الْفَصْلُ الثَّالِثُ النُّكُولُ
بداية المجتهدالفقه المقارنالمسائل ١٠٬٥٨٨ إلى ١٠٬٦١٥
-
٤/٢٥٢٤/٢٥٢
وَأَمَّا ثُبُوتُ الْحَقِّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ أَيْضًا اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَفُقَهَاءُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ: إِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يَجِبْ لِلْمُدَّعِي شَيْءٌ بِنَفْسِ النُّكُولِ، إِلَّا أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعِي أَوْ يَكُونَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ.
-
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَجُمْهُورُ الْكُوفِيِّينَ: يَقْضِي لِلْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِنَفْسِ النُّكُولِ، وَذَلِكَ فِي الْمَالِ بَعْدَ أَنْ يُكَرِّرَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ ثَلَاثًا.
-
وَقَلْبُ الْيَمِينِ عِنْدَ مَالِكٍ يَكُونُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُقْبَلُ فِيهِ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ، وَشَاهِدٌ وَيَمِينٌ. وَقَلْبُ الْيَمِينِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَكُونُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَجِبُ فِيهِ الْيَمِينُ.
-
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: أَرُدُّهَا فِي غَيْرِ التُّهْمَةِ، وَلَا أَرُدُّهَا فِي التُّهْمَةِ. وَعِنْدَ مَالِكٍ فِي يَمِينِ التُّهْمَةِ هَلْ تَنْقَلِبُ؟ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ.
-
فَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى أَنْ تَنْقَلِبَ الْيَمِينُ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ مِنْ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ فِي الْقَسَامَةِ الْيَمِينَ عَلَى الْيَهُودِ بَعْدَ أَنْ بَدَأَ بِالْأَنْصَارِ» .
-
وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ أَنَّ الْحُقُوقَ عِنْدَهُ إِنَّمَا تَثْبُتُ بِشَيْئَيْنِ: إِمَّا بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ، وَإِمَّا بِنُكُولٍ وَشَاهِدٍ، وَإِمَّا بِنُكُولٍ وَيَمِينٍ. أَصْلُ ذَلِكَ عِنْدَهُ اشْتِرَاطُ الِاثْنَيْنِيَّةِ فِي الشَّهَادَةِ، وَلَيْسَ يَقْضِي عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِشَاهِدٍ وَنُكُولٍ.
-
وَعُمْدَةُ مَنْ قَضَى بِالنُّكُولِ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَمَّا كَانَتْ لِإِثْبَاتِ الدَّعْوَى، وَالْيَمِينَ لِإِبْطَالِهَا وَجَبَ إِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ أَنْ تُحَقَّقَ عَلَيْهِ الدَّعْوَى. قَالُوا: وَأَمَّا نَقْلُهَا مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِلَى الْمُدَّعِي فَهُوَ خِلَافٌ لِلنَّصِّ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ قَدْ نُصَّ عَلَى أَنَّهَا دَلَالَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ،
-
فَهَذِهِ أُصُولُ الْحُجَجِ الَّتِي يَقْضِي بِهَا الْقَاضِي.
-
وَمِمَّا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ يَقْضِي الْقَاضِي بِوُصُولِ كِتَابِ قَاضٍ آخَرَ إِلَيْهِ، لَكِنَّ هَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ مَعَ اقْتِرَانِ الشَّهَادَةِ بِهِ، أَعْنِي: إِذَا أَشْهَدَ الْقَاضِي الَّذِي يَثْبُتُ عِنْدَهُ الْحُكْمُ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ أَنَّ الْحُكْمَ ثَابِتٌ عِنْدَهُ، أَعْنِي: الْمَكْتُوبَ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَى الْقَاضِي الثَّانِي. فَشَهِدَا عِنْدَ الْقَاضِي الثَّانِي أَنَّهُ كِتَابُهُ، وَأَنَّهُ أَشْهَدَهُمْ بِثُبُوتِهِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يُكْتَفَى فِيهِ بِخَطِّ الْقَاضِي، وَأَنَّهُ كَانَ بِهِ الْعَمَلُ الْأَوَّلُ.
-
٤/٢٥٣٤/٢٥٣
وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِنْ أَشْهَدَهُمْ عَلَى الْكِتَابَةِ وَلَمْ يَقْرَأْهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ،
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ، وَلَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ.
-
وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ هَلْ يُقْضَى بِهِ فِي اللُّقَطَةِ دُونَ شَهَادَةٍ؟ أَمْ لَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ شَهَادَةٍ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: يُقْضَى بِذَلِكَ،
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بُدَّ مِنَ الشَّاهِدَيْنِ.
-
وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَوْلُ مَالِكٍ هُوَ أَجْرَى عَلَى نَصِّ الْأَحَادِيثِ، وَقَوْلُ الْغَيْرِ أَجْرَى عَلَى الْأُصُولِ.
-
وَمِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ قَضَاءُ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ، وَأَنَّهُ إِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ بِضِدِّ عِلْمِهِ لَمْ يَقْضِ بِهِ، وَأَنَّهُ يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي إِقْرَارِ الْخَصْمِ وَإِنْكَارِهِ، إِلَّا مَالِكًا فَإِنَّهُ رَأَى أَنْ يُحْضِرَ الْقَاضِي شَاهِدَيْنِ لِإِقْرَارِ الْخَصْمِ وَإِنْكَارِهِ.
