلك ردًا صحيحًا، ولم يلزمه ضمان.
-
وقال الشافعي: لا يبرأ حتى يردها إلى يد مالكها أو وكيله.
-
لنا: حديث سمرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (على اليد ما أخذت حتى ترده) وهذا قد رد.
-
فإن قيل: المراد به حتى ترد إلى المالك.
-
قلنا: قد يبرأ بالرد إلى وكيل المالك والمولى عليه.
-
فإن قالوا: يضمن جميع ذلك.
-
قلنا: فنحن نضمن الرد المعتاد، وهو أخص مما أضمرتم فكان أولى.
-
ولأنه رد العارية إلى الموضع الذي يعتاد كونها فيه، فوجب أن يبرأ من ضمان الرد. أصله إذا رد وهو حاضر. ولأنه إذا ردها إلى من جرت العادة بالرد عليه فأشبه إذا ردها إلى صاحبها.
-
ولأنه رد العارية إلى من يحفظ به العين في العادة فوجب/ أن يبرأ من ضمان الرد. أصله: إذا رد العارية إلى المالك.
-
احتجوا: بأن ما وجب رده وجب رده على مستحقه، أو من هو في مقامه بوكالة أو ولاية. ولأنه في منزله. أصله: الوديعة ومال المضاربة والمال الذي في يد الشريك والوصي والمسروق والمغصوب.
-
قلنا: الرد يعتبر فيه العادة، والودائع لم تجر العادة بردها إلى البيوت، وإنما ترد إلى المالك، والعواري قد جرت العادة بردها إلى منزل صاحبها وبرد الدواب إلى إصطبلها، فوجب أن تعتبر العادة في كل واحد من الأمرين.
-
إعارة المستعار وإجارته
-
قال أصحابنا: إذا استعار جاز أن يعير، إلا أن يشترط استيفاء المستعير للمنفعة، والعين مما يختلف باختلاف الاستعمال.
-
وقال أصحاب الشافعي: لا يجوز أن يؤجر قولًا واحدًا، وهل له أن يعير؟ على وجهين: .
-
لنا: أن التبرع في حالة الحياة تارة يقع بالأعيان وتارة بالمنافع،
-
فإذا كان من تبرع عليه بعين وجاز له أن ينتفع بها بنفسه جاز أن ينقل الانتفاع إلى غيره، كذلك إذا تبرع عليه بالمنفعة.
-
ولأن التبرع بالمنفعة تارة يكون في الحياة وتارة بعد الموت بالوصية،
-
ثم جاز للموصى له بالمنفعة أن يعير، كذلك المستعير. ولأنه عقد يدخله التوقيت فجاز أن ينقل المعقود له إلى غيره، كالإجارة.
-
ولأن الأعيان يصح تمليكها كالمنافع،
-
ثم كان التبرع بالأعيان في حال الحياة تارة إباحة وتارة تمليكا، كذلك المنافع.
-
احتجوا: بأنه تبرع لم يتصل بالقبض كالهبة التي لم تقبض.
-
قلنا: قبض العين التي تستوفى المنفعة عند مخالفنا قبض لمنافعها فلم يصح هذا الكلام على أصله.
-
فأما على أصلنا فإن قبض العين ثبت لجواز التصرف في المنافع بدلالة المستأجر.
-
قالوا: أما بالانتفاع على الصفة فلم يجز له أن يبيح لغيره، لأن ذلك استيفاء على غير الوجه الذي أثبت له.
-
قلنا: إذا أطلق العارية ولم يقل: إن تركت أنت فقد أباحه مطلقًا فلم يكن في ذلك استيفاء ماله بوجه،
-
فأما إن أعير ركوبه فليس له أن يعير.
-
ثم هذا تمليك وليس بإباحة. الدليل عليه: أن هذا العقد مختلف في تعلق الصحابة به،
-
ولو كان إباحة لم يصح ذلك فيه.
-
ولأنه إذا ذكر فيه عوضًا كان تمليكًا.
-
وكذلك إذا كان بغير عوض. ولأن العارية إذا علقت بالأعيان التي لا منافع لها كانت قرضًا. فلولا أن مقتضاها التمليك لم تملك بعقدها الأعيان.
