بَاب صَلَاة الْوتر
تحفة الفقهاءالحنفيةالمسائل ١٬٧٨٨ إلى ١٬٨٤٧
-
١/٢٠١١/٢٠١
فِي الْبَاب فُصُول مِنْهَا أَن الْوتر وَاجِب أم سنة وَاخْتلفت الرِّوَايَات فِيهِ عَن أبي حنيفَة
-
رُوِيَ أَنه فرض وَبِه أَخذ زفر
-
ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ بِأَنَّهُ سنة وَبِه أَخذ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ
-
ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ بِأَنَّهُ وَاجِب
-
وَحَاصِل ذَلِك مَا رُوِيَ عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَنه قَالَ ثَلَاث كتبت عَليّ وَلم تكْتب عَلَيْكُم الْوتر وَالضُّحَى وَالْأُضْحِيَّة
-
وَرُوِيَ عَنهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَيْضا أَنه قَالَ إِن الله تَعَالَى زادكم صَلَاة أَلا وَهِي الْوتر فصلوها مَا بَين الْعشَاء إِلَى طُلُوع الْفجْر وَالْأَمر للفرضية وَالْوُجُوب فَوَقع التَّعَارُض بَين الْحَدِيثين فَلَا تثبت الْفَرْضِيَّة وَالْوُجُوب بِالِاحْتِمَالِ
-
هَذَا عِنْدهم وَأَبُو حنيفَة يَقُول يُمكن الْجمع بَينهمَا لِأَن الْفَرْض غير الْوَاجِب فِي عرف الشَّرْع فالفرض مَا ثَبت وُجُوبه بِدَلِيل مَقْطُوع بِهِ وَالْوَاجِب مَا ثَبت وُجُوبه بِدَلِيل فِيهِ شُبْهَة نَحْو خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس وَالْوتر من هَذَا الْقَبِيل لِأَنَّهُ ثَبت بِخَبَر الْوَاحِد
-
١/٢٠٢١/٢٠٢
وَمِنْهَا بَيَان مِقْدَاره فعندنا الْوتر ثَلَاث رَكْعَات بِتَسْلِيمَة وَاحِدَة فِي الْأَوْقَات كلهَا
-
وَالشَّافِعِيّ قَالَ هُوَ بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ أوتر بِرَكْعَة أَو بِثَلَاث أَو بِخمْس أَو بِسبع أَو بتسع أَو بِإِحْدَى عشرَة رَكْعَة وَلَا يزِيد عَلَيْهَا
-
وَقَالَ الزُّهْرِيّ فِي شهر رَمَضَان ثَلَاث رَكْعَات وَفِي غَيره رَكْعَة
-
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لما رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة رَضِي الله عَنْهُم أَنهم قَالُوا كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُوتر بِثَلَاث رَكْعَات
-
وَمِنْهَا أَن يقْرَأ فِيهِ فِي الرَّكْعَات بِالثلَاثِ بِالْإِجْمَاع أما عِنْدهم فَلِأَنَّهُ نفل وَفِي النَّفْل تجب الْقِرَاءَة فِي الْكل
-
وَكَذَا على قَول أبي حنيفَة لِأَن الْوتر عِنْده وَاجِب وَالْوَاجِب مَا يحْتَمل أَنه نفل لَكِن ترجح جِهَة الْفَرْضِيَّة بِدَلِيل فِيهِ شُبْهَة فَكَانَ الِاحْتِيَاط فِيهِ بِوُجُوب الْقِرَاءَة فِي الْكل
-
