القضاء
القضاء والشهادات
في متون المذاهب الأربعة
-
القاضي المقلد
-
قال محمد رحمه الله في الأصل:
-
ولا ينبغي أن يستعمل على القضاء إلا الموثوق به في عفافه وصلاحه وفهمه وعلمه بالسنة والآثار ووجوه الفقه التي يؤخذ منها الكلام، فإنه لا يستقيم أن يكون صاحب فقه ليس له علم بالسنة والأحاديث،
-
ولا صاحب حديث ليس له علم بالفقه، وليس يستقيم واحد منها إلا بالفقه. وهذا نص منه على أن المقلد لا يجوز أن يولى القضاء. وبذلك قال الشافعي رحمه الله.
-
ومن أصحابنا من قال: يجوز أن يكون المقلد قاضيًا يقضي بالتقليد.
-
فإن دللنا على ذلك، قلنا: المقصود من التصانيف تنفيذ الأحكام وإنصاف المظلوم، وهذا المعنى يوجد في المقلد، فيجوز توليته كما يجوز تولية المجتهد.
-
ولأن شهادته مقبولة على المسلمين، فيجوز أن يكون قاضيًا كالمجتهد.
-
فإن قيل: الشاهد معه آلة الشهادة التي يحتاج إليها في التحمل والأداء، والقاضي يحتاج إلى آلة الحكم.
-
قلنا: له الحكم على هذا القول بالتقليد للعلماء، كما أنها أكثر فيما تؤدى به فروضه، وكما أن الشاهد يحتاج في النية إلى العلم ليعلم ما يصح أن يؤديه وكيفية التحمل في الأداء،
-
ثم جاز للمجهد أن يلزم غيره ما هو فرضه على وجه القضاء، كذلك يجوز للمقلد.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} .
-
قلنا: المقلد يتبع [ما له به علم فوجب] إتباعه؛ لأن الله تعالى فرض
-
علينا التقليد، وهذا كما بخبر الواحد وهو لا يعلم صحته، لكنه يعمل به لدليل معلوم لزمه العمل به.
-
قالوا: قال الله تعالى: {قل هل يستوى الذين يعملون والذين لا يعلمون} .
-
قلنا: لا يستويان عندنا؛ لأن الأولى أن يقلل المجتهد، وإنما يعدل إلى المقلد وليس بأولى إذا تعذر المجتهد.
-
قالوا: روى بريدة أن النبي - عليه السلام - قال (القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار،
-
فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار فيه فهو في النار، ورجل يجهل فهو في النار) .
-
قلنا: إذا قلد العلماء لم نقض بالجهل، بدلالة أنه إذا عمل على هذا التقليد في حق نفسه، لم يكن مؤديًا لفرضه بالجهل.
-
قالوا: روي أن النبي - عليه السلام - قال: (إذا اجتهد القاضي فأصاب فله أجران،
-
وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد) . فدل على أنه لا طريق للقضاء إلا الاجتهاد.
-
قلنا: هذا يدال على أن المجتهد هذه صفته،
-
ومن ليس بمجتهد لم يتعرض له، كما لم يتعرض للحاكم بالنص والإجماع.
-
قالوا: من لا يجوز أن يكون مفتيًا، لا يجوز أن يكون قاضيًا كالفاسق.
-
قلنا: لا يجوز أن يقضي برأيه ولا يقضي به،
-
ويجوز أن يفتي بما سمعه من العلماء، كمن لم يسمع منهم، كذلك يجوز أن يقضي بما سمع ولا يجوز أن يقضي برأيه.
-
قالوا: جاهل بأحكام الشريعة، فصار كمن حكم بغير مسألة. وقالوا: حكم من لم يكن معه آلة الاجتهاد، حكم من جاهل بطرائق الأحكام.
-
قلنا: هو جاهل بدليل الحكم، وليس بجاهل به لا يعلم أن حكمه فيما يخصه التقليد، كذلك فيما يحكم به.
-
ولأنه من فروضه، فأما فقد آلة الاجتهاد فيؤثر في المجتهد،
-
فأما المقلد فلا يضره عدم العلم بطريق الاجتهاد، كما لا يضره ما يحتاج إليه في الأحكام المختصة.
-
سؤال القاضي من هو أفقه منه
-
ذكر محمد رحمه الله في الأصل في الحدود: وينبغي للقاضي إذا أشكل عليه الشيء أن يسأل عنه من هو أفقه منه،
-
ولا يسعه لم لا ذلك.
-
فإن أشار عليه ذلك الذي هو أفقه منه ني نفسه بما هو خطأ عند القاضي قال: يقضي بما هو الصواب عنده، إذا كان يبصر وجوه الكلام،
-
وإن ترك رأيه وعمل بقول ذلك الفقيه، كان موسعًا ولم يذكر خلافًا. قال أبو بكر الرازي: هذا قول أبي حنيفة قال: وكان أبو الحسن الكرخي يحكي عن أبى يوسف ومحمد أن المجتهد لا يجوز أن يقلد. وبه قال الشافعي رحمه الله.
-
لنا: أن الاجتهاد ممن علمه أقوى من اجتهاد من قل علمه، ولهذا ينبغي للقاضي أن يقلد أعلم المجتهدين عنده، فصار كاجتهادين تعارضًا ومع أحدهما ترجيح.
-
والذي يجب أن يقال في هذه المسألة: أن القاضي إذا لم يظهر له اجتهاد في الحادثة، رجع إلى قول غيره؛ لأنه فيها كمن ليس من أهل الاجتهاد.
-
وعلى قولنا: هو قادر على التوصل إلى الحكم باجتهاده،
-
فلا يقلد. فأما إذا بان له وجه اجتهاد واعتقد أن ما قاله غيره خطأ؛ لم يجب أن يعمل به؛ لأنه متعبد باجتهاد نفسه. ومعنى قوله في الكتاب:
-
وإن ترك رأيه وعمل بقول ذلك الفقيه، كان موسعًا. معناه: أنه يجتهد ورجع إلى قول غيره، ولم يتشاغل بالاجتهاد.
-
وعلى هذا يجب أن تكون المسألة محمولة،
-
فأما أن يقول: إن الأمارة ظهرت، فأداه اجتهاده إلى قول يعمل بخلافه فلا.
-
قالوا: وقد احتج أصحابنا في جواز التقليد بما روي عن عمر أنه قال لعثمان: إني رأيت في الحد رأيًا فاتبعوني. قال عثمان: إن نتبع رأيك فرأيك رشيد،
-
وإن نتبع رأى من قبلك فنعم ذو الرأي كان. هذا اتفاق من عمر وعثمان على جواز تقليد أبي بكر،
-
وإن كان المقلد مجتهدًا.
-
وروي أن عبد الرحمن بن عوف قال لعثمان: أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسنة الشيخين. فقال: (اللهم نعم) . وهذا بحضرة الصحابة.
-
والذي روي عنه أنه عرض ذلك على علي - رضي الله عنه - فقال: لا، إلا على اجتهادي وطاقتي. ليس
-
بخلاف؛ لأنه اعتقد أن اجتهاده أوفر من اجتهادهما.
-
فإن قيل: المراد بهذه السيرة في المسلمين ومجاهدة العدو وسد الثغور.
-
قلنا: بل هو عام في كل سنة.
-
احتجوا: بما روي أن النبي - عليه السلام - قال لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: (بم تقضى؟) قال: بكتاب الله. قال:
-
(فإن لم يكن في كتاب الله؟) . قال: بسنة رسول الله. قال:
-
(فإن لم تجد في سنة رسول الله؟) . قال: أجتهد برأي،
-
ولا آلو جهدًا. فقال: (الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله) .
-
قلنا: هذا الحديث مرسل لم يرو إلا عن رجال من أهل حمص، وكيف يصح لهم الاحتجاج به؟.
-
ولأنه لم يكن باليمن من يجوز لمعاذ تقليده والرجوع إلى قوله، فكذلك لم يذكر التقليد.
-
قالوا: قال النبي - عليه السلام -: (إذا اجتهد القاضي فأصاب فله أجران،
-
وإن أخطأ فله أجر واحد) .
-
ولو كان للحاكم طريق ثالث لذكره.
-
قلنا: ذكر الاجتهاد ولم يبين جمع طرق الحكم، فتقليد العالم بذكره كما لم يذكر.
-
قالوا: قول يجوز له تركه باجتهاده،
-
فلا يجوز له ترك اجتهاد له، أصله: قول من هو مثله أو دونه، وعكسه قول النبي - عليه السلام -.
-
قلنا: من اجتهد فظهر له طريق الحكم، لا يجوز له تركه بتقليد غيره. ولذا نقول في المجتهد إذا لم يكن ظهر له طريق الحكم وأعجلت الحاجة إلى إنفاذ الحكم
-
عن مهلة الاجتهاد أن يقلد العالم،
-
ومن هذه حاله، فليس له اجتهاد حتى يكون تركه بقول غيره.
-
فإن قال: انه تارك لما يمكن منه من الاجتهاد بقول غيره.
-
قلنا: يجوز له أن يجتهد، فيظهر له حكم،
-
ويجوز ألا يظهر، فلا يتوقف على إمضاء الحكم في الحال.
-
قالوا: اجتهاد عن يجوز عليه الخطأ فيه،
-
فلا يجوز للعالم تقليده فيه، أصله: إذا كان مثله أو دونه.
-
قلنا: جواز الخطأ على المجتهد لا يمنع العمل بقوله، كما أن جواز خطئه لا يمنعه من العمل باجتهاده.
-
فأما تقليد من هو دونه أو مثله، فيجوز إذا لم يظهر له طريق الاجتهاد.
-
قالوا: اشتركا في آله الاجتهاد،
-
فلا يجوز لأحدهما تقليد الآخر، أصله: الصلاة.
-
قلنا: لا فرق بينهما، لأنا إذا كنا نقول: إن المجتهد مقلد إذا لم يظهر له اجتهاد، فكذلك نقول في العالم بآلة الاجتهاد في القبلة إذا لم يظهر لأحدهما أمارة، جاز أن يرجع إلى قول الآخر.
-
قالوا: متعبد بطلب الحكم من طريق الدليل والإمارة،
-
فلا يجوز تركه بالتقليد، أصله: المفتي.
-
قلنا: حكم المفتي والقاضي سواء، يجوز للمفتي إذا لم يظهر له وجه الاجتهاد أن يفتي بقول غيره، كما يجوز أن يحكم بقول غيره.
-
حكم المرأة فيما تقبل شهادتها فيه
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : يجوز حكم المرأة فيما تقبل شهادتها فيه.
-
وقال الشافعي رحمه الله: لا يجوز حكمها.
-
لنا: أن المقصود من الأحكام وضعها في مواضعها وإنصاف المظلوم والانتصاف من الظالم وفصل التنازع وحراسة الأموال التي للمولى عليهم، وهذا المعنى يوجد من الرجل والمرأة. وليس كذلك الإمامة؛ لأنها تفتقر إلى حماية البيضة والذب عن الحوزة وحضور الحرب ولقاء العدو.
-
وهذا المعنى لا يكمل النساء له والرجال وهما يتساويان في ذلك.
-
ولأنها مسلمة تقبل شهادتها كالرجل. ولأن قولها مقبول في التزكية كالرجل. ولأن الشهادة والقضاء كل واحد منهما يتم الحكم به،
-
فإذا كان للنساء مدخل في أحد الأمرين كذلك الآخر.
-
ولا يلزم على شيء مما ذكرنا القضاء في الحدود والقصاص؛ لأن التعليل بجواز القضاء في الجملة وتفصيل ما يجوز فيه لم يتعرض له.
-
ولأنها ولاية خاصة، فجاز أن يتولاها النساء كالوصية.
-
ولا تلزم الإمامة؛ لأنها ولاية عامة.
-
احتجوا: بما روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: (ما أفلح قوم وليتهم امرأة) ، وروي: (ولوا أمرهر امرأة) .
-
قلنا: هذا يقتضي ولاية الإجازة والإمامة ذكر الأمر المضاف إليهم العرف بهم وهذا يقتضي جميع الأمر.
-
ولأنه يقتضي المنع من ذلك، وولاية المرأة مكروهة، وولاية الرجل أولى منها.
-
قالوا: روى بريدة عن النبي - عليه السلام - أنه قال: (القضاة ثلاثة واحدة في الجنة واثنان في النار، رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فجار فيه فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار) .
-
وهذا يدل على أن جنس القضاة ثلاثة رجال.
-
قلنا: قد يذكر الرجال ويراد الجنس، كما قال - عليه السلام -: (الناس غاديان: مشتر نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها) . والمراد به الرجل والمرأة.
-
قالوا: روي أنه - عليه السلام - قال: (إذا ناب في الصلاة شيء فالتسبيح للرجال، والتصفيق للنساء) . فمنعها من التسبيح حتى لا يفتنن الرجال بها، فلأن تمنع من القضاء ومجاورة الخصوم والشهود أولى.
-
قلنا: الخبر دل على أن الأولى لها التصفيق،
-
وكذلك الأولى عندنا ألا تقضي فإن فعلت، فحياؤها يمنعها وتصرفها الذي تكلم الرجال فيه.
-
قالوا: من لا يجوز أن يكون قاضيًا في الحدود، لا يجوز أن يكون في غيرها، أصله: الأعمى.
-
قلنا: لا نمنع أن لا يقبل قولها في الحدود ويقبل قولها في غيرها، كما أن شهادتها لا تقبل في الحدود وتقبل في الأموال،
-
ولا يستدل بأحدهما على الآخر.
-
فأما الأعمى فنقصه أثر في منع شهادته، فأثر في قضائه. والمرأة نقصها لا يمنع شهادتها، كذلك لا يمنع قضاءها.
-
فإن قيل: الأعمى تقبل شهادته فيما طريقه الخبر، وفيمن ضبطه بأمر فشهد عليه وهو قابض عليه.
-
قلنا: كونها أنثى لم يمنع الشهادة إذا قيل في الأموال الشهادة مقبولة فيه بكل حال وليس في الحقوق حق يقبل شهادة الأعمى فيه يطلبه. وإنما يقول مخالفنا: إن شهادته مقبولة في حالة مخصوصة، والقضاء لا يتخصص بمثل تلك الحال.
-
فإن قيل: شهادة المرأة ليست كاملة، أقيمت مقام نصف شاهد،
-
فلا يجوز أن تجعل حاكمة كاملة.
-
قلنا: شهادتها عنانا كاملة فيما لا يطلع عليه الرجال، وهى شهادة الرجال وما يطلع عليه الرجال اعتبر في شهادتها عدد زائد، والعدد لا مدخل له في القضاء. ألا ترى أن الشهادات معتبر فيه العدد، والقضاء في سائر الحقوق يجوز من واحد؟.
-
قالوا: الحدود تدخل في ولاية القضاء،
-
ومن لا يصلح لبعض ما يتضمنه الولاية، لا يصلح لشيء منها.
-
قلنا: الولاية لا تجوز أن تقع خاصة؛ لأن القاضي يجوز أن يولى النظر في شيء دون شيء،
-
فإذا استثنى الشرع بعض ما تقضي فيه، جاز أيضًا كما لو استثنى نطقًا.
-
قالوا: لا تصلح للإمامة، فلا تصلح للقضاء.
-
قلنا: الإمامة ولاية عامة والقضاء ولاية خاصة، وقد يصلح للخاص ما لا يصلح للعام، كما تصلح المرأة عندهم للوصية ولا تصلح للإمامة والقضاء.
-
ولأن الإمام يفتقر إلى القيام بأمور لا تكمل لها النساء، وهى الحروب ولقاء العدو وتدبير البلاد، والقضاء يفتقر إلى العدالة والعلم، فهذا يوجد في النساء.
-
قالوا: قد كان في النساء من حضر الحروب وباشرها وحمل السلاح.
-
قلنا: لم يكن فيهن من جمع بين هذا وبين التدبير وسياسة البلاد والعلم بمصالح العامة.
-
قالوا: لا تصلح لإمامة الصلاة وهي أدون من القضاء؛ لأن الفسق لا يؤثر فيها، فلأن لا تصلح للقضاء أولى.
-
قلنا: عندنا تصلح أن تكون إمامة للنساء، وإنما لا تؤم الرجال عندنا؛ لأن صلاتهم خلفها وإلى جنبها فاسدة.
-
مجلس القاضي وجلوسه
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : لا يكره أن يجعل القاضي مجلسه في المسجد، وجلوسه في الجامع أولى.
-
وقال الشافعي رحمه الله: يكره أن يقصد ذلك ويتخذ مجلسًا،
-
فإن جلس للصلاة فجاءه خصوم نظر بينهم.
-
لنا: أن النبي - عليه السلام - كان يجلس في المسجد وينظر في أمور المسلمين ومصالحهم،
-
وكذلك الأئمة بعده، قال الشعبي: رأيت عمر يقضي ني المسجد. وقال الحسن: رأيت عثمان قد كوم كومة من الحصى في المسجد وجعل رداء عليه ونام، فجاء سقاء فوضع قربته وخاصم إليه رجلًا، فنظر بينهما.
-
فإن قيل: يجوز أن يكونوا جلسوا لغير الحكم، فاتفق حضور الخصمين.
-
قلنا: المنقول في عامة أحكامهم أنها كانت في المسجد، والاتفاق إنما يكون في الأول.
-
فإن قيل: روي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى القاسم بن عبد الرحمن أنه لا يقضي في المسجد. قالوا: وخلافه معتد به على الصحابة.
-
قلنا: عمر من تابع التابعين،
-
فلا يعتد بقوله على الصحابة.
-
ولأنه روي: لا يقضي في المسجد، فإنه يأتيك المشركون.
-
ومن مذهبه أن دخول المشرك المسجد لا يجوز، وعندنا لا يجلس في المسجد ليأتيه من لا يجوز له دخول المسجد.
-
ولأن القضاة من عصر النبي - عليه السلام - إلى وقتنا هذا يعتمدون الجلوس ني المسجد ويتخذونها محلًا للأحكام،
-
ولا ينكر ذلك منكر.
-
ولأنها عبادة طريقها الأقوال،
-
فلا يكره اعتماد فعلها في المسجد كالقراءة.
-
ولأن الجلوس في المسجد يصل معه جميع الناس إليه على وجه واحد،
-
ولا يصح فيه الحجاب ولا يقدم بعضهم على بعض، فكان أولى.
-
ولأنه موضع لا يكره أن يعتمد الاستخلاف فيه،
-
فلا يكره أن يعتمد الحكم فيه كالمشارك.
-
[احتجوا: مجا روى عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فقال: (أيها الناشد، غيرك الواجد) . وروي أنه قال: (لا وجدتها، إنما بني المساجد لذكر الله والصلاة) .
-
قلنا: إنشاد الضالة أمر مباح يمكن فعله خارج المسجد، والقضاء عبادة].