-
ولأن عند مخالفنا يستحق لها اليد على التأييد؛
-
فلو كانت إباحة لم تتأبد اليد فيها. ولأن مطلق العارية يجوز أن ينقل به العين إلى حيث شاء؛
-
فلو كانت إباحة لم يجز النقل بالإطلاق، كمن أباح لغيره أكل طعامه.
-
فإن قيل: لو كان تمليكًا لجاز له أن يؤجرها.
-
قلنا: إنها لا تجوز؛ لأنه يؤدي إلى قطع حق المعير عنها، وهو يملكه على أن ينقطع حقه متى شاء أن يرتجعها.
-
موسوعة
-
القواعد الفقهية المقارنة
-
المسماة
-
التجريد
-
من العتبية: روى عيسى عن ابن القاسم في العارية تهلك عند المستعير وهي مما يغاب عليه فليضمنها ويصدق في صفتها مع يمينه،
-
فإن نكل وصفها المعير وحلف إن لم تكن له بينة.
-
ومن استعار ثوبا أو فأسا أو غيره مما يغاب عليه فيأتي به مكسورا يقول: بأن ذلك فيما استعرته له أنه ضامن ولا يصدق، وقاله ابن وهب، وقال عيسى: لا يضمن إذا ذكر ما يشبه ويرى أن مصيبته في ذلك العمل وذلك لا يخفي.
-
وقال أشهب في كتابه في السيف يستعيره ليقاتل به فيأتي به مكسورا يقوله: نابه ذلك فيما استعرته فهو ضامن.
-
وقال ابن القاسم في العتبية في السيف العارية ينكسر في القتال: إن ريى معه في القتال لم يضمن، قال سحنون: ولعله صوب به صوتا أخرق به، وذكر
-
ابن حبيب عن مطرف وأصبغ مثل قول عيسى وتفسيره في الفأس والسيف والصحفة وما يغاب عليه: لا يضمن إذا جاء بما يشبه،
-
وأن ابن القاسم يضمنه، وبقول مطرف أقول.
-
قال ابن المواز: ومن استعار دابة بسرجها أو لجامها فقال: ضاعت وما عليها فلا يضمن الدابة ويضمن السرج واللجام.
-
وروى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم فيمن استعار ثوبا يلبسه/أو أكراه مرتفقا أو ذنبا فأمسك مصباحا فيسقط عليه فيفسده فهو ضامن،
-
فإن كان يسيرا أصلحه وإن كان كثيرا ضمن قيمة الثوب،
-
ولو سقط منه على ثوب رجل إلى جنبه لضمنه أيضًا.
-
وقال ابن حبيب فيمن استعار بازا للصيد فزعم أنه مات أو سرق أو طار فلم يرجع في حين اصطياده أو في غير حينه فهو مصدق ولا يضمن لأنه حيوان، وقاله أصبغ.
-
وقال مطرف فيمن استعار دابة أو أكراها على أنه ضامن لها فالشرط ساقط ولا يضمن إلا أن يكون ربها يخاف عليها من أمر يظهر مثل طريق مخوفة من لصوص أو غيرها فيضمن في مثل هذا بالشرط إن هلكت فيما خاف فيها،
-
وإن هلكت في غير ذلك لم يضمن،
-
فإن كان لغير سبب لم يلزمه الشرط. وقال أصبغ: لا ضمان عليه بكل حال، وقال ابن حبيب بقول مطرف.
-
ومن العتبية: روى أصبغ عن ابن القاسم فيمن اشترط في عارية الحيوان الضمان: أن الشرط ساقط، وقاله أصبغ، وقال: لأنه شرط فيه خلاف سنتها.
-
وروى عنه عيسى في رجل باع كساءه أو رداءه بدينار وانتقد الدينار فقال البائع للمشتري: أبلغ به البيت آخذ على نفسي ثوبا ثم آتيك بكسائك واختلس منه الكساء: أن مصيبته من المشتري وليس من البائع إذا قامت البينة على ذلك.
-
باب التعدي في العارية وكيف إن باعها ثم اشترها أو ردها إليه مع رسول فهلكت؟
-
من العتبية/من سماع ابن القاسم:
-
ومن استعار ثوبا ليلبسه يومين أو ثلاثة فلبسه أكثر من ذلك فعليه ما نقص من قيمته يوم التعدي، يريد:
-
وإن شاء كراء ما لبسه. قال سحنون: أخبرني علي بن زياد عن مالك فيمن استعار دابة يركبها إلى بلد فركبها إلى بلد غيره فعطبت،
-
فإن كان مثله في السهولة والحزونة لم يضمن.
