Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

Hunting and slaughter

Food, oaths and vows

My school

These are the main texts as they are, not a comparison.To compare: the disputed masa’il of this chapter

In the four schools’ base texts

Hanafi
Another book
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعal-Kasani · 465 masa’il
  1. الْمَأْكُولِ وَغَيْرِ الْمَأْكُولِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ

  2. (كِتَابُ الذَّبَائِحِ وَالصُّيُودِ)

  3. نَحْتَاجُ فِي هَذَا الْكِتَابِ إلَى بَيَانِ الْمَأْكُولِ وَغَيْرِ الْمَأْكُولِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ، وَإِلَى بَيَانِ الْمَكْرُوهِ مِنْهَا، وَإِلَى بَيَانِ شَرَائِطِ حِلِّ الْأَكْلِ فِي الْمَأْكُولِ، وَإِلَى بَيَانِ مَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْحَيَوَانُ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يَعِيشُ فِي الْبَحْرِ، وَنَوْعٌ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ أَمَّا الَّذِي يَعِيشُ فِي الْبَحْرِ فَجَمِيعُ مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ الْحَيَوَانِ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ إلَّا السَّمَكَ خَاصَّةً فَإِنَّهُ يَحِلُّ أَكْلُهُ إلَّا مَا طَفَا مِنْهُ وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا رضي الله عنهم ، وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى رحمهم الله إنَّهُ يَحِلُّ أَكْلُ مَا سِوَى السَّمَكِ مِنْ الضُّفْدَعِ، وَالسَّرَطَانِ، وَحَيَّةِ الْمَاءِ وَكَلْبِهِ وَخِنْزِيرِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ لَكِنْ بِالذَّكَاةِ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ رحمه الله إلَّا فِي إنْسَانِ الْمَاءِ وَخِنْزِيرِهِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : يَحِلُّ جَمِيعُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ وَأَخْذُهُ ذَكَاتَهُ، وَيَحِلُّ أَكْلُ السَّمَكِ الطَّافِي.

  4. أَمَّا الْكَلَامُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَهُمْ احْتَجُّوا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ وَاسْمُ الصَّيْدِ يَقَعُ عَلَى مَا سِوَى السَّمَكِ مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْكُلُّ حَلَالًا، وَبِقَوْلِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام حِينَ «سُئِلَ عَنْ الْبَحْرِ فَقَالَ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ» وَصَفَ مَيْتَةَ الْبَحْرِ بِالْحِلِّ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ السَّمَكِ وَغَيْرِهِ، وَلَنَا قَوْلُهُ تبارك وتعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْبَرِّيِّ وَالْبَحْرِيِّ، وَقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وَالضُّفْدَعُ وَالسَّرَطَانُ وَالْحَيَّةُ وَنَحْوُهَا مِنْ الْخَبَائِثِ وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «سُئِلَ عَنْ ضُفْدَعٍ يُجْعَلُ شَحْمُهُ فِي الدَّوَاءِ فَنَهَى عليه الصلاة والسلام عَنْ قَتْلِ الضَّفَادِعِ» وَذَلِكَ نَهْيٌ عَنْ أَكْلِهِ.

  5. وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا سُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : «خَبِيثَةٌ مِنْ الْخَبَائِثِ» وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الصَّيْدِ الْمَذْكُورِ هُوَ فِعْلُ الصَّيْدِ وَهُوَ الِاصْطِيَادُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الصَّيْدُ حَقِيقَةً لَا الْمِصْيَدُ؛ لِأَنَّهُ مَفْعُولُ فِعْلِ الصَّيْدِ، وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْفِعْلِ يَكُونُ مَجَازًا وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْ حَقِيقَةِ اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ؛

  6. وَلِأَنَّ الصَّيْدَ اسْمٌ لِمَا يَتَوَحَّشُ وَيَمْتَنِعُ وَلَا يُمْكِنُ أَخْذُهُ إلَّا بِحِيلَةٍ إمَّا لِطَيَرَانِهِ أَوْ لِعَدْوِهِ وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ حَالَةَ الِاصْطِيَادِ لَا بَعْدَ الْأَخْذِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ لَحْمًا بَعْدَهُ وَلَمْ يَبْقَ صَيْدًا حَقِيقَةً لِانْعِدَامِ مَعْنَى الصَّيْدِ وَهُوَ التَّوَحُّشُ وَالِامْتِنَاعُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ وَالْمُرَادُ مِنْهُ الِاصْطِيَادُ مِنْ الْمُحْرِمِ لَا أَكْلُ الصَّيْدِ؛

  7. لِأَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لِلْمُحْرِمِ إذَا لَمْ يَصْطَدْهُ بِنَفْسِهِ وَلَا غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِي الْآيَةِ

  8. عَلَى إبَاحَةِ الْأَكْلِ بَلْ خَرَجَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الِاصْطِيَادِ فِي الْبَحْرِ وَبَيْنَ الِاصْطِيَادِ فِي الْبَرِّ لِلْمُحْرِمِ.

  9. وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ السَّمَكُ خَاصَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: الْمَيْتَتَانِ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ، وَالدَّمَانِ الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» فُسِّرَ عليه الصلاة والسلام بِالسَّمَكِ وَالْجَرَادِ فَدَلَّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا السَّمَكُ وَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى السَّمَكِ وَتَخْصِيصِهِ بِمَا تَلَوْنَا مِنْ الْآيَةِ وَرَوَيْنَا مِنْ الْخَبَرِ.

  10. (وَأَمَّا) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الطَّافِي فَالشَّافِعِيُّ رحمه الله احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ أَيْ: أُحِلَّ لَكُمْ طَعَامُهُ وَهَذَا يَتَنَاوَلُ مَا صِيدَ مِنْهُ وَمَا لَمْ يُصَدْ وَالطَّافِي لَمْ يُصَدْ فَيَتَنَاوَلُهُ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام فِي صِفَةِ الْبَحْرِ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ» وَأَحَقُّ مَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْمَيْتَةِ الطَّافِي؛

  11. لِأَنَّهُ الْمَيِّتُ حَقِيقَةً وَبِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ الْمَيْتَتَانِ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ» فَسَّرَ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام الْمَيْتَةَ بِالسَّمَكِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الطَّافِي وَغَيْرِهِ.

  12. وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ أَكْلِ الطَّافِي» وَعَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: لَا تَبِيعُوا فِي أَسْوَاقِنَا الطَّافِيَ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: مَا دَسَرَهُ الْبَحْرُ فَكُلْهُ وَمَا وَجَدْتَهُ يَطْفُو عَلَى الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْهُ.

  13. وَأَمَّا الْآيَةُ فَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ مَا قَذَفَهُ الْبَحْرُ إلَى الشَّطِّ فَمَاتَ كَذَا قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ وَذَلِكَ حَلَالٌ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَافٍ إنَّمَا الطَّافِي اسْمٌ لِمَا مَاتَ فِي الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ آفَةٍ وَسَبَبٍ حَادِثٍ وَهَذَا مَاتَ بِسَبَبٍ حَادِثٍ وَهُوَ قَذْفُ الْبَحْرِ فَلَا يَكُونُ طَافِيًا وَالْمُرَادُ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ غَيْرُ الطَّافِي لِمَا ذَكَرْنَا ثُمَّ السَّمَكُ الطَّافِي الَّذِي لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ عِنْدَنَا هُوَ الَّذِي يَمُوتُ فِي الْمَاءِ حَتْفَ أَنْفِهِ بِغَيْرِ سَبَبٍ حَادِثٍ مِنْهُ سَوَاءٌ عَلَا عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ أَوْ لَمْ يَعْلُ بَعْدَ أَنْ مَاتَ فِي الْمَاءِ حَتْفَ أَنْفِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ حَادِثٍ، وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: هُوَ الَّذِي يَمُوتُ فِي الْمَاءِ بِسَبَبٍ حَادِثٍ وَيَعْلُو عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ فَإِنْ لَمْ يَعْلُ يَحِلُّ،

  14. وَالصَّحِيحُ هُوَ الْحَدُّ الْأَوَّلُ وَتَسْمِيَتُهُ طَافِيًا لِعُلُوِّهِ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ عَادَةً.

  15. وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي السَّمَكِ إذَا كَانَ بَعْضُهَا فِي الْمَاءِ وَبَعْضُهَا عَلَى الْأَرْضِ إنْ كَانَ رَأْسُهَا عَلَى الْأَرْضِ أُكِلَتْ وَإِنْ كَانَ رَأْسُهَا أَوْ أَكْثَرُهُ فِي الْمَاءِ لَمْ تُؤْكَلْ؛ لِأَنَّ رَأْسَهَا مَوْضِعُ نَفَسِهَا فَإِذَا كَانَ خَارِجًا مِنْ الْمَاءِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ حَادِثٍ وَإِذَا كَانَ فِي الْمَاءِ أَوْ أَكْثَرُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَاتَ فِي الْمَاءِ بِغَيْرِ سَبَبٍ وَقَالُوا فِي سَمَكَةٍ ابْتَلَعَتْ سَمَكَةً أُخْرَى أَنَّهَا تُؤْكَلُ؛

  16. لِأَنَّهَا مَاتَتْ بِسَبَبٍ حَادِثٍ.

  17. وَلَوْ مَاتَ مِنْ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَكَدَرِ الْمَاءِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةٍ لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ وَكَدَرَ الْمَاءِ لَيْسَ مِنْ أَسْبَابِ الْمَوْتِ ظَاهِرًا فَلَمْ يُوجَدْ الْمَوْتُ بِسَبَبٍ حَادِثٍ يُوجِبُ الْمَوْتَ ظَاهِرًا أَوْ غَالِبًا فَلَا يُؤْكَلُ وَفِي رِوَايَةٍ يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أَسْبَابُ الْمَوْتِ فِي الْجُمْلَةِ فَقَدْ وُجِدَ الْمَوْتُ بِسَبَبٍ حَادِثٍ فَلَمْ يَكُنْ طَافِيًا فَيُؤْكَلُ وَيَسْتَوِي فِي حِلِّ الْأَكْلِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ السَّمَكِ مِنْ الْجِرِّيثِ وَالْمَارْمَاهِيِّ وَغَيْرِهِمَا؛

  18. لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلَائِلِ فِي إبَاحَةِ السَّمَكِ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ سَمَكٍ وَسَمَكٍ إلَّا مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما إبَاحَةُ الْجِرِّيثِ وَالسَّمَكِ الذَّكَرِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِمَا خِلَافُ ذَلِكَ فَيَكُونُ إجْمَاعًا.

  19. (وَأَمَّا) الَّذِي يَعِيشُ فِي الْبَرِّ فَأَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ: مَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ أَصْلًا، وَمَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ، وَمَا لَهُ دَمٌ سَائِلٌ مِثْلُ الْجَرَادِ وَالزُّنْبُورِ وَالذُّبَابِ وَالْعَنْكَبُوتِ وَالْعَضَّابَةِ وَالْخُنْفُسَاءِ وَالْبُغَاثَةِ وَالْعَقْرَبِ.

  20. وَنَحْوِهَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ إلَّا الْجَرَادَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْخَبَائِثِ لِاسْتِبْعَادِ الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ إيَّاهَا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تبارك وتعالى ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ إلَّا أَنَّ الْجَرَادَ خُصَّ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ» فَبَقِيَ عَلَى ظَاهِرِ الْعُمُومِ.

  21. وَكَذَلِكَ مَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ مِثْلُ الْحَيَّةِ وَالْوَزَغِ وَسَامِّ أَبْرَصَ وَجَمِيعِ الْحَشَرَاتِ وَهَوَامِّ الْأَرْضِ مِنْ الْفَأْرِ وَالْقُرَادِ وَالْقَنَافِذِ وَالضَّبِّ وَالْيَرْبُوعِ وَابْنِ عِرْسٍ وَنَحْوِهَا،

  22. وَلَا خِلَافَ فِي حُرْمَةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إلَّا فِي الضَّبِّ فَإِنَّهُ حَلَالٌ عَنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: «أَكَلْت عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَحْمَ ضَبٍّ» وَعَنْ ابْنِ سَيِّدِنَا عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُ نَفْسِي تَعَافُهُ فَلَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ» وَهَذَا نَصٌّ عَلَى عَدَمِ الْحُرْمَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِشَارَةٌ إلَى الْكَرَاهَةِ الطَّبِيعِيَّةِ.

  23. (وَلَنَا) قَوْلُهُ تبارك وتعالى ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وَالضَّبُّ مِنْ الْخَبَائِثِ وَرُوِيَ عَنْ سَيِّدَتِنَا عَائِشَةَ رضي الله عنها «أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام

  24. أُهْدِيَ إلَيْهِ لَحْمُ ضَبٍّ فَامْتَنَعَ أَنْ يَأْكُلَهُ فَجَاءَتْ سَائِلَةٌ فَأَرَادَتْ سَيِّدَتُنَا عَائِشَةُ رضي الله عنها أَنْ تُطْعِمَهَا إيَّاهُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتُطْعِمِينَ مَا لَا تَأْكُلِينَ؟»

  25. وَلَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ امْتِنَاعُهُ لِمَا أَنَّ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ عَافَتْهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا مَنَعَ مِنْ التَّصَدُّقِ بِهِ كَشَاةِ الْأَنْصَارِ إنَّهُ لَمَّا امْتَنَعَ مِنْ أَكْلِهَا أَمَرَ بِالتَّصَدُّقِ بِهَا؛ وَلِأَنَّ الضَّبَّ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسُوخِ وَالْمُسُوخُ مُحَرَّمَةٌ كَالدُّبِّ وَالْقِرْدِ وَالْفِيلِ فِيمَا قِيلَ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ الضَّبِّ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام إنَّ أُمَّةً مُسِخَتْ فِي الْأَرْضِ وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْهَا» وَهَكَذَا رُوِيَ «عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا فِي بَعْضِ الْمَغَازِي فَأَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ فَنَزَلْنَا فِي أَرْضٍ كَثِيرَةِ الضَّبَابِ فَنَصَبْنَا الْقُدُورَ وَكَانَتْ الْقُدُورُ تَغْلِي إذْ جَاءَ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام فَقَالَ: مَا هَذَا؟

  26. قُلْنَا الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : إنَّ أُمَّةً مُسِخَتْ فَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْهَا فَأَمَرَ بِإِلْقَاءِ الْقُدُورِ» ، وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما وَمَا رَوَيْنَا فَهُوَ خَاطِرٌ وَالْعَمَلُ بِالْخَاطِرِ أَوْلَى.

  27. وَمَا لَهُ دَمٌ سَائِلٌ نَوْعَانِ: مُسْتَأْنِسٌ وَمُسْتَوْحِشٌ أَمَّا الْمُسْتَأْنِسُ مِنْ الْبَهَائِمِ فَنَحْوُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ بِالْإِجْمَاعِ وَبِقَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ، وَقَوْلِهِ سبحانه وتعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ وَاسْمُ الْأَنْعَامِ يَقَعُ عَلَى هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَلَا تَحِلُّ الْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى -.

  28. وَحُكِيَ عَنْ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ رحمه الله أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْحِمَارِ وَاحْتَجَّ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ عز وجل ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَمِيرَ الْإِنْسِيَّةَ.

  29. وَرُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام وَقَالَ: إنَّهُ فَنِيَ مَالِي وَلَمْ يَبْقَ لِي إلَّا الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ، فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : كُلْ مِنْ سَمِينِ مَالِكَ فَإِنِّي إنَّمَا كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ جَلَّالِ الْقَرْيَةِ» .

  30. وَرُوِيَ " عَنْ جَوَالِّ الْقُرَى " بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَرُوِيَ «فَإِنَّمَا قَذِرْتُ لَكُمْ جَالَّةُ الْقَرْيَةِ» .

  31. (وَلَنَا) قَوْلُهُ تبارك وتعالى ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ ، وَسَنَذْكُرُ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

  32. وَرَوَى أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَعَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ» .

  33. وَرُوِيَ «أَنَّ سَيِّدَنَا عَلِيًّا رضي الله عنه قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما وَهُوَ يُفْتِي النَّاسَ فِي الْمُتْعَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ فَرَجَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنْ ذَلِكَ» وَرُوِيَ أَنَّهُ «قِيلَ لِلنَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام يَوْمَ خَيْبَرَ أُكِلَتْ الْحُمُرُ فَأَمَرَ أَبَا طَلْحَةَ رضي الله عنه يُنَادِي: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَاكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ فَإِنَّهَا رِجْزٌ» وَرُوِيَ فَإِنَّهَا رِجْسٌ وَهَذِهِ أَخْبَارٌ مُسْتَفِيضَةٌ عَرَفَهَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ وَقَبِلُوهَا وَعَمِلُوا بِهَا وَظَهَرَ الْعَمَلُ بِهَا.

  34. وَأَمَّا الْآيَةُ فَقَدْ اُخْتُصَّ مِنْهَا أَشْيَاءُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ فِيهَا فَيَخْتَصُّ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلَائِلِ مَعَ أَنَّ مَا رَوَيْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ مَشْهُورَةٌ وَيَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْخَبَرِ الْمَشْهُودِ وَعَلَى أَنَّ فِي الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ سِوَى الْمَذْكُورِ فِيهَا وَقْتَ نُزُولِهَا؛

  35. لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْفِعْلِ هُوَ الْحَالُ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ نُزُولِ الْآيَةِ تَحْرِيمُ سِوَى الْمَذْكُورِ فِيهَا،

  36. ثُمَّ حَرَّمَ مَا حَرَّمَ بَعْدُ عَلَى أَنَّا نَقُولُ بِمُوجِبِ الْآيَةِ: لَا مُحَرَّمَ سِوَى الْمَذْكُورِ فِيهَا وَنَحْنُ لَا نُطْلِقُ اسْمَ الْمُحَرَّمِ عَلَى لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ إذْ الْمُحَرَّمُ الْمُطْلَقُ مَا تَثْبُتُ حُرْمَتُهُ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ،

  37. فَأَمَّا مَا كَانَتْ حُرْمَتُهُ مَحَلَّ الِاجْتِهَادِ فَلَا يُسَمَّى مُحَرَّمًا عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ نُسَمِّيهِ مَكْرُوهًا فَنَقُولُ بِوُجُوبِ الِامْتِنَاعِ عَنْ أَكْلِهَا عَمَلًا مَعَ التَّوَقُّفِ فِي اعْتِقَادِ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ.

  38. وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «كُلْ مِنْ سَمِينِ مَالِكَ» أَيْ: مِنْ أَثْمَانِهَا كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ أَكَلَ عَقَارَهُ أَيْ: ثَمَنَ عَقَارِهِ وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إطْلَاقًا لِلِانْتِفَاعِ بِظُهُورِهَا بِالْإِكْرَاءِ كَمَا يُحْمَلُ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا عَمَلًا بِالدَّلَائِلِ كُلِّهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ فَانْفَسَخَ بِمَا ذَكَرْنَا وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ فَالْعَمَلُ بِالْخَاطِرِ أَوْلَى احْتِيَاطًا،

  39. فَإِنْ قِيلَ مَا رَوَيْتُمْ يَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «نَهَى عَنْ أَكْلِ الْحُمُرِ يَوْمَ خَيْبَرَ» ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ غَنِيمَةً مِنْ الْخُمُسِ أَوْ لِقِلَّةِ الظَّهْرِ أَوْ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ جَلَّالَةً فَوَقَعَ التَّعَارُضُ وَالْجَوَابُ أَنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ مَحْمَلًا.

  40. (أَمَّا) الْأَوَّلُ؛ فَلِأَنَّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْجُنْدُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ الْخُمْسُ كَالطَّعَامِ وَالْعَلَفِ.

  41. (وَأَمَّا) الثَّانِي؛ فَلِأَنَّ الْمَرْوِيَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ

  42. ﷺ أَمَرَ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الظَّهْرِ.

  43. (وَأَمَّا) الثَّالِثُ؛ فَلِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام خَصَّ النَّهْيَ بِالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَخْتَصُّ بِالْحُمُرِ بَلْ يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا.

  44. (وَأَمَّا) لَحْمُ الْخَيْلِ فَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رضي الله عنه : يُكْرَهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا يُكْرَهُ، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله وَاحْتَجَّا بِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: «أَكَلْنَا لَحْمَ فَرَسٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَذِنَ فِي الْخَيْلِ» وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: «أَطْعَمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُحُومَ الْخَيْلِ وَنَهَانَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ» وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «كُنَّا قَدْ جَعَلْنَا فِي قُدُورِنَا لَحْمَ الْخَيْلِ وَلَحْمَ الْحِمَارِ فَنَهَانَا النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام أَنْ نَأْكُلَ لَحْمَ الْحِمَارِ وَأَمَرَنَا أَنْ نَأْكُلَ لَحْمَ الْخَيْلِ» ، وَعَنْ سَيِّدَتِنَا أَسْمَاءَ بِنْتِ سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنهما أَنَّهَا قَالَتْ: «نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَكَلْنَاهُ» وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَدَلَالَةُ الْإِجْمَاعِ.

  45. (أَمَّا) الْكِتَابُ الْعَزِيزُ فَقَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ .

  46. (وَوَجْهُ) الِاسْتِدْلَالِ بِهِ مَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ لَحْمِ الْخَيْلِ فَقَرَأَ بِهَذِهِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ وَقَالَ: وَلَمْ يَقُلْ تبارك وتعالى لِتَأْكُلُوهَا فَيُكْرَهُ أَكْلُهَا وَتَمَامُ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى ذَكَرَ الْأَنْعَامَ فِيمَا تَقَدَّمَ وَمَنَافِعَهَا وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ .

  47. وَكَذَا ذَكَرَ فِيمَا بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ مُتَّصِلًا بِهَا مَنَافِعَ الْمَاءِ الْمُنْزَلِ مِنْ السَّمَاءِ، وَالْمَنَافِعَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَالْمَنَافِعَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْبَحْرِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ بَيَانَ شِفَاءٍ لَا بَيَانَ كِفَايَةٍ، وَذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ سبحانه وتعالى خَلَقَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِلرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ، ذَكَرَ مَنْفَعَةَ الرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ سبحانه وتعالى مَنْفَعَةَ الْأَكْلِ فَدَلَّ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ أُخْرَى سِوَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ مَنْفَعَةٌ أُخْرَى سِوَى مَا ذَكَرْنَا لَمْ يُحْتَمَلْ أَنْ لَا نَذْكُرُهَا عِنْدَ ذِكْرِ الْمَنَافِعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ وَالِاسْتِقْصَاءِ، وَقَوْلُهُ عز وجل ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وَلَحْمُ الْخَيْلِ لَيْسَ بِطَيِّبٍ بَلْ هُوَ خَبِيثٌ؛

  48. لِأَنَّ الطِّبَاعَ السَّلِيمَةَ لَا تَسْتَطِيبُهُ بَلْ تَسْتَخْبِثُهُ حَتَّى لَا تَجِدَ أَحَدًا تُرِكَ بِطَبْعِهِ إلَّا وَيَسْتَخْبِثُهُ وَيُنَقِّي طَبْعَهُ عَنْ أَكْلِهِ وَإِنَّمَا يَرْغَبُونَ فِي رُكُوبِهِ أَلَا يَرْغَبُ طَبْعُهُ فِيمَا كَانَ مَجْبُولًا عَلَيْهِ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا جَاءَ بِإِحْلَالِ مَا هُوَ مُسْتَطَابٌ فِي الطَّبْعِ لَا بِمَا هُوَ مُسْتَخْبَثٌ وَلِهَذَا لَمْ يَجْعَلْ الْمُسْتَخْبَثَ فِي الطَّبْعِ غِذَاءَ الْيُسْرِ وَإِنَّمَا جَعَلَ مَا هُوَ مُسْتَطَابٌ بَلَغَ فِي الطِّيبِ غَايَتُهُ.

  49. (وَأَمَّا) السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ فَأَخَذُوا الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةَ فَذَبَحُوهَا فَحَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُحُومَ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ، وَلُحُومَ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ، وَكُلَّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ، وَحَرَّمَ الْخِلْسَةَ وَالنُّهْبَةَ» وَعَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ» ، وَعَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام قَالَ «حُرِّمَ عَلَيْكُمْ الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ وَخَيْلُهَا» وَهَذَا نَصٌّ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ فَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَلِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ وِزْرٌ» صَلَحَتْ لِلْأَكْلِ لَقَالَ عليه الصلاة والسلام : الْخَيْلُ لِأَرْبَعَةٍ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَلِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلِ وِزْرٌ وَلِرَجُلٍ طَعَامٌ.

  50. (وَأَمَّا) دَلَالَةُ الْإِجْمَاعِ فَهِيَ أَنَّ الْبَغْلَ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ وَلَدُ الْفَرَسِ فَلَوْ كَانَتْ أُمُّهُ حَلَالًا لَكَانَ هُوَ حَلَالًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْوَلَدِ حُكْمُ أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْهَا وَهُوَ كَبَعْضِهَا.

  51. أَلَا تَرَى أَنَّ حِمَارَ وَحْشٍ لَوْ نُزِّيَ عَلَى حِمَارَةٍ أَهْلِيَّةٍ فَوَلَدَتْ لَمْ يُؤْكَلْ وَلَدُهَا؟ ،

  52. وَلَوْ نَزَا حِمَارٌ أَهْلِيٌّ عَلَى حِمَارَةٍ وَحْشِيَّةٍ وَوَلَدَتْ يُؤْكَلُ وَلَدُهَا؟ لِيُعْلَمَ أَنَّ حُكْمَ الْوَلَدِ حُكْمُ أُمِّهِ فِي الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ دُونَ الْفَحْلِ فَلَمَّا كَانَ لَحْمُ الْفَرَسِ حَرَامًا كَانَ لَحْمُ الْبَغْلِ كَذَلِكَ، وَمَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ جَابِرٍ وَمَا فِي رِوَايَةِ سَيِّدَتِنَا أَسْمَاءَ رضي الله عنها يُحْتَمَل أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ فِي الْحَالِ الَّتِي كَانَ يُؤْكَلُ فِيهَا الْحُمُرُ؛

  53. لِأَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام إنَّمَا نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَكَانَتْ الْخَيْلُ تُؤْكَلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ثُمَّ حُرِّمَتْ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا عَلِمْنَا الْخَيْلَ أُكِلَتْ إلَّا فِي حِصَارٍ، وَعَنْ الْحَسَنِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ

  54. كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُونَ لُحُومَ الْخَيْلِ فِي مَغَازِيهِمْ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَهَا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ كَمَا قَالَ الزُّهْرِيُّ رحمه الله ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى هَذَا عَمَلًا بِالدَّلِيلِ صِيَانَةً لَهَا عَنْ التَّنَاقُضِ أَوْ يَتَرَجَّحُ الْحَاظِرُ عَلَى الْمُبِيحِ احْتِيَاطًا وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا حُجَجُ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ أَنَّهُ يَحْرُمُ أَكْلُ لَحْمِ الْخَيْلِ.

  55. (وَأَمَّا) عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ يُكْرَهُ أَكْلُهُ وَلَمْ يُطْلَقْ التَّحْرِيمُ لِاخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِي الْبَابِ وَاخْتِلَافِ السَّلَفِ فَكُرِهَ أَكْلُ لَحْمِهِ احْتِيَاطًا لِبَابِ الْحُرْمَةِ.

  56. وَأَمَّا الْمُتَوَحِّشُ مِنْهَا نَحْوُ الظِّبَاءِ وَبَقَرِ الْوَحْشِ وَحُمُرِ الْوَحْشِ وَإِبِلِ الْوَحْشِ فَحَلَالٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَلِقَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ وَقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ ، وَقَوْلُهُ سبحانه وتعالى ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وَلُحُومُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ الطَّيِّبَاتِ فَكَانَ حَلَالًا وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ فَقَالَ: الْأَهْلِيَّةُ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ» فَدَلَّ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى اخْتِلَافِ حُكْمِ الْأَهْلِيَّةِ وَالْوَحْشِيَّةِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَهْلِيَّةِ الْحُرْمَةُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلَائِلِ فَكَانَ حُكْمُ الْوَحْشِيَّةِ الْحِلَّ ضَرُورَةً وَرُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ فِهْرٍ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام وَهُوَ بِالرَّوْحَاءِ وَمَعَ الرَّجُلِ حِمَارٌ وَحْشِيٌّ عَقَرَهُ فَقَالَ: هَذِهِ رَمْيَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهِيَ لَكَ فَقَبِلَهُ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام وَأَمَرَ سَيِّدَنَا أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه فَقَسَمَهُ بَيْنَ الرِّفَاقِ» ، وَالْحَدِيثُ وَإِنْ وَرَدَ فِي حِمَارِ الْوَحْشِ لَكِنَّ إحْلَالَ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ إحْلَالٌ لِلظَّبْيِ وَالْبَقَرِ الْوَحْشِيِّ وَالْإِبِلِ الْوَحْشِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى؛

  57. لِأَنَّ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ مِنْ الْأَهْلِيِّ مَا هُوَ حَلَالٌ بَلْ هُوَ حَرَامٌ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنْ جِنْسِهَا مِنْ الْأَهْلِيِّ مَا هُوَ حَلَالٌ فَكَانَتْ أَوْلَى بِالْحِلِّ.

  58. وَأَمَّا الْمُسْتَأْنِسُ مِنْ السِّبَاعِ وَهُوَ الْكَلْبُ وَالسِّنَّوْرُ الْأَهْلِيُّ فَلَا يَحِلُّ

  59. وَكَذَلِكَ الْمُتَوَحِّشُ مِنْهَا الْمُسَمَّى بِسِبَاعِ الْوَحْشِ وَالطَّيْرِ وَهُوَ كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ لِمَا رُوِيَ فِي الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» ، وَعَنْ الزُّهْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ حَرَامٌ» فَذُو النَّابِ مِنْ سِبَاعِ الْوَحْشِ مِثْلُ الْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالضَّبُعِ وَالنَّمِرِ وَالْفَهْدِ وَالثَّعْلَبِ وَالسِّنَّوْرِ الْبَرِّيِّ وَالسِّنْجَابِ وَالْفَنَكِ وَالسَّمُّورِ وَالدَّلَقِ وَالدُّبِّ وَالْقِرْدِ وَالْفِيلِ وَنَحْوِهَا فَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ إلَّا الضَّبُعَ فَإِنَّهُ حَلَالٌ عِنْدَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ «قَالَ: فِي الضَّبُعِ كَبْشٌ، فَقُلْت لَهُ: أَهُوَ صَيْدٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقُلْت: يُؤْكَلُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقُلْت: أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ؟ ﷺ فَقَالَ: نَعَمْ» .

  60. (وَلَنَا) أَنَّ الضَّبُعَ سَبُعٌ ذُو نَابٍ فَيَدْخُلُ تَحْتَ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ وَمَا رُوِيَ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ فَالْعَمَلُ بِالْمَشْهُورِ أَوْلَى عَلَى أَنَّ مَا رَوَيْنَا مُحَرِّمٌ وَمَا رَوَاهُ مُحَلِّلٌ وَالْمُحَرِّمُ يَقْضِي عَلَى الْمُبِيحِ احْتِيَاطًا وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْأَرْنَبِ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَهْدَى لَهُ أَعْرَابِيٌّ أَرْنَبَةً مَشْوِيَّةً فَقَالَ: لِأَصْحَابِهِ كُلُوا» ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَفْوَانَ أَوْ صَفْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: «أَصَبْت أَرْنَبَتَيْنِ فَذَبَحْتُهُمَا بِمَرْوَةِ وَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَنِي بِأَكْلِهِمَا» .

  61. وَذُو الْمِخْلَبِ مِنْ الطَّيْرِ كَالْبَازِي وَالْبَاشَقِ وَالصَّقْرِ وَالشَّاهِينِ وَالْحِدَأَةِ وَالنَّعَّابِ وَالنَّسْرِ وَالْعُقَابِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَيَدْخُلُ تَحْتَ نَهْيِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام عَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ وَرُوِيَ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ كُلِّ ذِي خَطْفَةٍ وَنُهْبَةٍ وَمُجَثَّمَةٍ وَعَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ الطَّيْرِ وَالْمُجَثَّمَةِ» رُوِيَ بِكَسْرِ الثَّاءِ وَفَتْحِهَا مِنْ الْجُثُومِ وَهُوَ تَلَبُّدُ الطَّائِرِ الَّذِي مِنْ عَادَتِهِ الْجُثُومُ عَلَى غَيْرِهِ لِيَقْتُلَهُ وَهُوَ السِّبَاعُ مِنْ الطَّيْرِ فَيَكُونُ نَهْيًا عَلَى أَكْلِ كُلِّ طَيْرٍ هَذَا عَادَتُهُ وَبِالْفَتْحِ هُوَ الصَّيْدُ الَّذِي يَجْثُمُ عَلَيْهِ طَائِرٌ فَيَقْتُلُهُ فَيَكُونُ نَهْيًا عَنْ أَكْلِ كُلِّ طَيْرٍ قَتَلَهُ طَيْرٌ آخَرُ بِجُثُومِهِ عَلَيْهِ وَقِيلَ بِالْفَتْحِ هُوَ الَّذِي يُرْمَى حَتَّى يَجْثُمَ فَيَمُوتَ، وَمَا لَا مِخْلَبَ لَهُ مِنْ الطَّيْرِ فَالْمُسْتَأْنِسُ مِنْهُ كَالدَّجَاجِ وَالْبَطِّ وَالْمُتَوَحِّشُ كَالْحَمَامِ وَالْفَاخِتَةِ وَالْعَصَافِيرِ والقبج وَالْكُرْكِيِّ وَالْغُرَابِ الَّذِي يَأْكُلُ الْحَبَّ وَالزَّرْعَ وَالْعَقْعَقِ وَنَحْوِهَا حَلَالٌ بِالْإِجْمَاعِ.

  1. (فَصْلٌ) :

  2. وَأَمَّا بَيَانُ مَا يُكْرَهُ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ فَيُكْرَهُ أَكْلُ لُحُومِ الْإِبِلِ الْجَلَّالَةِ وَهِيَ الَّتِي الْأَغْلَبُ مِنْ أَكْلِهَا النَّجَاسَةُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْإِبِلِ الْجَلَّالَةِ وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْغَالِبُ مِنْ أَكْلِهَا النَّجَاسَاتِ

  3. يَتَغَيَّرُ لَحْمُهَا وَيَنْتُنُ فَيُكْرَهُ أَكْلُهُ كَالطَّعَامِ الْمُنْتِنِ. وَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْجَلَّالَةِ أَنْ تُشْرَبَ أَلْبَانُهَا» ؛ لِأَنَّ لَحْمَهَا إذَا تَغَيَّرَ يَتَغَيَّرُ لَبَنُهَا، وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام نَهَى عَنْ أَنْ يُحَجَّ عَلَيْهَا وَأَنْ يُعْتَمَرَ عَلَيْهَا وَأَنْ يُغْزَى وَأَنْ يُنْتَفَعَ بِهَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ» فَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا أَنَتَنَتْ فِي نَفْسِهَا فَيَمْتَنِعُ مِنْ اسْتِعْمَالِهَا حَتَّى لَا يَتَأَذَّى النَّاسُ بِنَتِنِهَا كَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ رحمه الله فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الْكَرْخِيِّ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيَّ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهَا مِنْ الْعَمَلِ وَغَيْرِهِ إلَّا أَنْ تُحْبَسَ أَيَّامًا وَتُعْلَفَ فَحِينَئِذٍ تَحِلُّ.

  4. وَمَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ رحمه الله أَجْوَدُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ لِمَعْنًى يَرْجِعُ إلَى ذَاتِهَا بَلْ لِعَارِضٍ جَاوَرَهَا فَكَانَ الِانْتِفَاعُ بِهَا حَلَالًا فِي ذَاتِهِ إلَّا أَنَّهُ يُمْنَعُ عَنْهُ لِغَيْرِهِ ثُمَّ لَيْسَ لِحَبْسِهَا تَقْدِيرٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ رحمه الله أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ رضي الله عنه لَا يُوَقِّتُ فِي حَبْسِهَا وَقَالَ تُحْبَسُ حَتَّى تَطِيبَ وَهُوَ قَوْلُهُمَا أَيْضًا، وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أَنَّهَا تُحْبَسُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَرَوَى ابْنُ رُسْتُمَ رحمه الله عَنْ مُحَمَّدٍ فِي النَّاقَةِ الْجَلَّالَةِ أَوْ الشَّاةِ وَالْبَقَرِ الْجَلَّالِ أَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ جَلَّالَةً إذَا تَفَتَّتَتْ وَتَغَيَّرَتْ وَوُجِدَ مِنْهَا رِيحٌ مُنْتِنَةٌ فَهِيَ الْجَلَّالَةُ حِينَئِذٍ لَا يُشْرَبُ لَبَنُهَا وَلَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا، وَبَيْعُهَا وَهِبَتُهَا جَائِزٌ، هَذَا إذَا كَانَتْ لَا تَخْلِطُ وَلَا تَأْكُلُ إلَّا الْعَذِرَةَ غَالِبًا فَإِنْ خَلَطَتْ فَلَيْسَتْ جَلَّالَةً فَلَا تُكْرَهُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْتُنُ.

  5. وَلَا يُكْرَهُ أَكْلُ الدَّجَاجِ الْمَحَلِّيِّ وَإِنْ كَانَ يَتَنَاوَلُ النَّجَاسَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ أَكْلُ النَّجَاسَةِ بَلْ يَخْلِطُهَا بِغَيْرِهَا وَهُوَ الْحَبُّ فَيَأْكُلُ ذَا وَذَا،

  6. وَقِيلَ إنَّمَا لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتُنُ كَمَا يَنْتُنُ الْإِبِلُ وَالْحُكْمُ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّتَنِ؛ وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِي جَدْيٍ ارْتَضَعَ بِلَبَنِ خِنْزِيرٍ حَتَّى كَبِرَ: إنَّهُ لَا يُكْرَهُ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّ لَحْمَهُ لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَنْتُنُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي الْجَلَّالَةِ لِمَكَانِ التَّغَيُّرِ وَالنَّتْنِ لَا لِتَنَاوُلِ النَّجَاسَةِ وَلِهَذَا إذَا خَلَطَتْ لَا يُكْرَهُ وَإِنْ وُجِدَ تَنَاوُلُ النَّجَاسَةِ؛

  7. لِأَنَّهَا لَا تَنْتُنُ فَدَلَّ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلنَّتْنِ لَا لِتَنَاوُلِ النَّجَاسَةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ تُحْبَسَ الدَّجَاجُ حَتَّى يَذْهَبَ مَا فِي بَطْنِهَا مِنْ النَّجَاسَةِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَحْبِسُ الدَّجَاجَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ يَأْكُلُهُ» وَذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّنَزُّهِ وَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِمَا الرَّحْمَةُ أَنَّهَا تُحْبَسُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ لِلْخَبَرِ وَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَا فِي جَوْفِهَا مِنْ النَّجَاسَةِ يَزُولُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ ظَاهِرًا وَغَالِبًا.

  8. الْغُرَابُ الْأَسْوَدُ الْكَبِيرُ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَكْلِ الْغُرَابِ فَقَالَ: مَنْ يَأْكُلُ بَعْدَ مَا سَمَّاهُ اللَّهُ تبارك وتعالى فَاسِقًا عَنَى بِذَلِكَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «خَمْسٌ مِنْ الْفَوَاسِقِ يَقْتُلهُنَّ الْمُحْرِمُ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ» ؛ وَلِأَنَّ غَالِبَ أَكْلِهَا الْجِيَفُ فَيُكْرَهُ أَكْلُهَا كَالْجَلَّالَةِ،

  9. وَلَا بَأْسَ بِغُرَابِ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ يَأْكُلُ الْحَبَّ وَالزَّرْعَ وَلَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ هَكَذَا رَوَى بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - عَنْ أَكْلِ الْغُرَابِ فَرَخَّصَ فِي غُرَابِ الزَّرْعِ وَكَرِهَ الْغُدَافَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ الْأَبْقَعِ فَكَرِهَ ذَلِكَ.

  10. وَإِنْ كَانَ غُرَابًا يَخْلِطُ فَيَأْكُلُ الْجِيَفَ وَيَأْكُلُ الْحَبَّ لَا يُكْرَهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ قَالَ: وَإِنَّمَا يُكْرَهُ مِنْ الطَّيْرِ مَا لَا يَأْكُلُ إلَّا الْجِيَفَ.

  11. وَلَا بَأْسَ بِالْعَقْعَقِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِذِي مِخْلَبٍ وَلَا مِنْ الطَّيْرِ الَّذِي لَا يَأْكُلُ إلَّا الْحَبَّ كَذَا رَوَى أَبُو يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ رحمه الله فِي أَكْلِ الْعَقْعَقِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، فَقُلْت: إنَّهُ يَأْكُلُ الْجِيَفَ فَقَالَ: إنَّهُ يَخْلِطُ.

  12. فَحَصَلَ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَا يَخْلِطُ مِنْ الطُّيُورِ لَا يُكْرَهُ أَكْلُهُ كَالدَّجَاجِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله : يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ غَالِبَ أَكْلِهِ الْجِيَفُ.

  1. وَأَمَّا بَيَانُ شَرْطِ حِلِّ الْأَكْلِ فِي الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ فَشَرْطُ حِلِّ الْأَكْلِ فِي الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ الْبَرِّيِّ هُوَ الذَّكَاةُ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ بِدُونِهَا؛ لِقَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ إلَى قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ اسْتَثْنَى سبحانه وتعالى الذَّكِيَّ مِنْ الْمُحَرَّمِ وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ التَّحْرِيمِ إبَاحَةٌ.

  2. ثُمَّ الْكَلَامُ فِي الذَّكَاةِ فِي الْأَصْلِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: .

  3. فِي بَيَانِ رُكْنِ الذَّكَاةِ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الرُّكْنِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الذَّكَاةِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْهَا.

  4. فَالذَّكَاةُ نَوْعَانِ: اخْتِيَارِيَّةٌ، وَضَرُورِيَّةٌ.

  5. أَمَّا الِاخْتِيَارِيَّةُ فَرُكْنُهَا الذَّبْحُ فِيمَا يُذْبَحُ مِنْ الشَّاةِ وَالْبَقَرَةِ وَنَحْوِهِمَا، وَالنَّحْرُ فِيمَا يُنْحَرُ وَهُوَ الْإِبِلُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الذَّبْحِ، وَالنَّحْرُ لَا يَحِلُّ بِدُونِ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ فِي الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ لِمَكَانِ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ وَأَنَّهُ لَا يَزُولُ إلَّا بِالذَّبْحِ وَالنَّحْرِ؛ وَلِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا وَرَدَ بِإِحْلَالِ الطَّيِّبَاتِ.

