مسألة ١٦٢٥
التجريدالحنفيةالمسائل ٥٢٬٣٣٤ إلى ٥٢٬٣٨٥
-
١/٦٥٣٩١/٦٥٣٩
البحث عن عدالة الشهود
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : يجوز للقاضي أن يحكم بشهادة الشهود وإن لم يعرف عدالتهم،
-
ولا يلزمه البحث عن باطنهم لم لا ي الحدود والقصاص وأن يطعن المشهود عليه فيهم.
-
وقال أبو يوسف ومحمد [رحمهما الله] : لا يحكم حتى يحث عن عدالتهم في الباطن. وبه قال الشافعي رحمه الله. قال أصحاب الشافعي: هل يعتبر في الإخبار العدالة الباطنة؟ فيه وجهان. قال: والمنصوص- وهو الصحيح في المذهب- أن النكاح ينعقد بشهادة من ظاهره العدالة.
-
فيها وجه آخر: أنه لا ينعقد لم لا بشهادة من يبحث عن عدالته في الباطن.
-
والكلام في هذه المسألة من طريقين، أحدهما: أن من أصحابنا من قال: لا خلاف فيها الآن، وإنما أجاب أبو حنيفة على عصره، وكانت العدالة ظاهرة على أهل زمانه، وقد عدلهم النبي - عليه السلام - بقوله: (خير القرون قرني الذي بعثت فيهم،
-
ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم،
-
ثم يفشو الكذب فيشهد الرجل قبل أن يستشهد) .
-
فأما بعده فلا يوجد فيهم هذا المعنى،
-
فلا بد من المسألة.
-
ومن أصحابنا من حمل المسألة على الخلاف، وقال: هذا الحكم باقٍ. واحتج بما روي أن أعرابيًا شهد عند النبي - عليه السلام - برؤية الهلال فقال: (أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟) قال: نعم. فقال: (الله أكبر، يكفي المسلمين أحدهم) . فاعتبر عدالة الإسلام.
-
فإن قيل: يجوز أن يكون سئل عن باطنه.
-
قلنا: حكم بشهادته في الحال، وأمر الناس بالصيام قبل أن تمضي مهلة المسألة، ويدل عليه قوله - عليه السلام -: (المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا محدود في فرية) . وهذا يدل على أن عدالة الإسلام تكفي.
-
١/٦٥٤٠١/٦٥٤٠
وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الكتاب المشهور في القضاء وقال فيه: (المسلمون عدول بعضهم على بعض؛ إلا مجلود في حد) . وهذه قصة مشهورة في الصحابة؛ لأن المسألة عن الشهود أمر لم يكن في زمن السلف. قال ابن شبرمة: أنا أول من سأل عن الشهود، فلم يكن أحد يتحرى.
-
ولو كان ذلك شرطًا لم يتركه من تقدمه.
-
ولأن الظاهر من أمر المسلمين الصحة؛ ولأنهم لم يركبوا ما لا تسوغه الشريعة، وقد ندبه إلى اعتقاد ذلك فيهم، وجمل أمورهم عليه.
-
ومن حصل له هذا الضرب من التعديل، لم يعتبر معه تجويز ما يخالفه، كمن عدل للحاكم ني زمانه، ثم شهد بعده.
-
ولأن الظاهر أن الإنسان يبلغ غير مرتكب الكبيرة مع بلوغه، فيستفيد عدالة ني تلك الحالة، وجواز أن يحدث غير ذلك لا يعتبر، كمن عدله الحاكم في زمان، ثم يشهد بعده.
-
ولا يلزم إذا طعن؛ لأن العدالة حاصلة، وقد صار البحث حقًا له بمطالبته.
-
ولا تلزم الشهادة بالحدود والقصاص؛ لأنا لا نكتفي فيها بالعدالة حتى توجد عدالة بصفة، كما يعتبر شهود بصفة.
-
ولأنهما لو حضرا عقد النكاح انعقد بشهادتهما، فلم يقف الحكم بشهادتهما على البحث عن عدالتهما كمن عدله القاضي مرة.
-
فإن نازعوا في الوصف؛ فالدليل عليه إجماع الأمة على عقده من غير بحث عن حال من يحضره ولا مسألة عن باطن حاله [...] .
-
ولأن كل صفة لا تعتبر في الشاهد كالمسألة الثانية.
