الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: مِمَّنْ يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ؟
بداية المجتهدالفقه المقارنالمسائل ٤٬١٥٧ إلى ٤٬٢٠٣
-
٢/١٦٦٢/١٦٦
الثَّانِيَةُ: عَلَى أَيِّ الْأَصْنَافِ مِنْهُمْ تَجِبُ الْجِزْيَةُ؟ الثَّالِثَةُ: كَمْ تَجِبُ؟ الرَّابِعَةُ: مَتَى تَجِبُ وَمَتَى تَسْقُطُ؟ الْخَامِسَةُ: كَمْ أَصْنَافُ الْجِزْيَةِ؟ السَّادِسَةُ: فِي مَاذَا يُصْرَفُ مَالُ الْجِزْيَةِ؟
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى:
-
فَأَمَّا مَنْ يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ؟ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الْعَجَمِ، وَمِنَ الْمَجُوسِ كَمَا تَقَدَّمَ،
-
وَاخْتَلَفُوا فِي أَخْذِهَا مِمَّنْ لَا كِتَابَ لَهُ، وَفِيمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْعَرَبِ، بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ فِيمَا حَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ مِنْ قُرَشِيٍّ كِتَابِيٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ.
-
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ أَيُّ الْأَصْنَافِ مِنَ النَّاسِ تَجِبُ عَلَيْهِمْ؟ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا إِنَّمَا تَجِبُ بِثَلَاثَةِ أَوْصَافٍ: الذُّكُورِيَّةِ، وَالْبُلُوغِ، وَالْحُرِّيَّةِ. وَأَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ، وَلَا عَلَى الصِّبْيَانِ، إِذَا كَانَتْ إِنَّمَا هِيَ عِوَضٌ مِنَ الْقَتْلِ، وَالْقَتْلُ إِنَّمَا هُوَ مُتَوَجِّهٌ بِالْأَمْرِ نَحْوَ الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ، إِذْ قَدْ نُهِيَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ،
-
وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الْعَبِيدِ.
-
وَاخْتَلَفُوا فِي أَصْنَافٍ مِنْ هَؤُلَاءِ: مِنْهَا فِي الْمَجْنُونِ وَفِي الْمُقْعَدِ، وَمِنْهَا: فِي الشَّيْخِ، وَمِنْهَا: فِي أَهْلِ الصَّوَامِعِ، وَمِنْهَا: فِي الْفَقِيرِ هَلْ يُتْبَعُ بِهَا دَيْنًا مَتَى أَيْسَرَ أَمْ لَا؟ وَكُلُّ هَذِهِ مَسَائِلِ اجْتِهَادِيَّةٌ لَيْسَ فِيهَا تَوْقِيفٌ شَرْعِيٌّ.
-
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مَبْنِيٌّ عَلَى هَلْ يُقْتَلُونَ أَمْ لَا؟ أَعْنِي هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافَ.
-
وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ كَمِ الْوَاجِبُ؟ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَرَأَى مَالِكٌ أَنَّ الْقَدْرَ الْوَاجِبَ فِي ذَلِكَ هُوَ مَا فَرَضَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَمَعَ ذَلِكَ أَرْزَاقُ الْمُسْلِمِينَ، وَضِيَافَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، لَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَقَلُّهُ مَحْدُودٌ وَهُوَ دِينَارٌ، وَأَكْثَرُهُ غَيْرُ مَحْدُودٍ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يُصَالَحُونَ عَلَيْهِ.
-
وَقَالَ قَوْمٌ: لَا تَوْقِيتَ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ مَصْرُوفٌ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ.
-
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: الْجِزْيَةُ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا، وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ، لَا يُنْقَصُ الْفَقِيرُ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَلَا يُزَادُ الْغَنِيُّ عَلَى ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَالْوَسَطُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا.
-
٢/١٦٧٢/١٦٧
وَقَالَ أَحْمَدُ: دِينَارٌ أَوْ عَدْلُهُ مَعَافِرَ، لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ.
-
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِرَ» وَهِيَ ثِيَابٌ بِالْيَمَنِ.
-
وَثَبَتَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، مَعَ ذَلِكَ أَرْزَاقُ الْمُسْلِمِينَ، وَضِيَافَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
-
وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ فَوَضَعَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ السَّوَادِ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ، وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ وَاثْنَيْ عَشَرَ.
-
فَمَنْ حَمَلَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ وَتَمَسَّكَ فِي ذَلِكَ بِعُمُومِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ جِزْيَةٍ ; إِذْ لَيْسَ فِي تَوْقِيتِ ذَلِكَ حَدِيثٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ ; وَإِنَّمَا وَرَدَ الْكِتَابُ فِي ذَلِكَ عَامًّا ;
-
قَالَ: لَا حَدَّ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ حَدِيثِ مُعَاذٍ ; وَالثَّابِتِ عَنْ عُمَرَ قَالَ: أَقَلُّهُ مَحْدُودٌ، وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ.
