الأيمان
الأطعمة والأيمان والنذور
هذه نصوص المتون كما هي، وليست مقارنة.للمقارنة: مسائل الخلاف في هذا الباب
في متون المذاهب الأربعة
-
كفارة اليمين الغموس
-
كفارة اليمين الغموس
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : يمين الغموس يأثم بها، ويلزمه الاستغفار والتوبة، ولا كفارة عليه.
-
وقال الشافعي رحمه الله: يجب فيها الكفارة.
-
لنا: ما روى ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من حلف على يمين يقتطع بها مالًا هو فيها فاجر، لقي الله تعالى وهو عليه غضبان) . وقد دل تصديقا في كتاب الله تعالى: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا} .
-
فذكر الله تعالى الوعيد في يمين الغموس دون الكفارة
-
وكذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالظاهر أن ذلك جميع حكمها، نلو وجبت الكفارة بينها.
-
وروى جابر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من حلف على منبري هذا بيمين آثمة، تبوأ مقعده من النار) .
-
وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - لما لاعن بين المتلاعنين قال: (أحدكما كاذب، فهل من تائب؟) فأمر بالتوبة، ولم يأمر بالكفارة. والتوبة معلوم وجوبها بالعقل، والكفارة إنما تعلم بالشرع، فكان بيان الكفارة لو وجبت أولى.
-
وروي عن ابن مسعود أنه قال: كنا نعد من الذي لا كفارة فيه اليمين الغموس. وهذا إخبار عنه وعن نظرائه وأصحابه.
-
فإن قيل: ذكر الله تعالى المأثم في هذه الآية ولم يذكر الكفارة، وبينها في الآية الأخرى.
-
قلنا: ذكر الله تعالى الكفارة في يمين معقود ولم يذكر في غيرها فلم يكن في ذلك بيان لما لا يعلم أنه منعقد.
-
فإن قيل: ذكر الله تعالى في يمين الغموس المؤاخذة مجملة فقال: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} . وبين - صلى الله عليه وسلم - المؤاخذة بالكفارة.
-
قلنا: قد ذكر الله تعالى المؤاخذة مجملة وبينها في الآية الأخرى بقوله: {أولئك لا خلق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله} . وبينها - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (لقي الله وهو عليه غضبان) .
-
ولو كانت المؤاخذة عبارة عما بينه وعن الكفارة، لم يؤخر ذلك عن وقت الحاجة.
-
وروي عن الأشعث بن قيس أنه قال: نزلت هذه الآية في وفي صاحب لي بيني وبينه [بئر في] أرض، فقال: هي لي، فأتينا النبي - صلى الله عليه وسلم - فاختصمنا إليه، وقال لي: (هل لك شهود؟) قلت: لا، فقال لصاحبي: (احلف) ، فعند ذلك نزلت الآية.
-
والبيان لا يتأخر عن وقت الحاجة.
-
فإن قيل: بأنه بين حكم الآخرة.
-
قلنا: الظاهر أن ما بينه جميع الحكم.
-
ولأنه - صلى الله عليه وسلم - بين حكم الدنيا في اليمين الغموس، فقال: (تدع الديار بلاقع) ولم يذكر الكفارة.
-
ولأنها يمين على أمر واقع،
-
فلا تتعلق بها الكفارة كاللغو.
-
ولأنها يمين يقارنها الحنث، فوجب لمن لا يتعلق بها الكفارة، أصله: بين اللغو. والدليل على مقارنة الحنث لها: أن ما به يحنث مقدم عليها، كما أن ما به
-
يكذب المخبر [يقدم الخبر] .
-
فإن كان الكذب يقارن خبر المخبر بالكذب، كذلك لا يحنث يقارن الحلف.
-
ولا يلزم إذا حلف ليصعدن السماء أو ليقلبن هذا الحجر ذهبًا؛ لأن الحنث يتأخر هذا اليمين، بدلالة أن الحنث لا يكون باليأس من الفعل حتى يمضي وقت الفعل. ولهذا لو حلف ليصعدن السماء اليوم، لم يحنث حتى يمضي اليوم،
-
وان كان اليأس موجودًا أول النهار ففي مسألة الإلزام اقتضت اليمين فعلًا يعقبها بشرط الحنث اليأس في ذلك الوقت، ولم يوجد [منع يحنث به مع اليمين لكنه] يعقبها.
-
فإن قيل: يمين اللغو غير مقصودة، فلم تتعلق الكفارة بها، والغموس مقصودة فيه فيتعلق بها الكفارة، وحقوق الله تعالى يختلف فيها القصد وغير القصد، وعدم القصد في يمين للغو ليس هذا هو المسقط للكفارة، لكنه منع انعقاده، ولم تجب الكفارة بقصد الانعقاد.
-
وهذا المعنى موجود ي مسألتنا؛ لأن اليمين لم ينعقد لمعنى آخر، وليس عدم الانعقاد مختصًا بعدم القصد.
-
ولأنها يمين لو وجدت مع النسيان، لم يتعلق بها كفارة، كذلك إذا وجدت مع القصد كاليمين مع الاستثناء.
-
ولأنها يمين لم يتأخر عنها الحنث،
-
فلا تجب بها كفارة كيمين الصبي والمجنون واليمين مع الاستثناء واللغو.
-
ولأن اليمين لا تتعلق الكفارة بها كاليمين على المستقبل.
-
ولأن الكفارة تجب بارتكاب ما حظر به اليمين أو بمخالفة ما أوجبه، والإيجاب إنما يكون في المستقبل دون الماضي كأوامر الله تعالى ونواهيه. والدليل على أن هذا لا ينعقد أن العقد ما توهم فيه البقاء والانحلال، وهذا لا يوجد في الغموس.
-
ولا يلزم إذا حلف ليصعدن السماء؛ لأن البقاء متوهم، بدلالة أنه لو قال: لأصعدن السماء اليوم. لم يحنث إلا بعد غروب الشمس.
-
وإذا أطلق فاليمين يبقى وقتًا واحدًا يعجز عن الفعل منه ثم ينحل.
-
ولأن ما يوجب انحلال العقد إذا قارنه، منع انعقاده كالردة إذا قارنت
-
عقد النكاح والرضاع إذا قارنه، والحدث إذا قارنه تحريمة الصلاة.
-
ولا يلزم إذا حلف ليصعدن السماء؛ لأن الموجب بحل اليمين اليأس من الفعل في الزمان الذي اقتضت اليمين الفعل فيه، وذلك لا يكون إلا في وقت مستقبل بعد اليمين.
-
ولا يلزم إذا اشترى ذا رحم محرم منه؛ لأن المعنى الموجب لزوال الملك العتق، وذلك لا يقارن الشراء، وإنما تقارنه القرابة التي هي سبب الحرية.
-
ولأن العقد ما أوجب معنى أو حرم معنى، وهذا اليمين لا يوجد فيها أحد المعنيين فلم ينعقد إذا ثبت هذا، وكل يمين لم ينعقد لا تتعلق بها كفارة، أصله يمين اللغو؛ لأن الله تعالى أوجب الكفارة في اليمين المنعقدة.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [إلى قوله] : {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} . قالوا: كفارة اللغو المنعقدة وان كانت هذه اليمين ليست بلغو كانت منعقدة،
-
ثم فرق بين اللغو وغيرها بالمؤاخذة، وهذه اليمين مؤاخذ بها، فيجب أن تدخل في خبر التكفير.
-
ثم قال: فكفارته تعلق التكفير بعقد اليمين، وذلك لا يكون إلا في الغموس.
-
ثم قال: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم} . فكل حالف يجب أن تكون ذلك كفارته إلا ما خصه دليل، والحالف اسم لمن حلف على الماضي، قال الله تعالى: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر} . فسمى الغموس حالفًا.
-
الجواب: أن الله تعالى نفي المؤاخذة عن عين اللغو، وأثبتها في اليمين المنعقدة، وقد دللنا على أن هذه اليمين غير منعقدة؛ لأنها لا توجب شيئًا ولا تثبت تحريمًا.
-
فإن قيل: قرئت الآية بقراءتين بالتخفيف والتشديد، فقوله: {عقدتم} بالتشديد يفيد عقد القلب.
-
قلنا: قال الزجاج وأبو على: إن {عقدتم} بالتشديد لا يجوز أن يفيد معنى غير ما أفاد {عقدتم} التخفيف، وإنما يفيد التأكيد والتكرار، كقولنا: قلت وقتل، وضرب وضرب.
-
فإذا كل واحد من القراءتين يفيد الانعقاد.
-
قالوا: عقد اليمين هو القصد إليها بقلبه، يدل عليه قوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} . وكسب القلب هو القصد به، قال الشاعر:
-
خطرات الهوى تروح وتغدو ولقلب المحب حل وعقد
-
قلنا: العمل هو الانعقاد لا القصد، بدلاله عقد البيع والنكاح،
-
فأما قوله تعالى في سوره البقرة: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} . فالمراد به مؤاخذة المأثم. وقوله في سوره المائدة: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} . المراد به المؤاخذة بإيجاب الكفارة دون المأثم، بدلالة أن الكفارة تتعلق بالمؤثم فيه وبما يجب فيه الحنث إذا حلف لا يصلى، أو ليقتلن فلانًا.
-
فأما السر الذي ذكره:
-
فلا نعلم أنه مما يجوز الاحتجاج بقول مائلة، وهذا كلام لين من شعر المحدثين. على أن المراد به ليس القصد، وإنما المراد ما يخامر القلب من الحب ثم يفارقه، فسمى القلب بالحب عقد للقلب، وجعل زوال ذلك كلمه والحب فالقلب بغير قصد،
-
فلا يثبت لمخالفنا ما ماله.
-
فإن قيل: إن الله تعالى قال: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} . وهذه يمين عقدها وإن لم تنعقد. وقد يقال: عقد فيما لم ينعقد، كبيع الحر.
-
قلنا: هذا ليس بصحيح؛ لأن العقد الفعل، والانعقاد المفعول، فلا يقال: عقد.
-
فأما قولهم: أنه قابل اللغو بالمنعقدة،
-
فإذا كانت هذه اليمين من غير
-
اللغو كانت منعقدة.
-
وليس بصحيح؛ لأن هذا يكون إذا ثبت أنه لا قسم لليمين إلا قسمين،
-
فأما اليمين عندنا فثلاثة أقسام،
-
فلا يصح ما قالوه. كما إذا قلنا: هذا قتل ليس بخطأ. لم يجب أك يكون عمدًا؛ لأن القتل: عمد، وشبه عمد، وخطأ.
-
فإذا انتفي عنه الخطأ لم يثبت العمد.
-
وأما قولهم: إنه فرق بين اللغو وغيرها بالمؤاخذة.
-
فقد بينا أن المؤاخذة المذكورة في المائدة هي المؤاخذة بإيجاب الكفارة لا بالمأثم.
-
وأما قوله: إنه علق الكفارة بنفس اليمين.
-
غلط؛ لأن الحنث مراد بالإجماع، عندنا: المراد الحنث المتأخر، وعندهم المتقدم.
-
وقوله: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} . الحنث مضمر فيه عند مخالفنا، فالمضمر: قد كنتم حنثتم، وعنانا: إذا خلفتم خنثتم. وما قلناه أولى؛ لأنه قال: {واحفظوا أيمانكم} . واليمين التي يؤمر لزم بحفظها هي التي أمكن فيها البر والحنث،
-
فأما الغموس: فالحنث معها فلا يؤمر بحفظها.
-
فإن قيل: قوله: {واحفظوا أيمانكم} . معناه: لا تحلفوا. قال الشاعر:
-
قليل الألايا حافظ ليمينه فإن صدرت منه الألية برت
-
قالوا: والمراد بقوله: حافظ ليمينه. أي: لا تحلفوا. وليس المراد به: لا يحنث.
-
فإن هذا قد ذكره في المصراع الثاني.
-
قلنا: حفظ الشيء حقيقته أن يوجد فيحفظ،
-
فأما ألا يوجد فيحفظ بمعنى أنه يفعل، فليس بحقيقة، يبين ذلك: أن الشاعر قال: قليل الألايا حافظ ليمينه. معناه: أنه يحلف قليلًا، ويحفظ ما حلف عليه. والمصراع الثاني، تأكيد لما في صدر البيت.
-
قالوا: وجد الحلف بالله، والمخالفة مع القصد والاختيار من الحالف، فوجب أن تكون الكفارة واجبة، أصله اليمين على المستقبل وإذا قال: لأقتلن فلانًا
-
وهو يعلم أنه ميت.
-
قلنا: أما المخالفة فلا نسلمها؛ لأنها تكون إذا عقد على المستقبل،
-
فأما الماضي فهو مخبر بالكذب.
-
ولا يقال: حالف ذكر العتبي في باب ما يضعه الناس في غير موضعه: وينتقض بالمولى إذا آلى، لا كفارة عليه عندهم مع وجود الأوصاف.
-
وقولهم: وجد الحلف بالله تعالى لا معنى له؛ لأن الكفارة لا تختص بذلك بدلالة من قال لامرأته: أنت حرام علي.
-
ومن قال: لله علي نذر. والمعنى في اليمين على الاستقبال، إذ الحنث لا يقارن في عقدها. وفي مسألتنا لما قارن عقدها لم تتعلق بها كفارة،
-
فإذا حلف ليقتلن فلانًا فاليمين يتعلق بها إيجاب معنى، فجاز أن يحل إلى الكفارة.
-
قالوا: ما تعلق بالحنث بالمستقبل تعلق بالماضي، أصله: وقوع الطلاق والعتاق.
-
قلنا: إذا قال: إن كنت دخلت الدار فامرأتي طالق. هذا الإيقاع من غير شرط، فوقع. وفي مسألتنا: لا يتعلق باليمين بالشرط، فسقط وبقي ذكر اسم الله تعالى لا على وجه اليمين، فلم لا يتعلق به كفارة، ولهذا المعنى وقع اللغو في هذا اليمين، ولم يقع في الطلاق والعتاق لغو عندنا.
-
ولأن تعليق الطلاق بأمر ماضٍ، لم يحنث.
-
ولو وكل وكيلًا بالطلاق، تعلق الطلاق بأمر ماضٍ وقع الطلاق،
-
ولو كان يمينًا لم يقع.
-
قالوا: يمين بالله تعالى مترددة بين الصدق والكذب، فيجب أن يكون الكذب؛ لأن الكذب ي الماضي، وفي المستقبل خلف الوعد.
-
وقولهم: فيجب أن يكون الكذب فيها حنثًا.
-
ليس بصحيح؛ لأن هذا تعليل لإثبات اسم، وأهل اللغة قالوا: إن الماضي كذب لا يسمى حنثًا.
-
فلا يصح القياس لإثبات لغة أنكروها، والمعنى في المستقبل ما ذكرنا.
-
قالوا: كل يمين لو صح البقاء عليها، كانت يمينًا تتعلق بها الكفارة،
-
وإن لم يصح البقاء عليه كقوله: لأقتلن فلانًا.
-
قلنا: لا نسلم أنه إذا قال: لأقتلن فلانًا. لا يصح البقاء عليها؛ لأنه تبقى جزء واحد من الوقت ثم يحنث، والمعنى في الأصل ما ذكرنا.
-
قال الشافعي: ليس في الغموس أكثر من المأثم، وذلك لا ينفي الكفارة كالظهار.
-
قلنا: ليس المانع من الكفارة المأثم، وإنما المانع عدم انعقاد اليمين.
-
قالوا: اليمين يقع على الماضي والمستقبل،
-
فإذا كانت اليمين على المستقبل انقسمت إلى: ما تجب فيه الكفارة، وما لا تجب كذلك الماضي
-
قلنا: اليمين على المستقبل عندنا غير منقسم، بل الكفارة تتعلق بجميعها، كما أنها على الماضي لا تنقسم،
-
فلا يتعلق بجميعها الكفارة.
-
قالوا: كل معنى إذا طرأ على عقد صحيح وأوجب الكفارة إذا قارنه، أوجب الكفارة كالوطء في الحج.
-
قلنا: لا فرق بين أن يوجد الوطء في الإحرام الصحيح أو الفاسد في إيجابه الكفارة،
-
ويبطل بمن أحرم وعليه طيب لو طرأ الطيب على الإحرام أوجب الكفارة،
-
وإذا قارن لم يوجب. والجماع إذا طرأ على الصوم، أوجب الكفارة،
-
وإن طلع الفجر وهو يجامع ونزع لم يوجب الكفارة. والمعنى في الإحرام: أن الكفارة تتعلق بهتك حرمته، وهذا المعنى موجود ي المقارن والطارئ، [والكفارات في مسألتنا تتعلق بحل يمين منعقدة، وهذا لا يوجد في الحنث بالمقارن] .
-
قالوا: اليمين إذا طرأ عليها اليأس من فعل المحلوف حلها،
-
فإذا قارنها لم يحل انعقادها كذلك المحالف.
-
قلنا: عندنا أن اليأس ما تناولته اليمين المقارن؛ لأنها تقضي إيجاد الفعل بعد اليمين، فما لم يوجد الوقت لا يتعلق باليأس حكم، كما لو قال: إن لم أصعد السماء غدًا. لم يحنث حتى يمضي الغد،
-
وإن لم يقدم اليأس على مضيه. يبين ذلك: أن فوات وقت الوجوب، يوجب فوات الحج،
-
فإذا أحرم قبل طلوع الفجر من الكوفة، فاليأس من الإدراك يتحقق ولا يصير حانثًا حتى يطلع الفجر.
-
قول الحالف أحلف أو أشهد
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : إذا قال الحالف: أقسم أو أحلف أو أشهد، كان حالفًا.
-
وقال الشافعي رحمه الله: لا يكون حالفًا.
-
لنا: قوله تعالى: {إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون} . ولم يقل: أقسموا بالله. والاستثناء إنما يدخل في اليمين، {وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين} . وقال تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله} .
-
ثم قال: {اتخذوا أيمانهم جنة} .
-
فإن قيل: إن الله تعالى أخبر أنهم أقسموا ولم يبين المقسم، فيجوز أن يكون أقسموا بالله، وهذا كما نقول: شتمت فلانًا. فذلك على وجود الشتم،
-
ولا يدل على اللفظ الذي شتم فيه.
-
قلنا: قوله تعالى: {إذ أقسموا} حكاية، فالظاهر أنهم قالوا: أقسمنا. وأنهم قالوا معنى ذلك غير الظاهر.
-
قالوا: روي أن الله تعالى لما عاتب آدم على الأكل من الشجرة قال: ما علمت أن أحدًا يقسم بك كاذبًا، فدل أن إبليس أقسم بالله.
-
قلنا: هو يقسم بالله تعالى وإن حذف اسمه من الكلام،
-
فلا يكون فيما قالوه دلالة.
-
ويدل عليه ما روى عبد الرحمن بن صفوان جاء أبي النبي - صلى الله عليه وسلم -
-
ليبايعه على الهجرة، فمد - عليه السلام - يده فبايعه، وقال: (أبررت عمي،
-
ولا هجرة بعد الفتح) .