  6. قَالَ اللَّهُ تبارك وتعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ ، وَقَالَ سبحانه وتعالى ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وَلَا يَطِيبُ إلَّا بِخُرُوجِ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ وَذَلِكَ بِالذَّبْحِ وَالنَّحْرِ

  7. وَلِهَذَا حُرِّمَتْ الْمَيْتَةُ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ وَهُوَ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ فِيهَا قَائِمٌ وَلِذَا لَا يَطِيبُ مَعَ قِيَامِهِ وَلِهَذَا يَفْسُدُ فِي أَدْنَى مُدَّةِ مَا يَفْسُدُ فِي مِثْلِهَا الْمَذْبُوحُ،

  8. وَكَذَا الْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ لِمَا قُلْنَا.

  9. وَالذَّبْحُ هُوَ فَرْيُ الْأَوْدَاجِ وَمَحَلُّهُ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام «الذَّكَاةُ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللِّحْيَةِ» أَيْ مَحَلُّ الذَّكَاةِ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ وَرُوِيَ الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ وَالنَّحْرُ فَرْيُ الْأَوْدَاجِ وَمَحَلُّهُ آخِرُ الْحَلْقِ،

  10. وَلَوْ نُحِرَ مَا يُذْبَحُ وَذُبِحَ مَا يُنْحَرُ يَحِلُّ لِوُجُودِ فَرْيِ الْأَوْدَاجِ وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي الْإِبِلِ النَّحْرُ وَفِي غَيْرِهَا الذَّبْحُ.

  11. أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ فِي الْإِبِلِ النَّحْرَ وَفِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ الذَّبْحَ فَقَالَ سبحانه وتعالى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ قِيلَ فِي التَّأْوِيلِ أَيْ: انْحَرْ الْجَزُورَ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ وَالذِّبْحُ بِمَعْنَى الْمَذْبُوحِ كَالطَّحْنِ بِمَعْنَى الْمَطْحُونِ وَهُوَ الْكَبْشُ الَّذِي فُدِيَ بِهِ سَيِّدُنَا إسْمَاعِيلُ أَوْ سَيِّدُنَا إِسْحَاقُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا - عَلَى اخْتِلَافِ أَصْلِ الْقِصَّةِ فِي ذَلِكَ

  12. وَكَذَا «النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام نَحَرَ الْإِبِلَ وَذَبَحَ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ» فَدَلَّ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ السُّنَّةُ، وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ رحمه الله فِي الْأَصْلِ وَقَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَانُوا يَنْحَرُونَ الْإِبِلَ قِيَامًا مَعْقُولَةَ الْيَدِ الْيُسْرَى فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ النَّحْرَ فِي الْإِبِلِ هُوَ السُّنَّةُ؛

  13. لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الذَّكَاةِ إنَّمَا هُوَ الْأَسْهَلُ عَلَى الْحَيَوَانِ وَمَا فِيهِ نَوْعُ رَاحَةٍ لَهُ فِيهِ فَهُوَ أَفْضَلُ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام قَالَ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» .

  14. وَالْأَسْهَلُ فِي الْإِبِلِ النَّحْرُ لِخُلُوِّ لَبَّتِهَا عَنْ اللَّحْمِ وَاجْتِمَاعِ اللَّحْمِ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ خَلْفِهَا، وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ جَمِيعُ حَلْقِهَا لَا يَخْتَلِفُ.

  15. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» ؟ أَيْ: وَنَحَرْنَا الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْأَوَّلِ فَكَانَ خَبَرُ الْأَوَّلِ خَبَرًا لِلثَّانِي كَقَوْلِنَا: جَاءَنِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو فَالْجَوَابُ أَنَّ الذَّبْحَ مُضْمَرٌ فِيهِ وَمَعْنَاهُ وَذَبَحْنَا الْبَقَرَةَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي الشَّيْءِ إذَا عُطِفَ عَلَى غَيْرِهِ وَخَبَرُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لَا يَحْتَمِلُ الْوُجُودَ فِي الْمَعْطُوفِ أَوْ لَا يُوجَدُ عَادَةً أَنْ يُضْمَرَ الْمُتَعَارَفُ الْمُعْتَادُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

  16. وَلَقِيت زَوْجَك فِي الْوَغَى … مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا

  17. أَيْ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَمُعْتَقِلًا رُمْحًا، وَقَالَ آخَرُ:

  18. عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا

  19. أَيْ: عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَسَقَيْتُهَا مَاءً بَارِدًا؛ لِأَنَّ الرُّمْحَ لَا يَحْتَمِلُ التَّقَلُّدَ أَوْ لَا يُتَقَلَّدُ عَادَةً، وَالْمَاءُ لَا يُعْلَفُ بَلْ يُسْقَى كَذَا هَهُنَا الذَّبْحُ فِي الْبَقَرِ هُوَ الْمُعْتَادُ فَيُضْمَرُ فِيهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: نَحَرْنَا الْبَدَنَةَ وَذَبَحْنَا الْبَقَرَةَ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاء - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.

  20. وَقَالَ مَالِكٌ رحمه الله : إذَا ذَبَحَ الْبَدَنَةَ لَا تَحِلُّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى أَمَرَ فِي الْبَدَنَةِ بِالنَّحْرِ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ فَإِذَا ذَبَحَ فَقَدْ تَرَكَ الْمَأْمُورَ بِهِ فَلَا يَحِلُّ.

  21. وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَفَرَى الْأَوْدَاجَ فَكُلْ» ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالنَّحْرِ فِي الْبَدَنَةِ لَيْسَ لِعَيْنِهِ بَلْ لِإِنْهَارِ الدَّمِ وَإِفْرَاءِ الْأَوْدَاجِ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ وَلَا بَأْسَ فِي الْحَلْقِ كُلِّهِ أَسْفَلِهِ أَوْ أَوْسَطِهِ أَوْ أَعْلَاهُ؛

  22. لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «الذَّكَاةُ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ» ، وَقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ إخْرَاجُ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ وَتَطْيِيبُ اللَّحْمِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِقَطْعِ الْأَوْدَاجِ فِي الْحَلْقِ كُلِّهِ.

  23. ثُمَّ الْأَوْدَاجُ أَرْبَعَةٌ: الْحُلْقُومُ، وَالْمَرِيءُ، وَالْعِرْقَانِ اللَّذَانِ بَيْنَهُمَا الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ،

  24. فَإِذَا فَرَى ذَلِكَ كُلَّهُ فَقَدْ أَتَى بِالذَّكَاةِ بِكَمَالِهَا وَسُنَنِهَا وَإِنْ فَرَى الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه إذَا قَطَعَ أَكْثَرَ الْأَوْدَاجِ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ مِنْهَا أَيُّ ثَلَاثَةٍ كَانَتْ وَتَرَكَ وَاحِدًا يَحِلُّ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله : لَا يَحِلُّ حَتَّى يُقْطَعَ الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ وَأَحَدُ الْعِرْقَيْنِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله : لَا يَحِلُّ حَتَّى يُقْطَعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ أَكْثَرُهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : إذَا قُطِعَ الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ حُلَّ إذَا اُسْتُوْعِبَ قَطْعُهُمَا.

  25. (وَجْهُ) قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه أَنَّ الذَّبْحَ إزَالَةُ الْحَيَاةِ وَالْحَيَاةُ لَا تَبْقَى بَعْدَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ عَادَةً وَقَدْ تَبْقَى بَعْدَ قَطْعِ الْوَدَجَيْنِ إذْ هُمَا عِرْقَانِ كَسَائِرِ الْعُرُوقِ، وَالْحَيَاةُ تَبْقَى بَعْدَ قَطْعِ عِرْقَيْنِ مِنْ سَائِرِ الْعُرُوقِ.

  26. (وَلَنَا) أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الذَّبْحِ إزَالَةُ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِقَطْعِ الْوَدَجِ.

  27. (وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أَنَّهُ إذَا قُطِعَ الْأَكْثَرُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ فَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِالذَّبْحِ وَهُوَ خُرُوجُ الدَّمِ؛ لِأَنَّهُ يُخْرِجُ مَا يَخْرُجُ

  28. بِقَطْعِ الْكُلِّ.

  29. (وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْعُرُوقِ يُقْصَدُ بِقَطْعِهِ غَيْرُ مَا يُقْصَدُ بِهِ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ الْحُلْقُومَ مَجْرَى النَّفَسِ، وَالْمَرِيءَ مَجْرَى الطَّعَامِ، وَالْوَدَجَيْنِ مَجْرَى الدَّمِ فَإِذَا قُطِعَ أَحَدُ الْوَدَجَيْنِ حَصَلَ بِقَطْعِهِ الْمَقْصُودُ مِنْهُمَا وَإِذَا تُرِكَ الْحُلْقُومُ لَمْ يَحْصُلْ بِقَطْعِ مَا سِوَاهُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - أَنَّهُ قَطَعَ الْأَكْثَرَ مِنْ الْعُرُوقِ الْأَرْبَعَةِ وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ فِيمَا بُنِيَ عَلَى التَّوْسِعَةِ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ، وَالذَّكَاةُ بُنِيَتْ عَلَى التَّوْسِعَةِ حَيْثُ يُكْتَفَى فِيهَا بِالْبَعْضِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْكَيْفِيَّةِ فَيُقَامُ الْأَكْثَرُ فِيهَا مَقَامَ الْجَمِيعِ.

  30. وَلَوْ ضَرَبَ عُنُقَ جَزُورٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ شَاةٍ بِسَيْفِهِ وَأَبَانَهَا وَسَمَّى فَإِنْ كَانَ ضَرَبَهَا مِنْ قِبَلِ الْحُلْقُومِ تُؤْكَلْ وَقَدْ أَسَاءَ.

  31. أَمَّا حِلُّ الْأَكْلِ؛ فَلِأَنَّهُ أَتَى بِفِعْلِ الذَّكَاةِ وَهُوَ قَطْعُ الْعُرُوقِ.

  32. وَأَمَّا الْإِسَاءَةُ؛ فَلِأَنَّهُ زَادَ فِي أَلَمِهَا زِيَادَةً لَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي الذَّكَاةِ فَيُكْرَهُ ذَلِكَ.

  33. وَإِنْ ضَرَبَهَا مِنْ الْقَفَا فَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ الْقَطْعِ بِأَنْ ضَرَبَ عَلَى التَّأَنِّي وَالتَّوَقُّفِ لَا تُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهَا مَاتَتْ قَبْلَ الذَّكَاةِ فَكَانَتْ مَيْتَةً وَإِنْ قَطَعَ الْعُرُوقَ قَبْلَ مَوْتِهَا تُؤْكَلْ لِوُجُودِ فِعْلِ الذَّكَاةِ وَهِيَ حَيَّةٌ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِي أَلَمِهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَإِنْ أَمْضَى فِعْلَهُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ تُؤْكَلُ؛

  34. لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَوْتَهَا بِالذَّكَاةِ.

  35. وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا ذَبَحَ بِالْمَرْوَةِ أَوْ بِلِيطَةِ الْقَصَبِ أَوْ بِشِقَّةِ الْعَصَا أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْآلَاتِ الَّتِي تَقْطَعُ أَنَّهُ يَحِلُّ لِوُجُودِ مَعْنَى الذَّبْحِ وَهُوَ فَرْيُ الْأَوْدَاجِ، وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ الْآلَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: آلَةٌ تَقْطَعُ، وَآلَةٌ تَفْسَخُ.

  36. وَاَلَّتِي تَقْطَعُ نَوْعَانِ: حَادَّةٌ، وَكَلِيلَةٌ.

  37. أَمَّا الْحَادَّةُ فَيَجُوزُ الذَّبْحُ بِهَا حَدِيدًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ حَدِيدٍ وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِ الذَّبْحِ بِدُونِ الْحَدِيدِ مَا رُوِيَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ أَحَدَنَا أَصَابَ صَيْدًا وَلَيْسَ مَعَهُ سِكِّينٌ أَيُذَكِّي بِمَرْوَةِ أَوْ بِشِقَّةِ الْعَصَا؟ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام أَنْهِرْ الدَّمَ بِمَا شِئْت وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى» .

  38. وَرُوِيَ «أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ذَبَحَتْ شَاةً بِمَرْوَةِ فَسَأَلَ كَعْبٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَأَمَرَ بِأَكْلِهَا» ؛ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ بِالْحَدِيدِ وَالْجَوَازُ لَيْسَ لِكَوْنِهِ مِنْ جِنْسِ الْحَدِيدِ بَلْ لِوُجُودِ مَعْنَى الْحَدِيدِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِالْحَدِيدِ الَّذِي لَا حَدَّ لَهُ فَإِذَا وُجِدَ مَعْنَى الْحَدِّ فِي الْمَرْوَةِ وَاللِّيطَةِ جَازَ الذَّبْحُ بِهِمَا وَأَمَّا الْكَلِيلَةُ فَإِنْ كَانَتْ تَقْطَعُ يَجُوزُ لِحُصُولِ مَعْنَى الذَّبْحِ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ إيلَامٍ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا، وَلِهَذَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَحْدِيدِ الشَّفْرَةِ وَإِرَاحَةِ الذَّبِيحَةِ.

  39. وَكَذَلِكَ إذَا جُرِحَ بِظُفْرٍ مَنْزُوعٍ أَوْ سِنٍّ مَنْزُوعٍ جَازَ الذَّبْحُ بِهِمَا وَيُكْرَهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : لَا يَجُوزُ وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَنْهِرْ الدَّمَ بِمَا شِئْت إلَّا مَا كَانَ مِنْ سِنٍّ أَوْ ظُفُرٍ فَإِنَّ الظُّفُرَ مُدَى الْحَبَشَةِ وَالسِّنَّ عَظْمٌ مِنْ الْإِنْسَانِ» اسْتَثْنَى عليه الصلاة والسلام الظُّفُرَ وَالسِّنَّ مِنْ الْإِبَاحَةِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْإِبَاحَةِ يَكُونُ حَظْرًا وَعُلِّلَ عليه الصلاة والسلام بِكَوْنِ الظُّفُرِ مُدَى الْحَبَشَةِ وَكَوْنِ السِّنِّ عَظْمَ الْإِنْسَانِ، وَهَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْإِنْكَارِ وَلَنَا أَنَّهُ لَمَّا قَطَعَ الْأَوْدَاجَ فَقَدْ وَجَدَ الذَّبْحَ بِهِمَا فَيَجُوزُ كَمَا لَوْ ذَبَحَ بِالْمَرْوَةِ وَلِيطَةِ الْقَصَبِ.

  40. وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَالْمُرَادُ السِّنُّ الْقَائِمُ وَالظُّفْرُ الْقَائِمُ؛ لِأَنَّ الْحَبَشَةَ إنَّمَا كَانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ لِإِظْهَارِ الْجَلَادَةِ وَذَاكَ بِالْقَائِمِ لَا بِالْمَنْزُوعِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ رُوِيَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ إلَّا مَا كَانَ قَرْضًا بِسِنٍّ أَوْ حَزًّا بِظُفْرٍ وَالْقَرْضُ إنَّمَا يَكُونُ بِالسِّنِّ الْقَائِمِ.

  41. وَأَمَّا الْآلَةُ الَّتِي تَفْسَخُ فَالظُّفْرُ الْقَائِمُ وَالسِّنُّ الْقَائِمُ وَلَا يَجُوزُ الذَّبْحُ بِهِمَا بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ ذَبَحَهُمَا كَانَ مَيْتَةً لِلْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَا وَلِأَنَّ الظُّفْرَ وَالسِّنَّ إذَا لَمْ يَكُنْ مُنْفَصِلًا فَالذَّابِحُ يَعْتَمِدُ عَلَى الذَّبِيحِ فَيُخْنَقُ وَيَنْفَسِخُ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ حَتَّى قَالُوا: لَوْ أَخَذَ غَيْرُهُ يَدَهُ فَأَمَرَّ يَدَهُ كَمَا أَمَرَّ السِّكِّينَ وَهُوَ سَاكِتٌ يَجُوزُ وَيَحِلُّ أَكْلُهُ.

  42. وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ الْجَنِينُ إذَا خَرَجَ بَعْدَ ذَبْحِ أُمِّهِ إنْ خَرَجَ حَيًّا فَذَكِيٌّ يَحِلُّ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الذَّبْحِ لَا يُؤْكَلُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ خَرَجَ مَيِّتًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَامِلَ الْخَلْقِ لَا يُؤْكَلُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْمُضْغَةِ،

  43. وَإِنْ كَانَ كَامِلَ الْخَلْقِ اُخْتُلِفَ فِيهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رضي الله عنه : لَا يُؤْكَلُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ رحمهم الله ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ رحمهم الله : لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام «ذَكَاةُ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ» فَيَقْتَضِي أَنَّهُ يَتَذَكَّى بِذَكَاةِ أُمِّهِ وَلِأَنَّهُ تَبَعٌ لِأُمِّهِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا.

  44. (أَمَّا) الْحَقِيقَةُ فَظَاهِرٌ.

  45. وَأَمَّا الْحُكْمُ؛ فَلِأَنَّهُ يُبَاعُ بِبَيْعِ الْأُمِّ وَيُعْتَقُ بِعِتْقِهَا وَالْحُكْمُ فِي التَّبَعِ يَثْبُتُ بِعِلَّةِ الْأَصْلِ وَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ عِلَّةٌ عَلَى حِدَةٍ لِئَلَّا يَنْقَلِبَ التَّبَعُ أَصْلًا، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ وَالْجَنِينُ مَيْتَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهِ وَالْمَيْتَةُ مَا لَا حَيَاةَ فِيهِ فَيَدْخُلُ تَحْتَ النَّصِّ فَإِنْ قِيلَ الْمَيْتَةُ اسْمٌ لِزَائِلِ الْحَيَاةِ

  46. فَيَسْتَدْعِي تَقَدُّمَ الْحَيَاةِ وَهَذَا لَا يُعْلَمُ فِي الْجَنِينِ فَالْجَوَابُ أَنَّ تَقَدُّمَ الْحَيَاةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِإِطْلَاقِ اسْمِ الْمَيِّتِ، قَالَ اللَّهُ تبارك وتعالى ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عَلَى أَنَّا إنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ حَيًّا فَمَاتَ بِمَوْتِ الْأُمِّ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَيُحَرَّمُ احْتِيَاطًا؛

  47. وَلِأَنَّهُ أَصْلٌ فِي الْحَيَاة فَيَكُونُ لَهُ أَصْلٌ فِي الذَّكَاةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ أَصْلٌ فِي الْحَيَاةِ أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ بَقَاؤُهُ حَيًّا بَعْدَ ذَبْحِ الْأُمِّ.

  48. وَلَوْ كَانَ تَبَعًا لِلْأُمِّ فِي الْحَيَاةِ لَمَا تُصُوِّرَ بَقَاؤُهُ حَيًّا بَعْدَ زَوَالِ الْحَيَاةِ عَنْ الْأُمِّ وَإِذَا كَانَ أَصْلًا فِي الْحَيَاةِ يَكُونُ أَصْلًا فِي الذَّكَاةِ؛ لِأَنَّ الذَّكَاةَ تَفْوِيتُ الْحَيَاةِ وَلِأَنَّهُ إذَا تُصُوِّرَ بَقَاؤُهُ حَيًّا بَعْدَ ذَبْحِ الْأُمِّ لَمْ يَكُنْ ذَبْحُ الْأُمِّ سَبَبًا لِخُرُوجِ الدَّمِ عَنْهُ إذْ لَوْ كَانَ لَمَا تُصُوِّرَ بَقَاؤُهُ حَيًّا بَعْدَ ذَبْحِ الْأُمِّ إذْ الْحَيَوَانُ الدَّمَوِيُّ لَا يَعِيشُ بِدُونِ الدَّمِ عَادَةً فَبَقِيَ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ فِيهِ وَلِهَذَا إذَا جُرِحَ يَسِيلُ مِنْهُ الدَّمُ، وَأَنَّهُ حُرِّمَ بِقَوْلِهِ سبحانه وتعالى ﴿دَمًا مَسْفُوحًا﴾ وَقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ وَلَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ لَحْمِهِ وَدَمِهِ فَيَحْرُمُ لَحْمُهُ أَيْضًا.

  49. وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَقَدْ رُوِيَ بِنَصْبِ الذَّكَاةِ الثَّانِيَةِ مَعْنَاهُ كَذَكَاةِ أُمِّهِ إذْ التَّشْبِيهُ قَدْ يَكُونُ بِحَرْفِ التَّشْبِيهِ وَقَدْ يَكُونُ بِحَذْفِ حَرْفِ التَّشْبِيهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ ، وَقَالَ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أَيْ كَنَظَرِ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ؛

  50. لِأَنَّ تَشْبِيهَ ذَكَاةِ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ يَقْتَضِي اسْتِوَاءَهُمَا فِي الِافْتِقَارِ إلَى الذَّكَاةِ.

  51. وَرِوَايَةُ الرَّفْعِ تَحْتَمِلُ التَّشْبِيهَ أَيْضًا قَالَ اللَّهُ سبحانه وتعالى ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ أَيْ: عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَوَاتِ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَيْكُمْ وَيُحْتَمَلُ الْكِنَايَةُ كَمَا قَالُوا فَلَا تَكُونُ حُجَّةً مَعَ الِاحْتِمَالِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَرَدَ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَأَنَّهُ دَلِيلُ عَدَمِ الثُّبُوتِ إذْ لَوْ كَانَ ثَابِتًا لَاشْتَهَرَ.

  52. وَإِذَا خَرَجَتْ مِنْ الدَّجَاجَةِ الْمَيِّتَةِ بَيْضَةٌ تُؤْكَلُ عِنْدَنَا سَوَاءٌ اشْتَدَّ قِشْرُهَا أَوْ لَمْ يَشْتَدَّ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله إنْ اشْتَدَّ قِشْرُهَا تُؤْكَلُ وَإِلَّا فَلَا.

  53. (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَشْتَدَّ قِشْرُهَا فَهِيَ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ فَتَحْرُمُ بِتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَإِذَا اشْتَدَّ قِشْرُهَا فَقَدْ صَارَ شَيْئًا آخَرَ وَهُوَ مُنْفَصِلٌ عَنْ الدَّجَاجَةِ فَيَحِلُّ.

  54. (وَلَنَا) أَنَّهُ شَيْءٌ طَاهِرٌ فِي نَفْسِهِ مُودَعٌ فِي الطَّيْرِ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ لَيْسَ مِنْ أَجْزَائِهِ فَتَحْرِيمُهَا لَا يَكُونُ تَحْرِيمًا لَهُ كَمَا إذَا اشْتَدَّ قِشْرُهَا.

  55. وَلَوْ مَاتَتْ شَاةٌ وَخَرَجَ مِنْ ضَرْعِهَا لَبَنٌ يُؤْكَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لَا يُؤْكَلُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رحمهم الله جَمِيعًا إلَّا أَنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُؤْكَلُ لِكَوْنِهِ مَيْتَةً وَعِنْدَهُمَا لَا يُؤْكَلُ لِنَجَاسَةِ الْوِعَاءِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ قَوْلُهُ تبارك وتعالى ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْآيَةِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدِهَا: أَنَّهُ وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ خَالِصًا فَيَقْتَضِي أَنْ لَا يَشُوبَهُ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ سبحانه وتعالى وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ وَالْحَرَامُ لَا يَسُوغُ لِلْمُسْلِمِ، وَالثَّالِثِ: أَنَّهُ سبحانه وتعالى مَنَّ عَلَيْنَا بِذَلِكَ إذْ الْآيَةُ خَرَجَتْ مَخْرَجَ الْمِنَّةِ، وَالْمِنَّةُ بِالْحَلَالِ لَا بِالْحَرَامِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْإِنْفَحَةُ إذَا كَانَتْ مَائِعَةً وَإِنْ كَانَتْ صُلْبَةً فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله : تُؤْكَلُ وَتُسْتَعْمَلُ فِي الْأَدْوِيَةِ كُلِّهَا وَعِنْدَهُمَا يُغْسَلُ ظَاهِرُهَا وَتُؤْكَلُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تُؤْكَلُ أَصْلًا.

  56. (وَأَمَّا) الِاضْطِرَارِيَّةُ فَرُكْنُهَا الْعَقْرُ وَهُوَ الْجَرْحُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ وَذَلِكَ فِي الصَّيْدِ وَمَا هُوَ فِي مَعْنَى الصَّيْدِ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا وَلَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِ الدَّمِ لِإِزَالَةِ الْمُحَرَّمِ وَتَطْيِيبِ اللَّحْمِ وَهُوَ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَيُقَامُ سَبَبُ الذَّبْحِ مَقَامَهُ وَهُوَ الْجَرْحُ عَلَى الْأَصْلِ الْمَعْهُودِ فِي الشَّرْعِ مِنْ إقَامَةِ السَّبَبِ مَقَامَ الْمُسَبِّبِ عِنْدَ الْعُذْرِ وَالضَّرُورَةِ كَمَا يُقَامُ السَّفَرُ مَقَامَ الْمَشَقَّةِ، وَالنِّكَاحُ مَقَامَ الْوَطْءِ، وَالنَّوْمُ مُضْطَجِعًا أَوْ مُتَوَرِّكًا مَقَامَ الْحَدَثِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.

  57. وَكَذَلِكَ مَا نَدَّ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا؛ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الصَّيْدِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَأْنِسًا وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ بَعِيرًا نَدَّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَمَاهُ رَجُلٌ فَقَتَلَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا» وَسَوَاءٌ نَدَّ الْبَعِيرُ وَالْبَقَرُ فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ فِي الْمِصْرِ فَذَكَاتُهُمَا الْعَقْرُ كَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ؛

  58. لِأَنَّهُمَا يَدْفَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا فَلَا يُقْدَرُ عَلَيْهِمَا قَالَ مُحَمَّدٌ: وَالْبَعِيرُ الَّذِي نَدَّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَدَلَّ أَنَّ نَدَّ الْبَعِيرِ فِي الصَّحْرَاءِ وَالْمِصْرِ سَوَاءٌ فِي هَذَا الْحُكْمِ.

  59. (وَأَمَّا) الشَّاةُ فَإِنْ نَدَّتْ فِي الصَّحْرَاءِ فَذَكَاتُهَا الْعَقْرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْدَرُ عَلَيْهَا وَإِنْ نَدَّتْ فِي الْمِصْرِ لَمْ يَجُزْ عَقْرُهَا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَخْذُهَا إذْ هِيَ لَا تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهَا فَكَانَ الذَّبْحُ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ الْعَقْرُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْعَقْرَ خَلَفٌ مِنْ الذَّبْحِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْأَصْلِ تَمْنَعُ الْمَصِيرَ إلَى الْخَلَفِ كَمَا فِي التُّرَابِ مَعَ الْمَاءِ وَالْأَشْهُرِ

  60. مَعَ الْأَقْرَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ،

  61. وَكَذَلِكَ مَا وَقَعَ مِنْهَا فِي قَلِيبٍ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَى إخْرَاجِهِ وَلَا عَلَى مَذْبَحِهِ وَلَا مَنْحَرِهِ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ الصَّيْدِ لِكَوْنِهِ فِي مَعْنَاهُ لِتَعَذُّرِ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ، وَذُكِرَ فِي الْمُنْتَقَى فِي الْبَعِيرِ إذَا صَالَ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ وَهُوَ يُرِيدُ الذَّكَاةَ حَلَّ أَكْلُهُ إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ وَضَمِنَ قِيمَتَهُ؛

  62. لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الصَّيْدِ فَجَعَلَ الصِّيَالَ مِنْهُ كَنَدِّهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْجَزُ عَنْ أَخْذِهِ فَيَعْجَزُ عَنْ نَحْرِهِ فَيُقَامُ الْجَرْحُ فِيهِ مَقَامَ النَّحْرِ كَمَا فِي الصَّيْدِ ثُمَّ لَا خِلَافَ فِي الِاصْطِيَادِ بِالسَّهْمِ وَالرُّمْحِ وَالْحَجَرِ وَالْخَشَبِ وَنَحْوِهَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجْرَحْ لَا يَحِلُّ، وَأَصْلُهُ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام إذَا خَرَقَ فَكُلْ وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرَضٍ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ» .

  63. (وَأَمَّا) الِاصْطِيَادُ بِالْجَوَارِحِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ إمَّا بِنَابٍ كَالْكَلْبِ وَالْفَهْدِ وَنَحْوِهِمَا،

  64. وَإِمَّا بِالْمِخْلَبِ كَالْبَازِي وَالشَّاهِينِ وَنَحْوِهِمَا فَكَذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجْرَحْ لَا يَحِلُّ حَتَّى لَوْ خَنَقَ أَوْ صَدَمَ وَلَمْ يَجْرَحْ وَلَمْ يَكْسِرْ عُضْوًا مِنْهُ لَا يَحِلُّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَحِلُّ.

  65. (وَجْهُ) هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْكَلْبَ يَأْخُذُ الصَّيْدَ عَلَى حَسْبِ مَا يَتَّفِقُ لَهُ فَقَدْ يَتَّفِقُ لَهُ الْأَخْذُ بِالْجَرْحِ وَقَدْ يَتَّفِقُ بِالْخَنْقِ وَالصَّدْمِ وَالْحَالُ حَالُ الضَّرُورَةِ فَيُوَسَّعُ الْأَمْرُ فِيهِ وَيُجْعَلُ الْخَنْقُ وَالصَّدْمُ كَالْجَرْحِ كَمَا وُسِّعَ فِي الذَّبْحِ.

  66. (وَجْهُ) ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ وَهِيَ مِنْ الْجِرَاحَةَ فَيَقْتَضِي اعْتِبَارَ الْجَرْحِ وَلِأَنَّ الرُّكْنَ هُوَ إخْرَاجُ الدَّمِ وَذَلِكَ بِالذَّبْحِ فِي حَالِ الْقُدْرَةِ وَفِي حَالِ الْعَجْزِ أُقِيمَ الْجَرْحُ مَقَامَهُ؛ لِكَوْنِهِ سَبَبًا فِي خُرُوجِ الدَّمِ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الْخَنْقِ وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صَيْدِ الْمِعْرَاضِ إذَا خَرَقَ فَكُلْ، وَإِنْ أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلُ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ» .

  67. وَرُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ: «مَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ فَهُوَ وَقِيذٌ وَمَا أَصَبْت بِحَدِّهِ فَكُلْ» أَرَادَ عليه الصلاة والسلام الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ عَلَى الْجَرْحِ وَعَدَمِ الْجَرْحِ، وَسَمَّى عليه الصلاة والسلام غَيْرَ الْمَجْرُوحِ وَقِيذًا أَوْ أَنَّهُ حَرَامٌ بِقَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ وَلِأَنَّهَا مُنْخَنِقَةٌ وَأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ بِقَوْلِهِ عز وجل ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ فَإِنْ لَمْ يَجْرَحْهُ وَلَمْ يَخْنُقْهُ وَلَكِنَّهُ كَسَرَ عُضْوًا مِنْهُ فَمَاتَ فَقَدْ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ رحمه الله أَنَّهُ لَمْ يُحْكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فِيهِ شَيْءٌ مُصَرِّحٌ.

  68. وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ وَأَطْلَقَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُجْرَحْ لَمْ يُؤْكَلْ وَهَذَا الْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَحِلُّ بِالْكَسْرِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا جَرَحَ بِنَابٍ أَوْ مِخْلَبٍ أَوْ كَسَرَ عُضْوًا فَقَتَلَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ فَقَدْ جَعَلَ الْكَسْرَ جِرَاحَةَ بَاطِنِهِ فَيُلْحَقُ بِالْجِرَاحَةِ لِظَاهِرِهِ فِي حُكْمٍ بُنِيَ عَلَى الضَّرُورَةِ وَالْعُذْرِ.

  69. (وَجْهُ) رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ رحمه الله وَهِيَ الصَّحِيحَةُ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الذَّبْحُ وَإِنَّمَا أُقِيمَ الْجَرْحُ مَقَامَهُ فِي كَوْنِهِ سَبَبًا لِخُرُوجِ الدَّمِ وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الْكَسْرِ فَلَا يُقَامُ مَقَامَهُ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَقُمْ الْخَنْقُ مَقَامَهُ وَقَدْ قَالُوا: إذَا أَصَابَ السَّهْمُ ظِلْفَ الصَّيْدِ فَإِنْ وَصَلَ إلَى اللَّحْمِ فَأَدْمَاهُ حَلَّ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى رِوَايَةِ اعْتِبَارِ الْجَرْحِ.

  70. وَلَوْ ذَبَحَ شَاةً وَلَمْ يَسِلْ مِنْهَا دَمٌ قِيلَ: وَهَذَا قَدْ يَكُونُ فِي شَاةٍ اعْتَلَفَتْ الْعُنَّابَ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قَالَ أَبُو الْقَاسِم الصَّفَّارُ رحمه الله : لَا تُؤْكَلُ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «مَا فَرَى الْأَوْدَاجَ وَأَنْهَرَ الدَّمَ فَكُلْ» يُؤْكَلُ بِشَرْطِ إنْهَارِ الدَّمِ وَلَمْ يُوجَدْ؛

  71. وَلِأَنَّ الذَّبْحَ لَمْ يُشْرَطْ لِعَيْنِهِ بَلْ لِإِخْرَاجِ الدَّمِ الْمُحَرَّمِ وَتَطْيِيبِ اللَّحْمِ وَلَمْ يُوجَدْ فَلَا يَحِلُّ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ، وَالْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: يُؤْكَلُ لِوُجُودِ الذَّبْحِ وَهُوَ فَرْيُ الْأَوْدَاجِ وَإِنَّهُ سَبَبٌ لِخُرُوجِ الدَّمِ عَادَةً لَكِنَّهُ امْتَنَعَ لِعَارِضٍ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ فَصَارَ كَالدَّمِ الَّذِي اُحْتُبِسَ فِي بَعْضِ الْعُرُوقِ عَنْ الْخُرُوجِ بَعْدَ الذَّبْحِ وَذَا لَا يَمْنَعُ الْحِلَّ كَذَا هَذَا.

  72. وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا قَطَعَ مِنْ أَلْيَةِ الشَّاةِ قِطْعَةً أَوْ مِنْ فَخِذِهَا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْمُبَانُ وَإِنْ ذُبِحَتْ الشَّاةُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الذَّكَاةِ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْجُزْءِ الْمُبَانِ وَقْتَ الْإِبَانَةِ لِانْعِدَامِ ذَكَاةِ الشَّاةِ لِكَوْنِهَا حَيَّةً وَقْتَ الْإِبَانَةِ، وَحَالَ فَوَاتِ الْحَيَاةِ كَانَ الْجُزْءُ مُنْفَصِلًا وَحُكْمُ الذَّكَاةِ لَا يَظْهَرُ فِي الْجُزْءِ الْمُنْفَصِلِ وَرُوِيَ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَقْطَعُونَ قِطْعَةً مِنْ أَلْيَةِ الشَّاةِ وَمِنْ سَنَامِ الْبَعِيرِ فَيَأْكُلُونَهَا فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ الْمُكَرَّمُ عليه الصلاة والسلام نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام «مَا أُبِينَ مِنْ الْحَيِّ فَهُوَ مَيِّتٌ» وَالْجُزْءُ الْمَقْطُوعُ مُبَانٌ مِنْ حَيٍّ وَبَائِنٌ مِنْهُ فَيَكُونُ مَيِّتًا

  73. وَكَذَلِكَ إذَا قُطِعَ ذَلِكَ مِنْ صَيْدٍ لَمْ يُؤْكَلْ الْمَقْطُوعُ،

  74. وَإِنْ مَاتَ الصَّيْدُ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَا قُلْنَا.

  75. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : يُؤْكَلُ إذَا مَاتَ الصَّيْدُ بِذَلِكَ وَسَنَذْكُرُ الْمَسْأَلَةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ قُطِعَ فَتَعَلَّقَ الْعُضْوُ بِجِلْدِهِ لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنْ التَّعَلُّقِ لَا يُعْتَبَرُ

  76. فَكَانَ وُجُودُهُ وَالْعَدَمُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِاللَّحْمِ يُؤْكَلُ الْكُلُّ؛ لِأَنَّ الْعُضْوَ الْمُتَعَلِّقَ بِاللَّحْمِ مِنْ جُمْلَةِ الْحَيَوَانِ، وَذَكَاةُ الْحَيَوَانِ تَكُونُ لِمَا اتَّصَلَ بِهِ.

  77. وَلَوْ ضَرَبَ صَيْدًا بِسَيْفٍ فَقَطَعَهُ نِصْفَيْنِ يُؤْكَلُ النِّصْفَانِ عِنْدَنَا جَمِيعًا، وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ قَطْعَ الْأَوْدَاجِ لِكَوْنِهَا مُتَّصِلَةً مِنْ الْقَلْبِ بِالدِّمَاغِ فَأَشْبَهَ الذَّبْحَ فَيُؤْكَلُ الْكُلُّ،

  78. وَإِنْ قَطَعَ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ فَمَاتَ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَلِي الْعَجُزَ لَا يُؤْكَلُ الْمُبَانُ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُؤْكَلُ.

  79. (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْجَرْحَ فِي الصَّيْدِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ فَهُوَ ذَكَاةٌ اضْطِرَارِيَّةٌ وَإِنَّهَا سَبَبُ الْحِلِّ كَالذَّبْحِ.

  80. (وَلَنَا) قَوْلُ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام «مَا أُبِينَ مِنْ الْحَيِّ فَهُوَ مَيِّتٌ» وَالْمَقْطُوعُ مُبَانٌ مِنْ الْحَيِّ فَيَكُونُ مَيِّتًا وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ الْجَرْحَ الَّذِي اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ ذَكَاةٌ فِي الصَّيْدِ فَنَعَمْ لَكِنَّ حَالَ فَوَاتِ الْحَيَاةِ عَنْ الْمَحَلِّ وَعِنْدَ الْإِبَانَةِ الْمَحَلُّ كَانَ حَيًّا فَلَمْ يَقَعْ الْفِعْلُ ذَكَاةً لَهُ وَعِنْدَمَا صَارَ ذَكَاةً كَانَ الْجُزْءُ مُنْفَصِلًا وَحُكْمُ الذَّكَاةِ لَا يَلْحَقُ الْجُزْءَ الْمُنْفَصِلَ،

  81. وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ يُؤْكَلُ الْكُلُّ لِوُجُودِ قَطْعِ الْأَوْدَاجِ فَكَانَ الْفِعْلُ حَالَ وُجُودِهِ ذَكَاةً حَقِيقَةً فَيَحِلُّ بِهِ الْكُلُّ وَإِنْ ضَرَبَ رَأْسَ صَيْدٍ فَأَبَانَهُ نِصْفَيْنِ طُولًا أَوْ عَرْضًا يُؤْكَلُ كُلُّهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ،

  82. ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: لَا يُؤْكَلُ النِّصْفُ الْبَائِنُ وَيُؤْكَلُ مَا بَقِيَ مِنْ الصَّيْدِ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَوْدَاجَ مُتَّصِلَةٌ بِالدِّمَاغِ فَتَصِيرُ مَقْطُوعَةً بِقَطْعِ الرَّأْسِ وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ عَلَى هَذَا ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا فِيمَا يَلِي الْبَدَنَ مِنْ الرَّأْسِ وَإِنْ كَانَ الْمُبَانُ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ فَكَذَلِكَ يُؤْكَلُ الْكُلُّ لِأَنَّهُ إذَا قَطَعَ الْعُرُوقَ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ذَبْحًا بَلْ كَانَ جَرْحًا وَأَنَّهُ لَا يُبِيحُ الْمُبَانَ لِمَا ذَكَرْنَا.

  83. (وَأَمَّا) شَرَائِطُ رُكْنِ الذَّكَاةِ فَأَنْوَاعُ بَعْضُهَا يَعُمُّ نَوْعَيْ الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَالِاضْطِرَارِيَّة وَبَعْضُهَا يَخُصُّ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ أَمَّا الَّذِي يَعُمُّهُمَا فَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا فَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَالسَّكْرَانُ الَّذِي لَا يَعْقِلُ لِمَا نَذْكُرُ أَنَّ الْقَصْدَ إلَى التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ شَرْطٌ وَلَا يَتَحَقَّقُ الْقَصْدُ الصَّحِيحُ مِمَّنْ لَا يَعْقِلُ فَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ يَعْقِلُ الذَّبْحَ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ وَكَذَا السَّكْرَانُ.

  84. (وَمِنْهَا) أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا فَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ وَذَبِيحَةُ الْمُرْتَدِّ أَمَّا ذَبِيحَةُ أَهْلِ الشِّرْكِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ وَقَوْلِهِ عز وجل ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ أَيْ لِلنُّصُبِ وَهِيَ الْأَصْنَامُ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا.

  85. وَأَمَّا ذَبِيحَةُ الْمَجُوسِ فَلِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «سُنُّوا بِالْمَجُوسِ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ وَلَا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ» وَلِأَنَّ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الذَّبِيحَةِ مِنْ شَرَائِطِ الْحِلِّ عِنْدَنَا لِمَا نَذْكُرُ وَلَمْ يُوجَدْ.

  86. وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ؛ فَلِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ فَكَانَ كَالْوَثَنِيِّ الَّذِي لَا يُقَرُّ عَلَى دِينِهِ وَلَوْ كَانَ الْمُرْتَدُّ غُلَامًا مُرَاهِقًا لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تُؤْكَلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ رِدَّتَهُ صَحِيحَةٌ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ لَا تَصِحُّ، وَتُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ وَالْمُرَادُ مِنْهُ ذَبَائِحُهُمْ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْمُرَادُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ مَعْنًى؛

  87. لِأَنَّ غَيْرَ الذَّبَائِحِ مِنْ أَطْعِمَةِ الْكَفَرَةِ مَأْكُولٌ وَلِأَنَّ مُطْلَقَ اسْمِ الطَّعَامِ يَقَعُ عَلَى الذَّبَائِحِ كَمَا يَقَعُ عَلَى غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِمَا يُتَطَعَّمُ وَالذَّبَائِحُ مِمَّا يُتَطَعَّمُ فَيَدْخُلُ تَحْتَ إطْلَاقِ اسْمِ الطَّعَامِ فَيَحِلُّ لَنَا أَكْلُهَا وَيَسْتَوِي فِيهِ أَهْلُ الْحَرْبِ مِنْهُمْ وَغَيْرُهُمْ لِعُمُومِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ،

  88. وَكَذَا يَسْتَوِي فِيهِ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ وَغَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَى دِينِ النَّصَارَى إلَّا أَنَّهُمْ نَصَارَى الْعَرَبِ فَيَتَنَاوَلُهُمْ عُمُومُ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ.