-
وقال أشهب في كتبه:
-
ومن استعار دابة ليركبها إلى موضع فركبها وأردف خلفه رديفا فعطبت فالمستعير ضامن،
-
وإن سلمت الدابة ولم ينقصها ما فعل فكراء الرديف على المستعير وإن كان مفلسا،
-
ولا يلزم الرديف من كراء ركوبه شيء،
-
وإن كان المستعير عديما وقد أخطأ من ألزمه الكراء في عدم المستعير،
-
ولو كان الرديف عبدا للمستعير أو غيره لم يكن شيء من ذلك في رقبته ولا في ذمته هلكت الدابة أو سلمت لأنه ركب بوجه يجوز له ولم يتعد ولا ضمان في شيء من الحيوان إلا على متعد.
-
ومن كتاب الإقرار لابن سحنون: قال ابن القاسم وأشهب فيمن استعار دابة إلى موضع معلوم فلما بلغه تعدى بها إلى مثل ميل ونحوه ثم ردها إلى الموضع الذي استعارها إليه ثم رجع. يريد: ردها إلى ربها فعطبت في الطريق أنه يضمن الدابة بتعديه.
-
ومن العتبية: روى عيسى عن ابن القاسم فيمن استعار حمارا ليحج عليه فباعه في سيره بعشرة دنانير ثم اشتراه حين رجع بخمسة أن ربه مخير إن شاء أخذ منه/حماره وخمسة دنانير وإلا تركه وأخذ منه العشرة التي باعه بها. وروى عنه سحنون مثله، قال: ويلغني عن مالك وذكر ابن المواز مثله إلا أنه قال: هذا إذا اشتراه لربه،
-
فأما إن اشتراه لنفسه أو لمن آجره: فالخمسة له، وليس لرب الحمار
-
إلا الرضا بالبيع الأول ويأخذ عشرته أو يأخذ حماره فقط، وقد تقدم هذا في الوديعة.
-
قال ابن حبيب عن مطرف:
-
ومن استعار دابة من رجل ثم ردها إليه مع عبده أو أجيره أو جار فتعطب أو تصاب فلا يضمن، لأن شأن الناس على هذا أن يردوا ذلك السحب الدنيء من عبد وأجير وشبهه،
-
وإن لم يعرف ضياعها إلا منزله أو إلى الرجاء فيرسلها مع عبده أو أجيره أو جاره فلا يضمن عطبت أو انفلتت إلا أن يكون ذلك من سبب فعل الرسول فيضمن وهو مصدق أنها انفلتت أو سرقت كان مأمونا أو غير مأمون،
-
وكذلك من ابتاع عبدا أو دابة بخيار فردها مع رسوله مثل ما ذكرنا وأكثر ما فيه يمين الرسول.
-
باب في العبد يستعير لسيده العارية فتهلك بيده، والسيد منكر لإرساله، وكيف إن أخذها من العبد حين أتى بها؟
-
من العتبية: روى عيسى عن ابن القاسم في الأمة أو الحرة تأتي قوما تستعير منهم حليا لأهلها وتقول: هم بعثوني فيتلف ذلك فإن صدقهم أهلها/فهم ضامنون ويبرأ الرسول،
-
وإن جحدوا حلفوا ويبرءون وحلف الرسول: لقد بعثوه ويبرأ، لأن هؤلاء قد صدقوه أنه مرسل،
-
وإن أقر الرسول بأنه تعدى وهو حر ضمن،
-
وإن كان عبدا كان في ذمته إن عتق يوما ما ولا يلزم رقبته،
-
ولو قال الرسول: أوصلت ذلك إلى من أرسلني لم يكن عليهم ولا عليه غير اليمن،
-
وكذلك من بعث رجلا يستعير له ثم أنكر، وقال سحنون عن أشهب: إذا قال العبد: سيدي أرسلني وأوصلت إليه العارية أو تلفت والسيد منكر قال: ذلك
-
في رقبته كالجناية ولو كان حرا كان في ذمته، وقال ابن القاسم: إن أقر السيد غرم وإن أنكر فذلك في رقبته لأنه خدم القوم.