وَلَا يَنْبَغِي أَن يقْرَأ سُورَة مُعينَة على الدَّوَام لِأَن الْفَرْض هُوَ مُطلق الْقِرَاءَة بقوله تَعَالَى {مَا تيَسّر من الْقُرْآن علم} وَالتَّعْيِين على الدَّوَام يُفْضِي إِلَى أَن يَعْتَقِدهُ بعض النَّاس وَاجِبا وَإنَّهُ لَا يجوز لَكِن قد ورد عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَنه قَرَأَ فِي الرَّكْعَة الأولى {سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى} وَفِي الثَّانِيَة {قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ}
-
وَفِي الثَّالِثَة {قل هُوَ الله أحد} فَمن قَرَأَهَا كَذَلِك أَحْيَانًا يكون حسنا وَلَكِن لَا يواظب عَلَيْهِ على مَا ذكرنَا
-
وَمِنْهَا أَن الْوتر يعم النَّاس أجمعمن الْحر وَالْعَبْد وَالذكر وَالْأُنْثَى
-
١/٢٠٣١/٢٠٣
بعد أَن كَانَ أَهلا للْوُجُوب لِأَن الدَّلِيل الَّذِي ورد فِي الْبَاب لَا يُوجب الْفَصْل
-
وَمِنْهَا أَن القنوتفي الْوتر فِي الرَّكْعَة الثَّالِثَة بعد الْقِرَاءَة قبل الرُّكُوع وَاجِب وَإِذا أَرَادَ أَن يقنت يكبر وَيرْفَع يَدَيْهِ حذاء أُذُنَيْهِ ثمَّ يقنت
-
وَالْكَلَام فِي الْقُنُوت فِي مَوَاضِع مِنْهَا أَنه إِذا أَرَادَ أَن يقنت يكبر لما رُوِيَ عنعليأنه كَانَ إِذا أَرَادَ الْقُنُوت كبر وقنت
-
وَمِنْهَا أَن يرفع يَدَيْهِ عِنْد التَّكْبِير لما رُوِيَ عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَنه قَالَ لَا ترفع الْأَيْدِي إِلَّا فِي سبع موطن وَذكر من جُمْلَتهَا الْقُنُوت
-
وَمِنْهَا أَن الْقُنُوت فِي الْوتر وَاجِب فِي جَمِيع الْأَوْقَات
-
وَقَالَ الشَّافِعِي يُؤْتى بِالْقُنُوتِ فِي النّصْف الْأَخير من شهر رَمَضَان لَا غير
-
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لما رُوِيَ عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس أَن كل وَاحِد مِنْهُم رَاعى صَلَاة رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام بِاللَّيْلِ فقنت قبل الرُّكُوع فَدلَّ أَنه كَانَ يَأْتِي بِهِ فِي الْأَوْقَات كلهَا
-
وَمِنْهَا مَحل الْقُنُوت عندنَا قبل الرُّكُوع
-
وَعند الشَّافِعِي بعد الرُّكُوع
-
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لما روينَا من حَدِيث الصَّحَابَة
-
وَمِنْهَا مِقْدَار الْقُنُوت ذكر فِي الْكتاب مِقْدَار سُورَة {إِذا السَّمَاء انشقت} أَو {وَالسَّمَاء ذَات البروج}
-
وَفِي بعض الرِّوَايَات مِقْدَار {إِذا السَّمَاء انشقت}
-
١/٢٠٤١/٢٠٤
-
وَالصَّحِيح هُوَ الأول فَإِن الْمَرْوِيّ عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فِي الْقُنُوت اللَّهُمَّ إِنَّا نستعينك واللهم أهدنا فِيمَن هديت وَكِلَاهُمَا على مِقْدَار إِحْدَى السورتين
-
وَلَا يَنْبَغِي أَن يقْتَصر على الدُّعَاء الْمَأْثُور اللَّهُمَّ إِنَّا نستعينك واللهم اهدنا كي لَا يتَوَهَّم الْعَوام أَنه فرض وَلَكِن إِذا أُتِي بِالدُّعَاءِ الْمَأْثُور فِي بعض الْأَوْقَات وَبِغَيْرِهِ فِي الْبَعْض فَحسن
-
وَمِنْهَا أَن يُرْسل الْيَدَيْنِ فِي حَال الْقُنُوت أَو يضع ذكر هَهُنَا أَنه يرسلهما
-