  89. وَقَالَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رضي الله عنه : لَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُ نَصَارَى الْعَرَبِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَرَأَ قَوْلَهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ﴾ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : تُؤْكَلُ وَقَرَأَ قَوْلَهُ عز وجل ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ الَّتِي تَلَاهَا سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رضي الله عنه دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ؛

  90. لِأَنَّهُ قَالَ عز وجل ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ أَيْ: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَكَلِمَةُ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ إلَّا أَنَّهُمْ يُخَالِفُونَ غَيْرَهُمْ مِنْ النَّصَارَى فِي بَعْضِ شَرَائِعِهِمْ وَذَا يُخْرِجُهُمْ عَنْ كَوْنِهِمْ نَصَارَى كَسَائِرِ النَّصَارَى.

  91. فَإِنْ انْتَقَلَ الْكِتَابِيُّ إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الْكَفَرَةِ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ انْتَقَلَ إلَى ذَلِكَ الدِّينِ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ فَالْكِتَابِيُّ أَوْلَى،

  92. وَلَوْ انْتَقَلَ غَيْرُ الْكِتَابِيِّ مِنْ الْكَفَرَةِ إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ وَالْأَصْلُ أَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى حَالِهِ وَدِينِهِ فِي وَقْتِ ذَبِيحَتِهِ دُونَ مَا سِوَاهُ وَهَذَا أَصْلُ أَصْحَابِنَا أَنَّ مَنْ انْتَقَلَ مِنْ مِلَّةِ يُقَرُّ عَلَيْهَا يُجْعَلُ كَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْمِلَّةِ مِنْ الْأَصْلِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ

  93. النِّكَاحِ.

  94. وَالْمَوْلُودُ بَيْنَ كِتَابِيٍّ وَغَيْرِ كِتَابِيٍّ تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ أَيُّهُمَا كَانَ الْكِتَابِيُّ الْأَبُ أَوْ الْأُمُّ عِنْدَنَا، وَقَالَ مَالِكٌ: يُعْتَبَرُ الْأَبُ فَإِنْ كَانَ كِتَابِيًّا تُؤْكَلُ وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ رَأْسًا.

  95. وَالصَّحِيحُ قَوْلُنَا؛ لِأَنَّ جَعْلَ الْوَلَدِ تَبَعًا لِلْكِتَابِيِّ مِنْهُمَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ خَيْرُهُمَا دِينًا بِالنِّسْبَةِ فَكَانَ بِاتِّبَاعِهِ إيَّاهُ أَوْلَى.

  96. وَأَمَّا الصَّابِئُونَ فَتُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لَا تُؤْكَلُ وَاخْتِلَافُ الْجَوَابِ لِاخْتِلَافِ تَفْسِيرِهِمْ فِي الصَّابِئِينَ أَنَّهُمْ مِمَّنْ هُمْ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ ثُمَّ إنَّمَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الْكِتَابِيِّ إذَا لَمْ يُشْهَدْ ذَبْحُهُ وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ سُمِعَ وَشُهِدَ مِنْهُ تَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ؛

  97. لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ سَمَّى اللَّهَ تبارك وتعالى وَجَرَّدَ التَّسْمِيَةَ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِ كَمَا بِالْمُسْلِمِ،

  98. وَلَوْ سُمِعَ مِنْهُ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى لَكِنَّهُ عَنَى بِاَللَّهِ عز وجل الْمَسِيحَ عليه الصلاة والسلام قَالُوا: تُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرَ تَسْمِيَةً هِيَ تَسْمِيَةُ الْمُسْلِمِينَ إلَّا إذَا نَصَّ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ فَلَا تَحِلُّ.

  99. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُمْ يَقُولُونَ مَا يَقُولُونَ فَقَالَ: رضي الله عنه قَدْ أَحَلَّ اللَّهُ ذَبَائِحَهُمْ وَهُوَ يَعْلَمُ مَا يَقُولُونَ فَأَمَّا إذَا سُمِعَ مِنْهُ أَنَّهُ سَمَّى الْمَسِيحَ عليه الصلاة والسلام وَحْدَهُ أَوْ سَمَّى اللَّهَ سبحانه وتعالى وَسَمَّى الْمَسِيحَ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ كَذَا رَوَى سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رضي الله عنه وَلَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِ خِلَافُهُ فَيَكُونُ إجْمَاعًا وَلِقَوْلِهِ عز وجل ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ وَهَذَا أُهِلّ لِغَيْرِ اللَّهِ عز وجل بِهِ فَلَا يُؤْكَلُ وَمَنْ أُكِلَتْ ذَبِيحَتُهُ مِمَّنْ ذَكَرْنَا أُكِلَ صَيْدُهُ الَّذِي صَادَهُ بِالسَّهْمِ أَوْ بِالْجَوَارِحِ وَمَنْ لَا فَلَا؛

  100. لِأَنَّ أَهْلِيَّةَ الْمُذَكِّي شَرْطٌ فِي نَوْعَيْ الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَالِاضْطِرَارِيَّةِ جَمِيعًا.

  101. (وَمِنْهَا) التَّسْمِيَةُ حَالَةَ الذِّكْرِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ أَصْلًا، وَقَالَ مَالِكٌ رحمه الله : إنَّهَا شَرْطٌ حَالَةَ الذِّكْرِ وَالسَّهْوِ حَتَّى لَا يُحِلَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ نَاسِيًا عِنْدَهُ، وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.

  102. أَمَّا الْكَلَام مَعَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله فَإِنَّهُ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ أَمَرَ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام أَنْ يَقُولَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيْهِ مُحَرَّمًا سِوَى الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَمَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا فَلَا يَكُونُ مُحَرَّمًا،

  103. وَلَا يُقَالُ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْمُحَرَّمُ وَقْتَ نُزُولِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ سِوَى الْمَذْكُورِ فِيهَا ثُمَّ حُرِّمَ بَعْدَ ذَلِكَ مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ بِقَوْلِهِ عز وجل ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ؛ لِأَنَّهُ قِيلَ: إنَّ سُورَةَ الْأَنْعَامِ نَزَلَتْ جُمْلَةً وَاحِدَةً،

  104. وَلَوْ كَانَ مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ مُحَرَّمًا لَكَانَ وَاجِدًا لَهُ فَيَجِبُ أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ كَمَا اسْتَثْنَى الْأَشْيَاءَ الثَّلَاثَةَ.

  105. (وَلَنَا) قَوْلُهُ عز وجل ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْآيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ مُطْلَقَ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ سَمَّى كُلَّ مَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِسْقًا بِقَوْلِهِ عز وجل ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ وَلَا فِسْقَ إلَّا بِارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ وَلَا تُحْمَلُ إلَّا عَلَى الْمَيْتَةِ وَذَبَائِحِ أَهْلِ الشِّرْكِ بِقَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ؛

  106. لِأَنَّ الْعَامَّ لَا يُخَصُّ بِالسَّبَبِ عِنْدَنَا بَلْ يَعْمَلُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لِمَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مَعَ مَا أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى ذَلِكَ حَمْلٌ عَلَى التَّكْرَارِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَيْتَةِ وَذَبَائِحِ أَهْلِ الشِّرْكِ ثَبَتَتْ بِنُصُوصٍ أُخَرَ وَهِيَ قَوْلُهُ عز وجل ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ، وَقَوْلُهُ عز وجل ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ، وَقَوْلُهُ عز وجل ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ فَالْحَمْلُ عَلَى مَا قَالَهُ يَكُونُ حَمْلًا عَلَى مَا قُلْنَا وَيَكُونُ حَمْلًا عَلَى فَائِدَةٍ جَدِيدَةٍ فَكَانَ أَوْلَى، وَقَوْلُهُ عز وجل ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ وَمُطْلَقُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا لَمَا وَجَبَ.

  107. وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنهما قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ الْكَلْبِ فَقَالَ: مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ فَإِنَّ أَخْذَهُ ذَكَاتُهُ فَإِنْ وَجَدْتَ عِنْدَ كَلْبِكَ غَيْرَهُ فَحَسِبْتَ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مَعَهُ وَقَدْ قَتَلَهُ فَلَا تَأْكُلْ؛ لِأَنَّكَ إنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى كَلْبِ غَيْرِك» نَهَى النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام عَنْ الْأَكْلِ وَعَلَّلَ بِتَرْكِ التَّسْمِيَةِ فَدَلَّ أَنَّهَا شَرْطٌ.

  108. (وَأَمَّا) الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فَفِيهَا أَنَّهُ كَانَ يَجِدُ وَقْتَ نُزُولِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ مُحَرَّمًا سِوَى الْمَذْكُورِ فِيهَا فَاحْتُمِلَ أَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ وَقْتَ نُزُولِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ وُجِدَ تَحْرِيمُ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَا تَلَوْنَا كَمَا كَانَ لَا يَجِدُ تَحْرِيمَ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ وَتَحْرِيمَ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ عِنْدَ نُزُولِهَا ثُمَّ وُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مَتْلُوٍّ أَوْ غَيْرِ مَتْلُوٍّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.

  109. (وَأَمَّا) مَا يُرْوَى أَنَّ سُورَةَ الْأَنْعَامِ نَزَلَتْ كُلُّهَا جُمْلَةً وَاحِدَةً فَمَرْوِيٌّ عَلَى طَرِيقِ الْآحَادِ فَلَا يُقْبَلُ

  110. فِي إبْطَال حُرْمَةٍ ثَبَتَتْ بِالْكِتَابِ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهَا مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَثْنَى الْمَيْتَةُ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا لَيْسَ بِمَيْتَةٍ بَلْ هُوَ مَيْتَةٌ عِنْدَنَا مَعَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيْهِ مُحَرَّمًا سِوَى الْمَذْكُورِ وَنَحْنُ لَا نُطْلِقُ اسْمَ الْمُحَرَّمِ عَلَى مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ إذْ الْمُحَرَّمُ الْمُطْلَقُ مَا ثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ إذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ أَهْلِ الدِّيَانَةِ وَإِنَّمَا نُسَمِّيهِ مَكْرُوهًا أَوْ مُحَرَّمًا فِي حَقِّ الِاعْتِقَادِ قَطْعًا عَلَى طَرِيقِ التَّعْيِينِ بَلْ عَلَى الْإِبْهَامِ أَنَّ مَا أَرَادَ اللَّهُ عز وجل مِنْ هَذَا النَّهْيِ فَهُوَ حَقٌّ لَكِنَّا نَمْتَنِعُ عَنْ أَكْلِهِ احْتِيَاطًا وَهُوَ تَفْسِيرُ الْحُرْمَةِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ.

  111. (وَأَمَّا) الْكَلَامُ مَعَ مَالِكٍ رحمه الله فَهُوَ احْتَجَّ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ، وَلِأَنَّ التَّسْمِيَةَ لَمَّا كَانَتْ وَاجِبَةً حَالَةَ الْعَمْدِ فَكَذَا حَالَةَ النِّسْيَانِ؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ وَالْحَظْرَ كَالْخَطَأِ حَتَّى كَانَ النَّاسِي وَالْخَاطِئُ جَائِزَ الْمُؤَاخَذَةِ عَقْلًا وَلِهَذَا اسْتَوَى الْعَمْدُ وَالسَّهْوُ فِي تَرْكِ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ وَالطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الشَّرَائِطِ وَالْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا عِنْدَكُمْ كَذَا هَهُنَا.

  112. (وَلَنَا) مَا رُوِيَ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ سَمَّى أَوْ لَمْ يُسَمِّ مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ» وَهَذَا نَصٌّ فِي الْبَابِ.

  113. وَأَمَّا الْآيَةُ فَلَا تَتَنَاوَلُ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ قَالَ عز وجل ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ أَيْ: تَرْكُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ فِسْقٌ، وَتَرْكُ التَّسْمِيَةِ سَهْوًا لَا يَكُونُ فِسْقًا

  114. وَكَذَا كُلُّ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ سَهْوًا لَا يَلْحَقُهُ سِمَةُ الْفِسْقِ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ اجْتِهَادِيَّةٌ وَفِيهَا اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ فَدَلَّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا لَا سَهْوًا، وَالثَّانِي: أَنَّ النَّاسِيَ لَمْ يَتْرُكْ التَّسْمِيَةَ بَلْ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عز وجل وَالذِّكْرُ قَدْ يَكُونُ بِاللِّسَانِ وَقَدْ يَكُونُ بِالْقَلْبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ وَالنَّاسِي ذَاكِرٌ بِقَلْبِهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ ذَبَحَ وَنَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَقَالَ رضي الله عنه : اسْمُ اللَّهِ عز وجل فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ فَلْيَأْكُلْ.

  115. وَعَنْهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ: إنَّ الْمُسْلِمَ ذَكَرَ اللَّهَ فِي قَلْبِهِ، وَقَالَ: كَمَا لَا يَنْفَعُ الِاسْمُ فِي الشِّرْكِ لَا يَضُرُّ النِّسْيَانُ فِي الْإِسْلَامِ،

  116. وَعَنْهُ رضي الله عنه فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ: فِي الْمُسْلِمِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا ذَبَحَ وَنَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ فَكُلْ وَإِذَا ذَبَحَ الْمَجُوسِيُّ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا تَطْعَمْهُ، وَعَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رضي الله عنه سُئِلَ عَنْ هَذَا فَقَالَ: إنَّمَا هِيَ عِلَّةُ الْمَسْأَلَةِ فَثَبَتَ أَنَّ النَّاسِيَ ذَاكِرٌ فَكَانَتْ ذَبِيحَتُهُ مَذْكُورَ التَّسْمِيَةِ فَلَا تَتَنَاوَلُهَا الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ.

  117. وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ النِّسْيَانَ لَا يَدْفَعُ التَّكْلِيفَ وَلَا يَدْفَعُ الْحَظْرَ حَتَّى لَمْ يُجْعَلْ عُذْرًا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ عَلَى مَا ضُرِبَ مِنْ الْأَمْثِلَةِ فَنَقُولُ: النِّسْيَانُ جُعِلَ عُذْرًا مَانِعًا مِنْ التَّكْلِيفِ وَالْمُؤَاخَذَةِ فِيمَا يَغْلِبُ وُجُودُهُ وَلَمْ يُجْعَلْ عُذْرًا فِيمَا لَا يَغْلِبُ وُجُودُهُ؛

  118. لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُجْعَلْ عُذْرًا فِيمَا يَغْلِبُ وُجُودُهُ لَوَقَعَ النَّاسُ فِي الْحَرَجِ وَالْحَرَجُ مَدْفُوعٌ.

  119. وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ مَنْ لَمْ يُعَوِّدْ نَفْسَهُ فِعْلًا يُعْذَرُ فِي تَرْكِهِ وَاشْتِغَالِهِ بِضِدِّهِ سَهْوًا؛ لِأَنَّ حِفْظَ النَّفْسِ عَنْ الْعَادَةِ الَّتِي هِيَ طَبِيعَةٌ خَامِسَةٌ خَطْبٌ صَعْبٌ وَأَمْرٌ أَمَرُّ فَيَكُونُ النِّسْيَانُ فِيهِ غَالِبَ الْوُجُودِ فَلَوْ لَمْ يُعْذَرْ لَلَحِقَهُ الْحَرَجُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا لَمْ يُعَوِّدْ نَفْسَهُ مِثَالُهُ أَنَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ مِنْ الصَّائِمِ سَهْوًا جُعِلَ عُذْرًا فِي الشَّرْعِ حَتَّى لَا يَفْسُدَ صَوْمُهُ؛

  120. لِأَنَّهُ عَوَّدَ نَفْسَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يُعَوِّدْهَا ضِدَّهُ وَهُوَ الْكَفُّ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَلَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ عُذْرًا فِي الْمُصَلِّي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَوِّدْ نَفْسَهُ ذَلِكَ فِي كُلِّ زَمَانٍ بَلْ فِي وَقْتٍ مَعْهُودٍ وَهُوَ الْغَدَاةُ وَالْعَشِيُّ خُصُوصًا فِي حَالِ الصَّلَاةِ الَّتِي تُخَالِفُ أَوْقَاتَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَكَانَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ فِيهَا فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ فَلَمْ يُجْعَلْ عُذْرًا.

  121. وَالْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الصَّلَاةِ تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ عَادَةً فَكَانَ النِّسْيَانُ فِيهَا نَادِرًا فَلَمْ يُجْعَلْ عُذْرًا

  122. وَكَذَلِكَ تَرْكُ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ سَهْوًا؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي الصَّلَاةِ يَكُونُ بِهَا وَتَرْكُهَا سَهْوًا عِنْدَ تَصْمِيمِ الْعَزْمِ عَلَى الشُّرُوعِ فِيهَا مِمَّا يَنْدُرُ فَلَمْ يُعْذَرْ،

  123. وَكَذَا تَرْكُ الطَّهَارَةِ عِنْدَ حُضُورِ وَقْتِ الصَّلَاةِ سَهْوًا؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ عَلَى اسْتِعْدَادِ الصَّلَاةِ عِنْدَ هُجُومِ وَقْتِهَا عَادَةً فَالشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ سَهْوًا يَكُونُ نَادِرًا فَلَا يُعْذَرُ وَيَلْحَقُ بِالْعَدَمِ،

  124. فَأَمَّا ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَمْرٌ لَمْ يُعَوِّدْهُ الذَّابِحُ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ عَلَى مَجْرَى الْعَادَةِ يَكُونُ مِنْ الْقَصَّابِينَ وَمِنْ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ لَمْ يُعَوِّدُوا أَنْفُسَهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ عز وجل فَتَرْكُ التَّسْمِيَةِ مِنْهُمْ سَهْوًا لَا يَنْدُرُ وُجُودُهُ بَلْ يَغْلِبُ فَجُعِلَ عُذْرًا دَفْعًا لِلْحَرَجِ فَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى هُوَ الْمُوَفِّقُ.

  125. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّسْمِيَةَ حَالَةَ الذِّكْرِ مِنْ شَرَائِطِ الْحِلِّ عِنْدَنَا فَبَعْدَ ذَلِكَ يَقَعُ الْكَلَامُ فِي بَيَانِ رُكْنِ التَّسْمِيَةِ وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الرُّكْنِ وَفِي بَيَانِ وَقْتِ التَّسْمِيَةِ.

  126. أَمَّا رُكْنُهَا فَذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ عز وجل أَيِّ اسْمٍ كَانَ

  127. لِقَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ - وَمَا لَكُمْ أَلا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ﴾ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ اسْمٍ وَاسْمٍ، وَقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ؛ لِأَنَّهُ إذَا ذَكَرَ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تبارك وتعالى لَمْ يَكُنْ الْمَأْكُولُ مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا، وَسَوَاءٌ قَرَنَ بِالِاسْمِ الصِّفَةَ بِأَنْ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَجَلُّ اللَّهَ، أَعْظَمُ اللَّهَ الرَّحْمَنَ اللَّهَ الرَّحِيمَ وَنَحْوُ ذَلِكَ، أَوْ لَمْ يَقْرِنْ بِأَنْ قَالَ: اللَّهَ أَوْ الرَّحْمَنَ أَوْ الرَّحِيمَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛

  128. لِأَنَّهُ الْمَشْرُوطُ بِالْآيَةِ عَزَّ شَأْنُهُ وَقَدْ وُجِدَ.

  129. وَكَذَا فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنهما «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ اسْمٍ وَاسْمٍ

  130. وَكَذَا التَّهْلِيلُ وَالتَّحْمِيدُ وَالتَّسْبِيحُ سَوَاءٌ كَانَ جَاهِلًا بِالتَّسْمِيَةِ الْمَعْهُودَةِ أَوْ عَالِمًا بِهَا لِمَا قُلْنَا، وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رضي الله عنهما فِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ أَنَّهُ يَصِيرُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَوْ الْحَمْدِ لِلَّهِ أَوْ سُبْحَانَ اللَّهِ فَهَهُنَا أَوْلَى.

  131. وَأَمَّا عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَتَصِحُّ بِهَا عِنْدَهُ فَيَحْتَاجُ هُوَ إلَى الْفَرْقِ وَالْفَرْقُ لَهُ أَنَّ الشَّرْعَ مَا وَرَدَ هُنَاكَ إلَّا بِلَفْظِ التَّكْبِيرِ وَهَهُنَا وَرَدَ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسَوَاءٌ كَانَتْ التَّسْمِيَةُ بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ بِالْفَارِسِيَّةِ أَوْ أَيِّ لِسَانٍ كَانَ وَهُوَ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ أَوْ يُحْسِنُهَا.

  132. كَذَا رَوَى بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَوْ أَنَّ رَجُلًا سَمَّى عَلَى الذَّبِيحَةِ بِالرُّومِيَّةِ أَوْ بِالْفَارِسِيَّةِ وَهُوَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ أَوْ لَا يُحْسِنُهَا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عَنْ التَّسْمِيَةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَالسُّنَّةِ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى مُطْلَقًا عَنْ الْعَرَبِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فِي اعْتِبَارِهِ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ فِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ فَيَسْتَوِي فِي الذَّبْحِ التَّكْبِيرَةُ الْعَرَبِيَّةُ وَالْعَجَمِيَّةُ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى فَأَمَّا عَلَى أَصْلِهِمَا فَهُمَا يَحْتَاجَانِ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالتَّسْمِيَةِ حَيْثُ قَالَا فِي التَّسْمِيَةِ: إنَّهَا جَائِزَةٌ بِالْعَجَمِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ أَوْ لَا يُحْسِنُ.

  133. وَفِي التَّكْبِيرِ لَا يَجُوزُ بِالْعَجَمِيَّةِ إلَّا إذَا كَانَ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ؛ لِأَنَّ الْمَشْرُوطَ هَهُنَا ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ يُوجَدُ بِكُلِّ لِسَانٍ وَالشَّرْطُ هُنَاكَ لَفْظَةُ التَّكْبِيرِ؛ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ وَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَيَقُولَ اللَّهُ أَكْبَرُ» نَفَى عليه الصلاة والسلام الْقَبُولَ بِدُونِ لَفْظِ التَّكْبِيرِ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ بِغَيْرِ لَفْظِ الْعَرَبِيَّةِ.

  134. وَأَمَّا شَرَائِطُ الرُّكْنِ فَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ التَّسْمِيَةُ مِنْ الذَّابِحِ حَتَّى لَوْ سَمَّى غَيْرُهُ وَالذَّابِحُ سَاكِتٌ وَهُوَ ذَاكِرٌ غَيْرُ نَاسٍ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أَيْ: لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ الذَّابِحِ فَكَانَتْ مَشْرُوطَةً فِيهِ.

  135. (وَمِنْهَا) أَنْ يُرِيدَ بِهَا التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ بِهَا التَّسْمِيَةَ لِافْتِتَاحِ الْعَمَلِ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى أَمَرَ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ وَلَا يَكُونُ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ إلَّا وَأَنْ يُرَادَ بِهَا التَّسْمِيَةُ عَلَى الذَّبِيحَةِ، وَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْحَمْدَ عَلَى سَبِيلِ الشُّكْرِ لَا يَحِلُّ،

  136. وَكَذَا لَوْ سَبَّحَ أَوْ هَلَّلَ أَوْ كَبَّرَ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ وَصْفَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالتَّنَزُّهِ عَنْ صِفَاتِ الْحُدُوثِ لَا غَيْرُ لَا يَحِلُّ لِمَا قُلْنَا.

  137. (وَمِنْهَا) تَجْرِيدُ اسْمِ اللَّهِ سبحانه وتعالى عَنْ اسْمِ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ اسْمَ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام حَتَّى لَوْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ الرَّسُولِ لَا يَحِلُّ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وَقَوْلِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام «مَوْطِنَانِ لَا أُذْكَرُ فِيهِمَا: عِنْدَ الْعُطَاسِ، وَعِنْدَ الذَّبْحِ» ، وَقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما جَرِّدُوا التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الذَّبْحِ؛

  138. وَلِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ يَذْكُرُونَ مَعَ اللَّهِ سبحانه وتعالى غَيْرَهُ فَتَجِبُ مُخَالَفَتُهُمْ بِالتَّجْرِيدِ،

  139. وَلَوْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ قَالَ: وَمُحَمَّدٍ بِالْجَرِّ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ أَشْرَكَ فِي اسْمِ اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ اسْمَ غَيْرِهِ،

  140. وَإِنْ قَالَ: مُحَمَّدٌ بِالرَّفْعِ يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْطِفْهُ بَلْ اسْتَأْنَفَ فَلَمْ يُوجَدْ الْإِشْرَاكُ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِوُجُودِ الْوَصْلِ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ فَيُتَصَوَّرُ بِصُورَةِ الْحَرَامِ فَيُكْرَهُ،

  141. وَإِنْ قَالَ: وَمُحَمَّدًا بِالنَّصْبِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ مَا عَطَفَ بَلْ اسْتَأْنَفَ إلَّا أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي الْإِعْرَابِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ انْتِصَابَهُ بِنَزْعِ الْحَرْفِ الْخَافِضِ كَأَنَّهُ قَالَ: وَمُحَمَّدٍ فَيَتَحَقَّقُ الْإِشْرَاكِ فَلَا يَحِلُّ.

  142. هَذَا إذَا ذَكَرَ الْوَاوَ فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ بِأَنْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَحِلُّ كَيْفَمَا كَانَ لِعَدَمِ شِرْكِهِ.

  143. (وَمِنْهَا) أَنْ يَقْصِدَ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى تَعْظِيمَهُ عَلَى الْخُلُوصِ وَلَا يَشُوبُهُ مَعْنَى الدُّعَاءِ حَتَّى لَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَسْمِيَةً؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَالدُّعَاءُ لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّعْظِيمُ الْمَحْضُ فَلَا يَكُونُ تَسْمِيَةً كَمَا لَا يَكُونُ تَكْبِيرًا، وَفِي قَوْلِهِ اللَّهُمَّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ كَمَا فِي التَّكْبِيرِ.

  144. (أَمَّا) وَقْتُ التَّسْمِيَةِ فَوَقْتُهَا فِي الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَقْتُ الذَّبْحِ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ إلَّا بِزَمَانٍ قَلِيلٍ لَا يُمْكِنُ

  145. التَّحَرُّزُ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وَالذَّبْحُ مُضْمَرٌ فِيهِ مَعْنَاهُ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ الذَّبَائِحِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الذَّبِيحَةِ إلَّا وَقْتَ الذَّبْحِ

  146. وَكَذَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِ الْآيَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ: إنَّ الذَّبْحَ مُضْمَرٌ فِيهِمَا أَيْ: فَكُلُوا مِمَّا ذُبِحَ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُبِحَ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فَكَانَ وَقْتُ التَّسْمِيَةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَقْتَ الذَّبْحِ.

  147. (وَأَمَّا) الذَّكَاةُ الِاضْطِرَارِيَّةُ فَوَقْتُهَا وَقْتُ الرَّمْيِ وَالْإِرْسَالِ لَا وَقْتُ الْإِصَابَةِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام «لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه حِينَ سَأَلَهُ عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ وَالْكَلْبِ إذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ وَإِنْ أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ أَيْ: عَلَى الْمِعْرَاضِ وَالْكَلْبِ وَلَا تَقَعُ التَّسْمِيَةُ عَلَى السَّهْمِ وَالْكَلْبِ إلَّا عِنْدَ الرَّمْيِ وَالْإِرْسَالِ فَكَانَ وَقْتُ التَّسْمِيَةِ فِيهَا هُوَ وَقْتُ الرَّمْيِ وَالْإِرْسَالِ، وَالْمَعْنَى هَكَذَا يَقْتَضِي وَهُوَ أَنَّ التَّسْمِيَةَ شَرْطٌ وَالشَّرَائِطُ يُعْتَبَرُ وُجُودُهَا حَالَ وُجُودِ الرُّكْنِ؛

  148. لِأَنَّ عِنْدَ وُجُودِهَا يَصِيرُ الرُّكْنُ عِلَّةً كَمَا فِي سَائِرِ الْأَرْكَانِ مَعَ شَرَائِطِهَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.

  149. وَالرُّكْنُ فِي الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ هُوَ الذَّبْحُ وَفِي الِاضْطِرَارِيَّةِ هُوَ الْجَرْحُ وَذَلِكَ مُضَافٌ إلَى الرَّامِي وَالْمُرْسِلِ وَإِنَّمَا السَّهْمُ وَالْكَلْبُ آلَةُ الْجَرْحِ وَالْفِعْلُ يُضَافُ إلَى مُسْتَعْمِلِ الْآلَةِ لَا إلَى الْآلَةِ لِذَلِكَ اُعْتُبِرَ وُجُودُ التَّسْمِيَةِ وَقْتَ الذَّبْحِ وَالْجَرْحِ وَهُوَ وَقْتُ الرَّمْيِ وَالْإِرْسَالِ وَلَا يُعْتَبَرُ وَقْتُ الْإِصَابَةِ فِي الذَّكَاةِ الِاضْطِرَارِيَّةِ؛

  150. لِأَنَّ الْإِصَابَةَ لَيْسَتْ مِنْ صُنْعِ الْعَبْدِ لَا مُبَاشَرَةً وَلَا سَبَبًا بَلْ مَحْضُ صُنْعِ اللَّهِ عز وجل يَعْنِي بِهِ مَصْنُوعَهُ، هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِالْمُتَوَلِّدَاتِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَقْدُورَ الْعَبْدِ، وَمَقْدُورُ الْعَبْدِ مَا يَقُومُ بِمَحَلِّ قُدْرَتِهِ وَهُوَ نَفْسُهُ وَذَلِكَ هُوَ الرَّمْيُ السَّابِقُ وَالْإِرْسَالُ السَّابِقُ فَتُعْتَبَرُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَهُمَا عَلَى أَنَّ الْإِصَابَةَ قَدْ تَكُونُ وَقَدْ لَا تَكُونُ فَلَا يُمْكِنُ إيقَاعُ التَّسْمِيَةِ عَلَيْهَا.

  151. وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا رَوَى بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَضْجَعَ شَاةً لِيَذْبَحَهَا وَسَمَّى ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَرْسَلَهَا وَأَضْجَعَ أُخْرَى فَذَبَحَهَا بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ وَلَا تُؤْكَلُ لِعَدَمِ التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ،

  152. وَلَوْ رَمَى صَيْدًا فَسَمَّى فَأَخْطَأَ وَأَصَابَ آخَرَ فَقَتَلَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ

  153. وَكَذَلِكَ إذَا أَرْسَلَ كَلْبًا عَلَى صَيْدٍ فَأَخْطَأَ فَأَخَذَ غَيْرَ الَّذِي أَرْسَلَهُ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ لِوُجُودِ التَّسْمِيَةِ عَلَى السَّهْمِ وَالْكَلْبِ عِنْدَ الرَّمْيِ وَالْإِرْسَالِ وَذُكِرَ فِي الْأَصْلِ أَرَأَيْتَ الذَّابِحَ يَذْبَحُ الشَّاتَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فَيُسَمِّي عَلَى الْأُولَى وَيَدَعُ التَّسْمِيَةَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ عَمْدًا قَالَ: يَأْكُلُ الشَّاةَ الَّتِي سَمَّى عَلَيْهَا وَلَا يَأْكُلُ مَا سِوَى ذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّا.

  154. وَلَوْ أَضْجَعَ شَاةً لِيَذْبَحَهَا وَسَمَّى عَلَيْهَا ثُمَّ أَلْقَى السِّكِّينَ وَأَخَذَ سِكِّينًا آخَرَ فَذَبَحَ بِهِ يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ تَقَعُ عَلَى الْمَذْبُوحِ لَا عَلَى الْآلَةِ وَالْمَذْبُوحُ وَاحِدٌ فَلَا يُعْتَبَرُ اخْتِلَافُ الْآلَةِ

  155. بِخِلَافِ مَا إذَا سَمَّى عَلَى سَهْمٍ ثُمَّ رَمَى بِغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي الذَّكَاةِ الِاضْطِرَارِيَّةِ تَقَعُ عَلَى السَّهْمِ لَا عَلَى الْمَرْمِيِّ إلَيْهِ وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّهْمُ فَالتَّسْمِيَةُ عَلَى أَحَدِهِمَا لَا تَكُونُ تَسْمِيَةً عَلَى الْآخَرِ.

  156. وَلَوْ أَضْجَعَ شَاةً لِيَذْبَحَهَا وَسَمَّى عَلَيْهَا فَكَلَّمَهُ إنْسَانٌ فَأَجَابَهُ أَوْ اسْتَسْقَى مَاءً فَشَرِبَ أَوْ أَخَذَ السِّكِّينَ فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَلَمْ يَكْثُرْ ذَلِكَ مِنْهُ ثُمَّ ذَبَحَ عَلَى تِلْكَ التَّسْمِيَةِ تُؤْكَلُ وَإِنْ تَحَدَّثَ وَأَطَالَ الْحَدِيثَ أَوْ أَخَذَ فِي عَمَلٍ آخَرَ أَوْ حَدَّ شَفْرَتَهُ أَوْ كَانَتْ الشَّاةُ قَائِمَةً فَصَرَعَهَا ثُمَّ ذَبَحَ لَا تُؤْكَلُ؛

  157. لِأَنَّ زَمَانَ مَا بَيْنَ التَّسْمِيَةِ وَالذَّبْحِ إذَا كَانَ يَسِيرًا لَا يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَيُلْحَقُ بِالْعَدَمِ وَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ سَمَّى مَعَ الذَّبْحِ وَإِذَا كَانَ طَوِيلًا يَقَعُ فَاصِلًا بَيْنَ التَّسْمِيَةِ وَالذَّبْحِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ سَمَّى فِي يَوْمٍ وَذَبَحَ فِي يَوْمٍ آخَرَ فَلَمْ تُوجَدْ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الذَّبْحِ مُتَّصِلَةً بِهِ.

  158. وَلَوْ سَمَّى ثُمَّ انْقَلَبَتْ الشَّاةُ وَقَامَتْ مِنْ مَضْجَعِهَا ثُمَّ أَعَادَهَا إلَى مَضْجَعِهَا فَقَدْ انْقَطَعَتْ التَّسْمِيَةُ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا رَمَى صَيْدًا وَلَمْ يُسَمِّ مُتَعَمِّدًا ثُمَّ سَمَّى بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا وَتَرَكَ التَّسْمِيَةَ مُتَعَمِّدًا فَلَمَّا مَضَى الْكَلْبُ فِي تَبَعِ الصَّيْدِ سَمَّى أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ؛

  159. لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ لَمْ تُوجَدْ وَقْتَ الرَّمْيِ وَالْإِرْسَالِ

  160. وَكَذَا لَوْ مَضَى الْكَلْبُ إلَى الصَّيْدِ فَزَجَرَهُ وَسَمَّى وَانْزَجَرَ بِزَجْرِهِ إنَّهُ لَا يُؤْكَلُ أَيْضًا، وَفَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا اتَّبَعَ الْكَلْبُ الصَّيْدَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْسِلَهُ أَحَدٌ ثُمَّ زَجَرَهُ مُسْلِمٌ أَنَّهُ إنْ انْزَجَرَ بِزَجْرِهِ فَأَخَذَ الصَّيْدَ فَقَتَلَهُ يُؤْكَلُ وَإِنْ لَمْ يَنْزَجِرْ لَا يُؤْكَلُ.

  161. (وَوَجْهُ) الْفَرْقِ نَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

  162. وَلَوْ رَمَى أَوْ أَرْسَلَ وَهُوَ مُسْلِمٌ ثُمَّ ارْتَدَّ أَوْ كَانَ حَلَالًا فَأَحْرَمَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ وَأَخَذَ الصَّيْدَ يَحِلُّ وَلَوْ كَانَ مُرْتَدًّا ثُمَّ أَسْلَمَ وَسَمَّى لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ وَقْتُ الرَّمْيِ

  163. وَالْإِرْسَالِ كَمَا بَيَّنَّا فَتُرَاعَى الْأَهْلِيَّةُ عِنْدَ ذَلِكَ.

  164. وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَنْبَنِي شَرْطُ تَعْيِينِ الْمَحَلِّ بِالتَّسْمِيَةِ فِي الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَهُوَ بَيَانُ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الشَّرَائِطِ الَّتِي تَخُصُّ أَحَدَ النَّوْعَيْنِ دُونَ الْآخَرِ وَهِيَ أَنْوَاعٌ: يَرْجِعُ بَعْضُهَا إلَى الْمُذَكِّي، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى مَحَلِّ الذَّكَاةِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى آلَةِ الذَّكَاةِ.

  165. أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمُذَكِّي فَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا وَهَذَا فِي الذَّكَاةِ الِاضْطِرَارِيَّةِ دُونَ الِاخْتِيَارِيَّةِ حَتَّى أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا قَتَلَ صَيْدَ الْبَرِّ وَسَمَّى لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ لِحَقِّ الْإِحْرَامِ؛ لِقَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أَيْ: وَأَنْتُمْ مُحْرِمُونَ، وَقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ وَالصَّيْدُ إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ مِنْ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ إلَى آخِرِهِ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ؛

  166. لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى سبحانه وتعالى الصَّيْدَ بِقَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ وَإِنَّمَا يُسْتَثْنَى الشَّيْءُ مِنْ الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ فَجُعِلَ مَذْكُورًا بِطَرِيقِ الْإِضْمَارِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْإِبَاحَةِ تَحْرِيمٌ فَكَانَ اصْطِيَادُ الْمُحْرِمِ مُحَرَّمًا فَكَانَ صَيْدُهُ مَيْتَةً كَصَيْدِ الْمَجُوسِيِّ سَوَاءٌ اصْطَادَ بِنَفْسِهِ أَوْ اُصْطِيدَ لَهُ بِأَمْرِهِ؛ لِأَنَّ مَا صِيدَ لَهُ بِأَمْرِهِ فَهُوَ صَيْدُهُ مَعْنًى وَتَحِلُّ ذَبِيحَةُ الْمُسْتَأْنَسِ؛

  167. لِأَنَّ التَّحْرِيمَ خُصَّ بِالصَّيْدِ فَبَقِيَ غَيْرُهُ عَلَى عُمُومِ الْإِبَاحَةِ، وَيَحِلُّ لَهُ صَيْدُ الْبَحْرِ لِقَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ وَقَدْ مَرَّ ذَلِكَ.

  168. وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعْ إلَى مَحَلِّ الذَّكَاةِ فَمِنْهَا تَعْيِينُ الْمَحَلِّ بِالتَّسْمِيَةِ فِي الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الذَّكَاةِ الِاضْطِرَارِيَّةِ وَهِيَ الرَّمْيُ وَالْإِرْسَالُ إلَى الصَّيْدِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تبارك وتعالى عَلَى الذَّبِيحِ لِمَا تَلَوْنَا مِنْ الْآيَاتِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِتَعْيِينِ الذَّبِيحِ بِالتَّسْمِيَةِ وَلِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تبارك وتعالى لَمَّا كَانَ وَاجِبًا فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا، وَالتَّعْيِينُ فِي الصَّيْدِ لَيْسَ بِمَقْدُورٍ؛

  169. لِأَنَّ الصَّائِدَ قَدْ يَرْمِي وَيُرْسِلُ عَلَى قَطِيعٍ مِنْ الصَّيْدِ وَقَدْ يَرْمِي وَيُرْسِلُ عَلَى حِسِّ الصَّيْدِ فَلَا يَكُونُ التَّعْيِينُ وَاجِبًا وَالْمُسْتَأْمَنُ مَقْدُورٌ فَيَكُونُ وَاجِبًا.

  170. وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا ذَبَحَ شَاةً وَسَمَّى ثُمَّ ذَبَحَ شَاةً أُخْرَى يَظُنُّ أَنَّ التَّسْمِيَةَ الْأُولَى تُجْزِي عَنْهُمَا لَمْ تُؤْكَلْ وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُجَدِّدَ لِكُلِّ ذَبِيحَةٍ تَسْمِيَةً عَلَى حِدَةٍ،

  171. وَلَوْ رَمَى سَهْمًا فَقَتَلَ بِهِ مِنْ الصَّيْدِ اثْنَيْنِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ،

  172. وَكَذَلِكَ لَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا أَوْ بَازِيًا وَسَمَّى فَقَتَلَ مِنْ الصَّيْدِ اثْنَيْنِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ تَجِبُ عِنْدَ الْفِعْلِ وَهُوَ الذَّبْحُ فَإِذَا تَجَدَّدَ الْفِعْلُ تُجَدَّدُ التَّسْمِيَةُ،

  173. فَأَمَّا الرَّمْيُ وَالْإِرْسَالُ فَهُوَ فِعْلٌ وَاحِدٌ وَإِنْ كَانَ يَتَعَدَّى إلَى مَفْعُولَيْنِ فَتُجْزِي فِيهِ تَسْمِيَةٌ وَاحِدَةٌ.

  174. وَوِزَانُ الصَّيْدِ مِنْ الْمُسْتَأْنَسِ مَا لَوْ أَضْجَعَ شَاتَيْنِ وَأَمَرَّ السِّكِّينَ عَلَيْهِمَا مَعًا أَنَّهُ تُجْزِئُ فِي ذَلِكَ تَسْمِيَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا فِي الصَّيْدِ فَإِنْ قِيلَ هَلَّا جَعَلَ ظَنَّهُ أَنَّ التَّسْمِيَةَ عَلَى الشَّاةِ الْأُولَى تُجْزِئُ عَنْ الثَّانِيَةِ عُذْرًا كَنِسْيَانِ التَّسْمِيَةِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ النِّسْيَانِ بَلْ مِنْ الْجَهْلِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ وَالْجَهْلُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ لَيْسَ بِعُذْرٍ وَالنِّسْيَانُ عُذْرٌ.

  175. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْأَكْلَ لَا يُفْطِرُ الصَّائِمَ فَأَكَلَ بَطَلَ صَوْمُهُ وَلَوْ أَكَلَ نَاسِيًا لَا يَبْطُلُ.

  176. فَإِنْ نَظَرَ إلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّيْدِ فَرَمَى بِسَهْمٍ وَسَمَّى وَتَعَمَّدَهَا وَلَمْ يَتَعَمَّدْ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ فَأَصَابَ مِنْهَا صَيْدًا فَقَتَلَهُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ وَكَذَلِكَ الْكَلْبُ وَالْبَازِي.

  177. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا نَظَرَ إلَى غَنَمِهِ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ،

  178. ثُمَّ أَخَذَ وَاحِدَةً فَأَضْجَعَهَا وَذَبَحَهَا وَتَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا وَظَنَّ أَنَّ تِلْكَ التَّسْمِيَةَ تُجْزِيهِ لَا تُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ عِنْدَ الذَّبْحِ وَالشَّرْطُ هُوَ التَّسْمِيَةُ عَلَى الذَّبِيحَةِ وَذَلِكَ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ نَفْسِهِ لَا عِنْدَ النَّظَرِ، وَتَعْيِينُ الذَّبِيحَةِ مَقْدُورٌ فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ شَرْطًا وَتَعْيِينُ الصَّيْدِ بِالرَّمْيِ وَالْإِرْسَالِ مُتَعَذَّرٌ لِمَا بَيَّنَّا فَلَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُجْعَلَ شَرْطًا.