-
وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي تَغْلِيبِ حُجَّةِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى حُجَّةِ الْآخَرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ.
-
وَاخْتَلَفُوا إِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُرَدُّ حُكْمُهُ إِذَا لَمْ يَخْرِقِ الْإِجْمَاعَ،
-
وَقَالَ قَوْمٌ: إِذَا كَانَ شَاذًّا،
-
وَقَالَ قَوْمٌ: يُرَدُّ إِذَا كَانَ حُكْمًا بِقِيَاسٍ. وَهُنَالِكَ سَمَاعٌ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ تُخَالِفُ الْقِيَاسَ، وَهُوَ الْأَعْدَلُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ تَشْهَدُ لَهُ الْأُصُولُ وَالْكِتَابُ مُحْتَمِلٌ وَالسُّنَّةُ غَيْرُ مُتَوَاتِرَةٍ.
-
وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ مَنْ غَلَّبَ الْقِيَاسَ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ عَلَى الْأَثَرِ مِثْلَ مَا يُنْسَبُ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ بِاتِّفَاقٍ، وَإِلَى مَالِكٍ بِاخْتِلَافٍ.
-
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَقْضِي بِعِلْمِهِ عَلَى أَحَدٍ دُونَ بَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ، أَوْ لَا يَقْضِي إِلَّا بِالدَّلِيلِ وَالْإِقْرَارِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ: لَا يَقْضِي إِلَّا بِالْبَيِّنَاتِ أَوِ الْإِقْرَارِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَشُرَيْحٌ،
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالْكُوفِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٌ: لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ، وَلِكِلَا الطَّائِفَتَيْنِ سَلَفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اعْتَمَدَ فِي قَوْلِهِ السَّمَاعَ وَالنَّظَرَ.
-
أَمَّا عُمْدَةُ الطَّائِفَةِ الَّتِي مَنَعَتْ مِنْ ذَلِكَ فَمِنْهَا حَدِيثُ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ أَبَا جَهْمٍ عَلَى صَدَقَةٍ فَلَاحَاهُ رَجُلٌ فِي فَرِيضَةٍ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا شِجَاجٌ. فَأَتَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرُوهُ، فَأَعْطَاهُمُ الْأَرْشَ. ثُمَّ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " إِنِّي خَاطِبٌ النَّاسَ وَمُخْبِرُهُمْ أَنَّكُمْ قَدْ رَضِيتُمْ، أَرَضِيتُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَ النَّاسَ وَذَكَرَ الْقِصَّةَ، وَقَالَ: أَرَضِيتُمْ؟ قَالُوا: لَا. فَهَمَّ بِهِمُ الْمُهَاجِرُونَ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: أَرَضِيتُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ» فَهَذَا بَيِّنٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِمْ بِعِلْمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
٤/٢٥٤٤/٢٥٤
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَلِلتُّهْمَةِ اللَّاحِقَةِ فِي ذَلِكَ لِلْقَاضِي. وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ لِلتُّهْمَةِ تَأْثِيرًا فِي الشَّرْعِ، مِنْهَا أَنْ لَا يَرِثَ الْقَاتِلُ عَمْدًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ مَنْ قَتَلَهُ. وَمِنْهَا رَدُّهُمْ شَهَادَةَ الْأَبِ لِابْنِهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
-
وَأَمَّا عُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ، أَمَّا مِنْ طَرِيقِ السَّمَاعِ فَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ مَعَ زَوْجِهَا أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ حِينَ قَالَ لَهَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَقَدْ شَكَتْ أَبَا سُفْيَانَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» دُونَ أَنْ يَسْمَعَ قَوْلَ خَصْمِهَا.
-
وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِقَوْلِ الشَّاهِدِ الَّذِي هُوَ مَظْنُونٌ فِي حَقِّهِ فَأَحْرَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَا هُوَ عِنْدَهُ يَقِينٌ. وَخَصَّصَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ مَا يَحْكُمُ فِيهِ الْحَاكِمُ بِعِلْمِهِ فَقَالُوا: لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي الْحُدُودِ وَيَقْضِي فِي غَيْرِ ذَلِكَ. وَخَصَّصَ أَيْضًا أَبُو حَنِيفَةَ الْعِلْمَ الَّذِي يَقْضِي بِهِ فَقَالَ: يَقْضِي بِعِلْمِهِ الَّذِي عَلِمَهُ فِي الْقَضَاءِ، وَلَا يَقْضِي بِمَا عَلِمَهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ.
-
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَضَى بِعِلْمِهِ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ.
-
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ: يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي الْمَجْلِسِ، أَعْنِي: بِمَا يَسْمَعُ، وَإِنْ لَمْ يُشْهَدْ عِنْدَهُ بِذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ كَمَا قُلْنَا. وَقَوْلُ الْمُغِيرَةِ هُوَ أَجْرَى عَلَى الْأُصُولِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ لَا يَقْضِي إِلَّا بِدَلِيلٍ وَإِنْ كَانَتْ غَلَبَةُ الظَّنِّ الْوَاقِعَةُ بِهِ أَقْوَى مِنَ الظَّنِّ الْوَاقِعِ بِصِدْقِ الشَّاهِدِينَ.