وَكَذَا ذكر الطَّحَاوِيّ فِي مُخْتَصره
-
وَكَذَا روى الْحسن عَن أبي حنيفَة
-
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه يبسط يَدَيْهِ بسطا نَحْو السَّمَاء
-
وَذكر مُحَمَّد فِي الأَصْل إِذا أَرَادَ أَن يقنت كبر وَرفع يَدَيْهِ حذاء أُذُنَيْهِ ناشرا أَصَابِعه ثمَّ يكفها وَقَالَ أَبُو بكر الإسكاف مَعْنَاهُ يضع يَمِينه على شِمَاله
-
وَرُوِيَ عَن أبي حنيفَة وَمُحَمّد فِي غير رِوَايَة الْأُصُول أَنه يضعهما
-
١/٢٠٥١/٢٠٥
وَقد تكلم الْمُتَأَخّرُونَ فِي هَذَا وَفِي كل قيام لَا قِرَاءَة فِيهِ كالقيام فِي حَال تَكْبِيرَات الْعِيدَيْنِ وَالْقِيَام فِي صَلَاة الْجِنَازَة وَالْقِيَام بعد الِافْتِتَاح إِلَى وَقت الْقِرَاءَة وَالْقِيَام بَين الرُّكُوع وَالسُّجُود إِذا كَانَ فِيهِ طول كَمَا فِي الْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ
-
وَأَجْمعُوا على الْوَضع فِي الْقيام فِي حَالَة الْقِرَاءَة
-
وَمن قَالَ بِالْوَضْعِ قَالَ إِن هَذَا أقرب إِلَى التَّعْظِيم كَمَا فِي الشَّاهِد
-
وَمن قَالَ بِالْإِرْسَال قَالَ فِي الْوَضع زِيَادَة فعل فَلَا يثبت من غير دَلِيل
-
وَقد ذكرنَا قبل هَذَا
-
وَمِنْهَا إِذا نسي الْقُنُوت حَتَّى ركع ثمَّ تذكر فِي الرُّكُوع فَإِنَّهُ يمْضِي على رُكُوعه وَلَا يعود إِلَى الْقيام ليقنت
-
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه يعود إِلَى الْقيام ويقنت كَمَا إِذا ترك الْفَاتِحَة أَو السُّورَة نَاسِيا وَركع فَلهُ أَن يعود إِلَى الْقيام ويقرأها
-
وَالصَّحِيح هُوَ الأول
-
وَالْفرق بَين الْقُنُوت وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة وَالسورَة أَن الرُّكُوع فرض وَقد شرع فِيهِ فَلَا ينْقضه لأجل الْقُنُوت وَهُوَ وَاجِب وَإِنَّمَا يجوز نقضه ليؤدى على وَجه الْكَمَال فَيجوز نقضه للتكميل كنقض الْمَسْجِد ليبنى أحسن مِنْهُ وَفِي قِرَاءَة الْفَاتِحَة وَالسورَة زِيَادَة الْكَمَال وأصل الْقِرَاءَة فرض لَا جَوَاز للركعة بِدُونِهِ فَأَما الْقُنُوت فدعاء والركعة لَهَا تَمام بِدُونِهِ وَلِهَذَا لم يشرع فِي كل رَكْعَة كالقراءة فِي النَّفْل فَلَو نقض يكون نقضا لَا للتكميل بل لأَدَاء الْوَاجِب وَنقض الْفَرْض لأَدَاء الْوَاجِب لَا يجوز
-
١/٢٠٦١/٢٠٦
وَكَذَا لَا يقنت فِي حَال الرُّكُوع
-
بِخِلَاف تَكْبِيرَات الْعِيدَيْنِ إِذا فَاتَت فِي حق الْمَسْبُوق وَأدْركَ الإِمَام فِي الرُّكُوع فَإِنَّهُ يكبر ويركع ثمَّ يَأْتِي بالتكبيرات فِي الرُّكُوع لِأَن الْقُنُوت لم يشرع إِلَّا فِي حَالَة مَحْض الْقيام فَأَما التَّكْبِيرَات فيشرع بَعْضهَا فِي حَال الرُّكُوع فَإِن تَكْبِير الرُّكُوع مَحْسُوب من تَكْبِيرَات الْعِيد فَيجوز أَدَاء الْكل عِنْد الْعذر
-
وَلَو رفع رَأسه من الرُّكُوع وأتى بِالْقُنُوتِ فَإِن عَلَيْهِ أَن يُعِيد الرُّكُوع