  179. وَلَوْ رَمَى صَيْدًا بِعَيْنِهِ أَوْ أَرْسَلَ الْكَلْبَ أَوْ الْبَازِيَ عَلَى صَيْدٍ بِعَيْنِهِ فَأَخْطَأَ فَأَصَابَ غَيْرَهُ يُؤْكَلُ،

  180. وَكَذَا لَوْ رَمَى ظَبْيًا فَأَصَابَ طَيْرًا أَوْ أَرْسَلَ عَلَى ظَبْيٍ فَأَخَذَ طَيْرًا؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ فِي الصَّيْدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ.

  181. (وَمِنْهَا) قِيَامُ أَصْلِ الْحَيَاةِ فِي الْمُسْتَأْمَنِ وَقْتَ الذَّبْحِ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يُكْتَفَى بِقِيَامِ أَصْلِ الْحَيَاةِ بَلْ تُعْتَبَرُ حَيَاةً مَقْدُورَةً كَالشَّاةِ الْمَرِيضَةِ وَالْوَقِيذَةِ وَالنَّطِيحَةِ وَجَرِيحَةِ السَّبُعِ إذَا لَمْ يَبْقَ فِيهَا إلَّا حَيَاةٌ قَلِيلَةٌ عُرِفَ ذَلِكَ بِالصِّيَاحِ أَوْ بِتَحْرِيكِ الذَّنَبِ أَوْ طَرْفِ الْعَيْنِ أَوْ التَّنَفُّسِ وَأَمَّا خُرُوجُ الدَّمِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْحَيَاةِ إلَّا إذَا كَانَ يَخْرُجُ كَمَا يَخْرُجُ مِنْ الْحَيِّ الْمُطْلَقِ فَإِذَا ذَبَحَهَا وَفِيهَا قَلِيلُ حَيَاةٍ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا تُؤْكَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه .

  182. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَعِيشُ مَعَ ذَلِكَ فَذَبَحَهَا لَا تُؤْكَلُ وَإِنْ كَانَ

  183. يَعْلَمُ أَنَّهَا تَعِيشُ مَعَ ذَلِكَ فَذَبَحَهَا تُؤْكَلُ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: إنْ كَانَ لَهَا مِنْ الْحَيَاةِ مِقْدَارُ مَا تَعِيشُ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ فَذَبَحَهَا تُؤْكَلُ وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله : إنْ كَانَ لَمْ يَبْقَ مِنْ حَيَاتِهَا إلَّا قَدْرُ حَيَاةِ الْمَذْبُوحِ بَعْدَ الذَّبْحِ أَوْ أَقَلُّ فَذَبَحَهَا لَا تُؤْكَلُ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ تُؤْكَلُ، وَذَكَر الطَّحَاوِيُّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مُفَسَّرًا فَقَالَ: إنَّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ إنْ لَمْ يَبْقَ مَعَهَا إلَّا الِاضْطِرَابَ لِلْمَوْتِ فَذَبَحَهَا فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ وَإِنْ كَانَتْ تَعِيشُ مُدَّةً كَالْيَوْمِ أَوْ كَنِصْفِهِ حَلَّتْ.

  184. (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا إنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا كَانَتْ مَيْتَةً مَعْنًى فَلَا تَلْحَقُهَا الذَّكَاةُ كَالْمَيْتَةِ حَقِيقَةً، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ اسْتَثْنَى سبحانه وتعالى الْمُذَكَّى مِنْ الْجُمْلَةِ الْمُحَرَّمَةِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ التَّحْرِيمِ إبَاحَةٌ وَهَذِهِ مُذَكَّاةٌ لِوُجُودِ فَرْيِ الْأَوْدَاجِ مَعَ قِيَامِ الْحَيَاةِ فَدَخَلَتْ تَحْتَ النَّصِّ.

  185. وَأَمَّا الصَّيْدُ إذَا جَرَحَهُ السَّهْمُ أَوْ الْكَلْبُ فَأَدْرَكَهُ صَاحِبُهُ حَيًّا فَإِنْ ذَكَّاهُ يُؤْكَلُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا كَيْفَ مَا كَانَ سَوَاءٌ كَانَتْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ، وَخَرَجَ الْجُرْحُ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَكَاةً فِي حَقِّهِ وَصَارَ ذَكَاتُهُ الذَّبْحَ فِي الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ ذَكَاةً مُطْلَقَةً فَيَدْخُلُ تَحْتَ النَّصِّ،

  186. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَعَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله ذَكَاتُهُ الذَّبْحُ وَقَدْ وُجِدَ لِوُجُودِ أَصْلِ الْحَيَاةِ فَصَارَ مُذَكًّى، وَعَلَى أَصْلِهِمَا لَا حَاجَةَ إلَى الذَّبْحِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُذَكًّى بِالْجُرْحِ فَالذَّبْحُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ إنْ كَانَ لَا يَنْفَعُ وَإِنْ لَمْ يُذَكِّهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَبْحِهِ فَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ لَا يُؤْكَلُ؛

  187. لِأَنَّ ذَكَاتَهُ تَحَوَّلَتْ مِنْ الْجُرْحِ إلَى الذَّبْحِ فَإِذَا لَمْ يُذْبَحْ كَانَ مَيْتَةً وَإِنْ كَانَتْ حَيَاتُهُ غَيْرَ مُسْتَقِرَّةٍ يُؤْكَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه وَإِنْ قَلَّتْ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ

  188. بِخِلَافِ الْمُسْتَأْنَسِ عِنْدَهُ، وَالْفَرْقُ لَهُ أَنَّ الرَّمْيَ وَالْإِرْسَالَ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْجُرْحُ كَانَ ذَكَاةً فِي الصَّيْدِ فَلَا تُعْتَبَرُ هَذِهِ الْحَيَاةُ بَعْدَ وُجُودِ الذَّكَاةِ وَلَمْ تَتَقَوَّمْ ذَكَاةٌ فِي الْمُسْتَأْنَسِ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ هَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْحَيَاةِ لِتَحَقُّقِ الذَّكَاةِ.

  189. وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَكَذَلِكَ لَكِنْ عَلَى اخْتِلَافِ تَفْسِيرِهِمَا لِلْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ وَغَيْرِ الْمُسْتَقِرَّةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمُسْتَأْمَنِ هَكَذَا ذَكَرَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ رحمهم الله ، وَذَكَرَ الْجَصَّاصُ رحمه الله وَقَالَ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فِي الصَّيْدِ مِثْلَ قَوْلِهِ فِي الْمُسْتَأْنَسِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: يَجِبُ الذَّبْحُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ لَا يَحِلُّ بِدُونِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْحَيَاةُ مُسْتَقِرَّةً أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِرَّةٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ الْفَرْقِ لَهُ عَلَى قَوْلِ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ رحمهم الله .

  190. وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى ذَبْحِهِ لِضِيقِ الْوَقْتِ أَوْ لِعَدَمِ آلَةِ الذَّكَاةِ ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ الْبَلْخِيّ وَمُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ الرَّازِيّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يُؤْكَلُ اسْتِحْسَانًا أَشَارَ إلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِالْحُرْمَةِ قِيَاسٌ،

  191. وَمِنْ مَشَايِخِنَا رحمهم الله مَنْ جَعَلَ جَوَابَ الِاسْتِحْسَانِ مَذْهَبَنَا أَيْضًا وَتَرَكُوا الْقِيَاسَ.

  192. (وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَيْدًا لِزَوَالِ مَعْنَى الصَّيْدِ وَهُوَ التَّوَحُّشُ وَالِامْتِنَاعُ فَيَزُولُ الْحُكْمُ الْمُخْتَصُّ بِالصَّيْدِ وَهُوَ اعْتِبَارُ الْجُرْحِ ذَكَاةً وَصَارَ كَالشَّاةِ إذَا مَرِضَتْ وَمَاتَتْ فِي وَقْتٍ لَا يَتَّسِعُ لِذَبْحِهَا أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ كَذَا هَذَا.

  193. (وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الذَّبْحَ هُوَ الْأَصْلُ فِي الذَّكَاةِ وَإِنَّمَا يُقَامُ الْجُرْحُ مَقَامَهُ خَلَفًا عَنْهُ وَقَدْ وُجِدَ شَرْطٌ بِخِلَافِهِ وَهُوَ الْعَجْزُ عَنْ الْأَصْلِ فَيُقَامُ الْخَلَفُ مَقَامَهُ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَخْلَافِ مَعَ أُصُولِهَا، وَقَالَ أَصْحَابُنَا رحمهم الله لَوْ جَرَحَهُ السَّهْمُ أَوْ الْكَلْبُ فَأَدْرَكَهُ لَكِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ حَتَّى مَاتَ فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتٍ لَوْ أَخَذَهُ يُمْكِنُهُ ذَبْحُهُ فَلَمْ يَأْخُذْهُ حَتَّى مَاتَ لَمْ يُؤْكَلْ؛

  194. لِأَنَّ الذَّبْحَ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَخَرَجَ الْجُرْحُ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَكَاةً،

  195. وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ ذَبْحُهُ أَكَلَ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْخُذْهُ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَبْحِهِ لَوْ أَخَذَهُ بَقِيَ ذَكَاتُهُ الْجُرْحُ السَّابِقُ، وَدَلَّتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ جَوَابَ الِاسْتِحْسَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ سِوَى أَنَّ هُنَاكَ أَخَذَ وَهَهُنَا لَمْ يَأْخُذْ، وَمَا يَصْنَعُ بِالْأَخْذِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَكَاتِهِ؟

  196. وَجَوَابُ الْقِيَاسِ عَنْ هَذَا أَنَّ حَقِيقَةَ الْقُدْرَةِ وَالتَّمَكُّنِ لَا عِبْرَةَ بِهَا؛ لِأَنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ الذَّبْحِ فِي زَمَانٍ قَلِيلٍ لِهِدَايَتِهِ فِي ذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَتَمَكَّنُ إلَّا فِي زَمَانٍ طَوِيلٍ لِقِلَّةِ هِدَايَتِهِ فِيهِ فَلَا يُمْكِنُ بِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَى حَقِيقَةِ الْقُدْرَةِ وَالتَّمَكُّنِ فَيُقَامُ السَّبَبُ الظَّاهِرُ وَهُوَ ثُبُوتُ الْيَدِ مَقَامَهَا كَمَا فِي السَّفَرِ مَعَ الْمَشَقَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

  197. وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي نَوَادِرِهِ رحمه الله عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَطَعَ شَاةً نِصْفَيْنِ ثُمَّ إنَّ رَجُلًا فَرَى أَوْدَاجَهَا وَالرَّأْسُ يَتَحَرَّكُ أَوْ شَقَّ بَطْنَهَا فَأَخْرَجَ مَا فِي جَوْفِهَا وَفَرَى رَجُلٌ آخَرُ الْأَوْدَاجَ فَإِنَّ هَذَا لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ

  198. الْأَوَّلَ قَاتِلٌ، وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ رحمه الله أَنَّ هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ كَانَتْ الضَّرْبَةُ مِمَّا يَلِي الْعَجُزَ لَمْ تُؤْكَلْ الشَّاةُ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ أُكِلَتْ؛ لِأَنَّ الْعُرُوقَ الْمَشْرُوطَةَ فِي الذَّبْحِ مُتَّصِلَةٌ مِنْ الْقَلْبِ إلَى الدِّمَاغِ فَإِذَا كَانَتْ الضَّرْبَةُ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ فَقَدْ قَطَعَهَا فَحَلَّتْ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَلِي الْعَجُزَ فَلَمْ يَقْطَعْهَا فَلَمْ تَحِلَّ.

  199. وَأَمَّا خُرُوجُ الدَّمِ بَعْدَ الذَّبْحِ فِيمَا لَا يَحِلُّ إلَّا بِالذَّبْحِ فَهَلْ هُوَ مِنْ شَرَائِطِ الْحِلِّ؟

  200. فَلَا رِوَايَةَ فِيهِ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ،

  201. وَكَذَا التَّحَرُّكُ بَعْدَ الذَّبْحِ هَلْ هُوَ شَرْطُ ثُبُوتِ الْحِلِّ؟

  202. فَلَا رِوَايَةَ فِيهِ أَيْضًا عَنْ أَصْحَابِنَا وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الْفَتَاوَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ شَيْئَيْنِ: إمَّا التَّحَرُّكُ، وَإِمَّا خُرُوجُ الدَّمِ.

  203. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَا يَحِلُّ كَأَنَّهُ جَعَلَ وُجُودَ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الذَّبْحِ عَلَامَةَ الْحَيَاةِ وَقْتَ الذَّبْحِ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ لَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ وَقْتَ الذَّبْحِ فَلَا يَحِلُّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ عُلِمَ حَيَّاتُهُ وَقْتَ الذَّبْحِ بِغَيْرِ التَّحَرُّكِ يَحِلُّ وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بَعْدَ الذَّبْحِ وَلَا خَرَجَ مِنْهُ الدَّمُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

  204. (وَمِنْهَا) مَا يَخُصُّ الذَّكَاةَ الِاضْطِرَارِيَّةَ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ صَيْدَ الْحَرَمِ فَإِنْ كَانَ لَا يُؤْكَلُ وَيَكُونُ مَيْتَةً سَوَاءٌ كَانَ الْمُذَكِّي مُحْرِمًا أَوْ حَلَالًا؛ لِأَنَّ التَّعَرُّضَ لِصَيْدِ الْحَرَمِ بِالْقَتْلِ وَالدَّلَالَةِ وَالْإِشَارَةِ مُحَرَّمٌ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام فِي صِفَةِ الْحَرَمِ:

  205. «وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ» وَالْفِعْلُ فِي الْمُحَرَّمِ شَرْعًا لَا يَكُونُ ذَكَاةً وَسَوَاءٌ كَانَ مَوْلِدُهُ الْحَرَمَ أَوْ دَخَلَ مِنْ الْحِلِّ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُضَافُ إلَى الْحَرَمِ فِي الْحَالَيْنِ فَيَكُونُ صَيْدَ الْحَرَمِ.

  206. وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى آلَةِ الذَّكَاةِ.

  207. (فَمِنْهَا) : أَنْ يَكُونَ مَا يُصْطَادُ بِهِ مِنْ الْجَوَارِحِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ مِنْ ذِي النَّابِ مِنْ السِّبَاعِ وَذِي الْمِخْلَبِ مِنْ الطَّيْرِ مُعَلَّمًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ سبحانه وتعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ أَيْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ أَيْ الِاصْطِيَادُ بِمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ كَأَنَّهُمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام عَمَّا يَحِلُّ لَهُمْ الِاصْطِيَادُ بِهِ مِنْ الْجَوَارِحِ أَيْضًا مَعَ مَا ذَكَرَ فِي بَعْضِ الْقِصَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام لَمَّا أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ أَتَاهُ نَاسٌ فَقَالُوا: مَاذَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي أَمَرْتَ بِقَتْلِهَا؟

  208. فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ الْآيَةَ.

  209. فَفِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ اعْتِبَارُ الشَّرْطَيْنِ وَهُمَا الْجُرْحُ وَالتَّعْلِيمُ حَيْثُ قَالَ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ ؛ لِأَنَّ الْجَوَارِحَ هِيَ الَّتِي تَجْرَحُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْجُرْحِ،

  210. وَقِيلَ: الْجَوَارِحُ الْكَوَاسِبُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ أَيْ كَسَبْتُمْ وَالْحَمْلُ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ حَمْلٌ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ؛ لِأَنَّهَا بِالْجِرَاحَةِ تَكْسِبُ وقَوْله تَعَالَى ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ قُرِئَ بِالْخَفْضِ وَالنَّصْبِ،

  211. وَقِيلَ: بِالْخَفْضِ صَاحِبُ الْكَلْبِ يُقَالُ: كَلَّابٌ وَمُكَلِّبٌ، وَبِالنَّصْبِ الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ،

  212. وَقِيلَ: الْمُكَلِّبَيْنِ بِالْخَفْضِ الْكِلَابُ الَّتِي يُكَالِبْنَ الصَّيْدَ أَيْ يَأْخُذْنَهُ عَنْ شِدَّةٍ فَالْكَلْبُ هُوَ الْآخِذُ عَنْ شِدَّةٍ، وَمِنْهُ الْكَلُّوبُ لِلْآلَةِ الَّتِي يُؤْخَذُ بِهَا الْحَدِيدُ، وَقَوْلُهُ: جَلَّتْ عَظَمَتُهُ ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ أَيْ تُعَلِّمُونَهُنَّ لَيُمْسِكْنَ الصَّيْدَ لَكُمْ وَلَا يَأْكُلْنَ مِنْهُ وَهَذَا حَدُّ التَّعْلِيمِ فِي الْكَلْبِ عِنْدَنَا عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَدَلَّتْ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى أَنَّ كَوْنَ الْكَلْبِ مُعَلَّمًا شَرْطٌ لِإِبَاحَةِ أَكْلِ صَيْدِهِ فَلَا يُبَاحُ أَكْلُ صَيْدِ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ.

  213. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الشَّرْطُ فِي الْكَلْبِ بِالنَّصِّ ثَبَتَ فِي كُلِّ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ كَالْفَهْدِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَحْتَمِلُ التَّعَلُّمَ بِدَلَالَةِ النَّصِّ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْكَلْبِ إنَّمَا يُضَافُ إلَى الْمُرْسِلِ بِالتَّعْلِيمِ إذْ الْمُعَلَّمُ هُوَ الَّذِي يَعْمَلُ لِصَاحِبِهِ فَيَأْخُذُ لِصَاحِبِهِ وَيُمْسِكُ عَلَى صَاحِبِهِ فَكَانَ فِعْلُهُ مُضَافًا إلَى صَاحِبِهِ فَأَمَّا غَيْرُ الْمُعَلَّمِ فَإِنَّمَا يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ لَا لِصَاحِبِهِ فَكَانَ فِعْلُهُ مُضَافًا إلَيْهِ لَا إلَى الْمُرْسِلِ لِذَلِكَ شُرِطَ كَوْنُهُ مُعَلَّمًا ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ حَدِّ التَّعْلِيمِ فِي الْجَوَارِحِ مِنْ ذِي النَّابِ كَالْكَلْبِ وَنَحْوِهِ وَذِي الْمِخْلَبِ كَالْبَازِي وَنَحْوِهِ.

  214. أَمَّا تَعْلِيمُ الْكَلْبِ فَهُوَ أَنَّهُ إذَا أُرْسِلَ اتَّبَعَ الصَّيْدَ وَإِذَا أَخَذَهُ أَمْسَكَهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.

  215. وَقَالَ مَالِكٌ رحمه الله : تَعْلِيمُهُ أَنْ يَتْبَعَ الصَّيْدَ إذَا أُرْسِلَ وَيُجِيبَ إذَا دُعِيَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ رحمه الله حَتَّى لَوْ أَخَذَ صَيْدًا فَأَكَلَ مِنْهُ لَا يُؤْكَلُ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ يُؤْكَلُ.

  216. (وَجْهُ) قَوْلِهِ إنَّ كَوْنَهُ مُعَلَّمًا إنَّمَا شُرِطَ لِلِاصْطِيَادِ فَيُعْتَبَرُ حَالَةَ الِاصْطِيَادِ وَهِيَ حَالَةُ الِاتِّبَاعِ،

  217. فَأَمَّا الْإِمْسَاكُ عَلَى صَاحِبِهِ وَتَرْكُ الْأَكْلِ يَكُونُ بَعْدَ الْفَرَاغِ عَنْ الِاصْطِيَادِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْحَدِّ، وَلَنَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْمَعْقُولُ.

  218. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ عز وجل ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ حَدَّ تَعْلِيمِ الْكَلْبِ وَمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ مَا قُلْنَا وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَلَى صَاحِبِهِ وَتَرْكُ الْأَكْلِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ التَّعْلِيمِ ثُمَّ أَبَاحَ أَكْلَ مَا أَمْسَكَ عَلَيْنَا فَكَانَ هَذَا إشَارَةً إلَى أَنَّ

  219. التَّعْلِيمَ هُوَ أَنْ يُمْسِكَ عَلَيْنَا الصَّيْدَ وَلَا يَأْكُلَ مِنْهُ يُقَرِّرُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَبَاحَ أَكْلَ صَيْدِ الْمُعَلَّمِ مِنْ الْجَوَارِحِ الْمُمْسِكِ عَلَى صَاحِبِهِ،

  220. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ تَرْكُ الْأَكْلِ مِنْ حَدِّ التَّعْلِيمِ وَكَانَ مَا أَكَلَ مِنْهُ حَلَالًا لَاسْتَوَى فِيهِ الْمُعَلَّمُ وَغَيْرُ الْمُعَلَّمِ وَالْمُمْسِكُ عَلَى صَاحِبِهِ وَعَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ كَلْبٍ يَطْلُبُ الصَّيْدَ وَيُمْسِكُهُ لِنَفْسِهِ حَتَّى يَمُوتَ إنْ أَرْسَلْتَ عَلَيْهِ وَأَغْرَيْتَهُ إلَّا الْمُعَلَّمَ.

  221. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا قَوْمٌ نَتَصَيَّدُ بِهَذِهِ الْكِلَابِ وَالْبُزَاةِ فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْهَا؟ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : يَحِلُّ لَكُمْ مَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ مِمَّا عَلَّمْتُمُوهُنَّ مِنْ كَلْبٍ أَوْ بَازٍ وَذَكَرْتُمْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ قُلْت: فَإِنْ قَتَلَ؟ قَالَ عليه الصلاة والسلام : إذَا قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ وَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرَأَيْت إنْ خَالَطَ كِلَابَنَا كِلَابٌ أُخْرَى؟ قَالَ عليه الصلاة والسلام : إنْ خَالَطَتْ كِلَابَكَ كِلَابٌ أُخْرَى فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ إنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى كَلْبِ غَيْرِكَ» ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: إذَا أَكَلَ الْكَلْبُ مِنْ الصَّيْدِ فَلَيْسَ بِمُعَلَّمٍ،

  222. وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: إذَا أَكَلَ الْكَلْبُ فَلَا تَأْكُلْ وَإِذَا أَكَلَ الصَّقْرُ فَكُلْ؛ لِأَنَّ الْكَلْبَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَضْرِبَهُ وَالصَّقْرَ لَا، وَعَنْ ابْنِ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: إذَا أَكَلَ الْكَلْبُ مِنْ الصَّيْدِ فَلَا تَأْكُلْ وَاضْرِبْهُ

  223. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ أَخْذَ الصَّيْدِ وَقَتْلَهُ مُضَافٌ إلَى الْمُرْسِلِ وَإِنَّمَا الْكَلْبُ آلَةُ الْأَخْذِ وَالْقَتْلِ وَإِنَّمَا يَكُونُ مُضَافًا إلَيْهِ إذَا أَمْسَكَ لِصَاحِبِهِ لَا لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ لِنَفْسِهِ يَكُونُ عَمَلُهُ مُضَافًا إلَيْهِ لَا إلَى غَيْرِهِ وَالْإِمْسَاكُ عَلَى صَاحِبِهِ أَنْ يَتْرُكَ الْأَكْلَ مِنْهُ وَهُوَ حَدُّ التَّعْلِيمِ، وَالثَّانِي أَنَّ تَعْلِيمَ الْكَلْبِ وَنَحْوِهِ هُوَ تَبْدِيلُ طَبْعِهِ وَفِطَامِهِ عَنْ الْعَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِإِمْسَاكِ الصَّيْدِ لِصَاحِبِهِ وَتَرْكِ الْأَكْلِ مِنْهُ؛

  224. لِأَنَّ الْكَلْبَ وَنَحْوَهُ مِنْ السِّبَاعِ مِنْ طِبَاعِهِمْ أَنَّهُمْ إذَا أَخَذُوا الصَّيْدَ فَإِنَّمَا يَأْخُذُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ وَلَا يَصْبِرُونَ عَلَى أَنْ لَا يَتَنَاوَلُوا مِنْهُ فَإِذَا أَخَذَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ الصَّيْدَ وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهُ دَلَّ أَنَّهُ تَرَكَ عَادَتَهُ حَيْثُ أَمْسَكَ لِصَاحِبِهِ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَإِذَا أَكَلَ مِنْهُ دَلَّ أَنَّهُ عَلَى عَادَتِهِ سَوَاءٌ اتَّبَعَ الصَّيْدَ إذَا أُغْرِيَ وَاسْتَجَابَ إذَا دُعِيَ أَوْ لَا؛

  225. لِأَنَّهُ أَلُوفٌ فِي الْأَصْلِ يُجِيبُ إذَا دُعِيَ وَيَتَّبِعُ إذَا أُغْرِيَ فَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى تَعَلُّمِهِ فَثَبَتَ أَنَّ مَعْنَى التَّعْلِيمِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِمَا قُلْنَا وَهُوَ أَنْ يُمْسِكَ الصَّيْدَ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَا يَأْكُلَ مِنْهُ.

  226. ثُمَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه لَا تَوْقِيتَ فِي تَعْلِيمِهِ أَنَّهُ إذَا أَخَذَ صَيْدًا وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ هَلْ يَصِيرُ مُعَلَّمًا أَمْ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّكْرَارِ، وَكَانَ يَقُولُ: إذَا كَانَ مُعَلَّمًا فَكُلْ كَذَا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ، وَهَكَذَا رَوَى بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ رحمه الله عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ رحمه الله مَا حَدُّ تَعْلِيمِ الْكَلْبِ؟

  227. قَالَ: أَنْ يَقُولَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِذَلِكَ أَنَّهُ مُعَلَّمٌ، وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ فِي الْمُجَرَّدِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّهُ قَالَ: لَا يَأْكُلُ مَا يَصِيدُ أَوَّلًا وَلَا الثَّانِيَ وَلَوْ أَكَلَ الثَّالِثَ وَمَا بَعْدَهُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَدَّرَاهُ بِالثَّلَاثِ فَقَالَا: إذَا أَخَذَ صَيْدًا فَلَمْ يَأْكُلْ،

  228. ثُمَّ صَادَ ثَانِيًا فَلَمْ يَأْكُلْ،

  229. ثُمَّ صَادَ ثَالِثًا فَلَمْ يَأْكُلْ فَهَذَا مُعَلَّمٌ.

  230. فَأَبُو حَنِيفَةَ رضي الله عنه عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ إنَّمَا رَجَعَ فِي ذَلِكَ إلَى أَهْلِ الصِّنَاعَةِ وَلَمْ يُقَدِّرْ فِيهِ تَقْدِيرًا؛ لِأَنَّ حَالَ الْكَلْبِ فِي الْإِمْسَاكِ وَتَرْكِ الْأَكْلِ يَخْتَلِفُ فَقَدْ يُمْسِكُ لِلتَّعْلِيمِ وَقَدْ يُمْسِكُ لِلشِّبَعِ فَفَوَّضَ ذَلِكَ إلَى أَهْلِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى جَعَلَ أَصْلَ التَّكْرَارِ دَلَالَةَ التَّعَلُّمِ؛

  231. لِأَنَّ الشِّبَعَ لَا يَتَّفِقُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فَدَلَّ تَكْرَارُ التَّرْكِ عَلَى التَّعْلِيمِ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَدَّرَا التَّكْرَارَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ لِمَا أَنَّ الثَّلَاثَ مَوْضُوعَةٌ لِإِبْدَاءِ الْأَعْذَارِ أَصْلُهُ قَضِيَّةُ سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ مَعَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ حَيْثُ قَالَ لَهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ وَرُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: مَنْ اتَّجَرَ فِي شَيْءٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يَرْبَحْ فَلْيَنْتَقِلْ إلَى غَيْرِهِ ثُمَّ إذَا صَارَ مُعَلَّمًا فِي الظَّاهِرِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَقَاوِيلِ وَصَادَ بِهِ صَاحِبُهُ ثُمَّ أَكَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَمَا صَادَ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يُؤْكَلُ شَيْءٌ مِنْهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يُؤْكَلُ كُلُّهُ.

  232. (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا إنْ أَكَلَ الْكَلْبُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ التَّعَلُّمِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعَ التَّعَلُّمِ لِفَرْطِ الْجُوعِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلنِّسْيَانِ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّمَ قَدْ يَنْسَى فَلَا يَحْرُمُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الصَّيُودِ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ عَلَامَةَ التَّعَلُّمِ لَمَّا كَانَتْ تَرْكَ الْأَكْلِ فَإِذَا أَكَلَ بَعْدَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُعَلَّمًا وَأَنَّ إمْسَاكَهُ لَمْ يَكُنْ لِصَيْرُورَتِهِ مُعَلَّمًا بَلْ

  233. لِشِبَعِهِ فِي الْحَالِ إذْ غَيْرُ الْمُعَلَّمِ قَدْ يُمْسِكُهُ بِشِبَعِهِ لِلْحَالِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ فَاسْتَدْلَلْنَا بِأَكْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ إمْسَاكَهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَبْلَهُ كَانَ عَلَى غَيْرِ حَقِيقَةِ التَّعْلِيمِ أَوْ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ فَلَا تَحِلُّ مَعَ الِاحْتِمَالِ احْتِيَاطًا.

  234. وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ حَمَلَ جَوَابَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله عَلَى مَا إذَا كَانَ زَمَانُ الْأَكْلِ قَرِيبًا مِنْ زَمَانِ التَّعْلِيمِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْأَكْلُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّعَلُّمِ وَأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ الْأَكْلَ فِيمَا تَقَدَّمَ لِلشِّبَعِ لَا لِلتَّعْلِيمِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ الْقَصِيرَةَ لَا تَتَحَمَّلُ النِّسْيَانَ فِي مِثْلِهَا فَإِذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ يُؤْكَلُ مَا بَقِيَ مِنْ الصَّيُودِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛

  235. لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَكْلُ لِلنِّسْيَانِ لَا لِعَدَمِ التَّعَلُّمِ لِوُجُودِ مُدَّةٍ لَا يَنْدُرُ النِّسْيَانُ فِي مِثْلِهَا إلَّا أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ مُطْلَقٌ عَنْ هَذَا التَّفْصِيلِ وَإِطْلَاقُ الرِّوَايَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَالْوَجْهُ مَا ذَكَرْنَا.

  236. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ النِّسْيَانَ لَا يَنْدُرُ عِنْدَ طُولِ الْمُدَّةِ، فَنَقُولُ: مَنْ تَعَلَّمَ حِرْفَةً بِتَمَامِهَا وَكَمَالِهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَنْسَاهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنْ طَالَتْ مُدَّةُ عَدَمِ الِاسْتِعْمَالِ لَكِنْ رُبَّمَا يَدْخُلُهَا خَلَلٌ كَصَنْعَةِ الْكِتَابَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَالرَّمْيِ إذَا تَرَكَهَا صَاحِبُهَا مُدَّةً طَوِيلَةً فَلَمَّا أَكَلَ وَحِرْفَتُهُ تَرْكُ الْأَكْلِ دَلَّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَعَلَّمَ الْحِرْفَةَ مِنْ الْأَصْلِ وَأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَأْكُلْ قَبْلَ ذَلِكَ لَا لِلتَّعَلُّمِ بَلْ لِشِبَعِهِ فِي الْحَالِ فَلَا تَحِلُّ صُيُودُهُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَأَمَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَلَا يَحِلُّ صَيْدُهُ إلَّا بِتَعْلِيمٍ مُسْتَأْنَفٍ بِلَا خِلَافٍ فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه فَلِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِالْأَكْلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُعَلَّمًا وَأَنَّ تَرْكَ الْأَكْلِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّعَلُّمِ بَلْ لِشِبَعِهِ لِلْحَالِ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَتَعَلَّمْ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَسِيَ وَكَيْفَ مَا كَانَ لَا يَحِلُّ صَيْدُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إلَّا بِتَعْلِيمٍ مُبْتَدَأٍ وَتَعْلِيمِهِ فِي الثَّانِي بِمَا بِهِ تَعْلِيمُهُ فِي الْأَوَّلِ وَقَدْ ذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِيهِ.

  237. وَلَوْ جَرَحَ الْكَلْبُ الصَّيْدَ وَوَلَغَ فِي دَمِهِ يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَمْسَكَ الصَّيْدَ عَلَى صَاحِبِهِ وَإِنَّمَا لَوْ وَلَغَ فِيمَا أَمْسَكَ عَلَى صَاحِبِهِ لَكَانَ لَا يَأْكُلُهُ صَاحِبُهُ وَذَلِكَ مِنْ غَايَةِ تَعَلُّمِهِ حَيْثُ تَنَاوَلَ الْخَبِيثَ وَأَمْسَكَ الطَّيِّبَ عَلَى صَاحِبِهِ، وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ فِي رَجُلٍ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ وَهُوَ مُعَلَّمٌ فَأَخَذَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ وَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ اتَّبَعَ آخَرَ فَقَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ قَالَ: لَا يُؤْكَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛

  238. لِأَنَّهُ لَمَّا أَكَلَ دَلَّ عَلَى عَدَمِ التَّعَلُّمِ أَوْ عَلَى النِّسْيَانِ فَلَا يَحِلُّ صَيْدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ أَخَذَ الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ صَيْدًا فَأَخَذَهُ مِنْهُ صَاحِبُهُ وَأَخَذَ صَاحِبُ الْكَلْبِ مِنْ الصَّيْدِ قِطْعَةً فَأَلْقَاهَا إلَى الْكَلْبِ فَأَكَلَهَا الْكَلْبُ فَهُوَ عَلَى تَعَلُّمِهِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْأَكْلِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ حَالَ أَخْذِهِ الصَّيْدَ فَأَكْلُهُ بِإِطْعَامِ صَاحِبِهِ بَعْدَ الْأَخْذِ لَا يَقْدَحُ فِي التَّعَلُّمِ مَعَ مَا أَنَّ مِنْ عَادَةِ الصَّائِدِ بِالْكَلْبِ أَنَّهُ إذَا أَخَذَ الْكَلْبُ الصَّيْدَ أَنْ يُطْعِمَهُ مِنْ لَحْمِهِ تَرْغِيبًا لَهُ عَلَى الصَّيْدِ فَلَا يَكُونُ أَكْلُهُ بِإِطْعَامِهِ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ التَّعَلُّمِ.

  239. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ صَاحِبُ الْكَلْبِ أَخَذَ الصَّيْدَ مِنْ الْكَلْبِ ثُمَّ وَثَبَ الْكَلْبُ عَلَى الصَّيْدِ فَأَخَذَ مِنْهُ قِطْعَةً فَأَكَلَهَا وَهُوَ فِي يَدِ صَاحِبِهِ فَإِنَّهُ عَلَى تَعَلُّمِهِ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ بَعْدَ ثُبُوتِ يَدِ الْآدَمِيِّ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْأَكْلِ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يَقْدَحُ فِي التَّعْلِيم،

  240. وَكَذَلِكَ قَالُوا: لَوْ سَرَقَ الْكَلْبُ مِنْ الصَّيْدِ بَعْدَ دَفْعِهِ إلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِلْجُوعِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْأَكْلَ لَمْ يَدْخُلْ فِي التَّعْلِيمِ.

  241. وَإِنْ أُرْسِلَ الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ عَلَى صَيْدٍ فَتَبِعَهُ فَنَهَشَهُ فَقَطَعَ مِنْهُ قِطْعَةً فَأَكَلَهَا ثُمَّ أَخَذَ الصَّيْدَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ مِنْهُ فِي حَالِ الِاصْطِيَادِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ التَّعَلُّمِ فَإِنْ نَهَشَهُ فَأَلْقَى مِنْهُ بَضْعَةً وَالصَّيْدُ حَيٌّ ثُمَّ اتَّبَعَ الصَّيْدَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَخَذَهُ فَقَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا يُؤْكَلُ؛

  242. لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّعْلِيمِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَطَعَ قِطْعَةً مِنْهُ لِيُثْخِنَهُ فَيُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى أَخْذِهِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْجُرْحِ وَإِنْ أَخَذَ صَاحِبُ الْكَلْبِ الصَّيْدَ مِنْ الْكَلْبِ بَعْدَ مَا قَطَعَهُ ثُمَّ رَجَعَ الْكَلْبُ بَعْدَ ذَلِكَ فَمَرَّ بِتِلْكَ الْقِطْعَةِ فَأَكَلَهَا يُؤْكَلُ صَيْدُهُ؛

  243. لِأَنَّهُ لَوْ أَكَلَ مِنْ نَفْسِ الصَّيْدِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَضُرُّ فَإِذَا أَكَلَ مِمَّا بَانَ مِنْهُ أَوْلَى،

  244. وَإِنْ اتَّبَعَ الصَّيْدَ فَنَهَشَهُ فَأَخَذَ مِنْهُ بِضْعَةً فَأَكَلَهَا وَهُوَ حَيٌّ فَانْفَلَتَ الصَّيْدُ مِنْهُ ثُمَّ أَخَذَ الْكَلْبُ صَيْدًا آخَرَ فِي فَوْرِهِ فَقَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ وَقَالَ: أَكْرَهُ أَكْلَهُ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ فِي حَالَةِ الِاصْطِيَادِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّعْلِيمِ فَلَا يُؤْكَلُ مَا اصْطَادَهُ بَعْدَهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى عَزَّ شَأْنُهُ أَعْلَمُ.

  245. وَأَمَّا تَعْلِيمُ ذِي الْمِخْلَبِ كَالْبَازِي أَوْ نَحْوِهِ فَهُوَ أَنْ يُجِيبَ صَاحِبَهُ إذَا دَعَاهُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِمْسَاكُ عَلَى صَاحِبِهِ حَتَّى لَوْ أَخَذَ الصَّيْدَ فَأَكَلَ مِنْهُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ صَيْدِهِ

  246. بِخِلَافِ الْكَلْبِ وَنَحْوِهِ، وَالْفَرْقُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا أَنَّ التَّعَلُّمَ بِتَرْكِ الْعَادَةِ وَالطَّبْعِ، وَالْبَازِي مِنْ عَادَتِهِ التَّوَحُّشُ مِنْ النَّاسِ وَالتَّنَفُّرُ مِنْهُمْ بِطَبْعِهِ فَإِلْفُهُ بِالنَّاسِ وَإِجَابَتُهُ صَاحِبَهُ إذَا دَعَاهُ يَكْفِي دَلِيلًا عَلَى تَعَلُّمِهِ

  247. بِخِلَافِ الْكَلْبِ فَإِنَّهُ أَلُوفٌ بِطَبْعِهِ يَأْلَفُ بِالنَّاسِ وَلَا يَتَوَحَّشُ مِنْهُمْ فَلَا يَكْفِي هَذَا الْقَدْرُ دَلِيلَ التَّعَلُّمِ فِي حَقِّهِ فَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ أَمْرٍ وَهُوَ تَرْكُ

  248. الْأَكْلِ، وَالثَّانِي أَنَّ الْبَازِيَ إنَّمَا يُعَلَّمُ بِالْأَكْلِ فَلَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَخْرُجَ بِالْأَكْلِ عَنْ حَدِّ التَّعْلِيمِ

  249. بِخِلَافِ الْكَلْبِ وَالثَّالِثُ أَنَّ الْكَلْبَ يُمْكِنُ تَعْلِيمُهُ بِتَرْكِ الْأَكْلِ بِالضَّرْبِ؛ لِأَنَّ جُثَّتَهُ تَتَحَمَّلُ الضَّرْبَ وَالْبَازِي لَا؛ لِأَنَّ جُثَّتَهُ لَا تَتَحَمَّلُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رضي الله عنهم أَنَّهُمْ قَالُوا: إذَا أَكَلَ الصَّقْرُ فَكُلْ وَإِنْ أَكَلَ الْكَلْبُ فَلَا تَأْكُلْ.

  250. وَمِنْهَا الْإِرْسَالُ أَوْ الزَّجْرُ عِنْدَ عَدَمِهِ عَلَى وَجْهٍ يَنْزَجِرُ بِالزَّجْرِ فِيمَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَهُوَ الْكَلْبُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ حَتَّى لَوْ تَرَسَّلَ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَزْجُرْهُ صَاحِبُهُ فِيمَا يَنْزَجِرُ بِالزَّجْرِ لَا يَحِلُّ صَيْدُهُ الَّذِي قَتَلَهُ؛ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ فِي صَيْدِ الْجَوَارِحِ أَصْلٌ لِيَكُونَ الْقَتْلُ وَالْجُرْحُ مُضَافًا إلَى الْمُرْسِلِ إلَّا أَنَّ عِنْدَ عَدَمِهِ يُقَامُ الزَّجْرُ مُقَامَ الِانْزِجَارِ فِيمَا يَحْتَمِلُ قِيَامَ ذَلِكَ مَقَامَهُ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ فَلَا تَثْبُتُ الْإِضَافَةُ فَلَا يَحِلُّ،

  251. وَلَوْ أَرْسَلَ مُسْلِمٌ كَلْبَهُ وَسَمَّى فَزَجَرَهُ مَجُوسِيٌّ فَانْزَجَرَ يُؤْكَلُ صَيْدُهُ.

  252. وَلَوْ أَرْسَلَ مَجُوسِيٌّ كَلْبَهُ فَزَجَرَهُ مُسْلِمٌ فَانْزَجَرَ لَا يُؤْكَلُ صَيْدُهُ

  253. وَكَذَلِكَ لَوْ أَرْسَلَ مُسْلِمٌ كَلْبَهُ وَتَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا فَاتَّبَعَ الصَّيْدَ ثُمَّ زَجَرَهُ فَانْزَجَرَ لَا يُؤْكَلُ صَيْدُهُ وَلَوْ لَمْ يُرْسِلْهُ أَحَدٌ وَانْبَعَثَ بِنَفْسِهِ فَاتَّبَعَ الصَّيْدَ فَزَجَرَهُ مُسْلِمٌ وَسَمَّى فَانْزَجَرَ يُؤْكَلُ صَيْدُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْزَجِرْ لَا يُؤْكَلْ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ هُوَ الْأَصْلُ وَالزَّجْرُ كَالْخَلَفِ عَنْهُ وَالْخَلَفُ يُعْتَبَرُ حَالَ عَدَمِ الْأَصْلِ لَا حَالَ وُجُودِهِ.

  254. فَفِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ وُجِدَ الْأَصْلُ فَلَا يُعْتَبَرُ الْخَلَفُ إلَّا أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى الْمُرْسِلُ مِنْ أَهْلِ الْإِرْسَالِ فَيُؤْكَلُ صَيْدُهُ وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ لَا فَلَا يُؤْكَلُ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ لَمْ يُوجَدْ الْأَصْلُ فَيُعْتَبَرُ الْخَلَفُ فَيُؤْكَلُ صَيْدُهُ إنْ انْزَجَرَ وَإِنْ لَمْ يَنْزَجِرْ لَا يُؤْكَلُ؛

  255. لِأَنَّ الزَّجْرَ بِدُونِ الِانْزِجَارِ لَا يَصْلُحُ خَلَفًا عَنْ الْإِرْسَالِ فَكَانَ مُلْحَقًا بِالْعَدَمِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ يُرْسَلُ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إرْسَالٍ وَلَا زَجْرٍ وَلَوْ أَرْسَلَهُ مُسْلِمٌ وَسَمَّى وَزَجَرَهُ رَجُلٌ وَلَمْ يُسَمِّ عَلَى زَجْرِهِ فَأَخَذَ الصَّيْدَ وَقَتَلَهُ يُؤْكَلُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْإِرْسَالِ فَيُعْتَبَرُ وُجُودُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَهُ.