-
قالوا: مجلس الحكم يحضره الخلق الكثير اللغط والفاسد والتجارح، فيجنب المسجد ذلك.
-
قلنا: الفاسد الذي لا يحل يمنع منه القاضي، وما ليس بمحصور لا بأس به.
-
قالوا: يحضره الجنب والحائض والمجنون.
-
قلنا: أمر المسلمين محمول على الصحة. ولأنهم لا يدخلون المسجد على هذه الحال.
-
قالوا: فتتعذر على الحائض الحاكمة.
-
قلنا: لا يتعذر؛ لأن القاضي يؤخر حكمها إلى حين قيامه، أو يفوض أمرها إلى غيره لينظر بينها وبين خصمها.
-
قالوا: يقضي بالحد، ألا يجوز له أن يستوفيه في المسجد،
-
ولا ينبغي أن يؤخره عن حال وجوبه.
-
قلنا: ليس من شرط إقامة الحد مشاهدة الحاكم لاستيفائه، وهو يحكم به ويأمر من يخرج من السجد ليستوفيه، أو يخرج الحدود من المسجل ويجلس القاضي هي المسجد بحيث يشاهده كيف يضرب.
-
بيع القاضي وشراه في مجلس الحكم
-
قال محمد رحمه الله في الأصل: لا يبيع القاضي ولا يشتري في مجلس الحكم،
-
ولا بأس بذلك في غير مجلس الحكم.
-
وروى الحسن عن أبى حنيفة رحمه الله أنه يكره له أن يتولى ذلك بنفسه. وبه قال الشافعي رحمه الله.
-
لنا: أن أبا بكر الصديق لما بويع خرج إلى السوق يبيع، فعرضوا له الورق؛ فدل على أن البيع لا يكره.
-
ولأن الأئمة والأمراء كانوا يبيعون ويبتاعون،
-
ولو تركوا البيع والشراء لنقل نقلًا مستفيضًا.
-
ولا يقال لنقل؛ لأن البيع والشراء عادة مألوفة،
-
فإذا مضوا عليها لم يستغرب فينقل، وترك ذلك مستغرب،
-
فلو أطبقوا محليه لنقل.
-
وقد روي أن عليا اشترى قميصًا بثلاثة دراهم، وقال: الحمد الله الذي كساني من رياشه.
-
وروي أن عمارًا خرج من دار الإمارة، فابتاع قباء وحمله بنفسه، وماكس بائعه، فتجازبا حبلًا، حتى أخذ عمار نصفه وهو نصفه.
-
ولأنه عقد بعوض أبيح قبل القضاء،
-
فلا يكره بعده، أصله: النكاح. ولأنه عقد لا يكره أن يوكل به،
-
فلا يكره أن يعقده بنفسه، كالنكاح. ولأنه يجوز له أن يبيع لمن يلي عليه، فجاز أن يبيع لنفسه كالوصي.
-
احتجوا: بما روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: (ما عدل والٍ اتجر في رعيته) .
-
قلنا: هذا يدل على كراهة التجارة، والكلام في البيع والشراء،
-
فأما التجارة: فمشغلة عن النظر في الأحكام، فتضيع حقوق الناس.
-
قالوا: روي عن شريح أنه قال: شرط علي عمر حين ولاني لا أبيع ولا أشتري ولا أرتشي ولا أقضي وأنا غضبان.
-
قلنا: خص شريحًا بذلك؛ لأن أهل الكوفة كانوا يتجرمون على ولاتهم، فأراد أن يقطع مادة تحومهم، ولهذا لم ينقل أنه شرط على جميع ولاته كثرة عددهم، على أن عليًا وعمارًا مخالفان.
-
قالوا: الاشتغال بالتجارة يقطعه بعن الأحكام.
-
قلنا: إذا كان الإمام يوفيه رزقه،
-
فلا ينبغي له أن يتجر؛ لأن زمانه مستحق للمسلمين،
-
فلا يصرفه إلى غير مصالحهم.
-
وإذا لم يأخذ الرزق من بيت المال،
-
فلا بد له من التصرف، ليقيم أوده ويستغني عن غيره.
-
قالوا: قال الشافعي: جرت العادة أنه يحابي في البيع والشراء، والمحاباة تجري مجرى الهدية، ولا يجوز.
-
قلنا: يكره له أن يبيع ممن يجابيه،
-
فأما من يعلم أنه لا يجابيه فلا يكره.
-
البحث عن عدالة الشهود
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : يجوز للقاضي أن يحكم بشهادة الشهود وإن لم يعرف عدالتهم،
-
ولا يلزمه البحث عن باطنهم لم لا ي الحدود والقصاص وأن يطعن المشهود عليه فيهم.
-
وقال أبو يوسف ومحمد [رحمهما الله] : لا يحكم حتى يحث عن عدالتهم في الباطن. وبه قال الشافعي رحمه الله. قال أصحاب الشافعي: هل يعتبر في الإخبار العدالة الباطنة؟ فيه وجهان. قال: والمنصوص- وهو الصحيح في المذهب- أن النكاح ينعقد بشهادة من ظاهره العدالة.
-
فيها وجه آخر: أنه لا ينعقد لم لا بشهادة من يبحث عن عدالته في الباطن.
-
والكلام في هذه المسألة من طريقين، أحدهما: أن من أصحابنا من قال: لا خلاف فيها الآن، وإنما أجاب أبو حنيفة على عصره، وكانت العدالة ظاهرة على أهل زمانه، وقد عدلهم النبي - عليه السلام - بقوله: (خير القرون قرني الذي بعثت فيهم،
-
ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم،
-
ثم يفشو الكذب فيشهد الرجل قبل أن يستشهد) .
-
فأما بعده فلا يوجد فيهم هذا المعنى،
-
فلا بد من المسألة.
-
ومن أصحابنا من حمل المسألة على الخلاف، وقال: هذا الحكم باقٍ. واحتج بما روي أن أعرابيًا شهد عند النبي - عليه السلام - برؤية الهلال فقال: (أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟) قال: نعم. فقال: (الله أكبر، يكفي المسلمين أحدهم) . فاعتبر عدالة الإسلام.
-
فإن قيل: يجوز أن يكون سئل عن باطنه.
-
قلنا: حكم بشهادته في الحال، وأمر الناس بالصيام قبل أن تمضي مهلة المسألة، ويدل عليه قوله - عليه السلام -: (المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا محدود في فرية) . وهذا يدل على أن عدالة الإسلام تكفي.
-
وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الكتاب المشهور في القضاء وقال فيه: (المسلمون عدول بعضهم على بعض؛ إلا مجلود في حد) . وهذه قصة مشهورة في الصحابة؛ لأن المسألة عن الشهود أمر لم يكن في زمن السلف. قال ابن شبرمة: أنا أول من سأل عن الشهود، فلم يكن أحد يتحرى.
-
ولو كان ذلك شرطًا لم يتركه من تقدمه.
-
ولأن الظاهر من أمر المسلمين الصحة؛ ولأنهم لم يركبوا ما لا تسوغه الشريعة، وقد ندبه إلى اعتقاد ذلك فيهم، وجمل أمورهم عليه.
-
ومن حصل له هذا الضرب من التعديل، لم يعتبر معه تجويز ما يخالفه، كمن عدل للحاكم ني زمانه، ثم شهد بعده.
-
ولأن الظاهر أن الإنسان يبلغ غير مرتكب الكبيرة مع بلوغه، فيستفيد عدالة ني تلك الحالة، وجواز أن يحدث غير ذلك لا يعتبر، كمن عدله الحاكم في زمان، ثم يشهد بعده.
-
ولا يلزم إذا طعن؛ لأن العدالة حاصلة، وقد صار البحث حقًا له بمطالبته.
-
ولا تلزم الشهادة بالحدود والقصاص؛ لأنا لا نكتفي فيها بالعدالة حتى توجد عدالة بصفة، كما يعتبر شهود بصفة.
-
ولأنهما لو حضرا عقد النكاح انعقد بشهادتهما، فلم يقف الحكم بشهادتهما على البحث عن عدالتهما كمن عدله القاضي مرة.
-
فإن نازعوا في الوصف؛ فالدليل عليه إجماع الأمة على عقده من غير بحث عن حال من يحضره ولا مسألة عن باطن حاله [...] .
-
ولأن كل صفة لا تعتبر في الشاهد كالمسألة الثانية.
-
ولأن من جاز أن يقبل قوله إذا بحث عن باطنه، جاز أن يقبل قوله من غير بحث كالمخبر. والدليل على أن هذا الأصل: أن الأمة أطبقت على قبول أخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - فيمن ظاهره الخير، ولم يبحث أحد من الناس عن باطن الرواة ولا يسأل عنهم، فمن
-
زعم أنه لا يقبل الأخبار لم لا بمن بحث عن عدالته، خالف الإجماع.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم} . وقال: {ممن ترضون من الشهداء} .
-
قلنا: ذوا العدل عن جعلت له عدالة،
-
ومن كان مسلمًا، فله عدالة الإسلام. وإنما تزول بمخالفة الدين، وذلك لا يعلم، فالعدالة باقية.
-
كذلك قوله: {ممن ترضون} . المسلم الذي لم تظهر منه حرمة مرضي؛ لأن الله تعالى ذكر هذا في حال التحمل،
-
ولا خلاف أن عدالة الباطن لا تعتبر حال التحمل، فعلم أن المراد بذلك عدالة الظاهر.
-
قالوا: روي أن رجلين شهدا عند عمر، فقال لهما: أني لا أعرفكما،
-
ولا يضركما أني لا أعرفكما، فأتياني بمن يعرفكما. فجاءا برجل، فقال له: أترفهما؟ فقال: نعم. فقال: أكنت معهما في السفر الذي تتبين به جواهر الناس؟ فقال: لا، فقال: كنت جارهما تعرف صباحهما ومساءهما؟ فقال: لا، فقال: أعاملتهما بالدنانير والدراهم التي بهما تقطع الأرحام؟
-
قال: لا، قال: ابن أخي، إنك لا تعرفهما، قالوا: وهذا يدل على أن البحث والسؤال واجب.
-
قلنا: إنه حكاية حال، يحتمل أن تكون الشهادة في الحدود وهو الطاهر؛ لأنه طلب من الشهود التعديل،
-
ولو كان هناك خصم لالتمس منه التعديل. فلما التمس ذلك من الشاهد، دل على أن الشهود هم المدعون، وذلك لا يكون إلا في الحدود. على أن كتاب عمر إلى أبي موسى أظهر وأشهر، فيجب أن يرجع إلى ظاهر، ويحمل هذا على الحدود وذلك على بقية الحقوق.
-
قالوا: عدالة مشروطة في الحكم بالشهادة،
-
فإذا جهل الحاكم باطنها وجب السؤال عنها، أصله: عدالة الشهود في الحدود.
-
قلنا: جحود المشهود عليه بسبب الحد طعن على الشهود، والطعن لم ذا حصل ني غير الحدود وجبت المسألة، وليس كذلك الشهود في سائر الحدود.
-
ولأنه ليس بطعن، لجواز أن يصدق الشهود. ويصدق الخصم بأن يكون الدين قد
-
قضي أو أبرأ ذمته والعقد قد فسخ.
-
ولأن الحدود قد اعتبر فيها من الاحتياط ما لم يعتبر في غيرها، فيجوز أن تحصل عدالة الظاهر ويقف الحكم على معنى أخر، كما يحصل العدد الذي يقطع به في الحقوق، فتعتبر زيادة عدد أو صفة ليحكم به في الحدود.
-
قالوا: كل عدالة وجب السؤال عنها إذا طعن الخصم وجب،
-
وإن لم يطعن، كالعدالة في الحدود.
-
قلنا: إذا طعن الخصم، صارت المسألة حقا له،
-
وان لم يثبت قبل طعنه، كما أن العيب لم ذا ثبت وجب الرد به،
-
فإذا ادعى البايع رضا المشتري، وجب على الحاكم أن يسأله عن ذلك،
-
ولو لم تدع، لم يسأل.
-
قالوا: يجب عليه أن يسأل عن إيمانه، كذلك عن عدالته.
-
٣٢٤١٦: لا نسلم هذا؛ لأن الظاهر أنه من أهل دار الإسلام،
-
وإذا لم تكن هناك أمارة الكفر لم يجب السؤال،
-
وكذلك الحرية لا تحتاج أن يسأل عنها.
-
فإذا طعن الخصم بالكفر أو ادعى الرق، وجب اعتبار ذلك كما يعتبر في العدالة.
-
قبول الترجمة في الشهادة
-
قال أبو حنيفة رحمه الله: يقبل تعديل الواحد وترجمته، إذا لم يفهم القاضي لسان الشهود أو لسان الخصم.
-
وقال الشافعي رحمه الله: لا يقبل في الترجمة والتعديل إلا قول اثنين. قالوا: ويعتبر في التعديل لفظ الشهادة،
-
ولا يقبل تعديل والد لولده. واختلفوا في رسل القاضي في المسألة عن الشهود، فقال الإصطخري: يشهد الرسول؛ لأن بما يصح عندهما من قول الجيران. وقال ابن شريح: يستدعي القاضي اثنين من الجيران يسمع قولهما.
-
لنا: أن الترجمة والتعديل خبر وليس بشهادة، بدلالة أن الترجمة تقبل في شهود الخصم، والشهادة على النفي لا تصح، وتصح الترجمة عن الشهود بغير تحميل.
-
ولو كان قول المترجم شهادة، احتاج إلى تحميل شهود الأصل.
-
ولأن قول المترجم يقبل في إقرار المقر،
-
ولو كان شهادة لم يقبل مع الاعتراف؛ لأن الشهادة تسمع مع النفي.
-
ولأن قول المترجم يقبل أن المقر أقر بالزنى ويقام عليه الحد،
-
ولو كان شهادة لم يقبل إقراره.
-
ولأن القاضي استفاض عنده التعديل؛ جاز له أن يعمل به،
-
ولو كان مما يثبت بالشهادة لم يجز أن يعمل عليه خبرًا.
-
ولأن الاستيفاض كالأموال والساعات، وهذا لا شبهة فيه، لأنا نقطع بعدالة السلف، وطريق ذلك علمنا إياهم بالخبر.
-
وإذا ثبت أن التعديل والجرح خبر، لم يشرط
-
فيه عدد كأخبار النبي - عليه السلام -.
-
ولأن من جاز أن يقبل قوله في الخبر عن النبي - عليه السلام -، جاز أن تثبت التزكية والترجمة بقوله، أصله: الإثبات.
-
ولأن التزكية معنى يقف الحكم عليه، فجاز أن يقبل قول الواحد فيه كالخبر عن رسول الله.
-
ولا تلزم الشهادة؛ لأن شهادة الواحد تقبل عندنا في رؤية الهلال والولادة.
-
احتجوا: بأنه يقبل ما غاب عن الحاكم إليه فيما يختص بالحكم بين المتخاصمين أو فيما يجب عليه سماعه من المتخاصمين، فوجب أن يكون من شرطه العدد، أصله: الشهادات.
-
قلنا: يبطل بالخبر عن النبي - عليه السلام - في الحادثة المتنازع فيها.
-
فإن قيل: سماع الخبر لا يختص بالحكم، بل يجب سماعه لمعرفة الشرع.
-
قلنا: وكذلك التزكية يسمعها القاضي للحكم وليصل خبر المزكي عن رسول الله وليقلده القضاء وليئتمنه على الأموال. وأصلهم: الشهادة وهى غير مسلم؛ لأن العدد قد يعتبر فيها عندنا وقد لا يعتبر.
-
ولأن الناس بالشهادة، ولو استفاض لم يجز للقاضي العمل عليه حتى يشهد به، فجاز أن يكون فيه ما شرطه العدد والتزكية إذا استفاضت جاز أن يعمل عليها، فكذلك لم يكن من شرطها العدد.
-
قالوا: لو عدله اثنان وجرحه واحد، كان التعديل أولى،
-
فلو كان الجرح من الواحد صحيحًا، تقدم الجرح على التعديل، كما لو جرحه اثنان وعدله اثنان.
-
قلنا: إنما قدمنا التعديل؛ لأن قول الاثنين يقبل شهادة وخبرًا، وقول الواحد يقبل خبرًا لا شهادة، فكان قول من يقبل قوله في الوجهين أولى. وإنما عدله اثنان وجرحه اثنان فكل واحد من القولين يقبل خبرًا وشهادة فتساويا، فقدم الجرح؛ لأن الجارح عرف ما خفي على المعدل.
-
تعديل المرأة والعبد والمقذوف
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : تعديل النساء مقبول. وذكر الخصاف أنه يقبل تعديل العبد والمحدود في القذف.
-
وقال الشافعي رحمه الله: لا يقبل قول النساء في تعديل.
-
وهذا مبني على أن التعديل خبر، فيقبل فيه قول النساء كالخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن قولهن يقبل في الشهادة مع الرجال؛ فجاز أن يقبل في التعديل كالرجل.
-
ولأن ما لا تؤثر فيه الشبه، يقبل فيه قول النساء كالأموال.
-
ولأن قولهن مقبول في الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجاز أن يقبل قولهن في التعديل والجرح كالرجال.
-
احتجوا: بأن التعديل والجرح شهادة، وشهادة النساء لا تقبل عندهم إلا فيما كان المقصود منه المال أو لا يطلع عليه الرجال.
-
قلنا: هذان أصلان قد دللنا على إبطالهما.
-
الاكتفاء بقوله: هو عدل
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : إذا قال المزكي: فلان عدل. اكتفي القاضي بذلك في التعديل،
-
وكذلك إذا قال: ما علمت إلا خيرًا.
-
وقال الشافعي رحمه الله: لا يقبل في التعديل حتى يقول: عدل علي ولي. وقال الاصطخري: هذا تأكيد، ويكفي أن يقول: هو عدل. وقال المروزي: لا بد أن يقول: هو عدل لي وعلي.
-
لنا: ما روى وكيع عن مسعر عن حبيب بن أبي ثابت قال: سأل عمر رجلًا عن رجل، فقال: لا أعلم إلا الخير. فقال: حسبك.
-
وروى الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير: قال ابن عمر: إذا أنعم أن يمدح الرجل قال: ما علمت إلا خيرًا.
-
ولأن قوله: هو عدل يجمع سائر أسباب العدالة، وقوله: علي ولي: تفسير لما اشتملت عليه العدالة، وذلك لا يجب بيانه،
-
وإذا قال: ما علمت إلا خيرًا. فقد نفي ما سوى الخير وأثبت الخير، وهذا معنى التعديل.
-
احتجوا: بأن قوله: عدل. مجمل يحتاج إلى البيان.
-
قلنا: ليس كذلك، بل هو مفسر؛ لأن العدل من يجب قبول قوله ويسكن إلى أمانته،
-
فإن وجد التفسير بقوله: لي وعلي. وجب بسائر صفاته.
-
الجرح المبهم
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : يستحب للمزكي إذا أراد الجرح أن يقول: الله أعلم به.
