مسألة ٧٩٨
التجريدالحنفيةالمسائل ٢٦٬٧٦٩ إلى ٢٦٬٩٥٢
-
١/٣٢٦٣١/٣٢٦٣
هل العارية مضمونة أو أمانة؟
-
قال أصحابنا: العارية أمانة لا يضمنها المستعير لا بالتعدي. وهل يضمن بالشرط؟.
-
١/٣٢٦٤١/٣٢٦٤
قال أبو سعيد: تضمن. وذكر ابن رستم عن محمد أنها لا تضمن. وذكر البقالي عن محمد أنه تأول حديث صفوان علي شرط الضمان.
-
وقال الشافعي: كل عارية مضمونة علي المستعير،
-
وإن تلفت بغير فعله.
-
وأما الأجزاء فغير مضمونة عندهم مع بقاء الأصل إذا تلفت بالاستعمال.
-
وأما إذا أتلفت الجملة بعد ذلك فالمذهب أنه يضمن القيمة يوم التلف،
-
ولا يضمن الأجزاء. وقال ابن سريج يضمن الأجزاء معها.
-
١/٣٢٦٥١/٣٢٦٥
لنا: ما روى همام عن عطاء بن أبي رباح عن صفوان بن يعلي عن أبيه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا أتاك رسلي فأعطهم ثلاثين درعًا وثلاثين
-
١/٣٢٦٦١/٣٢٦٦
بعيرًا، قال: قلت يا رسول الله أعارية مضمونة أو عارية مؤداة؟ قال - عليه السلام -: بل مؤداة. ذكره أبو داود.
-
ويدل عليه حديث أبي أمامة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث، لا تنفق المرأة من بيتها إلا بإذن زوجها، فقيل يا رسول الله:
-
ولا الطعام، قال: ذلك أفضل أموالنا ثم قال: العارية مؤداة والمنحة مردودة، الدين مقضي والزعيم غارم.
-
١/٣٢٦٧١/٣٢٦٧
فوصف العارية بأنها مؤداة [ولا فرق بينها وبين الزعامة المقتضية العزم فهذا المنع تعلق الغرم بها،
-
ثم وصفها بأنها مؤداة] وهذا مقيد، لقوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} .
-
وقد ذكر أصحاب الشافعي في هذا الخبر والعارية مضمونة. وهذا لا أصل له، وقد ذكر الخبر علي ما ذكره أبو داود والدارقطني.
-
ويدل عليه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ليس علي المستعير غير المغل ضمان،
-
ولا علي المودع غير المغل ضمان) ،
-
١/٣٢٦٨١/٣٢٦٨
وقد اعترض الدارقطني هذا الحديث فقال: رواه عمر بن عبد الجبار عن عبيدة بن حسان عن عمرو بن شعيب، وعمرو وعبيدة ضعيفان. وهذا ليس بصحيح لأن البخاري ذكر في تاريخه: عبيدة بن حسان السنجاري الجزري وذكر من روى عنه، لم يذكره بضعف ولا طعن، والبخاري لا يكاد يسلم عليه أحد.
-
١/٣٢٦٩١/٣٢٦٩
وقال الدارقطني أيضًا إن هذا الخبر عن شريح ورواه بإسناده عنه، وهذا ليس بطعن، لأن شريحًا إذا أفتى بما أفتى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقدح ذلك في رواية من روى. قوله: غير المغل هو الآخذ لغلته والقابض لفائدته.
-
قالوا: والخائن هو غال يقال: غل/ يغل غلولًا إذا خان.
-
فأما الغل فهو من الغلة يقال: خراج يغل فلو أراد الخيانة لقال: علي المستعير غير الغال ضمان، والدليل علي أن أغل يغل من الغلة قول زهير:
-
فتغلل لكم ما لا تغل لأهلها .... قرى بالعراق من قفيز ودرهم.
-
قالوا: وإذا ثبت أن المستغل استعملناه في موضوعين: أحدهما: قبل قبض العارية فلأنه لا ضمان عليه. والثاني: إذا كان عنده وديعة، فقال له السيد: متى اخترت أن تستخدمه عارية فافعل، فما لم يستخدمه فهو أمانة ووديعة،
-
فإذا استعمله كان عارية مضمونة فههنا لا ضمان عليه قبل الاستعمال، فإذا استعمله ضمنه.