-
ومن سماع ابن القاسم في أمة جاءت إلى جارتها بقلادة استعارتها لها فأنكرت وقبلتها منها لتردها على أهلها فتلفت فهي ضامنة لقبولها لها، والقول في صفتها، يريد: ووزنها قول الضامنة.
-
باب في اختلاف المعير والمستعير، وشهادة الرسول في ذلك، والدعوى في رد العارية
-
من سماع ابن القاسم: وقال فيمن استعار دابة إلى بلد ادعاه، وقال المعير: إنما أعرتك إلى غيره،
-
فإن أشبه ما قال المستعير صدق مع يمينه، قال ابن القاسم: وذلك إذا ركب ورجع،
-
وإن لم يركب بعد فالمعير مصدق مع يمينه، وكمن أسكنته دارا أو اخدمته عبدا، فبعد سنة قال: هو مدة سنة، وقلت أنت: ستة أشهر فهو مصدق عليك مع يمينه إلا أن يدعي/ما لا يشبه ولو لم يقبض المسكن ولا العبد فأنت مصدق مع يمينك.
-
وروى عيسى عن ابن القاسم في التي استعارت حجلة من امرأة فغابت عليها سنين ثم ماتت، فقامت المعيرة على ورثتها فأنكروا وشهد بالعارية امرأتان وقد غابت الحجلة، قال: تحلف المعيرة معهما أنها أعارتها إياها وأنها ما رجعت إليها ولا خرجت من ملكها ببيع ولا هبة وتستحق ذلك في تركة المستعيرة.
-
قال ابن حبيب: سمعت من أرضى يقول فين استعار من رجل دابة فمضى لها عنده يومان ونفقت في اليوم الثالث، فقال المعير: إنما أعرتك يوما وقال المستعير: بل يومين: أن كل واحد منهما مدع على صاحبه، فالمعير يدعي
-
تضمين المستعير، والمستعير يدعي سقوط الكراء عنه، فأرى أن يحلفا جميعا،
-
ويلزم المستعير كراء اليوم الثاني ولا يلزمه الضمان إذا حلف.
-
وقال أشهب في كتبه فيمن استعار دابة فركبها إلى برقة، وقال المعير: إنما أعرته إلى فلسطين، فالقول قول المستعير في إسقاط الضمان مع يمينه، وينظر إلى مسافة الموضعين فإن كانت مختلفة كان للمعير فضل ما بين كراء برقة على كراء فلسطين مع يمينه، قال:
-
ومن بعث وسولا إلى رجل يعيره دابة إلى برقة فأعاره فركبها المستعير إلى برقة فعطبت فقال المعير: إنما أعرته إلى فلسطين، وقال المستعير: بل إلى برقة، فشهادة الرسول ها هنا لا تجوز للمستعير ولا عليه، لأنه إنما يشهد على فعل نفسه، ويحلف المستعير له/: أنه ما استعارها إلا إلى برقة ويسقط عنه الضمان، ويحلف رب الدابة: ما أعاره إلا إلى فلسطين ويكون له على المستعير فضل ما بين كراء برقة على كراء فلسطين.
-
ولو قال المستعير للرسول: اذهب إلى فلان فاستعر لي دابة أركبها إلى برقة، فقال له الرسول: يسألك فلان أن تعيره دابتك إلى فلسطين فأعاره فركبها المستعير إلى برقة لا يدري فعطبت،
-
فإن قامت للمعير بينة أن الرسول قال له: إلى فلسطين فلا ضمان على المستعير لأنه يقول: إلى برقة استعرتها، وعليه فضل كرائها على ما فسرنا،
-
ولا يمين على رب الدابة لأن البينة قد قامت له بذلك،
-
وأما الرسول فإن قال: ما أمرني المستعير إلا إلى فلسطين حلف ولم يضمن هو وال المستعير.
-
وإن قال الرسول: إنما أمرني إلى برقة فقلت لرب الدابة غير ذلك، ضمن الرسول الدابة إن كانت مسافة برقة أشد من مسافة فلسطين في البعد أو في التعب.
-
ولو كانت مسافة برقة مثل مسافة فلسطين في البعد والخزونة فهلكت تحته لم يضمن.