-
ولا يبين سبب الجرح،
-
فإن يبين وقال: ليس بعدل، أو هو فاسق. لم يقبل القاضي الشهادة. وقال الخصاف: إذا عدل الرجل عند القاضي لم يقبل جرحه مجملًا حتى يبين سبب الجرح.
-
وقال الشافعي رحمه الله: لا يقبل الجرح حتى يبين.
-
لنا: أن الواجب الستر على عورات المسلمين، وإنما يحتاج المزكي إلى بدل التعديل حتى لا يقضي القاضي بقول من لا يجوز قبول قوله في شهادته،
-
فلا يجوز قبول قوله.
-
ولأنهم إذا قالوا: هو عدل جائز الشهادة لي وعلي. قبل القاضي ذلك،
-
وإن لم يفسر. والمعنى الذي تثبت به العدالة كذلك إذا قال: هو فاسق.
-
احتجوا: بأن الناس مختلفون في التفسيق، فيجوز أن يكون فسقًا عند المزكي، وليس بفسق عند القاضي.
-
قلنا: وكذلك يتباينون ني التعديل، فيكون الرجل عدلًا عند المزكي، وليس عدلًا عند القاضي.
-
ثم قال: هذا لا يصح؛ لأن المعاني المختلف في تأثيرها في الشهادة معروفة، والواجب حمل أمر المزكي على الصحة.
-
ولأنه لا يحمل القاضي ما يعلم أنه لو فسره لم يؤثر عنده، كما يحمل أمره في التعديل على الصحة، وأنه لا يحمل ما يجوز ألا يكون تعديلًا عنده.
-
قضاء القاضي بما علمه قبل الولاية
-
قال أبو حنيفة رحمه الله: ما علم القاضي قبل ولايته أو بعد ولايته ني غير عمله، لا يجوز أن يقضي به.
-
وقال أبو يوسف ومحمد [رحمهما الله] : يجوز أن يقضي به. وبه قال الشافعي رحمه الله في أحد قوليه.
-
لنا: أن محمله شهادة؛ لأنه لا يملك الحكم به عند سماعه،
-
فلا يجوز أن يحكم به كما لو كان حاكمًا فيمتنع الإقرار ثم عزله قبل الحكم.
-
ولأن الإقرار حكم لا يملك الحكم به عنا سماعه،
-
فلا يملك الحكم به وإن ولي الحكم، أصله: إذا سمع البينة.
-
فإن قيل: لا تكون بينة إلا بعد الدعوى،
-
ومن ليس بقاضٍ لا يسمع الدعوى.
-
قلنا: لو سمع الشهود يشهدون عنا قاضٍ بعد الدعوى،
-
ثم ولي القضاء، لم يجز الحكم بذلك السماع، ون كانت بينة صحيحة.
-
ولأن القول معنى لو طرأ بعل الإقرار، منع الحكم به فإذا [... السماع منع الحكم به] كالجنون والغفلة.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} .
-
قلنا: هذا نهي عن إتباع ما ليس يعلمه،
-
وأما إتباع ما يعلمه فهو دليل الخطاب. ولأن عندنا يتبع علمه فيشهد به، وليس في الآية ما يدل على جهات الإتباع.
-
وقوله تعالى: {كونوا قوامين بالقسط} . يدل على القيام بالقسط، وعندنا يقوم بأن يشهد به وهذا هو المراد. ولأنه قال: شهد الله.
-
قالوا: روي عن عبادة بن الصامت أنه قال: بايعنا النبي - عليه السلام - بالسمع والطاعة ني المنشط والمكره، وألا ننازع الأمر أهله،
-
وأن نقول- أو نقوم- بالحق حيث كنا لا نخاف في الله لومة لائم.
-
قلنا: يجب عليه أن يقوم بالحق، فيشهد به، ويقول الحق فيخبر بما يعلم، والكلام في إمضاء الحكم، وليس يدل الخبر عليه.
-
قالوا: روى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يمنع أحدكم هيبة الناس أن يقول في حق إذا رآه أو سمعه) .
-
قلنا: عندنا يقول الحق بشهادة،
-
ولا يتهيب الناس فقد قلنا: بظاهر الخبر.
-
قالوا: روت أم سلمة عن النبي - عليه السلام - أنه قال: (إنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع) .
-
قلنا: النبي كان يملك الحكم عند هذا القول. وقوله: (بما أسمع) . يقتضي ما يقبل من السماع.
-
قالوا: لأنه حاكم عالم يصدق المدعي فيما يدعيه،
-
فإذا سأله أن يحكم به؛ جاز له الحكم، أصله: إذا علم به في ولايته.
-
قلنا: يبطل بالحدود وبما علم من حقوق والده وولده.
-
قالوا: يحترز عن الحدود، فيقول فيما لم يضر بستره.
-
قلنا: أمره بالستر لم يمنع الحكم بالشهادة، كذلك لا يمنع بعلمه؛
-
لأنهما سواء عندهم. والمعنى فيما علم حال القضاء، أنه يملك الحكم به عقيب علمه. وفي مسألتنا لا يملك الحكم به عند العلم ولا حال القضاء يجوز أن يحكم بسماع البينة قبلها، فيجوز أن يحكم بالإقرار ما قبل القضاء،
-
فلو سمع البينة لم يملك الحكم بها بعد الولاية كذلك الإقرار.
-
قالوا: لو سمع رجلاً يطلق امرأته ثلاثًا أو يعتق أمته ثم ولي القضاء، وجحد الرجل، هل تسلم إليه الزوجة والأمة حتى يطأهما وطأ حرامًا؟.
-
قلنا: بل يحول بينه وبينها،
-
ولا يحكم بالطلاق ولا العتق.
-
قالوا: لو علم عدالة الرجل،
-
ثم ولي القضاء، جاز أن يحكم بشهادته لما علمه منه قبل ولاية القضاء.
-
قلنا: ليس هذا حكم بالعدالة؛ لأن القاضي لا يقضي بها، وإنما يقضي بالشهادة إذا كان الشاهد بصفة مخصوصة،
-
فلا فرق بين حصول العلم بالصفة في تلك الحال أو قبلها، كما أنه يحكم بما سمعه من أخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو سعها حال الولاية أو قبلها؛ لأن الخبر لا يحكم به. وإنما يحكم بالدعوى إذا كانت على صفة وجعلت الصفة قبل الحكم.
-
قضاء القاضي بما علمه قبل الولاية في الحدود
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : يجوز للقاضي أن يقضي بما علمه في حال القضاء إلا في الحدود.
-
وقال الشافعي رحمه الله: لا يجوز. في أحد قوليه.
-
لنا: أنه لو لم يقبل قوله، يجوز الاقتصار على قاضً واحد؛ لأن ذلك يؤدي إلى تضييع الحقوق، ألا ترى أن المتحاكمين يحضران وليس عنده شاهد، فيقر أحدهما ثم يجحد الآخر،
-
فلا يقبل قوله؛ لأنه أقر فلما اقتصر على قاضٍ واحد في سائر الأعصار دل على أن قوله مقبول.
-
ولأن قوله مقبول في مذهبه وفي عدالة الشاهد، وصحة الحكم تقف على ذلك، كذلك يقبل قوله في إقرار المقر؛ لأن صحة الحكم تقف عليه.
-
احتجوا: بأنه قضى بعلمه، فلا يجوز كالحدود.
-
قلنا: الحدود هو الطالب بها والمستوفي لها،
-
فلا يقبل قوله فيها كحقوق نفسه. وليس كذلك ما سواها؛ لأن الاستيفاء لا يثبت له؛ فجاز أن يرجع إلى قوله فيها كما يرجع إليه إذا أخبر بعدالة الشهود.
-
قضاء القاضي بعلمه في الحدود
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : لا يقضي القاضي بعلمه في الحدود استحسانًا.
-
وقال الشافعي رحمه الله في أحد قوليه: يجوز أن يقيمها بعلمه.
-
لنا: قوله تعالى {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} . فدل على أن القاضي يقيم الحد على القاذف إذا عجز عن الشهادة،
-
وان كان يعلم صدق القاذف. وقال - صلى الله عليه وسلم - في قصة امرأة هلال بن أمية: (إن جاءت على صفة كذا؛ فهو لشريك بن سحماء) . فجاءت به على الصفة المكروهة، فلم يقم الحد عليها.
-
ولو جاز أن يقيم الحد بعلمه لأقامه، ويدل عليه إجماع الصحابة.
-
وروي عن أبي بكر أنه قال: لو رأيت رجلًا أتى حدًا من حدود الله، لم أقم عليه إلا أن يشهد عندي شهود.
-
وروي أن عمر شاور عبد الرحمن بن عوف فقال: أرأيت لو رأيت رجلًا يأتي حدًا من حدود الله تعالى أكنت تقيمه؟ قال: لا، حتى يكون معك غيرك. فقال: وأنا أرى مثل ذلك. وروي أن معاوية سأل ابن عباس، فأجاب بمثل ذلك.
-
ولا يعرف لهم مخالف.
-
ولأنه حق استيفاؤه إليه،
-
فلا يكون عليه فيه حجة، أصله: حقوق نفسه. ولأن المطالبة بها إليه، فقوله فيها ليس بحجة كقول الوكيل.
-
احتجوا: بأن الشهادة تثبت الظن،
-
ويجوز أن يحكم بها، فلأن يحكم بالعلم أولى.
-
قلنا: الظن في قوله مائة عبد أقوى من الظن في شهادة حرين،
-
ثم يجوز أن يحكم بقول الحرين ولا يقضي بقول العبيد مع قوة الظن.
-
فإن قيل: إن كان لا يقتضي بعلمه؛ لأن الاستيفاء إليه، فيجب ألا يحكم فيها بالبينة كما لا يقضي في حقوق نفسه.
-
قلنا: حكمه بالشهادة والإقرار موضع تدعو الحاجة إليه، إذ لو نقض بذلك لم يمكن ثبرتها أبدًا. وحكمه بعلمه فيها لا تدعو إليه ضرورة،
-
فأما حقوق نفسه: فلا حاجة تدعو إليها، لأنا إذا لم نجوز حكمه فيها، أمكن أن يحكم فيها الإمام أو يحكم قاضٍ غيره.
-
حكم القاضي على غائب
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : لا يجوز للقاضي أن يقضي على غائب حتى يحضر، أو يحضر من يقوم مقامه بأمره، أو من يقوم مقامه حكمًا.
-
وقال الشافعي رحمه الله: يجوز القضاء على الغائب عن المصر بالبينة،
-
وإذا كان فيه حاضرًا فيه وجهان.
-
لنا: ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعلي - رضي الله عنه - حين بعثه إلى اليمن: (لا تقض لأحد الخصمين حتى تسمع من الآخر) . وهذا نص في منع الحكم على الغائب؛ لأنه لم يسمع قوله.
-
قالوا: روي أنه قال: (إذا حضرك الخصمان وإذا جلس إليك الخصمان) .
-
قلنا: لا يخلو إما أن يكونا خبرين أو خبر واحد،
-
فإن كانا خبران استعملناهما وقلنا: إذا حضرا، لم يجز القضاء لأحدهما قبل سماع قول الآخر بأحد الخبرين،
-
وإذا غاب أحدهما لم يقض بالخبر العام الآخر.
-
وان كانا خبرًا واحدًا، فالأشبه أن يكون أصله خبرنا؛ لأنه عام، والراوي يجوز أن يسمع العام فيروي الخاص؛ لأنه بعض ما سمع،
-
ولا يجوز أن يسمع الخاص فيروى العام لأنه كذب.
-
ولأن الخبر الذي رووه دليل عليهم؛ لأنه جعل العلة التي يجوز القضاء معها سماع قول الآخر، وما بعده للغاية
-
بخلاف ما قبلها، فاقتضى الخبر أنهما إذا حضرا فسمع الدعوى وغاب المدعى عليه قبل سماع قوله أنه لا يجوز القضاء، وهذا خلاف قولهم.
-
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا منع أن يقضي للمدعي إذا حضر خصمه قبل سماع قوله مع مشاهدة المدعى عليه لدعوى خصمه وسماعه لحجته ويسأله عن الطعن فيها، فلأن لا يحكم على الغائب مع أنه لو يعرف ما عنده من الطعن والاعتراض أولى.
-
قالوا: قوله: (إذا حضرك الخصمان،
-
فلا تقض لأحدهما) . دليله إذا غاب أحدهما قضى للآخر قبل سماع قول خصمه.
-
قلنا: ليس من أصلنا القول. ولأنا بينا أن ذكر حضور الخصمين تنبيه على حال غيبة أحدهما من حيث الأولى.
-
قالوا: قوله: (ولا تقض لأحد الخصمين حتى تسمع من الآخر) . يقتضي حضورهما؛ لأنه سماهما خصمين، وذلك لا يكون مع عدم المخاصمة.
-
قلنا: لم يرد - صلى الله عليه وسلم - حقيقة المخاصمة؛ لأنه سماه خصمًا قبل أن يستمع قول المدعى عليه،
-
ويجوز أن يقر فلا يكون خصمًا مع أنه أراد المجاز دون الحقيقة، ويدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم - (البينة على المدعى، واليمين على المدعى عليه) . فأثبت البينة في جهة المدعي،
-
ولا يكون مدعيًا حتى يجحد خصمه، ونحن لا نعلم أن الغائب ينكر،
-
فلا يكون الحاضر مدعيًا فلا تسمع بينته.
-
ولأن البينة معنى يختص بالحاكم، فغيبة الخصم تمنع الحكم بها ابتداء، أصله: اليمين.
-
فإن قيل: اليمين حق المدعي، لا تثبت إلا بمطالبته،
-
فلا يحكم بها [في غيبته؛ لأنه مستحق، لها كما أن البينة لما كانت حقًا للمدعي لم تثبت مع غيبته] .
-
[قلنا: وقد تكون اليمين ... أقام البينة مع غيبة ... وهذه اليمين ...] .
-
ولأن اليمين قد تكون عندهم حقا للمدعي إذا نكل خصمه عن اليمين،
-
ثم لا نسع هذه الحجة مع غيبة خصمه.
-
فإن قالوا: إنما تكون اليمين حجة، إذا نكل المدعى عليه.
-
قلنا: وكذلك البينة إنما تكون حجة إذا كان هناك خصم جاحد،
-
فأما إذا كان مقرا: فليست بحجة، ونحن نجوز أن يكون مقرًا.
-
ولأن صحة الحكم تتعلق بمقضي عليه،
-
فإذا منعت غيبة المقضي له الحكم ابتداء،
-
كذلك غيبة المقضي عليه يجب أن تمنع ابتداء الحكم.
-
ولأن تعلق البينة بالقضاء عليه أكد من تعلقها بالمدعي؛ بدلالة أنه ليس في الأصول بينة إلا على مدعي عليه، وقد يكون بينات لا مدعي لها وهي البينات إذا قامت بالحدود،
-
فإذا أثرت عند المدعي في الحكم ابتداًء، فلأن يؤثر غيبة المدعى عليه أولى.
-
فإن قيل: صحة الحكم يعتبر فيه المدعي والمدعى عليه، والعين المدعاة لا يجب إحضارها لسماع البينة عليها،
-
ثم غيبتها لا تمنع سماع البينة.
-
قلنا: إذا غابت العين المدعاة فإن البينة [تسمع عندنا على قيمتها وهي الدية.
-
فإن قيل: غيبة ...] البينة على كفيله،
-
وإذا حضر الشفيع فادعى على المشتري عنه أنه اشترى الدار من يد الغائب، وأقام البينة، قضى بالشفيع على الغائب، وبمثله لا يحكم له مع غيبته.
-
قلنا: نحن قلنا: إن غيبته تمنع الحكم عليها، وهاهنا وقع الحكم على الكفيل والمشتري وتعدى ذلك إلى الغائب، فلم يتوجه الحكم ابتداء عليه، وبمثله نقول: إن غيبة المدعي تمنع الحكم له ابتداء،
-
ويجوز أن يتصل الحكم بحق غيره فيحكم له مع غيبته كالمشتري إذا ادعى أنه ابتاع هذا العبد من فلان الغائب وهو يملكه، والمودع إذا. أقام البينة أن هذه الدابة وديعة في يده لفلان الغائب حتى يأذن له القاضي في الإنفاق عليها ويجعل النفقة دينًا على الغائب.
-
فإن قيل: لو حضرا جميعًا لم يجز أن يقضي بالبينة إلا بعد طلب المدعي،
-
ويجوز أن يقضي بها مع كراهة المدعي عليه، كذلك مع غيبته.
-
قلنا: لا يحكم بها وإن سأله المدعي إلا أن يكون خصمه جاحدًا عند السماع والحكم،
-
فإن أقر في إحدى الحالتين لم يتعلق بالبينة حكم،
-
فإذا كان غائبا، لم يعلم جحوده فلا يقضي بالبينة.