-
والجواب: أن المغل هو الخائن.
-
قال النمر بن تولب:
-
١/٣٢٧٠١/٣٢٧٠
جزى الله عنى عمرة بن نوفل .... جزاء مغل بالأمانة كاذب
-
بما حدثت عني الوشاة ليكذبوا .... علي وقد أوليتها في النوائب
-
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا إغلال في الغنيمة) .
-
وقال أبو عبيد يعنى الخيانة.
-
وقولهم: مغل معناه مستغل، لا يصح، لأن مفعل لا يستعمل مستفعل إلا في موضع المنقول عن أهل اللغة. وقول زهير: فتغلل لكم مالا يغل لأهلها، إنما قال، القرى تغل، وهي مغلة، ولم يقل إن أهلها مغلون.
-
ولو سلمنا ما قالوا كانت الحجة قائمة، لأنه يفضي إلى أن العارية غير مضمونة ما لم يستغلها، والاستغلال ليس هو الاستعمال وإنما هو الإجارة،
-
وإن كان الاستعمال استغلالا اقتضى ألا [يضمنها قبل الاستعمال وعندهم يضمنها.
-
١/٣٢٧١١/٣٢٧١
ولأن ما ذكروه ليس بعارية؛ لأنها لا] تصير عارية قبل القبض، ولأن مغلا صفة للمعير لا للمستعير، يقال أرض مغلة.
-
ولا يقال رجل مغل للدار.
-
[قالوا] : حمله على نفي الضمان، وإنما أراد ضمان المعبر، ولأن الأجزاء عندهم مضمونة مع الأصل، إلا أن ضمانها سقط بالاستعمال.
-
قالوا معناه: أنه لا يجب عليه ضمان منافعها، وهو أجرة المثل، إلا أن يكون قد خان فيها واستعملها فيما لم يؤذن فيه، فيلزمه أجرة مثلها.
-
[قلنا] ظاهر الخبر يقتضي نفي ضمان الأجرة والعين، وحمله على ضمان الأجرة تخصيص.
-
ولأنه إذا أجر ولم يستعمل ضمن فيه لظهور الخيانة أيضًا بالاستعمال فيما لم يؤذن فيه. ولأنها عين أخذها دون مالكها لا علي وجه التمليك والوثيقة فلا تكون مضمونة له؛ أصله الوديعة.
-
وإن شئت ذكرت عبارة أصحابنا فقلت: لا علي وجه البدل والوثيقة.
-
ولا يلزم الهبة الفاسدة؛ لأنه يقبضها على وجه التمليك. وعلى العبارة الثانية يقبضها بإذن من كان مالكها،
-
ولا يلزم المقبوض بالسوم لأنه مأخوذ على وجه التمليك،
-
١/٣٢٧٢١/٣٢٧٢
وعلي العبارة الثانية هو مأخوذ على وجه البدل،
-
وإن شئت أسقطت من العلة ذكر الوثيقة وقلت: الرهن ليس بمضمون. وإنما يسقط الدين بهلاكه على قول أبي الحسن وأبي طاهر.
-
فإن قيل: على العبارة الثانية إن أردتم بقولكم قبضها لا على وجه البدل بدلًا مشروطًا بطل بالقرض،
-
وإن أردتم بدلًا من طريق الحكم لم نسلم ذلك في العبارة، لأنها عندنا مضمونة يرد عينها أو قيمتها إذا تلفت.
-
قلنا: يريد أن الأخذ لم يقع لتحصيل البدل.
-
فإن قيل: ينتقض بمن دفع إلى رجل ألفًا على أن نصفه هبة ونصفه مضاربة فهلك ذلك،
-
فإن الموهوب له لا يضمن نصف الألف الذي هو الهبة. ذكر هذا محمد في أصل المضاربة.
-
قلنا: لا يلزم، لأنا قلنا: عين قبضها، والمقبوض مشاع فليس بعين،
-
وإن شئت أن تحترز بلفظ آخر قلت عين قبضها بإذن مالكها قبضًا صحيحًا.