  256. وَأَصْلٌ آخَرُ لِتَخْرِيجِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّ الدَّلَالَةَ لَا تُعْتَبَرُ إذَا وُجِدَ الصَّرِيحُ وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ تُعْتَبَرُ فَفِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ وُجِدَ مِنْ الْكَلْبِ صَرِيحُ الطَّاعَةِ بِالْإِرْسَالِ حَيْثُ عَدَا بِإِرْسَالِهِ، وَانْزِجَارُهُ طَاعَةً لِلزَّاجِرِ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي مُقَابَلَةِ الصَّرِيحِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ لَمْ يُوجَدْ الصَّرِيحُ فَاعْتُبِرَتْ الدَّلَالَةُ وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ بَقِيَّةُ الْمَسَائِلِ.

  257. وَمِنْهَا بَقَاءُ الْإِرْسَالِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَخْذُ الْكَلْبِ أَوْ الْبَازِي الصَّيْدَ فِي حَالِ فَوْرِ الْإِرْسَالِ لَا فِي حَالِ انْقِطَاعِهِ حَتَّى لَوْ أَرْسَلَ الْكَلْبَ أَوْ الْبَازِيَ عَلَى صَيْدٍ وَسَمَّى فَأَخَذَ صَيْدًا وَقَتَلَهُ ثُمَّ أَخَذَ آخَرَ عَلَى فَوْرِهِ ذَلِكَ وَقَتَلَهُ ثُمَّ وَثُمَّ يُؤْكَلُ ذَلِكَ كُلُّهُ؛

  258. لِأَنَّ الْإِرْسَالَ لَمْ يَنْقَطِعْ فَكَانَ الثَّانِي كَالْأَوَّلِ مَعَ مَا بَيَّنَّا أَنَّ التَّعْيِينَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فَكَانَ أَخْذُ الْكَلْبِ أَوْ الْبَازِي الصَّيْدَ فِي فَوْرِ الْإِرْسَالِ كَوُقُوعِ السَّهْمِ بِصَيْدَيْنِ،

  259. فَإِنْ أَخَذَ صَيْدًا وَجَثَمَ عَلَيْهِ طَوِيلًا ثُمَّ مَرَّ بِهِ آخَرُ فَأَخَذَهُ وَقَتَلَهُ لَمْ يُؤْكَلْ إلَّا بِإِرْسَالٍ مُسْتَقْبَلٍ أَوْ بِزَجْرِهِ وَتَسْمِيَةٍ عَلَى وَجْهٍ يَنْزَجِرُ فِيمَا يَحْتَمِلُ الزَّجْرَ لَبُطْلَانِ الْفَوْرِ،

  260. وَكَذَلِكَ إنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ أَوْ بَازَهُ عَلَى صَيْدٍ فَعَدَلَ عَنْ الصَّيْدِ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً وَتَشَاغَلَ بِغَيْرِ طَلَبٍ الصَّيْدِ وَفَتَرَ عَنْ سَنَنِهِ ذَلِكَ ثُمَّ تَبِعَ صَيْدًا آخَرَ فَأَخَذَهُ وَقَتَلَهُ لَا يُؤْكَلُ إلَّا بِإِرْسَالٍ مُسْتَأْنَفٍ أَوْ أَنْ يَزْجُرَهُ صَاحِبُهُ وَيُسَمِّيَ فَيَنْزَجِرَ فِيمَا يَحْتَمِلُ الزَّجْرَ؛

  261. لِأَنَّهُ لَمَّا تَشَاغَلَ بِغَيْرِ طَلَبِ الصَّيْدِ فَقَدْ انْقَطَعَ حُكْمُ الْإِرْسَالِ فَإِذَا صَادَ صَيْدًا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ تَرَسَّلَ بِنَفْسِهِ فَلَا يَحِلُّ صَيْدُهُ إلَّا أَنْ يَزْجُرَهُ صَاحِبُهُ فِيمَا يَحْتَمِلُ الزَّجْرَ لِمَا بَيَّنَّا.

  262. وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَرْسَلَ فَهْدًا وَالْفَهْدُ إذَا أُرْسِلَ كَمِنَ وَلَا يَتَّبِعُ حَتَّى يَسْتَمْكِنَ فَيَمْكُثُ سَاعَةً ثُمَّ يَأْخُذُ الصَّيْدَ فَيَقْتُلَهُ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ،

  263. وَكَذَلِكَ الْكَلْبُ إذَا أُرْسِلَ فَصَنَعَ كَمَا يَصْنَعُ الْفَهْدُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ مَا صَادَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِرْسَالِ لَمْ يَنْقَطِعْ بِالْكُمُونِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكْمُنُ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الصَّيْدِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الِاصْطِيَادِ وَوَسِيلَةً إلَيْهِ فَلَا يَنْقَطِعُ بِهِ حُكْمُ الْإِرْسَالِ كَالْوُثُوبِ وَالْعَدْوِ،

  264. وَكَذَلِكَ الْبَازِي إذَا أُرْسِلَ فَسَقَطَ عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ طَارَ فَأَخَذَ الصَّيْدَ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْقُطُ عَلَى شَيْءٍ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الصَّيْدِ فَكَانَ سُقُوطُهُ بِمَنْزِلَةِ كُمُونِ الْفَهْدِ.

  265. وَكَذَلِكَ الرَّامِي إذَا رَمَى صَيْدًا بِسَهْمٍ فَمَا أَصَابَهُ فِي سَنَنِهِ ذَلِكَ وَوَجْهِهِ أُكِلَ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَضَى فِي سَنَنِهِ فَلَمْ يَنْقَطِعْ حُكْمُ الرَّمْيِ فَكَانَ ذَهَابُهُ بِقُوَّةِ الرَّامِي فَكَانَ قَتْلُهُ مُضَافًا إلَيْهِ فَيَحِلُّ،

  266. فَإِنْ أَصَابَ وَاحِدًا ثُمَّ نَفَذَ إلَى آخَرَ وَآخَرَ أُكِلَ الْكُلُّ لِمَا قُلْنَا مَعَ مَا أَنَّ تَعْيِينَ الصَّيْدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَإِنْ أَمَالَتْ الرِّيحُ السَّهْمَ إلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى يَمِينًا أَوْ شِمَالًا فَأَصَابَ صَيْدًا آخَرَ لَمْ يُؤْكَل؛ لِأَنَّ السَّهْمَ إذَا تَحَوَّلَ عَنْ سَنَنِهِ فَقَدْ انْقَطَعَ حُكْمُ الرَّمْيِ فَصَارَتْ الْإِصَابَةُ بِغَيْرِ فِعْلِ الرَّامِي فَلَا يَحِلُّ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى جَبْلٍ سَيْفٌ فَأَلْقَتْهُ الرِّيحُ عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ أَنَّهُ

  267. لَا يُؤْكَلُ كَذَا هَذَا فَإِنْ لَمْ تُرْدِهِ الرِّيحُ عَنْ وَجْهِهِ ذَلِكَ أُكِلَ الصَّيْدُ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَضَى فِي وَجْهِهِ كَانَ مُضِيُّهُ بِقُوَّةِ الرَّامِي وَإِنَّمَا الرِّيحُ أَعَانَتْهُ وَمَعُونَةُ الرِّيحِ السَّهْمَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَكَانَ مُلْحَقًا بِالْعَدَمِ فَإِنْ أَصَابَتْ الرِّيحُ السَّهْمَ وَهِيَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَدَفَعَتْهُ لَكِنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ وَجْهِهِ فَأَصَابَ السَّهْمُ الصَّيْدَ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ؛

  268. لِأَنَّهُ مَضَى فِي وَجْهِهِ وَمَعُونَةُ الرِّيحِ إذَا لَمْ تَعْدِلْ السَّهْمَ عَنْ وَجْهِهِ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَلَا يُعْتَبَرُ.

  269. أَصَابَ السَّهْمُ حَائِطًا أَوْ صَخْرَةً فَرَجَعَ فَأَصَابَ صَيْدًا فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الرَّامِي انْقَطَعَ وَصَارَتْ الْإِصَابَةُ فِي غَيْرِ جِهَةِ الرَّمْيِ فَإِنْ مَرَّ السَّهْمُ بَيْنَ الشَّجَرِ فَجَعَلَ يُصِيبُ الشَّجَرَ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ لَكِنَّ السَّهْمَ عَلَى سَنَنِهِ فَأَصَابَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ فَإِنْ رَدَّهُ شَيْءٌ مِنْ الشَّجَرِ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً لَا يُؤْكَلُ لِمَا بَيَّنَّا،

  270. فَإِنْ مَرَّ السَّهْمُ فَجَحَشَهُ حَائِطٌ وَهُوَ عَلَى سَنَنِهِ ذَلِكَ فَأَصَابَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ أُكِلَ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الرَّامِي لَمْ يَنْقَطِعْ وَإِنَّمَا أَصَابَ السَّهْمُ الصَّيْدَ وَالْحَائِطَ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْحِلَّ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله أَنَّ حُكْمَ الْإِرْسَالِ لَا يَنْقَطِعُ بِالتَّغَيُّرِ عَنْ سَنَنِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا إلَّا إذَا رَجَعَ مِنْ وَرَائِهِ.

  271. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا رَمَى بِسَهْمٍ وَسَمَّى ثُمَّ رَمَى رَجُلٌ آخَرُ بِسَهْمٍ وَسَمَّى فَأَصَابَ السَّهْمُ الْأَوَّلُ السَّهْمَ الثَّانِيَ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَ الصَّيْدَ فَرَدَّهُ عَنْ وَجْهِهِ ذَلِكَ فَأَصَابَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا رَدَّهُ السَّهْمُ الثَّانِي عَنْ سَنَنِهِ انْقَطَعَ حُكْمُ الرَّمْيِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحِلُّ، قَالَ الْقُدُورِيُّ: وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الرَّامِيَ الثَّانِيَ لَمْ يَقْصِدْ الِاصْطِيَادَ؛

  272. لِأَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ بِفِعْلِهِ وَهُوَ لَمْ يَقْصِدْ الِاصْطِيَادَ فَلَا يَحِلُّ فَأَمَّا إذَا كَانَ الثَّانِي رَمَى لِلِاصْطِيَادِ فَيَحِلُّ أَكْلُ الصَّيْدِ وَهُوَ لِلثَّانِي؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بِفِعْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ بِالرَّمْيِ وَتَعْيِينُ الْمَرْمِيِّ إلَيْهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ.

  273. وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ رَمَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَيْدًا بِسَهْمٍ فَأَصَابَا الصَّيْدَ جَمِيعًا وَوَقَعَتْ الرَّمْيَتَانِ بِالصَّيْدِ مَعًا فَمَاتَ فَإِنَّهُ لَهُمَا وَيُؤْكَلُ.

  274. (أَمَّا) حِلُّ الْأَكْلِ فَظَاهِرٌ.

  275. (وَأَمَّا) كَوْنُ الصَّيْدِ لَهُمَا فَلِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ وَتَسَاوَيَا فِيهِ فَيَتَسَاوَيَانِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ فَإِنْ أَصَابَهُ سَهْمُ الْأَوَّلِ فَوَقَذَهُ ثُمَّ أَصَابَهُ سَهْمُ الْآخَرِ فَقَتَلَهُ قَالَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله : يُؤْكَلُ وَالصَّيْدُ لِلْأَوَّلِ، وَقَالَ زُفَرُ رحمه الله : لَا يُؤْكَلُ وَهَذَا فَرْعُ اخْتِلَافِهِمْ فِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الرَّمْيِ حَالُ الرَّمْيِ أَوْ حَالُ الْإِصَابَةِ فَعِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ الْمُعْتَبَرُ حَالُ الرَّمْيِ، وَعِنْدَ زُفَرَ حَالُ الْإِصَابَةِ.

  276. (وَوَجْهُ) الْبِنَاءِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ لَمَّا كَانَ حَالَ الرَّمْيِ عِنْدَنَا فَقَدْ وُجِدَ الرَّمْيُ مِنْهُمَا وَالصَّيْدُ مُمْتَنِعٌ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّهْمِ الثَّانِي حَظْرٌ إلَّا أَنَّ الْمِلْكَ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ سَهْمَهُ أَخْرَجَهُ مِنْ حَيِّزِ الِامْتِنَاعِ فَصَارَ السَّهْمُ الثَّانِي كَأَنَّهُ وَقَعَ بِصَيْدٍ مَمْلُوكٍ فَلَا يُسْتَحَقُّ بِهِ شَيْءٌ فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الرَّمْيِ فِي حَقِّ الْحِلِّ وَالْإِصَابَةِ فِي حَقِّ الْمِلْكِ؛

  277. لِأَنَّ الْحِلَّ يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ وَالْمِلْكَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَحَلِّ وَلَمَّا كَانَ الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الْإِصَابَةِ عِنْدَهُ فَقَدْ أَصَابَهُ الثَّانِي وَالصَّيْدُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ فَصَارَ كَمَنْ رَمَى إلَى شَاةٍ فَقَتَلَهَا.

  278. (وَجْهُ) قَوْلِ زُفَرَ رحمه الله الِاعْتِبَارُ حَالُ الْإِصَابَةِ أَنَّ الْمِلْكَ يَقِفُ ثُبُوتُهُ عَلَى الْإِصَابَةِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُصِبْ لَا يَمْلِكُ فَدَلَّ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ وَقْتُ الْإِصَابَةِ، وَلَنَا أَنَّ حَالَ الرَّمْيِ هُوَ الَّذِي يَفْعَلُهُ وَالتَّسْمِيَةُ مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ فِعْلِهِ فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الرَّمْيِ

  279. وَكَذَلِكَ إنْ رَمَى أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ قَبْلَ إصَابَةِ الْأَوَّلِ فَهُوَ كَرَمْيِهِمَا مَعًا فِي الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ رَمْيَ الثَّانِي وُجِدَ وَالصَّيْدُ مُمْتَنِعٌ فَصَارَ كَمَا لَوْ رَمَيَا مَعًا فَإِنْ أَصَابَهُ سَهْمُ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ الِامْتِنَاعِ فَأَصَابَهُ الثَّانِي فَقَتَلَهُ فَهُوَ لِلثَّانِي؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ حَدِّ الِامْتِنَاعِ فَفِعْلُ الِاصْطِيَادِ وُجِدَ مِنْ الثَّانِي وَلِلْأَوَّلِ تَسَبُّبٌ فِي الصَّيْدِ فَصَارَ كَمَنْ أَثَارَ صَيْدًا وَأَخَذَهُ غَيْرُهُ أَنَّ الصَّيْدَ يَكُونُ لِلْآخِذِ لَا لِلْمُثِيرِ كَذَا هَذَا.

  280. وَإِنْ كَانَ سَهْمُ الْأَوَّلِ وَقَذَهُ وَأَخْرَجَهُ عَنْ الِامْتِنَاعِ ثُمَّ أَصَابَهُ سَهْمُ الثَّانِي فَهَذَا عَلَى وُجُوهٍ: إنْ مَاتَ مِنْ الْأَوَّلِ أَكَلَ وَعَلَى الثَّانِي ضَمَانُ مَا نَقَصَتْهُ جِرَاحَتُهُ؛ لِأَنَّ السَّهْمَ الْأَوَّلَ وَقَعَ بِهِ وَهُوَ صَيْدٌ فَإِذَا قَتَلَهُ حَلَّ وَقَدْ مَلَكَهُ الْأَوَّلُ بِالْإِصَابَةِ فَالْجِرَاحَةُ الثَّانِيَةُ نَقْصٌ فِي مِلْكِ الْأَوَّلِ فَيَضْمَنُهَا الثَّانِي،

  281. وَإِنْ مَاتَ مِنْ الْجِرَاحَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ يُؤْكَلْ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ رَمَى إلَيْهِ وَهُوَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ فَصَارَ كَالرَّمْيِ إلَى الشَّاةِ وَيَضْمَنُ الثَّانِي مَا نَقَصَتْهُ جِرَاحَتُهُ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ دَخَلَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِفِعْلِهِ ثُمَّ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ مَجْرُوحًا بِجِرَاحَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أُتْلِفَ بِفِعْلِهِ إلَّا أَنَّهُ غَرِمَ نُقْصَانَ الْجُرْحِ الثَّانِي فَلَا يَضْمَنُهُ ثَانِيًا وَالْجُرْحُ الْأَوَّلُ نَقْصٌ حَصَلَ بِفِعْلِ الْمَالِكِ لِلصَّيْدِ فَلَا يَضْمَنُهُ الثَّانِي.

  282. وَإِنْ مَاتَ مِنْ الْجِرَاحَتَيْنِ لَمْ يُؤْكَلْ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الرَّمْيَيْنِ حَاظِرٌ وَالْآخَرَ مُبِيحٌ فَالْحُكْمُ لِلْحَاظِرِ احْتِيَاطًا وَالصَّيْدُ لِلْأَوَّلِ لِانْفِرَادِهِ بِسَبَبِ مِلْكِهِ وَهُوَ الْجِرَاحَةُ الْمُخْرِجَةُ لَهُ مِنْ الِامْتِنَاعِ وَعَلَى الثَّانِي لِلْأَوَّلِ نِصْفُ قِيمَتِهِ مَجْرُوحًا بِالْجِرَاحَتَيْنِ وَيَضْمَنُ نِصْفَ مَا نَقَصَتْهُ الْجِرَاحَةُ الثَّانِيَةُ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بِفِعْلِهَا فَسَقَطَ نِصْفُ

  283. الضَّمَانِ وَثَبَتَ نِصْفُهُ وَالْجِرَاحَةُ الثَّانِيَةُ يَضْمَنُهَا الثَّانِي؛ لِأَنَّهَا حَصَلَتْ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ عَلَى شَرِيكِهِ نَصِيبَهُ حِينَ أَخْرَجَهُ مِنْ الْإِبَاحَةِ إلَى الْحَظْرِ فَيَلْزَمُهُ الضَّمَانُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِأَيِّ الْجِرَاحَتَيْنِ مَاتَ فَهُوَ كَمَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْجِرَاحَتَيْنِ سَبَبُ الْقَتْلِ فِي الظَّاهِرِ وَاَللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ أَعْلَمُ.

  284. وَلَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا عَلَى صَيْدٍ وَسَمَّى فَأَدْرَكَ الْكَلْبُ الصَّيْدَ فَضَرَبَهُ فَوَقَذَهُ ثُمَّ ضَرَبَهُ ثَانِيًا فَقَتَلَهُ أَكَلَ،

  285. وَكَذَلِكَ لَوْ أَرْسَلَ كَلْبَيْنِ عَلَى صَيْدٍ فَضَرَبَهُ أَحَدُهُمَا فَوَقَذَهُ ثُمَّ ضَرَبَهُ الْكَلْبُ الْآخَرُ فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَدْخُلُ فِي تَعْلِيمِ الْكَلْبِ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَلَّمَ بِتَرْكِ الْجُرْحِ بَعْدَ الْجُرْحِ الْأَوَّلِ فَلَا يُعْتَبَرُ فَكَأَنَّهُ قَتَلَهُ بِجُرْحٍ وَاحِدٍ.

  286. وَلَوْ أَرْسَلَ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ فَضَرَبَهُ كَلْبُ أَحَدِهِمَا فَوَقَذَهُ ثُمَّ ضَرَبَهُ كَلْبُ الْآخَرِ فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ جُرْحَ الْكَلْبِ بَعْدَ الْجُرْحِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ عَنْهُ فَلَا يُوجِبَ الْحَظْرَ فَيُؤْكَلُ وَيَكُونُ الصَّيْدُ لِصَاحِبِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ جِرَاحَةَ كَلْبِهِ أَخْرَجَتْهُ عَنْ حَدِّ الِامْتِنَاعِ فَصَارَ مِلْكًا لَهُ فَجِرَاحَةُ كَلْبِ الثَّانِي لَا تُزِيلُ مِلْكَهُ عَنْهُ.

  287. وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْإِرْسَالُ وَالرَّمْيُ عَلَى الصَّيْدِ وَإِلَيْهِ حَتَّى لَوْ أَرْسَلَ عَلَى غَيْرِ صَيْدٍ أَوْ رَمَى إلَى غَيْرِ صَيْدٍ فَأَصَابَ صَيْدًا لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ إلَى غَيْرِ الصَّيْدِ وَالرَّمْيِ إلَى غَيْرِهِ لَا يَكُونُ اصْطِيَادًا فَلَا يَكُونُ قَتْلُ الصَّيْدِ وَجَرْحُهُ مُضَافًا إلَى الْمُرْسَلِ وَالرَّامِي فَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْإِبَاحَةُ.

  288. وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ مَا إذَا سَمِعَ حِسًّا فَظَنَّهُ صَيْدًا فَأَرْسَلَ عَلَيْهِ كَلْبَهُ أَوْ بَازَهُ أَوْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ فَأَصَابَ صَيْدًا أَوْ بَانَ لَهُ أَنَّ الْحِسَّ الَّذِي سَمِعَهُ لَمْ يَكُنْ حِسَّ صَيْدٍ وَإِنَّمَا كَانَ شَاةً أَوْ بَقَرَةً أَوْ آدَمِيًّا أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ الصَّيْدُ الَّذِي أَصَابَهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛

  289. لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَرْسَلَ عَلَى مَا لَيْسَ بِصَيْدٍ وَرَمَى إلَى مَا لَيْسَ بِصَيْدٍ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحِلُّ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ الْفِقْهِ وَصَارَ كَأَنَّهُ رَمَى إلَى آدَمِيٍّ أَوْ شَاةٍ أَوْ بَقَرَةٍ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ فَأَصَابَ صَيْدًا أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ كَذَا هَذَا،

  290. وَإِنْ كَانَ الْحِسُّ حِسَّ صَيْدٍ فَأَصَابَ صَيْدًا يُؤْكَلُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْحِسُّ حِسَّ صَيْدٍ مَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِ مَأْكُولٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْمُصَابُ صَيْدًا مَأْكُولًا وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ، وَقَالَ زُفَرُ: إنْ كَانَ ذَلِكَ الْحِسُّ حِسَّ صَيْدٍ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَالسِّبَاعِ وَنَحْوِهَا لَا يُؤْكَلُ.

  291. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله اللَّهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ حِسَّ ضَبُعٍ يُؤْكَلُ الصَّيْدُ وَإِنْ كَانَ حِسَّ خِنْزِيرٍ لَا يُؤْكَلُ الصَّيْدُ.

  292. (وَجْهُ) قَوْلِ زُفَرَ إنَّ السَّبُعَ غَيْرُ مَأْكُولٍ فَالرَّمْيُ إلَيْهِ لَا يَثْبُتُ بِهِ حِلُّ الصَّيْدِ الْمَأْكُولِ كَمَا لَوْ كَانَ حِسَّ آدَمِيٍّ فَرَمَى إلَيْهِ فَأَصَابَ صَيْدًا وَلَنَا أَنَّ الْإِرْسَالَ إلَى الصَّيْدِ اصْطِيَادٌ مُبَاحٌ مَأْكُولًا كَانَ الصَّيْدُ أَوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ فَتَتَعَلَّقُ بِهِ إبَاحَةُ الصَّيْدِ الْمَأْكُولِ؛

  293. لِأَنَّ حِلَّ الصَّيْدِ الْمَأْكُولِ يَتَعَلَّقُ بِالْإِرْسَالِ فَإِذَا كَانَ الْإِرْسَالُ حَلَالًا يَثْبُتُ حِلُّهُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِحِلِّ الْإِرْسَالِ حِلُّ حُكْمِ الْمُرْسَلِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ ثَبَتَتْ لِمَعْنًى يَرْجِعُ إلَى الْمَحَلِّ فَلَا تَتَبَدَّلُ بِالْفِعْلِ وَلِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْإِرْسَالِ هُوَ قَصْدُ الصَّيْدِ فَأَمَّا التَّعْيِينُ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِمَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ وَقَدْ قَصَدَ الصَّيْدَ حَلَالًا كَانَ أَوْ حَرَامًا

  294. بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْحِسُّ حِسَّ آدَمِيٍّ؛ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ عَلَى الْآدَمِيِّ لَيْسَ بِاصْطِيَادٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا إذْ لَا يَتَعَلَّقُ حِلُّ الصَّيْدِ بِمَا لَيْسَ بِاصْطِيَادٍ وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ قَصْدُ الصَّيْدِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحِلُّ.

  295. (وَجْهُ) رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله فِي فَصْلِهِ بَيْنَ سَائِرِ السِّبَاعِ وَبَيْنَ الْخِنْزِيرِ أَنَّ الْخِنْزِيرَ مُحَرَّمُ الْعَيْنِ حَتَّى لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِوَجْهٍ فَسَقَطَ اعْتِبَارُ الْإِرْسَالِ عَلَيْهِ وَالْتَحَقَ بِالْعَدَمِ،

  296. فَأَمَّا سَائِرُ السِّبَاعِ فَجَائِزُ الِانْتِفَاعِ بِهَا فِي غَيْرِ جِهَةِ الْأَكْلِ فَكَانَ الْإِرْسَالُ إلَيْهَا مُعْتَبَرًا وَإِنْ سَمِعَ حِسًّا وَلَكِنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ حِسُّ صَيْدٍ أَوْ غَيْرِهِ فَأَرْسَلَ فَأَصَابَ صَيْدًا لَمْ يُؤْكَلْ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ اسْتَوَى الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ فَكَانَ الْحُكْمُ لِلْحَظْرِ احْتِيَاطًا.

  297. وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ فِيمَنْ رَمَى خِنْزِيرًا أَهْلِيًّا فَأَصَابَ صَيْدًا قَالَ: لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ الْخِنْزِيرَ الْأَهْلِيَّ لَيْسَ بِصَيْدٍ لِعَدَمِ التَّوَحُّشِ وَالِامْتِنَاعِ فَكَانَ الرَّمْيُ إلَيْهِ كَالرَّمْيِ إلَى الشَّاةِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حِلُّ الصَّيْدِ وَإِنْ أَصَابَ صَيْدًا مَأْكُولًا.

  298. وَقَدْ قَالُوا فِيمَنْ سَمِعَ حِسًّا فَظَنَّهُ آدَمِيًّا فَرَمَاهُ فَأَصَابَ الْحِسَّ نَفْسَهُ فَإِذَا هُوَ صَيْدٌ أَكَلَ؛ لِأَنَّهُ رَمَى إلَى الْمَحْسُوسِ الْمُعَيَّنِ وَهُوَ الصَّيْدُ فَصَحَّ وَنَظِيرُهُ مَا إذَا قَالَ: لِامْرَأَتِهِ وَأَشَارَ إلَيْهَا هَذِهِ الْكَلْبَةُ طَالِقٌ أَنَّهَا تَطْلُقُ وَبَطَلَ الِاسْمُ وَقَالُوا: لَوْ رَمَى طَائِرًا فَأَصَابَ صَيْدًا وَذَهَبَ الْمَرْمِيُّ إلَيْهِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَوَحْشِيٌّ أَوْ مُسْتَأْنَسٌ أُكِلَ الصَّيْدُ؛

  299. لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الطَّيْرِ التَّوَحُّشُ فَيَجِبُ التَّمَسُّكُ بِالْأَصْلِ حَتَّى يُعْلَمَ الِاسْتِئْنَاسُ وَلَوْ عُلِمَ أَنَّ الْمَرْمِيَّ إلَيْهِ دَاجِنٌ تَأْوِي الْبُيُوتَ لَا يُؤْكَلُ الصَّيْدُ؛ لِأَنَّ الدَّاجِنَ يَأْوِيهِ الْبَيْتُ وَتَثْبُتُ الْيَدُ عَلَيْهِ فَكَانَ الرَّمْيُ إلَيْهِ كَالرَّمْيِ إلَى الشَّاةِ وَذَلِكَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحِلُّ كَذَا هَذَا.

  300. وَقَالُوا لَوْ رَمَى بَعِيرًا فَأَصَابَ صَيْدًا

  301. وَذَهَبَ الْبَعِيرُ فَلَمْ يَعْلَمْ أَنَادٌّ أَوْ غَيْرُ نَادٍّ لَمْ يُؤْكَلْ الصَّيْدُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ الْبَعِيرَ كَانَ نَادًّا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِبِلِ الِاسْتِئْنَاسُ فَيُتَمَسَّكُ بِالْأَصْلِ حَتَّى يَظْهَرَ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ.

  302. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله فِيمَنْ رَمَى سَمَكَةً أَوْ جَرَادَةً فَأَصَابَ صَيْدًا فَقَالَ فِي رِوَايَةٍ: لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ السَّمَكَ وَالْجَرَادَ لَا ذَكَاةَ لَهُمَا وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ الْمَرْمِيَّ إلَيْهِ مِنْ جُمْلَةِ الصَّيْدِ وَإِنْ كَانَ لَا ذَكَاةَ لَهُ.

  303. وَقَالُوا لَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى ظَبْيٍ مُوثَقٍ فَأَصَابَ صَيْدًا لَمْ يُؤْكَلْ؛ لِأَنَّ الْمُوثَقَ لَيْسَ بِصَيْدٍ لِعَدَمِ مَعْنَى الصَّيْدِ فِيهِ وَهُوَ الِامْتِنَاعُ فَأَشْبَهَ شَاةً وَلَوْ أَرْسَلَ بَازَهُ عَلَى ظَبْيٍ وَهُوَ لَا يَصِيدُ الظَّبْيَ فَأَصَابَ صَيْدًا لَمْ يُؤْكَلْ؛ لِأَنَّ هَذَا إرْسَالٌ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الِاصْطِيَادُ فَصَارَ كَمَنْ أَرْسَلَ كَلْبًا عَلَى قَتْلِ رَجُلٍ فَأَصَابَ صَيْدًا.

  304. (وَمِنْهَا) أَنْ لَا يَكُونَ ذُو النَّابِ الَّذِي يَصْطَادُ بِهِ مِنْ الْجَوَارِحِ مُحَرَّمَ الْعَيْنِ فَإِنْ كَانَ مُحَرَّمَ الْعَيْنِ وَهُوَ الْخِنْزِيرُ فَلَا يُؤْكَلُ صَيْدُهُ؛ لِأَنَّ مُحَرَّمَ الْعَيْنِ مُحَرَّمُ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَالِاصْطِيَادُ بِهِ انْتِفَاعٌ بِهِ فَكَانَ حَرَامًا فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحِلُّ.

  305. (وَأَمَّا) مَا سِوَاهُ مِنْ ذِي النَّابِ جَمِيعًا: كُلُّ ذِي مِخْلَبٍ وَذِي نَابٍ عُلِّمَ فَتَعَلَّمَ وَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّمَ الْعَيْنِ فَصِيدَ بِهِ كَانَ صَيْدُهُ حَلَالًا لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ وَقَالُوا فِي الْأَسَدِ وَالذِّئْبِ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ الصَّيْدُ بِهِمَا لَا لِمَعْنًى يَرْجِعُ إلَى ذَاتِهِمَا بَلْ لِعَدَمِ احْتِمَالِ التَّعَلُّمِ؛

  306. لِأَنَّ التَّعَلُّمَ بِتَرْكِ الْعَادَةِ وَذَلِكَ بِتَرْكِ الْأَكْلِ،

  307. وَقِيلَ: إنَّ مِنْ عَادَتِهِمَا أَنَّهُمَا إذَا أَخَذَا صَيْدًا لَا يَأْكُلَانِهِ فِي الْحَالِ فَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِتَرْكِ الْأَكْلِ فِيهِمَا عَلَى التَّعَلُّمِ حَتَّى لَوْ تُصُوِّرَ تَعْلِيمُهُمَا يَجُوزُ وَذَكَر هِشَامُ وَقَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ الذِّئْبِ إذَا عُلِّمَ فَصَادَ، فَقَالَ: هَذَا أَرَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ فَإِنْ كَانَ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَقَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ صَيْدِ ابْنِ عِرْسٍ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رحمه الله قَالَ: إذَا عُلِّمَ فَتَعَلَّمَ فَكُلْ مِمَّا صَادَ فَصَادَ الْأَصْلُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَا لَا يَكُونُ مُحَرَّمَ الْعَيْنِ مِنْ الْجَوَارِحِ إذَا عُلِّمَ فَتَعَلَّمَ يُؤْكَلُ صَيْدُهُ وَاَللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ أَعْلَمُ.

  308. (وَمِنْهَا) أَنْ يُعَلَّمَ أَنَّ تَلَفَ الصَّيْدِ بِإِرْسَالٍ أَوْ رَمْيٍ هُوَ سَبَبُ الْحِلِّ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرِ فَإِنْ شَارَكَهُمَا مَعْنًى أَوْ سَبَبٌ يَحْتَمِلُ حُصُولَ التَّلَفِ بِهِ وَالتَّلَفُ بِهِ مِمَّا لَا يُفِيدُ الْحِلُّ لَا يُؤْكَلُ إلَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى مِمَّا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ؛

  309. لِأَنَّهُ إذَا اُحْتُمِلَ حُصُولُ التَّلَفِ بِمَا لَا يَثْبُتُ بِهِ الْحِلُّ فَقَدْ اُحْتُمِلَ الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ فَيُرَجَّحُ جَانِبُ الْحُرْمَةِ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّهُ إنْ أَكَلَ عَسَى أَنَّهُ أَكَلَ الْحَرَامَ فَيَأْثَمُ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَالتَّحَرُّزُ عَنْ الضَّرَرِ وَاجِبٌ عَقْلًا وَشَرْعًا وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِوَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ رضي الله عنه : «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ فَدَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما : مَا اُجْتُمِعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ فِي شَيْءٍ إلَّا وَقَدْ غَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ.

  310. وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا رَمَى صَيْدًا وَهُوَ يَطِيرُ فَأَصَابَهُ فَسَقَطَ عَلَى جَبَلٍ ثُمَّ سَقَطَ مِنْهُ عَلَى الْأَرْضِ فَمَاتَ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ وَهُوَ تَفْسِيرُ الْمُتَرَدِّي؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ الرَّمْيِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَاتَ بِسُقُوطِهِ عَنْ الْجَبَلِ،

  311. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَى جَبَلٍ فَأَصَابَهُ فَسَقَطَ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى الْجَبَلِ ثُمَّ سَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ فَمَاتَ أَوْ كَانَ عَلَى سَطْحٍ فَأَصَابَهُ فَهَوَى فَأَصَابَ حَائِطَ السَّطْحِ ثُمَّ سَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ فَمَاتَ، أَوْ كَانَ عَلَى نَخْلَةٍ، أَوْ شَجَرَةٍ فَسَقَطَ مِنْهَا عَلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ، أَوْ نَدَّ مِنْ الشَّجَرَةِ ثُمَّ سَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ فَمَاتَ، أَوْ وَقَعَ عَلَى رُمْحٍ مَرْكُوزٍ فِي الْأَرْضِ وَفِيهِ سِنَانٌ فَوَقَعَ عَلَى السِّنَانِ ثُمَّ وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ فَمَاتَ، أَوْ نَشِبَ فِيهِ السِّنَانُ فَمَاتَ عَلَيْهِ، أَوْ أَصَابَ سَهْمُهُ صَيْدًا فَوَقَعَ فِي الْمَاءِ فَمَاتَ فِيهِ لَا يَحِلُّ؛

  312. لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَاتَ بِالرَّمْيِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَاتَ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ الْمَوْجُودَةِ بَعْدَهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:

  313. «وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْهُ فَلَعَلَّ الْمَاءَ قَتَلَهُ» بَيَّنَ عليه الصلاة والسلام الْحُكْمَ وَعَلَّلَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ احْتِمَالِ مَوْتِهِ بِسَبَبٍ آخَرَ وَهُوَ وُقُوعُهُ فِي الْمَاءِ، وَالْحُكْمُ الْمُعَلَّلُ بَعْلَةٍ يَتَعَمَّمُ بِعُمُومِ الْعِلَّةِ.

  314. وَلَوْ أَصَابَهُ السَّهْمُ فَوَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ فَمَاتَ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُؤْكَلَ لِجَوَازِ مَوْتِهِ بِسَبَبِ وُقُوعِهِ عَلَى الْأَرْضِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْ وُقُوعِ الْمَرْمِيِّ إلَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ فَلَوْ اُعْتُبِرَ هَذَا الِاحْتِمَالُ لَوَقَعَ النَّاسُ فِي الْحَرَجِ، وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى فِي الصَّيْدِ إذَا وَقَعَ عَلَى صَخْرَةٍ فَانْشَقَّ بَطْنُهُ أَوْ انْقَطَعَ رَأْسُهُ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ قَالَ الْحَاكِمُ الْجَلِيلُ الشَّهِيدُ الْمَرْوَزِيِّ وَهَذَا خِلَافُ جَوَابِ الْأَصْلِ قَالَ الْقُدُورِيُّ رحمه الله وَعَنَى بِهِ أَنَّهُ خِلَافُ عُمُومِ جَوَابِ الْأَصْلِ؛

  315. لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ لَوْ وَقَعَ عَلَى آجُرَّةٍ مَوْضُوعَةٍ فِي الْأَرْضِ أُكِلَ وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ انْشَقَّ بَطْنُهُ أَوْ لَمْ يَنْشَقْ فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يُؤْكَلَ فِي الْحَالَيْنِ فَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ وَيَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْحَالَيْنِ مِنْ حَيْثُ إنْ

  316. لَوْ انْشَقَّ بَطْنُهُ أَوْ انْقَطَعَ رَأْسُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَوْتَهُ بِهَذَا السَّبَبِ لَا بِالرَّمْيِ فَكَانَ احْتِمَالُ مَوْتِهِ بِالرَّمْيِ احْتِمَالَ خِلَافِ الظَّاهِرِ فَلَا يُعْتَبَرُ،

  317. وَإِذَا لَمْ يَنْشَقَّ وَلَمْ يَنْقَطِعْ فَمَوْتُهُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ السَّبَبَيْنِ مُحْتَمَلٌ احْتِمَالًا عَلَى السَّوَاءِ إلَّا أَنَّ التَّحَرُّزَ غَيْرُ مُمَكِّنٍ فَسَقَطَ اعْتِبَارُ مَوْتِهِ بِسَبَبِ الْعَارِضِ.

  318. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ فِي الْمُنْتَقَى تَفْسِيرًا لِمَا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُؤْكَلُ إذَا لَمْ يَنْشَقَّ بَطْنُهُ أَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ رَأْسُهُ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَيُجْعَلُ الْمُقَيَّدُ بَيَانًا لِلْمُطْلَقِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِهِمَا وَلَوْ وَقَعَ عَلَى حَرْفِ آجُرَّةٍ أَوْ حَرْفِ حَجَرٍ ثُمَّ وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ فَمَاتَ لَمْ يُؤْكَلْ لِمَا قُلْنَا وَلَوْ كَانَتْ الْآجُرَّةُ مُنْطَرِحَةً عَلَى الْأَرْضِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا ثُمَّ مَاتَ أَكَلَ؛

  319. لِأَنَّ الْآجُرَّةُ الْمُنْطَرِحَةَ كَالْأَرْضِ فَوُقُوعُهُ عَلَيْهَا كَوُقُوعِهِ عَلَى الْأَرْضِ،

  320. وَلَوْ وَقَعَ عَلَى جَبَلٍ فَمَاتَ عَلَيْهِ أُكِلَ؛ لِأَنَّ اسْتِقْرَارَهُ عَلَى الْجَبَلِ كَاسْتِقْرَارِهِ عَلَى الْأَرْضِ.

  321. وَذُكِرَ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله لَوْ رَمَى صَيْدًا عَلَى قِمَّةِ جَبَلٍ فَأَثْخَنَهُ حَتَّى صَارَ لَا يَتَحَرَّكُ وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَأْخُذَهُ فَرَمَاهُ فَقَتَلَهُ وَوَقَعَ لَمْ يَأْكُلْهُ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ صَيْدًا بِالرَّمْيِ الْأَوَّلِ لِخُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ الِامْتِنَاعِ فَالرَّمْيُ الثَّانِي لَمْ يُصَادِفْ صَيْدًا فَلَمْ يَكُنْ ذَكَاةً لَهُ فَلَا يُؤْكَلُ.

  322. وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ مَا إذَا اجْتَمَعَ عَلَى الصَّيْدِ مُعَلَّمٌ وَغَيْرُ مُعَلَّمٍ أَوْ مُسَمًّى عَلَيْهِ وَغَيْرُ مُسَمًّى أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ لِاجْتِمَاعِ سَبَبَيْ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَلَمْ يُعْلَمْ أَيُّهُمَا قَتَلَهُ.

  323. وَلَوْ أَرْسَلَ مُسْلِمٌ كَلْبَهُ فَاتَّبَعَ الْكَلْبَ كَلْبٌ آخَرُ غَيْرُ مُعَلَّمٍ لَكِنَّهُ لَمْ يُرْسِلْهُ أَحَدٌ وَلَمْ يَزْجُرْهُ بَعْدَ انْبِعَاثِهِ أَوْ سَبُعٌ مِنْ السِّبَاعِ أَوْ ذُو مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُعَلَّمَ فَيُصَادُ بِهِ فَرَدَّ الصَّيْدَ عَلَيْهِ وَنَهَشَهُ أَوْ فَعَلَ مَا يَكُونُ مَعُونَةً لِلْكَلْبِ الْمُرْسَلِ فَأَخَذَهُ الْكَلْبُ الْمُرْسَلُ وَقَتَلَهُ لَا يُؤْكَلُ؛

  324. لِأَنَّ رَدَّ الْكَلْبِ وَنَهْشَهُ مُشَارَكَةٌ فِي الصَّيْدِ فَأَشْبَهَ مُشَارَكَةَ الْمُعَلَّمِ غَيْرَ الْمُعَلَّمِ وَالْمُسَمَّى عَلَيْهِ غَيْرَ الْمُسَمَّى عَلَيْهِ

  325. بِخِلَافِ مَا إذَا رَدَّ عَلَيْهِ آدَمِيٌّ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ حِمَارٌ أَوْ فَرَسٌ أَوْ ضَبٌّ؛ لِأَنَّ فِعْلَ هَؤُلَاءِ لَيْسَ مِنْ بَابِ الِاصْطِيَادِ فَلَا يُزَاحِمُ الِاصْطِيَادَ فِي الْإِبَاحَةُ فَكَانَ مُلْحَقًا بِالْعَدَمِ فَإِنْ تَبِعَ الْكَلْبَ الْأَوَّلَ كَلْبٌ غَيْرُ مُعَلَّمٍ وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُهَيَّبْ الصَّيْدَ وَلَكِنَّهُ اشْتَدَّ عَلَيْهِ وَكَانَ الَّذِي أَخَذَ وَقَتَلَ الْكَلْبَ الْمُعَلَّمَ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ؛

  326. لِأَنَّهُمَا مَا اشْتَرَكَا فِي الِاصْطِيَادِ لِعَدَمِ الْمُعَاوَنَةِ فَيَحِلُّ أَكْلُهُ وَاَللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ أَعْلَمُ.