-
وَكَذَلِكَ إِذا رفع رَأسه وَعَاد إِلَى الْقيام وأتى بِقِرَاءَة الْفَاتِحَة أَو السُّورَة فَإِنَّهُ يُعِيد الرُّكُوع لِأَنَّهُ لما عَاد إِلَى الْقيام قَاصِدا أَدَاء الْفَاتِحَة وَالسورَة والقنوت وَمحل هَذِه الْوَاجِبَات قبل الرُّكُوع صَار ناقضا للرُّكُوع ضَرُورَة صِحَة أَدَائِهَا فَيجب عَلَيْهَا الْإِعَادَة
-
وفكر فِي شرح الطَّحَاوِيّ وَقَالَ إِذا ترك الْفَاتِحَة أَو السُّورَة أَو الْقُنُوت نَاسِيا وَركع لَهُ أَن يعود إِلَى الْقيام وَيَأْتِي بِالْكُلِّ وَيُعِيد الرُّكُوع وَلَكِن لَو ترك إِعَادَة الرُّكُوع هَل يُجزئهُ لَيْسَ فِيهِ رِوَايَة منصوصة
-
قَالَ وَكَانَ شَيخنَا يَقُول على قِيَاس قَول أَصْحَابنَا يجوز وعَلى قِيَاس قَول زفر لَا يجوز لِأَن الرُّكُوع حصل بعد الْقِرَاءَة فَجَاز وَالتَّرْتِيب فِي أَفعَال الصَّلَاة لَيْسَ بِشَرْط الْجَوَاز عندنَا وَعند زفر التَّرْتِيب فِي الْأَفْعَال شَرط
-
وَالصَّحِيح مَا ذكر هَهُنَا على مَا ذَكرْنَاهُ
-
وَمِنْهَا أَن الْوتر لَا يجوز أَدَاؤُهُ على الرَّاحِلَة من غير عذر يجوز بِهِ أَدَاء الْفَرَائِض عَلَيْهَا
-
أما على قَول أبي حنيفَة فَلَا يشكل لِأَن عِنْده الْوتر وَاجِب وَأَدَاء الْوَاجِبَات والفرائض على الرَّاحِلَة من غير عذر لَا يجوز
-
١/٢٠٧١/٢٠٧
وَأما على قَوْلهمَا الْوتر سنة لَكِن صَحَّ عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَنه كَانَ يتَنَفَّل على رَاحِلَة من غير عذر فِي اللَّيْل فَإِذا بلغ الْوتر ينزل فيوتر على الأَرْض
-
وَمِنْهَا الْكَلَام فِي وَقت الْوتر وَبَيَان الْوَقْت الْمُسْتَحبّ مِنْهُ وَقد ذَكرنَاهَا فِي بَيَان الْأَوْقَات
-
وَمِنْهَا الْقُنُوت بجهرية أم بخافت ذكر فِي شرح الطَّحَاوِيّ أَن الْمُنْفَرد بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ جهر وأسمع نَفسه وَإِن شَاءَ جهر وأسمع غَيره وَإِن شَاءَ أسر كَمَا ذكرنَا فِي الْقِرَاءَة وَإِن كَانَ إِمَامًا فَإِنَّهُ يجْهر بِالْقُنُوتِ وَلَكِن دون الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاة وَالْقَوْم يتابعونه كَذَلِك فِي الْقُنُوت إِلَى قَوْله إِن عذابك بالكفار مُلْحق
-
وَإِذا دَعَا بعد ذَلِك هَل يُتَابِعه الْقَوْم فِيهِ ذكر فِي الْفَتَاوَى اخْتِلَافا بَين أبي يُوسُف وَمُحَمّد فَفِي قولأبي يُوسُف يتابعونه وَفِي قَول مُحَمَّد لَا يتابعونه وَلَكنهُمْ يُؤمنُونَ
-
وَقَالَ مَشَايِخنَا بِأَن الْمُنْفَرد يخفي الْقُنُوت لَا محَالة وَلَا يجْهر وَلَا خِيَار لَهُ فِي ذَلِك وَأما الإِمَام فَقَالَ بعض مَشَايِخنَا بِأَنَّهُ يخفي أَيْضا مَعَ الْقَوْم لِأَن الأَصْل فِي الدُّعَاء هُوَ المخافتة قَالَ الله تَعَالَى {ادعوا ربكُم تضرعا وخفية} وَقَالَ بَعضهم يخفي وَلَكِن يرفع صَوته قَلِيلا ويؤمن الْقَوْم