-
ولا يلزم الراهن إذا أعار الرهن فأخذه المستعير بغير إذن المرتهن، لأنا قلنا:
-
فلا تكون مضمونة وههنا يضمنها للمرتهن لا للمالك.
-
١/٣٢٧٣١/٣٢٧٣
فإن قيل: المعنى في الوديعة أنها غير مضمونة الرد، وليس كذلك العارية؛ لأنها مضمونة الرد فكانت مضمونة العين.
-
قلنا: ضمان الرد والعين قد ينفرد أحدهما عن الآخر، بدلالة أن المبيع مضمون في يد المشتري ولو تفاسخا كان مضمونًا، ورده ليس بمضمون؛ لأن أجرة النقل على البائع والمبيع مضمون على البائع، وأجرة المثل تنتقل إلى يد المشتري فيلزمه المشتري،
-
ومن غصب صبيًا حرًا فهو غير مضمون عندهم ورده مضمون.
-
والحربي إذا غلب على أموالنا ملكها عندهم،
-
وإن هلكت لم يضمنها، وردها مضمون عليه.
-
قالوا: الوديعة أخذها لمنفعة صاحبها، والعارية أخذها لمنفعة نفسه.
-
قلنا: الوصي له بالخدمة أخذ العين لمنفعة نفسه ولا يضمنها.
-
ولأن الشافعي وافقنا أن أجزاء العارية إذا أتلفت بالاستعمال لم يضمنها.
-
ولنا من ذلك طرق في الاستدلال:
-
أحدها: أن كل عين لا يضمنها بالإتلاف لا يضمنها إذا تلفت. أصله: ملكه والعين الموصى بمنفعتها له، والعين المستأجرة.
-
ولأنه مأخوذ على وجه العارية فلا يكون مضمونًا. أصله: الأجزاء إذا أتلفها.
-
١/٣٢٧٤١/٣٢٧٤
ولا يلزم إذا كانت لغير المعير؛ لأن العين والأجزاء تتساوى في الضمان، ولأن الإتلاف له من التأثير في الضمان ما ليس للتلف، بدلالة أن الوديعة لم تضمن بالتلف وتضمن بالإتلاف ثم لو أتلف الأجزاء بالاستعمال لم يضمنها،
-
فإذا تلفت أولى أن لا يضمنها.
-
فإن قيل الأجزاء مضمونة عندنا وإنما سقط ضمانها، لأن المالك [أذن] في إتلافها.
-
قلنا: إذا كان الإذن في الإتلاف يسقط الضمان [فالإذن في القبض لا على وجه التمليك، والوثيقة يجب أن يسقط الضمان] أيضًا.
-
فإن قيل: لا يمتنع أن يختلف الضمان بالأجزاء والجملة، كما أن المبيع في يد البائع جملته مضمون يسقط الثمن بتلفها، وأجزاؤه غير مضمونة لا يسقط بتلفها شيء.
-
قلنا: هذا لا يلزم على لفظ علتنا. والفرق بينهما أن المبيع ضمن بالعقد فلم يضمن إلا ما يصح أن ينفرد بالعقد والأجزاء لا تنفرد بالمبيع فلا تنفرد بضمانه.
-
وأما العارية فضمانها عندهم يتعلق بالقبض، ويمكن إفراد الأجزاء بالقبض، فيمكن إفرادها بضمانه كالغصب.
-
فإن قيل: الرهن مضمون، وما زاد على مقدار الدين غير مضمون، فقد خالفت الأجزاء الجملة.
-
قلنا: غلط، مقدار الدين من الرهن مضمون الجملة والأجزاء، ومقدار الزيادة على الدين غير مضمون الأصل، والأجزاء فتساويا. و [لأنها عين أخذها ثمن عقد على منفعة فلم تكن مضمونة كالإجارة] .
-
١/٣٢٧٥١/٣٢٧٥
ولأنها عين أخذها ليستوفي منفعتها [من غير تعد فأشبه الموصي بخدمته ولأنها عين أخذها ليستوفي منفعتها] وردها كالمستأجرة.