-
أهل القضاء: عدل ذكر فطن مجتهد إن وجد
-
وإلا: فأمثل مقلد
-
وزيد للإمام الأعظم: قرشي
-
فحكم بقول مقلده
-
وَنَفَذَ حُكْمُ: أَعْمَى وَأَبْكَمَ وَأَصَمَّ:
-
وَوَجَبَ عَزْلُهُ
-
ولزم المتعين أو الحائف فِتْنَةً: إنْ لَمْ يَتَوَلَّ أَوْ ضَيَاعَ الْحَقِّ: القبول والطلب
-
وأجبر وإن بضرب
-
وإلا فله الهرب - وإن عين -
-
وحرم لجاهل وطالب دنيا
-
وندب ليشهر علمه:
-
كَوَرِعٍ غَنِيٍّ حَلِيمٍ نَزِهٍ نَسِيبٍ مُسْتَشِيرٍ: بِلَا دَيْنٍ وَحَدٍّ
-
وَزَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ
-
وَبِطَانَةِ سُوءٍ
-
ومنع الراكبين معه والمصاحبين له
-
وتحفيف الأعوان
-
واتخاذ من يجبره بما يقال في سيرته وحكمه وشهوده
-
وَتَأْدِيبُ مَنْ أَسَاءَ عَلَيْهِ
-
إلَّا فِي مِثْلِ اتق الله في أمري: فليرفق به
-
وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ إلَّا لِوُسْعِ عَمَلِهِ فِي جِهَةٍ بعدت من علم ما استخلف فيه
-
وَانْعَزَلَ بِمَوْتِهِ
-
لَا هُوَ بِمَوْتِ الْأَمِيرِ وَلَوْ الخليفة
-
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَهُ: أَنَّهُ قَضَى بِكَذَا
-
وَجَازَ تَعَدُّدُ مُسْتَقِلٍّ أَوْ خَاصٍّ بِنَاحِيَةٍ أَوْ نوع
-
وَالْقَوْلُ لِلطَّالِبِ
-
ثُمَّ مَنْ سَبَقَ رَسُولُهُ
-
وَإِلَّا أقرع
-
كالادعاء
-
وَتَحْكِيمُ غَيْرِ: خَصْمٍ وَجَاهِلٍ وَكَافِرٍ وَغَيْرِ مُمَيِّزٍ: في مال وجرح
-
لا حد ولعان وقتل وولاء ونسب وطلاق وعتق
-
ومضى إن حكم صوابا وأدب
-
وصبي وَعَبْدٍ وَامْرَأَةٍ وَفَاسِقٍ ثَالِثُهَا إلَّا الصَّبِيَّ وَرَابِعُهَا إلا وفاسق
-
وضرب خصم لد
-
وَعَزْلُهُ لِمَصْلَحَةٍ
-
وَلَمْ يَنْبَغِ إنْ شُهِرَ عَدْلًا بمجرد شكية
-
وليبرأ عن غير سخط
-
وخفيف تعزير بمسجد
-
لا حد
-
وَجَلَسَ بِهِ بِغَيْرِ عِيدٍ وَقُدُومِ حَاجٍّ وَخُرُوجِهِ ومطر ونحوه
-
واتخاذ حاجب وبواب
-
وَبَدَأَ بِمَحْبُوسٍ
-
ثُمَّ وَصِيٍّ وَمَالِ طِفْلٍ وَمَقَامٍ
-
ثم ضال
-
وَنَادَى بِمَنْعِ مُعَامَلَةِ يَتِيمٍ وَسَفِيهٍ وَرَفَعَ أَمْرَهُمَا إليه
-
ثم في الخصوم
-
وَرَتَّبَ كَاتِبًا عَدْلًا شَرْطًا:
-
كَمُزَكٍّ
-
وَاخْتَارَهُمَا
-
وَالْمُتَرْجِمُ: مخبر:
-
كالمحلف
-
وأحضر العلماء أو شاورهمم
-
وشهودا
-
وَلَمْ يُفْتِ فِي خُصُومَةٍ
-
وَلَمْ يَشْتَرِ بِمَجْلِسِ قَضَائِهِ:
-
كَسَلَفٍ وَقِرَاضٍ وَإِبْضَاعٍ
-
وَحُضُورِ وَلِيمَةٍ
-
إلَّا النكاح
-
وَقَبُولُ هَدِيَّةٍ وَلَوْ كَافَأَ عَلَيْهَا
-
إلَّا مِنْ قريب
-
وهدية مَنْ اعْتَادَهَا قَبْلَ الْوِلَايَةِ وَكَرَاهَةِ حُكْمِهِ فِي مَشْيِهِ أَوْ مُتَّكِئًا وَإِلْزَامِ يَهُودِيٍّ حُكْمًا بِسَبْتِهِ وَتَحْدِيثِهِ بِمَجْلِسِهِ لِضَجَرٍ وَدَوَامِ الرِّضَا فِي التَّحْكِيمِ للحكم قولان
-
وَلَا يَحْكُمُ مَعَ مَا يُدْهِشُ عَنْ الْفِكْرِ
-
ومضى
-
وعذر شاهد زور في الملإ بنداء
-
ولا يحلق رأسه أو لحيته
-
ولا يسخمه
-
ثُمَّ فِي قَبُولِهِ تَرَدُّدٌ
-
وَإِنْ أُدِبَّ التَّائِبُ: فأهل
-
وَمَنْ أَسَاءَ عَلَى خَصْمِهِ أَوْ مُفْتٍ أَوْ شاهد
-
لا بشهدت بباطل:
-
كلخصمه: كذبت
-
وليسو بين الخصمين وإن مسلما وكافرا
-
وَقَدَّمَ الْمُسَافِرَ وَمَا يَخْشَى فَوَاتَهُ
-
ثُمَّ السَّابِقَ
-
قَالَ: وَإِنْ بِحَقَّيْنِ بِلَا طُولٍ
-
ثُمَّ أَقْرَعَ
-
وَيَنْبَغِي أَنْ يُفْرِدَ وَقْتًا أَوْ يَوْمًا لِلنِّسَاءِ:
-
كالمفتي والمدرس
-
وَأَمْرُ مُدَّعٍ تَجَرَّدَ قَوْلُهُ عَنْ مُصَدِّقٍ بِالْكَلَامِ
-
وإلا فالجالب
-
وإلا أقرع
-
فيدعي بمعلوم محقق
-
قال: وكذا شيء
-
وإلا لم تسمع: كأظن
-
وَكَفَاهُ بِعْت وَتَزَوَّجْت وَحُمِلَ عَلَى الصَّحِيحِ
-
وَإِلَّا فليسأله الحاكم عن السبب
-
ثُمَّ مُدَّعًى عَلَيْهِ تَرَجَّحَ قَوْلِهِ بِمَعْهُودٍ أَوْ أصل
-
بجوابه إنْ خَالَطَهُ بِدَيْنٍ أَوْ تَكَرُّرِ بَيْعٍ
-
وَإِنْ بشهادة امرأة
-
لا بينة جرحت
-
إلَّا الصَّانِعَ
-
وَالْمُتَّهَمَ
-
وَالضَّيْفَ
-
وَفِي مُعَيَّنٍ
-
وَالْوَدِيعَةَ عَلَى أَهْلِهَا
-
وَالْمُسَافِرَ عَلَى رُفْقَتِهِ
-
وَدَعْوَى مَرِيضٍ أو بائع على حاضر المزايدة
-
فإن أقر فله الإشهاد عليه
-
وللحاكم: تنبيهه عليه
-
وَإِنْ أَنْكَرَ: قَالَ: أَلَك بَيِّنَةٌ
-
فَإِنْ نَفَاهَا واستحلفه: فلا بينة
-
إلا لعذر: كنسيان
-
أو وجد ثانيا
-
أو مع يمين لم يره الأول
-
وَلَهُ يَمِينُهُ أَنَّهُ لَمْ يُحَلِّفْهُ أَوَّلًا
-
قَالَ: المازري وكذا أنه عالم بفسق شهوده
-
وأعذر إليه: بأبقيت لك حجة؟
-
وندب توجيه متعدد فيه
-
إلَّا الشَّاهِدَ بِمَا فِي الْمَجْلِسِ وَمُوَجِّهَهُ وَمُزَكِّيَ السِّرِّ وَالْمُبَرِّزَ بِغَيْرِ عَدَاوَةٍ وَمَنْ يُخْشَى مِنْهُ
-
وأنظره لها باجتهاده
-
ثم حكم: كنفيها
-
وليجب عن المجرح
-
ويعجزه إلَّا فِي دَمٍ وَحَبْسٍ وَعِتْقٍ وَنَسَبٍ وَطَلَاقٍ
-
وكتبه
-
وَإِنْ لَمْ يُجِبْ: حُبِسَ وَأُدِّبَ ثُمَّ حُكِمَ بلا يمين
-
ولمدعى عليه السؤال عن السبب
-
وَقُبِلَ نِسْيَانُهُ بِلَا يَمِينٍ
-
وَإِنْ أَنْكَرَ مَطْلُوبُ المعاملة: فالبينة ثم لا تقبل بينة بالقضاء
-
بخلاف: لا حق لك علي
-
وَكُلُّ دَعْوَى لَا تَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ فَلَا يَمِينَ بمجردها ولا ترد:
-
كنكاح
-
وَأَمَرَ بِالصُّلْحِ: ذَوِي الْفَضْلِ وَالرَّحِمِ:
-
كَأَنْ خَشِيَ تفاقم الأمر
-
وَلَا يَحْكُمُ لِمَنْ لَا يَشْهَدُ لَهُ عَلَى المختار
-
وَنُبِذَ حُكْمُ جَائِرٍ وَجَاهِلٍ لَمْ يُشَاوِرْ
-
وَإِلَّا تُعُقِّبَ وَمَضَى غَيْرُ الْجَوْرِ
-
وَلَا يُتَعَقَّبُ حُكْمُ العدل العالم
-
وَنُقِضَ وَبُيِّنَ السَّبَبُ مُطْلَقًا مَا خَالَفَ قَاطِعًا أو جلى قياس:
-
كَاسْتِسْعَاءِ مُعْتَقٍ
-
وَشُفْعَةِ جَارٍ
-
وَحُكْمٍ عَلَى عَدُوٍّ
-
أو بشهادة كافر
-
أو ميراث ذي رحم أو مولى أسفل
-
أو بعلم سَبْقَ مَجْلِسِهِ
-
أَوْ جُعِلَ بَتَّةً وَاحِدَةً
-
أَوْ أَنَّهُ قَصَدَ كَذَا فَأَخْطَأَ بِبَيِّنَةٍ
-
أَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ قَضَى بِعَبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ أَوْ صَبِيَّيْنِ أو فاسقين:
-
كَأَحَدِهِمَا:
-
إلَّا بِمَالٍ فَلَا يُرَدُّ إنْ حَلَفَ
-
وإلا أخذ منه إن حلف
-
وحلف في القصاص خمسين مع عاصبه
-
وإن نكل: ردت
-
وَغَرِمَ شُهُودٌ عَلِمُوا
-
وَإِلَّا فَعَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ
-
وفي القطع: حلف المقطوع أنها باطلة
-
وَنَقَضَهُ هُوَ فَقَطْ إنْ ظَهَرَ أَنَّ غَيْرَهُ أَصْوَبُ
-
أَوْ خَرَجَ عَنْ رَأْيِهِ أَوْ رَأْيِ مقلده
-
ورفع الخلاف
-
لا أحل حراما
-
ونقل ملك وفسخ عقد وتقرر نكاح بلا ولي: حكم
-
لا أجيزه
-
أو أفتى
-
وَلَمْ يَتَعَدَّ لِمُمَاثِلٍ
-
بَلْ إنْ تَجَدَّدَ فَالِاجْتِهَادُ
-
كفسخ برضع كبير
-
وتأبيد منكوحة عدة وهي كغيرها في المستقبل
-
ولا يدعو لصلح إن ظهر وجهه
-
وَلَا يَسْتَنِدُ لِعِلْمِهِ
-
إلَّا فِي التَّعْدِيلِ وَالْجَرْحِ:
-
كالشهرة بذلك
-
أو إقرار الخصم بالعدالة
-
وَإِنْ أَنْكَرَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ إقْرَارَهُ بَعْدَهُ لَمْ يفده
-
وَإِنْ شَهِدَا بِحُكْمٍ نَسِيَهُ أَوْ أَنْكَرَهُ: أَمْضَاهُ
-
وَأَنْهَى لِغَيْرِهِ بِمُشَافَهَةٍ إنْ كَانَ كُلٌّ بِوِلَايَتِهِ
-
وبشاهدين مطلقا
-
وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ خَالَفَا كِتَابَهُ
-
وَنَدْبُ خَتْمِهِ
-
ولم يفد وحده
-
وأديا وإن عند غيره
-
وَأَفَادَ إنْ أَشْهَدَهُمَا أَنَّ مَا فِيهِ حُكْمُهُ أو خطه
-
كالإقراري
-
وَمَيَّزَ فِيهِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ مِنْ اسْمٍ وحرفة وغيرهما
-
ينفذ الثاني وبنى
-
كأن نقل لخطة أخرى
-
وَإِنْ حَدًّا
-
إنْ كَانَ أَهْلًا أَوْ قَاضِيَ مصر
-
وإلا فلا:
-
كأن شاركه غيره وإن ميتا
-
وإن لم يميز: ففي إعدائه أو لا حتى يثبت أحديته: قولان
-
والقريب: كالحاضر
-
والبعيد: كإفريقية يقضى عليه بيمين القضاء
-
وسمى الشهود
-
وإلا نقض
-
والعشرة أَوْ الْيَوْمَانِ مَعَ الْخَوْفِ يُقْضَى عَلَيْهِ مَعَهَا في غير استحقاق العقار
-
وحكم بما يتميز غائبا بالصفة: كدين
-
وَجَلَبَ الْخَصْمَ بِخَاتَمٍ أَوْ رَسُولٍ إنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى
-
لَا أَكْثَرَ: كَسِتِّينَ مِيلًا إلا بشاهد
-
ولا يزوج امرأة ليست بولايته
-
وَهَلْ يَدَّعِي حَيْثُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبِهِ عُمِلَ؟ أو المدعى وأقيم منها
-
وَفِي تَمْكِينِ الدَّعْوَى لِغَائِبٍ بِلَا وَكَالَةٍ؟ تَرَدُّدٌ.
-
هو فرض كفاية
-
فإن تعين لزمه طلبه
-
وإلا فإن كان غيره أصلح وكان يتولاه فللمفضول القبول
-
وقيل: لا
-
ويكره طلبه
-
وقيل: يحرم
-
وإن كان مثله فله القبول
-
ويندب الطلب إن كان خاملا يرجو به نشر العلم أو محتاجا إلى الرزق
-
وإلا فالأولى تركه.
-
قلت: ويكره على الصحيح والله أعلم
-
والاعتبار في التعيين وعدمه بالناحية
-
وشرط القاضي مسلم مكلف حر ذكر عدل سميع بصير ناطق كاف مجتهد
-
وهو أن يعرف من القرآن والسنة ما يتعلق بالأحكام وخاصه وعامه ومجمله ومبينه وناسخه ومنسوخه ومتواتر السنة وغيره والمتصل والمرسل وحال الرواة قوة وضعفا ولسان العرب لغة ونحوا وأقوال العلماء من الصحابة فمن بعدهم إجماعا واختلافا والقياس بأنواعه
-
فإن تعذر جمع هذه الشروط فولى سلطان له شوكة فاسقا أو مقلدا نفذ قضاؤه للضرورة.
-
ويندب للإمام إذا ولى قاضيا أن يأذن له في الاستخلاف
-
فإن نهاه لم يستخلف
-
فإن أطلق استخلف فيما لا يقدر عليه
-
لا غيره في الأصح
-
وشرط المستخلف كالقاضي
-
إلا أن يستخلف في أمر خاص كسماع بينة فيكفي علمه بما يتعلق به
-
ويحكم باجتهاده وأو اجتهاد مقلده إن كان مقلدا
-
ولا يجوز أن يشرط عليه خلافه
-
ولو حكم خصمان رجلا في غير حد الله تعالى جاز مطلقا بشرط أهلية القضاء
-
وفي قول لا يجوز
-
وقيل: بشرط عدم قاض بالبلد.
-
وقيل: يختص بمال دون قصاص ونكاح ونحوهما
-
ولا ينفذ حكمه إلا على راض به
-
فلا يكفي رضا قاتل في ضرب دية على عاقلته
-
وإن رجع أحدهما قبل الحكم امتنع الحكم
-
ولا يشترط الرضا بعد الحكم في الأظهر
-
ولو نصب قاضيين في بلد وخص كلا بمكان أو زمان أو نوع جاز
-
وكذا إن لم يخص في الأصح
-
إلا أن يشترط اجتماعهما على الحكم.
فصل
-
جن قاض أو أغمي عليه أو عمي أو ذهبت أهلية اجتهاده وضبطه بغفلة أو نسيان لم ينفذ حكمه
-
وكذا لو فسق في الأصح
-
فإن زالت هذه الأحوال لم تعد ولايته في الأصح
-
وللإمام عزل قاض ظهر منه خلل أو لم يظهر وهناك أفضل منه أو مثله وفي عزله به مصلحة كتسكين فتنة وإلا فلا
-
لكن ينفذ العزل في الأصح
-
والمذهب أنه لا ينعزل قبل بلوغه خبر عزله
-
وإذا كتب الإمام إليه إذا قرأت كتابي فأنت معزول فقرأه انعزل
-
وكذا إن قرىء عليه في الأصح
-
وينعزل بموته وانعزاله من أذن له في شغل معين كبيع مال ميت
-
والأصح انعزال نائبه المطلق إن لم يؤذن له في استخلاف أو قيل: استخلف عن نفسك أو أطلق
-
فإن قال استخلف عني فلا
-
ولا ينعزل قاض بموت الإمام
-
ولا ناظر اليتيم ووقف بموت قاض
-
ولا يقبل قوله بعد انعزاله حكمت بكذا
-
فإن شهد مع آخر بحكمه لم يقبل على الصحيح
-
أو بحكم حاكم جائر الحكم قبلت في الأصح
-
ويقبل قوله قبل عزله حكمت بكذا
-
فإن كان في غير محل ولايته فكمعزول.
-
ولو ادعى شخص على معزول أنه أخذ ماله برشوة أو شهادة عبدين مثلا أحضر وفصلت خصومتهما
-
وإن قال حكم بعبدين ولم يذكر مالا أحضر
-
وقيل: لا حتى تقوم بينة بدعواه
-
فإن حضر وأنكر صدق بلا يمين في الأصح.
-
قلت: الأصح بيمين والله أعلم
-
ولو ادعى على قاض جور في حكم لم يسمع
-
وتشترط بينه
-
وإن لم تتعلق بحكمه حكم بينهما خليفته أو غيره.
فصل
-
ليكتب الإمام لمن يوليه
-
ويشهد بالكتاب شاهدين يخرجان معه إلى البلد يخبران بالحال
-
وتكفي الاستفاضة في الأصح
-
لا مجرد كتاب على المذهب
-
ويبحث القاضي عن حال علماء البلد وعدوله
-
ويدخل يوم الاثنين
-
وينزل وسط البلد
-
وينظر أولا في أهل الحبس فمن قال حبست بحق أدامه
-
أو ظلما فعلى خصمه حجة
-
فإن كان غائبا كتب إليه ليحضر
-
ثم الأوصياء فمن ادعى وصاية سأل عنها وعن حاله وتصرفه
-
فمن وجده فاسقا أخذ المال منه
-
أو ضعيفا عضده بمعين
-
ويتخذ مزكيا وكاتبا
-
ويشترط كونه مسلما عدلا عارفا بكتابة محاضر وسجلات
-
ويستحب فقه ووفور عقل وجودة خط
-
ومترجما
-
وشرطه عدالة وحرية وعدد
-
والأصح جواز أعمى
-
واشتراط عدد في إسماع قاض به صمم
-
ويتخذ درة للتأديب
-
وسجنا لأداء حق ولتعزير
-
ويستحب كون مجلسه فسيحا بارزا مصونا من أذى حر وبرد لائقا بالوقت والقضاء
-
لا مسجدا
-
ويكره أن يقضي في حال غضب وجوع وشبع مفرطين وكل حال يسوء خلقه
-
ويندب أن يشاور الفقهاء
-
وأن لا يشتري ويبيع بنفسه
-
ولا يكون له وكيل معروف
-
فإن أهدى إليه من له خصومة أو لم يهد قبل ولايته حرم قبولها
-
وإن كان يهدي ولا خصومة جاز بقدر العادة
-
والأولى أن يثيب عليها
-
ولا ينفذ حكمه لنفسه ورقيقه وشريكه في المشترك.