  327. (وَمِنْهَا) أَنْ يَلْحَقَ الْمُرْسِلُ أَوْ الرَّامِي الصَّيْدَ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ قَبْلَ التَّوَارِي عَنْ عَيْنِهِ أَوْ قَبْلَ انْقِطَاعِ الطَّلَبِ مِنْهُ إذَا لَمْ يَدْرِك ذَبْحَهُ فَإِنْ تَوَارَى عَنْ عَيْنِهِ وَقَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ ثُمَّ وَجَدَهُ لَمْ يُؤْكَلْ،

Show 66 masa’il more
Maliki
Another book
النوادر والزياداتIbn Abi Zayd al-Qayrawani · 4,234 masa’il
  1. من الواضحة ومن كتاب ابن المواز قالا: وكره مالك الصيد للهو به ونهى عنه ولرآه سفهاً، ولم يجز قصر الصلاة فيه، وأجاز ذلك لمن يصطاد لعيشه وعيش أهله. قال عنه ابن حبيب أو من قرم إلى اللحم من غني أو فقير.

  2. قال وكره الليث الصيد للهو وقال ما رأيت حقا أشبه بباطل منه. وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من بدا جفا، قال ومن لزم الصيد لها،

  3. ومن لزم السلطان فتن، وفي حديث آخر: من لزم الصيد غفل.

  4. قال مطرف وابن الماجشون: استخفت مالك الصيد لأهل البادية وقال هم بمكانه ولا غنى عنه،

  5. وإن خروج أهل الحضر إليه خفة وسفاهة.

  6. قال عبد الملك في قول الله سبحانه {وما علمتم من الجوارح مكلبين} فتكليبها تعليمها الاصطياد. قال غيره ودخل مدخل الكلاب غيرها من السباع المعلمة، وسباع الطير بدخولها في اسم الجوارح، والجوارح الكواسب. قال الله تعالى {ويعلم ما جرحتم بالنهار} يقول ما كسبتم.

  7. قال ابن حبيب: فتعليم الكلب أن يدعوه فيجيب، ويشليه فينشلي، ويزجره فينزجر.

  8. وكذلك الفهود. وأما البزاة والصقور والعقبان فإنما تعليمها أن تجيب إذا دعيت وتنشلي إذا أرسلت،

  9. فأما أن تنزجر إذا زجرت فليس ذلك فيها ولا يمكن منها،

  10. وكذلك قال ربيعة وابن الماجشون.

  11. وقال غير ابن حبيب من أهل اللغة: يقال للزجر أشلا كما تقول زجرت التنور إذا أوقدته.

  12. قال ابن حبيب قال مالك:

  13. ولا يؤكل صيد النمس إذا قتل وأنفذ المقاتل لأنه ليس بمعلم ولا يفقه التعليم،

  14. ولا يؤكل من صيده إلا ما أدركت ذكاته حيا.

  15. قال مالك في تارك التسمية في الصيد والذبائح: إن كان عامدا ً فلا يؤكل،

  16. وإن كان ناسيا أكلت. وقال أشهب في العامد إن لم يكن مستخفا فليؤكل،

  17. قال أشهب وابن القاسم:

  18. ولا يحتاج إلى التسمية في صيد الحوت، وقاله ابن القاسم. قال أشهب ولا في صيد الجراد، إلا أنه حين يقتلها يعتملها فعليه حينئذ أن يسمي لأن ذلك ذكاتها.

  19. وروى عن ابن المسيب إذا خرجت قانصا فذكرت اسم الله حين تخرج كفاك. وروي نحوه عن ابن القاسم. قال ابن حبيب يعني إذا نسي التسمية.

  1. وذكر ما فات أو توارى عنك وما أدركت ذكاته من الصيد

  2. أو أعان عليه سبع أو تردى وغيره

  3. قال ابن حبيب في قوله تعالى {فكلوا مما أمسكن عليكم} يقول ما صدن وأدركن ليس يريد أن يمسكنه فلا يأكل منه.

  4. قال ابن المواز قال مالك:

  5. وإذا أكل الكلب المعلم مما أخذ قبل أن يقتله أو بعده فإنه يؤكل ما أخذ.

  6. قال محمد ولا يؤكل ما أخذ غير المعلم إلا ما أدركت ذكاته. قال ورأى قوم أن الكلب إذا أكل لم يؤكل منه، ويؤكل مما أكل منه البازي إذ لا يقدر على طرده.

  7. والعمل على حديث عمرو ابن شعيب عن أبي ثعلبة أنه يؤكل وإن أكل منه.

  8. قال ابن حبيب وروى نحوه في حديث عدي بن حاتم. قال غيره اختلف عن عدي ابن حاتم فيه، فقال ابن حبيب: وممن قال إنه يؤكل وإن أكل علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبو هريرة وسلمان وابن المسيب وسليمان ابن يسار وابن شهاب وربيعة وعطاء ابن أبي رباح.

  9. قال ابن المواز قال مالك وأصحابه: لا يؤكل ما مات بنطح الكلاب وصدمها أو كدمها من غير تنييب،

  10. ولا ما مات من الجري، وكل ما جرحته أو نيبته ولو في أذنه، إلا أشهب فإنه قال يؤكل ما مات بصمها وبطحها وبضرب السيف وإن لم يجرح، والأول أحب إلينا.

  11. قال مالك: وإذا توارى عنك فصرع الصيد ثم أصبت فيه أثر كلبك أو بازك أو سهمك، قال ابن حبيب وقد عرفت الصيد، قال مالك فكله وإن لم يكن مقتلا ً.

  12. وإن لم تجده إلا آخر النهار، قال أصبغ إذا كان متماديا في طلبه،

  13. فأما إن اشتعل بغيره أو انقطع عنه فلا يؤكل، إذ لعله لو طلبه أدرك ذكاته، ويصير كالذي يحاول إخراج السكين من خرجه حتى مات بنفسه، إلا أن يكون في ذلك كله قد أنفذت الجوارح مقاتله أولا ً.

  14. قال ابن القاسم وأما إن مات عنه ثم وجد فيه سهمه قد أنفذ مقاتله فليأكله.

  15. وأما في أثر الباز والكلب فلا يؤكل وإن كان معلما.

  16. وكذلك لو رجع إلى منزله ثم رجع فوجد أثر بازه أو كلبه فيه وهو معقل لم يؤكل، إذ لعله لو حضر أدرك ذكاته قبل إنفاذ مقاتله، وقاله أصبغ بخلاف السهم.

  17. وقال ابن القاسم وأشهب: لا يؤكل إذا بات وإن كان سهما.

  18. ومن قول ابن عباس: كل ما أصبت، يريد ما حضرت موته، أو قربت منه،

  19. ولا تأكل ما انبت، يريد ما بعد عنك وعن موته.

  20. قال محمد: ولعل ذلك فيما لم ينفذ السهم مقاتله، وهو بين، قال أسبغ وقد قيل إلا ما بات ولم ينفذ فيه السهم المقاتل لما يخاف أنه أعان عليه في الليل من السهم والوحش.

  21. قال أصبغ ولا معنى لرواية ابن القاسم وأراها وهما ً.

  22. قال ابن حبيب قال ابن الماجشون: يؤكل ما مات إذا وجد قد أنفذت الجوارح والسهم مقاتله إذا لم يشك في ذلك، وقاله أشهب وابن عبد الحكم وأصبغ. وقال ابن القاسم لا يؤكل، والأول أحب إلينا، وذكر ابن أبي حبيب عن أشهب غير ما ذكر ابن الماجشون.

  23. قال ابن المواز قال مالك:

  24. وإذا أدركه في أفواه الكلاب فتركه حتى مات وهو يقدر على تذكيته في أفواهها، أو يقدر على خلاصه،

  25. فلا يؤكل. وكذلك لو أدركه غير صاحبه وهو يقدر على ذكاته فتركه حتى جاء صاحبه وقد مات بنفسه فلا يأكله.

  26. قال مالك: وإن رميته بسهمك فأصابه منه ما منعه الفرار،

  27. ثم رميت أنت أو غيرك فقتلته لم يؤكل، لأنه أيسر.

  28. قال ابن القاسم للأول قيمته على الثاني. قال ابن حبيب قال ابن شهاب وربيعة ومالك: إذا رميت صيدا أو أرسلت جارحاً فلا تتربص في إدراكه،

  29. فإن توانيت حتى مات وأنت تعلم لولا توانيك لأدركته حيا ً فلا تأكله.

  30. قال عبد الملك وإن عالجت خلاصه من الكلب أو الباز حتى مات ولو شئت ذكيته تحتهما فلا تأكله،

  31. وإن لم تقدر على تذكيته وهو تحتهما لم يضرك شغلك بخلاصه وإن مات بنفسه.

  32. ومن العتبية قال يحيى عن ابن القاسم في الصيد يتوارى بالكلب فيوجد عليه قد قتله إنه إن لم ير قريبا ً منه صيدا ً يشك في أن يكون غير الذي أرسله عليه أو غيره فأكله حلال،

  33. وإن خفت ان يكون غير صيدك فلا تأكله بالشك.

  34. قال سحنون وإن أرسله على صيد بعينه فانبعثت صيود فرادها وتوارى عنه ثم وجده قد قتل صيدا ً، قال لا يأكله حتى يعرفه.

  35. قال أبو زيد قال ابن القاسم: إذا أنفذ سهمك مقاتل الصيد ثم وقع في بئر أو رأيت سبعا ً قد أعان عليه أو تردى من جبل فإنه يؤكل، إلا أن يشك أن يكون أنفذ مقاتله أو لم يعلم فلا يأكله إلا أن يدرك ذكاته.

  1. من العتبية وكتال ابن المواز قال ابن القاسم: قال مالك فيمن رمى صيدا ً بسهم مسموم ثم أدرك ذكاته فلا يأكله، فلعل السهم أعان على قتله، وأخاف على من أكله.

  2. ولا يؤكل ما قتل السهم والرمح بعرضه.

  3. ومن رمى بعصا أو عود لا حديد فيه فأصاب فإنه يؤكل ما قتل. قال

  4. وكذلك المعراض إذا سحق. قال مالك:

  5. وقيل الحجر والبندق من الموقوذة، وقاله ابن عمر في الجلاهق، مالك وذلك رض. قال ابن حبيب وإن دخلت في اللحم فهو رض فلا يؤكل إلا ما أدركت ذكاته.

  6. وأخبرني أصبغ عن ابن القاسم في رامي الصيد بالحجر أو الذي مثله يذبح به فقطع رأس الصيد وهو ينوي اصطياده فلا يعجبني أكله، إذ لعل الحجر قطع رأس الصيد بعرضه.

  7. ومن كتاب ابن المواز قال ربيعة:

  8. ومن رمى صيداً فأبان وركيه مع فخذيه فلا يأكل ما أبان منه وليأكل باقيه، وقاله مالك.

  9. قال مالك: وكذلك لو قطع يديه أو رجليه،

  10. واما لو جزله نصفين أو قطع رأسه لأكله جميعه،

  11. وكذلك ما ابانت الكلاب منه مثل ذلك. قال محمد

  12. بخلاف لو جزله نصفين أو أبان رأسه.

  13. مالك: ولو أبان يده ثم أعجزه ثم وجده ميتا ً أو وجده أولاً قد مات بنفسه فليؤكل إلا ما أبان منه.

  14. ولو أدركه حياً ففرط في ذكاته حتى مات لم يؤكل منه شيء.

  15. ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم: كل ما ضربه من الوركين إلى الرأس فجزله جزلين فليؤكل جميعا ً،

  16. ولو أبان فخذيه ولو يبلغ ضربته إلى الجوف فلا يؤكل ما أبان منه ويؤكل منه ما بقى.

  17. قال سحنون في الصيد يعدو في المغار فينفذ مقاتله فيقطع قبل أن يموت، قال فلا ينبغي أكله ولا أحرمه.

  18. قال أبو زيد قال ابن القاسم فيمن رمى صيداً فأصاب مقاتله ثم والى عليه بالرمح حتى قتله ولو شاء ذكاه، فإنه يؤكل.

  1. أو أرسل كلياً بعد كلب أو ظنه سبعاً أو حجراً

  2. فإذا هو صيد، أو قتله بغير نية الصيد

  3. من كتاب ابن المواز:

  4. وإذا أرسل كلبه على جماعة ينوي ما أخذ منها فأخذ اثنين واحداً بعد واحد فلا يأكل إلا الأول، إلا أن يقتلهما في مرة واحدة، فيصير كقول مالك في السهم يؤكل كل ما قتل في رميته، إلا ان ينوي في السهم وغيره

  5. واحداً بعينه فلا يأكل غيره. وهذا عندي معنى كلام مالك فيما قتل السهم من الجماعة أنه يؤكل.

  6. ورأى ابن القاسم أن الكلب والباز إذا قتل تلك الجماعة كلها أكلت، وجعله كقول مالك في السهم، وذلك يفترق لأنها رمية واحدة في السهم، والكلب إذا قتل واحدا احتاج في قتل الثاني إلى إرسال ثان.

  7. وروى ابن وهب عن مالك فيمن أرسل كلبه على صيد فأخذه ثم رأى صيداً آخر فذهب إليه فأشلاه صاحبه عليه فقتله. قال محمد ولا أظنه أراد أن يأخذ اثنين ولكن إذا لم ينو صيداً معيناً فما أخذ أكل، يريد أول مرة.

  8. يدل على ذلك قوله: وكذلك الرمي.

  9. قال محمد: ولو أرسله على طيور وظباء ينوي ما أخذ منها فما أخذ من طير أو ظبي فإنه يؤكل.

  10. وكذلك لو أرسلت عليهما كلبين فأخذ هذا ظبيا وهذا أرنبا، فإنه يؤكل ما أخذا.

  11. ومن أرسل كلبا على صيد ثم أتبعه بآخر بعد أن فارقه الأول فقتلاه أوقتله أحدهما فأكله جائز. قال أصبغ ما لم يكن إرساله الثاني بعد أن أخذ الأول فشاركه في قتله الثاني وحده فهذا لا يؤكل، يعني ما لم يقتله بعد إنفاذ الأول مقاتله فهذا يؤكل، قال أصبغ ولو أرسل الثاني قبل أن يأخذه الأول فهذا من قتله منهما فإنه يؤكل.

  12. قال ابن القاسم وأشهب:

  13. ومن رمى صيدا ً يظنه سبعاً أو خنزيراً أو حجراً فإذا هو ظبي فقتله فلا يؤكل. قال أصبغ ولو ظنه تلتلاً فإذا هو ظبي فلا يؤكل.

  14. ومن كتاب آخر قال أشهب:

  15. ومن رمى طيراً يظنه غراباً فقتله فإذا هوغير غراب فإنه يؤكل لأنه نوى صيده،

  16. ولا ينوي صيد حجر.

  17. قال محمد قال ابن الواز قال مالك:

  18. وإن رمى فقطع رأسه فإن لم ينو اصطياده لم يؤكل. قال ابن حبيب

  19. وكذلك إن رماه على وجه اللعب لا يريد صيداً.

  20. وفي أصل سماع ابن وهب فيمن رمى صيداً بسكين وقطع رأسه ولم يرد أكله ولا اصطياده ولكنه أراد قتله، قال لا أرى أن يؤكل مل لم تكن نية اصطياده، فترك أكله أحب إلي.

  21. ومن كتاب ابن المواز:

  22. ومن رمى صيدا لينفره من مكانه لا للاصطياد فقتله فلا يؤكله.

  1. أو أرسله على ما لم يره أو في غار أو غيضة

  2. أو شاهقة جبل أو بحله

  3. من كتاب ابن المواز:

  4. وإذا أشلى الكلب على الصيد ثم أتبعه سيده بالإشلاء عليه، قال مالك لا يؤكل حتى يبتدئ ربه إشلاءه. وأجاز أصبغ إذا تلاه ربه بالإشلاء والتحريض والتسمية. قال محمد لا يعجبني.

  5. محمد: ومن رأى كلباً يحد النظر وكالمتلفت فأرسله على شيء لم يره فليأكل ما أخذ، وذلك كإرساله إياه في الغياض والغيران لا يدري ما فيها، عرف بالصيد فيها أو لم يعرف، قاله مالك.

  6. ومن العتبية قال ابن القاسم قال مالك في البازي يضطرب على يد صاحبه على شيء رآه صاحبه، فيرسله على غير شيء يراه، فأخذ صيداً فلا أحب أكله، ولعله غير الذي اضطرب عليه بعينه أو غيره إلا أن يوقن أنه الذي اضطرب عليه بعينه، مثل أن يراه غيره ولم يره هو.

  7. ومن كتاب آخر قال مالك:

  8. ومن أرسل كلبه أو بازه على جماعة صيد ونوى إن كان خلفها جماعة أخرى فهو عليها مرسل فأصاب صيداً من الجماعة الثانية ولو يعلم بها فإنه يؤكل، وقال أشهب: لا يؤكل إلا ما أخذ مما يراه حين الإرسال عليه، وإلا فلا يأكل مما لم يره إلا ما أدرك ذكاته.

  9. وكذلك إذا أرسله في غيضة ولا يعلم ما فيها فلا يأكل ما صاد.

  10. ومن العتبية قال ابن القاسم عن مالك أنه أجاز ما صاد من الغار يرسله فيه للصيد وإن لم يدر ما فيه. وقال عيسى وقاله ابن القاسم، قال ابن حبيب وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ. وإنما لم يجوز أن يرسله أول خروجه من بيته على غير شيء رآه أو رآه لكن على ما أصاد في إرساله، وليس هذا كإرساله في الغار، والغار إرساله على جماعة لم يقصد واحداً بعينه.

  11. وكذلك ما رجاه وأشرف وقاله أصبغ، وقال وكان أشهب وابن القاسم لا يجيزان ذلك في الغيضة.

  12. قال أصبغ: والغيضة والغار وما وراء الشرف سواء، وذلك جائز إذا أرسل على ما رجا في ذلك.

  13. ومن العتبية قال سحنون فيمن أرسل كلبه في الجحير ولا يدري أفيه صيد أم لا، ينوي أنه مرسل على ما أصاب فقتل فيه إنه لا يؤكل، وكذلك الغيضة عنده.

  14. ومن كتاب ابن المواز:

  15. ولو أرسل بازه على وكر في شاهقة جبل أو على شجرة، قال أصبغ فإن كان لا يصل إليه ولا إلى إلقائه بالأرض بطلوع غيره إلا بأمر يخاف فيه العطب أو التعب فإنه يؤكل بالصيد، ويصير كالغيضة والغار.

  16. ولو وصل إلى إلقائه بالأرض برمح أو غيره حتى يقع فيذكيه فلا يؤكل بالصيد. وفي العتبية عن أصبغ مثل هذا كله.

  1. أو جزيرة أو انكسر ثم يقتله بعد ذلك

  2. من كتاب ابن المواز:

  3. وإذا طردت الكلاب الصيد حتى وقع في حفرة لا مخرج له منها أو انكسرت رجله فتمادت الكلاب فقتلته فلا يؤكل، لأنه أسير.

  4. محمد: وهذا إذا كان لو تركته الكلاب قدر ربها على أخذه بيده.

  5. ولو لجأ إلى غار لا منفذ له أو غيضة فدخلت الكلاب إليه فقتلته لأكل ولو لجأ إلى جزيرة أحاط بها البحر فوعر طريقه إليها وأطلق إليه كلابه وتمادت فقتلته،

  6. فأما الجزيرة الصغيرة التي لو أجتهد طالبه لأخذه بيده ولا يكون له في الماء نجاة فلا يؤكل،

  7. وإن كان له في الماء نجاة أو كانت جزية كبيرة يجد الروغان فيها الأمن كذا لاتساعها حتى يعجز طالبه على رجليه أو على فرس أن يصل إليه بيده إلا بسهم أو كلب فإنه يؤكل بالصيد. ومثل ما ذكرنا في هذا الباب في العتبية من كلام أصبغ.

  8. في المنصب يقع فيه صيد ألجاه إليه أحد، من أحق به؟

  9. ومن صاد بكلب رجل أو فرسه أو سهمه

  10. من العتبية قال عيسى قال ابن القاسم فيمن نصب حباله أو فخاً أو حفر للصيد فطرد غيره صيداً ليقع فيه فأراه شريكاً لصاحب المنصب في الصيد بقدر ما يرى له. قال أصبغ هو للذي طرده إلى المنصب وعليه لرب الحبالة أو الفخ أو الحفرة قيمة ما أنتفع به من ذلك، كمن رمى بسهم بسهم رجل فصاد به كلابه أو بازه فعليه كراء ذلك لربه، والصيد للصائد.

  11. قال عيسى عن ابن القاسم طرد قوم الصيد ولم يقصدوا وقوعه في الحبالة والمنصب ولم يضطروه إليها، أو انقطع عنهم ثم وقع فيه، فهو لرب المنصب

  12. خاصة. وإن فأشرفوا على أخذه كالمقتدرين عليه فضغطوه حتى وقع في المنصب فهو للذين طردوه دون رب المنصب، وقاله أصبغ.

  13. قال ابن حبيب: وكذلك إن اقتحم دارا.

  14. وأما إن قصدوا تعمد إيقاعه في الحبالة أو الفخ أو المنصب فوقع فليه وهم بقرب منه، فها هنا يكونون ورب المنصب شركاء فيه بقدر ما لهم وله.

  15. ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون وابن القاسم فيمن صاد بكلب رجل أو بازه، فالصيد لرب الكلب أو البازي، وعليه أجر الصائد إن شاء،

  16. وإن شاء أسلمه إليه وأخذ منه أجرة كلبه أو بازه.

  17. قال ابن حبيب وهذا

  18. بخلاف الحبالة والحفرة، وأحب إلي من قول أصبغ الذي جعل ذلك سواء، وجعله للصائد.

  19. وكذلك ذكر ابن المواز عن ابن القاسم أن الصيد لرب الكلب والبازي كالعبد.

  20. قال ابن حبيب كمن تعدى على عبد رجل فجعله ليصيد له الحيتان، فما صاد فلسيده، وضمان ما حدث بالكلب والعبد والبازي من المتعدي عليهم، وقاله ابن المواز.

  21. ولو صاد على فرس رجل تعدياً فالصيد له، وعليه أجر الفرس لربه.

  22. وذكر أصبغ عن ابن القاسم في العتبية مثل ما ذكر ابن حبيب عنه سواء، وخالفه أصبغ في الكلب وقال ليس كالكلب وقال ليس كالعبد هو الفاعل، والكلب لا يصيد إلا بما يفعل به من الإشلاء والإرسال، وهو كالدابة يحمل عليها.

  23. وقال سحنون مثله إن الكلب كالفرس، وعلى الصائد أجرهما والصيد له.

  24. وفي كتاب ابن المواز في نفي الضرر شيء من هذا.

  1. من كتاب ابن المواز قال مالك:

  2. ولا يؤكل صيد مرتد ولا مجوسي ولا كتابي. قال محمد ولا صيد الصابئ ولا ذبيحته. وقد كره الحسن مع ذلك نكاح نسائهم. قال مجاهد هم قوم بين اليهود والمجوس لا دين لهم.

  3. وأجاز أشهب صيد الكتابي ولا يعجبنا، وقد كرهه مالك في الكتابي. قال ابن حبيب وقال ابن وهب إنه جائز كقول أشهب فيه، ونحن نكرهه من غير تحريم. والقياس أنه كذبائحهم، وإنما ذكر الله تعالى {تناله أيديكم ورماحكم} في ذكر ما نهى المحرمين عنه من الصيد.

  4. محمد قال مالك: ولا يؤكل صيد السكران ولا المجنون الذي لا يعقل ولا ذبيحة الأعجمي لا يعقل الصلاة.

  5. ومن العتبية قال أشهب عن مالك: لا خير فيما صاد المجوسي من الجراد إذا جاء به مقتولاً،

  6. فأما إن باعه حياً فلا بأس به على مبتاعه. قال أشهب في كتابه اعتملها المجوسي أو ماتت في يديه فلا يؤكل.

  7. وكذلك إن اشتراها من مسلم ثم اعتملها.

  8. ولو اشتراها نصراني من المجوسي حية فعملها لأكلت.

  9. ومن سماع يحيى بن يحيى قال في نصراني خرج مع المسلمين في طلب صيد فبدر إليه فذكاه،

  10. فإن كان خوفا من فوته وبحال الضرورة فأكله جائز،

  11. وأما إن تمكن المسلمون من ذبحه ثم قدموه لذلك كره أكله.

  12. ومن الواضحة: وما أدرك من صيد المجوسي والكتابي حياً فذكاه مسلم جاز أكله، ويؤكل ما صاده مسلم بكلب مجوسي أو بازه أو سهمه،

  13. ولا يؤكل ما صاده مجوسي بكلب مسلم أو بازه وسهمه.

  14. قال ابن حبيب: وإني لأكره صيد من لا يتحفظ من المسلمين من جاهل بحدود الصيد غير متحر لصوابه.

  15. وإذا اجتمع على الصيد كلب أرسله مجوسي وكلب أرسله مسلم فقتلاه لم يأكله المسلم ولا يقسم،

  16. وكذلك سهماهما، إلا أن يوقن أن سهم المسلم قتله دون سهم المجوسي، مثل أن يوجد سهم المسلم في مقتله، والآخر في عضو سواه فيحل ويقسم بينهما.

  17. ولو أخذاه حياً حكم للمسلم بذبحه وأخذ نصفه.

  18. وقال بعض أصحابنا: فإن قال المجوسي أنا لا آكل ذبيحة مسلم فإنهما يؤمران ببيعه وقسم ثمنه، إلا أن يكون بموضع لا ثمن له فيه فيمكن المسلم من ذبحه إن شاء.

  1. قال ابن القاسم من صاد بازياً في رجليه شيء قال أو ظبياً في عنقه قلادة أو في أذنيه قرطان فإنه يعرف به،

  2. ثم إن كان ليس بهروب انقطاع وتوحش فهو لمعرفته،

  3. وإن كان هروب انقطاع وتوحش فهو لمن وجده،

  4. فإن قال معترفه منذ يومين ذهب لي، وقال واجده، لا أدري فعلى الأول البينة. قال سحنون البينة على الذي صاده وهو المدعي، يريد والقلادة وشبهها للأول بكل حال أنه جعلها.

  5. قال أشهب إذا علم الذي صاده أنه قد طال زمانه ويراه من الوحش فليس عليه أن يعرف به،

  6. ولا يأخذه ربه إن عرفه.

  7. وإن جهل أمره عرف به،

  8. ثم سئل عن قرب ذلك وبعده.

  9. قال محمد بن عبد الحكم: هو لصائده الأول وإن طال زمانه في ندوده عنه منذ عشر سنين فلا يزول ملكه عنه.

  10. قال ابن القاسم: من صاد ظبياً فانفلت منه فصاده غيره،

  11. فإن كان بحدثان ما ذهب منه بمثل يوم أو يومان فهو للأول،

  12. وإن طال أمره واستوحش فهو لمن صاده آخراً.

  13. ومن الواضحة: إذا توحشت الإنسية من الأنعام لم تحل إلا بذكاة، وروي فيها بعض الرخصة وليس بقول مالك.

  14. وأما ما أصله التوحش من الظباء والأرانب والأيائل وحمر الوحش يتأنس ثم يستوحش فإنها تحل بالصيد، وقاله مالك في اليمام واليعاقيب وجميع الطير يتأنس ثم يستوحش، فإنه يحل بالصيد، وقاله مالك.

  15. وحمام البيوت وكذلك البرك ولإوز الإنسية تستوحش،

  16. ولا أرى هذا في الإبل والغنم والدجاج إذ لا أصل لها في الوحشية ترجع إليه،

  17. ولا بأس أن تعقر عقرا يبلغ مقتلا أو تعرقب ثم تذكي.

  18. وأما البقر فهي عندي لها أصل ترجع إليه من بقر الوحش،

  19. فإذا، ستوحشت حلت عندي بالصيد.

  20. قال مالك في سماع ابن وهب في البقر في أرض العدو تستوحش فيريد رجل ظان يدركه برمبه فيعرقبه ثم يذكيه، فكره ذلك.

  21. قال ابن حبيب لا يجوز صيد الطائر ولا النصب له برجي أوغيره،

  22. وإن دخل من برج غيره إلى برجه فليرده إن عرفه،

  23. فإن لم يقدر وعرف عشه رد فراخه،

  24. وإن لم يعرف عشه فلا شيء عليه،

  25. وإن عرفه ولم يعرف ربه فلا شيء عليه ولا في فراخه.

  26. وكذلك النحل لأن النحل وحمام الأبرجة أصلها التوحش والناد، فأمام حمام البيوت فكاللنطة إن يعرف ربها في إنشادها تصدق بها.

  27. قال ابن الماجشون وهذا قول مالك وأصحابنا.

  28. ومن ذلك الحمام الأهلي،

  29. وكذلك البازي والصقر والواشق إذا لم يعلم وصاد ثم أفلت وند فهو كاللقطة، لا يسرع لأخذه،

  30. وإن لم يكن بهذه الصفة من دجانته

  31. وخرابه وإجابته وهو وحش كما أخذ، لم يقتته الناس، فهو لمن أخذه وإن كان ربه يراه على بعد منه ويئئس من إدراكه، لأنه عاد إلى وحشته كذلك قال مالك، إلا أن يأخذه محتبلاً بخيطه أو متشبثاً بشجرة أو نحو هذا فهو للأول.

  32. وكذلك كل ما كان من وحش الطير من العماري والدمام وغيرها،

  33. وكذلك الظباء والإوز وحمر الوحش والأرانب وشبه ذلك، فما ند من ذلك بعد إنسه ودجانته فهو للأول، وما ند بحدثان وحشته فلمن أخذه، إلا أن يأخذه محتبلاً وسعى في ربطه.

  34. هذا قول مالك وابن الماجشون ومطرف وابن عبد الحكم وأصبغ.

  35. ومن العتبية قال ابن القاسم قال مالك في الجبح يضعه الرجل في الجبل فما دخل فيه من النحل وأطعم فهو له دون غيره، كالحبالة ينصبها فما وقع فيها فهو له.

  36. قال عيسى عن ابن القاسم وليس لأحد أن يسد سداً في خليج بحر ولا يمنع الناس به من الصيد، وهو وهم فيه سواء.

  37. ورأيت في تأليف ابن الحجام قال غيره في النحل لرجل يخرج منها فينزل بموضع ثم يأتي فرخ لغيره فيبول عليه فتختلط النحل، أن ذلك كله بينهما، وهو خلاف ما قال سحنون ها هنا،

  38. ولا أدري حكى عنه ابن الحجام.

  39. قال سحنون في النحل يفرخ فيخرج الفرخ فيهرب في الشجرة ثم يخرج فرخ آخر لرجل آخر فيضرب عليه، قال ذلك للأول.

  40. ولو ضرب فرخ في بيت نحل لرجل فذلك لصاحب العائل.

  41. ومن كتاب آخر ومن آوت إليه جماعة من حمام البيوت عرفها،

  42. فإن لم يعرف ربها تصدق بها عن ربها. قال سحنون فإن ازدوجت بذكر له فليردها مع نصف الفراخ إلى ربها،

  43. فإن لم يعرفه تصدق بذلك معها، لأن الذكر والأنثى في الحمام خاصة متعاونان في زق الفرخ وتربيته.

  44. قال ابن القاسم وأشهب لا يعيد من حمام الأبرجة شيئاً،

  45. فإن فعل فليرده، وإن لم يعرف ربه أو أي برج هو تصدق بقيمته.

  1. قال ابن القاسم عن مالك من نصب جبحاً في الجبل فما دخله فهو له.

  2. قال أشهب: هذا إن كانت جبلية،

  3. وإن كانت لقوم فهو فيه أسوة،

  4. ولا يجب أن ينصب هناك جبح.

  5. وإن كان هناك نحل كثير غير مربين ونحل مربون، فلينصب وما دخل فيه فهو له، إلا أن يعرف شيء لقوم فيرد إليهم. وكره ابن كنانة أن ينصب جبحاً بمكان قريب من أجباح الناس، ولينصبها في بعيد من العمران.

  6. قال ابن حبيب قال مطرف:

  7. ولا ينصب للنحل جباح في القرية إذا كان ذلك يضر بهم في نوار ثمارهم وزرعهم،

  8. ويجوز في الحمام، وذلك

  9. بخلاف المواشي، وهذه لا يقدر أهل الحوائط والزروع على الاحتراس منها.

  10. وقد مالك في الدابة الضاربة لفساد الزرع إنها تغرب وتباع على ربها،

  11. وكذلك الإوز والدجاج الطائرة التي لا يقدر على الاحتراس منها. وقال أصبغ ذلك كله مثل الماشية لا يتخذها إن ضرب على أهل القرية حفظا لزرعهم وشجرهم، وقاله ابن القاسم.

  12. قال ابن كنانة: لا يمنع من اتخاذ البرج وإن تأذى به جيرانه في زرعهم وثمارهم، وأكره له أن يؤذي أحداً.

  1. ودواب البحر وطافي الحوت وصيد طير الماء

  2. من كتاب محمد وغيره: لم يجز مالك أكل الجراد بأخذها حتى يفعل بها ما تموت به من قطع رؤوسها أو أرجلها وأجنحتها أو إلقائها في ماء حار أو في نار،

  3. وإن ماتت بيده لغير ذلك لم تؤكل، وقاله ابن شهاب وربيعة.

  4. قال ابن المسيب وعطاء إذا ماتت بعد أن أخذها أكلت وكرها ما وجد منها ميتاً. قال ابن حبيب وأجازه مطرف وقال ابن عبد الحكم: وعلى آخذها التسمية عند قطع رؤوسها أو أجنحتها أو غير ذلك مما يقتل به. قال ابن حبيب أو تنغز بالإبرة أو بالشوك حتى تموت، أو تقلى حية أو تموت شواء.

  5. ومن كتاب آخر قال أشهب: إذا قطع أجنحتها أو أرجلها ثم تركها ثم ماتت من غير ذلك فلا تؤكل،

  6. بخلاف الرأس. ولو طرحها في ماء حار قبل موتها أكلت ولم يؤكل ما زايلها من أفخاذها.

  7. وأما الأجنحة فهي عندي كصوف الميتة وتؤكل،

  8. ولو سلقت الأفخاذ معها لم تؤكل هي ولا أفخاذها، وهذا غلط بين.

  9. قال سحنون: ولو سلقت جراداً موتا لأكلت التي سلقت أحياء، بمنزلة خشاش الأرض تموت في القدر. وأجاز مالك أن تلقى في النار وهي حية. قال عنه أشهب وقطع رؤوسها أحب ألي، وكره سحنون قتلها بالإلقاء في ماء بارد ولم يجز ذلك إلا في ماء حار.

  10. ومن العتبية قال أشهب عن مالك:

  11. ولا يجوز صيد المجوسي لها إن قتلها بفعله إلا أن تؤخذ منه حية فتعمل فذلك جائز. وقال ابن حبيب: وأجاز مالك أكل الحلزون وقال يذكى بما يذكى به الجراد من فعل تموت به،

  12. ولا يؤكل ما مات منه بغير فعل، وتسمي الله عند فعلك ذلك به من سلق أوبنغز بالإبر أو الشوك أو غير ذلك.

  13. ومن الواضحة قال ابن حبيب:

  14. ولا بأس بأكل الضفادع بغير ذكاة لأنها من دواب الماء ولا تفسد ما ماتت فيه وقال بالكراهية في خنزير الماء.

  15. قال: وكره علي ابن أبي طالب رضي الله عنه شقائق له من الحوت من غير تحريم. قال ابن حبيب فقال كل ما لا شقائق له فهو دابة من دواب البحر والماء وليس بحوت وإن كان على خلقته

  16. وقال ابن عباس لا بأس بأكل خنزير الماء، وإنما حرمته اليهود. قال ابن حبيب وأنا أكرهه، لأنه يقال أنه من الممسوخ.

  17. ومن العتبية ابن القاسم عن مالك في حيتان برك بقي ماؤها يطرح فيها السيكران فسكر فتؤخذ، فكره أكلها. قيل إنه لا يخاف على أكلها ولا يعجبني هذا من فعل العجم. وأجاز في رواية أشهب أكلها ولم ير به بأساً إذا لم تؤذ من يأكلها.

  18. قال ولا بأس بقطع الحوت قبل أن يموت وأن يلقى في النار حياً، ويؤكل ما وجد منه ميتاً. وكره في رواية أشهب غمس رؤوسها في الطين ولم يره شديداً. قال وفرس البحر الذي يقيم فيه أياماً حياً حتى يذبح قال هو من صيد البحر لا بأس بأكل ميته.

  19. ويصيد المحرم إياه، وإنما يذبح استعجالا لموته، وما كره ذبحه إلا أن يدخل به على الناس شك إن دار عليهم فيه.

  20. ومن طير الماء ما يعيش في الماء وهو من البر لا يؤكل إلا بما يؤكل به صيد البر قال وما أكره طرح الحوت في النار حيا كل الكراهية،

  21. ولو تركه قليلا مات.

  22. ومن كتاب ابن المواز قال مالك، والليث: طعام البحر ما ألقى. قال ابن المسيب ويؤكل التمساح وإن كان دويب وجميع دواب الماء، واختلف في خنزير الماء، فأجاز أكله ربيعة، وكرهه يحيي ابن سعيد. وظاهر القرآن والسنة في صيد البحر يبيحه، وقد سمى من رواية على غيره فلا يحرم.

  23. ويؤكل السرطان والسلحفاة والحوت الحري الذي لا قشر له. قال مالك:

  24. ولا يحتاج في صيد البحر تسمية.

  25. بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه

  1. من كتاب محمد قال: والسنة أخذ الشاة برفق وتضجع على شقها الأيسر إلى القبلة ورأسها مشرف وتأخذ بيدك اليسرى جلد حلقها من اللحي الأسفل بالصوف وغيره فيمده حتى تتبين البشرة وموضع السكين في المذبح حتى تكون الجرزة في الرأس،

  2. ثم يسمي الله ويمر السكين مرا مجهزا من غير ترديد،

  3. ثم يرفع ولا ينحى ولا يرد. وقد حددت شفرتك فبل ذلك ولا تضرب بها الأرض،

  4. ولا يجعل رجله على عنقها، ولا يجرها برجلها.

  5. وكره ربيعة ذبحها وأخرى تنظر، وكره مالك ذبح طير وشبهه والدجاجة وهو قائم،

  6. فإن فعل أكل إذا أصاب الذبح. قال مالك:

  7. ويكره ذبحها على شقها الأيمن،

  8. فإن فعل أكلت، ولو كان أعسر كان ذلك له.

  9. قال ابن حبيب عن أصبغ:

  10. ولو فعل ذلك متعمدا من غير عذر أكلت. قال ابن حبيب ويكره للأيسر أن يذبح،

  11. فإن فعل واستمكن أكلت،

  12. ولا يكره ذلك للأيسر لأن يمينه يذبح. قال محمد ونهى مالك الجزارين أن يدوروا بالحفرة بالذبح، ولكن ليستقبلوا القبلة، قاله محمد،

  13. فإن لم يتوجه للقبلة، ساهيا فلا شيء

  14. عليه، وإن تعمد لم تؤكل، وقاله ابن عمر والشعبي.

  15. وأما الجاهل فأرجو ألا شيء عليه.

  16. وأما تارك التسمية عامدا قال أشهب إن كان مستخفاً لم تؤكل. قال ابن حبيب في تارك التوجه في الذبح عامداً من غير جهل إنها تؤكل.

  17. قال ويقول في التسمية: بسم الله والله أكبر،

  18. ولو قال بسم الله فقط والله أكبر فقط، أو لا إلاه إلا الله أو سبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله من غير تسمية أجزأه، وكل تسمية لله تعالى، ولكن ما مضى عليه الناس أحسن ولا يذكر في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

  19. قال أصبغ قال ابن القاسم: إن في بعض الحديث موطنين لا يذكر فيهما إلا الله: الذبيحة والعطاس،

  20. فلا يقل بسم الله والله أكبر محمد رسول الله،

  21. ولا في العطاس الحمد لله محمد رسول الله،

  22. ولو قال مع ذلك وصلى الله على محمد لم تكن تسمية له مع الله سبحانه. وقال أشهب لا ينبغي أن تجعل الصلاة على النبي صلي الله عليه وسلم في هذا استنانا.

  23. ومن نزل عن المذبح أو ارتفع فذلك جائز له إذا كان ذلك في الحلق،

  24. وأما إن جازت الجرزة إلى البدن فقال ابن القاسم لا تؤكل، وقاله أصبغ، وهو أحب إلى، لأن الحلقوم لم يقطع منه شيء وأجاز ذلك عبد الحكم وذكر العتبي عن ابن القاسم وأشهب وسحنون أنها لا تؤكل، وقال أشهب وابن القاسم وأشهب وسحنون أنها لا تؤكل وأن ابن وهب قال تؤكل.

  25. ومن كتاب آخر مما روينا عن ابن وضاح قال قال عبد الله بن عبد الحكم: لا تؤكل، وقال أشهب وابن وهب وأبو المصعب وموسى ابن معاوية إنها تؤكل. قال ابن وضاح: ولم يحفظ لمالك فيها شيء، وذكرت لأبي زيد أنه روى عنه عن ابن القاسم عن مالك أنها لا تؤكل فأنكره، وقال أبو زيد تؤكل، وقال سحنون أنها تؤكل ثم رجع فقال لا تؤكل، وقال محمد بن عمر قال مالك وابن القاسم إنها لا تؤكل.

  26. وقال ابن وضاح لم يتكلم فيها إلا ابن عبد الحكم فنزلت به.

  27. قال محمد بن عمر وقال محمد بن عبد الحكم تؤكل. قال: وعلى قياس قول ابن

  28. القاسم إنها إذا صارت إلى البدن وبقي في الرأس منها قدر حلقة الخاتم أنها تؤكل إلا أن يبقى في الرأس منها ما لا يستدير فلا تؤكل.

  29. قال بعض شيوخنا إن ذبح الجزار لرجل فأجاز الغلصمة إلى البدن ضمن قيمة الشاة على مذهب مالك وابن القاسم،

  30. ولا يضمن في قول غيرهما.

  31. وإن ذبح الصياد في ظلمة الليل ثم تبين له أنه ذبح من خلف القفا فلا تؤكل، وكره له الذبح قائما،

  32. وكذلك في ذبح الدجاجة وشبهها، وأخاف أن لا يتمكن،

  33. فإن فعل وأصاب أكلت.

  34. ولابن حبيب في الواضحة:

  35. وإذا قطع الأوداج وأكثر الحلقوم النصف فأكثر أكلت،

  36. وإن قطع يسيراً منه تؤكل،

  37. ولو لم يقطع منه شيئاً فقيل له في ذلك فرجع وأجهز على الحلقوم،

  38. فإن كان في فور الذبح قبل يذهب عنها ويدعها فذلك جائز،

  39. وإن كان بعد أن تباعد فلا يؤكل.