-
ولأن العقد إذا كان يبدل فهو داخل في الضمان، كالعقد إذا كان بغير بدل. ألا ترى أن تمليك الرقبة ببدل يقتضي ضمانها على المشتري كالبيع، والتمليك بغير عوض لا يضمن قيمة الرقبة كالهبة.
-
ثم اتفقنا على أن العقد على المنفعة يبدل لا يضمن العين مستوفى المنفعة يبدل لا يضمن العين مستوفى المنفعة فلأن لا يضمن في العقد على المنفعة بغير عوض أولى.
-
فإن قيل: المبيع ملك المشتري فكيف يكون مضمونًا عليه؟.
-
قلنا: لو تفاسخا البيع كان المبيع مضمونًا على المشترى،
-
ولو تفاسخا الهبة لم تكن العين مضمونة على الموهوب، وهذا يبين أن أحد القبض مضمون والآخر بخلافه.
-
قالوا: المستأجر لو ضمن رجع بالضمان على المؤجر فلا فائدة في تضمينه، والمستعير لا يرجع بما يلحقه من الضمان على المعير، فلذلك لزمه الضمان.
-
قلنا: الموصى له لا يرجع بما يلحقه من الضمان على الموصي،
-
ولا في ماله. ومع ذلك لا يلزم الضمان. ولأن ولد المرهونة وولد المبيعة كل واحد منهما غير مضمون على ما حدث في يده.
-
وإن كان المشتري يرجع بقيمة الولد عند الاستحقاق وإذا كان منه والموهوب لا يرجع، فعلم أن الرجوع وعدم الرجوع لا يدل على إيجاب الضمان ولا نفيه، لكن المشتري يرجع بما يلزمه من قيمة الولد. لأن البائع يستحق بدلًا على المشتري بإزاء ملكه فصار غارًا له بذلك،
-
فلا يرجع بما يلحقه من الضمان، والمعير ملكه المنافع متبرعًا بها فلم يصر غارًا له بذلك فلا يرجع بما لحقه من الضمان، وطريقة أخرى في المسألة: وهو أن المستأجر إذا أعار ما استأجره من إنسان لم يخل أن يضمن المستعير أو لا يضمن.
-
فإن قالوا: لا يضمن.
-
١/٣٢٧٦١/٣٢٧٦
قلنا: إعارة غير المالك إذا أسقطت الضمان فإعارة المالك أولى أن تسقط الضمان.
-
فإن قالوا: إن المستعير يضمن.
-
[قلنا] : لم يصح، لأن المستعير من المستأجر يملك الشيء بحكم الإجارة، بدليل أن المؤجر يستحق الأجرة بإمساكه، ويستحيل أن يكون الشيء في يد الإنسان بحكم الإجارة من المالك ويكون مضمونًا عليه.
-
احتجوا: بما روي ابن أبي مليكة عن أمية بن صفوان عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعار منه درعًا فقال: أغصبا يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة مؤداة.
-
وصفوان كان كافرًا جاهلًا بالأحكام، فبين له - صلى الله عليه وسلم - أنها ليست غصبًا، وإنما هي عارية، ولم يكن له حكم العارية في شريعته فدل/ أن من حكم العارية الضمان.
-
الجواب: أن أمية بن صفوان هو أمية بن صفوان بن عبد الله بن صفوان
-
١/٣٢٧٧١/٣٢٧٧
ابن أمية، ذكر هذا البخاري.
-
فصفوان بن أمية صاحب القصة جده لأبيه،
-
فإذا قال في الخبر عن أبيه فهو مرسل.
-
والثاني: أن هذا الخبر لم يرده بلفظ الضمان إلا شريك بن عبد الله القاضي عن عبد العزيز بن رفيع عن أمية بن صفوان قال أبو داود هكذا رواه يزيد بن هارون عن شريك ببغداد وفي روايته بواسط على خلاف
-
١/٣٢٧٨١/٣٢٧٨
هذا.
-
وهذا قدح في الخبر.
-
الثالث: روى جرير بن عبد العزيز بن رفيع عن أناس من آل عبد الله ابن صفوان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يا صفوان هل عندك من سلاح؟ قال: أعارية تأخذها أم غصبًا؟ قال: لا، بل عارية.