-
وكذا أصله وفرعه على الصحيح
-
ويحكم له ولهؤلاء الإمام أو قاض آخر
-
وكذا نائبه على الصحيح
-
وإذا أقر المدعى عليه أو نكل فحلف المدعي وسأل القاضي أن يشهد على إقراره عنده أو يمينه أو الحكم بما ثبت والإشهاد به لزمه
-
أو أن يكتب له محضرا بما جرى من غير حكم أو سجلا بما حكم استحب إجابته
-
وقيل: تجب
-
ويستحب نسختان إحداهما له والأخرى تحفظ في ديوان الحكم
-
وإذا حكم باجتهاد ثم بان خلاف نصل الكتاب أو السنة أو الإجماع أو قياس جلي نقضه هو وغيره
-
لا خفي
-
والقضاء ينفذ ظاهرا
-
لا باطنا
-
ولا يقضى بخلاف علمه بالإجماع
-
والأظهر أنه يقضي بعلمه
-
إلا في حدود الله تعالى
-
ولو رأى ورقة فيها حكمه أو شهادته أو شهد شاهدان أنك حكمت أو شهدت بهذا لم يعمل به ولم يشهد حتى يتذكر
-
وفيهما وجه ورقة مصونة عندهما
-
وله الحلف على استحقاق حق أو أدائه اعتمادا على خط مورثه إذا وثق بخطه وأمانته
-
والصحيح جواز رواية الحديث بخط محفوظ عنده.
فصل
-
ليسو بين الخصمين في دخول عليه وقيام لهما واستماع وطلاقه وجه وجواب سلام ومجلس
-
والأصح رفع مسلم على ذمي فيه
-
وإذا جلسا فله إن يسكت وأن يقول ليتكلم المدعي
-
فإذا ادعى طالب خصمه بالجواب
-
فإن أقر فذاك
-
وإن أنكر فله أن يقول للمدعي ألك بينة وأن يسكت
-
فإن قال لي بينة وأريد تحليفه فله ذلك
-
أو لا بينة لي ثم أحضرها قبلت في الأصح.
-
وإذا ازدحم خصوم قدم الأسبق
-
فإن جهل أو جاءوا معا أقرع
-
ويقدم مسافرون مستوفزون ونسوة وإن تأخروا ما لم يكثروا
-
ولا يقدم سابق وقارع إلا بدعوى
-
ويحرم اتخاذ شهود معينين لا يقبل غيرهم
-
وإذا شهد شهود فعرف عدالة أو فسقا عمل بعلمه
-
وإلا وجب الاستزكاء بان يكتب مما يتميز به الشاهد والمشهود له وعليه
-
وكذا قدر الدين على الصحيح
-
ويبعث به مزكيا ثم يشافهه المزكي بما عنده
-
وقيل: تكفي كتابته
-
وشرطه كشاهد مع معرفته الجرح والتعديل وخبرة باطن من يعد له لصحبة أو جوار أو معاملة
-
والأصح اشتراط لفظ شهادته
-
وأنه يكفي هو عدل
-
وقيل: يزيد على ولي
-
ويجب ذكر سبب الجرح
-
ويعتمد فيه المعاينة أو الاستفاضة
-
ويقدم على التعديل
-
فإن قال المعدل عرفت سبب الجرح وتاب منه وأصلح قدم
-
والأصح أنه لا يكفي في التعديل قول المدعى عليه هو عدل وقد غلط.
-
هو جائز إن كان عليه بينة وادعى المدعي جحوده
-
فإن قال هو مقر لم تسمع بينته
-
وإن أطلق فالأصح أنها تسمع
-
وأنه لا يلزم القاضي نصب مسخر ينكر على الغائب
-
ويجب أن يحلفه بعد البينة أن الحق ثابت في ذمته
-
وقيل: يستحب
-
ويجريان في دعوى على صبي أو مجنون
-
ولو ادعى وكيل على الغائب فلا تحليف
-
ولو حضر المدعى عليه وقال لوكيل المدعي أبرأني موكلك أمر بالتسليم
-
وإذا ثبت مال على غائب وله مال قضاه الحاكم منه
-
وإلا فإن سأل المدعي إنهاء الحال إلى قاضي بلد الغائب أجابه
-
فينهى سماع بينة ليحكم بها ثم يستوفي أو حكما ليستوفي.
-
والإنهاء أن يشهد عدلين بذلك
-
ويستحب كتاب به يذكر فيه ما يتميز به المحكوم عليه ويختمه ويشهدان عليه إن أنكر
-
فإن قال لست المسمى في الكتاب صدق بيمينه
-
وعلى المدعي بينة بأن هذا المكتوب اسمه ونسبه
-
فإن أقامها فقال لست المحكوم عليه لزمه الحكم إن لم يكن هناك مشارك له في الاسم والصفات
-
وإن كان أحضر
-
فإن اعترف بالحق طولب وترك الأول
-
وإلا بعث إلى الكاتب ليطلب من الشهود زيادة صفة تميزه ويكتبها ثانيا
-
ولو حضر قاضي بلد الغائب ببلد الحاكم فشافهه بحكمه ففي إمضائه إذا عاد إلى ولايته خلاف القضاء بعلمه
-
ولو ناداه في طرفي ولايتيهما أمضاه
-
وإن اقتصر على سماع بينة كتب سمعت بينة على فلان ويسميها إن لم يعدلها
-
وإلا فالأصح جواز ترك التسمية
-
والكتاب بالحكم يمضي مع قرب المسافة
-
وبسماع البينة لا يقبل على الصحيح
-
إلا في مسافة قبول شهادة على شهادة.
فصل
-
ادعى عينا غائبة عن البلد يؤمن اشتباهها كعقار وعبد وفرس معروفات سمع بينة وحكم بها وكتب إلى قاضي بلد المال ليسلمه للمدعي
-
ويعتمد في العقار حدوده
-
أو لا يؤمن فالأظهر سماع البينة
-
ويبالغ المدعي في الوصف
-
ويذكر القيمة
-
وأنه لا يحكم بها بل يكتب إلى قاضي بلد المال بما شهدت به فيأخذه ويبعثه إلى الكاتب ليشهدوا على عينه
-
والأظهر أنه يسلمه إلى المدعي بكفيل ببدنه
-
فإن شهدوا بعينه كتب ببراءة الكفيل
-
وإلا فعلى المدعي مؤنة الرد
-
أو غائبة عن المجلس لا لبلد أمر بإحضار ما يمكن إحضاره ليشهدوا بعينه
-
ولا تسمع شهادة بصفة
-
وإذا وجب إحضار فقال ليس بيدي عين بهذه الصفة صدق بيمينه
-
ثم للمدعي دعوى القيمة
-
فإن نكل فحلف المدعي أو أقام بينة كلف الإحضار وحبس عليه
-
ولا يطلق إلا بإحضار أو دعوى تلف
-
ولو شك المدعي هل تلفت العين فيدعي قيمة أم لا فيدعيها فقال غصب مني كذا فإن بقي لزمه رده وإلا فقيمته سمعت دعواه
-
وقيل: لا بل يدعيها ويحلفه ثم يدعي القيمة
-
ويجريان فيمن دفع ثوبه لدلال ليبيعه فجحده وشك هل باعه فيطلب الثمن أم أتلفه فقيمته أم هو باق فيطلبه
-
وحيث أوجبنا الإحضار فثبت للمدعي استقرت مؤنته على المدعى عليه
-
وإلا فهو ومؤنة الرد على المدعي.
فصل
-
الغائب الذي تسمع البينة عليه ويحكم عليه من بمسافة بعيدة
-
وهي التي لا يرجع منها مبكرا إلى موضعه ليلا
-
وقيل: مسافة قصر
-
ومن بقريبة كحاضر فلا تسمع بينته ويحكم بغير حضوره
-
إلا لتواريه أو تعززه
-
والأظهر جواز القضاء على غائب في قصاص وحد قذف
-
ومنعه في حد الله تعالى
-
ولو سمع بينة على غائب فقدم قبل الحكم لم يستعدها بل يخبر ويمكنه من جرح
-
ولو عزل بعد سماع بينة ثم ولى وجبت الاستعادة
-
وإذا استعدى على حاضر البلد أحضره بدفع ختم طين رطب أو غيره أو بمرتب لذلك
-
فإن امتنع بلا عذر أحضره بأعوان السلطان وعزره
-
أو غائب في غير ولايته فليس له إحضاره
-
أو فيها وله هناك نائب لم يحضره بل يسمع بينة ويكتب إليه
-
أو لا نائب فالأصح يحضره من مسافة العدوى فقط
-
وهي التي لم يرجع منها مبكرا ليلا
-
وأن المخدرة لا تحضر
-
وهي من لا يكثر خروجها لحاجات.
-
القضاء فرض على الكفاية، بدليل قول الله تعالى:
-
{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حكم بين الناس، وبعث علياً إلى اليمن للقضاء، وحكم الخلفاء الراشدون، وولوا القضاة في الأمصار؛ ولأن الظلم في الطباع، فيحتاج إلى حاكم ينصف المظلوم، فوجب نصبه،
-
فإن لم يكن من يصلح للقضاء إلا واحداً، تعين عليه،
-
فإن امتنع أجبر عليه؛ لأن الكفاية لا تحصل إلا به، وعن أحمد: أنه سئل هل يأثم القاضي إذا لم يوجد غيره ممن يوثق به؟ قال: لا يأثم. وهذا يدل على أنه لا يجب عليه الدخول فيه؛ لأن عليه في التولي خطراً وغرراً،
-
فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من جُعل قاضياً، فقد ذبح بغير سكين» . رواه الترمذي وقال: حديث حسن. فلم يلزمه الإضرار بنفسه لنفع غيره، فعلى هذا القول يكره له طلبه، لما فيه من الخطر؛ ولأن السلف - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كانوا يأبون القضاء أشد الإباء ويفرون منه.
-
وإن طلب فالأولى أن لا يدخل فيه؛ لأنه أسلم له. وقال ابن حامد: إن كان خاملاً، إذا ولي نشر علمه، فالأفضل الدخول فيه، لما يحصل من نشر العلم.
-
وإن كان ينشر علمه بغير ولاية، فالأفضل أن لا يدخل فيه؛ لأن الاشتغال بنشر العلم مع السلامة أفضل.
-
فأما من يوجد غيره ممن يصلح للقضاء،
-
فلا يجب عليه الدخول فيه،
-
ويكره له طلبه، لما روى أنس أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من ابتغى القضاء وسأل فيه شفعاء وكل إلى نفسه، ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكاً يسدده» . قال الترمذي: هذا حديث حسن.
-
وإن طُلِبَ، فالأفضل له الامتناع إلا على قول ابن حامد على التفصيل الماضي.
-
وأما من لا يُحسن القضاء، فيحرم عليه الدخول فيه؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «القضاة ثلاثة:
-
واحد في الجنة، واثنان في النار، إلى قوله: ورجل قضى بين الناس بجهل فهو في النار» رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه
-
ويجوز للقاضي أخذ الرزق عند الحاجة، لما روي أن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، لما ولي الخلافة، أخذ الذراع، وخرج إلى السوق، فقيل له: لا يسعك هذا، فقال: ما كنت لأدع أهلي يضيعون من أجلكم، ففرضوا له كل يوم درهمين.
-
وبعث عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى الكوفة عمار بن ياسر والياً، وابن مسعود قاضياً، وعثمان بن حنيف ماسحاً، وفرض لهم كل يوم شاة، نصفها لعمار، والنصف الآخر بين عبد الله وعثمان. وكتب إلى معاذ، وأبي عبيدة في الشام: أن انظروا رجالاً من صالحي مَن قبلكم، فاستعلموهم على القضاء، وارزقوهم وأوسعوا عليهم من مال الله.
-
فأما مع عدم الحاجة. ففيه وجهان:
-
أحدهما: الجواز، لما ذكرنا؛ ولأنه يجوز للعامل الأخذ على العمالة مع الغنى، فكذلك القضاء.
-
والثاني: لا يجوز؛ لأنه يختص أن يكون فاعله من أهل القربة، فلم يجز أخذ الأجرة عليه؛ كالصلاة. قال أحمد: ما يعجبني أن يأخذ على القضاء أجراً،
-
وإن كان فبقدر شغله، مثل ولي اليتيم.
-
وإذا قلنا: يجوز أخذ الرزق، فلم يجعل له شيء، فقال: لا أقضي بينكما إلا بجُعْل، جاز.
-
ويشترط للقضاة عشرة أشياء: أن يكون مسلماً، عدلاً، بالغاً، عاقلاً؛ لأن هذه شروط الشهادة، فأولى أن تشترط للقضاء.
-
الخامس: الذكورية، فلا يصح تولية المرأة؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» رواه البخاري؛ ولأن المرأة ناقصة العقل، غير أهل لحضور الرجال ومحافل الخصوم.
-
ولا يصح تولية الخنثى؛ لأنه لم يعلم كونه ذكراً.
-
السادس: الحرية. فلا يصح تولية العبد؛ لأنه منقوص برقه، مشغول بحقوق سيده، لا تقبل شهادته في جميع الأشياء، فلم يكن أهلاً للقضاء، كالمرأة.
-
السابع: أن يكون متكلماً، لينطق بالفصل بين الخصوم.
-
الثامن: أن يكون سميعاً ليسمع الدعوى، والإنكار، والبينة، والإقرار.
-
التاسع: أن يكون بصيراً، ليعرف المدعي من المدعى عليه، والمقر من المقر له، والشاهد من المشهود عليه.
-
العاشر: أن يكون مجتهداً، وهو العالم بطرق الأحكام، لما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «القضاة ثلاثة واحد في الجنة، واثنان في النار. فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق فقضى به، فهو في الجنة. ورجل عرف الحق فحكم فجار في الحكم، فهو في النار. ورجل قضى للناس على جهل، فهو في النار» .
-
رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه؛ ولأنه إذا لم يجز أن يفتي الناس وهو لا يلزمهم الحكم، فلئلا يقضي بينهم وهو يلزمهم الحكم أولى.
-
ولا يشترط كونه كاتباً؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سيد الحكام، وهو أمي.
-
وقيل: يشترط؛ ليعلم ما يكتبه كاتبه، فيأمن تحريفه.
-
ينبغي أن يكون قوياً من غير عنف، لئلا يطمع فيه الظالم، فينبسط عليه. ليناً من غير ضعف، لئلا يهابه صاحب الحق،
-
فلا يتمكن من استيفاء حجته بين يديه. حليماً ذا أناة وفطنة ويقظة، لا يؤتى من غفلة ولا يخدع لغرة. ذا ورع وعفة، ونزاهة، وصدق. قال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا ينبغي للقاضي أن يكون قاضياً حتى يكون فيه خمس خصال: عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الألباب، لا يخاف في الله لومة لائم.
-
ولا تصح ولاية القضاة إلا بتولية الإمام، أو من فوض إليه الإمام؛ لأنه من المصالح العظام، فلم يصح إلا من جهة الإمام، كعقد الذمة.
-
ومن شرط صحة التولية، معرفة المولي للمولى، وأنه على صفة تصلح للقضاء.
-
فإن كان يعرفه، وإلا سأل عنه،
-
فإذا علم ذلك ولاه.
-
وألفاظ التولية تنقسم إلى صريح وكناية، فصريحها سبعة: وليتك الحكم، وقلدتك، واستنبتك، واستخلفتك، ورددت إليك الحكم، وفوضت إليك، وجعلت إليك،
-
فإذا أتى بواحدة منها واتصل بها القبول، انعقدت الولاية.
-
وأما الكناية، فهي أربعة: اعتمدت عليك في الحكم، وعولت عليك، ووكلت إليك وأسندت إليك الحكم،
-
فلا تنعقد التولية بها حتى تقترن بها قرينة، نحو: فاحكم فيما وكلت إليك، وانظر فيما أسندت إليك وتول فيما عولت عليك فيه؛ لأن هذه الألفاظ تحتمل التولية وغيرها، من كونه يأخذ برأيه، وغير ذلك،
-
فلا تنصرف إلى التولية إلا بقرينة.
-
فإن تحاكم رجلان إلى من يصلح للقضاء، فحكماه ليحكم بينهما، جاز، لما روى أبو شريح أنه «قال: يا رسول الله إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني، فحكمت بينهم، فرضي علي الفريقان، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ما أحسن هذا» .
-
رواه النسائي؛ ولأن عمر وأبياً - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، تحاكما إلى زيد بن ثابت وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم.
-
فإذا حكم بينهما، لزم حكمه؛ لأن من جاز حكمه، لزم، كقاضي الإمام.
-
فإن رجع أحد الخصمين عن تحكيمه، قبل شروعه في الحكم، فله ذلك؛ لأنه إنما صار حكماً لرضاه به، فاعتبر دوام الرضى.
-
وإن رجع بعد شروعه فيه، وقبل تمامه، ففيه وجهان:
-
أحدهما: له ذلك؛ لأن الحكم لم يتم، أشبه ما قبل الشروع.
-
والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه يؤدي إلى أن كل واحد منهما، إذا رأى من الحكم ما لا يوافقه، رجع، فيبطل المقصود بذلك. واختلف أصحابنا فيما يجوز فيه التحكيم، فقال أبو الخطاب: ظاهر كلام أحمد أن تحكيمه يجوز في كل ما يتحاكم فيه الخصمان، قياساً على قاضي الإمام.
-
وقال القاضي: يجوز حكمه في الأموال الخاصة.
-
فأما النكاح والقصاص، وحد القذف،
-
فلا يجوز التحكيم فيها؛ لأنها مبنية على الاحتياط، فيعتبر للحكم فيها قاضي الإمام، كالحدود.
-
ويجوز أن يولي في البلد الواحد قاضيين فأكثر، على أن يحكم كل واحد منهما في موضع،
-
وأن يجعل إلى أحدهما القضاء في حق، وإلى الآخر في حق آخر، أو إلى أحدهما في زمن، وإلى الآخر في زمن آخر؛ لأنه نيابة عن الإمام، فكان على حسب الاستنابة. وهل يجوز أن يجعل إليهما القضاء في مكان واحد وزمن واحد، وحق واحد؟ فيه وجهان:
-
أحدهما: يجوز؛ لأنه نيابة، فجاز جعلها إلى اثنين، كالوكالة.
-
والثاني: لا يجوز، فقد يختلفان، فتقف الحكومة.
-
ولا يجوز تقليده القضاء على أن يحكم بمذهب معين، لقول الله تعالى: {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} . وإنما يظهر له الحق بالدليل،
-
فلا يتعين ذلك في مذهب بعينه.
-
فإن قلد على هذا الشرط، بطل الشرط. وفي فساد التولية وجهان، بناء على الشروط الفاسدة في البيع.
-
إذا ولاه قاضياً في غير بلده، كتب إليه العهد بما ولاه؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كتب لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن.
-
وروى حارثة بن مضرب، أن عمر كتب إلى أهل الكوفة: أما بعد، فإني بعثت إليكم عماراً أميراً، وعبد الله قاضياً وأميراً، فاسمعوا لهما وأطيعوا، فقد آثرتكم بهما.