-
وقولهم: إن الراوي اختص اسم الله غير الظاهر. وروي أن أبا بكر فسر رؤيا، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أصبت بعضًا، وأخطأت بعضًا) . وقال أبو بكر: أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني بالذي أخطأت. فقال - عليه السلام -: (لا تقسم يا أبا بكر) .
-
ولم يقل: أقسمت بالله.
-
ولأن قوله: (أقسم) حذف المفعول، قال أبو علي: هذا جائز،
-
ويجوز القياس عليه، وإنه كثير في القرآن، قال تعالى: {ربنا إنى أسكنت من ذريتي} . تقديره: ذرية من ذريتي.
-
فإذا كان كذلك، فذكر اسم الله تعالى وحذفه سواء.
-
ولأن القسم جملة تؤكد بها جملة، والحلف بغير الله تعالى لا يجوز، فيجوز حمل أمر المسلم على الصحة، وأنه أقسم بما أذن فيه ولم يقسم بما نهي عنه.
-
ولأن القسم يذكر تعظيمًا للمقسم به، وهذا التعظيم يجري مجرى العبادات،
-
فلا يستحقه إلا الله تعالى، فصار ذلك معلق بالحسن حذفه.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم} الآية. واللعان يمين، فدل على أن اليمين يفتقر إلى ذكر اسم الله تعالى.
-
قلنا: اللعان شهادة مؤكدة باليمين، واليمين موضوعها أن يقع باسم الله تعالى، وقد يحذف الاسم اختصارًا؛ لأنه معلوم، وأمر الله تعالى بالأصل لا بالكلام وفيه احتمال، فأمر الله تعالى بذكر الاسم ليزول الاحتمال.
-
فإن قيل: هذا الاحتمال في الحالف موجود.
-
قلنا: إن أراد بقوله: أقسم بغير الله، لم يكن حالفا.
-
فإن قيل: فينبغي أن يكون الشاهد عند الحاكم حالفًا؛ لأنه قال: أشهد،
-
ويجوز أن يكون المؤذن حالفًا؛ لأنه قال: أشهد.
-
قلنا: لا يمتنع أن تكون الشهادة مؤكدة بالقسم، ويكون الخبر في الأذان مؤكدا بالقسم.
-
قالوا: لفظ عري عن اسم الله تعالى، فوجب ألا يكون يمينًا تتعلق بها الكفارة، أصله: إذا قال: [أولي أو لا أبالي] لأفعلن كذا، وقال لرجل حلف: يميني مثل يمينك، أو: عقدت مثل ما عقدت.
-
قلنا: لا نسلم أن اللفظ عري عن الاسم إذا كان محذوفًا وفي الكلام دلالة عليه،
-
ولو سلمنا أن اللفظ عري بمعنى أنه لم ينطق بالاسم لم يصح؛ لأن ما دل عليه الكلام من الحذف فحكمه حكم المذكور ولا يختلفان في المعنى.
-
فأما قوله: أولى. فهو يمين عندنا، والعرب تذكر ذلك حلفًا، قال الشاعر.
-
أولي برب الراقصات إلى منى ومطارح الألوان حيث تنير
-
فإذا حذفوا الصفة أو الاسم فهو كقولهم: أقسم.
-
وأما إذا قال: يميني مثل يمينك، أو عقدت ما عقدت، أو يميني في يمينك. فليس بيمين؛ لأنه لم يأت بشيء من الجملة.
-
وفي مسألة الخلاف جاء ببعض الجملة وحذف بعضها، فالمذكور فيها يدل على المحذوف، يبين ذلك: أنه إذا قال: أقسم بالله. كان يمينًا،
-
فلو قال: أحلف على مثل يمينك. لم يكن حالفًا عندهم.
-
قالوا: فإذا قال لا أفعل كذا. هلا جعلتموه حالفًا؛ لأنه أتى بجواب القسم، فدل على القسم.
-
قلنا: لأن القسم جملة مؤكدة، والمؤكدة قد تخلو من التأكيد، فلم يكن في ذكر الجواب دلالة على القسم، والجملة التي هي القسم لا تخلو من القسم، ففي اللفظ دلالة عليه.
-
فإن قيل: اللام في قوله: لأفعلن. لا تكون إلا جواب القسم.
-
قلنا: وقد يكون جوابًا لغير القسم، قال الله تعالى: {لئن لم ينته لنسفعًا بالناصية} .
-
قوله وحق الله
-
قال أبو يوسف، رحمه الله: إذا قال: وحق الله فهو يمين. وقال محمد رحمه الله. فليس ييمين.
-
[وقال الشافعي رحمه الله: هو يمين، نوى اليمين أو لم ينو،
-
وان يرد اليمين فليس بيمين] .
-
لنا: ما روى عبادة بن الصامت قال: قلت: يا رسول الله، ما حق الله على عباده؟ قال: (أن لا يشركوا به شيئا ويعبدوه، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة) . فأخبر أن حق الله العبادات، فصار كأنه حلف بالعبادات، فلا يكون حالفًا.
-
احتجوا: بأنها يمين معتادة بصفة مضافة إلى الله، فوجب أن تكون يمينًا قياسًا على قوله: وعظمة الله.
-
قلنا: قولكم: إنها يمين معتاد.
-
فلا نسلم ذلك في عادات السلف، قال الطحاوي: [قال مالك] - في قوله: وحق الله -: هذه يمين النساء والضعفاء من الرجال.
-
وقولهم: إنها بصفة مضافة إلى الله.
-
فليس كل صفة أضيفت إليه تعالى تكون يمينًا، إلا أن تكون من صفات ذاته، وحقه إذا كان بفعل الإنسان ما حلف، فليس هو من صفاته ذاته. ألا ترى أنه لا تصح الإشارة إلى غير الله تعالى فيقال: إنه من عظمته؟
-
يصح أن نشير إلى العبادات فتقول: إنها من حقوق الله تعالى.
-
قالوا: يمين بما يستحقه الله تعالى من صفات ذاته، فهو أكد من اليمين بصفة واحدة.
-
قلنا: لا نسلم هذا بل هو حلف بما يجب لله تعالى من الطاعات، وقد التزموا الحلف بأمانة الله. وقد ذكر الطحاوي هذه المسألة وقال: ليس بيمين؛ لأن الأمانة لا تكلف، قال الله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال} .
-
فقوله: وأمانة الله وحق الله سواء عندنا.
-
وقد ذكر ذلك الطحاوي بما روي بإسناده عن ابن بريدة عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من حلف بالأمانة فليس منا) .
-
فإن قيل: إذا كان الحق من صفات الله تعالى، فهلا جعلتموه كأنه قال: والله الحق؟.
-
قلنا: الحق اسم من أسماء الله تعالى،
-
فلو أراد ذلك لقال: والحق،
-
فإذا قال: وحق الله، فقد ذكر حقًا مضافًا إلى الله،
-
فلا يكون حلفًا كما لو قال: ورحمه الله، لم يكن حالفًا وإن كانت الرحمة من أسمائه تعالى.
-
قوله وعلم الله
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : إذا قال وعلم الله، فليس بيمين استحسانًا.
-
وقال الشافعي رحمه الله: هو يمين.
-
لنا: أنهم في العبادة يذكرون العلم ويريدون المعلوم، يقولون: اللهم اغفر لنا علمك. أي: معلومك، والحلف بمعلوم الله حلف بغيره.
-
فإن قيل: قد يذكرون القدرة ويريدون المقدور، فيقولون: لله تعالى في هذا قدرة، ويقولون لما يستعظمونه: انظر إلى قدرة الله.
-
قلنا: الأمر كما ذكرت إلا أن الموجود خرج بوجوده من أن يكون مقدورًا،
-
فلا يجوز أن يريده بالحلف، وما لم يوجد فهو معدوم. وهم لا يحلفون بالمعدوم، فعلمنا أنهم حلفوا بالصفة التي هي صفة الذات. وليس كذلك العلم؛ لأنهم. يحلفون بالمعلوم الموجود وجوده لا يخرجه من أن يكون معلومًا، فحملت اليمين عليه، فلم تنعقد إن حلف بأن العلم صفة من صفات ذاته كالقدرة.
-
احتجوا: بالعلم الذي هو الصفة.
-
كان حالفًا كالقدرة، وإنما الخلاف إذا أرسل، فليس هناك ما يدل على التخصيص بالصفة.
-
فإن قيل: إذا كان القسم بغير الله تعالى لا يجوز، وإلا حملتموه على ما يصح الحلف به.
-
قلنا: لأنهم عرفوا في زمانهم عادة مجارية في استعمال هذه في المعلوم خاصة، فمنع العرب عندهم من حمل الكلام على ما يصح اليمين به.
-
قوله لعمر الله
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : إذا قال: لعمر الله، كان يمينًا،
-
وإن نوى غير اليمين، لم يكن يمينًا.
-
وقال الشافعي رحمهم الله: إن نوى اليمين كان يمينًا.
-
ومن أصحاب الشافعي من قال: ليس بيمين، إلا أن ينوي به اليمين.
-
لنا: أنه من ألفاظ القسم، قال الله تعالى: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} .
-
فإن قيل: إن الله تعالى يقسم بما ليس بمقسم به، كقسمه يخلقه.
-
قلنا: نحن استدللنا بأن هذا اللفظ قسم، ولم يعتبر المقسم لكل شيء أقسم الله به،
-
وإن لم يصح به فإنه بحرف قسم كقوله تعالى: {والضحى والليل إذا سجى} . هذا قسم بما لا نقسم به، لكنه دل على أن الواو من ألفاظ القسم.
-
ولأن عادة العرب جرت بالقسم بهذه الألفاظ، وهو كثير في أشعارهم، قال الشاعر:
-
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع.
-
وقال جرير:
-
لعمر الغواني ما جرى صبياتي بهن ولا يختبر حول القصائد
-
وقال آخر:
-
لعمرك ما يدرى الفتى كيف ينفي نوائب هذا الدهر أم كيف يحذر
-
ولأن الغمر هو البقاء، وذلك من صفات ذاته تعالى، فصار قولهم: وعمر الله، كقولهم: وبقاء الله.
-
فأما قولهم: إذا لم رد بذلك اليمين، لم يكن يمينًا.
-
فليس بصحيح؛ لأنه لا احتمال في اللفظ بغير اليمين، والنية إنما تعمل في اللفظ المحتمل.
-
قوله أقسم بالله
-
قال أصحابنا رحمهم الله: إذا قال: اقسم بالله، فهو حالف.
-
وقال الشافعي رحمهم الله: إن أراد: أني أقسم في المستقبل، فليس بحالف،
-
وكذلك إن قال: أقسمت بالله، وقال: إني كنت أقسمت في الماضي، صدق.
-
وهذا التفصيل لم يذكره أصحابنا، فيجوز أن يقال: إن الحلف في قوله: أقسم للحال والاستقبال،
-
وإن كانت في الحال أظهر،
-
فإذا قال: أردت الاستقبال. فقد نوى ما يحتمله كلامه، والكفارة معنى يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى، فيصدق في ذلك.
-
وقد قال الشافعي: فيمن قال: أقسم لا الحال وقد أردت الاستقبال، كان موليًا ولم يصدق؛ لأن الإيلاء يتعلق به حق الزوجة. وهذا يدل على أنه جمل ظاهر اللفظ للحال، فصدقه فيما بينه وبين الله تعالى في ترك الظاهر، ولم يصدقه في الإيلاء في حق الزوجة، كقوله: أنت طالق.
-
إذا قال: أردت طلاقًا من وثاق، صدق فيما بينه وبين الله تعالى ولم يصدق في القضاء.
-
الحلف بأن يكون يهوديًا أو نصرانيًا
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : إذا قال: هو يهودي أو نصراني أو مجوسي أو برء من الله إن فعل كذا،
-
ثم حنث، فعليه كفارة يمين.
-
وقال الشافعي رحمهم الله: لا تجب به الكفارة.
-
لنا: ما روى ابن سيرين عن أي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد،
-
ولا تحلفوا إلا بالله) . فقال - صلى الله عليه وسلم -: (من حلف بملة غير ملة الإسلام، فهو كما قال) . سماه حالفًا، وقد قال الله تعالى: (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) .
-
فإذا ثبت الاسم، فقد ثبت الخبر بالآية.
-
قالوا: الخبر يقتضي أن يكون الحلف باللفظ الموضوع لليمين وهو قوله: واليهودية.
-
قلنا: الخبر يقتضي هذا ويدل على أن الحالف بغير الله حالف.
-
ولأن الحلف عبارة عن تأكيد جملة بجملة أخرى استعظاما لها، وذلك موجود فيمن قال: إن فعل كذا فهو يهودي.
-
ومن قال: واليهودي لا أفعل. فوجب حمل اللفظ على عمومه.
-
ويدل عليه ما روى الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن رجل قال: هو يهودي أو نصراني أو مجوسي أو برء من الإسلام في اليمين عليها فيحنث، فقال: وعليه كفارة يمين).
-
[وكره إلا يهودي] .
-
وعن ابن عباس: أنه سئل عمن حلف باليهودية والنصرانية فقال: هي يمين يكفرها.
-
ولأنه علق المنع بما لا يجوز استباحته عن التأبيد لحق الله تعالى خالصًا، فصار كالحلف باسم الله.
-
ولأن الكفر محرم لحق الله تعالى على التأييد، فوجب أن يكون على الحالف الكفارة كالمحالفة في اسم الله تعالى إذا حلف به.
-
ولا يلزم الحالف بالنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن حرمته معتبرة لحق الله ولحقه،
-
فلا يخلص لله تعالى.
-
[ولا يلزم الحالف بالقرآن والكعبة؛ لأنه يدلل ني نفسه وهو ممنوع من نقل في الله تعالى] لحق الله تعالى وله في نفسه.
-
فإن قيل: إذا حلف بشرب الخمر والزنى.
-
قلنا: شرب الخمر كان مباحًا، وهو غير مباح إلا عند الضرورة، فحرمته غير متأبدة.
-
وأما الزنا فلا يقال: إنه محرم على التأييد؛ لأن الشرع كان يجوز أن يرد بإباحته.
-
فإن قيل: فالكفر يجوز استباحته عند الضرورة.
-
قلنا: إنما يباح عند الضرورة إظهار كلمة الكفر وهو يقصد غيره،
-
فأما الكفر: فلا يباح للضرورة ولا غيرها.
-
فإن قيل: اليهودية والنصرانية لم تحرم على التأييد، ولأنها شريعة موسى وعيسى - عليه السلام -.
-
قلنا: الخلاف لا يتعين في هذا؛ لأنه لو قال: هو بريء من الله تعالى، أو عابد وثن. لم يكن حالفًا عندهم، وانه لم يجز استباحة هذا المعنى بحال.
-
وأما اليهودية اليوم متضمنة لتكذيب النبي - صلى الله عليه وسلم - والرد عليه، ولهذا لم يبح في شريعة موسى
-
فإن قيل: هتك حرمة اسم الله تعالى [مباح في الشريعة ...] لم يتكلف كلامه؛ لأنه كفانا مؤنته بظهور غلطه. وإنما تجتمع حرمتان لله تعالى فترجح إحدى الحرمتين على الأخرى،
-
وأما أن يباح هتك الحرمة فلا.
-
ولأن اليمين على ضربين: يمين هي قسم، ويمين هي شرط وجزاء.
-
فإذا كان في أحد النوعين ما ينعقد يمينًا من غير إيجاب فيه،
-
ويجب بمقتضاه الكفارة، كذلك الآخر.
-
ولا يمكن القول بموجبه في النذر المعلق بشرط؛ لأن هناك أوجب على نفسه قربة،
-
ولا معنى يؤثر في القربة فيختلف في كونه يمينًا، فجاز أن يجب بمقتضاه كفارة يمين كقوله: أنت علي حرام.
-
ولأنه إذا قال: إن فعلت كذا، فأنا كافر. فهذه كناية عن يمين؛ لأنه امتنع فيما حلف عليه وحرمه على نفسه كحرمة الكفر؛ لأن كل ما يصير به كافرا حرام، فكأنه قال: هذا الشيء علي حرام. وقد ثبت من أصولنا أن من حرم حلالًا ثم انه استباحه فعليه كفارة يمين،
-
فلا يعتبر في هذه الكناية يمين؛ لأن العرف قد يجري بالحلف بها، فصار جريان العرف كالنية.
-
احتجوا: بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد،
-
ولا تحلفوا إلا بالله،
-
ولا تحلفوا بذلك إلا وأنتم صادقون) . والصدق والكذب يكون في يمين الماضي، وعندنا يمين الماضي، لا ينعقد.
-
احتجوا: بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (من حلف بملة غير ملة الإسلام،
-
فإن كان صادقًا؛ فهو كما قال،
-
وإن كان كاذبًا؛ لم يعد إليه سالماً) .
-
قلنا: هذا في يمين الماضي التي يدخلها الصدق والكذب؛ لأنه لا يمتنع أن يبين بعض الأحكام ويمسك عن بعض ذلك إذا لم يكن ذلك عند سؤال سائل.
-
احتجوا: بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (من حلف بملة غير ملة الإسلام، فكفارته أن يقول: لا إله إلا الله) .
-
قلنا: سماه حالفًا، وعندكم إذا حلف بغير الله فليس بحالف.
-
ولأنه جعل كلمة الإخلاص كفارة)، وهذا إنما يكون فيمن كفر بالحلف وقال: واليهودية لا أفعل كذا. فيصير معظمًا لها بتكفير وكفارة هذا القول الإخلاص.
-
فأما إذا قال: لئن فعلت كذا، فأنا يهودي؛ فإنه لا يكفر بالإخلاص باتفاق، فلم يتناوله الخبر.
-
قالوا: ليس بمحدث أو بمحلوف، فصار كقوله: إن فعلت هذا، فأنا زانٍ أو شارب خمر أو فاسق.
-
قلنا: يبطل إذا قال: إن فعلت هذا، فعلي نذر.
-
ولأن المحدث والقديم يفترقان،
-
فإن كانت الكفارة تجب لحرمة المحلوف به. وفي مسألتنا تجب الكفارة؛ لأنه حرم على نفسه حلالًا، فصار كقوله لزوجته: أنت علي حرام. أن الكفارة تجب باتفاق، وتجب الكفارة عندنا في تحريم كل مباح.
-
ولأن اليمين بالقديم سبحانه إنما وجبت الكفارة فيها بالهتك المتأكد، وهذا الهتك موجود في مسألتنا، إذ تحريم كل واحد من الهتكين لحق الله تعالى خالصًا. والمعنى فيما قاسوا عليه لم يتأبد؛ لأن الشرع كان يجوز أن في د بإباحة بعضه، والكفر متأكد الحرمة كتأكيد حرمة اسم الله تعالى.
-
أو نقول: إن هذه المعاني المعصية فيها متعلقة بالفعل لا بالقول، فلذلك لم يجز أن يكون بها حالفًا. وفي مسألتنا المعصية فيها تتعلق بالقولء فجاز أن تجب الكفارة بالمحلف بها.
-
قالوا: يمين بغير الله كما ذكروا.
-
قلنا: لا يمتنع أن تجب الكفارة بغير الله تعالى كالحرام والنذر.
-
ولأن تحريم ما حلف به إذا كان مآله لحق الله تعالى خالصًا، فكأنه
-
يحلف به تعالى.
-
قالوا: فعل ما وصف نفسه علة لفعله كالمعصية، فصار كقوله: هو زان.
-
قلنا: المعصية في الزنى لا تتعلق بالوصف دون الفعل، فلم يكن فيه معنى اليمين، [والمعصية في الكفر تتعلق بنفس القول، فجاز أن تتعلق بالقول.
-
قالوا: يمين بغير اسم الله وبغير صفة من صفاته.
-
قلنا: عندكم لو قال: هو بريء من الله. لم يكن حالفًا]،
-
فلا تأثير لهذا الوصف.
-
ولأن الكفارة في اليمين لا تجب لذكر الاسم، ولهذا لم تجب قبل الحنث، وإنما تجب لهتك حرمة الاسم بالحنث، وهتك الحرمة موجود في مسألتنا على ما بينا.
-
يمين الكافر
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : يمين الكافر لغو لا تنعقد بيمينه،
-
وان حلف بها حالة الكفر أو بعد إسلامه لم تجب عليه الكفارة.
-
وقال الشافعي رحمهم الله: تنعقد يمينه،
-
فإن حنث حال كفره تحفر بالعتق أو الكسوة أو الطعام دون الصوم،
-
وإن حنث بعد إسلامه تحفر بالصوم إن لم يقدر على غيره.
-
لنا: قوله تعالى: {فقاتلوا أئمة الكفر إنهم ل أيمان لهم} . وأيمان جمع: يمين، وهذا ينفي انعقاد اليمين منهم.
-
فإن قيل: معناه: إنهم لا يدينون بها، كما يقال: فلان لا دين له، بمعنى: لا يحافظ عليه. والدليل على ذلك أنه قال: {ألا تقاتلون قومًا تكثوا أيمنهم} .
-
قلنا: ظاهر النفي يقتضي منع الانعقاد.
-
وقوله: {وإن نكثوا أيمانهم} . تعيير لهم بترك الوفاء بما قرروه وأكدوه بالحلف، والأيمان قد يعير بالحلف وإن لم يلزمه به حكم شرعي.
-
ويدل عليه ما روى سماك بن حرب عن زيد بن حارثة أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: انطلق بنا إلى فلانة لنخطبها لك. فانطلق - عليه السلام - معه فخطبها، فقالت: لم في عاهدت زوجي إن مات قبلي ألا أتزوج أبدًا، وعاهدني [إن مت قبله] على مثل ذلك.
-
فقال - صلى الله عليه وسلم -: (إن كان ني الجاهلية فأرفضيه عنك،
-
وان كان ني الإسلام ففي بعهدك) . وتفريقه بين الأمرين يدل على أن يمين الكافر لا تنعقد.
-
ولأن الكافر لا تصح منه الواجبات الشرعية التي لا تقف صحتها وقوعها قربة، فلم تنعقد يمينه كالصبي والمجنون.
-
ولا يلزم عليه الإيمان؛ لأن وجوبه معلوم بالعقل لا بالشرع، ولأنه لا يصح منه التكفير بالصوم ولا هو أهل ذلك لا لمعنى في الوقت، فوجب ألا تنعقد يمينه، دليله: الصبي والمجنون.
-
ولا يلزم الغني؛ لأن التفكير بالصوم يصح منه في كفارة الأذى.
-
ولا يلزم الحائض؛ لأنها من أهل الصوم، وإن يصح منها.
-
ولا يلزم إذا كان ي رمضان أو ي يوم الفطر أو الأضحى؛ لأن هناك لا يصح منه التكفير بالصوم لأجل الوقت ولأن الصبي يصح منه التقرب بالنوافل،
-
وان لم تصح منه الفرائض، والكافر لا يصح منه النفل ولا الفرض،
-
وإذا لم ينعقد يمين الصبي، فيمين الكافر أولى.
-
فإن قيل: المعنى في الصبي عدم التكلف، وهذا المعنى لا يوجد في الكافر.
-
قلنا: عدم التكفير وعدم الإسلام قد أجريا مجرى واحدًا في المنع من فعل الواجبات الشرعية، كذلك يتساويان في منع انعقاد اليمين.
-
ولأنه عقد يقف على اسم الله تعالى أو ما هو في معناه، فوجب ألا ينعقد من الكافر كالصلاة.
-
ولا يلزم الإيلاء؛ لأنها تنعقد عقد اليمين بالطلاق والعتاق وإيجاب الصفة والتأمل.
-
على أن كفارة اليمين لا تصح منه؛ لأن موضوعها للتغطية والتكفير، وهذا المعنى لا يصح من الكافر. وقد ألزم مخالفونا الكافر إذا أتلف صيد الحرم، وزعموا أنا نقول: يجب عليه الجزاء. وهذا غلط،
-
ولا جزاء على الكافر ني إتلاف الصيد.
-
قالوا: المعنى في الصلاة والصوم أنه لو تطوع في ذلك لم يصح، والعتق والإطعام لو تطوع بهما صح.
-
قلنا: لا لو تطوع بصدقة شاة أو خمس دراهم جاز،
-
ولا يدل ذلك على وجوب الزكاة عليه.
-
ولأن العتق أحد أنواع التكفير،
-
فلا يصح من الكافر كالصوم.
-
فإن قيل: لا يمتنع أن يصح التكفير منه بالصوم ويصح بغيره، بدليل أن الغني لا يصح منه التكفير بالصوم ولا يصح بغيره.
-
قلنا: إن الغني يصح منه التكفير بالصوم إذا تعد عن ماله، وصح منه
-
التفكير بالصوم في كفارة الأذى، أما العبد:
-
فلا يقدر على غير الصوم؛ لأنه لا ملك له،
-
ولو تصور ملكه يصح منه فهو كالفقير.
-
فإذا ثبت هذا قلنا: من لو حنث عقيب يمينه، لم تلزمه كفارة،
-
فإذا حلف في حالة ثانية لم تلزمه كفارة كالصبي والمجنون. ولم ذا ثبت هذا قلنا: كل من حنث عقيب يمينه لم تلزمه كفارة إذا حنث باسم الله تعالى أو بما في معناه لم ينعقد كيمين الصبي واليمين مع الاستثناء.
-
ولا يلزم اليمين بالطلاق والعتاق؛ لأن ذلك لا يختص باسم الله تعالى ولا بما في معناه.
-
احتجوا: بقوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} وهو عام في الكافر والمسلم.
-
قلنا: بل خاص في المسلمين، بدلالة أنه رتبه على قوله: {يا أيها الذين أمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} ثم قال {فكفارته} والكفارة هي التغطية وذلك لا يجتمع مع الكفر،
-
ثم نقله إلى الصيام عند عدم ما سواه. والكافر غير مخاطب بالصيام،
-
وإن وجد شرطه وهو عدم ما سواه.
-
فإن قيل: فصح منه الصوم إذا قدم الإسلام، كما يصح من الجنب الصلاة إذا اغتسل.
-
قلنا: الآية يقتضي من يصح منه الصوم بشرط واحد وهو عدم ما سواه، والكافر غير مخاطب بالصيام،
-
وإن وجد شرطه وهو عدم ما سواه، فصح منه الصوم بشرط واحد وهو عدم ما سواه من أنواع الكفارات، والكافر لا يصح منه الصوم بهذا الشرط.
-
قالوا: روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من حلف على يمين فرأي غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه) .
-
قلنا: قوله: (فليأت الذي هو خير خير) . يخص المسلم لا الكافر؛ لأنه لا يكون منه الخير.
-
وقوله: (وليكنوا) . يتناول من وجه في حقه التغطية والتكفير، وذلك لا يكون في الكافر.
-
ولأن قوله: (وليكفر عن يمينه) . يتناول الكفارة المعروفة في الشريعة، والكافر لا يخاطب بأنواع التكفير.
-
قالوا: روي أن عمر بن الخطاب قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إني نذرت أن أعتكف يومًا في الجاهلية. قال - صلى الله عليه وسلم -: (أوف بنذرك) . قالوا: وما يمنع النذر لا يمنع اليمين؟.
-
قلنا: قد أجمعنا أن نذر الكافر غير لازم،
-
وان اختلف في يمينه،
-
فإما أن يكون نذر في الجاهلية بعد إسلامه، أو يكون أمره بالوفاء على وجه الاستحباب.
-
وقد عارض هذا ما روي أن قيس بن عاصم قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إني نذرت نذرًا في الجاهلية. فقال - صلى الله عليه وسلم - الإسلام: (الإسلام يجب ما قبله) . والنذر ضربان: نذر معين يلزم الوفاء به، ونذر مطلق فتجب الكفارة فيه.
-
ولم يستفصل - صلى الله عليه وسلم -، فظاهر الخبر يقتضي سقوطها، وذلك دليل على مخالفنا.
-
قالوا: من يستحلف في الدعاوي بالله عز وجل، وجب أن تصح يمينه في غيرها، أصله: المسلم.
-
قلنا: اليمين في الحقوق تقع على الماضي، وتلك يمين غير منعقدة، والخلاف في انعقاد يمين الكافر، فلم يجز أن يستدل على انعقادها باستحلافه يمينًا لا تنعقد. والمعنى ني المسلم: أنه من أهل التكفير بالصوم، فانعقدت يمينه، والكافر لا يصح منه التكفير بالصوم ولا هو من أهله، فلا تنعقد يمينه.
-
قالوا: من صح يمينه بالطلاق والعتاق يقتضي إزالة ملك، والكافر والمسلم يتساويان في إزالة الملك، فساواه في اليمين المفضية إلى ذلك.
-
قلنا: اليمين بالله تعالى تفضي إلى وجوب عبادة، والكافر لا يساوي المسلم في العبادات. والمعنى في المسألة: أنه يصح أن نوجب مثل مقتضى اليمين بالنذر فانعقدت يمينه المفضية إلى ذلك، والكافر لا يصح منه إيجاب مثل مقتضى اليمين بالنذر، فلم تنعقد يمينه.
-
قالوا: وجود الحلف بالله تعالى، والمحالفة مع القصد والاختيار من مكلف توجب الكفارة، أصله المسلم.
-
هو إلزام حرمة اسم الله تعالى، والكافر ليس هو من أهل
-
إلزام حقوق الله تعالى بدلالة العبادات، والكفارة موضوعة في حق المسلم للتكفير والتغطية، وهذا المعنى لا يوجد مع الكفر.
-
ولأن الكفارة إذا كانت قربة تلزم الحالف بسبب فعله، حلت محل نذره، والكافر والمسلم يختلفان في النذر، وكذلك في الكفارة.
-
قالوا: يصح إيلاؤه إذا حلف بالله، فصحت يمينه كالمسلم، يبين هذا أن إيلاءه بالطلاق والعتاق لما صح، صحت نيته بهما في غير الإيلاء.
-
ولأن المولي هو الذي لا يصل إلى الوطء إلا بمعنى يلزمه،
-
فلو كان الكافر إذا وطئ لا يلزمه شيء لم يكن موليًا، كمن قال: لا أقربك سنة إلا يومًا.
-
قلنا: الإيلاء عقد لا يختص باسم الله تعالى، فتساويا فيه، واليمين عقد يختص باسم الله أو بما فيه معناه، فاختلفا في انعقاده كالصلاة.
-
ولأن الإيلاء يتعلق به حق الآدمي، [والكافر فيما يعود إلى حقوق الآدميين] كالمسلم، واليمين يتعلق بها حق الله تعالى خاصة، والكافر مخالف في ذلك لم ذا لم تكن عقوبة كالصلاة والصوم.
-
فأما قولهم: إنه لو لم يلزمه بالوطء كفارة لم ينعقد الإيلاء؟ فغلط؛ لأن وجوب الكفارة على المسلم إذا وطئ في مدة الإيلاء مختلف فيه، وإيلاؤه مجمع على صحته،
-
فلا تجوز الحكم بالمتفق عليه معللًا بعلة مختلف فيها.
-
قالوا: لو لم ينعقد بيمينه، لم يكن لاستحلافه في الحقوق معنى.
-
قلنا: اليمين التي يستحلف بها الحاكم غير منعقدة عندنا؛ لأنها غموس. فكيف يستدل بثبوتها على الانعقاد؟.
-
ولأن الكافر يستعظم اليمين، والغرض من اليمين أن تستعظم.
-
ولأنه لا يحلف كاذبًا، فالفرض بها حاصل.
-
ولأن الحاكم يضطر إليها في الدعاوى؛ لأنه لا سبيل له إلى القطع في الخصومة، إلا بها ولا ضرورة بنا إلى الانعقاد والتكفير.
-
تقديم كفارة اليمين على الحنث
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : لا يجوز تقديم كفارة اليمين على الحنث.
-
وقال الشافعي رحمه الله: يجوز تقديم العتق والكسوة والإطعام،
-
ولا يجوز تقديم الصوم،
-
وإذا كانت اليمين على معصية، ففي تقديم الكفارة وجهان.
-
لنا: أن الكفارة موضوعها للعظمة، و. يوجد باليمين معنى يحتاج إلى تغطية يختص باليمين، فلم يكن التعجيل كفارة،
-
فلا تنوب عن الكفارة.
-
فإن قيل: الكفارة تجب على الخاطئ ومن ندب إلى الحنث.
-
قلنا: موضوع التكفير ما ذكرنا، ران جاز أن يتبع ذلك ما ليس في معناه.
-
فإن قيل: كفارة الظهار تجب بعد الظهار بفعل يحدثه المظاهر وهو العود،
-
وان كان الظهار سبب الكفارة.
-
قلنا: الظهار عندنا علة الحفارة والعود شرطها؛ لأن الكفارة تجب عند العود بالظهار سببًا فلا.
-
ولأنه ليس بسبب في بعض الأنواع وهو الصوم،
-
فلا يكون سببًا في بقية الأنواع كالبلوغ. ولأن اليمين عقد يقف وجوب الكفارة بعده على فعل يحدثه العاقد،
-
فلا يكون العقد سببًا كعقد الإحرام.
-
احتجوا: بحديث الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يا عبد الرحمن بن سمرة، إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيًرا منها) فأت الذي هو خير وكفر كن يمينك). وروي أنه قال: (يا عبد الرحمن بن سمرة) .
-
وذكر معناه، إلا أنه قال: (فكفر عن يمينك،
-
ثم ائت الذي هو خير) . واللفظ الأول يدل
-
على أنه مخير في تقديم أيهما شاء؛ لأن (الواو) للجمع. واللفظ الثاني صريح في تقديم الكفارة؛ لأن (ثم) للترتيب.
-
قال أبو داود: في أحاديث أبي موسى الأشعري وعدي بن حاتم وأبي هريرة اللفظان جميعًا، وأكثر ما قالوا: (فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير) . قال أبو داود: واختلف على كل من رواه.
-
الجواب: أن الرواي واحد، وقد روي اللفظان، وأصل الخبر أحدهما، فوجب التوقف حتى يعلم أصل الخبر.
-
ولأنه قال: (فليكفر) والكفارة هي التغطية، ولم يوجد معنى يصح أن يكون الكفارة تغطية له.
-
ولأن قوله: (فليكفر) . أمر، فظاهر الأمر الوجوب، والكفارات لا تجب إلا بعد الخث، فعلم أن الخبر: (فليأت الذي فو خير ثم يكفر) .
-
ولأن الكفارة اسم للأنواع الأربعة،
-
ولا يمكن حمل اللفظ على جميعها إلا أن يكون بعد الحنث،
-
فأما إذا كان قبله احتاج مخالفنا إلى تخصيص اللفظ.
-
ولأنه تارك للظاهر من ثلاثة أوجه:
-
أحدها: بسبب الكفارة، وليس هناك ما يكفر.
-
والثاني: صرف الأمر عن الوجوب إلى الجواز.
-
والثالث: تخصيص التكفير ببعض الأنواع.
-
وإذا حملنا الخبر على تقديم الحنث استعملنا الظاهر الثلاث، وحملنا قوله: (وليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير) . على التقديم والتأخير؛ لأنه معلوم أن الكفارة لا تجب إلا بالحنث، وهذا كقوله في المحرم: (إذا لم يجد النعلين، فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين) .
-
والقطع مقدم في المعنى وان أخره في اللفظ؛ لأنه مفهوم.
-
فأما الذي روى: (فليكفر عن يمينه،
-
ثم ليأت الذي هو خير) . فقد روى: (فليأت الذي هو خير،
-
ثم ليكفر عن يمينه) . وهذا هو الأصل؛ لأن (ثم) لوجوب
-
التراخي، ولا نقول له: إن تأخير الحنث واجب.
-
ولأن (ثم) قد تكون بمعنى (الواو) ، وقال الله تعالى: (فك رقبة) .
-
ثم قال: {ثم كان من الذين أمنوا} . والإيمان من حكمه أن يتقدم هذه الأفعال، وقال: و (استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) . والاستغفار إنما يكون بعد التوبة.
-
احتجوا: بقوله تعالى: (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) . وقال: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} .
-
قلنا: الآية فيها بيان الكفارة، وليس فيها بيان الخلاف في الوقت، وهذا كما لو قال: كفارة الآدمي كذا. لم يدل ذلك على وقف الوجوب،
-
ولا على المعنى الذي به وجب.
-
ولأن الكفارة تجب بالحلف باتفاق، بدلالة أن من حلف وبر لم تلزمه الكفارة، وإنما تجب إذا حنث، فصار تقدير الآية: ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم. ولم يذكر الحنث؛ لأنه معلوم أن الكفارة لا تجب إلا به، وهذا كقوله تعالى:
-
{فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر} . وتقديره: فأفطر فعدته. وسكت عن الفطر؛ لأنه معلوم،
-
وكذلك قوله: {قمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية} . تقديره: فحلق ففدية. يبين ذلك: أن الكفارة تتناول الأنواع، وأجمعوا أن الحنث مشروط في الصوم كذلك في بقية الأنواع.
-
قالوا: حق مال يجب بسببين يختصان بهء فجاز تقديمه على أحدهما، أصله: الزكاة.
-
قلنا: لا نسلم أن الزكاة تجب بسببين يختصان بها؛ لأن المال سبب وجوب الزكاة ونفقة ذوي الأرحام والحج،
-
وكذلك الحول سبب في استحقاق الجزية والدية على العاقلة.
-
اليمين: تحقيق ما لم يجب بذكر اسم الله أو صفته:
-
كبالله
-
وهالله
-
وايم الله
-
وحق الله
-
والعزيز
-
وعظمته
-
وجلاله
-
وإرادته
-
وكفالته
-
وكلامه
-
والقرآن
-
والمصحف
-
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت وَثِقْت بِاَللَّهِ ثُمَّ ابْتَدَأْت لأفعلن دين
-
لا بسبق لسانه
-
وَكَعِزَّةِ اللَّهِ
-
وَأَمَانَتِهِ
-
وَعَهْدِهِ
-
وَعَلَى عَهْدِ اللَّهِ
-
إلا أن يريد المخلوق
-
وكأحلف وأقسم وأشهد إن نوى
-
وأعزم إن قال: بالله
-
وفي أعاهد الله: قولان
-
لَا بِلَكَ عَلَيَّ عَهْدٌ
-
أَوْ أُعْطِيك عَهْدًا
-
وعزمت عليك بالله
-
وحاش الله
-
ومعاذ الله
-
والله راع أو كفيل
-
والنبي
-
والكعبة
-
وكالخلق والإماتة
-
أو هو يهودي
-
وَغَمُوسٌ: بِأَنْ شَكَّ أَوْ ظَنَّ وَحَلَفَ بِلَا تبين صدق
-
وليستغفر الله
-
وإن قصد بكالعزى: التعظيم فكفر
-
وَلَا لَغْوٍ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ فَظَهَرَ نَفْيُهُ
-
ولم يفد في غير الله:
-
كالاستثناء بإن شاء الله إن قصده:
-
كَإِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أَوْ يُرِيدَ أَوْ يقضي: على الأظهر
-
وأفاد بكإلا في الجميع إنْ اتَّصَلَ إلَّا لِعَارِضٍ
-
وَنَوَى الِاسْتِثْنَاءَ
-
وَقَصَدَ
-
ونطق به وإن سرا بحركة لسان
-
إلَّا أَنْ يَعْزِلَ فِي يَمِينِهِ أَوَّلًا:
-
كَالزَّوْجَةِ في: "الحلال علي حرام" وهي المحاشاة
-
وفي النذر المبهم
-
واليمين
-
والكفارة
-
وَالْمُنْعَقِدَةُ عَلَيَّ بَرٌّ بِأَنْ فَعَلْت وَلَا فَعَلْت
-
أَوْ حَنِثَ بِلَأَفْعَلَنَّ أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْ إن لم يؤجل:
-
إطعام عشرة مساكين: لكل مد
-
وَنُدِبَ بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ: زِيَادَةُ ثُلُثِهِ أَوْ نِصْفِهِ
-
أو رطلان خبزا بأدم:
-
كشبعهم
-
أو كسوتهم: للرجل ثوب
-
وللمرأة درع وخمار
-
ولو غير وسط أهله
-
والرضيع كالكبير فيهما
-
أو عتق رقبة: كالظهار
-
ثم صوم ثلاثة أيام
-
ولا تجزىء ملفقة
-
وَمُكَرَّرٌ لِمِسْكِينٍ
-
وَنَاقِصٌ: كَعِشْرِينَ لِكُلٍّ نِصْفٌ
-
إلَّا أَنْ يَكْمُلَ
-
وَهَلْ إنْ بَقِيَ؟ تَأْوِيلَانِ
-
وَلَهُ نزعه إن بين بالقرعة
-
وَجَازَ لِثَانِيَةٍ إنْ أَخْرَجَ
-
وَإِلَّا كُرِهَ
-
وَإِنْ كيمين وظهار
-
وأجزأت قبل حنثه,
-
ووجبت به إن لم يكره ببر
-
وَفِي عَلَيَّ أَشَدُّ مَا أَخَذَ أَحَدٌ عَلَى أحد: بت من يملك
-
وعتقه
-
وصدقة بثلثه
-
ومشي بحج
-
وكفارة
-
وزيد في الأيمان: يلزمني صوم سنة إن اعتيد حلف به
-
وفي لزوم شهري ظهار: تردد
-
وَتَحْرِيمُ الْحَلَالِ فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ: لَغْوٌ
-
تكررت إن قصد تكرر الحنث
-
أو كان العرف: كعدم ترك الوتر
-
أو نوى كفارات
-
أو قال: لا ولا
-
أو حلف أن لا يحنث
-
أو بالقرآن والمصحف والكتاب
-
أَوْ دَلَّ لَفْظُهُ بِجَمْعٍ أَوْ بِكُلَّمَا أَوْ مهما
-
لا متى ما
-
ووالله ثم والله وإن قصده
-
والقرآن والتوراة والإنجيل
-
ولا كلمه غدا وبعده ثم غدا
-
وَخَصَّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ وَقَيَّدَتْ إنْ نَافَتْ
-
وَسَاوَتْ في الله وغيرها: كطلاق:
-
ككونها معه في لا يتزوج حياتها:
-
كَأَنْ خَالَفَتْ ظَاهِرَ لَفْظِهِ:
-
كَسَمْنِ ضَأْنٍ فِي: لا آكل سمنا
-
أو لا أكلمه
-
وكتوكيله في: لا يبيعه أو لا يضربه
-
إلَّا لِمُرَافَعَةٍ وَبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ فِي طَلَاقٍ وعتق فقط
-
أو استحلف مطلقا في وثيقة حق
-
لا إرادة ميتة أو كذب فِي: طَالِقٍ وَحُرَّةٍ أَوْ حَرَامٍ
-
وَإِنْ بِفَتْوَى
-
ثم بساط يمينه
-
ثم عرف قولي
-
ثم مقصد لغوي
-
ثم شرعي
-
وَحَنِثَ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَلَا بِسَاطٌ بِفَوْتِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَلَوْ لِمَانِعٍ شرعي
-
أو سرقة
-
لا بكموت حمام في ليذبحنه
-
وبعزمه على ضده
-
وبالنسيان إن أطلق
-
وبالبعض
-
عكس البر
-
وبسويق أو لبن في لا آكل
-
لا ماء
-
ولا بتسحر في لا أتعشى
-
وذواق ثم يصل جوفه
-
وبوجود أَكْثَرَ فِي لَيْسَ مَعِي غَيْرُهُ لِمُتَسَلِّفٍ
-
لَا أقل
-
وَبِدَوَامِ رُكُوبِهِ وَلُبْسِهِ فِي: لَا أَرْكَبُ وَأَلْبَسُ
-
لا في كدخول
-
وبدابة عبده في دابته
-
وبجمع الأسواط في لأضربنه كذا
-
وبلحم الحوت وبيضه وعسل الرطب في مطلقها
-
وبكعك وحشكنان وهريسة وإطرية في خبز
-
لا عكسه
-
وَبِضَأْنٍ وَمَعْزٍ وَدِيَكَةٍ وَدَجَاجَةٍ فِي غَنَمٍ وَدَجَاجٍ
-
لا بأحدهما في آخر
-
وبسمن استهلك في سويق
-
وبزعفران في طعام
-
لا بكخل طبخ
-
خباسترخاء لها في لا قبلتك أو قبلتني
-
وَبِفِرَارِ غَرِيمِهِ فِي لَا فَارَقْتُك أَوْ فَارَقْتنِي إلَّا بِحَقِّي
-
وَلَوْ لَمْ يُفَرِّطْ
-
وَإِنْ أَحَالَهُ
-
وبالشحم في اللحم
-
لا العكس
-
وبفرع فهي لَا آكُلُ مِنْ كَهَذَا الطَّلْعِ أَوْ هَذَا الطلع أو طلعا
-
إلا نبيذ زبيب
-
ومرقة لَحْمٍ أَوْ شَحْمِهِ
-
وَخُبْزِ قَمْحٍ
-
وَعَصِيرِ عِنَبٍ
-
وَبِمَا أَنْبَتَتْ الْحِنْطَةُ إنْ نَوَى الْمَنَّ
-
لَا لرداءة أو لسوج صنعة طعام
-
وبالحمام في البيت
-
أو دار جاره
-
أو بيت شعر
-
كحبس أكره عليه بحق
-
لا بمسجد
-
وبدخوله عليه ميتا في بيت يملكه
-
لَا بِدُخُولِ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَنْوِ المجامعة
-
وبتكفينه في لا نفعه حياته
-
وبأكل من تركته قبل قسمها فِي لَا أَكَلْت طَعَامَهُ إنْ أَوْصَى أَوْ كان مدينا
-
وَبِكِتَابٍ إنْ وَصَلَ أَوْ رَسُولٍ فِي لَا كلمه
-
وَلَمْ يَنْوِ فِي الْكِتَابِ فِي الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ
-
وبالإشارة له
-
بكلامه ولو لم يسمعه
-
لا قراءته بقلبه
-
أو قراءة أحد عليه بلا إذن
-
ولا بسلامه عليه بصلاة
-
ولا كتاب الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَلَوْ قَرَأَ عَلَى الْأَصْوَبِ وَالْمُخْتَارُ
-
وبسلامه عليه معتقدا أنه غيره
-
أو في جماعة إلا أن يحاشيه
-
وبفتح عليه
-
وبلا إذنه في لا تخرجي إلا بإذني
-
وبعدم علمه في لأعلمنه
-
وإن برسول
-
وَهَلْ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ عَلِمَ؟ تَأْوِيلَانِ
-
أَوْ عَلِمَ وَالٍ ثَانٍ فِي حَلِفِهِ لِأَوَّلِ في نظر
-
وبمرهون في لا ثوب لي
-
وَبِالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فِي لَا أَعَارَهُ
-
وَبِالْعَكْسِ
-
وَنَوَى إلا في صدقة عن هبة
-
وببقاء ولو ليلا في لا سكنت
-
لا في لأنتقلن
-
ولا بخزن
-
وَانْتَقَلَ فِي لَا سَاكَنَهُ عَمَّا كَانَا عَلَيْهِ
-
أو ضربا جدارا ولو جريدا بهذه الدار
-
وَبِالزِّيَارَةِ إنْ قَصَدَ التَّنَحِّي
-
لَا لِدُخُولِ عِيَالٍ إن لم يكثرها نهارا ومبيت بلا مرض
-
وَسَافَرَ الْقَصْرَ فِي لَأُسَافِرَنَّ
-
وَمَكَثَ نِصْفَ شَهْرٍ
-
وندب كماله
-
كأنتقلن
-
ولو بإبقاء رحله
-
لا بكمسمار
-
وهل إن نوى عدم عوده؟ تردد
-
وباستحقاق بعضه أو عيبه بعد الأجل
-
وبيع فاسد فات قبله إن لم تف
-
كأن لم يفت على المختار
-
وبهبته له
-
أَوْ دَفَعَ قَرِيبٌ عَنْهُ وَإِنْ مِنْ مَالِهِ
-
أو شهادة بينة بالققاء
-
إلا بدفعه ثم أخذه
-
لَا إنْ جُنَّ وَدَفَعَ الْحَاكِمُ
-
وَإِنْ لَمْ يدفع فقولان
-
وَبِعَدَمِ قَضَاءٍ فِي غَدٍ فِي لَأَقْضِيَنَّكَ غَدًا يوم الجمعة وليس هو
-
لا إن قضى قبله
-
بخلاف لآكلنه
-
ولا إن باعه به عرضا
-
وَبِرَّ إنْ غَابَ بِقَضَاءِ وَكِيلِ تَقَاضٍ أَوْ مفوض
-
وَهَلْ ثَمَّ وَكِيلُ ضَيْعَةٍ أَوْ إنْ عُدِمَ الحاكم وعليه الأكثر؟ تأويلان
-
وبريء فِي الْحَاكِمِ إنْ لَمْ يُحَقِّقْ جَوْرَهُ
-
وَإِلَّا بر كجماعة المسلمين يشهدهم
-
وَلَهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فِي رَأْسِ الشَّهْرِ أَوْ عند رأسه أو إذا استهل
-
أو إلى رمضان أو لاستهلاله: شعبان
-
وَبِجَعْلِ ثَوْبٍ قَبَاءً أَوْ عِمَامَةً فِي لَا ألبسه
-
لا إن كرهه لضيقه
-
ولا وضعه على فرجه
-
وَبِدُخُولِهِ مِنْ بَابِ غَيْرَ فِي لَا أَدْخُلُهُ إن لم يكره ضيقه
-
وبقيامه عَلَى ظَهْرِهِ
-
وَبِمُكْتَرِي فِي لَا أَدْخُلُ لِفُلَانٍ بيتا
-
وَبِأَكْلٍ مِنْ وَلَدٍ دُفِعَ لَهُ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ إنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ
-
وبالكلام أبدا في لا كلمه الأيام أو الشهور
-
وثلاثة في كأيام
-
وَهَلْ كَذَلِكَ فِي لَأَهْجُرَنَّهُ أَوْ شَهْرٌ؟ قَوْلَانِ
-
وسنة في حين وزمان وعصر ودهر
-
وَبِمَا يُفْسَخُ أَوْ بِغَيْرِ نِسَائِهِ فِي لَأَتَزَوَّجَنَّ
-
وَبِضَمَانِ الْوَجْهِ فِي لَا أَتَكَفَّلُ: إنْ لَمْ يشترط عدم الغرم
-
وَبِهِ لِوَكِيلٍ فِي لَا أَضْمَنُ لَهُ إنْ كَانَ مِنْ نَاحِيَتِهِ
-
وَهَلْ إنْ عَلِمَ؟ تأويلان
-
وَبِقَوْلِهِ: مَا ظَنَنْته قَالَهُ لِغَيْرِي لِمُخْبِرٍ فِي ليسرنه
-
وَبِاذْهَبِي الْآنَ إثْرَ لَا كَلَّمْتُك حَتَّى تَفْعَلِي
-
وَلَيْسَ قَوْلُهُ: لَا أُبَالِي بَدْءًا لِقَوْلٍ آخَرَ لا كلمتك حتى تبدأني
-
وَبِالْإِقَالَةِ فِي لَا تَرَكَ مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا إن لم تف
-
لا إن أخر الثمن على المختار
-
وَلَا إنْ دَفَنَ مَالًا فَلَمْ يَجِدْهُ ثُمَّ وجده مكانه في أخذتيه
-
وَبِتَرْكِهَا عَالِمًا فِي لَا خَرَجْت إلَّا بِإِذْنِي
-
لَا إنْ أَذِنَ لِأَمْرٍ فَزَادَتْ بِلَا عِلْمٍ
-
وَبِعَوْدِهِ لَهَا بَعْدُ بِمِلْكٍ آخَرَ فِي لَا سَكَنْت هَذِهِ الدَّارَ أَوْ دَارَ فُلَانٍ هَذِهِ إن لم ينو ما دامت له
-
لا دار فلان
-
ولا إن خربت وصارت طريقا إن لم يأمر به
-
وَفِي لَا بَاعَ مِنْهُ أَوْ لَهُ بِالْوَكِيلِ إن كان من ناحيته
-
وَإِنْ قَالَ حِينَ الْبَيْعِ: أَنَا حَلَفْت فَقَالَ: هُوَ لِي ثُمَّ صَحَّ أَنَّهُ ابْتَاعَ لَهُ حنث ولزم البيع
-
وَأَجْزَأَ تَأْخِيرُ الْوَارِثِ فِي إلَّا أَنْ تُؤَخِّرَنِي
-
لا في دخول دار
-
وتأخير وصي بالننظر ولا دين
-
وتأخير غريم إن أحاط وأبرأ
-
وفي بره في لأطأنها فوطئها حائضا
-
وَفِي لَتَأْكُلِنَّهَا فَخَطَفَتْهَا هِرَّةٌ فَشَقَّ جَوْفَهَا وَأَكَلَتْ أو بعد فسادها قولان
-
إلا أن تتوانى
-
وفيها الحنث بأحدهما في لا كسوتها ونيته الجمع
-
واستشكل.
-
لا تنعقد إلا بذات الله تعالى أو صفة له كقوله والله رب العالمين والحي الذي لا يموت ومن نفسي بيده وكل اسم مختص به سبحانه وتعالى
-
ولا يقبل قوله لم أرد به اليمين
-
وما انصرف إليه سبحانه عند إطلاق كالرحيم والخلق والرزاق والرب تنعقد به اليمين
-
إلا أن يريد غيره
-
وما استعمل فيه وفي غيره سواء كالشيء والموجود والعالم والحي ليس بيمين
-
إلا بنية
-
والصفة كوعظمة الله وعزته وكبريائه وكلامه وعلمه وقدرته ومشيئته يمين
-
إلا أن ينوي بالعلم المعلوم وبالقدرة المقدور
-
ولو قال وحق الله فيمين
-
إلا أن يريد العبادات
-
وحروف القسم باء وواو وتاء كبالله والله وتالله
-
وتختص التاء بالله
-
ولو قال الله ورفع أو نصب أو جر فليس بيمين
-
إلا بنية.
-
ولو قال أقسمت أو أقسم أو أحلفت أو أحلف بالله لأفعلن فيمين إن نواها أو أطلق
-
وإن قال قصدت خبرا ماضيا أو مستقبلا صدق باطنا
-
وكذا ظاهرا على المذهب.
-
ولو قال لغيره أقسم عليك بالله أو أسألك بالله لتفعلن وأراد يمين نفسه فيمين وإلا فلا
-
ولو قال إن فعلت كذا فأنا يهودي أو بريء من الإسلام فليس بيمين
-
ومن سبق لسانه إلى لفظها بلا قصد لم تنعقد
-
وتصح على ماض ومستقبل
-
وهي مكروهة
-
إلا في طاعة
-
فإن حلف على ترك واجب أو فعل حرام عصى ولزمه الحنث وكفارة
-
أو ترك مندوب أو فعل مكروه سن حنثه وعليه كفارة
-
أو ترك مباح أو فعله فالأفضل ترك الحنث
-
وقيل: الحنث
-
وله تقديم كفارة بغير صوم على حنث جائز
-
وحرام.
-
قلت: هذا أصح والله أعلم
-
وكفارة ظهار على العود
-
وقتل على الموت
-
ومنذور مالي.
فصل
-
يتخير في كفارة اليمين بين عتق كالظهار
-
وإطعام عشرة مساكين كل مسكين مدحب من غالب قوت بلده
-
وكسوتهم بما يسمى كسوة كقميص أو عمامة أو إزار
-
لا خف وقفازين ومنطقة
-
ولا يتشرط صلاحيته للمدفوع إليه
-
فيجوز سراويل صغير لكبير لا يصلح له وقطن وكتان وحرير لامرأة ورجل ولبيس لم تذهب قوته
-
فإن عجز عن الثلاثة لزمه صوم ثلاثة أيام
-
ولا يجب تتابعها في الأظهر
-
وإن غاب ماله انتظره ولم يصم
-
ولا يكفر عبد بمال إلا إذا ملكه سيده طعاما أو كسوة وقلنا يملك
-
بل يكفر بصوم
-
فإن ضره وكان حلف وحنث بإذن سيده صام بلا إذن
-
أو وجدا بلا إذن
-
وإن أذن في أحدهما فالأصح اعتبار الحلف
-
ومن بعضه حر وله مال يكفر بطعام أو كسوة لا عتق.
فصل
-
حلف لا يسكنها أو لا يقيم فيها فليخرج في الحار
-
فإن مكث بلا عذر حنث وإن بعث متاعه
-
وإن اشتغل بأسباب الخروج كجمع متاع وإخراج أهل ولبس ثوب لم يحنث
-
ولو حلف لا يساكنه في هذه الدار فخرج أحدهما في الحال لم يحنث
-
وكذا لو بنى بينهما جدار ولك جانب مدخل في الأصح
-
ولو حلف لا يدخلها وهو فيها أو لا يخرج وهو خارج فلا حنث بهذا
-
أو لا يتزوج أو لا يتطهر أو لا يلبس أو لا يركب أو لا يقوم أو لا يقعد فاستدام هذه الأحوال حنث.
-
قلت: بحيثه باستدامة التزوج والتطهر غلط لذهول
-
واستدامة طيب ليست تطيبا في الأصح
-
وكذا وطء صوم وصلاة والله أعلم
-
ومن حلف لا يدخل دارا حنث بدخول دهليز داخل الباب أو بين بابين
-
لا بدخول طاق قدام الباب
-
ولا بصعود سطح غير محوط
-
وكذا محوط في الأصح
-
ولو أدخل يده أو رأسه أو رجله لم يحنث
-
فإن وضع رجليه فيهما معتمدا عليهما حنث
-
ولو انهدمت فدخل وقد بقي أساس الحيطان حنث
-
وإن صارت فضاء أو جعلت مسجدا أو حماما أو بستانا فلا
-
ولو حلف لا يدخل دار زيد حنث بدخول ما يسكنها بملك
-
لا بإعارة وإجارة وغصب
-
إلا أن يريد مسكنه
-
ويحنث بما يملكه ولا يسكنه
-
إلا أن يريد مسكنه
-
ولو حلف لا يدخل دار زيد أو لا يكلم عبده أو زوجته فباعهما أو طلقها فدخل وكلم لم يحنث
-
إلا أن يقول داره هذه أو زوجته هذه أو عبده هذا فيحنث
-
إلا أن يريد ما دام ملكه
-
ولو حلف لا يدخلها من ذا الباب فنزل ونصب في موضع آخر منها لم يحنث بالثاني
-
ويحنث بالأول في الأصح
-
أو لا يدخل بيتا حنث بكل بيت من طين أو حجر أو آجر أو خشب أو خيمة
-
ولا يحنث بمسجد وحمام وكنيسة وغار جبل
-
أو لا يدخل على زيد فدخل بيتا فيه زيد وغيره حنث
-
وفي قول إن نوى الدخول على غيره دونه لا يحنث
-
فلو جهل حضوره فخلاف حنث النامي.
-
قلت: ولو حلف لا يسلم عليه فسلم على قوم هو فيهم واستثناه لم يحنث
-
وإن أطلق حنث في الأظهر. والله أعلم.
فصل
-
حلف لا يأكل الرؤس ولا نية له حنث برؤس تباع وحدها
-
لا طير وحوت وصيد
-
إلا ببلد تباع فيه مفردة
-
والبيض يحمل على مزائل بائضه في الحياة كدجاج ونعامة وحمام
-
لا سمك وجراد
-
واللحم على نعم وخيل ووحش وطير
-
لا سمك وشحم بطن
-
وكذا كرش وكبد وطحال وقلب في الأصح.
-
والأصح تناوله لحم رأس ولسان وشحم ظهر وجنب
-
وإن شحم الظهر لا يتناوله الشحم
-
وإن الإلية والسنام ليسا شحما ولا لحما
-
والإلية لا تتناول سناما
-
ولا يتناولهما
-
والدم يتناولهما وشحم وظهر وبطن وكل دهن
-
ولحم البقر يتناول جاموسا
-
ولو قال مشيرا إلى حنطة لا آكل هذه حنث بأكلها لى هيئتها وبطحينها وخبزها
-
ولو قال لا آكل هذه الحنطة حنث بها مطبوخة ونيئة ومقلية
-
لا بطحينها وسويقها وعجينها وخبزها
-
ولا يتناول رطب تمرا
-
ولا بسرا
-
ولا عنب زبيبا.
-
وكذا العكوس
-
ولو قال لا آكل هذا الرطب فتتمر فأكله أو لا أكلم ذا الصبي فكلمه شيخا فلا حنث في الأصح
-
والخبز يتناول كل خبز كحنطة وشعير وأرز وباقلا وذرة وحمص
-
فلو ثرده فأكله حنث
-
ولو حلف لا يأكل سويقا فسفه أو تناوله بأصبع حنث
-
وإن جعله في ماء فشربه فلا
-
أو لا يشربه فبالعكس
-
أو لا يأكل لبنا أو مائعا آخر فأكله بخبز حنث
-
أو شربه فلا
-
أو لا يشربه فبالعكس
-
أو لا يأكل سمنا فأكله بخبز جامدا أو ذائبا حنث
-
وإن شرب ذائبا فلا
-
وإن أكله في عصيدة حنث إن كانت عينه ظاهرة
-
ويدخل في فاكهة رطب وعنب ورمان وأترج ورطب ويابس.
-
قلت: وليمون ونبق وكذا بطيخ ولب فستق وبندق وغيرهما في الأصح
-
لا قثاء ولا خيار وباذنجان وجزر
-
ولا يدخل في الثمار يابس. والله أعلم.
-
ولو أطلق بطيخ وتمر وجوز لم يدخل هندي
-
والطعام يتناول قوة وفاكهة وأدما وحلوى
-
ولو قال لا آكل من هذه البقرة تناول لحمها دون ولد ولبن
-
أو من هذه الشجرة فثمر دون ورق وطرف غصن.
فصل
-
حلف لا يأكل هذه التمرة فاختلطت بتمر فأكله إلا تمرة لم يحنث
-
أو ليأكلنها فاختلطت لم يبر إلا بالجميع
-
أو ليأكلن هذه الرمانة فإنما يبر بجميع حبها
-
أو لا يلبس هذين لم يحنث بأحدهما
-
فإن لبسهما معا أو مرتبا حنث
-
أو لا ألبس هذا ولا هذا حنث بأحدهما
-
أو ليأكلن ذا الطعام غدا فمات قبله فلا شيء عليه
-
وإن مات أو تلف الطعام في الغد بعد تمكنه من أكله حنث
-
وقبله قولان كمكره
-
وإن أتلفه بأكل وغيره قبل الغد حنث
-
وإن تلف أو أتلفه أجنبي فكمكره
-
أو لأقضين حقك عند رأس الهلال فليقض عند غروب الشمس آخر الشهر
-
فإن قدم أو مضى بعد الغروب قدر إمكانه حنث
-
وإن شرع في الكيل حينئذ ولم يفرغ لكثرته إلا بعد مدة لم يحنث
-
أو لا يتكلم فسبح أو قرأ قرآنا فلا حنث
-
أو لا يكمله فسلم عليه حنث
-
وإن كاتبه أو راسله أو أشار إليه بيد أو غيرها فلا في الجديد
-
وإن قرأ آية أو أفهمه بها مقصوده وقصد قراءة لم يحنث
-
والأحنث
-
أو لا مال له حنث بكل نوع وإن قل حتى ثوب بدنه ومدبر ومعلق عتقه بصفة وما وصى به ودين حل
-
وكذا مؤجل في الأصح
-
لا مكاتب في الأصح
-
أو ليضربنه فالبر بما يسمى ضربا ولا يشترط إيلام
-
إلا أن يقول ضربا شديدا
-
وليس وضع سوط عليه وعض وخنق ونتف شعر ضربا
-
قيل: ولا لطم ووكزه
-
أو ليضربنه مائة سوط أو خشبة فشد مائة وضربه بها ضربة أو بعثكال عليه مائة شمراخ بر إن علم إصابة الكل أو تراكم بعض على بعض فوصله ألم الكل.
-
قلت: ولو شك في إصابة الجميع بر على النص والله أعلم
-
أو ليضربنه مائة مرة لم يبر بهذا
-
أو لا أفارقك حتى أستوفي فهرب ولم يمكنه اتباعه يحنث.
-
قلت: الصحيح لا يحنث إذا أمكنه اتباعه والله أعلم
-
وإن فارقه أو وقف حتى ذهب وكانا ماشيين أو أبرأه أو احتال على غريم ثم فارقه أو أفلس ففارقه ليوسر حنث
-
وإن استوفى وفارقه فوجده ناقصا إن كان من جنس حقه لكنه أردأ لم يحنث
-
والأحنث عالم
-
وفي غيره القولان
-
أولا أرى منكرا إلا رفعته إلى القاضي فرأى وتمكن فلم يرفع حتى مات حنث
-
ويحمل على قاضي البلد
-
فإن عزل فالبر بالرفع إلى الثاني
-
أو لأرفعه إلى قاض بربكل قاض
-
أو إلى القاضي فلان فرآه ثم عزل فإن نوى ما دام قاضيا حنث إن أمكنه رفعه فتركه
-
وإلا فكمكره
-
وإن لم ينو بر برفع إليه بعد عزله.
فصل
-
حلف لا يبيع أو لا يشتري فعقد لنفسه أو غيره حنث
-
ولا يحنث بعقد وكيله له
-
أو لا يزوج أو لا يطلق أو لا يعتق أو لا يضرب فوكل من فعله لا يحنث
-
إلا أن يريد أن لا يفعل هو ولا غيره
-
أو لا ينكح حنث بعقد وكيله له
-
لا بقبوله هو لغيره
-
أو لا يبيع مال زيد فباعه بإذنه حنث وإلا فلا
-
أو لا يهب له فأوجب له فلم يقبل لم يحنث.
-
وكذا إن قبل ولم يقبض في الأصح
-
ويحنث بعمري ورقبي وصدقة
-
لا إعارة ووصية ووقف
-
أو لا يتصدق لم يحنث بهبة في الأصح
-
أو لا يأكل طعاما اشتراه زيد لم يحنث بما اشتراه مع غيره.
-
وكذا لو قال من طعام اشتراه زيد في الأصح
-
ويحنث بما اشتراه سلما
-
ولو اختلط ما اشتراه بمشترى غيره لم يحنث حتى يتيقن أكله من ماله
-
أو لا يدخل دارا اشتراها زيد لم يحنث بدار أخذها بشفعة.
كتاب آخر
-
لا تنعقد اليمين إلا من مختار،
-
فأما الصبي، والمجنون، والنائم،
-
فلا تنعقد أيمانهم، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع القلم عن ثلاثة» ... الحديث.
-
وفي السكران وجهان، بناء على طلاقه.
-
ولا تنعقد يمين المكره؛ لأنه قول أكره عليه بغير حق، فلم يصح، ككلمة الكفر. وتنعقد اليمين من الكافر، وتلزمه الكفارة بالحنث، سواء حنث في الكفر أو الإسلام؛ «لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أوف بنذرك» ؛
-
ولأنه من أهل القسم، يصح استحلافه عند الحاكم، فانعقدت يمينه كالمسلم.
-
واليمين على أربعة أضرب: يمين منعقدة تجب الكفارة بالحنث فيها، وهي اليمين على مستقبل متصور، عاقدا عليه قلبه، فتوجب الكفارة، لقول الله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ} .
-
الضرب الثاني: لغو اليمين،
-
فلا كفارة فيه، لقول الله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} ، واللغو نوعان:
-
أحدهما: أن تجري اليمين على لسانه من غير قصد إليها، لما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يعني اللغو في اليمين هو كلام الرجل في بيته: لا والله، وبلى والله» رواه البخاري وأبو داود.
-
وقال القاضي: هو أن يريد أن يقول: والله، فيجري على لسانه: لا والله، أو عكس ذلك.
-
والثاني: أن يحلف على شيء، يظنه كما حلف، فيتبين بخلافه.
-
وعنه: في هذا النوع الكفارة؛ لأن ظاهر حديث عائشة حصر اللغو في النوع الأول، وظاهر المذهب الأول؛ لأن هذا يمين على ماض فلم يوجب الكفارة، كالغموس.
-
الضرب الثالث: يمين الغموس، وهي التي يحلفها كاذبا، عالما بكذبه،
-
فلا كفارة فيها في ظاهر المذهب؛ لأنها يمين غير منعقدة لا توجب برا،
-
ولا يمكن فيها فلم توجب كفارة، كاللغو. وقد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «خمس من الكبائر لا كفارة لهن» ، ذكر منهن: «الحلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال امرئ مسلم» .
-
وعن أحمد: أن الكفارة تجب فيها؛ لأنه حالف مخالف مع القصد، فلزمته الكفارة كالحالف على مستقبل.
-
الضرب الرابع: أن يحلف على مستحيل، كصوم أمس، والجمع بين الضدين، وشرب ماء إناء لا ماء فيه،
-
فلا كفارة فيها؛ لأنها غير منعقدة، لعدم تصور البر فيها، كيمين الغموس. وقال القاضي: قياس المذهب أن تجب فيها الكفارة؛ لأنها يمين على مستقبل.
-
وإن حلف على مستحيل عادة، كإحياء الميت، وقلب الأعيان، فقال القاضي وأبو الخطاب: فيها كفارة؛ لأنه متوهم التصور. وقياس المذهب أنها كالتي قبلها؛ لأنها لا توجب برا، ولا يمكن فيها.
-
فإن استثنى عقيب يمينه، فقال: إن شاء الله، لم يحنث، لما روى عن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: من حلف فقال إن شاء الله - لم يحنث» ، رواه أبو داود؛ لأنه علق المحلوف عليه بشرط يلزم من وجوده وجوده،
-
ومن عدمه عدمه، فلم يتصور الحنث فيها.
-
ويشترط أن يكون متصلا باليمين،
-
ولا يفصل بينهما بكلام أجنبي،
-
ولا سكوت يمكن الكلام فيه؛ لأن الاستثناء من تمام الكلام، فاعتبر اتصاله به كالشرط وخبر المبتدأ.
-
وعنه: يجوز الاستثناء ما لم يطل الفصل، لما روى ابن عباس «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: لأغزون قريشا، ثم سكت، ثم قال: إن شاء الله» رواه أبو داود.
-
وقال بعض أصحابنا: يجوز الاستثناء ما دام في المجلس، واشترط القاضي أن يقصد الاستثناء،
-
فإن سبق لسانه إليه من غير قصد كالعادة، لم يصح الاستثناء؛ لأن اليمين يعتبر لها القصد، فكذلك ما يرفع حكمها،
-
ولا ينفعه الاستثناء بقلبه حتى يقول بلسانه، لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: إن شاء الله فعلقه بالقول؛ ولأن اليمين لا تنعقد بالنية، فكذلك الاستثناء، إلا أن أحمد قال: إن كان مظلوما، فاستثنى في نفسه، رجوت أن يجوز إذا حلف على نفسه، وذلك لأنه بمنزلة التأويل، يجوز للمظلوم دون غيره.
-
ولا تنعقد اليمين إلا باسم من أسماء الله تعالى، أو صفة من صفاته، لما روى عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحف بالله، أو ليصمت» متفق عليه.
-
وعن ابن عمر: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من حلف بغير الله فقد أشرك» . قال الترمذي: هذا حديث حسن.
-
فلو حلف بالكعبة أو بنبي، أو عرش، أو كرسي، أو غير ذلك، لم تنعقد يمينه.
-
وعنه: من حلف بحق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فحنث، فعليه الكفارة؛ لأنه أحد شرطي الشهادة، فأشبه الحلف باسم الله، والأول أولى، لدخوله في عموم الأحاديث وشبهه، كسائر الأنبياء - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ -.
-
وأسماء الله ثلاثة أقسام:
-
أحدها: ما لا يشارك الله تعالى فيه غيره، نحو: الله، والرحمن، ومالك يوم الدين، ورب العالمين، والحي الذي لا يموت، فالحلف بها يمين بكل حال.
-
الثاني: ما يسمى به غير الله، وإطلاقه ينصرف إليه، كالملك، والجبار والسلطان والرحيم، والقادر، فهذا إن نوى اليمين، أو أطلق، كان يمينا؛ لأنه بإطلاقه ينصرف إليه،
-
وإن نوى به غير الله، لم يكن يمينا؛ لأنه نوى ما يحتمله، مما لو صرح به لم يكن يمينا. قال طلحة العاقولي: إذا قال: والخالق والرزاق والرب، كان يمينا بكل حال؛ لأنها لا تستعمل مع لام التعريف، إلا في اسم الله تعالى، فأشبهت القسم الأول.
-
الثالث: ما لا ينصرف بالإطلاق إلى اسم الله تعالى، كالحي، والعالم، والموجود، والمؤمن، والكريم. فهذا إن أطلق لم يكن يمينا؛ لأنه لا ينصرف مع الإطلاق إليه،
-
وإن قصد باليمين اسم الله، كان يمينا. وقال القاضي: لا يكون يمينا، لأن اليمين إنما تنعقد لحرمة الاسم، ومع الاشتراك لا حرمة له، والأول أصح؛ لأنه أقسم بالله قاصدا للحلف به، فكان يمينا كالذي قبله.
-
وصفات الله تعالى تنقسم قسمين:
-
أحدهما: ما هو صفة لذات الله تعالى لا يحتمل غيرها، كعظمة الله، وعزته، وجلاله، وكبريائه، فالقسم بها يمين منعقدة؛ لأنها صفة من صفات ذات الله لم يزل موصوفا بها، أشبهت أسماءه.
-
والثاني: ما هو صفة حقيقية، ويعبر به عن غير ذلك مجازا، كعلم الله وقدرته،
-
فإن أطلق كان يمينا،
-
فإن نوى بعلم الله معلومه، وبقدرته مقدوره، فالمنصوص عن أحمد أنه يمين؛ لأنه موضوع لليمين،
-
فلا يقبل منه غيره، ويحتمل أن لا يكون يمينا؛ لأنه نوى بكلامه ما يحتمله مما ليس بيمين، فأشبه القسم بالقادر.
-
وإن أقسم بحق الله، كان يمينا؛ لأنه إذا اقترن به عرف الاستعمال باليمين، انصرف إلى ما يستحقه لنفسه من العظمة والكبرياء، فأشبه قدرة الله.
-
وإن قال: لعمر الله، كان يمينا؛ لأنه أقسم بصفة من صفات الله، فهو كالحالف ببقاء الله. ويقال: الْعَمْرُ وَالْعُمُرُ وَاحِدٌ، فهو قسم ببقاء الله. وقد ثبت لها عرف الاستعمال. قال الله تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} .
-
وقال النابغة:
-
فلا لعمر الذي قد زرته حججا ... وما هريق على الأنصاب من جسد
-
وإن قال: وايم الله، أو وايمن الله، فهو يمين، كما ذكرنا في الذي قبله،
-
وإن حلف بالقرآن، أو بكلام الله، فهي يمين منعقدة؛ لأن كلام الله صفة من صفاته، والقرآن هو كلام الله.
-
وإن حلف بسورة منه، فهي يمين؛ لأنها من القرآن،
-
وكذلك إن حلف بالمصحف؛ لأن القرآن فيه. قال الله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} .
-
وإن حلف بعهد الله، أو ميثاقه، أو أمانته، فهو يمين؛ لأنه يحتمل كلام الله الذي أمرنا به ونهانا، كقول تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ} ، وقرينة الاستعمال صارفة إليه.
-
وإن قال: والعهد والميثاق والأمانة، ونوى ذلك كان يمينا.
-
وإن أطلق ففيه روايتان:
-
إحداهما: يكون يمينا كذلك؛ ولأن اللام إن كانت للتعريف، صرفته إلى عهد الله وميثاقه،
-
وإن كانت للاستغراق، دخل ذلك فيه.
-
والثانية: لا كفارة فيه؛ لأنه يحتمل غير ما تجب به الكفارة.
-
وحروف القسم ثلاثة: الباء وهي الأصل تدخل على المُظهَر والمضمر، والواو وهي بدل منها، تدخل على المظهر وحده، والتاء وهي بدل من الواو. وتدخل على اسم الله تعالى وحده، فبأيها أقسم كان قسما صحيحا.
-
وإن أقسم بغير حرف، فقال: الله لأقومن، بالنصب، أو الجر - كان صحيحا؛ لأنه لغة صحيحة. وقد ورد به عرف الاستعمال في الشرع. قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لركانة بن عبد يزيد: «الله ما أردت إلا واحدة، قال: الله ما أردت إلا واحدة» .
-
فإن قال: الله - بالرفع - لأقومن، ونوى اليمين، كان يمينا مع لحنه،
-
وإن لم يرد اليمين لم يكن يمينا؛ لأنه لم يأت بالموضوع،
-
ولا قصده. وقال أبو الخطاب: يكون يمينا، إلا أن يكون من أهل العربية.
-
وإن قال: لاها الله، ونوى اليمين، كان يمينا؛ لأن أبا بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال في سلب قتيل أبي قتادة: لاها الله، إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله، يقاتل عن الله وعن رسوله، فيعطيك سلبه،
-
وإن قال: أشهد بالله، أو أقسم بالله أو أحلف بالله، أو أقسمت بالله، أو شهدت بالله، ونوى اليمين، أو أطلق، كان يمينا؛ لأنه قد ثبت له عرف الشرع والاستعمال.
-
فإن قصد بذلك الخبر عما يفعله ثانيا، أو عما فعله ماضيا، لم يكن يمينا.
-
وكذلك القول في: أعزم بالله، وعزمت بالله، في ظاهر كلام الخرقي. وقال أبو بكر: إن أطلق، لم يكن يمينا؛ لأنه لم يثبت له عرف الشرع ولا الاستعمال.
-
وإن قال: قسما بالله، أو ألية بالله، فهو يمين؛ لأن تقديره: أقسمت قسما، وآليت ألية.
-
فإن قال: أقسمت، أو آليت، أو حلفت، أو شهدت لأفعلن، ونوى اليمين بالله - فهو يمين؛ لأنه نوى ما يحتمله مما هو يمين.
-
وإن أطلق، ففيه روايتان:
-
إحداهما: هو يمين؛ لأنه ثبت له عرف الشرع والاستعمال،
-
«فإن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني بما أصبت مما أخطأت، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لا تقسم يا أبا بكر» .
-
وقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو:
-
آليت لا تنفك عيني حزينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا والثانية: تنعقد اليمين؛ لأنه يحتمل القسم بغير اسم الله تعالى.
-
وإن قال: حلفت بالله وأراد الخبر، لم يكن يمينا، اختاره أبو بكر.
-
وعنه: عليه الكفارة لإقراره على نفسه، والأول المذهب؛ لأنه حكم بينه وبين الله تعالى،
-
فلا يلزمه ما لم يوجد سببه.
-
وإن قال: عليّ يمين، فكذلك.
-
فإن أراد عقد اليمين، لم يكن يمينا؛ لأنه لم يأت باسم الله،
-
ولا صفته، فلم يكن يمينا، كسائر الكلام.
-
ويجاب القسم بأحرف خمسة: إن، واللام في الإيجاب، كقول الله: {قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} ، وقَوْله تَعَالَى: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} ، و "ما" و "لا" و "إن" الخفيفة في النفي كقول الله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ} ، وقَوْله تَعَالَى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ} ، وقوله سبحانه: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} ، وتحذف "لا" وهي مرادة، كقول الله تعالى: {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} . وقال امرؤ القيس:
-
فقلت يمين الله أبرح قاعدا
-
أي: لا أبرح. فإن قال: بالله صل لم تنعقد يمينه؛ لأنه لم يجبه بجواب القسم،
-
وإن قال: تالله لتفعلن، انعقدت يمينه، والكفارة على الحالف؛ لأنه الحانث.
-
وإن حرم على نفسه شيئا، وقال: ما أحل الله علي حرام، فهي يمين. سواء أطلق ذلك، أو علقه على شرط، لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} إلى قوله تعلى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} يعني: التكفير.
-
قالت عائشة: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يمكث عند زينب، ويشرب عندها عسلا، فتواطأت أنا وحفصة أيتنا دخل عليها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير، فدخل على إحدانا، فقالت ذلك، فقال: لا، بل شربت عسلا ولن أعود له، فنزلت: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} » . متفق عليه.
-
وإن حرم أمته، أو أم ولده، فهو كتحريم ماله؛ لأنها مال له. وقد قال الحسن: إن الآية نزلت في تحريم مارية القبطية.
-
وإن حلف بالخروج من الإسلام، فقال: هو بريء من الإسلام، أو كافر، أو يهودي، إن فعل - أثم؛ لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من حلف بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا، فهو كما قال.» متفق عليه.
-
وفي لفظ: «من حلف أنه بريء من الإسلام، فإن كان قد كذب، فهو كما قال، وإن كان صادقا لم يرجع إلى الإسلام سالما» .
-
وهل تنعقد يمينه موجبة للكفارة؟
-
فيه روايتان:
-
إحداهما: تنعقد، لما روى أبو بكر بإسناده عن زيد بن ثابت عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أنه سئل عن الرجل يقول: هو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو بريء من الإسلام في اليمين يحلف بها، فيحنث في هذه الأشياء، قال: عليه كفارة يمين» .
-
والثانية: لا كفارة عليه؛ لأنه لم يحلف باسم الله،
-
ولا صفته، فأشبه الحالف بمحو المصحف.
-
وإن حلف باستحلال الزنا والخمر، أو ترك الصلاة، أو الصيام، فهو كالحالف بالكفر؛ لأن ذلك كفر.
-
وإن حلف بمحو المصحف، وقتل النفس التي حرم الله ومعصيته في كل ما أمر، أو لعن نفسه،
-
فلا كفارة فيه، نص عليه؛ لأنه لا يوجب الكفر.
-
وإن قال: لا يراني الله في موضع كذا، فذكر القاضي: أن أحمد نص على أنه موجب للكفارة.
-
وإن حلف رجل، فقال آخر: يميني في يمينك، يريد أنه يلزمني من اليمين ما يلزمك، لم تنعقد يمينه؛ لأن اليمين بالله لا تنعقد بالكناية؛ لأن تعلق الكفارة بها لحرمة اللفظ،
-
ولا يوجد في الكناية.
-
وإن كان ذلك في الطلاق، انعقدت يمينه؛ لأن الطلاق ينعقد بالكناية.
-
وإن قال: أيمان البيعة تلزمني ولا يعرفها، أو لا نية له، لم يلزمه حكمها؛ لأن هذا كناية، فيعتبر له النية.
-
ولا تصح النية لما لا يعرفه.
-
وإن عرفها، ونوى التزام ما فيها، انعقدت يمينه بالطلاق، والعتاق؛ لأن اليمين بها تنعقد بالكناية، ولم تنعقد باليمين بالله؛ لأنها لا تنعقد بالكناية.
-
وأيمان البيعة أيمان رتبها الحجاج، تشتمل على اليمين بالله تعالى والعتاق، والطلاق، والحج، وصدقة المال، يستحلف بها الناس عند عقد البيعة.
-
والحالف مخير في يمينه بين البر، وبين التكفير.
-
ولا يحرم المحلوف عليه بها، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها، فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك» .
-
وإن فعل المحلوف عليه ناسياً، أو مكرهاً، لم يحنث، لقول الله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» رواه ابن ماجه والدارقطني؛
-
ولأنه غير قاصد للمخالفة، فلم يحنث، كالنائم.
-
وعنه: أنه يحنث؛ لأنه فعل المحلوف عليه قاصداً لفعله، أشبه غير الناسي.
-
وإن فعله جاهلاً، كرجل حلف لا يكلم فلاناً، فكلمه يظنه غيره، أو سلم على جماعة هو فيهم ولم يعلم به، أو حلف لا يفارقه حتى يقضيه حقه. فأعطاه قدر حقه، ففارقه، فوجده رديئاً، ففيه روايتان، كالناسي؛ لأنه غير قاصد للمخالفة.
-
ومن حلف على غيره، ألا يفعل وكان المحلوف عليه ممن يمتنع بيمينه، فهو في الجهل والنسيان، كالحالف.
-
وإن كان ممن لا يمتنع بيمينه، كالسلطان، والحاج، استوى في الحنث العلم والجهل والنسيان؛ لأنه مما لا يؤثر اليمين في امتناعه، فأشبه تعليق الطلاق بطلوع الشمس.
-
ومن حلف، فهو مخير في التكفير قبل الحنث أو بعده، سواء كانت الكفارة صوماً أو غيره، لما روى عبد الرحمن بن سمرة قال: قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يا عبد الرحمن بن سمرة، إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيراً منها، فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير» متفق عليه.
-
وفي لفظ: «ثم ائت الذي هو خير» رواه أبو داود؛ لأنه كفر بعد سببه، فجاز ككفارة الظهار، والقتل بعد الجرح.
-
وهو مخير في أن يطعم عشرة مساكين أو يكسوهم، أو يعتق رقبة.
-
فإن لم يجد صام ثلاثة أيام، لقول الله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} .
-
وقد شرحنا العتق والإطعام في كفارة الظهار.
-
فأما الكسوة، فلا يجزئه أقل من كسوة عشرة مساكين، للآية. وتقدر الكسوة بما يجزئ في الصلاة، وهو ثوب للرجل، وللمرأة درع وخمار يستر جميعها.
-
ولا يجزئ السراويل، ولا إزار وحده؛ لأن التكفير عبادة تعتبر فيها الكسوة، فأشبهت الصلاة. وتجزئه كسوتهم من القطن والكتان والصوف، وسائر ما يسمى كسوة؛ لأن الله تعالى لم يعين جنسها، فوجب أن لا يتعين. وتجوز كسوتهم من الجديد واللبيس، إلا أن يكون مما ذهبت منفعته باللبس،
-
فلا يجزئ؛ لأن ذلك معيب، فأشبه الحب المعيب.
-
وإن كسا بعض المساكين من جنس وباقيهم من جنس آخر، أو أطعمهم من جنس، جاز؛ لأنه قد أطعم وكسا عشرة، فجاز، كما لو كان من جنس واحد.
-
وإن أطعم بعضهم، وكسا باقيهم، جاز؛ لأنه أخرج من جنس المنصوص عليه بعدة العدد الواجب، فأجزأ، كما لو أخرجه من جنس واحد؛ ولأن كل واحد من النوعين يقوم مقام صاحبه في جميع العدد، فقام مقامه في بعضه كالتيمم مع الماء.
-
وإن أعتق نصف عبد. وأطعم خمسة مساكين، أو كساهم، لم يجزئه؛ لأن مقصودهما مختلف متباعد، فلم يكمل أحدهما بصاحبه، كالإطعام والصيام.
-
ويشترط التتابع في صوم الأيام الثلاثة،
-
وعنه: لا يشترط؛ لأن الأمر بها مطلق، فلم يجز تقييده بغير دليل، فظاهر المذهب الأول؛ لأن في قراءة أبي وابن مسعود (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) فالظاهر أنهما سمعاه من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فيكون خبراً.
-
وإن حلف العبد أجزأه الصيام؛ لأن ذلك فرض الحر المعسر، وهو أحسن من العبد حالاً،
-
وإذا أذن له سيده في التكفير بالمال، لم يلزمه؛ لأنه غير مالك له. وظاهر كلام الخرقي: أنه لا يجزئه غير الصيام. وقال غيره: فيه روايتان:
-
إحداهما: لا يجزئه إلا الصيام؛ لأنه لا يملك المال، فلم يجز له التكفير به، كالحر يكفر بمال غيره.
-
والثانية: له التكفير بالمال إذا أذن له سيده فيه. وملكه قدر ما يكفر به؛ لأنه قدر على التكفير بالمال، فصح تكفيره به، كالمعسر يملك ما يكفر به، فعلى هذا له التكفير بالإطعام. وهل له التكفير بالعتق؟ على روايتين:
-
إحداهما: له ذلك؛ لأنه من صح تكفيره بالإطعام، صح تكفيره بالعتق، كالحر.
-
والثانية: لا يجوز؛ لأن العتق يقتضي الولاية والإرث، وليس ذلك للعبد.
-
فإن قلنا: يجوز، فأذن له في إعتاق نفسه عن كفارته، ففعل، ففيه وجهان:
-
أحدهما: يجوز؛ لأنها رقبة تجزئ عن غيره. فأجزأت عنه كغيره.
-
والثاني: لا تجزئه؛ لأنه لا يملك نفسه،
-
فلا يجزئه التكفير بها، كما لو لم يؤذن له؛ ولأن الكفارة عنه، لم يجز صرفها إلى نفسه، كالحر.
-
فأما إن أذن في العتق مطلقاً، لم يجز أن يعتق نفسه، كما لو وكل غريماً في إبراء بعض غرمائه، لم يملك إبراء نفسه. وقال أبو بكر: فيه وجه آخر أنه يجزئه.
-
فإن حنث وهو عبد، فعتق، فقال الخرقي: لا يجزئه غير الصيام؛ لأنه حين الوجوب لا يجزئه غيره؛ ولأنه حكم تعلق بالعبد، فلم يتغير بحريته كالحد.
-
ومن جعل للعبد التكفير بالمال في حال رقه، فهنا أولى.
-
ومن اعتبر أغلظ الأحوال وكان موسراً، لم يجز له التكفير بغير المال.
-
ومن حلف أيماناً كثيرة على شيء واحد، فحنث، لم يلزمه أكثر من كفارة؛ لأنها أسباب كفارات من جنس، فتداخلت، كالحدود.
-
وإن حلف يميناً واحدة على أفعال مختلفة، فحنث في الجميع، أجزأه كفارة واحدة؛ لأنها يمين واحدة، فلم يحنث بها أكثر من كفارة، كما لو حلف على فعل واحد.
-
وإن حنث بفعل واحد، انحلت يمينه في الباقي.
-
وإن حلف أيماناً على أفعال فقال: والله لا أكلت، والله لا شربت، والله لا لبست، ففيه روايتان:
-
إحداهما: يجزئه عن الجميع كفارة واحدة، اختارها أبو بكر والقاضي؛ لأنها كفارات من جنس واحد، فتداخلت، كالحدود.
-
والثانية: يجب في كل يمين كفارة، وهو ظاهر قول الخرقي؛ لأنها أيمان لا يحنث في إحداهن بالحنث في الأخرى، فوجبت في كل يمين كفارتها، كالمختلفة الكفارة. قال أبو بكر: المذهب الأول، وقد رجع أحمد عن الرواية الأخرى.
-
ولو حلف على شيء واحد بيمينين مختلفي الكفارة، كالظهار واليمين بالله، لزمته في كل يمين كفارتها؛ لأنها أجناس، فلم تتداخل، كالحدود من أجناس.
-
فصل: ومن حلف بالقرآن، فحنث، فقياس المذهب أن عليه كفارة واحدة؛ لأن الحلف بصفات الله تعالى وتكرر اليمين بها، لا يوجب أكثر من كفارة واحدة، فهذا أولى. والمنصوص عنه أن عليه بكل آية كفارة؛ لأن ابن مسعود قال ذلك. قال أحمد: ما أعلم شيئاً يدفعه.
-
ويحتمل أن ذلك ندب غير واجب؛ لأنه قال: عليه بكل آية كفارة يمين،
-
فإن لم يمكنه، فعليه كفارة يمين. ورده إلى كفارة واحدة عند العجز، دليل على أن الزائد عليها غير واجب؛ إذ لو وجب، لم يسقط بالعجز، كالواحدة.
-
ومبنى الأيمان على النية، فمتى نوى بيمينه ما يحتمله، تعلقت يمينه بما نواه، دون ما لفظ به، سواء نوى ظاهر اللفظ أو مجازه، مثل أن ينوي موضوع اللفظ، أو الخاص بالعام، أو العام بالخاص، أو غير ذلك؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وإنما لكل امرئ ما نوى» فتدخل فيه الأيمان؛
-
ولأن كلام الشارع يصرف إلى ما دل الدليل على أنه أراده دون ظاهر اللفظ، فكلام المتكلم مع اطلاعه على تعين إرادته أولى.
-
فلو حلف ليأكلن لحماً أو فاكهة، أو ليشربن ماء، أو ليكلمن رجلاً، أو ليدخلن داراً، أو لا يفعل ذلك، وأراد بيمينه معيناً، تعلقت يمينه به دون غيره،
-
وإن نوى الفعل أو الترك في وقت بعينه، اختص بما نواه.
-
وإن حلف لا يشرب له الماء من العطش، يريد قطع منته، تناولت يمينه كل ما يمتن به؛ لأن ذلك للتنبيه على ما هو أعلى منه، كقول الله تعالى:
-
{وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا} . يريد:
-
ولا تظلمون شيئاً. وقال الشاعر:
-
ولا يظلمون الناس حبة خردل
-
وإن حلف: لا يلبس شيئاً من غزلها، يريد قطع منتها، فباعه وانتفع بثمنه، حنث،
-
ولا يتعدى الحكم إلى كل ما فيه منة؛ لأن لكونه من غزلها أثراً في داعية اليمين، فلم يجز حذفه.
-
وإن حلف: لا يأوي معها في دار، ينوي جفاءها، ولم يكن للدار أثر في القصد، فأوى معها في غيرها، حنث،
-
ولا يحنث بصلتها بغير الإيواء؛ لأن له أثراً فلا يحذف.
-
وإن قال: إن رأيتك تدخلين الدار، فأنت طالق، يقصد منعها الدخول بالكلية، حنث بدخولها وإن لم يرها،
-
وإن لم يرد ذلك، لم يحنث حتى يراها تدخل اتباعاً للفظه.
-
وإن حلف: ليقضينه حقه في غد، يريد ألا يتجاوزه بالقضاء، فقضاه قبله، لم يحنث.
-
وإن حلف: لا يبيع ثوبه بمائة. يريد ألا ينقصه، فباعه بأقل، حنث.
-
وإن حلف: لا يتزوج، حنث بالعقد الصحيح.
-
وإن حلف: ليتزوجن، بر بذلك، إلا أن يقصد بيمينه غيظ زوجته، أو يكون سبب يمينه يقتضي ذلك،
-
فلا يبر إلا بتزويج يغيظها.
-
فإن واطأها على التزوج والطلاق قبل الدخول، ليحل يمينه، أو يتزوج من لا يغيظها تزوجها، لم يبر. وقال أصحابنا فيمن حلف: ليتزوجن على امرأته، لا يبر حتى يتزوج نظيرتها، ويدخل بها،
-
والصحيح أن هذا لا يعتبر؛ لأن غيظها يحصل بدونه.
-
وإن تأول الظالم في يمينه، لم ينفعه تأويله، لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» . رواه مسلم وأبو داود؛ ولأنه لو ساغ له التأويل لبطل المعنى المبتغى باليمين، وهو تعريف الحالف ليرتدع عن جحوده، خوفاً من عاقبة اليمين الكاذبة.
-
وإن كان مظلوماً، فله تأويله، نص عليه أحمد في رجل له امرأتان، اسم كل واحدة فاطمة، فماتت إحداهما: فحلف بطلاق فاطمة ينوي الميتة، إن كان المستحلف ظالماً، فالنية نية صاحب الطلاق،
-
وإن كان الحالف ظالماً، فالنية نية الذي أحلفه، لما روى أبو داود بإسناده عن سويد بن حنظلة قال: «خرجنا نريد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له، فتحرج القوم أن يحلفوا فحلفت: أنه أخي، فخلى سبيله، فأتينا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فذكرنا ذلك له، فقال: أنت كنت أبرهم وأصدقهم، المسلم أخو المسلم» ؛
-
ولأنه نوى بكلامه ما يحتمله على وجه لا يبطل حق أحد، فجاز كما لو عنى به الظاهر.
-
وإن لم يكن ظالماً،
-
ولا مظلوماً، فظاهر كلام أحمد: أن له تأويله كذلك، ولقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب» . وكان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يمزح ولا يقول إلا حقاً. وقال لرجل: «إنا حاملوك على ابن ناقة. فقال الرجل: ما أصنع بولد الناقة؟ فقال: وهل تلد الإبل إلا النوق» . رواه أبو داود.
-
وقال بعض أهل العلم: الكلام أوسع من أن يكذب ظريف، يعني: التأويل.
-
ومن لم تكن له نية، وكان ليمينه سبب هيجها، يقتضي معنى أعم من اللفظ، مثل من امتنت عليه زوجته، فحلف لا يشرب لها الماء من العطش، أو لا يلبس ثوباً من غزلها، أو حلف: لا يأوي معها في دار، لسبب يقتضي جفاءها، فحكمه حكم القاصد كذلك؛
-
لأن السبب دليل على النية والقصد، فقام مقامه.
-
وإن كان اللفظ أعم من السبب، كرجل امتنت عليه زوجته ببيتها، فحلف لا يسكن بيتاً، أو دعاه إنسان إلى غداء، فحلف لا يتغدى، ففيه وجهان:
-
أحدهما: يحمل اللفظ على عمومه؛ لأن كلام الشارع إذا ورد على سبب خاص، حمل على عمومه، ولم يختص محل سببه، فكذلك اليمين.
-
والثاني: يختص بمحل السبب؛ لأن قرينة حاله دالة على إرادة الخاص، أشبه ما لو نواه؛ ولأننا أقمنا السبب مقام النية في التعميم، فكذلك في التخصيص.
-
ولو حلف على شيء لسبب فزال، مثل من حلف لا يدخل بلداً، لظلم فيه، فزال،
-
ثم دخله، فقال القاضي: يحنث. وذكر أن أحمد نص عليه.
-
وإن حلف على زوجته أو عبده: ألا يخرجها إلا بإذنه، فخرجا عن ملكه، فقال القاضي: تنحل يمينه؛ لأن قرينة الحال تقتضي تخصيصهما بحالة الملك، فأشبه ما لو صرح به، فيخرج في هذه المسألة، وفي التي قبلها وجهان، قياساً لكل واحدة منهما على صاحبتها.
-
وإن حلف لعامل: لا يخرج إلا بإذنه، فعزل، أو حلف: لا يرى منكراً إلا رفعه إلى القاضي فلان، فعزل، وأشباه هذا، ففيه وجهان كذلك.
-
فإن قلنا: لا تنحل اليمين بعزله، فرفعه إليه بعد عزله، بر.
-
وإن قلنا: تنحل بذلك، فرأى منكراً في ولايته وأمكنه رفعه إليه، فلم يرفعه إليه حتى عزل،
-
ثم رفعه إليه، لم يبر.
-
فإن عدم ذلك، تعلقت يمينه بما عينه، فمتى حلف لا أكلت هذا الرطب، أو هذا العنب، فصار دبساً، أو خلاً، أو ناطفاً، أو: لا أكلت هذا الحمل، فصار كبشاً، أو: لا أكلت هذا البر، فصار دقيقاً أو خبزاً أو هريسة، أو ما تولد من المحلوف عليه، فأكل منه، حنث،
-
وإن حلف: لا كلمت هذا الصبي، فصار شيخاً، فكلمه، أو: لا دخلت هذه الدار، فصارت فضاء، أو مسجداً، أو حماماً، فدخلها، أو: لا لبست هذا الرداء، فلبسه قميصاً، أو سراويل، أو اعتم به، أو: لا ركبت هذه السفينة، فنقضت،
-
ثم أعيدت وركبها، أو: لا كلمت زوجة فلان هذه،
-
ولا عبده هذا، أو: لا دخلت داره هذه، أو: لا كلمت بكراً عند زيد،
-
ولا هنداً زوجته، أو: لا كلمت زيداً سيد بكر، أو زوج هند، أو زيداً صديق سعد، فزال ملكه عنهن، وفعل ما حلف عليه، حنث؛ لأن عين المحلوف عليه باقية، فحنث به، كما لو حلف: لا أكلت هذا الكبش، فذبحه، وأكل من لحمه، ويحتمل أن لا يحنث في هذا كله.
-
وإن استحالت العين، مثل أن حلف على هذا البر، فصار زرعاً، أو بيضة، فصارت فرخاً، أو على خمر، فصار خلاً، لم يحنث؛ لأن الأعيان استحالت، فزال حكم اليمين،
-
ومتى كانت نية الحالف على شيء مقيد بصفة، تقيدت يمينه بذلك.
-
ومتى حلف: لا يدخل دار فلان،
-
ولا يكلم عبده ولا زوجته،
-
ولا يركب دابته، وقصد معيناً، تعلقت اليمين بعينه، سواء بقي لفلان، أو انتفل عنه،
-
ولا تتناول يمينه غير تلك الدار والعبد والدابة والزوجة؛ لأنه تعين بنيته.
-
وإن لم يعين حنث بكلام كل عبد وزوجة له، ودخول كل دار مضافة إليه بملك أو إجارة أو سكنى؛ لأن الدار تضاف إلى ساكنها. قال الله تعالى: {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} . يريد: بيوت أزواجهن التي تسكنها.
-
ولا يحنث بكلام عبد زال عنه ملك فلان،
-
ولا دار. ولو حلف: لا يدخل دار عبد فلان،
-
ولا يركب دابته، ولا يلبس ثوبه، فركب، أو لبس، أو سكن، أو ركب ما جعل برسمه، حنث، لما ذكرنا؛ ولأن إضافة الملكية هنا غير متحققة، فتعين صرفها إلى غير الملكية.
-
وإن عدم التعيين، تعلقت يمينه بما تناوله الاسم، والأسماء ثلاثة أقسام:
-
أحدها: الأسماء العرفية، وهي أسماء اشتهر في العرف استعمالها في غير موضوعها، وهي أربعة أنواع:
-
أحدها: ما صارت الحقيقة فيه مغمورة، لا يعرفها أكثر الناس، كالراوية: للمزادة، وحقيقتها: البعير الذي يسقى عليه. والغائط والعذرة: للفضلة المستقذرة. وحقيقة الغائط: المكان المطمئن. والعذرة: فناء الدار. فهذا تنصرف اليمين عليه إلى الاسم العرفي دون الحقيقي؛ لأنه يعلم أنه لا يريد غيره، فصار كالمصرح به،
-
ولو حلف: لا يأكل شواء، اختصت يمينه اللحم المشوي، دون المشوي من البيض وغيره، لاختصاص الشوي باللحم المشوي، دون غيره.
-
وإن حلف على الدابة، لم تتناول يمينه آدمياً،
-
ولا ما لا يسمى دابة في العرف،
-
وإن حلف: لا استظل بسقف، لم تتناول يمينه السماء،
-
وإن كان الله تعالى قد قال: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا} .
-
ولو حلف على السراج، لم يتناول الشمس، لعدم تسميتها عرفاً.
-
وإن اختلف أهل بلدين في تسمية عين، انصرفت يمين الحالف إلى تسمية أهل بلده؛ لأنه لا يريد غيره، فأشبه ما لو اختلفت اللغات.
-
النوع الثاني: ما يزيل الاسم عن الحقيقي، مثل اسم اللحم، يتناول في الحقيقة لحم السمك. قال الله تعالى: {لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} ولا يفهم ذلك عند إطلاق الاسم، فذكر الخرقي أنه إذا حلف: لا يأكل لحماً، فأكل من لحم السمك، حنث لأن الله تعالى سماه لحماً؛
-
ولأنه لحم حيوان، فأشبه لحم الطير. وقال ابن أبي موسى: لا يدخل إلا أن ينويه؛ لأنه لا يطلق عليه اسم اللحم، أشبه الجراد؛ ولأن الظاهر أن الحالف لم يرده بيمينه، فأشبه النوع الذي قبله.
-
وإن حلف: لا يدخل بيتاً، فنص أحمد على أن يمينه تتناول المسجد والحمام؛ لأن الله سمى المساجد بيوتاً، فقال سبحانه: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} . وفي الأثر: «بئس البيت الحمام» .
-
وإذا كان بيتاً في الحقيقة، ويسميه الشارع، حنث بدخوله كغيره، ويحتمل ألا يحنث؛ لأنه لا يسمى في العرف بيتاً، أشبه النوع الأول. ويدخل في يمينه بيت الشعر والمدر؛ لأنه بيت حقيقة وعرفاً،
-
ولا تدخل فيه الخيمة؛ لأنها لا تسمى بيتاً،
-
ولا يدخل الدهليز، ولا الصفة،
-
ولا صحن الدار كذلك.
-
وإن حلف على الريحان، فقال القاضي. تختص يمينه الريحان الفارسي؛ لأنه المسمى عرفاً. وقال أبو الخطاب. تتناول كل نبت أو زهر طيب الريح، كالورد، والبنفسج، والنرجس، والمرزنجوش، ونحوه؛ لأنه يتناول اسم الريحان حقيقة.
-
ولو حلف: لا يشم ورداً،
-
ولا بنفسجاً، حنث بشمهما، رطبين كانا أو يابسين.
-
فإن شم دهنهما، لم يحنث عند القاضي؛ لأنه لم يشمهما، ويحنث عند أبي الخطاب؛ لأن الشم إنما هو للرائحة، وريحهما في دهنهما.
-
وإن حلف: لا يشتريهما، فاشترى دهنهما، لم يحنث وجهاً واحداً.
-
النوع الثالث: ما يتناوله الاسم حقيقة وعرفاً، لكن أضاف إليه فعلاً لم تجر العادة بإضافته إلا إلى بعضه، ففيه وجهان:
-
أحدهما: يتناول الاسم جميع المسمى، لعموم الاسم فيه.
-
والثاني: يختص بما جرت العادة بإضافة الفعل إليه؛ لأن هذا قرينة دالة على اختصاصه بالإرادة، فأشبه ما لو خصه بنيته.
-
فإذا حلف: لا يأكل رأساً، فقال القاضي: يحنث بأكل رأس كل حيوان من النعم، والطير، والصيد، والحيتان، والجراد، لعموم الاسم فيه حقيقة وعرفاً، فأشبه ما لو حلف: لا يشرب ماء، فإنه يحنث بشرب الماء الملح، والماء النجس.
-
ومن حلف: لا يأكل خبزاً، حنث بأكل خبز الذرة والدخن،
-
وإن لم تجر عادة أهل بلد الحالف بأكله.
-
ولو حلف: لا يأكل لحماً، تناول يمينه لكل اللحم المحرم. وقال أبو الخطاب: لا يحنث بأكل رأس لم تجر العادة بأكله منفرداً لأنه لا ينصرف إليه اللفظ عرفاً فلم يحنث بأكله، كما لو حلف: لا يأكل شواء، فأكل بيضاً مشوياً،
-
وإن حلف: لا يأكل بيضاً، فعند القاضي: يحنث بأكل بيض كل حيوان، وعند أبي الخطاب: لا يحنث بأكل بيض لا يزايل بائضه في حياته، كبيض السمك والجراد.
-
النوع الرابع: أسماء يقصد بها في الغالب معنى،
-
فإذا أطلقها في اليمين، تعلقت يمينه بما يحصل ذلك المعنى.
-
فإذا حلف: لا يضربه، فخنقه، أو نتف شعره، أو عصر ساقه، حنث؛ لأنه يقصد ترك تأليمه.
-
وإن حلف ليضربنه، بر بفعل ذلك؛ لأنه يحصل مقصوده، ويسمى ضرباً.
-
وإن ضربه بعد موته، لم يبر؛ لأنه لا يحصل مقصوده،
-
وإن حلف: لا وطئت مدينة كذا راكباً، حنث؛ لأن ذلك يراد به اجتنابها.
-
القسم الثاني: الأسماء الشرعية، وهي التي لها موضوع شرعي، كالوضوء، والطهارة، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، والبيع. فتعلق اليمين بالموضوع الشرعي؛ لأنه الظاهر. وتعلق اليمين بالصحيح منه دون الفاسد؛ لأنه المشروع. وقال ابن أبي موسى: من حلف لا يتزوج، لم يحنث إلا بتزويج صحيح.
-
ومن حلف لا يشتري، فاشترى شراء فاسداً، ففيه روايتان.
-
وإن تزوج تزويجاً مختلفاً فيه، أو اشترى شراء مختلفاً فيه، حنث؛ لأنه يطلق عليه الاسم. وقال أبو الخطاب: إن باع وقت النداء، أو تزوج بغير ولي، ففيه وجهان.
-
وإن حلف: لا يبيع خمراً ولا حراً، حنث بفعل ذلك؛ لأنه يتعذر حمل يمينه على عقد صحيح، فيتعين الفاسد محملاً لها، ويحتمل أن لا يحنث؛ لأنه ليس ببيع في الشرع.
-
وإن حلف: ليصلين وليصومن، فأقل ذلك صوم يوم، وصلاة ركعتين، كما لو نذر ذلك،
-
وإن حلف: لا يصلي،
-
ولا يصوم، فكذلك عند أبي الخطاب؛ لأن ما دونه لا يبر به،
-
فلا يحنث بفعله، كغيره من الأفعال. وقال القاضي: يحنث بابتدائهما؛ لأنه يسمى مصلياً، وصائماً. ويحتمل أن يخرج هذا على الروايتين فيمن حلف لا يفعل شيئاً، ففعل بعضه.
-
وإن حلف: لا يبيع، لم يحنث، حتى ينعقد البيع بالإيجاب والقبول.
-
وإن حلف: لا يهبه. أو لا يعيره، فأوجب ذلك، فلم يقبل الآخر، حنث؛ لأن المقصود من الهبة فعل الواهب، لعدم العوض فيها،
-
بخلاف البيع. فإن مقصود البائع لا يتم إلا بالقبول.
-
وإن حلف: لا يتصدق عليه، فوهبه، لم يحنث؛ لأن الصدقة تختص بوصف زائد، بدليل قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هو عليها صدقة ولنا هدية» .
-
وإن حلف: لا يهبه، فتصدق عليه تطوعاً، لم يحنث عند أبي الخطاب كذلك. وقال القاضي: يحنث؛ لأنه تبرع بعين في حياته، أشبه ما لو أهدى إليه، والصدقة نوع من الهبة فتتناولها يمين الحالف على الهبة، ولم تدخل الهبة في يمين الحالف على الصدقة،
-
ولا يحنث بالصدقة الواجبة، وجهاً واحداً؛ لأنه ليس بتبرع.
-
وإن أهدى إليه، أو أعمره، حنث؛ لأنه هبة.
-
وإن وصى له، لم يحنث؛ لأن الملك إنما يثبت بعد انحلال اليمين بالموت.
-
وإن أعاره، لم يحنث؛ لأنها لا تسمى هبة؛ ولأن الهبة تمليك الأعيان. وقال أبو الخطاب: يحنث؛ لأنها هبة المنافع.
-
وإن حاباه في البيع لم يحنث، لما ذكرنا في العارية. وقال أبو الخطاب: فيه وجه آخر؛ أنه يحنث؛ لأنه تبرع عليه.
-
وإن وقف عليه، ابتنى على ملك الموقوف عليه.
-
وإن قلنا: يملك، حنث. وإلا،
-
فلا. وقال أبو الخطاب. يحنث؛ لأنه تبرع عليه، ويحتمل أن لا يحنث بحال؛ لأنه لا يسمى هبة.
-
القسم الثالث: ما له موضوع لغوي، لم يغلب استعماله في غيره، فتتناوله يمينه، مثل أن يحلف: لا يأكل لبناً، فيحنث بأكل ما يسمى لبناً، حليباً كان أو مخيضاً، مائعاً أو جامداً.
-
ولا يحنث بأكل الخبز، والزبد والسمن والأقط والكشك؛ لأنه لا يسمى لبناً.
-
وإن حلف على الزبد، لم تتناول يمينه سمناً ولا لبناً لم يظهر زبده.
-
فإن ظهر زبده تناولته يمينه،
-
وإن حلف على السمن، لم تتناول يمينه زبداً ولا لبناً، ويحنث بأكل ما حلف عليه مفرداً، وفي طبيخ يظهر طعمه فيه؛ لأنه أكل المحلوف عليه وغيره،
-
وإن لم يظهر طعمه في الطبيخ لم يحنث بأكله؛ لأنه زال اسمه وطعمه، فلم يحنث بأكله، كالكشك.
-
وإن حلف لا يأكل حنطة، فأكلها خبزاً، أو طبيخاً، حنث؛ لأن الحنطة لا تؤكل حباً عادة، فانصرفت يمينه إلى أكلها في جميع أحوالها،
-
وإن أكل شعيراً فيه حبات حنطة، ففيه وجهان:
-
أحدهما: يحنث؛ لأنه أكل حنطة، فأشبه ما لو حلف لا يأكل رطباً، فأكل منصفاً.
-
والثاني: لا يحنث؛ لأنها مستهلكة في الشعير، أشبه السمن في الخبيص.
-
وإن حلف لا يأكل فاكهة، تناولت يمينه كل ثمرة مأكولة تخرج من الشجر، كالعنب، والزبيب، والرطب، والتمر، والجوز، واللوز؛ لأنه يسمى فاكهة،
-
ولا تتناول القثاء، والخيار، والباذنجان؛ لأنها من الخضر. وفي البطيخ وجهان:
-
أحدهما: فاكهة؛ لأنه ينضج ويحلو، أشبه العنب.
-
والثاني: ليس بفاكهة؛ لأنه ثمر بقلة، أشبه القثاء.
-
والإدام: ما يؤكل مع الخبز عادة، سواء كان مما يصطبغ به، كالمرق، واللبن، والدهن والخل، أو مما لا يصطبغ به، كالشواء، والجبن، والزيتون؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «نعم الإدام الخل» وقال: «اللحم سيد الإدام في الدنيا والآخرة» .
-
فنص على هذين. وقسنا عليهما سائر ما ذكرنا؛ لأنه يؤتدم به عادة. وفي التمر وجهان:
-
أحدهما: هو إدام، لما روى يوسف بن عبد الله بن سلام قال: «رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وضع تمرة على كسرة وقال: هذه إدام هذه» . رواه أبو داود.
-
والثاني: أنه ليس بأدم؛ لأنه فاكهة أشبه الزبيب.
-
وأما الطعام، فهو: اسم لكل مأكول، ومشروب على سبيل الاختيار. قال الله تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} . وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما تحرز لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم» .
-
والحلال والحرام سواء في اليمين. وفي الماء والدواء وجهان:
-
أحدهما: هو طعام، لقول الله تعالى في النهر:
-
{وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} ؛ ولأنه مشروب، والدواء مأكول ومشروب، أشبه العسل.
-
والثاني: ليس بطعام؛ لأنه لا يطلق عليه اسمه، والدواء إنما يؤكل عند الضرورة.
-
وأما القوت: فما تبقى به البنية، كالخبز، والتمر، والزبيب، واللحم واللبن؛ لأن كل واحد من هذه يقتاته أهل بلد، ويحتمل ألا يدخل في يمينه ما لا يقتاته أهل بلده؛ لأن يمينه تنصرف إلى المتعارف عندهم.
-
ومن حلف على اللحم، تناولت يمينه لحم الأنعام والصيد والطير والسباع، وكل ما يسمى لحماً،
-
ولا تتناول يمينه الشحم، والألية، والمخ، والدماغ، والكبد، والطحال، والقلب، والرئة، والكلية، والكرش، والمصران، والقانصة، والكارع؛ لأنه ليس بلحم.
-
ولا ينفرد عنه باسمه وصفته، فأشبه الجلد، وفي اللسان وجهان:
-
أحدهما: يدخل؛ لأنه لحم حقيقة.
-
والثاني: لا يدخل؛ لأنه ينفرد باسمه وصفته، أشبه القلب. وفي لحم الرأس وجهان:
-
أحدهما: لا يدخل في يمينه. أومأ إليه أحمد فيمن حلف لا يشتري لحماً، فاشترى رأساً، أو كارعاً، لا يحنث إلا أن ينوي؛ لأن اسم اللحم، لا ينصرف عند الإطلاق إليه.
-
والثاني: يحنث؛ لأنه لحم، وفي المرق وجهان:
-
أحدهما: لا تتناوله يمينه؛ لأنه لا يسمى لحماً.
-
والثاني: تتناوله يمينه. اختاره القاضي؛ لأن خاصية اللحم فيه،
-
ولا تخلو من أجزائه. وفي اللحم الأبيض الذي على الظهر والجنب، وفي تضاعيف اللحم الأحمر، وجهان:
-
أحدهما: هو لحم. وهذا قول القاضي، وأبي الخطاب؛ لأنه يسمى لحماً، ويسمى بائعه لحاماً،
-
ولا يفرد عن اللحم.
-
والثاني: هو شحم، هذا ظاهر قول الخرقي. واختيار طلحة العاقولي؛ لأنه يشبه الشحم في لونه وذوبه،
-
ولا يسمى لحماً بمفرده، فعلى هذا يكون هذا، والألية، وشحم البطن، شحم تتناوله يمين الحالف على الشحم. وعلى قول القاضي: الشحم: اسم لشحم البطن خاصة، لا يتناوله غيره.
-
ومن حلف لا يأكل شحماً، فأكل لحماً أحمر وحده، لم يحنث؛ لأنه لا يسمى شحماً،
-
ولا يظهر فيه شحم. وقال الخرقي: يحنث؛ لأنه لا يخلو من شحم.
-
ومن حلف على العنب، لم تتناول يمينه حصرماً،
-
ولا زبيباً، ولا ما يتولد من العنب.
-
ومن حلف على الزبيب، لم تتناول يمينه عنباً.
-
ومن حلف لا يأكل رطباً، فأكل منصفاً، وهو الذي أرطب نصفه، أو أكل القدر الذي أرطب منه، حنث؛ لأنه أكل رطباً.
-
وإن أكل القدر الذي لم يرطب، لم يحنث ومن حلف لا يكلم شيخاً،
-
ولا عبداً، ولا يشتري جدياً،
-
ولا يأكل لحماً طرياً،
-
ولا رطباً جنياً، لم يحنث بغير الموصوف بتلك الصفة؛ لأن يمينه لم تتناول غيره.
-
ومن حلف على الحلي، تناولت يمينه الخواتيم، والأسورة، والخلاخيل وكل ما يسمى حلياً، وتتناول اللؤلؤ والجواهر في المخنقة، لقول الله تعالى: {وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} .
-
ولا تتناول العقيق، والسبج؛ لأنه ليس بحلي، أشبه الودع والخرز.
-
ولا تتناول السيف المحلى؛ لأن السيف ليس بحلية. والحلية إنما هي للسيف، وفي المنطقة المحلاة وجهان:
-
أحدهما: هي كالسيف.
-
والثاني: تتناولها اليمين؛ لأنها من حلي الرجال.
-
وإن لبس الخاتم في أي أصابعه كان، حنث؛ لأنه قد لبسه، فأشبه لبسه في الخنصر.
-
والحين عند إطلاقه: اسم لستة أشهر؛ لأن ذلك يروى عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وقال عكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو عبيد في قول الله تعالى: {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} . هو ستة أشهر، فيحمل مطلق كلام الآدمي على المطلق من كلام الله سبحانه.
-
والحقب: ثمانون عاماً. قاله ابن عباس في تفسير قول الله تعالى: {لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} .
-
وإن حلف لا يكلمه وقتاً، أو دهراً، أو ملياً، أو طويلاً، أو قريباً، تناول أقل الزمان؛ لأن الاسم تناوله،
-
وكذلك إذا حلف لا يكلمه زمناً، عند أبي الخطاب؛ لأنه في معنى وقت. وقال ابن أبي موسى: هو ثلاثة أشهر، وقال العاقولي: هو كالحين. والأول أصح. وقوله: عمراً، كقوله: وقتاً، عند أبي الخطاب، وعند العاقولي، هو كالحين، ويحتمل أن يحمل على أربعين عاماً، لقول الله تعالى: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ} .
-
ويعني: مدة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبل بعثه، وكان أربعين عاماً.
-
وإن حلف لا يكلمه الدهر، أو الأبد، أو الزمان، تناول الدهر؛ لأن الألف واللام تستغرق الجميع.
-
وإن حلف على أشهر، أو أيام، فهي ثلاثة؛ لأنها أقل الجمع.
-
وإن حلف على شهور، فكذلك عند أبي الخطاب؛ لأنها جمع. وقال غيره: هي اثنا عشر، لقول الله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا} ولأن هذا جمع كثرة،
-
فلا يحمل على ما يحمل عليه جمع القلة.
-
وإن حلف لا يأوي معه بيتاً. فدخلا بيتاً، حنث وإن قل لبثهما، لقول الله تعالى: {إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ} . قال أحمد: ما كان ذلك إلا ساعة.
-
وإن حلف لا يدخل داراً، فدخلها مختاراً، حنث، راكباً كان أو ماشياً، أو محمولاً، أو على مأمن بابها، أو من ثقب فيها، أو من فوق جدارها؛ لأنه قد دخلها.
-
وإن رقى على سطحها، حنث؛ لأنها منها.
-
وكذلك يصح الاعتكاف في سطح المسجد، ويمنع الجنب اللبث فيه، إلا أن تكون بينة أو قرينة حالة تقتضي إخراج السطح من اليمين.
-
وإن قال: على حائطها، أو عتبة بابها، ففيه وجهان:
-
أحدهما: يحنث؛ لأنه دخل في حدها.
-
والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا يسمى داخلاً.
-
وإن تعلق على غصن شجرة منها حتى صار بين حيطانها، حنث.
-
وإن صار مقابلاً لها، احتمل وجهين.
-
وإن حلف لا يدخل من بابها، فحول بابها، ودخل من الثاني، حنث؛ لأنه بابها.
-
وإن حلف لا يضع قدمه فيها، أو لا يطأها، فدخلها راكباً، أو حافياً، أو منتعلاً، حنث لأن معناه، أن لا يدخلها.
-
وإن حلف على دار ليخرجن منها، اقتضت يمينه الخروج بنفسه، وأهله،
-
وإن حلف ليخرجن من هذه البلد، اقتضت يمينه الخروج بنفسه؛ لأن الدار يخرج منها صاحبها كل يوم عادة. وظاهر حاله، إرادة خروج غير المعتاد،
-
بخلاف البلد. وهل يحنث بالعود إليها؟ فيه روايتان:
-
إحداهما: يحنث؛ لأن ظاهر حاله قصد هجرانها،
-
ولا يحصل ذلك مع العود.
-
والثانية: لا يحنث؛ لأن يمينه على الخروج وقد فعله، ولذلك لو حلف لا يخرج منها، حنث بمجرد الخروج. وحمل اليمين على المقصد مع عدمه وعدم سبب يقتضيه، لا يصح.
-
وإن حلف على زوجته، أن لا تخرج إلا بإذنه، أو بغير إذنه، أو إلى أن يأذن لها، أو إلا أن يأذن لها، أو حتى يأذن لها، فخرجت بغير إذنه، حنث وانحلت يمينه.
-
وإن خرجت بإذنه، لم يحنث، ولم تنحل يمينه؛ لأنها فعلت غير المحلوف عليه، فأشبه ما لو فعلت غير الخروج.
-
وإن أذن لها، ثم نهاها، فخرجت، حنث؛ لأن إذنه زال، فأشبه من لم يأذن وإن أذن لها من حيث لا تعلم، فخرجت، ففيه وجهان:
-
أحدهما: يحنث؛ لأن الإذن الإعلام، ولم يتحقق، قال الله تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي إعلام. وآذنتكم. أي: أعلمتكم.
-
والثاني: لا يحنث؛ لأنه قد أذن،
-
وكذلك ينعزل الوكيل بعزله قبل علمه.
-
وإن حلف ألا تخرجي إلا بإذن زيد، فمات زيد،
-
ثم خرجت، حنث؛ لأنها خرجت قبل إذنه،
-
وإن حلف ألا تخرج إلى غير الحمام، فخرجت إلى الحمام وغيره، حنث؛ لأنها خرجت إلى غيره.
-
وإن قال: إن خرجت إلا إلى الحمام، فأنت طالق، فخرجت إليه وإلى غيره، لم تطلق؛ لأنها خرجت إليه.
-
وإن خرجت إلى الحمام،
-
ثم عدلت إلى غيره، ففيه وجهان:
-
أحدهما: لا يحنث؛ لأنها لم تخرج إلى غيره.
-
والثاني: يحنث؛ لأن قصده في الظاهر صيانتها من غيره ولم يحصل ذلك.
-
ومن حلف: لا يسكن داراً هو ساكنها، وأقام فيها زمناً يمكنه الخروج، حنث، إلا أن تكون إقامته لنقل متاعه،
-
فلا يحنث، ويكون نقله على ما جرت به العادة قليلاً.
-
وإن خرج بنفسه دون أهله وماله، مع إمكان نقلهم، حنث؛ لأنه يقال: فلان ساكن الدار، مع كونه خارجاً منها، إلا أن يريد بخروجه السكنى منفرداً في غيرها،
-
فلا يحنث، فإن أقام في الدار لإكراه، أو خوف، أو ليل، أو لأنه يحول بينه وبين الخروج أبواب مغلقة، أو لعدم ما ينقل عليه متاعه، أو منزلاً ينتقل إليه، أياماً وليالي في طلب النقلة، لم يحنث؛ لأن إقامته لدفع الضرر، وانتظار السكنى.
-
وإن أقام غير ناو للنقلة، حنث.
-
ولو وهب رحله، أو أعاره، أو أودعه وخرج بنفسه لا يريد العود، لم يحنث،
-
وإن تردد إلى الدار لنقل متاعه، أو عيادة مريض، لم يحنث؛ لأنه ليس بسكنى.
-
وإن امتنعت زوجته من الخروج معه، فخرج وتركها، لم يحنث.
-
وإن حلف لا يساكن فلاناً، فاستدام المساكنة، حنث.
-
وإن سكنا في دارين متجاورتين، لم يحنث إلا أن ينوي، أو يكون سبب يمينه، يقتضي ذلك.
-
وإن سكنا في دار واحدة، حنث، سواء سكنا بيتين، أو أحدهما بيتاً والآخر صفة.
-
وإن كانا متساكنين، فأقاما حتى بنيا بينهما حاجزاً، وقسماها دارين، حنث،
-
فإن خرجا منها، أو أحدهما، وقسماها دارين ثم سكناها، لم يحنث.
-
وإن حلف لا يأكل شيئاً، فشربه، أو لا يشربه، فأكله، فقال الخرقي. يحنث؛ لأن هذه اليمين يقصد بها اجتناب الشيء، بدليل قَوْله تَعَالَى: {تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ} . يتناول اجتنابها، ونهي الطبيب المريض عن أكل شيء يمنع تناوله، فحملت اليمين عليه، ونقل منها عن أحمد: لا يحنث؛
-
لأن الأفعال أنواع، كالأعيان. فالحالف على نوع، لا يحنث بفعل آخر، كالأعيان. قال القاضي: إنما الروايتان فيما إذا عين المحلوف عليه.
-
فإن لم يعين، لم يحنث رواية واحدة.
-
فأما إن حلف لا يطعمه، أولا يذوقه، تناول الأمرين.
-
فإن حلف لا يأكله،
-
ولا يشربه، فذاقه، لم يحنث.
-
وإن حلف لا يأكل سكراً، فتركه في فمه حتى ذاب فبلعه، خرج على الروايتين.
-
وإن حلف لا يشرب، فمص قصب السكر، لم يحنث. نص عليه.
-
وكذلك إن حلف لا يأكله. قاله ابن أبي موسى. ويجيء على قول الخرقي أنه يحنث. والأكلة بالفتح: المرة من الأكل. والأكلة: اللقمة.
-
وإن حلف لا يكلمه،
-
ثم وصل بيمينه كلاماً، مثل أن يقول: فتحقق ذلك، أو: فاذهب، أو: فاسمع، حنث ثم؛ لأنه كلمة بعد يمينه. إلا أن ينوي أن لا يكلمه كلاماً منفصلاً، ويحتمل أن لا يحنث وإن أطلق؛ لأن إتيانه بكلام متصل يدل على قصده الكلام المنفصل.
-
وإن كلم إنساناً ليسمع المحلوف عليه، حنث، نص عليه؛ لأن ذلك تكليم له في المعنى. قال الشاعر:
-
إياك أعني فاسمعي يا جارة
-
وإن ناداه بحيث يسمع، فلم يسمع، حنث. نص عليه؛ لأنه أراد تكليمه بما لفظ به.
-
وإن زجره، فقال: تنح، أو اسكت. أو سمعه يتكلم، فقال: على الكاذب لعنة الله، حنث؛ لأنه كلمه.
-
وإن سلم عليه، أو على جماعة هو فيهم يقصده معهم، حنث؛ لأنه كلمه.
-
وإن قصدهم دونه، لم يحنث؛ لأن اللفظ العام يصح استعماله في الخصوص.
-
وإن أطلق، حنث؛ لأن العام يحمل على عمومه ما لم يخصه مخصص. ويحتمل أن لا يحنث؛ لأنه يصلح للبعض،
-
فلا يحنث بالاحتمال. وإن كاتبه، أو راسله، ففيه روايتان:
-
إحداهما: يحنث، لقول الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا} . فاستثنى ذلك من التكليم؛ ولأن ظاهر حاله قصد هجرانه، فتحمل يمينه عليه.
-
والثانية: لا يحنث؛ لأنه ليس بتكليم، ولهذا صح نفيه، إلا أن ينويه، أو يكون سبب يمينه يقتضي مقاطعته وجفاءه. وفي الإشارة وجهان. بناء على الرسالة.
-
فإن ناداه وهو غائب، أو ميت، أو أصم، أو مغمى عليه، لم يحنث؛ لأنه ليس بتكليم له. وقال أبو بكر: يحنث بتكليم الميت؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كلمهم. والأول أصح؛ لأنه قد بطلت حواسه، وذهبت نفسه، وتكليم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لهم من خصائصه،
-
فلا يقاس عليه. وإن حلف لا يتكلم، فقرأ، أو سبح، لم يحنث، لقول الله سبحانه: {قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ} . وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة» . متفق عليه.
-
فإن حلف على ترك كلامه أياماً متتابعة، دخلت الليالي التي بين الأيام في يمينه؛ لأن الله تعالى: جعل آية زكريا ترك الكلام في الأيام، فدخلت الليالي فيه.
-
فإن حلف على غريمه: لا افترقنا حتى أستوفي حقي منك، فهرب منه، حنث؛ لأن يمينه تقتضي ألا يحصل بينهما فرقة وقد حصلت.
-
وإن حلف: لا فارقتك، فهرب منه، لم يحنث؛ لأن اليمين على فعل نفسه، ولم توجد المفارقة إلا من غريمه.
-
وعنه: يحنث، كما ذكرنا في التي قبلها،
-
وإن فارقه الغريم بإذنه، أو قدر على منعه من الهرب فلم يفعل، حنث؛ لأن معنى يمينه لألزمنك ولم يلزمه اختياراً،
-
وإن أحاله ففارقه، حنث؛ لأنه فارقه قبل استيفاء حقه.
-
فإن ظن أنه قد بر خرج على الروايتين في الجاهل.
في كتب الخلاف
الإجماعابن المنذركتاب المكاتب٢٧ مسألة
التجريدالقدوريمسألة ١٥٦٠، مسألة ١٥٦٠، مسألة ١٥٦١١٬٢٦٧ مسألة
المبسوطالسرخسيبَابُ الْأَيْمَانِ فِي الْعِتْقِ، كِتَابُ الْأَيْمَانِ، بَابُ الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ١٬٤٥٨ مسألة
بداية المجتهدابن رشدلا كلام له في هذا الباب
المغنيابن قدامة، على «مختصر الخرقي»كتاب الأيمان والنذور، باب جامع الأيمان١٬٦١٧ سطرًا
المجموع شرح المهذبالنووي، على «المهذب»لا كلام له في هذا الباب
الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر، على «المقنع»كِتَابُ الْأَيْمَانِ، فَصْلٌ، فَصْلٌ١٬٠٣٤ سطرًا
الفقه على المذاهب الأربعةعبد الرحمن الجزيريتعريفه، حكمه، دليله١٬٢٢٠ مسألة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميأسامة القحطاني وآخرونلا كلام له في هذا الباب
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)بإشراف علوي السقاف٣ - الأيمان، * حكم الحلف بغير الله:، * أقسام اليمين ثلاثة:٦٦ مسألة
عرضٌ لما في كتب المذاهب، وليس فتوى.في الخريطة: الأيمان