-
فأعاره ما بين الثلاثين إلى الأربعين درعًا. وغزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حنين. فلما هزم المشركون جمعت دورع صفوان وفقد منها أدرعا، فقال عليه الصلاة والسلام لصفوان: قد فقدنا من أدرعك درعًا فهل نغرم لك؟ قال يا رسول الله في قلبي اليوم ما لم يكن يومئذ.
-
وروى أبو الأحوص عن عبد العزيز بن رفيع عن عطاء عن أناس من
-
١/٣٢٧٩١/٣٢٧٩
آل صفوان قال: استعار النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر معنى حديث جرير فقد خالف جرير وأبو الأحوص شريكًا في [إسناد الخبر] .
-
فرواه جرير عن عبد العزيز بن رفيع عن أناس من آل صفوان، [ورواه أبو الأحوص عن عبد العزيز بن رفيع عن عطاء عن أناس من آل صفوان] وخالفا جميعًا شريكًا في متنه فلم يذكرا الضمان.
-
ومتى اختلفوا على عبد العزيز بن رفيع [تطرق الاحتمال] ، وأبو الأحوص أثبت من شريك؟!
-
قال البخاري: سمعت أبا بكر بن الأسود يقول: سمعت عبد الرحمن ابن مهدي يقول: أبو الأحوص سلام بن [سليم] الحنفي الكوفي أثبت من شريك
-
١/٣٢٨٠١/٣٢٨٠
ابن عبد الله القاضي وأخرج البخاري جريرًا وأبا الأحوص في الصحيح، ولم يخرج شريكًا؛ فالرجوع عند الاختلاف إلى الأثبت أولى، ورواية اثنين عن عبد العزيز بن رفيع أولى من رواية واحد.
-
الرابع: قد عارض هذا رواية همام عن قتادة عن عطاء بن أبي رباح عن صفوان بن يعلي عن أبيه قال: قلت يا رسول الله أعارية مضمونة أو عارية مؤداة؟ قال: بل مؤداة، وهذا نص في نفي الضمان فلا يكون الرجوع إلى ما رووه في حديث شريك من إثبات الضمان بأولى مما في حديث قتادة من إسقاطه.
-
وقد وافق قتادة أبو الأحوص وجرير، ولم يوافق شريكًا أحد.
-
الخامس: أنا لو سلمنا ذكر الضمان لم يكن فيه دلالة، لأن عندنا العارية مضمونة الرد، وعندهم العارية مضمونة بالهلاك والخير يقتضي ثبوت الضمان، فليس ما يقولونه أولى منا نقوله. يبين ذلك: أن العارية اسم للعقد لا للعين. هذا هو الحقيقة، والعقد لا يوصف بالضمان، فلم يكن بد من الانصراف عن الظاهر فليس بأن يحمل على العين بأولى من حملنا له على الرد.
-
فإن قيل: النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الضمان صفة للعين.
-
قلنا: لم نسلم؛ لأنه وصف به العارية، والعارية ليست العين فلم يبق لهم ظاهر.
-
١/٣٢٨١١/٣٢٨١
فإن قيل: ضمان الرد قد فهم بقوله: مؤداة.
-
قلنا: مؤداة يقتضي وجوب الرد،
-
فأما ضمان أجرة المثل فلا يفيده.
-
ألا ترى أن الوديعة [أمانة] فالأمانات أمر الله تعالى بأدائها ولم يدل ذلك على ضمان أجرة الرد.
-
الجواب السادس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذه بغير رضاه، بدلالة قوله أغصبا تأخذها يا محمد؟ وهو رجل من أهل اللغة لا يسمي العارية المأخوذة بالإذن غصبًا، وإنما ذلك اسم للمأخوذ بغير إذن المالك، فبين له عليه الصلاة والسلام أن ذلك ليس بغصب، وإنما هو عارية أذن الشرع فيها مضمونة؛
-
لأنها أخذت بغير رضاه. وعندنا: للإمام إذا احتاج إلى السلاح أن يأخذه بغير طيب نفس أصحابه ويضمنه لهم.
-
فإن قيل: في الخبر استعار.