-
فإن كان البلد الذي ولاه بعيداً، أشهد على التولية شاهدين لتثبت التولية بهما.
-
وإن كان قريباً، فإن شاء أشهد،
-
وإن شاء اكتفى بالاستفاضة؛ لأنها تثبت الولاية.
-
ويستحب للقاضي السؤال عن حال البلد الذي وليه،
-
ومن فيه من العلماء والأمناء؛ لأنه لا بد له منهم، فاستحب تقدم العلم بهم.
-
ويستحب أن يدخل البلد يوم الخميس؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يفعل ذلك.
-
فإذا دخل قصد الجامع، فصلى فيه ركعتين، وأمر بجمع الناس، فقرأ عليهم عهده ليعلموا التولية، وما فوض إليه، ويعد الناس يوماً لجلوسه،
-
ثم يصير إلى منزله، ويجعل منزله في وسط البلد إن أمكن ليتساووا في قربه.
-
وإن نهاه الذي ولاه عن الاستخلاف، لم يكن له ذلك؛ لأنه نائب فيتبع قول من استنابه.
-
وإن لم ينهه، جاز له الاستخلاف؛ لأن الغرض من القضاء الفصل بين المتخاصمين وإيصال الحق إلى مستحقه، فجاز أن يليه بنفسه وبغيره.
-
فإذا استخلف القاضي خليفة، انعزل بموته وعزله؛ لأنه نائبه، فأشبه الوكيل.
-
وإن ولى الإمام قاضياً، فهل ينعزل بموته وعزله؟ فيه وجهان:
-
أحدهما: ينعزل كذلك، ولما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: لأعزلن أبا مريم - يعنى عن قضاه البصرة - وأولي رجلاً إذا رآه الفاجر فرقه، فعزله وولى كعب بن سوار. وولى علي أبا الأسود،
-
ثم عزله فقال: لم عزلتني وما خنت ولا جنيت؟ فقال: إني رأيتك يعلو كلامك على الخصمين.
-
والثاني: لا ينعزل؛ لأنه عقده لمصلحة المسلمين، فلم يملك عزله مع سداد حاله، كما لو عقد الولي النكاح على موليته، لم يملك فسخه.
-
وإن اختل أحد الشروط، بأن يفسق، أو يختل عقله، أو بصره، انعزل بذلك؛ لأنه فات الشرط، فانتفى المشروط كالصلاة.
-
وليس له أن يقضي ولا يولي ولا يسمع البينة،
-
ولا يكاتب قاضياً في حكم في غير عمله،
-
ولا يعتد بذلك إن فعله؛ لأنه لا ولاية له في غير عمله، أشبه سائر الرعية.
-
ولا يجوز له أن يحكم لنفسه؛ لأنه لا يجوز أن يكون شاهداً لها، ويتحاكم هو وخصمه إلى قاض آخر.
-
ويجوز أن يحاكمه إلى بعض خلفائه؛ لأن عمر حاكم أبياً إلى زيد. وحاكم عثمان طلحة إلى جبير.
-
ولا يجوز أن يحكم لوالده وإن علا،
-
ولا لولده وإن سفل؛ لأنه متهم في حقهما، فلم يجز حكمه لهما، كنفسه. وقال أبو بكر: يجوز حكمه لهما؛ لأنهما من رعيته، فجاز حكمه لهما، كالأجانب،
-
وإن اتفقت حكومة بين والديه، أو ولديه، أو والده وولده، فالحكم فيهما، كما لو انفرد أحدهما؛ لأن ما منع منه في حق أحدهما إذا كان خصمه أجنبيا، منع منه إذا ساواه خصمه، كالشهادة.
-
ويجوز له استخلاف والده وولده في أعماله؛ لأن غاية ما فيه أنهما يجريان مجراه.
-
ولا يجوز له أن يرتشي في الحكم، لما روى عبد الله بن عمرو قال: «لعن رسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الراشي والمرتشي» . قال الترمذي: هذا حديث صحيح؛ ولأنه أخذ مال على حرام، فكان حراماً، كمهر البغي.
-
ولا يجوز له قبول الهدية ممن لم تجر عادته بها قبل الولاية، لما روى أبو حميد قال: «بعث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلاً من الأزد يقال له: ابن اللتبية على الصدقه، فقال: هذا لكم، وهذا أهدي إلي، فقام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على المنبر، فقال: ما بال العامل نبعثه فيقول:
-
هذا لكم وهذا أهدي إلي، ألا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه شيء أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا يبعث أحد منكم فيأخذ شيئاً إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته» . متفق عليه. فدل على أن أهدي إليه مما كانت الولاية سبباً له محرم عليه.
-
فأما من كانت عادته الهدية إليه قبل الولاية، فجائز قبولها؛ لأن قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ألا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا» . يدل على تعليل تحريم الهدية، لكون الولاية سببها، وهذه لم تكن سببها الولاية فجاز قبولها إلا أن تكون في حال الحكومة بينه وبين خصم له،
-
فلا يجوز قبولها؛ لأنه يتهم، فهي كالرشوة. والأولى الورع عنها في غير حال الحكومة؛ لأنه لا يأمن أن تكون الحكومة منتظرة.
-
ويكره أن يباشر البيع والشراء بنفسه، لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «ما عدل وال اتجر في رعيته» .
-
وقال شريح: شرط علي عمر حين ولاني القضاء: أن لا أبيع،
-
ولا أبتاع، ولا أرشي،
-
ولا أقضي وأنا غضبان؛ ولأنه يعرف، فيحابى، فيجري مجرى الهدية.
-
ويستحب أن يوكل من لا يعرف أنه وكيله.
-
فإذا عرف استبدل به حتى لا يحابى،
-
فإن لم يمكنه الاستنابة، تولاه بنفسه؛ لأن أبا بكر الصديق أخذ الذراع وقصد السوق ليتجر فيه؛ ولأنه لا بد له منه.
-
فإن كان لمن بايعه حكومة، استخلف من يحكم بينه وبين خصمه، كيلا يميل إليه.
-
ويجوز للقاضي حضور الولائم؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بإجابة الداعي.
-
ولا يخص بإجابته قوماً دون قوم؛ لأنه جور.
-
فإن كثرت عليه وشغلته، ترك الجميع؛ لأنه يشتغل بها عما هو أوكد منها. وله عيادة المرضى، وشهود الجنائز، ويأتي مقدم الغائب؛ لأنه قربة وطاعة. وله أن يخص بذلك قوماً دون قوم؛ لأن هذه الأمور لحق نفسه طلباً لثواب الله تعالى، فكان له فعل ما أمكن منها دون ما لم يمكن.
-
وحضور الوليمة لحق الداعي.
-
فإذا خص بعضهم بها، حصل مراعياً لبعضهم دون بعض، فكان ذلك ميلاً.
-
ولا يقضي في حال الغضب،
-
ولا الجوع، والعطش، والحزن، والفرح المفرط، والنعاس الشديد، والمرض المقلق، ومدافعة الأخبثين، والحر المزعج، والبرد المؤلم، لما روى أبو بكرة قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان» . متفق عليه.
-
فثبت النص في الغضب، وقسنا عليه سائر المذكور؛ لأنه في معناه؛ ولأن هذه الأمور تشغل قلبه،
-
فلا يتوفر على الاجتهاد في الحكم وتأمل الحادثة.
-
فإن حكم في هذه الأحوال، ففيه وجهان:
-
أحدهما: ينفذ حكمه، لما روي «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اختصم إليه الزبير، ورجل من الأنصار في شراج الحرة فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للزبير: اسق زرعك ثم أرسل الماء إلى جارك فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك؟ فغضب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم قال للزبير: اسق زرعك ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر» .
-
متفق عليه. فحكم في غضبه.
-
والثاني: لا ينفذ حكمه؛ لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه،
-
وقيل: إنما يمنع الغضب الحكم قبل أن يتضح حكم المسألة؛ لأنه يشغله عن استيضاح الحق. أما إذا حدث بعد اتضاح الحكم، لم يمنع حكمه فيها، كقصة الزبير.
-
ويستحب للحاكم الجلوس للحكم في موضع بارز واسع يصل إليه كل أحد،
-
ولا يحتجب من غير عذر، لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من ولي من أمر الناس شيئاً فاحتجب دون حاجتهم وفاقتهم، احتجب الله دون حاجته وفقره» رواه الترمذي
-
ويكون موضعاً لا يتأذى فيه بحر ولا برد ولا دخان ولا رائحة منتنة؛ لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كتب إلى أبي موسى: إياك والقلق والضجر. وهذه الأشياء تفضي إلى الضجر، وتمنعه من التوفر على الاجتهاد، ويمنع الخصوم من استيفاء الحجة،
-
ولا بأس بالقضاء في المساجد، لما روي عن عمر وعثمان وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أنهم كانوا يقضون في المسجد. وقال مالك: هو من أمر الناس القديم.
-
فإن اتفق لأحد الخصمين مانع من دخول المسجد، كالحيض، والكفر، وكل له وكيلاً أو انتظره حتى يخرج، فيحاكم إليه.
-
وإن احتاج إلى أعوان لإحضار الخصوم، اتخذ أمناء كهولاً أو شيوخاً من أهل الدين، ويوصيهم بالرفق بالخصوم.
-
وإن دعت الحاجة إلى اتخاذ حاجب اتخذه أميناً بعيداً من الطمع، ويوصيه بما يلزمه من تقديم من سبق.
-
ويتخذ حبساً؛ لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اشترى داراً بمكة بأربعة آلاف اتخذها سجناً. واتخذ علي سجناً؛ ولأنه قد يحتاج إليه للتأديب واستيفاء الحق من المماطل، والاحتفاظ بمن عليه قصاص أو حد، حتى يستوفى.
-
وينبغي أن يتخذ كاتباً؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استكتب زيداً وغيره؛ ولأن الحاكم يكثر اشتغاله ونظره فلا يتمكن من الجمع بينهما وبين الكتابة.
-
فإن أمكنة ولاية ذلك بنفسه، جاز.
-
ومن شرط الكاتب أن يكون عارفاً بما يكاتب به القضاة من الأحكام. وما يكتبه من المحاضر، والسجلات؛ لأنه إذا لم يعرفه، أفسد ما يكتبه بجهله.
-
وأن يكون عدلاً لأن الكتابة موضع أمانة،
-
ولا تؤمن خيانة الفاسق.
-
وأن يكون مسلماً؛ لأن الإسلام من شروط العدالة،
-
ويستحب أن يكون ورعاً نزهاً، لئلا يستمال بالطمع. جيد الحفظ، ليكون أكمل. حراً، ليخرج من الخلاف.
-
فإن كان عبداً، جاز؛ لأنه من أهل الشهادة.
-
ولا يتخذ شهودا معينين، لا يقبل غيرهم؛ لأنه من ثبتت عدالته وجب قبول شهادته، فلم يجز تخصيص قوم بالقبول دون قوم.
-
ويتخذ أصحاب مسائل يتعرف بهم أحوال من جهل عدالته من الشهود.
-
ويجب أن يكونوا عدولاً برآء من الشحناء، بعداء من العصبية في نسب أو مذهب، كيلا يحملهم ذلك على تزكية فاسق، أو جرح عدل.
-
وأن يكونوا وافري العقول ليصلوا إلى المطلوب.
-
ولا يسألوا عدواً ولا صديقاً؛ لأن الصديق يظهر الجميل ويستر القبيح. والعدو
-
بخلاف ذلك. فإذا شهد عنده من يعرفه بالعدالة، قبل شهادته.
-
وإن علم فسقه لم يقبلها، ويعمل بعلمه في العدالة والفسق.
-
وإن جهل إسلامه سأل عنه، ولم يعمل بظاهر الدار؛ لأن أعرابياً شهد عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - برؤية الهلال، فلم يحكم بشهادته حتى سأله عن إسلامه؛ ولأنه يتعلق بشهادته حق على غيره، فلم يعمل بظاهر الدار. ويقبل قوله في إسلام نفسه؛
-
لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبل قول الأعرابي في ذلك؛ ولأنه بقوله يصير مسلماً.
-
وإن لم تعرف عدالته لم يحكم حتى تثبت عدالته.
-
وعنه: يحكم بشهادة من جهل عدالته ما لم يقل المشهود عليه: هو فاسق، لقول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: المسلمون عدول بعضهم على بعض؛ ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما شهد عنده الأعرابي برؤية الهلال، لم يسأل عن عدالته؛
-
ولأن العدالة تخفى ويدل عليها الإسلام، فاكتفى به. والأول: المذهب لقول الله تعالى:
-
{فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} . وقال سبحانه: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} وروى سليمان بن حرب قال: شهد رجل عند عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فقال له عمر: إني لست أعرفك،
-
ولا يضرك أنني لا أعرفك، فائتني برجل يعرفك، فقال رجل: أنا أعرفه يا أمير المؤمنين. قال: بأي شيء تعرفه. قال: بالعدالة. قال: فهو جارك الأدنى تعرف ليله ونهاره، ومدخله ومخرجه؟ قال: لا، قال: فمعاملك بالدينار والدرهم اللذين يستدل بهما على الورع؟
-
قال: لا، قال: فصاحبك في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا، قال: فلست تعرفه.
-
ثم قال للرجل: ائتني بمن يعرفك؛ ولأنه لا يؤمن أن يكون فاسقاً.
-
فإذا أراد أن يعرف عدالته، كتب اسمه، ونسبه، وكنيته، وحليته، وصنعته، ومسكنه، حتى لا ينسبه،
-
ومن شهد له وعليه، لئلا يكون ممن لا تقبل شهادته للمشهود له، من والد أو ولد،
-
ولا تقبل شهادته على المشهود عليه من عدو، وقدر ما يشهد به لئلا يكون ممن يقبل قوله في القليل دون الكثير. ويبعث ما كتبه مع أصحاب المسائل، ويجتهد أن لا يعرفهم المشهود له،
-
ولا المشهود عليه، لئلا يحتالا في تعديل الشهود أو جرحهم،
-
ولا المسؤولون، لئلا يحتال أعداؤهم في جرحهم، وأصدقاؤهم في تعديلهم. ويجتهد أن لا يعلم بعض أهل المسائل ببعض، كيلا يجمعهم الهوى على التواطؤ على جرح أو تعديل. ويأمرهم القاضي: أن يسألوا عنه معارفه من أهل سوقه، ومسجده، وجيرانه.
-
فإذا عاد أهل المسائل بجرح أو تعديل، ففيه وجهان:
-
أحدهما: يكتفي بقولهم؛ لأن الجيران لا يلزمهم الحضور للشهادة بما عندهم، فعلى هذا: يشهد أصحاب المسائل عند الحاكم بلفظ الشهادة، ويعتبر عدولهم كما في سائر المعدلين.
-
والثاني: لا يكتفي بهم؛ لأنهم شهود فرع،
-
فلا يكتفى بهم مع القدرة على شهود الأصل. لكن يعينون من أخبرهم بالجرح أو العدالة، ليستحضر الحاكم اثنين منهم، فيسمع منهم الجرح والتعديل بلفظ الشهادة والعدد، فعلى هذا: لا يعتبر العدد في أصحاب المسائل، بل يجوز أن يكون واحداً؛ لأنه مخبر عن شاهد، ليس بشاهد.
-
ولا يقبل الجرح والتعديل من أقل من اثنين؛ لأنه إخبار عن صفة من يبنى الحكم على صفته، فأشبه الإحصان.
-
وعنه: يكتفى بواحد. اختارها أبو بكر؛ لأنه إخبار عن حال من لا حق له، فأشبه أخبار الديانات؛ ولأنه يكتفى في تعديل راوي الحديث وجرحه بقول واحد، فكذلك في غيره. والأول: المذهب، لما ذكرنا. وإنما اكتفي في تعديل الراوي بواحد؛ لأنه فرع على الرواية المنقولة من واحد،
-
بخلاف الشهادة، ويعتبر فيه اللفظ بالشهادة؛ لأنه شهادة إلا على الرواية التي قلنا: هو خبر،
-
فلا يعتبر فيه لفظ الشهادة، ويكفي في التعديل قوله: أشهد أنه عدل.
-
وإن لم يقل: علي ولي؛ لأنه لا يكون عدلاً، إلا له وعليه.
-
ولا يكفي أن يقول: لا أعلم فيه إلا الخير؛ لأنه لم يصرح بالتعديل.
-
وإن شهد بالجرح واحد، وبالتعديل اثنان، ثبتت العدالة؛ لأن بينة الجرح لم تكمل.
-
وإن شهد بالجرح اثنان، قدم الجرح على التعديل؛ لأن الشاهد به يخبر عن أمر باطني خفي على المعدل، وشاهد العدالة يخبر عن أمر ظاهر، فقدم من يخبر عن الباطن؛ ولأن الجارح مثبت، والمعدل ناف، فقدم الإثبات.
-
وإن شهد بالجرح اثنان، وبالعدالة أربعة، قدم الجرح؛ لأن بينته كملت،
-
ولا يقبل الجرح إلا مفسراً بأن يذكر السبب الذي به جرح،
-
ولا يكفي أن يشهد أنه فاسق، أنه ليس بعدل،
-
وعنه: يكتفى بذلك، كما يكتفى في التعديل أن يشهد أنه عدل. والأول: المذهب؛ لأن الناس يختلفون فيما يفسق به الإنسان، فيحتمل أن يعتقد الشاهد فسقه بما لا يعتقده الحاكم فسقاً. والجرح والتعديل إلى الحاكم، فوجب بيانه، لينظر فيه.
-
ولا يجوز أن يشهد بالجرح إلا من يعلم ذلك بمشاهدة الأفعال، كالسرقة، وشرب الخمر. أو بالسماع في الأقوال، كالقذف، والبدعة، أو بالاستفاضة بالخبر؛ لأنه شهادة عن علم.
-
فإن قال: بلغني كذا، أو قيل لي، لم يجز أن يشهد به، لقول الله تعالى: {إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ولا يقبل التعديل إلا من أهل الخبرة الباطنة ممن تقدمت معرفته، وطالت صحبته، لحديث عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
-
وأن المقصود علم عدالته في الباطن،
-
ولا يعلم ذلك إلا من تقدمت معرفته،
-
ولا يقبل الجرح والتعديل من النساء؛ لأنه شهادة بما ليس بمال،
-
ولا المقصود منه المال، ويطلع عليه الرجال في غالب الأحوال، أشبه الحدود.
-
وإذ لم تثبت عدالته، فقال المشهود عليه: هو عدل، حكم بشهادته؛ لأن البحث عن عدالته لحق المشهود عليه، وإنه ممن يثبت بالحق بقوله، فوجب الحكم به. وفيه وجه آخر: إنه لا يثبت؛ لأن اعتبار العدالة في الشاهد حق لله تعالى، ولهذا لو رضي المشهود عليه، أن يحكم عليه بشهادة فاسق، لم يحكم عليه بها.
