الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الشَّهَادَةِ
بداية المجتهدالفقه المقارنالمسائل ١٠٬٥٠٤ إلى ١٠٬٥٥٣
الْبَابُ الثَّالِثُ: فِيمَا يَكُونُ بِهِ الْقَضَاءُ
-
وَالْقَضَاءُ يَكُونُ بِأَرْبَعٍ: بِالشَّهَادَةِ، وَبِالْيَمِينِ، وَبِالنُّكُولِ، وَبِالْإِقْرَارِ، أَوْ بِمَا تَرَكَّبَ مِنْ هَذِهِ. فَفِي هَذَا الْبَابِ أَرْبَعَةُ فُصُولٍ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي الشَّهَادَةِ
-
وَالنَّظَرُ فِي الشُّهُودِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: فِي الصِّفَةِ، وَالْجِنْسِ، وَالْعَدَدِ.
-
فَأَمَّا عَدَدُ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي قَبُولِ الشَّاهِدِ بِالْجُمْلَةِ فَهِيَ خَمْسَةٌ: الْعَدَالَةُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْإِسْلَامُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَنَفْيُ التُّهْمَةِ. وَهَذِهِ مِنْهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَمِنْهَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا.
-
أَمَّا الْعَدَالَةُ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} .
-
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا هِيَ الْعَدَالَةُ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: هِيَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْإِسْلَامِ، هُوَ أَنْ يَكُونَ مُلْتَزِمًا لِوَاجِبَاتِ الشَّرْعِ وَمُسْتَحِبَّاتِهِ، مُجْتَنِبًا لِلْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ.
-
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَكْفِي فِي الْعَدَالَةِ ظَاهِرُ الْإِسْلَامِ، وَأَنْ لَا تُعْلَمَ مِنْهُ جَرْحَةٌ.
-
وَسَبَبُ الْخِلَافِ كَمَا قُلْنَا تَرَدُّدُهُمْ فِي مَفْهُومِ اسْمِ الْعَدَالَةِ الْمُقَابِلَةِ لِلْفِسْقِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْفَاسِقِ لَا تُقْبَلُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} الْآيَةَ.
-
وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الْفَاسِقَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إِذَا عُرِفَتْ تَوْبَتُهُ، إِلَّا مَنْ كَانَ فِسْقُهُ مِنْ قِبَلِ الْقَذْفِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَإِنْ تَابَ.
-
٤/٢٤٦٤/٢٤٦
وَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ: تُقْبَلُ.
-
وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ يَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} {إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ إِلَيْهِ، أَوْ عَلَى الْجُمْلَةِ إِلَّا مَا خَصَّصَهُ الْإِجْمَاعُ، وَهُوَ أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تُسْقِطُ عَنْهُ الْحَدَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا.
-
وَأَمَّا الْبُلُوغُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ حَيْثُ تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ.
-
وَاخْتَلَفُوا فِي شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْجِرَاحِ وَفِي الْقَتْلِ، فَرَدَّهَا جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ؛ لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ وُقُوعِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ الشَّهَادَةِ الْعَدَالَةَ، وَمِنْ شَرْطِ الْعَدَالَةِ الْبُلُوغَ، وَلِذَلِكَ لَيْسَتْ فِي الْحَقِيقَةِ شَهَادَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ، وَإِنَّمَا هِيَ قَرِينَةُ حَالٍ.
-
وَلِذَلِكَ اشْتَرَطَ فِيهَا أَنْ لَا يَتَفَرَّقُوا؛ لِئَلَّا يَجْبُنُوا.
-
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ هَلْ تَجُوزُ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ؟ أَمْ لَا؟ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعِدَّةُ الْمُشْتَرَطَةُ فِي الشَّهَادَةِ.
-
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهَا الذُّكُورَةُ؟ أَمْ لَا؟
-
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ تَجُوزُ فِي الْقَتْلِ الْوَاقِعِ بَيْنَهُمْ؟ وَلَا عُمْدَةَ لِمَالِكٍ فِي هَذَا إِلَّا أَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
-
قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِذَا احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِهَذَا قِيلَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَدْ رَدَّهَا، وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِهَا.
-
وَقَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَقَوْمٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَإِجَازَةُ مَالِكٍ لِذَلِكَ هُوَ مِنْ بَابِ إِجَازَتِهِ قِيَاسَ الْمَصْلَحَةِ.