-
قلنا: استعار معناه طلب العارية،
-
وكذلك يفعل الإمام، فإذا امتنع المالك من الدفع أخذها بغير إذنه، وكانت عارية مباحة بالشرع، يتعلق بها الضمان.
-
الجواب السابع: أن أبا سعيد البردعي قال: إن العارية إذا شرط فيها الضمان ضمنت، وقد شرط عليه السلام الضمان.
-
قالوا: لو كان مقتضاها الأمانة لم يضمن بالشرط، كما لا يضمن الوديعة بالشرط.
-
١/٣٢٨٢١/٣٢٨٢
قلنا: الوديعة يمسكها لمنفعة صاحبها،
-
فلا يجوز أن يضمنها.
-
ولو ضمنها دفع بالضمان،
-
فلا معنى لإثباته، والعارية [يمسكها] لمنفعة يختص بها، فيصح إن شرط ضمانها، لأنه إذا ضمن لم يرجع بالضمان فكان في شرطه فائدة.
-
الجواب الثامن: قال محمد بن مقاتل الرازي: صفوان بن أمية كان كافرًا مستأمنًا، أخذت له زوجته الأمان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمستأمن في دارنا على حكم دار الحرب، يجوز له من الشرط ما لا يجوز للمسلمين ولهذا لا يلزم عليه الحدود لتبعيته على حكم الحرب، فلهذا شرط عليه الصلاة والسلام له ضمان العارية،
-
وإن كان ذلك لا يجوز اشتراطه للمسلمين.
-
وذكر الطحاوي في الاختلاف عن محمد بن عباس الرامي أنه تأول الخبر فقال: لأنه كان حربيًا فشرط ذلك له.
-
١/٣٢٨٣١/٣٢٨٣
فإن قيل: مكة يومئذ كانت دار الإسلام والشروط التي تجوز مع أهل الحرب إنما تجوز في دار الحرب.
-
قلنا: قد بينا أن المستأمن على حكم دار الحرب، فيصح أن يشترط معه ما لا يجوز للمسلمين، ولهذا يجوز للإمام أن يأخذ أموالهم رهينة،
-
وإن لم يجز ذلك مع المسلمين.
-
الجواب التاسع: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمن أهل مكة في أنفسهم بقوله: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن) ولم يتعرض لأموالهم بشيء فكانت موقوفة على حكم أموال أهل الحرب، فأخذها النبي - صلى الله عليه وسلم - على هذا الوجه، وشرط له الضمان بإبقائه على الإسلام، ولهذا جاز الأخذ بغير رضاه حتى قال: يا محمد؟
-
الجواب العاشر: إن محمد بن جرير الطبري ذكر أن هذه الأدرع لم
-
١/٣٢٨٤١/٣٢٨٤
تكن لصفوان وإنما كانت في يده لغيره، فأخذها النبي - صلى الله عليه وسلم - بإذن صفوان، فلم يسقط ضمانها في حق مالكها، فقال عليه الصلاة والسلام بل عارية مضمونة لهذا المعنى.
-
الجواب الحادي عشر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رد الأدرع فقد بعضها، فقال لصفوان: إن شئت غرمناها لك، فقال صفوان: لا أنا اليوم أرغب في الإسلام من ذلك اليوم،
-
ولو كانت مضمونة لم يخير صفوان في الضمان، ولم يقنع منه بقوله حتى يؤدى إليه المضمون أو يبرئه منه. يتبين ذلك أنه عليه الصلاة والسلام اقترض من عبد الله بن ربيعة ثلاثين ألف درهم، فلما أراد أن يعطيه أبى أن يقبل.
-
فقال عليه الصلاة والسلام: إنما جزاء القرض الوفاء والحمد.
-
احتجوا: بقوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله [قد] أعطى كل
-
١/٣٢٨٥١/٣٢٨٥
ذي حق حقه فلا وصية لوارث. العارية مضمونة والمنحة مردودة) وهذا الخبر ليس فيه ذكر الضمان.
-
ذكره الدارقطني وأبو داود،
-
وكذا رويناه، وجعلناه حجة لنا.
-
ولو ثبت حملناه على ضمان الرد، وعلى عارية المكيل والموزون، وعلى عارية الرهن للمرتهن بغير رضا المرتهن.