-
ومن ثبتت عدالته، ثم شهد عند الحاكم بعد ذلك بزمن قريب، حكم بشهادته.
-
وإن كان بعده بزمن طويل، ففيه وجهان:
-
الوجه الأول: يحكم بشهادته؛ لأن عدالته قد ثبتت، والأصل بقاؤها.
-
والثاني: يعيد السؤال؛ لأن مع طول الزمان تتغير الأحوال.
-
وإن شهد عنده عدول، فارتاب بشهادتهم، استحب له تفريقهم، وسؤال كل واحد منهم على الانفراد عن صفه التحمل، ومكانه، وزمانه.
-
فإن اختلفوا سقطت شهادتهم.
-
وإن اتفقوا، وعظهم، لما روى أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: كنت عند محارب بن دثار، وهو قاضي الكوفة، فجاءه رجل، فادعى على رجل حقاً، فأنكره، فأحضر المدعي شاهدين، فشهدا له، فقال المشهود عليه: والذى تقوم به السماوات والأرض لقد كذبا علي، وكان محارب بن دثار متكئاً، فاستوى جالساً، وقال: سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إن الطير لتخفق بأجنحتها، وترمى بما في حواصلها من هول يوم القيامة، وإن شاهد الزور لا تزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار» .
-
فإن صدقتما فاثبتا، وإن كذبتما، فغطيا رؤوسكما وانصرفا، فغطيا رؤوسهما وانصرفا.
-
ويستحب أن يحضر مجلسه الفقهاء من أهل كل مذهب، يشاورهم فيما يشكل عليه، لقول الله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} قال الحسن: إن كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن مشاورتهم لغنياً، ولكن أراد أن يستن بذلك الحكام.
-
وروى عبد الرحمن بن القاسم: أن أبا بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، كان إذا نزل به أمر يريد فيه مشاورة أهل الرأي والفقه، دعا رجالاً من المهاجرين والأنصار، دعا عمر، وعثمان، وعلياً، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، فمضى أبو بكر على ذلك،
-
ثم ولي عمر، فكان يدعو هؤلاء النفر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -،
-
فإذا اتفق أمر مشكل شاورهم.
-
فإن اتضح له الحق، حكم به.
-
وإن لم يتضح له أخره، ولم يقلد غيره، ضاق الوقت أو اتسع؛ لأنه مجتهد فلم يقلد غيره، كما لو اتسع الوقت.
-
وإن فوض الحكم في الحادثة إلى من اتضح له الحق، فحكم فيها، جاز.
-
وإن حكم باجتهاده ثم تبين له الخطأ بنص أو إجماع، نقضه، لما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: ردوا الجهالات إلى السنة. وكتب إلى أبي موسى: لا يمنعنك قضاء قضيت به،
-
ثم راجعت نفسك، فهديت لرشدك، أن تراجع الحق،
-
فإن الحق قديم لا يبطله شيء،
-
وإن الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل؛ ولأنه مفرط في حكمه، غير معذور فيه، فوجب نقضه.
-
وإن تغير اجتهاده، ولم يخالف نصاً،
-
ولا إجماعاً، لم ينقض حكمه، لما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أنه حكم في المشركة بإسقاط ولد الأبوين،
-
ثم شرك بينهم بعد، وقال: تلك على ما قضينا، وهذه على ما قضينا. وقضى في الحد بقضايا مختلفة، ولم يرد الأولى؛ ولأنه لو نقض الحكم بمثله، لأدى إلى نقض النقض، والى أن لا تثبت قضية.
-
وليس على القاضي تتبع قضايا من قبله؛ لأن الظاهر أنه لا يولى للقضاء إلا من يصلح، والظاهر إصابته الحق.
-
وإن علم أن القاضي قبله لا يصلح للقضاء، نقض من أحكامه ما خالف الحق،
-
وإن لم يخالف نصاً ولا إجماعاً؛ لأنه ممن لا يجوز قضاؤه، أشبه حكم بعض الرعية، ويبقي ما وافق الحق؛ لأن الحق وصل إلى مستحقه،
-
فلا حاجة إلى نقضه. وقال أبو الخطاب: ينقضه أيضاً ليحكم به.
-
وإن كان يصلح للقضاء، لم يجز أن ينقض من قضاياه، إلا ما خالف نصاً أو إجماعاً، لما ذكرنا في حكم نفسه.
-
وإن تظلم متظلم من القاضي قبله وسأل إحضاره، لم يحضره حتى يسأله عما بينهما؛ لأنه ربما قصد تبديله.
-
فإن قال: لي عليه مال من معاملة، أو غصب، أو رشوة، أحضره،
-
وإن قال: حكم علي بشهادة فاسقين، أو عدوين، أو جار علي في الحكم، وله بينة، أحضره، أو وكيله، وحكم له بها.
-
وإن لم يكن له بينة، ففيه وجهان:
-
أحدهما: يحضره، كما لو ادعى عليه مالاً.
-
والثاني: لا يحضره لأنه لا تتعذر إقامة البينة عليه.
-
فإن أحضره فاعترف، حكم عليه،
-
وإن أنكر، قبل قوله بغير يمين؛ لأن قوله مقبول بحال ولايته.
-
ويخرج القاضي إلى مجلس قضائه على أعدل أحواله، ويقول عند خروجه: بسم الله، آمنت بالله، واعتصمت بالله وتوكلت على الله،
-
ولا حول ولا قوة إلا بالله. ويدعو بما روت أم سلمة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إذا خرج من بيته قال: «اللهم إني أعوذ بك أن أزل أو أزل، أو أضل أو أضل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي» رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي حديث حسن صحيح، ويسأله أن يعصمه، ويعينه.
-
ويجلس مستقبل القبلة، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خير المجالس ما استقبل به القبلة» ويكون عليه سكينة ووقار في مشيه وجلوسه، ويبسط تحته شيئاً يجلس عليه، ليكون أوقر له، ويترك القمطر مختوماً بين يديه، ليترك فيه ما يجتمع من المحاضر، والسجلات، ويجلس الكاتب قريباً منه، ليرى ما يكتبه فإن غلط رد عليه.
-
ويبدأ في نظره بالمحبوسين؛ لأن الحبس عقوبة، وربما كان فيهم من يجب إطلاقه، فاستحب البداءة بهم، فيكتب أسماء المحبوسين، وينادي في البلدان: القاضي ينظر في أمرهم يوم كذا، فليحضر من له محبوس،
-
فإذا حضروا، أخرج رقعة، فأخرج صاحبها فنظر بينه وبين خصمه،
-
فإن وجب إطلاقه أطلقه،
-
وإن وجب حبسه أعيد.
-
فإن قال: حبست بدين أنا معسر به، فصدقه خصمه، أو ثبت إعساره ببينة، أطلقه،
-
وإن كذبه ولم يثبت إعساره، أعيد إلى الحبس.
-
فإن ادعى خصمه أن له داراً، وأقام بها بينة، فقال المحبوس: هي لزيد، فكذبه زيد، بيعت الدار، وقضي الدين؛ لأن إقراره سقط بإكذابه،
-
وإن صدقه زيد وله بينة، فهي له؛ لأن بينته قويت بإقرار صاحب اليد.
-
وإن قال: حبست في ثمن كلب، أو خمر أرقته لذمي. فقال القاضي: يطلقه لأن غرمه ليس بواجب. وفيه وجه آخر: أن الثاني ينفذ حكم الأول؛ لأنه ليس له نقض حكم غيره باجتهاده، ويحتمل أن يتوقف ويجتهد في أن يصطلحا على شيء؛
-
لأنه لا يمكنه فعل الأمرين المتقدمين.
-
وإن قال: حبست ظلماً،
-
ولا حق علي، نادى الحاكم بذلك.
-
فإن لم يظهر له خصم، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه لا خصم له،
-
ولا حق عليه، ويخلي سبيله، والله أعلم.
-
ثم ينظر في أمر الأوصياء والأمناء؛ لأنهم يتصرفون في حق من لا يملك المطالبة بماله.
-
فإن ادعى رجل أنه وصي ميت، لم يقبل إلا ببينة؛ لأن الأصل عدم الوصية.
-
فإن أقام بينة، وكان عدلاً قوياً، أقره على الوصية،
-
وإن كان فاسقاً أو ضعيفاً، ضم إليه أميناً يتقوى به، أو أبدله إن رأى إبداله.
-
وإن أقام بينة أن الحاكم الذي قبله أنفذ الوصية، أنفذها، ولم يسأل عن عدالته؛ لأن الظاهر أنه لا ينفذ ذلك إلا لمن هو أهل.
-
وإن كان وصياً في تفرقة ثلثه، ففرقه وهو عدل،
-
فلا شيء عليه. وإن كان فاسقاً والوصية لمعينين،
-
فلا شيء عليه أيضاً؛ لأنه دفعه إلى مستحقه،
-
وإن كان لغير معين، ففيه وجهان:
-
أحدهما: لا غرم عليه؛ لأنه دفعه إلى مستحقه بإذن الميت، أشبه ما لو كان لمعينين.
-
والثاني: يغرم لأنه فرقه ولم تكن له تفرقته، فغرمه، كما لو جعلت تفرقته إلى غيره، والله تعالى أعلم
-
يلزمه أن يسوي بين الخصمين في الدخول عليه، والمجلس، والخطاب، والإقبال عليهما، والسماع منهما، لما روت أم سلمة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من ابتلي بالقضاء بين المسلمين، فليعدل بينهم في لحظه، وإشارته، ومقعده، ولا يرفعن صوته على أحد الخصمين، ما لا يرفعه على الآخر» رواه عمر بن شيبة في كتاب قضاة البصرة.
-
وكتب عمر إلى أبي موسى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: واس الناس في وجهك ومجلسك وعدلك، حتى لا ييأس الضعيف من عدلك،
-
ولا يطمع شريف في حيفك.
-
وجاء رجل إلى شريح وعنده السري، فقال: اعدل بي على هذا الجالس إلى جنبك، فقال شريح للسري: قم فاجلس مع خصمك. قال: إني أسمعك من مكاني، قال: لا. قم فاجلس مع خصمك، إن مجلسك برتبته، وإني لا أدع النصرة وأنا عليها قادر؛
-
ولأن إيثار أحد الخصمين في بعض ما ذكرنا يكسر خصمه. والمستحب أن يجلسهما بين يديه، لما روى ابن الزبير قال: «قضى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يجلس الخصمان بين يدي القاضي» . رواه أبو داود ولأنه أمكن لخطابهما،
-
فإن كان أحدهما مسلماً والآخر ذمياً، جاز رفع المسلم عليه، لما روى إبراهيم التيمي: أن علياً - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حاكم يهودياً إلى شريح، فقام شريح من مجلسه، فأجلس علياً فيه، فقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لو كان خصمي مسلماً لجلست معه بين يديك، ولكني سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لا تساووهم في المجالس» .
-
ولا ينبغي أن يضيف أحد الخصمين دون صاحبه، لما روي عن علي كرم الله وجهه أنه نزل به رجل، فقال: ألك خصم؟ قال: نعم. قال: تحول عنا، فإني سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لا تضيفوا أحد الخصمين إلا ومعه خصمه» .
-
ولا يسار أحدهما، ولا يلقنه حجته،
-
ولا يأمره بإقرار ولا إنكار، لما فيه من الضرر.
-
فإن لم يحسن الدعوى، ففيه وجهان:
-
أحدهما: لا يجوز له تلقينه كيف يدعي؛ لأن في تلقينه ما يثبت حقه به، أشبه تلقينه الحجة.
-
والثاني: يجوز؛ لأنه لا ضرر على الآخر في تصحيح دعواه، وله أن يزن عن أحدهما ما وجب عليه؛ لأنه نفع لخصمه،
-
ولا يكون إلا بعد انقضاء الحكم، وله أن يشفع لأحدهما إلى الآخر؛ «لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شفع إلى كعب بن مالك في أن يحط عن ابن أبي حدرد بعض دينه» . متفق عليه.
-
وإن أحب غلبة أحدهما ولم يظهر منه ذلك بقول،
-
ولا فعل، فلا شيء عليه؛ لأن التسوية في المحبة والميل بالقلب لا يستطاع، فأشبه التسوية بين النساء.
-
ولا ينتهر خصماً دون الآخر، لئلا يكسره، إلا أن يظهر منه لدد، أو سوء أدب، فينهاه فإن عاد زجره.
-
فإن عاد، عزره. ولا يزجر شاهداً،
-
ولا يتعيبه؛ لأن ذلك يمنعه أداء الشهادة على وجهها ويدعوه إلى ترك القيام بتحملها وأدائها، وفيه تضييع للحقوق.
-
وإذا حضر القاضي خصوم كثيرة، قدم الأول، فالأول؛ لأن الأول سبق إلى حق له، فقدم، كما لو سبق إلى موضع مباح.
-
فإن حضروا دفعة واحدة أو أشكل السابق، أقرع بينهم،
-
فمن قرع، قدم؛ لأنهم تساووا، فقدم أحدهم بالقرعة، كالنساء إذا أراد السفر بإحداهن.
-
وإن ثبت السبق لأحدهم، فآثر غيره بسبقه، جاز؛ لأن الحق له، فجاز إيثاره به، كما لو سبق إلى مباح.
-
ولا يقدم السابق في أكثر من حكومة واحدة، كيلا يستوعب المجلس بدعاويه، فيضر بغيره.
-
وإن حضر مقيمون ومسافرون قليل في وقت واحد، وهم على الخروج، قدموا؛ لأن عليهم ضرراً في المقام،
-
وإن كانوا مثل المقيمين.
-
ولا يزال ضرر بمثله.
-
وإن تقدم خصمان، فادعى أحدهما حقاً على الآخر فقال الآخر: أنا جئت به، وأنا المدعي، قدم السابق بالدعوى؛ لأن ما يدعيه كل واحد منهما محتمل، وللسابق حق السبق، فقدم.
-
وإذا كان بين اثنين خصومة، فدعا أحدهما صاحبه إلى مجلس الحكم، لزمته إجابته، لقول الله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} .
-
فإن لم يحضر فاستعدي عليه، لزم الحاكم أن يعديه؛ لأن تركه يفضي إلى تضييع الحقوق.
-
فإن استدعاه الحاكم، لزمته الإجابة،
-
فإن أبى تقدم إلى صاحب الشرط ليحضره.
-
وإن استعدى على غائب، وكان الغائب في بلد فيه حاكم، كتب إليه، لينظر بينهما،
-
وإن لم يكن ثم حاكم، وكان ثم من يتوسط بينهما، كتب إليه لينظر بينهما.
-
فإن لم يكن ثم من ينظر بينهما، لم يحضره حتى يحقق الدعوى؛ لأنه يجوز أن يكون المدعى ليس بحق، كثمن الكلب، والخمر،
-
فلا يكلفه مشقة الحضور، كما لا يقضي به فإذا حقق الدعوى أحضره، بعدت المسافة أو قربت، لما روي أن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كتب إلى المهاجر بن أبي أمية: أن ابعث إلي بقيس بن المكشوح في وثاق، فأحلفه خمسين يميناً، على منبر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه ما قتل داذويه؛
-
ولأننا لو لم نلزمه الحضور، جعل البعد طريقاً إلى إبطال الحقوق.
-
وإن استعداه على امرأة برزة، فهي كالرجل؛ لأنها مثله في الخروج إلى الحاجات.
-
وإن كانت غير برزة. لم تكلف الحضور، وتوكل من يحاكم عنها.
-
فإن توجهت اليمين عليها، بعث إليها من يحلفها؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» ولم يكلفها الحضور.
-
إذا حضر القاضي خصمان، فادعى أحدهما على الآخر شيئاً تصح دعواه، فللقاضي مطالبة الخصم بالخروج من دعواه قبل سؤاله؛ لأن شاهد الحال يدل على طلب المطالبة، فيقول له الحاكم: ما تقول فيما يدعى عليك؟
-
فإن أقر لزمه الحق.
-
ولا يحكم به إلا بمطالبة المدعي؛ لأن الحكم حق له، فلم يجز استيفاؤه بغير إذنه.
-
فإذا طالبه حكم له. فيقول: قد ألزمتك ذلك، أو قضيت عليك، أو أخرج له منه. ويحتمل جواز الحكم من غير مطالبة؛ لأن قرينة حاله تدل على إرادة ذلك؛ ولأن أكثر الناس لا يعلمون توقف الحكم على طلبهم، فتوقف الحكم عليه يفضي إلى فوات حقه؛
-
ولأنه لم ينقل هذا عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،
-
ولا عن خلفائه، فاشتراطه يخالف ظاهر حالهم.
-
وإن أنكر، فلم يعرف المدعي وقت البينة، قال له القاضي: ألك بينة؟
-
وإن كان يعلم فللقاضي أن يقول ذلك، وله أن يسكت.
-
فإن قال: ما لي بينة، قال له الحاكم: فلك يمينه.
-
فإن سأله إحلافه، أحلفه.
-
ولا يجوز إحلافه قبل مطالبة المدعي،
-
فإن فعل لم يعتد بها؛ لأنها يمين قبل وقتها، وللمدعي المطالبة بإعادتها.
-
وإن أمسك المدعي عن إحلافه.
-
ثم أراد إحلافه، فله ذلك؛ لأن حقه لم يسقط بالتأخير.
-
وإن قال: أبرأتك من اليمين، سقط حقه منها في هذه الدعوى. وله استئناف الدعوى، والطلب باليمين فيها؛ لأن حقه لم يسقط بالإبراء من اليمين. وهذه الدعوى غير التي أبرأه من اليمين فيها.
-
فإذا حلف سقطت الدعوى، لما روى وائل بن حجر: «أن رجلاً من حضرموت ورجلاً من كندة أتيا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال الحضرمي: إن هذا غلبني على أرضي ورثتها من أبي، وقال الكندي: أرضي وفي يدي لا حق له فيها، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: شاهداك أو يمينه، فقال: إنه لا يتورع من شيء، فقال: ليس لك إلا ذلك.» رواه مسلم بمعناه.
-
فإن امتنع عن اليمين لم يسأل عن سبب امتناعه،
-
فإن بدا فقال: أريد أن أنظر في حسابي، أمهل ثلاثة أيام؛ لأنها قريبة،
-
ولا يمهل أكثر منها؛ لأنه كثير. وقال أبو الخطاب: لا يمهل لأن الحق توجه عليه حالاً،
-
فلا يمهل به، كالمال.