-
وَمَنْ رَجَّحَ أَحَدَ حَدِيثَيْ عُمَرَ قَالَ: إِمَّا بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ، وَإِمَّا بِثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، وَاثْنَيْ عَشَرَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
-
وَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ مُعَاذٍ لِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ قَالَ: دِينَارٌ فَقَطْ، أَوْ عَدْلُهُ مَعَافِرَ، لَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ.
-
وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ مَتَى تَجِبُ الْجِزْيَةُ؟ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا بَعْدَ الْحَوْلِ، وَأَنَّهُ تَسْقُطُ عَنْهُ إِذَا أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ.
-
وَاخْتَلَفُوا إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَ مَا يَحُولُ عَلَيْهِ الْحَوْلُ: هَلْ تُؤْخَذُ مِنْهُ جِزْيَةٌ لِلْحَوْلِ الْمَاضِي بِأَسْرِهِ أَوْ لِمَا مَضَى مِنْهُ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: إِذَا أَسْلَمَ فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ كَانَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، أَوْ قَبْلَ انْقِضَائِهِ، وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ الْجُمْهُورُ.
-
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْحَوْلِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، وَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ حُلُولِ الْحَوْلِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ.
-
وَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ، لِأَنَّ الْحَوْلَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهَا، فَإِذَا وُجِدَ الرَّافِعُ لَهَا - وَهُوَ الْإِسْلَامُ - قَبْلَ تَقَرُّرِ الْوُجُوبِ أَعْنِي: قَبْلَ وُجُودِ شَرْطِ الْوُجُوبِ لَمْ تَجِبْ.
-
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ لِأَنَّهَا قَدْ وَجَبَتْ: فَمَنْ رَأَى أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ هَذَا الْوَاجِبَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَهْدِمُ كَثِيرًا مِنَ الْوَاجِبَاتِ قَالَ: تَسْقُطُ عَنْهُ ; وَإِنْ كَانَ إِسْلَامُهُ بَعْدَ الْحَوْلِ.
-
وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ لَا يَهْدِمُ الْإِسْلَامُ هَذَا الْوَاجِبَ كَمَا لَا يَهْدِمُ كَثِيرًا مِنَ الْحُقُوقِ الْمُتَرَتِّبَةِ مِثْلَ الدُّيُونِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ: لَا تَسْقُطُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ.
-
فَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ: هَلِ الْإِسْلَامُ يَهْدِمُ الْجِزْيَةَ الْوَاجِبَةَ أَوْ لَا يَهْدِمُهَا؟ .
-
٢/١٦٨٢/١٦٨
وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: وَهِيَ كَمْ أَصْنَافُ الْجِزْيَةِ؟ فَإِنَّ الْجِزْيَةَ عِنْدَهُمْ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ:
-
جِزْيَةٌ عَنْوِيَّةٌ: وَهِيَ هَذِهِ الَّتِي تَكَلَّمْنَا فِيهَا أَعْنِي: الَّتِي تُفْرَضُ عَلَى الْحَرْبِيِّينَ بَعْدَ غَلَبَتِهِمْ) .
-
وَجِزْيَةٌ صُلْحِيَّةٌ: وَهِيَ الَّتِي يَتَبَرَّعُونَ بِهَا لِيُكَفَّ عَنْهُمْ، وَهَذِهِ لَيْسَ فِيهَا تَوْقِيتٌ، لَا فِي الْوَاجِبِ، وَلَا فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ وَلَا مَتَى يَجِبُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ كُلُّهُ رَاجِعٌ إِلَى الِاتِّفَاقِ الْوَاقِعِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الصُّلْحِ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: إِنَّهُ إِنْ كَانَ قَبُولُ الْجِزْيَةِ الصُّلْحِيَّةِ وَاجِبًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَاهُنَا قَدْرٌ مَا إِذَا أَعْطَاهُ مِنْ أَنْفُسِهِمُ الْكُفَّارُ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَبُولُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَيَكُونُ أَقَلُّهَا مَحْدُودًا، وَأَكْثَرُهَا غَيْرَ مَحْدُودٍ.
-
وَأَمَّا الْجِزْيَةُ الثَّالِثَةُ: فَهِيَ الْعُشْرِيَّةُ: وَذَلِكَ أَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ عُشْرٌ، وَلَا زَكَاةٌ أَصْلًا فِي أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ ضَاعَفُوا الصَّدَقَةَ عَلَى نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ (أَعْنِي أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا إِعْطَاءَ ضِعْفِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّدَقَةِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَلْزَمُ فِيهَا الْمُسْلِمِينَ الصَّدَقَةُ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَهُوَ فِعْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِهِمْ، وَلَيْسَ يُحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ نَصٌّ فِيمَا حَكَوْا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.