-
ولأن من جاز أن يقبل قوله إذا بحث عن باطنه، جاز أن يقبل قوله من غير بحث كالمخبر. والدليل على أن هذا الأصل: أن الأمة أطبقت على قبول أخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - فيمن ظاهره الخير، ولم يبحث أحد من الناس عن باطن الرواة ولا يسأل عنهم، فمن
-
١/٦٥٤١١/٦٥٤١
زعم أنه لا يقبل الأخبار لم لا بمن بحث عن عدالته، خالف الإجماع.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم} . وقال: {ممن ترضون من الشهداء} .
-
قلنا: ذوا العدل عن جعلت له عدالة،
-
ومن كان مسلمًا، فله عدالة الإسلام. وإنما تزول بمخالفة الدين، وذلك لا يعلم، فالعدالة باقية.
-
كذلك قوله: {ممن ترضون} . المسلم الذي لم تظهر منه حرمة مرضي؛ لأن الله تعالى ذكر هذا في حال التحمل،
-
ولا خلاف أن عدالة الباطن لا تعتبر حال التحمل، فعلم أن المراد بذلك عدالة الظاهر.
-
قالوا: روي أن رجلين شهدا عند عمر، فقال لهما: أني لا أعرفكما،
-
ولا يضركما أني لا أعرفكما، فأتياني بمن يعرفكما. فجاءا برجل، فقال له: أترفهما؟ فقال: نعم. فقال: أكنت معهما في السفر الذي تتبين به جواهر الناس؟ فقال: لا، فقال: كنت جارهما تعرف صباحهما ومساءهما؟ فقال: لا، فقال: أعاملتهما بالدنانير والدراهم التي بهما تقطع الأرحام؟
-
قال: لا، قال: ابن أخي، إنك لا تعرفهما، قالوا: وهذا يدل على أن البحث والسؤال واجب.
-
قلنا: إنه حكاية حال، يحتمل أن تكون الشهادة في الحدود وهو الطاهر؛ لأنه طلب من الشهود التعديل،
-
ولو كان هناك خصم لالتمس منه التعديل. فلما التمس ذلك من الشاهد، دل على أن الشهود هم المدعون، وذلك لا يكون إلا في الحدود. على أن كتاب عمر إلى أبي موسى أظهر وأشهر، فيجب أن يرجع إلى ظاهر، ويحمل هذا على الحدود وذلك على بقية الحقوق.
-
قالوا: عدالة مشروطة في الحكم بالشهادة،
-
فإذا جهل الحاكم باطنها وجب السؤال عنها، أصله: عدالة الشهود في الحدود.
-
قلنا: جحود المشهود عليه بسبب الحد طعن على الشهود، والطعن لم ذا حصل ني غير الحدود وجبت المسألة، وليس كذلك الشهود في سائر الحدود.
-
ولأنه ليس بطعن، لجواز أن يصدق الشهود. ويصدق الخصم بأن يكون الدين قد
-
١/٦٥٤٢١/٦٥٤٢
قضي أو أبرأ ذمته والعقد قد فسخ.
-
ولأن الحدود قد اعتبر فيها من الاحتياط ما لم يعتبر في غيرها، فيجوز أن تحصل عدالة الظاهر ويقف الحكم على معنى أخر، كما يحصل العدد الذي يقطع به في الحقوق، فتعتبر زيادة عدد أو صفة ليحكم به في الحدود.
-
قالوا: كل عدالة وجب السؤال عنها إذا طعن الخصم وجب،
-
وإن لم يطعن، كالعدالة في الحدود.
-
قلنا: إذا طعن الخصم، صارت المسألة حقا له،
-
وان لم يثبت قبل طعنه، كما أن العيب لم ذا ثبت وجب الرد به،
-
فإذا ادعى البايع رضا المشتري، وجب على الحاكم أن يسأله عن ذلك،
-
ولو لم تدع، لم يسأل.
-
قالوا: يجب عليه أن يسأل عن إيمانه، كذلك عن عدالته.
-
٣٢٤١٦: لا نسلم هذا؛ لأن الظاهر أنه من أهل دار الإسلام،
-
وإذا لم تكن هناك أمارة الكفر لم يجب السؤال،
-
وكذلك الحرية لا تحتاج أن يسأل عنها.
-
فإذا طعن الخصم بالكفر أو ادعى الرق، وجب اعتبار ذلك كما يعتبر في العدالة.