-
وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الْقَبُولِ، وَأَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْكَافِرِ، إِلَّا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ جَوَازِ ذَلِكَ فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} الْآيَةَ.
-
فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى،
-
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَرَأَوْا أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ.
-
وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَإِنَّ جُمْهُورَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ،
-
وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: تَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ إِنَّمَا هُوَ اشْتِرَاطُ الْعَدَالَةِ، وَالْعُبُودِيَّةُ لَيْسَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي الرَّدِّ، إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ. وَكَأَنَّ الْجُمْهُورَ رَأَوْا أَنَّ الْعُبُودِيَّةَ أَثَرٌ مِنْ أَثَرِ الْكُفْرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ.
-
وَأَمَّا التُّهْمَةُ الَّتِي سَبَبُهَا الْمَحَبَّةُ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا مُؤَثِّرَةٌ فِي إِسْقَاطِ الشَّهَادَةِ.
-
وَاخْتَلَفُوا فِي رَدِّ شَهَادَةِ الْعَدْلِ بِالتُّهْمَةِ لِمَوْضِعِ الْمَحَبَّةِ أَوِ الْبِغْضَةِ الَّتِي سَبَبُهَا الْعَدَاوَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ، فَقَالَ بِرَدِّهَا فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ، إِلَّا أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا فِي مَوَاضِعَ عَلَى إِعْمَالِ التُّهْمَةِ، وَفِي مَوَاضِعَ عَلَى إِسْقَاطِهَا، وَفِي مَوَاضِعَ اخْتَلَفُوا فِيهَا فَأَعْمَلَهَا بَعْضُهُمْ وَأَسْقَطَهَا بَعْضُهُمْ.
-
٤/٢٤٧٤/٢٤٧
فَمِمَّا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ رَدُّ شَهَادَةِ الْأَبِ لِابْنِهِ وَالِابْنِ لِأَبِيهِ، وَكَذَلِكَ الْأُمُّ لِابْنِهَا، وَابْنُهَا لَهَا. وَمِمَّا اخْتَلَفُوا فِي تَأْثِيرِ التُّهْمَةِ فِي شَهَادَتِهِمْ شَهَادَةُ الزَّوْجَيْنِ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ، فَإِنَّ مَالِكًا رَدَّهَا وَأَبَا حَنِيفَةَ، وَأَجَازَهَا الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالْحَسَنُ.
-
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الزَّوْجِ لِزَوْجِهِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهَا لَهُ، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ.
-
وَمِمَّا اتَّفَقُوا عَلَى إِسْقَاطِ التُّهْمَةِ فِيهِ شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ مَا لَمْ يَدْفَعْ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ عَارًا عَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ مُنْقَطِعًا إِلَى أَخِيهِ يَنَالُهُ بِرُّهُ وَصِلَتُهُ، مَا عَدَا الْأَوْزَاعِيَّ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا تَجُوزُ.
-
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَا تُقْبَلُ،
-
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُقْبَلُ.
-
فَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ بِالتُّهْمَةِ مَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ» ، وَمَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى حَضَرِيٍّ» ؛ لِقِلَّةِ شُهُودِ الْبَدَوِيِّ مَا يَقَعُ فِي الْمِصْرِ.
-
فَهَذِهِ هِيَ عُمْدَتُهُمْ مِنْ طَرِيقِ السَّمَاعِ.
-
وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى فَلِمَوْضِعِ التُّهْمَةِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ تَأْثِيرَهَا فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِثْلُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ الْمَقْتُولَ، وَعَلَى تَوْرِيثِ الْمَبْتُوتَةِ فِي الْمَرَضِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ.
-
وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ، وَهُمْ شُرَيْحٌ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ - فَإِنَّهُمْ قَالُوا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَبِ لِابْنِهِ فَضْلًا عَمَّنْ سِوَاهُ إِذَا كَانَ الْأَبُ عَدْلًا. وَعُمْدَتُهُمْ قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي إِجْزَاءَ الْمَأْمُورِ بِهِ إِلَّا مَا خَصَّصَهُ الْإِجْمَاعُ مِنْ شَهَادَةِ الْمَرْءِ لِنَفْسِهِ.
-
وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ فَإِنَّهُ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا رَدُّ الشَّهَادَةِ بِالْجُمْلَةِ إِنَّمَا هُوَ لِمَوْضِعِ اتِّهَامِ الْكَذِبِ، وَهَذِهِ التُّهْمَةُ إِنَّمَا اعْتَمَلَهَا الشَّرْعُ فِي الْفَاسِقِ وَمَنَعَ إِعْمَالَهَا فِي الْعَادِلِ، فَلَا تَجْتَمِعُ الْعَدَالَةُ مَعَ التُّهْمَةِ.