-
قالوا: روى قتادة عن الحسن عن سمرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: علي اليد ما أخذت حتى تؤديه.
-
قلنا: لا دلالة فيه، لأنه يقتضي وجوب رد المأخوذ، وهذا متفق عليه. والخلاف في رد البدل، والخبر لا يدل على ذلك.
-
١/٣٢٨٦١/٣٢٨٦
قالوا: روي أن عائشة رضي الله عنها استعارت قصعة وانكسرت فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يغرم لها قصعة مثلها.
-
قلنا: الذي روي أن صفية رضي الله عنها حملت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - طعامًا في قصعة فكسرتها عائشة رضي الله عنها، وليس يمتنع أن يكون كسرتها ويقال انكسرت، لأنهم يقولون كسرته فانكسر،
-
ولو ثبت أنها كانت عارية انكسرت بنفسها احتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بذلك على طريق حسن العشرة وتطمين القلب ولو كان على وجه الوجوب لضمنت بالقيمة، لأن القصعة لا تضمن بمثلها.
-
قالوا: روي عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهما قالا: العارية
-
١/٣٢٨٧١/٣٢٨٧
مضمونة ولا مخالف لهما.
-
قلنا: ذكر الطحاوي بإسناده عن علي - رضي الله عنه - أنه كان لا يضمن العارية، ويقول: هي معروف، وذكر عن ابن عمر عن عمر - رضي الله عنه - مثله.
-
قالوا: مقبوض بغير استحقاق لنفسه له الانتفاع به، فوجب أن يكون هلاكه من ضمانه، كالقرض.
-
وقولهم: بغير استحقاق احتراز من الإجارة والموصى بخدمته.
-
[وقولهم] : لنفسه احتراز من الشركة والمضاربة والوكالة.
-
[وقولهم] له الانتفاع به: احتراز من الوهن.
-
الجواب: أن القبض لا يستحق. إنما يخالف المستحق متى لم يكن جائزًا،
-
وأما إذا جاز القبض وأذن فيه فالاستحقاق/ وعدم الاستحقاق سواء، وينتقض
-
١/٣٢٨٨١/٣٢٨٨
بالمقبوض على سوم الإجارة إذا قال استعمله والأوصاف موجودة، ولا ضمان.
-
ومعنى قولنا: إنه مقبوض بنفسه أنه يقبضه حتى ينظر هل يصلح له أم لا؟ وهذه منفعة يختص بها ولا شبهة في أنه غير مضمون، لأنه مقبوض على سوم عقد لا يقتضي الضمان. والمعنى في القرض أنه قبضه ليتملكه بالعوض، فكان مضمونًا عليه.
-
والعارية قبضها بإذن مالكها لا يملكها ولا يقضي بها حقا عليه فلم يكن مضمونًا كالإجارة والوديعة. أو نقول: لفظ العوض موضوع لوجوب المثل. يقولون: الأيادي من فرض، بمعنى من أسدى معروفًا وجب له مثله.
-
وإذا اقتضى اللفظ وجوب المثل كان مضمونًا. والعارية أخذها بإذن مالكها، لا ليمتلكها ولا ليقضي بها حقا فلم تكن مضمونة.
-
قالوا: كل مال ضمن بالرد ضمن بالقبض، كالمأخوذ على سبيل السوم. وعكسه الوديعة والمضاربة والشركة والعين المستأجرة.
-
قلنا: يبطل بمن استأجر رجلا ليحمل له حمولة في منزله فالمتاع مضمون الرد على الحمال، وليس مضمون العين، [والحربي إذا غصب من المسلم مالًا فليس بمضمون العين] وهو مضمون الرد عندهم لأنه لا [يملكه] بالغلبة
-
وكذلك عن أصلهم إذا غصب صبيا حرًا فهو مضمون الرد عندهم، وليس بمضمون العين.