-
وقال أشهب: من ركب دابة رجل إلى بلد وادعى أنه أعاره إياها، وقال ربها: بل أكريتها منه فالقول قول ربها كان ممن يكري أولا يكري ويحلف الراكب: ما تكاراها منه لأنه مدعى عليه في الكراء ويحلف رب الدابة: أنه أكراه إياها ويكون له كراء مثلها إلا/أن تكون الدابة للرجل الشريف العظيم القدر الذي مثله يأنف عن كراء دابته فيصدق الراكب مع يمينه،
-
وإن نكل عن اليمين
-
حلف رب الدابة وأخذ منه الكراء الذي زعم أنه أكراه،
-
فإن نكر لم يأخذ ما ادعى من الكراء ولكن يأخذ من الراكب كراء مثلها إلى الموضع الذي ركبها إليه، لأنه مدع في عارية ركوبها فكانت عليه البينة واليمين على صاحبه فنكل صاحبه عن اليمين فكانت مردودة عليه وقد نكلا عنها فلزمه غرم ركوبها في التعدي وهو قيمة ذلك.
-
قال ابن حبيب عن مطرف في المستعير يقول: رددت العارية إلى ربها، أو أرسلتها إليك وقبضتها وأنكر المعير،
-
فأما ما يغاب عليه فعلى المستعير البينة بردها منذ استعارها ببينة أو بغير بينة،
-
وأما الحيوان وشبه فإن أعاره ببينة لم يبرأ المستعير إلا ببينة على الرد وإلا ضمن،
-
وإن لم يكن أشهد فهو مصدق مع يمينه ادعى أنه هو ردها أو رسوله، وقاله أصبغ كله إلا في قوله: رددتها إليك مع رسول فقال: لا يصدق وإن كان حيوانا،
-
وإن لم يكن المعير أشهد حين أعار فلا يبرأ المستعير إلا ببينة، وبقول مطرف أقول لأنه يقبل قول الرسول في انفلات الدابة أو سرقتها وإن لم يكن مأمونا.
-
وكذلك في دعواه ردها.
-
وقال مطرف: قال مالك: وعلى الصناع البينة في رد المتاع أخذوه ببينة أو بغير بينة لأن عليهم الضمان،
-
وكذلك ما يضمنه من عارية ما يغاب عليه أو رهنه وما كان لا يضمنه فهو مصدق في رده إلا أن/يكون قبضه ببينة مثل الوديعة والقراض وشبهه، وقاله ابن الماجشون وأصبغ.
-
باب فيمن أعار حمل جذوع، أو عرصة لبناء، أو مرفقا ثم أراد نزعه
-
من العتبية من سماع أشهب: قال مالك فيمن أذن لجاره في غرز خشب في جداره ثم أراد نزعها فليس له ذلك وهذا من الضرر الذي نهي عنه النبي صلى الله عليه وسلم
-
إلا أن يكون احتاج إلى جداره مما لم يرد به الضرر،
-
وأما إن أراد البيع فأراد نزعها ليزيده المشتري في الثمن فليس له ذلك، أرأيت إن كان المبتاع عدوا له قبل فإن ذلك على الصحة؟ قال: ليس له ذلك ز
-
وقال: من أرفق رجلا مرفقا ثم أراد نزعه فإن كان لحاجته إليه فذلك له، أو يريد رفع جداره لأمر أضر، به فأما على وجه الضرر بجاره فلا.
-
قال ابن القاسم في المدونة فيمن أذنت له في البناء في عرصته أو أن يغرس ففعل ثم شئت إخراجه فإن لم يمض من الأمد ما يبني ذلك لمثله لم يكن ذلك إلا أن يعطيه ما أنفقه، وقال في موضع آخر: قيمة ما أنفقه.