-
وَأَمَّا النَّظَرُ فِي الْعَدَدِ وَالْجِنْسِ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الزِّنَى بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ عُدُولٍ ذُكُورٍ،
-
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ تَثْبُتُ جَمِيعُ الْحُقُوقِ مَا عَدَا الزِّنَى بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ ذَكَرَيْنِ مَا خَلَا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا تُقْبَلُ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ تَشْبِيهًا بِالرَّجْمِ. وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} .
-
٤/٢٤٨٤/٢٤٨
وَكُلٌّ مُتَّفِقٌ أَنَّ الْحُكْمَ يَجِبُ بِالشَّاهِدَيْنِ غَيْرَ يَمِينِ الْمُدَّعِي، إِلَّا ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَإِنَّهُ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ يَمِينِهِ.
-
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ تَثْبُتُ الْأَمْوَالُ بِشَاهِدٍ عَدْلٍ ذَكَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} .
-
وَاخْتَلَفُوا فِي قَبُولِهِمَا فِي الْحُدُودِ، فَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ لَا مَعَ رَجُلٍ وَلَا مُفْرَدَاتٍ.
-
وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: تُقْبَلُ إِذَا كَانَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، وَكَانَ النِّسَاءُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ.
-
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُقْبَلُ فِي الْأَمْوَالِ وَفِيمَا عَدَا الْحُدُودَ مِنْ أَحْكَامِ الْأَبْدَانِ مِثْلِ الطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ وَالنِّكَاحِ وَالْعِتْقِ، وَلَا تُقْبَلُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الْبَدَنِ.
-
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي قَبُولِهِنَّ فِي حُقُوقِ الْأَبْدَانِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَالِ، مِثْلَ الْوِكَالَاتِ وَالْوَصِيَّةِ الَّتِي لَا تَتَعَلَّقُ إِلَّا بِالْمَالِ فَقَطْ، فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ: يُقْبَلُ فِيهِ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ.
-
وَقَالَ أَشْهَبُ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ.
-
وَأَمَّا شَهَادَةُ النِّسَاءِ مُفْرَدَاتٍ، أَعْنِي النِّسَاءَ دُونَ الرِّجَالِ - فَهِيَ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فِي حُقُوقِ الْأَبْدَانِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ غَالِبًا مِثْلَ الْوِلَادَةِ وَالِاسْتِهْلَالِ وَعُيُوبِ النِّسَاءِ. وَلَا خِلَافَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا إِلَّا فِي الرَّضَاعِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: لَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ إِلَّا مَعَ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ حُقُوقِ الْأَبْدَانِ الَّتِي يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ.
-
وَالَّذِينَ قَالُوا بِجَوَازِ شَهَادَتِهِنَّ مُفْرَدَاتٍ فِي هَذَا الْجِنْسِ اخْتَلَفُوا فِي الْعَدَدِ الْمُشْتَرَطِ فِي ذَلِكَ مِنْهُنَّ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَكْفِي فِي ذَلِكَ امْرَأَتَانِ، قِيلَ: مَعَ انْتِشَارِ الْأَمْرِ،
-
وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَنْتَشِرْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ يَكْفِي فِي ذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ جَعَلَ عَدِيلَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ امْرَأَتَيْنِ، وَاشْتَرَطَ الِاثْنَيْنِيَّةَ،
-
وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَكْفِي بِذَلِكَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، وَهُوَ قَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ.
-
وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ فِيمَا بَيْنُ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ. وَأَحْسَبُ أَنَّ الظَّاهِرِيَّةَ أَوْ بَعْضُهُمْ لَا يُجِيزُونَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ مُفْرَدَاتٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ كَمَا يُجِيزُونَ شَهَادَتَهُنَّ مَعَ الرِّجَالِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ الظَّاهِرُ.
-
وَأَمَّا شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ بِالرَّضَاعِ فَإِنَّهُمْ أَيْضًا اخْتَلَفُوا فِيهَا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: فِي الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ الَّتِي شَهِدَتْ بِالرَّضَاعِ «كَيْفَ وَقَدْ أَرْضَعَتْكُمَا؟» ، وَهَذَا ظَاهِرُهُ الْإِنْكَارُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ فِي أَنَّهُ مَكْرُوهٌ.