الْجُمْلَةُ الْأُولَى وَالْأَرْكَانُ ثَلَاثَةٌ: الِالْتِقَاطُ، وَالْمُلْتَقِطُ، وَاللُّقَطَةُ.
بداية المجتهدالفقه المقارنالمسائل ٨٬٥٠٣ إلى ٨٬٥١٦
-
٤/٨٨٤/٨٨
فَأَمَّا الِالْتِقَاطُ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هُوَ أَفْضَلُ أَمِ التَّرْكُ؟
-
فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْأَفْضَلُ الِالْتِقَاطُ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَحْفَظَ مَالَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
-
وَقَالَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ بِكَرَاهِيَةِ الِالْتِقَاطِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَذَلِكَ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ حَرْقُ النَّارِ» . وَلِمَا يُخَافُ أَيْضًا مِنَ التَّقْصِيرِ فِي الْقِيَامِ بِمَا يَجِبُ لَهَا مِنَ التَّعْرِيفِ وَتَرْكِ التَّعَدِّي عَلَيْهَا، وَتَأَوَّلَ الَّذِينَ رَأَوْا الِالْتِقَاطَ أَوَّلَ الْحَدِيثِ، وَقَالُوا: أَرَادَ بِذَلِكَ الِانْتِفَاعَ بِهَا لَا أَخْذَهَا لِلتَّعْرِيفِ،
-
وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ لَقْطُهَا وَاجِبٌ.
-
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ إِذَا كَانَتِ اللُّقَطَةُ بَيْنَ قَوْمٍ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ عَادِلٌ. قَالُوا: وَإِنْ كَانَتِ اللُّقَطَةُ بَيْنَ قَوْمٍ غَيْرِ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ عَادِلٌ فَوَاجِبٌ الْتِقَاطُهَا، وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ جَائِرٌ، فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَلْتَقِطَهَا، وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ غَيْرِ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ غَيْرُ عَادِلٍ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بِحَسَبِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ مِنْ سَلَامَتِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ.
-
وَهَذَا كُلُّهُ مَا عَدَا لُقَطَةَ الْحَاجِّ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ ذَلِكَ، وَلُقَطَةُ مَكَّةَ أَيْضًا لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ؛ لِوُرُودِ النَّصِّ فِي ذَلِكَ، وَالْمَرْوِيُّ فِي ذَلِكَ لَفْظَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا تُرْفَعُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ.
-
٤/٨٩٤/٨٩
والثَّانِي: لَا يَرْفَعُ لُقَطَتَهَا إِلَّا منْشِدٌ، فَالْمَعْنَى الْوَاحِدُ أَنَّهَا لَا تُرْفَعُ إِلَّا لِمَنْ يُنْشِدُهَا، وَالْمَعْنَى الثَّانِي لَا يَلْتَقِطُهَا إِلَّا مَنْ يُنْشِدُهَا لِيُعَرِّفَ النَّاسَ.
-
وَقَالَ مَالِكٌ: تُعَرَّفُ هَاتَانِ اللُّقَطَتَانِ أَبَدًا فَأَمَّا الْمُلْتَقِطُ فَهُوَ كُلُّ حُرٍّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ،
-
وَاخْتُلِفَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي جَوَازِ الْتِقَاطِ الْكَافِرِ.
-
قَالَ أَبُو حَامِدٍ: وَالْأَصَحُّ جَوَازُ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، قَالَ: وَفِي أَهْلِيَّةِ الْعَبْدِ وَالْفَاسِقِ لَهُ قَوْلَانِ: فَوَجْهُ الْمَنْعِ عَدَمُ أَهْلِيَّةِ الْوِلَايَةِ، وَوَجْهُ الْجَوَازِ عُمُومُ أَحَادِيثِ اللُّقَطَةِ.
-
وَأَمَّا اللُّقَطَةُ بِالْجُمْلَةِ: فَإِنَّهَا كُلُّ مَالٍ لِمُسْلِمٍ مُعَرَّضٍ لِلضَّيَاعِ كَانَ ذَلِكَ فِي عَامِرِ الْأَرْضِ أَوْ غَامِرِهَا، وَالْجَمَادُ وَالْحَيَوَانُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ إِلَّا الْإِبِلَ بِاتِّفَاقٍ.
-
وَالْأَصْلُ فِي اللُّقَطَةِ حَدِيثُ يَزِيدَ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّهُ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا، قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ، قَالَ: فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ قَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا» وَهَذَا الْحَدِيثُ يَتَضَمَّنُ مَعْرِفَةَ مَا يُلْتَقَطُ مِمَّا لَا يُلْتَقَطُ، وَمَعْرِفَةَ حُكْمِ مَا يُلْتَقَطُ كَيْفَ يَكُونُ فِي الْعَامِ وَبَعْدَهُ وَبِمَاذَا يَسْتَحِقُّهَا مُدَّعِيهَا.
-
فَأَمَّا الْإِبِلُ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تُلْتَقَطُ،
-
وَاتَّفَقُوا عَلَى الْغَنَمِ أَنَّهَا تُلْتَقَطُ، وَتَرَدَّدُوا فِي الْبَقَرِ، وَالنَّصُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا كَالْإِبِلِ، وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا كَالْغَنَمِ، وَعَنْهُ خِلَافٌ.