-
قال أبو بكر بن محمد: وروى عنه أصبغ: يعطيه قيمة ما أنفق، وروى عنه الدمياطي: أنه وإن لم يضرب أجلا فليس له إخراجه بحال وإن أعطاه ما أنفقه، ولكن ينظر إلى ما تعاد إلى مثله من الأمد فيكون عند فراغ الأمد كفراغ الأجل المشترط، وذكر أشهب في كتبه: أن المستعير إذا فرغ من بنائه وعرصته فلرب الأرض أن يخرجه فيما قرب أو بعد لأنه/أعاره إلى غير أجل وهو فرط إذ لم يضر أجلا، ويعطيه رب الأرض قيمة ذلك مقلوعا ويأخذه أو يأمره بقلعه، وروى الدمياطي عن أشهب: أن له إخراجه متى شاء إذا كان لحاجته إلى عرصته إلى بيعها سواء تقدم بينهما شر أم لا،
-
وإن كان لغير حاجة ولكن لشر وقع بينهما فليس له ذلك. وقال أصبغ: إذا لم يسكن فليس له أن يخرجه أصلا وإن أعطاه قيمته قائما إلا برضاه وبه أخذ يحيى بن عمر. قال سحنون:
-
ومن أصحابنا من يقول: يعطيه قيمته قائما وهو المغيرة وابن كنانة.
-
قال ابن حبيب في كتبا الصدقة، وقد روي ابن الماجشون ومطرف عن مالك: إن كل بان أو غارس في أرض قوم بإذنهم أو علمهم فلم يمنعوه فله قيمة ذلك قائما كالباني بشبة.
-
قال ابن القاسم وأشهب:
-
وإن ضرب لعاريته أجلا فليس له إخراجه قبل الأجل،
-
وإن أعطاه قيمة ذلك قائما،
-
وكذلك لو لم يبن ولم يغرس فأراد إخراجه قبل الأجل فليس له ذلك قبل الأجل ولو لم يضرب أجلا كان ذلك له قبل البناء والغرس. قال أشهب في كتبه:
-
وكذلك من قال لرجل: أعرتك دابتي فإن قال: إلى موضع كذا
-
وكذا يوما أو حياتك فليس له أن يرجع في شيء من ذلك إلى الأجل الذي سمى وإن لم يزد على أن قال: قد أعرتك فله أن يرجع متى شاء.
-
باب فيمن بنى في أرض رجل بإذنه إلى أجل أو لم يذكر أجلا وهو معار أو مكترى، أو بنى بغير إذنهم، والحكم في بنيانه، وكيف إن شرط/أنه إن تم الأجل فله قلع نقضه؟
-
قال ابن حبيب في كتاب الصدقات: قال مطرف وابن الماجشون: قال مالك: وكل من بنى في أرض قوم أو غرس بإذنهم أو علمهم فلم يمنعوه فله قيمة ذلك قائما كالباني بشبهة،
-
وإن بنى بغير إذنهم ولا علمهم فإنما له قيمة ذلك منقوضا،
-
وكذلك من تكارى أرضا أو منحا إلى أجل أو إلى غير أجل ثم بنى فيها بإذنهم أو بعلمهم ولم يستأذنهم فلم ينهوه ولا منعوه فإن له قيمة بنيانه قائما إن أراد أو إخراجه،
-
وكذلك من بنى في أرض بينة وبين شركائه بإذنهم أو بعلمهم فله قيمة علمه قائما،
-
وكذلك من بنى في أرض امرأته بإذنها أو بعلمها ولم تنكر،
-
وأما كل من بنى في أرض غيره من زوجة أو شريك أو غيره بغير إذن ربها أو علمه فله قيمة عمله منقوضا، قال: قلت لهما: روي لنا عن مالك: أن له قيمة عمله منقوضا بنى بإذن رب الأرض أو بغير إذنه، قال: ما علمنا أن مالكا اختلف قوله في هذا ولا أحد من أصحابه: ابن أبي حازم والمغيرة وابن دينار وغيرهم وبه يقضي قضاة المدينة قديما وحديثا، وقد وهم ناقل هذا عن مالك، قال ابن حبيب: وهو قول ابن كنانة وابن نافع وجميع المدنيين، وقال ابن القاسم بالقول الآخر ورواه عن مالك ولسنا نقول به وبقول لمدنيين نقول، وروي مثله عن ابن مسعود وشريح، وروى ابن وهب ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قاله.
-
وقال مطرف وابن الماجشون:
-
وإن غرس العبد أو بنى في أرض سيده/بإذنه أو علمه ثم كاتبه فودي كتابته فأراد إخراجه فله ذلك وعليه قيمة بنائه قائما لأنه لما كاتبه تبعه ماله وقد علم أنه بنى في أرضه فكأنه أذن له وهو مكاتب فهو كإذنه للأجنبي،
-
وكذلك كل من بنى في أرض رجل بإذنه أو بشبهة من الشبه فله قيمته قائما إلا أن يكون متعديا وقاله مالك، قال ابن حبيب: وقال أصبغ بقول ابن القاسم.
-
قال مطرف وابن الماجشون فيمن أذن لرجل أن يبني في عرصته على أن يسكن إلى أجل يوقته على أنه إذا خرج قلع بنيانه وذهب به وترك عرصته، قالا: فالشرط باطل لأنه من الضرر، وله قيمته قائما إذا تم الأجل. قالا:
-
ولو شرط في أصل البناء: أن له إذا تم الأجل قيمته قائما فإن الشرط يفسده كأنه أكراه الأرض تلك المدة بما يغادر فيها من البناء بقيمته يوم يتركه، وهذا من الغرر والسلف يجر منفعة،
-
فإذا بنى على هذا فله الأقل من قيمة بنيانه قائما يوم فرغ منها أو ما أنفق فيه،
-
ثم يكون لرب العرصة قيمة كرائها مبنية من يوم سكن، وقال أصبغ مثل قولهما إذا شرط له قيمة بنائه قائما، وأجازه إن شرط أن له قيمة بنائه منقوضا.
-
من سماع ابن القاسم:
-
ومن قال: أعني بغلامك أو ثورك في حرثي يوما أو يومين، وأعينك بغلامي أو ثوري يوما أو يومين فلا بأس بذلك/ورآه من الرفق، وكان هو الذي يطلب ذلك.
-
وقال عيسى بن دينار في جدار بين دارين فمال فسأل الذي هو له ربه أن يدعه يهدمه ويبنيه له على أن يدعه يجعل فيه خشب بيته فيفعل أذلك كالعارية يزيلها إذا احتاج إليها؟ قال: لا بل هو كالشراء ليس له زوال خشب جاره بحال.
-
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه
-
شرط المعير صحة تبرعه وملكه المنفعة
-
فيعير مستأجر لا مستعير على الصحيح
-
وله أن يستنيب من يستوفي المنفعة له
-
والمستعار كونه منتفعا به مع بقاء عينه
-
وتجوز إعارة جارية لخدمة امرأة أو محرم
-
ويكره إعارة عبد مسلم لكافر
-
والأصح اشتراط لفظ كأعرتك أو أعرني ويكفي لفظ أحدهما مع فعل الآخر
-
ولو قال أعرتكه لتعلفه أو لتعيرني فرسك فهو إجارة فاسدة توجب أجرة المثل
-
ومؤنة الرد على المستعير
-
فإن تلفت لا باستعمال ضمنها وإن لم يفرط
-
والأصح أنه لا يضمن ما ينمحق أو ينسحق باستعمال
-
والثالث: يضمن المنمحق
-
والمستعير من مستأجر لا يضمن في الأصح
-
ولو تلفت دابته في يد وكيل بعثه في شغله أو في يد من سلمها إليه ليروضها فلا ضمان
-
وله الانتفاع بحسب الإذن
-
فإن أعار لزراعة حنطة زرعها ومثلها إن لم ينهه
-
أو لشعير لم يزرع فوقه كحنطة
-
ولو أطلق الزراعة صح في الأصح ويزرع إن شاء
-
وإذا استعار لبناء أو غراس فله الزرع ولا عكس
-
والصحيح أنه لا يغرس مستعير لبناء وكذا العكس
-
وأنه لا تصح إعارة الأرض مطلقة بل يشترط تعيين نوع المنفعة.