-
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجِبُ الْعُشْرُ عَلَيْهِمْ فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي يَتَّجِرُونَ بِهَا إِلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ بِنَفْسِ التِّجَارَةِ ; أَوِ الْإِذْنِ إِنْ كَانُوا حَرْبِيِّينَ ; أَمْ لَا تَجِبُ إِلَّا بِالشَّرْطِ؟ فَرَأَى مَالِكٌ وَكَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ تُجَّارَ أَهْلِ الذِّمَّةِ الَّذِينَ لَزِمَتْهُمْ بِالْإِقْرَارِ فِي بَلَدِهِمِ الْجِزْيَةُ يَجِبُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ مِمَّا يَجْلِبُونَهُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدِ الْعُشْرُ، إِلَّا مَا يَسُوقُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ خَاصَّةً فَيُؤْخَذُ مِنْهُ فِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ.
-
وَوَافَقَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي وُجُوبِهِ بِالْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ أَوْ بِالتِّجَارَةِ نَفْسِهَا وَخَالَفَهُ فِي الْقَدْرِ، فَقَالَ: الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ نِصْفُ الْعُشْرِ.
-
وَمَالِكٌ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِمْ فِي الْعُشْرِ الْوَاجِبِ عِنْدَهُ نِصَابًا وَلَا حَوْلًا.
-
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَاشْتَرَطَ فِي وُجُوبِ نِصْفِ الْعُشْرِ عَلَيْهِمُ الْحَوْلَ وَالنِّصَابَ، وَهُوَ نِصَابُ الْمُسْلِمِينَ نَفْسُهُ الْمَذْكُورُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ عُشْرٌ أَصْلًا، وَلَا نِصْفُ عُشْرٍ فِي نَفْسِ التِّجَارَةِ وَلَا فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مَحْدُودٌ إِلَّا مَا اصْطُلِحَ عَلَيْهِ أَوِ اشْتُرِطَ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْجِزْيَةُ الْعُشْرِيَّةُ مِنْ نَوْعِ الْجِزْيَةِ الصُّلْحِيَّةِ، وَعَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ تَكُونُ جِنْسًا ثَالِثًا مِنَ الْجِزْيَةِ غَيْرِ الصُّلْحِيَّةِ وَالَّتِي عَلَى الرِّقَابِ.
-
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُنَّةٌ يُرْجَعُ إِلَيْهَا ; وَإِنَّمَا ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ.
-
فَمَنْ رَأَى أَنَّ فِعْلَ عُمَرَ هَذَا إِنَّمَا فَعَلَهُ بِأَمْرٍ كَانَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سُنَّتَهُمْ.
-
وَمَنْ رَأَى أَنَّ فِعْلَهُ هَذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِ ; إِذْ لَوْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَذَكَرَهُ، قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِسُنَّةٍ لَازِمَةٍ لَهُمْ إِلَّا بِالشَّرْطِ.
-
وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا أَذْكُرُ اسْمَهُ الْآنَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: لِمَ كُنْتُمْ تَأْخُذُونَ الْعُشْرَ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ؟ فَقَالَ: لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنَّا الْعُشْرَ إِذَا دَخَلْنَا إِلَيْهِمْ.
-
٢/١٦٩٢/١٦٩
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَقَلُّ مَا يَجِبُ أَنْ يُشَارِطُوا عَلَيْهِ هُوَ مَا فَرَضَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَإِنْ شُورِطُوا عَلَى أَكْثَرَ فَحَسَنٌ.
-
قَالَ: وَحُكْمُ الْحَرْبِيِّ إِذَا دَخَلَ بِأَمَانٍ حُكْمُ الذِّمِّيِّ.
-
وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: وَهِيَ فِي مَاذَا تُصْرَفُ الْجِزْيَةَ؟ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ، كَالْحَالِ فِي الْفَيْءِ عِنْدَ مَنْ رَأَى أَنَّهُ مَصْرُوفٌ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، حَتَّى لَقَدْ رَأَى كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ اسْمَ الْفَيْءِ إِنَّمَا يَنْطَلِقُ عَلَى الْجِزْيَةِ فِي آيَةِ الْفَيْءِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ هَكَذَا، فَالْأَمْوَالُ الْإِسْلَامِيَّةُ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: صَدَقَةٌ، وَفَيْءٌ، وَغَنِيمَةٌ.
-
وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي تَحْصِيلِ قَوَاعِدِ هَذَا الْكِتَابِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
-
٢/١٧٠٢/١٧٠
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
-
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ الْأَيْمَانِ الْمُبَاحَةِ وَتَمْيِيزِهَا مِنْ غَيْرِهَا] ِ
-
وَهَذَا الْكِتَابُ يَنْقَسِمُ أَوَّلًا إِلَى جُمْلَتَيْنِ: