فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

مسألة ١٦٣٣

التجريدالحنفيةالمسائل ٥٢٬٥٠٩ إلى ٥٢٬٦٦٥

  1. ١/٦٥٥٤١/٦٥٥٤

    حكم القاضي على غائب

  2. قال أصحابنا [رحمهم الله] : لا يجوز للقاضي أن يقضي على غائب حتى يحضر، أو يحضر من يقوم مقامه بأمره، أو من يقوم مقامه حكمًا.

  3. وقال الشافعي رحمه الله: يجوز القضاء على الغائب عن المصر بالبينة،

  4. وإذا كان فيه حاضرًا فيه وجهان.

  5. لنا: ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعلي - رضي الله عنه - حين بعثه إلى اليمن: (لا تقض لأحد الخصمين حتى تسمع من الآخر) . وهذا نص في منع الحكم على الغائب؛ لأنه لم يسمع قوله.

  6. قالوا: روي أنه قال: (إذا حضرك الخصمان وإذا جلس إليك الخصمان) .

  7. قلنا: لا يخلو إما أن يكونا خبرين أو خبر واحد،

  8. فإن كانا خبران استعملناهما وقلنا: إذا حضرا، لم يجز القضاء لأحدهما قبل سماع قول الآخر بأحد الخبرين،

  9. وإذا غاب أحدهما لم يقض بالخبر العام الآخر.

  10. وان كانا خبرًا واحدًا، فالأشبه أن يكون أصله خبرنا؛ لأنه عام، والراوي يجوز أن يسمع العام فيروي الخاص؛ لأنه بعض ما سمع،

  11. ولا يجوز أن يسمع الخاص فيروى العام لأنه كذب.

  12. ولأن الخبر الذي رووه دليل عليهم؛ لأنه جعل العلة التي يجوز القضاء معها سماع قول الآخر، وما بعده للغاية

  13. بخلاف ما قبلها، فاقتضى الخبر أنهما إذا حضرا فسمع الدعوى وغاب المدعى عليه قبل سماع قوله أنه لا يجوز القضاء، وهذا خلاف قولهم.

  14. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا منع أن يقضي للمدعي إذا حضر خصمه قبل سماع قوله مع مشاهدة المدعى عليه لدعوى خصمه وسماعه لحجته ويسأله عن الطعن فيها، فلأن لا يحكم على الغائب مع أنه لو يعرف ما عنده من الطعن والاعتراض أولى.

  15. ١/٦٥٥٥١/٦٥٥٥

    قالوا: قوله: (إذا حضرك الخصمان،

  16. فلا تقض لأحدهما) . دليله إذا غاب أحدهما قضى للآخر قبل سماع قول خصمه.

  17. قلنا: ليس من أصلنا القول. ولأنا بينا أن ذكر حضور الخصمين تنبيه على حال غيبة أحدهما من حيث الأولى.

  18. قالوا: قوله: (ولا تقض لأحد الخصمين حتى تسمع من الآخر) . يقتضي حضورهما؛ لأنه سماهما خصمين، وذلك لا يكون مع عدم المخاصمة.

  19. قلنا: لم يرد - صلى الله عليه وسلم - حقيقة المخاصمة؛ لأنه سماه خصمًا قبل أن يستمع قول المدعى عليه،

  20. ويجوز أن يقر فلا يكون خصمًا مع أنه أراد المجاز دون الحقيقة، ويدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم - (البينة على المدعى، واليمين على المدعى عليه) . فأثبت البينة في جهة المدعي،

  21. ولا يكون مدعيًا حتى يجحد خصمه، ونحن لا نعلم أن الغائب ينكر،

  22. فلا يكون الحاضر مدعيًا فلا تسمع بينته.

  23. ولأن البينة معنى يختص بالحاكم، فغيبة الخصم تمنع الحكم بها ابتداء، أصله: اليمين.

  24. فإن قيل: اليمين حق المدعي، لا تثبت إلا بمطالبته،

  25. فلا يحكم بها [في غيبته؛ لأنه مستحق، لها كما أن البينة لما كانت حقًا للمدعي لم تثبت مع غيبته] .

  26. [قلنا: وقد تكون اليمين ... أقام البينة مع غيبة ... وهذه اليمين ...] .

  27. ولأن اليمين قد تكون عندهم حقا للمدعي إذا نكل خصمه عن اليمين،

  28. ثم لا نسع هذه الحجة مع غيبة خصمه.

  29. فإن قالوا: إنما تكون اليمين حجة، إذا نكل المدعى عليه.

  30. قلنا: وكذلك البينة إنما تكون حجة إذا كان هناك خصم جاحد،

  31. فأما إذا كان مقرا: فليست بحجة، ونحن نجوز أن يكون مقرًا.

  32. ولأن صحة الحكم تتعلق بمقضي عليه،

  33. فإذا منعت غيبة المقضي له الحكم ابتداء،

  34. ١/٦٥٥٦١/٦٥٥٦

    كذلك غيبة المقضي عليه يجب أن تمنع ابتداء الحكم.

  35. ولأن تعلق البينة بالقضاء عليه أكد من تعلقها بالمدعي؛ بدلالة أنه ليس في الأصول بينة إلا على مدعي عليه، وقد يكون بينات لا مدعي لها وهي البينات إذا قامت بالحدود،

  36. فإذا أثرت عند المدعي في الحكم ابتداًء، فلأن يؤثر غيبة المدعى عليه أولى.

  37. فإن قيل: صحة الحكم يعتبر فيه المدعي والمدعى عليه، والعين المدعاة لا يجب إحضارها لسماع البينة عليها،

  38. ثم غيبتها لا تمنع سماع البينة.

  39. قلنا: إذا غابت العين المدعاة فإن البينة [تسمع عندنا على قيمتها وهي الدية.

  40. فإن قيل: غيبة ...] البينة على كفيله،

  41. وإذا حضر الشفيع فادعى على المشتري عنه أنه اشترى الدار من يد الغائب، وأقام البينة، قضى بالشفيع على الغائب، وبمثله لا يحكم له مع غيبته.

  42. قلنا: نحن قلنا: إن غيبته تمنع الحكم عليها، وهاهنا وقع الحكم على الكفيل والمشتري وتعدى ذلك إلى الغائب، فلم يتوجه الحكم ابتداء عليه، وبمثله نقول: إن غيبة المدعي تمنع الحكم له ابتداء،

  43. ويجوز أن يتصل الحكم بحق غيره فيحكم له مع غيبته كالمشتري إذا ادعى أنه ابتاع هذا العبد من فلان الغائب وهو يملكه، والمودع إذا. أقام البينة أن هذه الدابة وديعة في يده لفلان الغائب حتى يأذن له القاضي في الإنفاق عليها ويجعل النفقة دينًا على الغائب.

  44. فإن قيل: لو حضرا جميعًا لم يجز أن يقضي بالبينة إلا بعد طلب المدعي،

  45. ويجوز أن يقضي بها مع كراهة المدعي عليه، كذلك مع غيبته.

  46. قلنا: لا يحكم بها وإن سأله المدعي إلا أن يكون خصمه جاحدًا عند السماع والحكم،

  47. فإن أقر في إحدى الحالتين لم يتعلق بالبينة حكم،

  48. فإذا كان غائبا، لم يعلم جحوده فلا يقضي بالبينة.

  49. ولأنه حق ثبت بالبينة فلا يجوز القضاء به مع غيبية المدعى عليه وعنه من قام مقامه كالحدود.

  50. ١/٦٥٥٧١/٦٥٥٧

    ولأنه حق من حقوق الآدميين،

  51. فلا يقضي به ابتداء مع غيبة المقضي عليه كالقصاص.

  52. ولأن كل حالة لو كان عليها المدعي [... الحكم إذا كان عليها] منعت الحكم عليه كالصغر والجنون.

  53. ولأن البينة حجة لأحد الخصمين،

  54. فلا يقضي بها القاضي مع غيبة الآخر كاليمين.

  55. ولأن القضاء بالبينة قبل سؤال الخصم عند الدعوى لا يجوز، أصله: إذا كان في المصر أو ي مجلس القاضي.

  56. قالوا: قال صاحب الإيضاح: إذا كان بحضرة القاضي وسع البينة ولم يسمع الدعوى؛ جاز في أحد الوجهين.

  57. قلنا: هذا خلاف الإجماع؛ لأن القضاة من لدن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلى يومنا يحضرون الخصوم.

  58. ولو ساغ الحكم بالبينة، لم يكن للإحضار وإلحاق الضرر بالخصم في قطعه عن أشغاله معنى.

  59. ولأن البينة لا يثبت حكمها في حق المقر،

  60. فإذا كان الخصم في مجلس القاضي؛ جاز أن يكون مقرًا فيقضي بأقوى السببين.

  61. قلنا: قد يحضر من لا يجوز إقراره مثل الوصي.

  62. ولأنه لو كان يحضره، بجواز أن يقر له لم يحضره مرة بعد مرة.

  63. فإن قيل: إنه يقضي بالبينة،

  64. فإن كان الخصم جاحدًا بقذف،

  65. وإن كان مقرًا أكد الحكم بإقراره.

  66. قلنا: سماع البينة في حق المقر لغو؛ لأن الإقرار أقوى الحجتين،

  67. فلا يثبت الأضعف معها،

  68. فإذا كان كذلك حكم وهو يجهل السبب الذي تعلق الحكم به، وهذا لا يجوز، كأربعة يشهدون بدين، وقال المزكون: اثنان منهم عدلان. لم يجز للقافي الحكم؛ لأنه يحكم مع جهالة السبب، ألا ترى أنه لا يدري بشهادة أنهم يحكم كذلك في مسألتنا؟

  69. احتجوا: بقوله تعالى {يداود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين

  70. ١/٦٥٥٨١/٦٥٥٨

    الناس بالحق}.

  71. قلنا: لا نسلم أن القضاء بالبينة مع جواز إقرار الخصم قضاء بالحق،

  72. ولا نسلم أنه قضى مع غيبته.

  73. ويجوز أن يطعن في الشهود أو يكون له مخلص من البينة، فقضى عليه وفوت هذا عليه، فقد قضى بحق.

  74. فإن قيل: حجة لا تفوته إذا حضر.

  75. قلنا: القدح في الشهود لا يسمع عندنا بعد القضاء بشهادتهم، إلا أن يقيم البينة أنهم عبيد أو كفار، وما سوى ذلك لا يسمح الطعن بهم.

  76. ولأنه يحكم عندهم ويدفع إلى المدعي ما يدعيه، فيبعث ويحضر خصمه فيقيم حجة تبطل ما دلت عليه البينة،

  77. ولا يقدر على الغائب، فيذهب حقه.

  78. احتجوا: بقوله تعالى: {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله}

  79. قلنا: لا نسلم إذا قضى مع غيبته، فقد قام بالقسط؛ لأن القسط التسوية بين الخصمين، وألا ينفذ لأحدهما حكم بالتحري، وهذا غير موجود هاهنا على ما بينا.

  80. احتجوا: بقوله - عليه السلام -: (لو أعطي الناس بدعواهم، لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، لكن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) . قالوا: (ولكن) لفظة موضوعة لإثبات ما بعدها والمخالفة بينه وبين ما قبلها، فصار تقديره: ولكن البينة تعطاها الدعوى.

  81. قلنا: المدعي من أنكر خصمه دعواه، وهذا لا يوجد قبل مسألته؛ لأن الخبر يقتضي الحالة التي لم يقم المدعي بينة، كلفه المدعى عليه اليمين، وذلك لا يكون إلا عند حضورهما.

  82. قالوا: روي أن معاوية قال لأبي موسى: أنشدك الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا حضر الخصمان فاتفقا على موعد، فوافى أحدهما ولم يواف الآخر؛ أنه قضى لمن وافى منهما؟ قال: نعم.

  83. ٣٢٥٠٧: لم يرد بذلك كل الحقول، وإنما أراد بعضها، فيحتمل أن يكون

  84. ١/٦٥٥٩١/٦٥٥٩

    حضرا فسمع البينة أو الإقرار.

  85. وإذا لم يحضر المدعى عليه، قضى للمدعي عند أبي يوسف ولم يقض له عند محمد؛ لأن الخبر يقتضي أن يقضي لكل واحد منهما إذا غاب صاحبه، ونعن نعلم أن المدعي إذا غاب لم يجز أن يستحلف المدعى عليه ويقضي بتأخير الخصوم، فلم يبق إلا أن يكون المراد: إذا حضر الخصمان، المدعيان للشيء الواحد، فاتفقا لموعد، فحضر أحدهما قضى له؛

  86. لأنه يستحق الجميع بينته. وإنما يسقط حقه لمزاحمة المدعى الآخر له،

  87. فإذا لم يحضر قضى لحاضر منها بالجميع.

  88. قالوا: روي أن هند امرأة أبي سفيان قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: (خذي من مال أبى سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف) .

  89. قلنا: هذا كان فتيا ولم يكن قضاء، بدلالة أنه لم يقدر النفقة ولا استحلفها أنها لم تستوف نفقتها، وكان حاضرًا فلم يوقف الأمر على مسألته عن دعواها.

  90. قالوا: روي أن الأنصار ادعوا عد النبي - صلى الله عليه وسلم - دم عبد الله بن سهل، فقضى بالدية على اليهود مع غيبتهم.

  91. قلنا: لم يحضر عند النبي منذ - عليه السلام - وإنما حضر الخصوم، ووجود القتل بخيبر اشتهر، فقضى بالشهر وكتب إليهم يخبرهم بالواجب في الشرع، وهذا فتيا لاقضاء، بين ذلك: أنه وداه، هو ولو كان ما كتب به قضاء لم يتحمل الدية.

  92. قالوا: روي أن عمر قال في قمة أسيفع: إنا بائعو ماله غدًا.

  93. قلنا: يجوز أن يكون ميتًا، فقام الإمام مقامه في قضاء ديونه،

  94. ويجوز أن تكون البينة بالديون سمعت أو علم أنه كان حيًا ووعد الغرماء ليأمره بالبيع.

  95. قالوا: سماع البينة في حال غيبة المدعى عليه جائز، وكل حالة للخصم يجوز للحاكم فيها سماع البينة عليه، يجوز القضاء فيها بالبينة عليه. أصله: إذا كان حاضرًا.

  96. قلنا: لا نسلم أن هذه بينة مسموعة عليه مع غيبته وغيبة من يقوم مقامه،

  97. ١/٦٥٦٠١/٦٥٦٠

    وإنما يسمع القاضي هذه البينة إذا سئل بأن يكتب إلى قاضي البلد الذي فيها الخصم بعد سماعها لم يجز القضاء بها حتى تعاد في وجهه. ويبين ذلك أنه يكتب بشهادة من لا يعرف عدالته ليعدله المكتوب إليه،

  98. ولو كان سمعها على وجه الإشهاد لاعتبر التعديل عنده.

  99. وإذا كان القاضي يسمعها متحملًا لها ليكتب بها، صار فيها كشاهد الفرع الذي لا يحتاج في التحمل [حضور الخصم] .

  100. فإن أسقطوا هذا الوصف. قالوا: سماع البينة جائز، فجاز القضاء بها.

  101. انتقض بمن ادعيت عين في يده، فأقام البينة أنها لفلان الغائب أودعه إياها، هذه البينة تسمع ولا يقضي بها.

  102. فإن قيل: الدليل على أنها بينة مسموعة وليس تحمل، أن شهود الفرع يعتبر فيهم العدد والحاكم واحد.

  103. قلنا: قول الحاكم يتعلق بالحكم لا يعتبر فيه العدد، أصله: إذا قال: أقر فلان عندي بكذا قبل قوله وحده، والشهادة بالإقرار تفتقر إلى عدد.

  104. قالوا: الحاكم يجب عليه أن يسمع ويكتب،

  105. ولو كان يحمل شهادة كان فيه بالخيار كشهود الفرع.

  106. قلنا: إنما وجب على القاضي؛ لأنه لا يمكن أن يكتب بذلك سواه ليتعين عليه، وشهود الفرع لا يتعين عليهم؛ لأنه يجوز أن يشهد غيرهم.

  107. فإن قيل: شهود الفرع يتحملون من غير دعوى، والقاضي لا يسمع هذه الشهادة إلا أن تتقدمها دعوى يدل على أنه ليس بتحمل.

  108. قلنا: إنا نفتقر هذا السماع إلى تقدم الدعوى ليجب على القاضي المكاتبة، ويصير ذلك حقًا للمدعي يطالب به.

  109. ولو سمع من غير دعوى، لكان مخيرًا إن شاء سمع وإن شاء لم يسمع كشهود الفرع.

  110. ولأن هذا عندنا ي معنى التحمل، وليس بصريح تحمل،

  111. فلا يلزمنا أن نسوي بينه وبين التحمل في سائر شرائطه.

  112. فإن قيل: قولكم: إن القاضي لا يقضي بهذا السماع إذا حضر الخصم

  113. ١/٦٥٦١١/٦٥٦١

    حتى يعيد الشهود الشهادة خطأ؛ لأن القاضي المكتوب إليه يقضي عند وصول الكتاب إليه بهذا السماع.

  114. قلنا: هذا غلط؛ لأن السماع الأول تحمل، والقاضي يؤدي بكتابه الشهادة إلى القاضي الثاني، فيقرأ الكتاب بمشهد من الخصم، ويقضي القاضي بهذا السماع لا بالأول، كما يقضي بشهادة شهود الفرع إذا سمعها.

  115. ولا يقضي بالتحمل الذي سبق تخريجه. تخريجه. تخريجه. من شهود الأصل رجع الكلام إلى العلة الأولى. والمعنى فيه: إذا كان الخصم حاضرًا أنه يتمكن من مقابلة البينة بما يقدح فيها، فلم يكن في سماعها تفويت حقه. وهذا المعنى لا يوجد مع غيبته.

  116. أو نقول: المعنى فيه أن الغيبة لو حصلت في حق المقضي له، منعت الحكم، كذلك إذا حصلت في حق المقضي عليه، والحضور لا يتبع الحكم للمقضي له كذلك المقضي عليه.

  117. قالوا: ما تأخر عن سؤال المدعى عليه إذا كان حاضرًا يقدم عليه إذا كان غائبًا، أصله: سماع البينة.

  118. قلنا: يبطل بيمين المدعي، فإنما يتأخر عن مسألة المدعى عليه إذا نكل عن اليمين،

  119. ولا يتقدم على مسألته وإن كان غائبًا. والمعنى فيه سماع البينة أنه لا يفوت بالسماع حق الخصم؛ لأن القاضي يكتب بالسماع ولا يقضي به المكتوب إلا بحضرته أو حضرة من قام مقامه، فيقدح ويحتج.

  120. وأما الحكم مع غيبة المدعى عليه ففيه تفويت حقه؛ لأنه قضى عليه من غير أن يتمكن من القدح والدفع، فيلزمه ما لو كان حاضرًا جاز ألا يلزمه، فالوافد تعذر بغيبته جوازه، فوجب أن يسقط اعتباره كما لو حضر فسكت ولم يحب عن الدعوى.

  121. قلنا: هذا غير مسلم؛ لأن ابن سماعة روى عن أصحابنا أنه يجلس حتى يقرأ وينكر. وذكر الخصاف: أن القاضي يسئل عن حاله،

  122. فإذا قيل له: إنه سليم السمع واللسان. قال له: إن أجبت، وإلا قضيت عليك بالنكول. فعلى هذا لا يتصور أن يسمع البينة. وقد ذكر ني الجامع أن القاضي يسمع عليه البينة، وذلك لأن الساكت في حكم المنكر، ولهذا قالوا فيمن زعم أنه رسول صاحب الوديعة في قبضها، فلم يصدقه المودع ولم يكذبه، ودفع إليه،

  123. ثم حضر صاحب الوديعة فجحد أنه أرسله: رجع المودع على الرسول كما يرجع إذا جحد وسلم إليه. والمعنى فيه: أنه لما سأله، فقد تمكن من القدح ومن المعارضة، فلما سكت دل على أنه لا حجة عنده. وإذا كان

  124. ١/٦٥٦٢١/٦٥٦٢

    غالبًا فيجوز أن تكون له حجة عنه لو حضر لذكرها.

  125. قالوا: دعواه سريان فإذا سئل الحاكم الحكم به وجب، أصله: إذا كان حاضرًا،

  126. وإذا ادعى أن فلانًا الغائب وكله باستيفاء دينه، أو ادعى أن هذا الحاضر اشترى من فلان الغائب وأنه شفيع،

  127. وكذلك إذا ادعى على ميت فأقام عليه البينة بحضور الوارث.

  128. قلنا: لا نعلم مدعيًا حتى نعلم جحود خصمه،

  129. فإذا جوزنا أن يكون معترفًا، فهذا ليس بمدع،

  130. وكذلك لا نسلم أن البينة برهان، إلا أن يكون هناك خصم جاحد. وأصلهم: إذا كان حاضرًا وقد نكلها عليه،

  131. فأما المسائل التي عددوها: فالبينة مسموعة على خصم حاضر، ويتعدى الحكم إلى الغائب تبعًا، فيصير الحاضر خصمًا عنه وقائمًا مقامه حكمًا لوكيله الذي يقوم مقامه أمرًا وتفويضًا. يبين ذلك: أن القضاء بالشفعة حق الشفيع وهو لازم للمشترى،

  132. ولا يتوصل إلى إثباته عليه إلا بإثباته على البائع، فصار الحاضر هو المقصود بالقصد، والغائب تابع له في ذلك،

  133. وكذلك بقية المسائل. يبين هذا: أنا نقضي بملك الغائب إذا اتصل بدعوى الحاضر،

  134. وان كان القضاء لا يجوز مع غيبة المقضي له.

  135. ولأن أحد الخصمين في هذه المسائل اتصل بالحق الآخر فاقتضى أن يصح بصحته كالعبادات لم تتعلق صحة بعضها ببعض، كما أن الحقين في مسألتنا إذا انفرد أحدهما عن الآخر لم يثبت أحدهما بثبوت الآخر.

  136. قالوا: فمن لا يعتبر رضاه في الحكم عليه، لا يعتبر حضوره، أصله: المضمون عنه.

  137. قلنا: الحضور يحتاج إليه ليأتي بحجة ويطعن في حجة خصمه، والرضا لا معنى له في ذلك،

  138. فأما الكفيل فقام مقام المكفول عنه من طريق الحكم لما ذكرنا.

  139. قالوا: تأخير الحكم بالبينة على الغائب ليس له معنى؛ لأن الحاكم إذا حكم عليه ثم قدم، لم يخل أن يكون مقرًا أو منكرًا،

  140. فإن كان مقرًا تأكد حكمه،

  141. وإن كان منكرًا فحكم الجاحد أن تسمع عليه البينة ويقضي بها عليه.

  142. قلنا: قد بينا أن في التأخير فائدة؛ لأنه إذا حكم فات الطعن في العدالة ويوفيه المال، ويغيب ويحضر الغائب وله حجة تبطل ما قامت به البينة عليه، فلا

  143. ١/٦٥٦٣١/٦٥٦٣

    يتوصل إلى استرجاع ماله.

  144. ولأنا بينا أن القضاء لا يقع بالبينة مع الإقرار،

  145. فإذا جوزنا أن يكون مقرًا أو جاحدًا، فالحكم بأحد الأمرين وهو سبب مجهول، وذلك لا يجوز كما لا يجوز إذا شهد أربعة، فزكى منهم شاهدان بغير أعيانهما، لم يجز أن يحكم بهذه الشهادة بجهالة السبب المحكوم به.

  146. قالوا: قال أبو حنيفة: يقضى على الغائب بنفقة زوجته.

  147. قلنا: هذا كان قول أبي حنيفة، فرجع عنه، ذكر رجوعه في الأصل.

  148. قالوا: إذا حضرت المرأة زوجة الغائب فأحضرت رجلًا في يده وديعة لزوجها، فاعترف بالزوجية والوديعة قضى القاضي عليه بالنفقة، وذلك قضاء على الغائب.

  149. قلنا: هذا الرجل اعترف بوجوب حقها فيما في يده من المال وهو له في الظاهر ولم يحكم به للغائب بإقراره، لجواز أن يكذبه فيه صار القضاء متوجهًا على الحاضر لازمًا للغائب حكمًا.

  150. فإن قيل: فلو حضر غريم الغائب، لم يقض له على المودع بشيء.

  151. قلنا: هذا لا يلزمنا؛ لأن القضاء عندنا إن كان على الحاضر لم يلزم أن يقضي على الحاضر يعترف به. على أن الفرق ينهما واضح؛ لأن الدين في ذمة القائم يحتاج أن يملكه له بما يقضي من الوديعة،

  152. فلا يجوز التمليك مع غيبته،

  153. وأما النفقة: فلم تثبت في الذمة، وإنما يجعلها القاضي في المال ابتداًء، فتصير كالاستحقاق. ولهذا لو طلبت نفقة ما مضى، لم يقض لها؛ لأنها صارت في الذمة فهي كالديون.

  154. قالوا: لو حضر له رجل، فأقر أنه باع العبد الذي في يته من فلان الغائب، وطلب الثمن باعه القاضي له وسلمه ثمنه، وهذا قضاء على الغائب.

  155. قلنا: هذا محمول على أن المشتري غاب ولا يعلم مكانه، فيصير مفقودًا، فيلي القاضي عليه في حفظ ماله، وينصب له وكيلًا بقبض العبد ويأمره ببيعه، ويسمع البينة على الوكيل،

  156. فلا يكون القضاء على الغائب إلا وقد حضر من قام مقامه بتنصيب الحاكم كما ينصب للميت وصيًا ويسمع عليه البينة، ويأمر بقضاء دونه.

  157. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على أشرف خلقه محمد وآله وصحبه وسلم.