  40. وقال سحنون: وإذا رفع يده قبل تمام الذكاة ثم علم فردها مكانه وأجهز فلا تؤكل. وروى ابن وضاح أن سحنون كره أكلها، وتأول بعض أصحابنا على سحنون أنه إذا رفع يده كالمختبر أو ليرجع فيتم الذكاة ثم رجع في فوره فأتم أنها تؤكل.

  41. ومن العتبية قال أشهب عن مالك: لا يؤكل ما ذبح من القفا،

  42. وأما لو ذهب يذبح فأخطأ فانحرف فإنها تؤكل. وروى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في الدجاجة والعصفور والحمام إذا أجهز أوداجه ونصف حلقه أو ثلثه، قال لا بأس بذلك إذا لم يتعمد، ولم يجز ذلك سحنون حتى يجهز على جميع الحلقوم والأوداج.

  43. وكره مالك تعمد بجع الذبيحة،

  44. فإن تعمد أكلت وقال علي بن أبي طالب تلك ذكاة واجبة، وقال ابن عباس لا تؤكل في التعمد.

  45. ويكره أن تسلخ بعد الذبح حتى تموت،

  46. وكذلك القطع منها، وتؤكل إن فعل.

  47. قال مالك وينهى الجزارون عن نفخ اللحم ويؤدبون عليه.

  1. من كتاب ابن المواز قال مالك:

  2. ومن ذبح بحال الضرورة بفلقة قصبة أو فلقة عصا أو حجر فأنهر الدم فإنها تؤكل،

  3. وكذلك من نخار أو حرف عظم أو قرن إذا أمر مراً والسطرة فلقة العصا وهي الصرر، والليطة حجر، والصرر فلقة الحجر، والليط القصبة، والمروة الحجر والمدية السكين.

  4. قال الليث: ما مر مراً فكل، وما تردد فلا يؤكل.

  5. وكذلك روي عن ابن عباس. قال حبيب: الترداد أن يرفع يده ثم يعيدها فلا يجوز حتى يجهز أول مرة.

  6. قال: ولا يؤكل ما ذبح الظفر أو السن. قال في كتاب ابن حبيب إذا كان مركباً،

  7. فأما إن كان منزوعين ولم يسفرا عن الذبح بهما وعظما حتى يمكن الذبح بهما فلا بأس بالذبح بفلقة العظم وإن لم يكن ذكيا، وإنما ينبغي الذبح بمثل هذه الأشياء بفلقة الحجر أو العصا والقصبة ونحوهما عند فوات نفسها ولم تحضر الشفرة.

  8. فأما في السعة فلا إلا بالشفار الحادة،

  9. فإن ذبح بذلك من غير ضرورة فقد أساء ولا تحرم.

  10. ولا بأس بالذبح بشفرةلا نصاب لها والرمح والقدوم والمنجل الأملس الذي يبرد به،

  11. فأما المضرس الذي يحصد به فلا خير فيه لأنه يبرد،

  12. ولو قطع كقطع الشفرة فلا بأس ولكن ما أراه يفعل ذلك.

  13. محمد قال أشهب: إن ذبح بعيرا ونحر بقرة من ضرورة فقد صار كالضرورة ويؤكل، وأبى ذلك مالك وابن القاسم وأصحابهما إلا من ضرورة من وقوع في بئر ونحوه.

  14. قال ابن القاسم إن نحرت النعامة أو غيرها من الطير لم يؤكل.

  15. ومن المستخرجة قال ابن أبي سلمة: ويؤكل ذلك كله إذا ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح من طير أو غيره من غير ضرورة.

  16. ومن كتاب محمد ولا يؤكل ما ند من الأنعام بالصيد.

  1. قال مالك: وذكاة الجنين ذكاة أمه إن تم خلقه ونبت شعره، لابد من هذا وهذا،

  2. فإن كان أحدهما لم يؤكل وإن كان حيا.

  3. ومن المستخرجة وغيرها: أشهب عن مالك: وعن الذبيحة يخرج جنينها ميتاً قال يؤكل إذا تم خلقه ونبت شعره. قال:

  4. ويستحب مر السكين على حلقه ليخرج الدم من جوفه. قال ابن حبيب

  5. وكذلك إن خرج وبه حياة ضعيفة وهو في رمق الموت فيستحب ذبحه ويؤكل،

  6. فإن لم يذبح أكل،

  7. وإن كان به من الحياة ما يرى أنه يعيش منها لو ترك أو يشك في ذلك،

  8. فإن لم يذك حتى مات فلا يؤكل.

  9. قال أبو زيد قال ابن القاسم في بقرة أزلمت ولدها،

  10. فإن كان مثله يحيى ويعيش فلا بأس بأكله إذا ذكي. قال ابن حبيب إذا تم خلقه ونبت شعره. قال ابن القاسم فإن كان مثله لا يعيش لم يؤكل،

  11. وكذلك إن شك في ذلك فلا يؤكل وإن ذكي.

  12. ومن كتاب محمد قال مالك:

  13. وإذا خرج جنين الذبيحة يتحرك أحببت أن يذبح،

  14. فإن هو سبقهم بنفسه كرهت أكله.

  15. وقال يحيى بن سعيد: لا يحل أكله إلا أن يموت قبل خروجه بعد ذكاة أمه،

  16. فأما إن بقر عليه بأثر ذبحها،

  17. فإن خرج يتحرك فلا يؤكل إلا بذكاة.

  18. قال مالك ولو أبطأ موته في بطنها بعد ذكاة أمه وموتها فإنه يؤكل إذا لم يخرج وفيه روح.

  19. قال ابن القاسم قال مالك في بهيمة طرحت ولدها حياً يرتكض قد تم خلقه فذبح، لم أحب أكله. قال أصبغ إذا كان مثله لا يعيش إن ترك لخروجه قبل وقت الولادة.

  1. من كتاب محمد قال مالك: تكره ذبيحة الصبي والمرأة أضحيتها،

  2. ولا يذبح الصبي أضحيته.

  3. ويجوز ذبح الأغلف والجنب والحائض. قال ابن القاسم والأخرس.

  4. مالك ولا تؤكل ذبيحة من لا يعقل من جنون أو سكر وإن أصاب لعدم القصد.

  5. قال مالك والأعجمي لا يعرف الصلاة. قال مالك: تؤكل ذبيحة السارق لأنه إنما حرم السرقة لا عين الذبح والمحرم حرم عليه الدبح نفسه في الصيد.

  6. ومن العتبية أشهب عن مالك لا أحب ذبيحة الخصي، فإن فعل أكلت.

  1. ومعونتهم على أعيادهم والانتفاع بآنيتهم

  2. من العتبية قال ابن القاسم عن مالك عن رجل من بني عبد الأشهل له فضل، قال كان الناس يبتغون لذبائحهم أهل الفضل، قال ابن حبيب وأهل الإصابة والمعرفة.

  3. ابن المواز قال مالك:

  4. ولا أحب أن يذبح النصراني، واختلف قوله في كراهية أكل ما ذبح وليس بحرام،

  5. ولو كانت ملكاً للنصراني فهو أخف. والشاة بين مسلم ونصراني لا أحب أن يمكنه من ذبحها.

  6. مالك: ومن ذبح من ذمي أو حربي أكلت ذبيحته إلا من عرف بأكل الميتة منهم،

  7. فلا يؤكل ما غاب عليه من ذبيحته. وكره مالك أن يذبح العبد النصراني لمواليه إلا أن يحتاجوا إليه في ذلك.

  8. وما ذبح اليهود فلم يستحلوه لأجل الدية أو لغير ذلك فقد اختلف قول مالك في كراهيته، وثبت قوله على الكراهية من غير تحريم. وأشد من ذلك ما حرمه الله عليهم من الإبل من النعام إنها من ذوات الظفر فلا تحل لنا.

  9. قال ابن حبيب والإوز. قال محمد: والشحوم المجملة كالتروب والكلأ وأما المبعر والحياوات اللين وما اختلط بعظم ولحم فجائز.

  10. وكره مالك ما ذبحوا للكنائس أو لعيسى أو لجبريل لأعيادهم من غير تحريم.

  11. وأما ما ذبح للأصنام فمحرم لقول الله تعالى {وما ذبح على النصب} قال محمد ابن حبيب:

  12. وإن ما ذبح للكنائس ولعيسى وللصليب ولمن مضى من أحبارهم ليضاهي ما أهل لغير الله به مما ذبح للأصنام، ولكن لم يبلغ به مالك التحريم، لأن الله أحل لنا طعامهم وهو يعلم ما يفعلون، وترك ذلك أفضل.

  13. قال محمد وتؤكل ذبيحة النصراني العربي والمجوسي إذا تنصر، قال وتلا ابن عباس {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} وتؤكل ذبيحة السامرة صنف من اليهود لا يؤمنون بالبعث، قاله عمر بن الخطاب وغيره،

  14. ولا تؤكل ذبيحة الصابئ وليس بحرام، كتحريم ذبائح المجوس.

  15. وقد حرم الحسن وسعيد ابن جبير ذبائحهم ونكاح نسائهم وقيل أنهم بين المجوسية والنصرانية.

  16. وإذا ولى المجوس مسلما فذبح له فاختلف في أكله، فأجازه ابن سيربن وعطاء، وكرهه الحسن، وسئل الحسن عن مجوسي قال لمسلم اذبحها لصنمنا أو لنارنا فاستقبل بها المسلم القبلة وسمى الله فكره أكلها. قال محمد إنما يكره إذا أمره بذبحها على هذا الشرط،

  17. فأما لو تضيف به مسلم فأمر بذبحها مسلما فذلك جائز وإن عدها لعيده.

  18. قال مالك أحب إلي غسل آنية النصاري،

  19. وان تسألهم عما قربوا من الطعام أطيب هو؟

  20. وأما القدر الذي يطبخون فيها فأحب ألي أن يغلى فيها الماء حتى يذهب ودكها لأكلهم الميتة والخنزير.

  21. ولا يؤكل جبن المجوس لعملهم فيه أنفخة الميتة إلا ما لم ليسوا عليه.

  22. وأما اللبن والزبد فإن كانت آنيتهم نظيفة فكل، وإن شككت فدع.

  23. قال محمد: ما ليس أهل الذمة من خفاف وعملوا من القرب فلا خير فيه إلا من بعد غسله، وما كان جديراً فلا بأس به من أهل الكتاب،

  24. ولا خير فيه من المجوس/ لأن الغالب عليهم أكل الميتة إلا ما أيقنتم حلاله.

  25. وأما غير المجوس فلا بأس به إلا ما أيقنتم حرامه.

  26. ومن المختصر: ولا بأس بأكل طعام المجوس وكل الذي ليست له ذكاة. قال الأبهري وقد أكل الصحابة من طعامهم حين فتح الله بلادهم مما لا ذكاة فيه.

  27. ومن الواضحة: ولا بأس بذبائح نساء أهل الكتاب وصبيانهم إذا أصابوا الذبح، وتؤكل ذبائح أهل الحرب من أهل الكتاب.

  28. وكره مالك الشراء من تجار اليهود، ونهى عمر أن يكونوا في أسواقنا،

  29. ولا بأس أن يكون لهم مجزرة على حدة وينهوا عن البيع من المسلمين، وينهى عنه المسلمون.

  30. ومن اشترى منهم لم يفسخ شراؤهم وهو ورجل سواء إلا أن يكون ما اشترى منهم مثل الطريف وشبهه مما لا يأكلونه فيفسخ شراؤه، قاله مطرف وابن الماجشون.

  31. وقالا في الشاة بين مسلم وذمي فلا يواليها للذمي يذبحها،

  32. فإن تشاحا تقاوماها أو باعاها.

  33. وكذلك محرم وحلال صادا صيدا قبل إحرام المحرم فليتقاوماه،

  34. فإن وقع للمحرم أطلقه،

  35. وإن وقع للحلال صنع به ما شاء. قالا وليس كالعتق هذا مختلف فيه، قيل له احبسه حتى يحل من إحرامه، وقال أصبغ كقولهما.

  36. قال ابن حبيب: وكل ذي ظفر مما حرم الله على اليهود في الإبل وحمر الوحش والنعام والإوز وكل ما ليس بمشقوق الخف ولا منفرج القائمة. ألا ترى الدجاجة والعصافير انفرجت قوائمها فاليهود تأكلها، وقاله كله مجاهد.

  37. فلو ذبح يهودي من هذا المحرم عليهم شيئاً لم يحل لمسلم، والشحوم المجملة محرمة عليهم مثل الترب والكشا وهو شحم الكلا وما لصق بالعظمة وشبهها من شحم محض، واستثنى ما حملت الظهور وهو ما يغشى اللحم من الشحم على الظهر وسائر الجسد، واستثنى الحوايا وما اختلط بعظم، فالحوايا المباعر والمرابض التي تكون فيها الأمعاء وتسمى بنات اللبن، فما في ذلك من شحم فهو مستثنى، فما كان من هذه الشحوم المحرمة عليهم فلا تحل لنا من ذبائحهم لا أكله ولا ثمنه، وما لم يكن في اللفظ محرماً عليهم وإنما حرمه بعضهم مثل الطريف وشبهه فهو مكروه أكله وأكل ثمنه لأنه ليس من طعامهم، وفي ذلك تخفيف من بعض أصحاب مالك.

  38. وقال مالك في المختصر: لا أحب أكل شحوم اليهود من غير أن أراه حراماً، وأجاز أشهب أكل ما حرموه على أنفسهم مما ليس في النص تحريمه عليهم، وقال

  39. ابن القاسم لا يؤكل هذا ولا هذا. وقال ابن وهب لا بأس أن يؤكل هذا وهذا، وقاله محمد بن عبد الحكم.

  40. قال أبو بكر بن العلاء: لأن الذكاة تذكي الشحوم وغيرها،

  41. ولا تكون التذكية لبعض دون بعض، وقد أباح ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح بعض حصون خيبر، فأخذ رجل مزوداً مملوءاً شحماً فنازعه صاحب المغانم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: خل بينه وبين جرابه يذهب إلى أصحابه، وليس كأكل ذي ظفر لأن ذلك كله محرم لا تعمل الذكاة في شيء منه.

  42. واختلف في تأويل قول الله سبحانه {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} فقيل ذبائحهم،

  43. وقيل ما أحل لهم، ولاحتمال الآية كره مالك ذلك من غير تحريم، يعني الشحوم المحملة.

  44. قال ابن حبيب: وأما ذبحوه لأعيادهم ولكنائسهم ولعيسى وللصليب ونحوه فيكره من غير تحريم، وإنه ليضاهي ما أهل به لغير الله،

  45. وإن أكله لمن تعظيم شركهم.

  46. وقد سئل مالك عن الطعام يتصدق به النصاري عن موتاهم، فكره للمسلم قبوله وقال لأنه يعمل تعظيما لشركهم.

  47. قال ابن القاسم وكذلك من أوصى أن يباع من ماله شيء للكنيسة فلا يجوز للمسلم أن يشتريه. قال ابن القاسم وإذا باع الأسقف من الكنيسة شيئاً لمدفنها وربما حبست تلك الأرض على الكنيسة لمصلحتها فلا يشتريه، كما لا يجوز ذلك في أحباسنا،

  48. ولا ينبغي للحاكم أن يعرض في ذلك ببيع ولا تنفيذ ولا شيء.

  49. وكره مالك الركوب معهم في المراكب التي يركبون فيها لأعيادهم لما يخاف من نزول السخط عليهم، وكره ابن القاسم أن يهدي المسلم للنصراني في عيده مكافأة له، وقال هذا عون على تعظيم عيده وكفره.

  50. ولا يباع شيء منهم من مصلحة

  51. عيدهم لحم ولا إدام ولا ثوب ولا عارية دابة، قال مالك وغيره: وينبغي للإمام الزجر عن ذلك.

  52. ولا يحل ما ذبح المجوس وعبدة الأوثان لأن الله سبحانه قد عم فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم {والرجز فاهجر} وهو الكفر وما ضارعه وعم تحريم النساء المشركات،

  53. ثم استثنى نساء أهل الكتاب فأباح ذبائحهم ونكاح نسائهم.

  54. قال ابن حبيب قال ابن شهاب:

  55. ولا ينبغي الذبح للعوامر من الجان، وقد نهى النبي عليه السلام عن الذبح للجان.

  1. من الواضحة ابن حبيب: المنخنقة: ما يخنق بحبل أو غيره أو ينوطها برقيتها، والموقوذة المضروبة في مقاتلها أو حيث لا ترتجى لها حياة مما أصابها من ضربة حجر أو عصا أو بندق أو غير ذلك، والمتردية التي ترد من شيء منيف أو جبل أو شرف أو سقطت في هوة، والنطيحة التي ينطح بعضها بعضا أو تنطح جداراً أو صخرةً فيبلغ ذلك منها، وما أكل السبع: ما يمرط السبع بطنها أو يصيب مقتلها أو يوهنها.

  2. وقوله تعالى {إلا ما ذكيتم} يعني في الحياة القائمة لا في حال الإياس منها يقول إلا ما ذكيتم في حال الحياة فمات بتذكيتكم،

  3. ولو كان تحريمها إنما هو لموتها لكان قوله تعالى {حرمت عليكم الميتة} يغني عن سائر ما وصف،

  4. وكذلك فسر لي ابن الماجشون فيما يئس لها من الحياة أن ينقطع نخاعها أي ينتشر دماغها أو تنشق أوداجها أو ينخرق مصرانها أو ينثر حشوتها، بهذه المقاتل لا يرجى بعدها حياة.

  5. وأما إن انكسر صلبها ولم ينقطع النخاع أو ينشرخ رأسها ولم ينتثر دماغها أو ينشق جوفها ولم

  6. ينشق قصيرها ولا انتثرت حشوتها فلا تحرم بهذا إذا ذكيت،

  7. وكذلك ما أصابها من كسر غير هذا إذا ذكيت والروح فيها، إلا أن تكون قد انتهت مما أصابها،

  8. وإن لم يكن من المقاتل المذكورة إلى حد الموت وشبهه مما فيه الإياس أو يشكل ذلك من أمرها ثم ذبحت فلا تؤكل،

  9. وإن طرفت بعينها أو استفاض نفسها أو حركت ذنبها أو ركضت برجلها، وهذا قول ابن الماجشون وابن عبد الحكم، وأجاز أكل هذه ابن القاسم وأصبغ، والأول أحب إلينا.

  10. وكان ابن القاسم وأصبغ لا يريان دق العنق مقتلا حتى ينقطع النخاع، قالا وهو المخ الأبيض الذي داخل العنق والظهر، وليس النخع عندنا إلا دق العنق وإن لم ينقطع المخ كذلك قال ابن الماجشون ومطرف عن مالك.

  11. قال ابن حبيب فأما في انكسار الصلب ففيه يحتاج إلى انقطاع المخ الذي في الفقار،

  12. فإن انقطع فهو مقتل،

  13. وإن لم ينقطع فليس بمقتل وقد يبرأ على حدوثه.

  14. قال ابن المواز: وتؤكل النطيحة والمتردية وإن كانت لو تركت ماتت إذا سلمت المقاتل،

  15. فمن ذلك انقطاع مخ العنق أو الظهر، أو ينقطع بعض الأوداج أو ينشق الجوف، وقد قيل لا يضر شقها حتى يخرج شيء من الحشوة أو ينقطع بعض المصارين.

  16. قال مالك: والمريضة التي تضطرب للموت وإن تركت ماتت إذا ذكيت أكلت. قال محمد إذا ذبحها قبل خروج نفسها، وذلك إذا سال دمها وتحركت بعد الذبح فإن لم يكن ذلك لم تؤكل إلا أن يكون بها الحياة بينة بالنفس البين أو العين تطرف.

  17. قال ابن القاسم وابن كنانة إذا اضطربت أكلت وإن لم يسل دمها. قال مالك فيمن ذبح شاة وجري دمها ولم تتحرك لها رجل ولا ذنب ولا طرفت بعين،

  18. فأما النطيحة فتؤكل، وأما المريضة فإن كانت نفسها يجري وحركتها تعرف فإنها تؤكل. قال محمد ويعرف ذلك بحركة الرجل والذنب، قاله زيد بن ثابت وابن

  19. المسيب قال والعين تطرف قال ابن حبيب أو يستفيض نفسها في جوفها ومنخرها فأي هذه الحركات الأربع كان منها عند مر الشفرة في حلقها فإنها تؤكل.

  20. ومن المستخرجة قال أشهب قال مالك في قول الله سبحانه {إلا ما ذكيتم} إلا ما فيه موضع للذكاة وينبغي أن يذبح المنخنقة في خناقها إذا كان فيها لذلك موضع مثل أن يتنفس في عينها بطرف.

  21. قال مالك إذا شق الذئب بطنها وإن لم يشق الأمعاء فلا تؤكل. قال عنه ابن القاسم:

  22. ولا أرى أن تذكى التي ينثر أمعائها ولا يضر في المتردية اندفاق عنقها إلا أن ينقطع مخه.

  23. قال سحنون في شاة أو بقرة غرقت في ماء فذكاها داخل الماء وهو يعلم أنها مجتمعة الحياة حين الذبح إنها تؤكل.

Show 3,843 masa’il more
Shafi'i
Another book
منهاج الطالبينal-Nawawi · 82 masa’il
  1. ذكاة الحيوان المأكول بذبحه في حلق أو لبة إن قدر عليه

  2. وإلا فبعقر مزهق حيث كان

  3. وشرط ذابح وصائد حل مناكحته

  4. وتحل ذكاة أمة كتابية

  5. ولو شارك مجوسي مسلما في ذبح أو اصطياد حرم

  6. ولو أرسلا كلبين أو سهمين فإن سبق آلة المسلم فقتل أو أنهاه إلى حركة مذبوح حل

  7. ولو انعكس أو جرحاه معا أو جهل أو مرتبا ولم يذفف أحدهما حرم

  8. ويحل ذبح صبي مميز

  9. وكذا غير مميز ومجنون وسكران في الأظهر

  10. وتكره ذكاة أعمى

  11. ويحرم صيده برمي وكلب في الأصح

  12. وتحل ميتة السمك والجراد ولو صادهما مجوسي

  13. وكذا الدود المتولد من طعام كخل وفاكهة إذا أكل معه في الأصح

  14. ولا يقطع بعض سمكة

  15. فإن فعل أو بلع سمكة حية حل في الأصح

  16. وإذا رمى صيدا متوحشا أو بعيرا ند أو شاة شردت بسهم أو أرسل عليه جارحة فأصاب شيئا من بدنه ومات في الحال حل

  17. ولو تردى بعير ونحوه في بئر ولم يمكن قطع حلقومه فكناد.

  18. قلت: الأصح لا يحل بإرسال الكلب وصححه الروياني والشاشي والله أعلم

  19. ومتى تيسر لحوقه بعدو أو استعانة بمن يستقبله فمقدرو عليه

  20. ويكفي في الناد والمتردي جرح يفضي إلى الزهوق.

  21. وقيل: يشترط مذفف

  22. وإذا أرسل سهما أو كلبا أو طائرا على صيد فأصابه ومات فإن لم يدرك فيه حياة مستقرة أو أدركها وتعذر ذبحه بلا تقصير بأن سل السكين فمات قبل إمكان أو امتنع بقوته ومات قبل القدرة حل

  23. وإن مات لتقصيره بأن لا يكون معه سكين أو غصبت أو نشبت في الغمد حرم

  24. ولو رماه فقده نصفين حلا

  25. ولو أبان منه عضوا بجرح مذفف حل العضو والبدن

  26. أو بغير مذفف ثم ذبحه أو جرحه جرحا آخر مذففا حرم العضو وحل الباقي

  27. فإن لم يتمكن من ذبحه ومات بالجرح حل الجميع.

  28. وقيل: يحرم العضو

  29. وذكاة كل حيوان قدر عليه بقطع كل الحلقوم وهو مخرج النفس والمرىء وهو مجرى الطعام

  30. ويستحب قطع الودجين

  31. وهما عرقان في صفحتي العنق

  32. ولو ذبحه من قفاه عصى

  33. فإن أسرع فقطع الحلقوم والمريء وبه حياة مستقرة حل وإلا فلا

  34. وكذا إدخال سكين بإذن ثعلب

  35. ويسن نحر إبل وذبح بقر وغنم

  36. ويجوز عكسه

  37. وأن يكون البعير قائما معقول ركبة

  38. والبقر والشاة مضجعة لجنبها الأيسر وتترك رجلها اليمنى ويشد باقي القوائم

  39. وإن يحد شفرته

  40. ويوجه للقبلة ذبيحته

  41. وأن يقول بسم الله ويصلى على النبي صلى الله عليه وسلم

  42. ولا يقل باسم الله واسم محمد.

  43. فصل

  44. يحل ذبح مقدور عليه وجرح غيره بكل محدد يجرح كحديد ونحاس وذهب وخشب وقصب وحجر وزجاج

  45. إلا ظفرا وسنا وسائر العظام

  46. فلو قتل بمثقل أو ثقل محدد كبندقة وسوط وسهم بلا نصل ولا حد أو سهم وبندقة أو جرحه نصل وأثر فيه عرض السهم في مروره ومات بهما أو انخنق بأحبولة أو أصابه سهم فوقع بأرض أو جبل ثم سقط منه حرم

  47. ولو أصابه سهم بالهواء فسقط بأرض ومات حل

  48. ويحل الاصطياد بجوارح السباع والطير ككلب وفهد وباز وشاهين

  49. بشرط كونها معلمة بان تنزجر جارحة السباع بزجر صاحبه ويسترسل بإرساله ويمسك الصيد ولا يأكل منه

  50. ويشترط ترك الأكل في جارحة الطير في الأظهر

  51. ويشترط تكرر هذه الأمور بحيث يظن تأدب الجارحة

  52. ولو ظهر كونه معلما ثم أكل من لحم صيد لم يحل ذلك الصيد في الأظهر

  53. فيشترط تعليم جديد

  54. ولا أثر للعق الدم

  55. ومعض الكلب من الصيد نجس

  56. والأصح أنه لا يعفى عنه

  57. وأنه يكفي غسله بماء وتراب

  58. ولا يجب أن يقور ويطرح

  59. ولو تحاملت الجارحة على صيد فقتلته بثقلها حل في الأظهر

  60. ولو كان بيده سكين فسقط وانجرح به صيد أو احتكت به شاة وهو في يده فانقطع حلقومها أو مريئها أو استرسل كلب بنفسه فقتل لم يحل

  61. وكذا لو استرسل كلب فأغراه صاحبه فزاد عدوه في الأصح

  62. ولو أصابه سهم بإعانة ريح حل

  63. ولو أرسل سهما لاختبار قوته أو إلى غرض فاعترض صيد فقتله حرم في الأصح

  64. ولو رمى صيد أظنه حجرا أو سرب ظباء فأصاب واحدة حلت

  65. وإن قصد واحدة فأصاب غيرها حلت في الأصح

  66. ولو غاب عنه الكلب والصيد ثم وجده ميتا حرم

  67. وإن جرحه وغاب ثم وجده ميتا حرم في الأظهر.

  68. فصل

  69. يملك الصيد بضبطه بيده وبجرح مذفف وبازمان وكسر جناح وبوقوعه في شبكة نصبها وبإلجائه إلى مضيق لا يفلت منه

  70. ولو وقع صيد في ملكه وصار مقدورا عليه بتوحل وغيره لم يملكه في الأصح

  71. ومتى ملكه لم يزل ملكه بانفلاته

  72. وكذا بإرسال المالك له في الأصح

  73. ولو تحول حمامه إلى برج غيره لزمه رده

  74. فإن اختلط وعسر التمييز لم يصح بيع أحدهما وهبته شيأ منه لثالث

  75. ويجوز لصاحبه في الأصح

  76. فإن باعهما والعدد معلوم والقيمة سواء صح وإلا فلا

  77. ولو جرح الصيد اثنان متعاقبان فإن ذفف الثاني أو أزمن دون الأول فهو للثاني

  78. وإن ذفف الأول فله

  79. وإن أزمن فله

  80. ثم إن ذفف الثاني بقطع حلقوم ومريء فهو حلال وعليه للأول ما نقص بالذبح

  81. وإن ذفف لا بقطعهما أو لم يذفف ومات بالجرحين فحرام ويضمنه الثاني للأول

  82. وإن جرحا معا وذففا أو أزمنا فلهما

  83. وإن ذفف أحدهما أو أزمن دون الآخر فله

  84. وإن ذفف واحد وأزمن آخر وجهل السابق حرم على المذهب.

Hanbali
Another book
الكافي في فقه الإمام أحمدIbn Qudama · 342 masa’il
  1. يجب الجزاء في الصيد لقول الله تعالى:

  2. {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} الآية. وهو ضربان:

  3. ما له مثل من النعم: وهي بهيمة الأنعام، فيجب فيه مثله للآية، وهو نوعان، ما قضت الصحابة فيه، فيجب فيه ما قضت؛ لأنه حكم مجتهد فيه، واجتهادهم أحق أن يتبع.

  4. فمن ذلك الضبع، قضى فيها عمر وابن عباس بكبش، وقد روي «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى فيها بذلك» . رواه أبو داود وغيره، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

  5. والنعامة، قضى فيها عثمان وعلي وزيد وابن عباس ومعاوية ببدنة.

  6. وحمار الوحش، وفيه روايتان:

  7. إحداهما: فيه بقرة؛ لأن عمر قضى فيه بها.

  8. والثانية: فيه بدنة؛ لأن أبا عبيدة وابن عباس قضيا فيه بها، وقضاء عمر أولى. لأنه أقرب إلى ما قضي به، وعن ابن مسعود أنه قضى في بقرة الوحش، ببقرة.

  9. وقال ابن عباس: في الإبل، بقرة. وقال ابن عمر: في الأروى، بقرة.

  10. وقضى عمر في الظبي، بشاة، وفي اليربوع بجفرة وهي التي لها أربعة أشهر في المعز.

  11. وفي الأرنب بعناق، وهي أصغر من الجفرة. وفي الضب بجدي.

  12. والضرب الثاني: ما لم تقض فيه الصحابة، فيرجع فيه إلى قول عدلين من أهل الخبرة؛ لقول الله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} ويجوز أن يكون القاتل أحدهما؛ لدخوله في العموم، ولما روى طارق بن شهاب قال: خرجنا حجاجاً، فأوطأ منا رجل - يقال له إربد - ضباً، ففزر ظهره، فقدمنا على عمر فسأله إربد، فقال له: احكم فيه يا إربد.

  13. قال: أنت خير مني يا أمير المؤمنين وأعلم، فقال عمر: إنما أمرتك أن تحكم، ولم آمرك أن تزكيني، فقال إربد: أرى فيه جدياً، قد جمع الماء والشجر، فقال عمر: فذلك فيه. رواه سعيد بن منصور، ولأنه واجب لحق الله فجاز أن يكون من وجب عليه أميناً فيه كالزكاة.

  14. وفي كبير الصيد كبير مثله، وفي الصغير صغير مثله، وفي كل واحد من الصحيح والمعيب مثله،

  15. وإن فدى الذكر بالأنثى، جاز؛ لأنها أفضل،

  16. وإن فدى الأنثى بالذكر، ففيه وجهان:

  17. أحدهما: لا يجزئ لذلك.

  18. والآخر: يجزئ؛ لأن لحمه أوفر وهو المقصود،

  19. وإن فدى أعور من عين، بأعور من أخرى، جاز لأن المقصود منهما واحد،

  20. وإن فدى معيباً بمعيب من جنس آخر؛ لم يجز؛ لأنهما مختلفان.

  21. وإن أتلف صيداً ماخضاً، ففيه قيمة مثله ماخض، قال القاضي؛ لأن قيمته أكثر من مثله.

  22. وقال أبو الخطاب: فيه مثله ماخض للآية.

  23. وإن جنى على ماخض، فأتلف جنينها، ففيه ما نقصها، كما لو جرحها،

  24. وإن جرح حياً ثم مات ضمنه بمثله.

فصل7 masa’il
  1. الضرب الثاني: ما لا مثل له: وهو الطير وشبهه من صغار الصيد، ففيه قيمته، إلا الحمام،

  2. فإن فيه شاة؛ لأن عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن عباس قضوا في حمام الحرم بشاة، والحمام: كل ما عب الماء وهدر، كالحمام المعروف، واليمام والجوازل والقماري، والرقاطي، والدباسي، والقطا؛ لأن هذا كله حمام، وقال الكسائي: كل مطوق حمام، فعلى قوله يكون الحجل حماماً، وعلى الأول ليس بحمام، وما كان أصغر من الحمام، ففيه قيمته؛

  3. لأن لا مثل له، وما كان أكبر منه، ففيه وجهان:

  4. أحدهما: فيه قيمته لأن القياس يقتضيها في جميع الطير، تركناه في الحمام؛ لقضاء الصحابة، ففيما عداه يبقى على القياس.

  5. والثاني: فيه شاة؛ لأن إيجابها في الحمام تنبيه على إيجابها فيما هو أكبر منه. وقد روي عن ابن عباس وجابر، أنهما قالا في الحجلة والقطا والحبارى: شاة شاة.

  6. وإن نتف ريش طائر ففيه ما نقص،

  7. فإن عاد فنبت، ففي ضمانه وجهان، كغصن الشجرة إذا نبت، وفي بيض الصيد قيمته.

فصل5 masa’il
  1. ومن وجب عليه جزاء صيد، فهو مخير بين إخراج المثل، أو يقوم المثل، ويشتري بقيمته طعاماً، ويتصدق به، أو يصوم عن كل مد يوماً؛ لقول الله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} و [أو] للتخيير،

  2. وعنه: أنها على الترتيب، فيجب المثل،

  3. فإن لم يجد [أطعم فإن لم يجد] صام، ككفارة القتل.

  4. وعنه: لا طعام في الجزاء، وإنما ذكره ليعدل به الصيام،

  5. والمذهب الأول؛ لأنه ظاهر النص فلا تعويل على ما خالفه.

فصل15 masa’il
  1. وإن اشترك جماعة في قتل صيد، فعليهم جزاء واحد.

  2. وعنه: على كل واحد جزاء؛ لأنها كفارة قتل، أشبهت كفارة قتل الآدمي.

  3. وعنه: إن كفروا بالمال فجزاء واحد،

  4. وإن كفروا بالصيام فكفارات، والأولى أولى؛ لأن ذلك يروى عن عمر وابنه وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، ولأنه بدل متلف يتجزأ، فيقسم بدله بين المشتركين، كالديات وقيم المتلفات،

  5. وإن اشترك حلال وحرام،

  6. فلا شيء على الحلال. وهل يكمل الجزاء على الحرام، أو يكون حكمه، حكم المشارك لحرام؟ فيه وجهان:

  7. وإن جرح صيدا، ضمنه، وفي ضمانه وجهان:

  8. أحدهما: يضمنه بمثله؛ لأن ما وجب ضمان جملته بمثله، وجب في بعضه مثله، كالمكيلات.

  9. والآخر تجب قيمة قدره، من مثله؛ لأن الجزء يشق إخراجه، فصرنا إلى قيمته.

  10. وإن جرح صيدا فأزال امتناعه، فقتله حلال، أو سبع، فعلى المحرم جزاء جميعه؛ لأنه سبب تلفه،

  11. وإن قتله محرم آخر، فعلى الأول ما نقصه، والباقي على الثاني.

  12. وإن برئ وزال نقصه فلا شيء فيه، كالآدمي،

  13. وإن نقص فعليه نقصه،

  14. وإن برئ غير ممتنع، فعليه جزاء جميعه؛ لأنه عطله، فصار كالتالف،

  15. وإن غاب ولم يعلم خبره، فعليه نقصه؛ لأنه المتيقن.

فصل1 mas’ala
  1. والقارن والمفرد والمعتمر سواء في جزاء الصيد، وسائر الكفارات؛ لأنهم سواء في الإحرام، فوجب استواؤهم في ذلك.

فصل6 masa’il
  1. وصيد الحرم حرام على الحلال والحرام؛ لما روى ابن عباس أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة؛ لا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها ولا ينفر صيدها، فقال العباس: إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم. فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إلا الإذخر» متفق عليه.

  2. وحكمه في الجزاء حكم صيد الإحرام؛ لأنه مثله في التحريم فكان مثله في الجزاء، والسمك في التحريم كصيد البر؛ لعموم قوله: «لا ينفر صيدها» ولأن حرمته بمحله، وهما في المحل سواء،

  3. وعنه: لا يحرم؛ لأنه لا يحرمه الإحرام، فلم يحرمه الحرم كالسباع. وسائر الحيوانات حكمها في الحرم حكمها في الإحرام، فما حرمه الإحرام من الصيد حرمه الحرم، وما أبيح فيه من الأهلي وغير المأكول؛ لم يحرمه الحرم، ولهذا قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم» رواه مسلم.

  4. إلا أن القمل لا يحرمه الحرم، رواية واحدة.

  5. ويجب الجزاء على كل قاتل في الحرام، مسلماً كان أو كافراً، صغيراً أو كبيراً؛ لأن حرمته لمحله، وهو ثابت بالنسبة إلى كل قاتل،

  6. ولو قتل محرم صيداً حرمياً؛ لزمه جزاء واحد؛ لأن المقتول واحد، فكان جزاؤه واحداً كما لو قتله حلال.

فصل22 masa’il
  1. ومن ملك صيداً في الحل، فأدخله الحرم؛ لزمه رفع يده عنه وإرساله،

  2. فإن تلف في يده أو أتلفه، ضمنه،

  3. وإن ذبحه، صار ميتة؛ لأن الحرم سبب لتحريم الصيد، فحرم استدامة إمساكه، كالإحرام.

  4. وإن أمسكه في الحرم، فأخرجه إلى الحل؛ لزمه إرساله كالمحرم إذا مسك الصيد حتى حل.

  5. وإن رمى من الحرم صيداً في الحل، أو أرسل كلبه عليه، أو قتل صيداً على غصن في الحل، أصله في الحرم،

  6. فلا ضمان فيه؛ لأنه صيد حل، قاتله حلال فلم يضمن، كما لو كان قاتله في الحل، وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا ينفر صيدها» يدل بمنطوقه على تحريمه في المسألة الأولى، وبمفهومه على حله في الثانية.

  7. وإن رمى من الحل صيداً في الحرم، أو أرسل كلبه عليه فقتله، أو قتل صيداً على غصن في الحرم، أصله في الحل، ضمنه؛ لأنه صيد حرمي معصوم بمحله. وعن أحمد فيهما جميعاً روايتان.

  8. فإن كانا جميعاً في الحل، فدخل السهم أو الكلب الحرم،

  9. ثم خرج، فقتل صيداً في الحل؛ لم يضمن بحال؛ لأن الصيد والصائد جميعاً في الحل.

  10. وإن رمى صيداً في الحل، فدخل السهم الحرم، فقتل فيه صيداً، ضمنه لأن العمد والخطأ واحد في الضمان.

  11. وإن أرسل كلبه على صيد في الحل، فدخل فقتله في الحرم، أو قتل غيره، ففيه روايتان:

  12. إحداهما: لا يضمن؛ لأن للكلب اختياراً، وقد دخل باختياره، فلم يضمن جنايته، بخلاف السهم.

  13. والثانية: إن كان الصيد قريباً من الحرم، ضمنه؛ لتفريطه بتعرضه للاصطياد في الحرم وإن كان بعيداً؛ لم يضمن؛ لعدم تفريطه،

  14. ولا يؤكل لأنه صيد حرمي.

  15. وقال أبو بكر: عليه الضمان بكل حال.

  16. وإن جرحه في الحل، فدخل الحرم فمات فيه؛ لم يضمنه، وحل أكله لأنه ذبحه في الحل.

  17. وإن وقف صيد في الحرم والحل، فقتله ضمنه، تغليباً للتحريم.

  18. وإن أمسك طائراً في الحل، فهلك فراخه في الحرم، ضمن الفراخ وحدها؛ لأنه أتلفها في الحرم.

  19. وإن أمسك الطائر في الحرم، فهلك الفراخ في الحل، ضمن الطائر وحكم الفراخ، حكم ما لو رمى من الحرم صيداً في الحل؛ لأن صيد الحل، هلك بسبب كان منه في الحرم.

  20. وإن نفر صيداً حرمياً، فهلك في نفوره بسبع أو غيره، في حل أو حرم ضمنه؛ لأنه هلك بتنفيره المنهي عنه،

  21. وإن سكن من نفوره،

  22. ثم هلك؛ لم يضمنه لأن هلاكه بغير سببه. وقد روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه دخل دار الندوة، فعلق رداءه، فوقع عليه حمام، فخاف أن يبول عليه، فأطاره، فانتهزته حية فقال: أنا أطرت، فسأل من معه، فحكم عليه عثمان ونافع بن عبد الحارث بشاة.

فصل7 masa’il
  1. ويحرم قلع شجر الحرم، وحشيشه كله؛ لحديث ابن عباس، «إلا الإذخر» . وما زرعه الإنسان؛ لأنه كالحيوان الأهلي،

  2. وإن غرس شجرة، فقال أبو الخطاب: له قلعها لأنه أنبتها الآدميون، فأشبه الزرع.

  3. وإن أخذه من الحرم، فغرسه؛ لم يبح قلعه؛ لأنه حرمي، ويحتمل كلام الخرقي تحريم قلع الشجر كله؛ لقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا يعضد شجرها» وذكر القاضي وأبو الخطاب: أنه يباح قطع الشوك والعوسج؛ لأنه بمنزلة السباع من الحيوان، والحديث صريح في أنه لا يعضد شوكها، واتباعه أولى.

  4. ولا بأس بقطع ما يبس؛ لأنه بمنزلة الميت، وأخذ ما تناثر أو يبس من الورق، أو تكسر من الشجر والعيدان بغير فعل الآدمي لذلك، وما قطعه الآدمي لم يبح له ولا لغيره الانتفاع به لظاهر كلام أحمد؛ لأنه قطع محرم؛

  5. لحرمة الحرم، فأشبه ذبح الصيد.

  6. ولا يجوز أخذ ورق الشجر الأخضر؛ لأن في بعض الألفاظ:

  7. «ولا يخبط شجرها» ولأنه يضر بالشجر، أشبه نتف ريش الطير.

فصل9 masa’il
  1. ويجب الجزاء في ذلك، فيجب في الشجرة الكبيرة، بقرة، وفي الصغيرة شاة؛ لما روي عن ابن عباس أنه قال: في الدوحة بقرة، وفي الجزلة شاة، والدوحة: الكبيرة، والجزلة: الصغيرة.

  2. وإن قطع غصناً، ضمنه بما نقص، كأغصان الحيوان،

  3. فإن خلف مكانه، فهل يسقط الضمان؟ على وجهين:

  4. أحدهما: لا يضمنه، كشعر الآدمي وسنه.

  5. والثاني: يضمنه؛ لأنه أتلفه.

  6. وإن قلع شجرة؛ لزمه ردها إلى موضعها، كمن صاد صيداً لزمه إرساله،

  7. فإن أعادها فيبست، ضمنها؛ لأنه أتلفها،

  8. وإن نبتت كما كانت؛ لم يضمنها، كالصيد إذا أرسله،

  9. وإن نقصت، ضمن نقصها، كالصيد سواء.