فصل
-
لكل منهما رد العارية متى شاء
-
إلا إذا أعار لدفن فلا يرجع حتى يندرس أثر المدفون
-
وإذا أعار للبناء أو الغراس ولم يذكر مدة ثم رجع إن كان شرط القلع مجانا لزمه
-
وإلا فإن اختار المستعير القلع قلع ولا يلزمه تسوية الأرض في الأصح
-
قلت: الأصح يلزمه والله أعلم
-
وإن لم يختر لم يقلع مجانا بل للمعير الخيار بين أن يبقيه بأجرة أو يقلع ويضمن أرش النقص
-
قيل: أو يتملكه بقيمته
-
فإن لم يختر لم يقلع مجانا إن بذل المستعير الأجرة
-
وكذا إن لم يبذلها في الأصح
-
ثم قيل: يبيع الحاكم الأرض وما فيها وتقسم بينهما
-
والأصح أنه يعرض عنهما حتى يختارا شيئا
-
وللمعير دخولها والانتفاع بها
-
ولا يدخلها المستعير بغير إذن للتفرج
-
ويجوز للسقي والإصلاح في الأصح
-
ولكل بيع ملكه
-
وقيل: ليس للمستعير بيعه لثالث
-
والعارية المؤقتة كالمطلقة
-
وفي قول له القلع فيها مجانا إذا رجع
-
وإذا أعار لزراعة ورجع قبل إدراك الزرع فالصحيح أن عليه الإبقاء إلى الحصاد
-
وأن له الأجرة
-
فلو عين مدة ولم يدرك فيها لتقصيره بتأخير الزراعة قلع مجانا
-
ولو حمل السيل بذرا إلى أرضه فنبت فهو لصاحب البذر
-
والأصح أنه يجبر على قلعه
-
ولو ركب دابة وقال لمالكها أعرتنيها فقال بل أجرتكها أو اختلف مالك الأرض وزارعها كذلك فالمصدق المالك على المذهب
-
وكذا لو قال أعرتني وقال بل غصبت مني
-
فإن تلفت العين فقد اتفقا على الضمان لكن الأصح أن العارية تضمن بقيمة يوم التلف لا بأقصى القيم ولا بيوم القبض
-
فإن كان ما يدعيه المالك أكثر حلف للزيادة.
-
"وهي: إباحة نفع عين تبقى مع استيفائه" .
-
وتباح إعارة كل ذي نفع "مباح"
-
إلا البضع
-
وعبدا مسلما لكافر
-
"وصيدا ونحوه لمحرم"
-
وأمة شابة "لغير امرأة" أو محرم
-
ولا أجرة لمن أعار حائطا حتى يسقط
-
ولا يرد إن سقط
-
"إلا بإذنه" .
-
وتضمن العارية بقيمتها يوم تلفت
-
ولو شرط نفي ضمانها
-
وعليه مؤونة ردها
-
"إلا المؤجرة"
-
ولا يعيرها
-
فإن تلفت عند الثاني استقرت عليه قيمتها
-
"وعلى معيرها أجرتها"
-
ويضمن أيهما شاء
-
"وإن أركب منقطعا للثواب لم يضمن" .
-
وإذا قال: أجرتك قال: بل أعرتني "أو بالعكس" عقب العقد قبل قول مدعي الإعارة
-
وبعد مضي مدة قول المالك في ماضيها بأجرة المثل
-
وإن قال: أعرتني أو قال: أجرتني قال: بل غصبتني أو قال: أعرتك قال: بل أجرتني والبهيمة تالفة "أو اختلفا في الرد" فقول المالك.
في كتب الخلاف
الإجماعابن المنذركتاب الإجارات٣ مسائل
التجريدالقدوريمسألة ٧٩٨، مسألة ٧٩٩، مسألة ٨٠٠٦ مسائل
المبسوطالسرخسيكِتَابُ الْعَارِيَّةِ، بَابُ الْعَارِيَّةِ فِي الرَّهْنِ، بَابُ رَهْنِ الْأَرَضِينَ وَغَيْرِهَا٣٩٨ مسألة
بداية المجتهدابن رشدكِتَابُ الْعَارِيَةِ٢٥ مسألة
المغنيابن قدامة، على «مختصر الخرقي»باب العارية٢٢٤ سطرًا
المجموع شرح المهذبالنووي، على «المهذب»لا كلام له في هذا الباب
الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر، على «المقنع»كِتَابُ الْعَارِيَةِ، فَصْلٌ، فَصْلٌ١٦٠ سطرًا
الفقه على المذاهب الأربعةعبد الرحمن الجزيريتعريفها، حكم العارية وركنها وشرطها، أقسام العارية وما يتعلق بها من الأحكام١٧٨ مسألة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميأسامة القحطاني وآخرونالفصل الأول: مسائل الإجماع في باب العارية٣٦٨ مسألة
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)بإشراف علوي السقاف١٦ - العارية، * حكمة مشروعيتها:١٤ مسألة
عرضٌ لما في كتب المذاهب، وليس فتوى.في الخريطة: العارية