-
وإن لم يذكر عذراً لامتناعه، قال له الحاكم: إن حلفت وإلا جعلتك ناكلاً وقضيت عليك، ويكرر ذلك عليه ثلاثاً،
-
فإن حلف، وإلا حكم عليه، لما روى أحمد أن ابن عمر باع زيد بن ثابت عبداً، فادعى عليه زيد أنه باعه إياه عالماً بعيبه، فأنكر ابن عمر، فتحاكما إلى عثمان، فقال له عثمان: احلف أنك ما علمت به عيباً، فأبى ابن عمر أن يحلف، فرد عليه العبد؛
-
ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «اليمين على المدعى عليه» فحصرها في جنبته، فلم يشرع لغيره. واختار أبو الخطاب أنه لا يحكم بالنكول، ولكن ترد اليمين على خصمه، وقال: قد صوبه أحمد، وقال: ما هو ببعيد، يحلف ويستحق، فيقول الحاكم لخصمه: أتحلف وتستحق؟
-
لما روى ابن عمر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رد اليمين على صاحب الحق» . رواه الدارقطني. وروي أن المقداد اقترض من عثمان مالاً، فتحاكما إلى عمر، فقال عثمان: هو سبعة آلاف، وقال المقداد: هو أربعة آلاف، فقال المقداد لعثمان: احلف أنه سبعة آلاف، فقال عمر: أنصفك.
-
فإن حلف المدعي حكم له،
-
وإن نكل سئل عن سبب نكوله؛ لأنه لا يجب بنكوله لغيره حق،
-
بخلاف المدعى عليه. فإن قال: امتنعت؛ لأن لي بينة أقيمها، أو حساباً أنظر فيه، فهو على حقه من اليمين،
-
ولا يضيق عليه في المدة؛ لأنه لا يتأخر بتركه إلا حقه،
-
بخلاف المدعى عليه. فإن قال: لا أريد أن أحلف، فهو ناكل.
-
فإن عاد فبذل اليمين، لم تسمع منه في هذه الدعوى؛ لأنه أسقط حقه منها.
-
فإن عاد في مجلس آخر، واستأنف الدعوى، أعيد الحكم بينهما، كالأول.
-
فإن بذل اليمين هاهنا حكم بها؛ لأنها يمين في دعوى أخرى.
-
وإن كان للمدعي بينة عادلة، قدمت على يمين المدعى عليه، للخبر؛ ولأنها لا تهمة فيها؛ لأنها من جهة غيره، واليمين بينهم فيها.
-
ولا يجوز سماع البينة والحكم بها إلا بمسألة المدعي؛ لأنه حق له،
-
فلا يستوفى إلا بإذنه.
-
فإن شهدت البينة، فقال المدعى عليه: أحلفوه أنه يستحق ما شهدت به البينة، لم يحلف؛ لأن في ذلك طعناً في البينة.
-
وإن قال: قضيته، أو: أبرأني منه، أو: أحلته به، فأنكر المدعي، فسأل إحلافه، أحلف له؛ لأن ذلك ليس بتكذيب للبينة.
-
فإن كانت البينة غير عادلة، قال له الحاكم: زدني شهوداً،
-
فإن قال المدعي: لي بينة غائبة فأحلف المدعى عليه، أحلف؛ لأن الغائبة كالمعدومة، لتعذر إقامتها.
-
ومتى حضرت بينته وطلب سماعها وجب سماعها والحكم بها، لما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: البينة العادلة أحق من اليمين الفاجرة؛ ولأن البينة كالإقرار،
-
ثم يجب الحكم بالإقرار بعد اليمين كذلك بالبينة،
-
وإن قال: لي بينة حاضرة، ولكني أريد يمينه ثم أقيم بينتي، لم يستحلف؛ لأنه أمكن فصل الخصومة بالبينة وحدها، فلم يشرع معها غيرها، كما لو أقامها.
-
وإن قال: أحلفوه ولا أقيم بينتي، حلف؛ لأن له في هذا غرضاً وهو أن يخاف، فيقر، فيثبت الحكم بإقراره، وهو أسهل من إثباته بالبينة.
-
فإذا حلف فهل يمكن المدعي من إقامة البينة؟ على وجهين.
-
وإن قال: ما لي بينة،
-
ثم جاء ببينته، لم تسمع؛ لأنه أكذبها بإنكاره.
-
وإن قال: ما أعلم لي بينة،
-
ثم أقام بينة، أو قال شاهدان: نحن نشهد لك، فقال: هذان بينتي، سمعت؛ لأنه لم يكذب بينته.
-
وإن قال: ما أريد أن تشهدا لي، وأريد يمينه، حلف لما ذكرناه.
-
وإن قال: لي بينة، وأريد ملازمة خصمي، أو حبسه حتى أقيمها، لم يكن له ذلك، لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك» .
-
وإذا شهد شاهدان، فلم يعلم خصمه أن له جرحهما، قال له الحاكم: قد أطردتك جرحهما.
-
وإن كان يعلم، فله أن يقول له ذلك، وله أن يسكت.
-
فإن سأل خصمه الإنظار ليجرحهما، أنظر ثلاثاً، لما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أنه قال في كتابه إلى أبي موسى: واجعل لمن ادعى حقاً غائباً أمداً ينتهي إليه،
-
فإن أحضر بينة، أخذت له حقه، وإلا استحللت القضية عليه، فإنه أنفى للشك، وأجلى للعمى.
-
وإن قال: لي بينة بالقضاء أو الإبراء، أمهل ثلاثاً،
-
فإن لم يأت بها، حلف المدعي على نفي ذلك، وقضى له، وله ملازمته إلى أن يقيم بينة بالجرح أو القضاء؛ لأن الحق قد ثبت في الظاهر.
-
وإن شهد شاهدان، ولم تثبت عدالتهما في الباطن، فسأل المدعي حبس الخصم إلى أن يسأل عن عدالة الشهود، حبس؛ لأن الظاهر العدالة، وعدم الفسق، ويحتمل أن لا يحبس؛ لأن الأصل براءة ذمته.
-
وإن شهد له واحد، فسأله حبسه حتى يقيم له شاهداً آخر، ففيه وجهان:
-
أحدهما: يحبس كما لو جهل عدالة الشهود.
-
والثاني: لا يحبس؛ لأن البينة لم تتم.
-
وإن علم الحاكم الحال، لم يجز أن يحكم بعلمه، في حد ولا غيره، في ظاهر المذهب، لما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه تداعى عنده رجلان، فقال له أحدهما: أنت شاهدي، فقال: إن شئتما شهدت ولم أحكم، أو أحكم ولا أشهد.
-
وقال أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لو رأيت رجلاً على حد، لم أحده حتى تقوم البينة عندي؛ ولأنه متهم في الحكم بعلمه، فلم يجز، كالحكم لولده.
-
وعنه: يجوز له الحكم بعلمه سواء علمه في ولايته أو قبلها، «ولأن هنداً قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني لي ولولدي. فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» فقضى بعلمه؛
-
ولأنه حق علمه، فجاز الحكم به، كالتعديل والجرح، وكما لو ثبت بالبينة.
-
وإن كان للمدعي شاهد واحد عدل، في المال، أو ما يقصد به المال، حلف المدعي مع شهادته، وحكم له به؛ «لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قضى بشاهد ويمين» . رواه مسلم.
-
فإن أبى أن يحلف، وقال: أريد يمين المدعى عليه أحلفناه.
-
فإن نكل المدعى عليه، قضي عليه.
-
ومن قال: ترد اليمين، فهل ترد هاهنا؟ يحتمل وجهين:
-
أحدهما: لا ترد؛ لأنها كانت في جنبته، وقد أسقطها بنكوله عنها، وصارت في جنبة غيره، فلم تعد إليه، كالمدعى عليه إذا نكل عن اليمين، فردت على المدعي، فنكل عنها.
-
والثاني: ترد عليه؛ لأن هذه غير اليمين الأولى؛ ولأن سبب الأولى قوة جنبة المدعي بالشاهد. وسبب الثانية نكول المدعى عليه، فسقوط إحداهما لا يوجب سقوط الأخرى.
-
فإن سكت المدعى عليه، فلم ينكر ولم يقر، حبسه الحاكم حتى يجيب، ولم يجعله بذلك ناكلاً. ذكره القاضي في المجرد. وذكر أبو الخطاب أن الحاكم يقول له: إن أجبت وإلا جعلتك ناكلا، وحكمت عليك، ويكرر ذلك ثلاثاً،
-
فإن أجاب وإلا حكم عليه؛ لأنه ناكل عما يلزمه جوابه، فأشبه الناكل عن اليمين.
-
ومتى اتضح الحكم للقاضي، لزمه الحكم به، ولم يجز ترديد الخصمين؛ لأن الحكم لازم، وأداء الحق واجب، فلم يجز تأخيره.
-
وإن كان فيه لبس أمرهما بالصلح،
-
فإن أبيا، أخرهما، ولا يحكم حتى يزول اللبس، ويتضح وجه الصواب؛ لأن الحكم بالجهل حرام.
-
إن حضر رجل يدعي على رجل غائب عن البلد ولا بينة معه، لم تسمع دعواه؛ لأن سماعها لا يفيد.
-
وإن كانت له بينة، سمع الدعوى، والبينة وحكم بها؛ لأنها بينة مسموعة، فيحكم بها، كما لو شهدت على حاضر. وعن أحمد: لا يجوز القضاء على الغائب. وهو اختيار ابن أبي موسى؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «إذا تقاضى إليك رجلان، فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر، فإنك لا تدري بما تقضي» .
-
رواه الترمذي. وقال: حديث حسن؛ ولأنه قضى لأحد الخصمين وحده، فلم يجز، كما لو كان الآخر في البلد؛ ولأنه يحتمل القضاء والإبراء، وكون الشاهد مجروحاً، فلم يجز الحكم، كالأصل.
-
ولو ادعى على حاضر لم تسمع البينة، حتى يحضر، لما ذكرنا؛ ولأنه يمكن سماع قوله، فلم يحكم قبل سماعه، كحاضر المجلس. وتعتبر الغيبة إلى مسافة القصر؛ لأنها الغيبة التي تبنى عليها الأحكام.
-
فإن امتنع الخصم في البلد من الحضور عند الحاكم، وتعذر إحضاره، حكم عليه؛ لأنه لو لم يحكم عليه، لجعل الامتناع والاستتار طريقاً إلى تضييع الحقوق، ويكون حكمه حكم الغائب.
-
وإن هرب المدعى عليه بعد الدعوى، فهو كما لو هرب قبلها في الحكم عليه.
-
ولو كانت الدعوى على صبي أو مجنون، لحكم عليه بالبينة؛ لأنه لا يعبر عن نفسه، فهو كالغائب،
-
ولا يمين على المدعي في هذه المواضع كلها؛ لأنه أقام البينة بحقه فلم يستحلف، كما لو كان خصمه حاضراً.
-
وعنه: يستحلف؛ لأنه يجب الاحتياط. ويحتمل أن يكون قد قضاه أو أبرأه، أو غير ذلك،
-
وكذلك لو كان حاضراً، فادعى بعض ذلك وطلب اليمين، أجيب إليها، فمع الغيبة أولى،
-
وكذلك الحكم إن كانت الدعوى على مجنون، أو صبي؛ لأنه لا يعبر عن نفسه، فهو كالغائب.
-
ويجوز للقاضي أن يكتب إلى قاض آخر بما ثبت عنده، ليحكم به، وبما حكم به لينفذه، لما روى الضحاك بن سفيان قال: «كتب إلي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها» .
-
أخرجه أبو داود والترمذي؛ ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك.
-
فإن كتب بما حكم به لينفذه، جاز في المسافة القريبة والبعيدة؛ لأن إمضاء حكم القاضي لازم لكل قريب وبعيد.
-
وإن كتب بما ثبت عنده ليحكم به، لم يجز إلا إذا كان بينهما مسافة القصر؛ لأن القاضي الكاتب فيما حمل شهود الكتاب، كشاهد الأصل، وشهود الكتاب كشاهد الفرع.
-
ولا تقبل شهادة الفرع مع قرب الأصل.
-
ولا يقبل الكتاب إلا أن يشهد به شاهدان عدلان لأن ما أمكن إثباته بالشهادة، لم يجز الاقتصار فيه على الظاهر، كالمفقود. ويتخرج أن يجوز قبوله بغير شهادة، إذا عرف المكتوب إليه خط القاضي الكاتب وختمه، كقولنا في الوصية. والأول أولى؛
-
لأن الخط يشبه الخط، والختم يشبه الختم،
-
فلا يؤمن التزوير عليه.
-
فإذا أراد إنفاذ كتاب، أحضر شاهدين وقرأ الكتاب عليهما، أو يقرؤه غيره وهو يسمعه، والمستحب أن ينظر الشاهدان في الكتاب حتى لا يحرف ما فيه.
-
وإن لم ينظرا جاز؛ لأنهما يؤديان ما سمعا.
-
فإذا وصلا إلى القاضي المكتوب إليه، قرآ الكتاب عليه، وقالا: نشهد أن هذا كتاب فلان إليك سمعناه وأشهدنا به، كتب إليك بما فيه.
-
فإن قالا: نشهد أن فلاناً هذا كتب إليك بما في هذا الكتاب، وسلماه إليه من غير قراءته عليه، لم يقبله؛ لأنه ربما زور عليهما،
-
وإن لم يختم الكتاب، أو ختمه فانكسر الختم، لم يضر؛ لأن المعول على ما فيه.
-
وإن انمحى بعضه وهما يحفظان ما فيه، أو معهما نسخة أخرى، شهدا، وقبل الحاكم.
-
وإن لم يحفظاه، ولا معهما نسخة أخرى، لم يشهدا؛ لأنهما لا يعلمان ما انمحى منه.
-
وإن مات الكاتب، أو عزل، جاز للمكتوب إليه قبول الكتاب، والعمل به؛ لأنه إن كان الكتاب بما حكم به، وجب تنفيذه عل كل أحد،
-
وإن كان فيما ثبت لينفذ، فالكاتب كشاهد الأصل. وموت شاهد الأصل لا يمنع قبول شاهد الفرع.
-
وإن فسق الكاتب، ثم وصل كتابه، وجب قبوله فيما حكم به؛ لأن الحكم لا يبطل بالفسق بعده، ولم يقبل فيما ثبت عنده؛ لأنه كشاهد الأصل. وشاهد الأصل إذا فسق قبل الحكم، لم يحكم بشهادة الفرع.
-
وإن مات المكتوب إليه أو عزل، أو ولي غيره، قبل الثاني الكتاب؛ لأن المعول عل ما حفظه الشهود وتحملوه.
-
ومن تحمل شهادة وشهد بها، وجب على كل قاض الحكم بشهادته.
-
وإذا وصل الكتاب إليه، فأحضر الخصم، فقال: لست فلان ابن فلان، فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته.
-
فإن أقام المدعي بينة أنه فلان ابن فلان، ثبت ذلك،
-
فإن قال: المحكوم عليه غيري، لم يقبل قوله إلا ببينة تشهد أن له من يشاركه في جميع ما سمي ووصف به؛ لأن الأصل عدم المشاركة.
-
فإن قامت بالمشاركة بينة، توقف عن الحكم حتى يثبت من المحكوم عليه منهما.
-
فإذا ثبت، حكم به.
-
فإن قال المحكوم عليه: اكتب إلى الحاكم الكاتب أنك حكمت علي حتى لا يدعى ثانياً، ففيه وجهان. أحدهما: تلزمه إجابته ليخلص مما يخافه. والثاني: لا يلزمه؛ لأن الحاكم إنما يكتب بما حكم به، أو ثبت عنده، والحاكم هو الذي حكم به، أو ثبت عنده دون غيره.
-
إذا ثبت عنده حق بالإقرار، فسأله المقر له أن يشهد على نفسه بما ثبت عنده من الإقرار، لزمه ذلك؛ لأنه لا يؤمن أن ينكر المقر، فلزمه الإشهاد، ليكون حجة له إذا أنكر.
-
وإن ثبت عنده الحق بنكول المدعى عليه، فسأله المدعي أن يشهد على نفسه بثبوت النكول، لزمه؛ لأنه لا يؤمن أن ينكر بعد ذلك، ويحلف.
-
وإن ثبت عنده بيمين المدعي بعد نكول المدعى عليه، فسأله أن يشهد على نفسه بذلك، لزمه؛ لأنه لا حجة للمدعي غير الإشهاد.
-
وإن ثبت ببينة، فسأله المدعي الإشهاد، ففيه وجهان:
-
أحدهما: لا يجب عليه؛ لأن له بالحق بينة، فلم يلزم القاضي تجديد بينة أخرى،
-
وإن ادعى عليه حقاً.
-
الثاني: يلزمه؛ لأن في الشهادة على نفسه تعديلاً لبينته، وإثباتاً لحقه، وإلزاماً لخصمه.
-
وإن ادعى عليه حقاً، فأنكره، وحلف عليه، وسأله الحالف أن يشهد على براءته، لزمه، ليكون حجة له في سقوط الدعوى، حتى لا يطالبه بالحق مرة أخرى.
-
وإن سأله في هذه المسائل أن يكتب له محضراً بما جرى، وما ثبت له به الحق.
-
فإن لم يكن قرطاس من بيت المال، ولم يأته المكتوب له بقرطاس، لم يلزمه أن يكتب له؛ لأن عليه الكتاب دون الغرم.
-
وإن كان عنده قرطاس من بيت المال، أو أتاه صاحبه بقرطاس. فهل يلزمه كتابة المحضر؟ فيه وجهان:
-
أحدهما: يلزمه لأنه وثيقة بالحق، فلزمه كالإشهاد على نفسه.
-
والثاني: لا يلزمه؛ لأن الحق يثبت باليمين، أو البينة دون المحضر.
في كتب الخلاف
الإجماعابن المنذركتاب القضاة٣ مسائل
التجريدالقدوريمسألة ١٦٢٠، مسألة ١٦٢١، مسألة ١٦٢٢٥٠٩ مسألة
المبسوطالسرخسيكِتَابُ أَدَبِ الْقَاضِي، بَابُ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي٥٣٣ مسألة
بداية المجتهدابن رشدكِتَابُ الْأَقْضِيَةِ [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ مَنْ يَجُوزُ قَضَاؤُهُ]، الْبَابُ الثَّانِي فِي مَعْرِفَةِ مَا يَقْضِي بِهِ، الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الشَّهَادَةِ٢١٤ مسألة
المغنيابن قدامة، على «مختصر الخرقي»كتاب أدب القاضي، كتاب القاضي إلى القاضي، كتاب الأقضية٢٬٣٧٩ سطرًا
المجموع شرح المهذبالنووي، على «المهذب»لا كلام له في هذا الباب
الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر، على «المقنع»كِتَابُ الْقَضَاءِ، فَصْلٌ، فَصْلٌ١٬٠١٢ سطرًا
الفقه على المذاهب الأربعةعبد الرحمن الجزيريلا كلام له في هذا الباب
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميأسامة القحطاني وآخرونلا كلام له في هذا الباب
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)بإشراف علوي السقاف* أقسام القضاة وأعمالهم:، * حكم طلب القضاء:، ٤ - آداب القاضي٤٨ مسألة
عرضٌ لما في كتب المذاهب، وليس فتوى.في الخريطة: القضاء