فصل5 masa’il
  1. ويحرم قطع حشيش الحرم؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يختلي خلاها» ويضمنه بقيمته، كما يضمن صغار الصيد بقيمته،

  2. وإن استخلف فهل يسقط الضمان؟ على وجهين.

  3. وفي إباحة رعيه وجهان:

  4. أحدهما: يباح؛ لأن الحاجة تدعو إليه فأشبه قطع الإذخر.

  5. والثاني: يحرم؛ لأنه تسبب في إتلافه، فهو كإرسال الكلب على الصيد، وتباح الكمأة لأنه لا أصل لها، فأشبهت الثمرة.

فصل2 masa’il
  1. ويكره إخراج تراب الحرم وحصاه؛ لما روي عن ابن عمر وابن عباس أنهما كرهاه.

  2. ولا يكره إخراج ماء زمزم؛ لأنه يستخلف، ويعد للإتلاف، فأشبه الثمرة.

فصل6 masa’il
  1. ويحرم صيد مدينة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وشجرها؛ لما روى أنس أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أشرف على المدينة فقال: «اللهم إني أحرم ما بين جبليها، مثل ما حرم إبراهيم مكة» وفي لفظ:

  2. «ولا يقطع شجرها» متفق عليه.

  3. ولا جزاء في صيدها وشجرها؛ لأنه موضع يجوز دخوله بغير إحرام، فأشبه صيد وج، ولأن الإيجاب من الشارع، ولم يرد به،

  4. وعنه: فيه الجزاء، وهو سلب القاتل لأخذه؛ لما روي «أن سعداً ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبداً يقطع شجراً أو يخبطه فسلبه، فلما رجع سعد، جاء أهل العبد، فكلموه أن يرد عليهم، فقال: معاذ الله أن أرد شيئاً نفلنيه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبى أن يرد عليهم» .

  5. رواه مسلم. وفي لفظ. قال: «إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حرم هذا الحرم» وقال: «من وجد أحداً يصيد منه فليسلبه» رواه أبو داود.

  6. وحد حرمها: ما بين لابتيها، بريد في بريد، وقال أحمد: كذا فسر أنس بن مالك، وقد روى أبو هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما بين لابتيها حرام» متفق عليه.

فصل5 masa’il
  1. ويفارق حرم مكة، في أن من أدخل إليها صيداً من خارج، فله إمساكه وذبحه؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول: «يا أبا عمير ما فعل النغير»

  2. متفق عليه. وهو طائر كان يلعب به، فلم ينكر عليهم إمساكه.

  3. ويجوز أن يأخذ من شجرها ما تدعو الحاجة إليه للمساند والوسائد والرحل،

  4. ومن حشيشها ما تدعو الحاجة إليه للعلف؛ لما روى جابر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما حرم المدينة قالوا: يا رسول الله إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح، وإنا لا نستطيع أرضا غير أرضنا، فرخص لنا. فقال: القائمتان والوسادة والعارضة والمسند، فأما غير ذلك فلا يعضد ولا يخبط منها شيء» رواه الإمام أحمد،

  5. فأما صيد وج وشجره، وهو واد من أودية الطائف، فحلال؛ لأن الأصل الحل. وقد روي فيه حديث، ضعفه أحمد، وذكره الخلال في كتاب العلل.

فصل11 masa’il
  1. وما وجب من الهدي والإطعام جزاء للصيد؛ لزمه إيصاله إلى مساكين الحرم؛ لقول الله تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} .

  2. وكذلك دم التمتع والقران؛ لأنه نسك، فأشبه الهدي. ودم فدية الأذى، يختص بالمكان الذي وجب سببه فيه؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر كعب بن عجرة بالذبح والإطعام بالحديبية، ولم يأمر بإيصاله إلى الحرم، ونحر علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حين حلق رأس الحسين بالسقبا.

  3. وفي معناه ما وجب بلبس أو طيب أو نحوه، وقال القاضي: ما وجب بفعل محظور، فيه روايتان:

  4. إحداهما: محله، حيث وجد سببه، كفدية الأذى والإحصار.

  5. والثانية: محله الحرم؛ لقول الله تعالى:

  6. {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} وقال ابن عقيل: إن فعل المحظور لعذر يبيحه، فحمل هديه موضع فعله،

  7. وإن فعل لغير عذر، فمحله الحرم.

  8. وأما هدي المحصر، فمحل نحره محل حصره؛ لما روى ابن عمر «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج معتمراً، فحالت كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية» ، روى البخاري نحوه، وبين الحديبية والحرم ثلاثة أميال، ولأنه جاز التحلل في غير موضعه للحصر، فيجوز النحر في غير موضع النحر، وعن أحمد: لا يجوز نحره إلا في الحرم.

  9. لقول الله تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} فعلى هذا يبعثه إلى الحرم، ويواطئ من يبعثه على اليوم الذي ينحره فيه، فيحل حينئذ.

  10. وأما الصيام كله فيجزئه بكل مكان؛ لأنه لا نفع فيه لأهل المكان،

  11. فلا يختص بالمكان، كرمضان.

فصل3 masa’il
  1. وما وجب لمساكين الحرم؛ لم يجز ذبحه إلا في الحرم، وفي أي موضع منه ذبح جاز؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كل منى منحر، وكل فجاج مكة منحر وطريق» رواه ابن ماجة. مفهومه أنه لا يجوز النحر في غيره مما ليس في معناه.

  2. إذا نحر ففرقه على المساكين،

  3. فإن أطلقها لهم يقتطعونها، جاز «لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نحر بدنات خمساً، ثم قال: من شاء فليقتطع» رواه أبو داود. ومساكين الحرم من حله من أهله وغيرهم؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أطلقها لمن حضره.

  1. لا يحل شيء من الحيوان المقدور عليه بغير ذكاة؛ لقول الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ} . إلا السمك وما شبهه مما لا يعيش إلا في الماء، فإنه يباح بغير ذكاة،

  2. وإن طفا؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» والجراد؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أحل لنا ميتتان ودمان، السمك والجراد والكبد والطحال» ولأن ذكاتهما في العادة لا تمكن، فسقط اعتبارها، وما يعيش من البحري في البر لا يحل إلا بالذكاة؛

  3. لأنه مقدور على ذبحه إلا السرطان فإنه لا ذكاة له، فأشبه الجراد [وقال القاضي: لا يباح بغير ذكاة] . وعن أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن الجراد لا يباح إلا أن يموت بسبب، كتغريقه وطبخه، والأول المذهب.

  4. ولو وجد سمكة في بطن أخرى، أو في حوصلة طائر أو جراد أو حباً، أو وجد الحب في روث بعير حل؛ لأنه في محل طاهر،

  5. ولا ذكاة له، فأشبه ما مات في الماء،

  6. وعنه: ما أكل مرة لا يؤكل ثانية؛ لأنه رجيع، فيكون مستخبثاً.

  7. ولو صاد الوثني حوتاً حل،

  8. وعنه: لا يحل، والأول أصح لأنه لا ذكاة له، فأشبه ما لو أخذه ميتاً.

فصل14 masa’il
  1. وللذكاة أربعة شروط:

  2. أهلية المذكي، بأن يكون مسلماً أو كتابياً أو عاقلاً؛ لقول الله تعالى: {إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ} وقول سبحانه: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} . يعني: ذبائحهم.

  3. ولا تحل ذكاة وثني ولا مجوسي،

  4. ولا مرتد، وإن تدين بدين أهل الكتاب؛ لأنه لم يثبت له حكم أهل الكتاب، ومفهوم الآية تحريم ذبائح من سواهم، وفي نصارى بني تغلب روايتان:

  5. أصحهما: حل ذبائحهم، لعموم الآية.

  6. والثانية: تحريمها؛ لأن ذلك يروى عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. قال أصحابنا:

  7. ولا تحل ذبيحة من أحد أبويه وثني أو مجوسي؛ لأنه اجتمع فيه ما يقضي الحظر والإباحة، فغلب الحظر.

  8. وإن ذبح اليهودي ما حرم عليهم، وهو كل ذي ظفر.

  9. قال قتادة: هو الإبل والنعام والبط، وما ليس بمشقوق الأصابع، أو ذبح بقرة أو شاة، لم يحرم علينا منه شيء في ظاهر كلام أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، واختيار ابن حامد؛ لأنه من أهل الذكاة ذبح ما يحل لنا فأشبه المسلم.

  10. واختار أبو الحسن التميمي أنه يحرم علينا ما يحرم عليه من الشحم، وذي الظفر؛ لأنه لم يبح لذابحه، فلم يبح لغيره كالدم، ويعتبر العقل،

  11. فلا تحل ذكاة مجنون،

  12. ولا سكران ولا طفل غير عاقل؛ لأنه أمر يعتبر له العقل والدين، فاعتبر له العقل كالغسل،

  13. وكذلك لو رمى هدفاً فذبح صيداً، لم يحل.

  14. ويصح من العدل والفاسق، والذكر والأنثى، والصبي العاقل والأعمى، لما روى كعب بن مالك «أن جارية له كانت ترعى غنماً بسلع، فأصيب منها شاة، فأدركتها فذكتها بحجر، فأمره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأكلها» . رواه البخاري. وقال ابن عباس: من ذبح من ذكر وأنثى وصغير وكبير، وذكر اسم الله عليه فكل.

فصل4 masa’il
  1. الشرط الثاني: الآلة وهو أن يذبح بمحدد، أي شيء كان من حديد أو حجر أو خشب أو قصب إلا السن والظفر، فإنه لا يباح الذبح بهما، لما روى رافع بن خديج قال: قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا، ليس السن والظفر، وسأخبركم عن ذلك، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة» متفق عليه.

  2. فإن ذبح بعظم غير السن، أبيح في ظاهر كلامه، لدخوله في عموم اللفظ.

  3. وعنه: لا يباح؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علل تحريم الذبح بالسن، لكونه عظماً.

  4. ويستحب تحديد الآلة، لما روى شداد بن أوس أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» رواه مسلم.

فصل14 masa’il
  1. الشرط الثالث: أن يسمي الله؛ لقول الله تعالى:

  2. {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} . وحديث رافع،

  3. فإن تركها عمداً لم تحل ذبيحته،

  4. وإن تركها سهواً حلت لما روى راشد بن سعد قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ذبيحة المسلم حلال، وإن لم يسم الله تعالى إذا لم يتعمد» أخرجه سعيد.

  5. وعنه: لا تسقط التسمية في عمد،

  6. ولا سهو للآية والخبر،

  7. وعنه: لا تجب في الحالين، لما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أن قوماً قالوا: يا رسول الله إن قوماً من الأعراب يأتونا باللحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: سموا أنتم وكلوا» رواه البخاري، والمذهب الأول.

  8. وإن شك في تسمية الذابح حل لحديث عائشة، ولأن حال المسلم تحمل على الصحة، كالذبح في المحل.

  9. والتسمية: قول بسم الله،

  10. وإن كان بغير العربية، وموضعها عند الذبح، يجوز تقديمها عليه بالزمن اليسير.

  11. وإن سمى على شاة وذبح أخرى لم تبح؛ لأنه لم يذكر اسم الله عليها.

  12. وإن سمى على قطيع وذبح منه شاة لم تبح،

  13. وإن سمى على شاة،

  14. ثم ألقى السكين وأخذ أخرى، أو تحدث ثم ذبحها حلت؛ لأنه سمى عليها. وتقوم إشارة الأخرس مقام تسميته، كسائر ما يعتبر فيه النطق.

فصل6 masa’il
  1. الشرط الرابع: المحل، وهو الحلق واللبة، لما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أنه نادى: «النحر في اللبة والحلق لمن قدر» . أخرجه سعيد. وروي مرفوعاً عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

  2. ويشترط قطع الحلقوم، وهما مجرى الطعام والنفس.

  3. وعنه: يشترط فري الودجين، أو أحدهما، وهما عرقان محيطان بالحلقوم، لما روى أبو هريرة قال: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن شريطة الشيطان» وهي التي تذبح فيقطع الجلد،

  4. ولا تفرى الأوداج، ثم تترك حتى تموت. رواه أبو داود.

  5. والأول أولى؛ لأنه قطع لا تبقى الحياة معه في محل الذبح،

  6. وإن قطع الأوداج وحدها، فينبغي أن تحل استدلالاً بالحديث والمعنى، والأولى قطع الجميع؛ لأنه أوحى وأبلغ من سيلان الدم وتنظيف اللحم منه.

فصل3 masa’il
  1. والسنة نحر الإبل قائمة، معقولة يدها اليسرى؛ لقول الله تعالى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} ومر ابن عمر «على رجل قد أناخ بدنته لينحرها، فقال: ابعثها قياماً مقيدة. سنة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . متفق عليه.

  2. ثم يجؤها بالحربة في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر؛ لقول الله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} ونحر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بدنة. ويذبح سائر الحيوان؛ لقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} . وذبح النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الكبشين اللذين ضحى بهما.

  3. فإن ذبح ما ينحر، أو نحر ما يذبح جاز؛ لأنه لم يتجاوز محل الذبح، ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل» ويستحب توجيه الذبيحة إلى القبلة؛ لأن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان يستحب ذلك، ولأنها أولى الجهات بالاستقبال.

فصل4 masa’il
  1. فإن ذبحها من قفاها، فأتت السكين على موضع ذبحها وفيها حياة مستقرة حلت؛ لأنها ماتت بالذبح،

  2. وكذلك ما جرح من غير مذبحه. والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، وما أكل السبع والمريضة ما أدرك ذكاتها، وفيها حياة مستقرة حلت؛ لقول الله تعالى: {إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ} . ولحديث جارية كعب: «إذا أصيبت منها شاة، فأدركتها فذكتها بحجر، فأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأكلها» وما لم يبق فيه إلا مثل حركة المذبوح لا يباح؛

  3. لأنه صار في حكم الميت،

  4. وكذلك لو ذبحها بعد ذبح الوثني لها لم تبح.

فصل4 masa’il
  1. ويكره أن يبين الرأس بالذبح، وقطع عضو مما ذكى، أو سلخه حتى تزهق نفسه؛ لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لا تعجلوا الأنفس حتى تزهق ولا يحرم المقطوع؛ لأن إبانته حصلت بعد ذبحها وحلها.

  2. ولو ذبحها، فسقطت في ماء، أو تردت تردياً يقتلها مثله، فقال أكثر أصحابنا: لا تحرم لما ذكرنا.

  3. وقال الخرقي: تحرم، وهو المنصوص عليه؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لعدي بن حاتم:

  4. «فإن وقعت في الماء فلا تأكل» ولأن ذلك يعين على زهوق نفسها، فيحصل بسبب مبيح ومحرم.

فصل3 masa’il
  1. وإذا ذبح حاملاً، فخرج جنينها ميتاً، أو فيه حركة كحركة المذبوح أبيح، لما روى أبو سعيد قال: «قيل يا رسول الله: إن أحدنا ينحر الناقة، ويذبح البقرة والشاة. فيجد في بطنها الجنين، أيأكله أم يلقيه؟ قال: كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه» رواه أبو داود، ولأنه متصل بها يتغذى بغذائها فكانت ذكاتها ذكاة له، كسائر أجزائها.

  2. ويستحب أن يذبحه ليخرج دمه الذي في بطنه، نص عليه.

  3. وإن خرج وفيه حياة مستقرة لم يبح إلا بالذكاة؛ لأنه مستقل بحياته، فأشبه ما ولدته قبل ذبحها.

فصل4 masa’il
  1. وإذا ند بعيره أو غيره، فلم يقدر عليه، صار حكمه حكم الصيد، لما روى رافع بن خديج قال: «كنا مع النبي في غزاة، فأصاب القوم غنماً وإبلاً، فند بعير من الإبل، فرماه رجل بسهم، فحبسه الله به، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا» متفق عليه.

  2. ولأنه تعذر ذكاته في الحلق، فأشبه الصيد.

  3. ولو تردى في بئر، فلم يقدر على ذبحه، فجرحه في أي موضع قدر عليه من جسده، أبيح لما ذكرناه إلا أن يكون رأسه في الماء، أو في شيء يموت به غير الذبح،

  4. فلا يباح لأننا لا نعلم أن الذبح قتله.

  1. وهو مباح لقول الله تعالى:

  2. {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} . وقَوْله تَعَالَى: {أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} . قال ابن عباس: هي الكلاب المعلمة والبازي، وكل ما تعلم الصيد.

فصل35 masa’il
  1. من صاد صيداً فذكاه حل بكل حال، لحديث أبي ثعلبة.

  2. وإن أدرك ميتاً حل بشروط سبعة.

  3. أحدها: أهلية الصائد على ما ذكرنا في الذكاة؛ لأن الاصطياد كالذكاة، وقائم مقامها.

  4. الثاني: التسمية عند إرسال الجارح أو السهم لما ذكرنا في الذكاة،

  5. ولا يعفى عنهما في عمد ولا سهو؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أرسلت كلبك وسميت فكل، وإن وجدت معه غيره فلا تأكل، فإنك إنما سميت على كلبك، ولم تسم على الآخر» متفق عليه.

  6. وعنه: يعفى عنها في السهو، لما ذكرنا في الذكاة.

  7. وعنه: يعفى عن السهو في إرسال السهم؛ لأنه آلته فهو كسكينة،

  8. ولا يعفى عنه في إرسال الكلب، للحديث، والأول المذهب.

  9. الشرط الثالث: إرسال الجارح؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أرسلت كلبك، وسميت فكل» ولأن إرسالها أقيم مقام الذبح، فاعتبر وجوده،

  10. فإن استرسل الكلب بنفسه، لم يبح صيده فإن سمى صاحبه وزجره، فزاد في عدوه حل صيده؛ لأنه أثر فيه، فصار كإرساله،

  11. وإن لم يزد في عدوه لم يبح؛ لأنه لم يؤثر.

  12. الشرط الرابع: أن يكون الجارح معلماً؛ لقول الله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ} . ولما روى أبو ثعلبة الخشني أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما صدت بكلبك المعلم، وذكرت اسم الله فكل، وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل» متفق عليه.

  13. ويعتبر في تعليمه إن كان سبعاً ثلاثة أشياء: أن يسترسل إذا أرسل،

  14. وأن ينزجر إذا زجر،

  15. ولا يأكل إذا أمسك.

  16. وهل يعتبر تكرار ذلك منه، فيه وجهان:

  17. أحدهما: يعتبر ثلاثاً، ذكره القاضي؛ لأن ترك الأكل في المرة الواحدة يحتمل أنه لشبع أو عارض، فيعتبر تكراره، ليعلم أنه لتعلمه.

  18. والثاني: لا يعتبر، ذكره أبو جعفر الشريف، وأبو الخطاب؛ لأنه تعلم صنعة، فلم يعتبر تكراره كسائر الصنائع،

  19. وأما الطائر كالبازي والصقر، فيعتبر أن يسترسل إذا أرسله، ويجيبه إذا دعاه،

  20. ولا يعتبر ترك الأكل؛ لأن تعليمه بأكله، وكل حيوان يقبل التعليم يحل صيده، لعموم الآية إلا الكلب الأسود البهيم، فإنه لا يحل اقتناؤه ولا صيده؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بقتله، وقال: «إنه شيطان» وما وجب قتله حرم اقتناؤه وتعليمه، فوجب أن لا يحل صيده.

  21. الشرط الخامس: أن يرسله على صيد،

  22. فإن أرسله على غير شيء، أو على إنسان، أو حجر أو بهيمة، فأصاب صيداً لم يحل؛ لأنه لم يرسله على صيد، فأشبه ما استرسل بنفسه، ويحتمل أن يحل كما لو أرسله على صيد، فصاد غيره،

  23. وإن أرسله على صيد فأصاب غيره، أو قتل جماعة حلت للخبر، ولأنه أرسله على صيد فحل ما صاده، كما لو أرسله على كبار فتفرقت عن صغار فصادها.

  24. ولو سمع حساً أو رأى سواداً، فظنه صيداً، فأرسل عليه كلبه أو سهمه فأصاب صيداً حل؛ لأنه قصد الصيد،

  25. وإن لم يظنه صيداً لم يبح صيده؛ لأن صحة قصده تبنى على ظنه، سواء كان الذي رآه صيداً، أو لم يكن.

  26. الشرط السادس: أن يجرح الصيد،

  27. فإن قتله بخنقه، أو صدمته لم يحل لأنه قتله بغير جرح، أشبه ما لو رمى بالبندق والحجر.

  28. وقال ابن حامد: يباح لعموم قَوْله تَعَالَى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} وعموم الخبر.

  29. الشرط السابع: أن يختص السباع، وهو ترك الأكل من الصيد، وفيه روايتان:

  30. إحداهما: هو شرط، فمتى أكل الجارح من الصيد لم يحل، لما روى عدي بن حاتم أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:

  31. «فإذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك، وإن قتل إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه» متفق عليه.

  32. والثانية: لا يحرم، لما روى أبو ثعلبة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه فكل وإن أكل» رواه أبو داود. والأولى أولى؛ لأن حديثنا أصح،

  33. ولا يحرم المتقدم من صيوده؛ لأنها وجدت مع اجتماع شروط التعلم فيه،

  34. فلا تحريم بالاحتمال، وإن شرب من دم الحيوان، لم يحرم رواية واحدة؛ لأنه لم يأكل، ولأن الدم لا ينفع الصائد،

  35. فلا يخرج بشربه عن أن يكون ممسكاً على صائده.

فصل1 mas’ala
  1. وما أصاب فم الكلب، وجب غسله سبعاً إحداهن بالتراب، كغيره من المحال ويحتمل أن لا يجب؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} ولم يأمر بالغسل، ولأنه يشق إيجاب غسله فسقط.

فصل5 masa’il
  1. ويباح الصيد بغير الحيوان؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأبي ثعلبة: «ما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل» ولأن أبا قتادة شد على حمار وحشي فقتله، قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما هي طعمة أطعمكموها الله» متفق عليهما.

  2. فما كان محدداً كالسهم والسيف، حل ما قتل به إذا اجتمعت الشروط، كالمعلم من الجوارح، وما لم يكن محدداً كالشباك، والأشراك والعصي والحجارة والبندق، فما أدرك ذكاته حل، وما لم يدرك ذكاته لم يحل، كغير المعلم؛ لأنه لم يقتل بجروحه، فيكون قتيله منخنقة أو موقوذة.

  3. ولو قتل المحدد الصيد بعرضه أو ثقله لم يبح لذلك، ولما روى عدي قال: «سئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن صيد المعراض، فقال: ما خزق فكل، وما قتل بعرضه فهو وقيذ فلا تأكل» متفق عليه.

  4. ولو نصب المناجل لصيد وسمى، فجرحت الصيد وقتلته أبيح لأنها آلة محددة فأشبهت السهم،

  5. ولو وقع السهم على الأرض ثم وثب فقتل الصيد، أو أعانته الريح، ولولاها ما وصل حل لحديث أبي ثعلبة.

فصل6 masa’il
  1. إذا اجتمع في الصيد مبيح ومحرم، مثل أن يقتله بمثقل ومحدد، أو بسهم مسموم، أو بسهم مسلم، وبسهم مجوسي، أو سهم غير مسمى عليه، أو كلب مسلم وكلب مجوسي، أو غير مسمى عليه، أو غير معلم، أو اشتركا في إرسال الجارحة عليه، أو وجد مع كلبه كلباً لا يعرف مرسله، أو لا يعرف حاله، أو وجد مع سهمه سهماً كذلك لم يبح الصيد؛

  2. لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أرسلت كلبك وسميت فكل وإن وجدت معه غيره فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر» ولأن الأصل الحظر،

  3. فإذا شككنا في المبيح رد إلى أصله.

  4. وإن علم أن كلبه أو سهمه القاتل دون الآخر، مثل أن يجرح في المقتل، والآخر في غيره، أو يكون الآخر رد عليه الصيد أبيح لعدم الاشتباه،

  5. وكذلك إن علم أن شريك كلبه أو سهمه مما يباح صيده حل لذلك.

  6. ولو خرج الصيد، فوقع في ماء، أو تردى تردياً يقتله لم يبح لذلك. وقد روى عدي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «إذا رميت الصيد، فوجدته بعد يوم أو يومين، ليس به إلا أثر سهمك فكل، وإن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكل» متفق عليه.

فصل3 masa’il
  1. ولو صاد المسلم بكلب المجوسي حل،

  2. وعنه: لا يحل؛ لقول الله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ} . والأول المذهب؛ لأن هذا آلة فأشبه ما لو صاد بقوسه وسهمه.

  3. ولو صاد المجوسي بكلب مسلم لم يبح، كما لو صاد بقوسه.

فصل8 masa’il
  1. وإن رمى صيداً، أو أرسل كلبه عليه، فغاب عنه،

  2. ثم وجده ميتاً وسهمه فيه، أو وجده مع كلبه ولا أثر به، يحتمل أن يقتله غيره حل، لحديث عدي،

  3. وعنه: إن غاب نهاراً حل،

  4. وإن غاب ليلاً لم يحل.

  5. وعنه: إن غاب يسيراً أكله،

  6. وإن غاب كثيراً لم يأكله؛ لأنه يروى عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، والأول أولى للخبر، ولأنه قد وجد سبب إباحته يقيناً، والمعارض مشكوك فيه،

  7. فلا يزول عن اليقين بالشك.

  8. وإن شك في سهمه، أو من قتل به، أو وجد به أثر يحتمل أنه قتله، أو وجد غريقاً لم يبح للخبر، ولأنه شك في حله فوجب رده إلى أصله.

فصل6 masa’il
  1. إذا أدرك الصيد، وفيه حياة غير مستقرة، فتركه حتى مات حل لأن عقره قد ذبحه،

  2. وكذلك إن لم يبق من الزمان ما يتمكن من ذبحه فيه،

  3. وإن وجد فيه حياة مستقرة في زمن يمكن ذبحه فيه، فلم يذبحه حتى مات لم يحل لأنه صار مقدوراً على ذبحه، فلم يبح بغيره، كغير الصيد،

  4. فإن لم يكن معه ما يذكيه به، ففيه روايتان:

  5. إحداهما: لا يباح لذلك.

  6. والثانية: يرسل عليه صائده حتى يقتله فيحل، اختارها الخرقي. لأنه صيد قتله صائده قبل إمكان ذبحه، فأشبه الذي قتله قبل إدراكه.

فصل5 masa’il
  1. إذا ضرب صيداً فأبان منه عضواً، وبقيت فيه حياة مستقرة، فالعضو حرام لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما أبين من حي فهو ميت» رواه أبو داود.

  2. وإن قطعه نصفين أو قطع رأسه، حل جميعه؛ لأنه مات بضربته،

  3. وإن قطع منه عضواً وبقي في سائره حياة غير مستقرة حل جميعه؛ لأنها ذكاة لبعضه فكانت ذكاة لجميعه، كما لو أبان رأسه. وقد استحسن أبو عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قول الحسن: لا بأس بالطريدة، قال أبو عبد الله: الطريدة: الغزال، يمر بالعسكر فيضربه القوم بأسيافهم، فيأخذ كل واحد منهم قطعة.

  4. قال الحسن: ما زال الناس يفعلون ذلك في مغازيهم، وعن أبي عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه لا يؤكل منه ما أبين في حياته، يؤكل سائره، للخبر.

  5. وإن بقي معلقاً بجلده حل رواية واحدة؛ لأنه متصل بجملته، أشبه سائر أعضائه.

فصل5 masa’il
  1. وإذا أثبت الصيد برميته أو شبكته أو غيرهما من آلات الصيد ملكه،

  2. فإن انفلت من الشبكة زال ملكه عنه؛ لأنه لم يستقر، فزال بانفلاته،

  3. فإن أخذ الشبكة معه، فصاده آخر رد الشبكة على صاحبها، وملك الصيد إلا أن يكون غير ممتنع بها، فيكون لصاحبها؛ لأنها التي أمسكته.

  4. ومن أمسك صيداً، واستقرت يده عليه ثم انفلت لم يزل ملكه عنه لأن اليد استقرت عليه، فلم تزل عنه بانفلاته كبهيمة،

  5. فإن أرسله، وقال: قد أعتقتك، لم يزل ملكه عنه؛ لأنه ليس بمحل للعتق.

فصل6 masa’il
  1. وإن أثبت الصيد بسهمه، فرماه آخر فقتله حرم؛ لأنه صار مقدوراً عليه، فلم يبح بغير الذبح، وعلى الثاني قيمته مجروحاً لصاحبه؛ لأنه أتلفه عليه إلا أن يكون سهم الثاني ذبحه فيحل؛ لأنه ذكاه،

  2. فإن ادعى كل واحد منهما أنه الأول حلف كل واحد منهما، وبرئ من الضمان؛ لأن الأصل براءة ذمته،

  3. وإن اتفقا على السابق، وأنكر الثاني كون الأول أثبته، فالقول قوله؛ لأن الأصل بقاء امتناعه،

  4. ويحرم على الأول اعترافه بتحريمه، ويحل للثاني.

  5. وإن رمياه فوجداه مثبتاً، لم يعلما من أثبته منهما، فهو بينهما،

  6. وإن وجداه ميتاً، ولم يعلما هل أثبته الأول أم لا؟ حل؛ لأن الأصل بقاء امتناعه والله سبحانه وتعالى أعلم.

  1. باب ما يحل ويحرم الحيوان ثلاثة أقسام: أهلي، فيباح منه بهيمة الأنعام؛ لقول الله تعالى:

  2. {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} والخيل كلها، لما روى جابر قال: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل» . وقالت أسماء: «نحرنا فرساً على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأكلناه، ونحن بالمدينة» .

  3. متفق عليهما، والدجاج لما روى أبو موسى، قال: «رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يأكل لحم الدجاج» . متفق عليه. والإوز والبط؛ لأنها طيبات، فتدخل في قَوْله تَعَالَى: {أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} وتحرم الحمر، لحديث جابر. والبغال؛ لأنها متولدة منها، والمتولد بين الوحشي والأهلي كذلك، وما تولد بين حلال وحرام، كالسمع والعسبار كذلك.

  4. وتحرم الكلاب والسنانير؛ لأنها من السباع، وتأكل الخبائث.

فصل12 masa’il
  1. القسم الثاني: الوحشي، فيباح منه الحمر، لحديث أبي قتادة. والأرانب، لما روى أنس «أنه أخذ أرنباً، فذبحها أبو طلحة، وبعث بوركها إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقبله» . متفق عليه. والضباع لما روى جابر قال: «سألت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الضبع، فقال: هو صيد ويجعل فيه كبش إذ صادفه المحرم» .

  2. رواه أبو داود والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح.

  3. والضباب، لما روى ابن عباس قال: «أتي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بضب، فرفع يده فقلت أحرام هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه فاحتزه خالد فأكله، ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينظر إليه» متفق عليه.

  4. ويباح البقر والظباء والنعام والأوبار واليرابيع؛ لأنها مستطابة، قضت الصحابة فيها بالجزاء على المحرم، وتباح الزرافة، نص عليه؛ لأنها من الطيبات المستحسنات.

  5. وعنه في اليربوع: أنه محرم؛ لأنه يشبه الفأرة، وفي الثعلب روايتان:

  6. إحداهما: يحرم؛ لأنه من السباع.

  7. والثانية: يحل؛ لأنه يفدى من الإحرام، وفي سنور البر روايتان لذلك.

  8. ويباح من الطير الحمام وأنواعه، والعصافير والقنابر والحجل والقطا، والحبارى والكركي، والكروان، وغراب الزرع، والزاغ وأشباهها مما يلتقط الحب، أو يفدى من الإحرام، وقد روى سفينة قال: «أكلت مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لحم حبارى» . رواه أبو داود.

  9. وفي الهدهد والصرد روايتان:

  10. إحداهما: يباح؛ لأنها تشبه المباح.

  11. والثانية: يحرم؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نهى عن قتل الهدهد والصرد» رواه أبو داود وابن ماجه. وكل طير لا يصيد بمخلبه،

  12. ولا يأكل الجيف، ولا يستخبث، فهو حلال.

فصل6 masa’il
  1. يحرم الخنزير، لنص الله تعالى على تحريمه، وكل ذي ناب من السباع، كالكلب والأسد والفهد، والنمر والذئب، وابن آوى والنمس، وابن عرس، والفيل والقرد، لما روى أبو ثعلبة «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن كل ذي ناب من السباع» .

  2. متفق عليه. وتحريم سباع الطير، كالعقاب والبازي والصقر والشاهين، والحدأة والبومة، لما روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «نهى رسول الله عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير» رواه مسلم وأبو داود.

  3. ويحرم ما يأكل الجيف، كالنسر والرخم، وغراب البين، والأبقع والعقعق؛ لأنها مستخبثة لأكلها الخبائث، وقد قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم» ذكر منها الحدأة والغراب. وما أبيح قتله، لم يبح أكله.

  4. وتحرم الخبائث كلها، كالفأر والجراذين والأوزاغ والعظا والورل، والقنفذ والحرباء والصراصير والجعلان والخنافس والحيات والعقارب والدود والوطواط والخفاش والزنابير واليعاسيب والذباب والبق والبراغيث والقمل وأشباهها؛ لقول الله تعالى:

  5. {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} وقد روى أبو هريرة «أن القنفذ ذكر عند رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: هو خبيثة من الخبائث» رواه أبو داود. وما لم يذكره يرد إلى أقرب الأشياء شبهاً به، فيلحق به بالإباحة والتحريم؛

  6. لأن القياس حجة، وما لم يكن شبيهاً بشيء منها فهو حلال؛ لقول الله تعالى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} . خرج من عمومها ما قام الدليل على تحريمه، والباقي يبقى على الأصل.

فصل2 masa’il
  1. القسم الثالث: حيوان البحر يباح جميعه؛ لقول الله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} إلا الضفدع؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن قتلها، ولأنها مستخبثة. وكره أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - التمساح؛ لأنه ذو ناب، فيحتمل أنه محرم؛

  2. لأنه سبع ويحتمل أنه مباح للآية. وقال ابن حامد: يحرم الكوسج؛ لأنه ذو ناب، وقال أبو علي النجاد: لا يؤكل من البحري ما يحرم نظيره في البر، ككلب الماء وخنزيره وإنسانه، والأول أولى. وقد قال أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في كلب الماء: يذبحه، وركب الحسن بن علي على سرج عليه جلد كلب ماء.

فصل7 masa’il
  1. وكره أحمد لحوم الجلالة وألبانها.

  2. قال القاضي: هي أكثر علفها النجاسة،

  3. فإن كان أكثره الطاهر فليست جلالة، قال: ولحمها ولبنها حرام. وفي بيضها روايتان.

  4. وقال ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى إن أكلها غير محرم، لعموم قَوْله تَعَالَى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} . والأولى ظاهر المذهب، لما روى ابن عمر قال: «نهى رسول الله الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أكل الجلالة وألبانها» .

  5. رواه أبو داود. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الإبل الجلالة أن يؤكل لحمها، ولا يشرب لبنها، ولا يحمل عليها إلا الأدم، ولا يركبها الناس حتى تعلف أربعين ليلة» .

  6. رواه الخلال ويزول تحريمها، وكراهتها بحبسها عن أكل النجاسات ويحبس البعير أربعين ليلة للخبر والبقرة في معناه، ويحبس الطائر ثلاثاً لأن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان إذا أراد أكلها حبسها ثلاثاً.

  7. وعن أحمد: أن الجميع يحبس ثلاثا لخبر ابن عمر.

فصل1 mas’ala
  1. وما سقي من الزروع والثمار بالنجاسات أو سمد بها نجس، كالجلالة؛ لأنه يتغذى بالنجاسات، وتترقى فيه أجزاؤها، فأشبه الجلالة، ويطهر بسقيها بالطهارات، كالجلالة إذا أكلت الطهارات.

فصل1 mas’ala
  1. وتحرم الميتة والدم للآية، وتحرم النجاسات كلها؛ لأنها من الخبائث، وتحرم السموم المضرة، كما يحرم عليه إتلاف شيء من جسده.

فصل21 masa’il
  1. فإن اضطر إلى شيء مما حرم عليه، أبيح تناوله؛ لقول الله تعالى: {إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} وفي قدر ما يباح روايتان:

  2. إحداهما: قدر ما يسد رمقه، اختارها الخرقي؛ لأنه يخرج بأكله عن كونه مضطراً، فتزول الإباحة بزواله.

  3. والثانية: له الشبع؛ لأنه طعام جاز له سد الرمق منه، فجاز له الشبع، كالحلال.

  4. وهل يجب عليه أكل ما يسد رمقه، فيه وجهان:

  5. أحدهما: يجب لقول الله تعالى:

  6. {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} .

  7. والثاني: لا يجب؛ لأنه تجنب ما حرم عليه. وقد روي عن عبد الله بن حذافة صاحب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن ملك الروم حبسه، ومعه لحم خنزير مشوي، وماء ممزوج بخمر ثلاثة أيام، فأبى أن يأكله، وقال: لقد أحله الله لي، ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام،

  8. ومن اضطر إلى طعام من ليس به مثل ضرورته لزمه بذله له؛ لأن في منعه منه إعانة على قتله،

  9. وإن بذله بثمن مثله لمن يقدر على ثمنه لزمه أخذه، ولم تحل له الميتة؛ لأنه غير مضطر،

  10. وإن امتنع من بذله إلا بأكثر من ثمن مثله فاشتراه به لم يلزمه إلا ثمن مثله؛ لأنه اضطر إلى بذل الزيادة بغير حق، فلم يلزمه كالمكره،

  11. وإن منعه منه بالكلية فله قتاله عليه؛ لأنه صار أحق به من مالكه وإن وجد المضطر ميتة، وطعاماً لغائب، فطابت نفسه بأكل الميتة فهي أولى؛ لأن إباحتها ثبتت بالنص، فكانت أولى مما ثبت بالاجتهاد،

  12. وإن لم تطب نفسه بأكلها أكل طعام الغير؛ لأنه مضطر إليه.

  13. وإن وجد المحرم ميتة وصيداً فكذلك؛ لأن المحرم إذا ذبح الصيد صار ميتة، ولزمه الجزاء، فيجتمع فيه تحريمان،

  14. ومن لم يجد إلا آدمياً معصوماً لم يبح له قتله؛ لأنه لا يحل وقاية نفسه بأخيه،

  15. ولا يحل له قطع شيء من نفسه ليأكله؛ لأنه يتلفه يقيناً ليحصل ما هو موهوم.

  16. وإن وجد آدمياً مباح الدم، فله قتله وأكله؛ لأن إتلافه مباح،

  17. وإن وجد ميتاً معصوماً، فالأولى إباحته، لدخوله في عموم الآية؛ ولأن فيه حفظ الحي، فأشبه غير المعصوم، اختار هذا أبو الخطاب.

  18. وقال غيره من أصحابنا: لا يباح؛ لأن كسر عظم الميت ككسر عظم الحي،

  19. وإن وجد المضطر خمراً لم يبح شربها؛ لأنها لا تدفع جوعاً ولا عطشاً،

  20. ولا فيها شفاء، لما روت أم سلمة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» وإن وجد ماء ممزوجاً بخمر يدفع العطش فله الشرب منه؛ لأنه يدفع به الهلاك.

  21. وإن غُص بلقمة، ولم يجد مائعاً يدفعها به، وخاف الهلاك فله دفعه بها لأنه يحصل بها.

فصل14 masa’il
  1. ومن مر بثمرة لا حائط لها،

  2. ولا ناطر، ففيه ثلاث روايات:

  3. إحداهن: أنه يأكل ولا يحمل، لما روي عن أبي زينب، قال: سافرت مع أنس بن مالك، وعبد الرحمن بن سمرة، وأبي برزة، فكانوا يمرون بالثمار، فيأكلون في أفواههم. وقال عمر: يأكل ولا يتخذ خبنة.

  4. والثانية: يباح ما سقط،

  5. ولا يرمي بحجر ولا يضرب، لما روى رافع أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا ترم وكُلْ ما وقع» حديث صحيح.

  6. والثالثة: له الأكل إن كان جائعاً،

  7. ولا يأكل إن لم يكن جائعاً، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أنه سئل عن الثمر المعلق، فقال: ما أصاب منه ذي الحاجة، غير متخذ خبنة، فلا شيء عليه، ومن خرج منه بشيء فعليه غرامة مثليه، والعقوبة» هذا حديث حسن وفي الزرع روايتان:

  8. إحداهما: هو كالثمرة؛ لأن العادة جارية بأكل الفريك والباقلاء ونحوهما.

  9. والثانية: لا يباح؛ لأن الفاكهة خلقت للأكل رطبة والنفوس إليها أميل

  10. بخلاف الزرع، وما كان محوطاً أو له ناطر، فليس له الدخول بحال؛ لقول ابن عباس: إذا كان عليها حائط، فهو حريم،

  11. فلا تأكل، وإن لم يكن حائط فلا بأس.

  12. وفي لبن الماشية روايتان:

  13. إحداهما: هو كالثمرة، لما روى الحسن عن سمرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا أتى أحدكم على ماشية فيها صاحبها، فليستأذنه فإن أذن، فليحتلب وليشرب وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثاً، فإن لم يجب، فليحتلب وليشرب، ولا يحمل» حديث صحيح.

  14. والثانية: لا يحل له الحلب؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه» متفق عليه.

In the books of comparative fiqh

الإجماعIbn al-MundhirNothing of it on this topic
التجريدal-Quduriمسألة ١٥٢٢، مسألة ١٥٢٣، مسألة ١٥٢٤16 masa’il
المبسوطal-Sarakhsiبَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ، بَابُ الْمُحْصَرِ، بَابُ الْجِمَاعِ لِلْمُحْرِمِ1,189 masa’il
بداية المجتهدIbn Rushdكِتَابُ الذَّبَائِحِ [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ]، الْبَابُ الْخَامِسُ: فِي مَعْرِفَةِ الذَّابِحِ وَالنَّاحِرِ.، الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: هَلْ لِلْجَرَادِ ذَكَاةٌ أَمْ لَا؟282 masa’il
المغنيIbn Qudama · on مختصر الخرقيباب الفدية وجزية الصيد، كتاب الصيد والذبائح1,526 rows
المجموع شرح المهذبal-Nawawi · on المهذبباب الصيد والذبائح531 rows
الشرح الكبير على المقنعIbn Abi 'Umar · on المقنعبَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ، فَصْلٌ، بَابُ صَيْدِ الْحَرَمِ وَنَبَاتِهِ865 rows
الفقه على المذاهب الأربعةal-Jaziriمبحث ذبح الذبائح، وعمل الأطعمة في المآتم، مباحث الصيد والذبائح، دليله199 masa’il
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميUsama al-Qahtani and othersNothing of it on this topic
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)under 'Alawi al-Saqqafالمبحث الأول: التسمية، المبحث الثاني: إنهار الدم، المبحث الثالث: ما هو القدر الواجب الذي يكتفى به في حصول التذكية؟360 masa’il

What the schools’ books say, not a fatwa.On the map: Hunting and slaughter