-
ولأن ضمان الرد إنما يجب لمعنى، وهو أن المالك لا منفعة له في قبض المستعير، وإنما انفرد بالمنفعة فلم يجز تكليف المالك مؤنة، وعليه ضمان العين للتعدي في الأجرة أو القبض للتمليك أو للقضاء، وهذا لم يوجد في العارية. والمعنى في المقبوض على وجه السوم أنه يشبه لو قبض به الموصى له ضمن، كذلك إذا قبض به غير الموصى له ضمن، بيانه: أن رجلًا لو أوصى أن يباع عبده من فلان، فمات الموصي، ودفع إلى الموصي له لينظر هل يصلح له أم لا، فهلك في يده كان مضمونًا عليه.
-
وأما العارية فهو تسليم العين على طريق التبرع بمنفعتها وهذا المعنى لو وقع إلى الموصى له لم تصر العين مضمونة عليه، كذلك إذا قبضها عن الموصى له علي ذلك الوجه لم تكن
-
١/٣٢٨٩١/٣٢٨٩
مضمونة عليه.
-
قالوا: مقبوض عن عقد لا يتضمن زوال الملك فوجب أن يكون هلاكه ممن تكملت المنفعة له كالوديعة.
-
قلنا: يبطل بالعبد الموصى بخدمته. ونقلب فنقول: ألا يكون مضمونًا على القابض، كالوديعة؟
-
قالوا: المستعير من الغاصب إذا ضمن لصاحبه لم يرجع على الغاصب. فوجب إذا قبضه من صاحبه لم يكن مضمونًا. أصله: القبض لشراء فاسد على سبيل السوم وغصبه من الغاصب. وتحريره أن كل ما قبضه من الغاصب ضمنه لصاحبه، ولم يرجع على الغاصب،
-
فإذا قبضه من صاحبه كان مضمونًا عليه، أصله ما ذكرنا.
-
قلنا: الرجوع فيما لزمه من الضمان ليس من وجوب الضمان في شيء، لأن الرجوع إنما يكون لأجل الغرور بإيجاب عقد فيه بدل أو يقتضي نفعه [ولا يوجد في قبض المستعير، لأن قبضه نفعه لمنفعة نفسه] بغير عوض؛ فلهذا لا يرجع.
-
وإنما عليه الضمان بأن يكون القبض وقع بغير رضا المالك أو على وجه التملك ببدل، أو قضاء الحق، وهذا لا يوجد في العارية.
-
فإن قيل: إذا كان قبض المستعير لنفسه فيجب أن يتعلق به الضمان، إذا أعار [الغاصب] أقبض المودع الذي وقع قبضه للمالك.
-
قلنا: يبطل هذا بقبض الموصى له الخدمة.
-
فإن قيل: هناك القبض مستحق بدلالة أن الورثة لا تملك الرجوع.
-
١/٣٢٩٠١/٣٢٩٠
قلنا: ليس بمستحق بدلالة أن الموجب له، وهو الموصي، يملك الرجوع فيه وإنما يتعذر عليه ما كان يملكه بموته ولم يتعذر على المعير،
-
فلا فرق بينهما. وأمس العلة المقبوض على وجه السوم وبيع فاسد، وقد بينا الفرق بين ذلك وبين العارية، وهو أن ذلك يشبه لو قبض به الموصى له كان مضمونًا وبدل المنافع على وجه التبرع سبب لو قبض به الموصي لم يكن مضمونًا،
-
وإن جعلوا الأصل الغصب.
-
والمعنى فيه أنه قبض تضمن به الأجزاء فضمنت به العين، وهذا القبض لا يضمن به الأجزاء على ما قدمنا فلا يضمن به العين. أو نقول المعنى في الغصب أنه مأخوذ على جهة التعدي فكان مضمونًا على القابض.
-
وفي مسألتنا مأخوذ بإذن المالك لينتفع بالعين ويردها، فلم يكن مضمونا كالمستأجر والموصى بخدمته.
-
قالوا: العارية على ضريين: عارية المكيل والموزون، وعارية المنافع،
-
فإذا كان يقتضي أحدهما الضمان كذلك الآخر.
-
١/٣٢٩١١/٣٢٩١
قلنا: عارية المكيل والموزون قرض عبر عنه بالعارية فله أحكام القرض،
-
وإن عبر عنه بغير عبارته، كما أن النكاح ينعقد عندنا بلفظ الهبة، ويكون له أحكام الأنكحة لا أحكام الهبات.