مسألة ١٥٦٨
التجريدالحنفيةالمسائل ٥١٬٠٤٨ إلى ٥١٬١٣٠
-
١/٦٤٢٤١/٦٤٢٤
تقديم كفارة اليمين على الحنث
-
قال أصحابنا [رحمهم الله] : لا يجوز تقديم كفارة اليمين على الحنث.
-
وقال الشافعي رحمه الله: يجوز تقديم العتق والكسوة والإطعام،
-
ولا يجوز تقديم الصوم،
-
وإذا كانت اليمين على معصية، ففي تقديم الكفارة وجهان.
-
لنا: أن الكفارة موضوعها للعظمة، و. يوجد باليمين معنى يحتاج إلى تغطية يختص باليمين، فلم يكن التعجيل كفارة،
-
فلا تنوب عن الكفارة.
-
فإن قيل: الكفارة تجب على الخاطئ ومن ندب إلى الحنث.
-
قلنا: موضوع التكفير ما ذكرنا، ران جاز أن يتبع ذلك ما ليس في معناه.
-
فإن قيل: كفارة الظهار تجب بعد الظهار بفعل يحدثه المظاهر وهو العود،
-
وان كان الظهار سبب الكفارة.
-
قلنا: الظهار عندنا علة الحفارة والعود شرطها؛ لأن الكفارة تجب عند العود بالظهار سببًا فلا.
-
ولأنه ليس بسبب في بعض الأنواع وهو الصوم،
-
فلا يكون سببًا في بقية الأنواع كالبلوغ. ولأن اليمين عقد يقف وجوب الكفارة بعده على فعل يحدثه العاقد،
-
فلا يكون العقد سببًا كعقد الإحرام.
-
احتجوا: بحديث الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يا عبد الرحمن بن سمرة، إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيًرا منها) فأت الذي هو خير وكفر كن يمينك). وروي أنه قال: (يا عبد الرحمن بن سمرة) .
-
وذكر معناه، إلا أنه قال: (فكفر عن يمينك،
-
ثم ائت الذي هو خير) . واللفظ الأول يدل
-
١/٦٤٢٥١/٦٤٢٥
على أنه مخير في تقديم أيهما شاء؛ لأن (الواو) للجمع. واللفظ الثاني صريح في تقديم الكفارة؛ لأن (ثم) للترتيب.
-
قال أبو داود: في أحاديث أبي موسى الأشعري وعدي بن حاتم وأبي هريرة اللفظان جميعًا، وأكثر ما قالوا: (فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير) . قال أبو داود: واختلف على كل من رواه.
-
الجواب: أن الرواي واحد، وقد روي اللفظان، وأصل الخبر أحدهما، فوجب التوقف حتى يعلم أصل الخبر.
-
ولأنه قال: (فليكفر) والكفارة هي التغطية، ولم يوجد معنى يصح أن يكون الكفارة تغطية له.
-
ولأن قوله: (فليكفر) . أمر، فظاهر الأمر الوجوب، والكفارات لا تجب إلا بعد الخث، فعلم أن الخبر: (فليأت الذي فو خير ثم يكفر) .
-
ولأن الكفارة اسم للأنواع الأربعة،
-
ولا يمكن حمل اللفظ على جميعها إلا أن يكون بعد الحنث،
-
فأما إذا كان قبله احتاج مخالفنا إلى تخصيص اللفظ.
-
ولأنه تارك للظاهر من ثلاثة أوجه:
-
أحدها: بسبب الكفارة، وليس هناك ما يكفر.
-
والثاني: صرف الأمر عن الوجوب إلى الجواز.
-
والثالث: تخصيص التكفير ببعض الأنواع.
-
وإذا حملنا الخبر على تقديم الحنث استعملنا الظاهر الثلاث، وحملنا قوله: (وليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير) . على التقديم والتأخير؛ لأنه معلوم أن الكفارة لا تجب إلا بالحنث، وهذا كقوله في المحرم: (إذا لم يجد النعلين، فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين) .
-
والقطع مقدم في المعنى وان أخره في اللفظ؛ لأنه مفهوم.
-
فأما الذي روى: (فليكفر عن يمينه،
-
ثم ليأت الذي هو خير) . فقد روى: (فليأت الذي هو خير،
-
ثم ليكفر عن يمينه) . وهذا هو الأصل؛ لأن (ثم) لوجوب
-
١/٦٤٢٦١/٦٤٢٦
التراخي، ولا نقول له: إن تأخير الحنث واجب.
-
ولأن (ثم) قد تكون بمعنى (الواو) ، وقال الله تعالى: (فك رقبة) .
-
ثم قال: {ثم كان من الذين أمنوا} . والإيمان من حكمه أن يتقدم هذه الأفعال، وقال: و (استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) . والاستغفار إنما يكون بعد التوبة.
-
احتجوا: بقوله تعالى: (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) . وقال: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} .
-
قلنا: الآية فيها بيان الكفارة، وليس فيها بيان الخلاف في الوقت، وهذا كما لو قال: كفارة الآدمي كذا. لم يدل ذلك على وقف الوجوب،
-
ولا على المعنى الذي به وجب.
-
ولأن الكفارة تجب بالحلف باتفاق، بدلالة أن من حلف وبر لم تلزمه الكفارة، وإنما تجب إذا حنث، فصار تقدير الآية: ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم. ولم يذكر الحنث؛ لأنه معلوم أن الكفارة لا تجب إلا به، وهذا كقوله تعالى:
-
{فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر} . وتقديره: فأفطر فعدته. وسكت عن الفطر؛ لأنه معلوم،
-
وكذلك قوله: {قمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية} . تقديره: فحلق ففدية. يبين ذلك: أن الكفارة تتناول الأنواع، وأجمعوا أن الحنث مشروط في الصوم كذلك في بقية الأنواع.
-
قالوا: حق مال يجب بسببين يختصان بهء فجاز تقديمه على أحدهما، أصله: الزكاة.
-
قلنا: لا نسلم أن الزكاة تجب بسببين يختصان بها؛ لأن المال سبب وجوب الزكاة ونفقة ذوي الأرحام والحج،
-
وكذلك الحول سبب في استحقاق الجزية والدية على العاقلة.
-
فإن أسقطوا ذكر الاختصاص، فالزكاة تتعلق بأسباب منها البلوغ والعقل والإسلام وعام الملك وعدم الدين.
-
فإن قالوا: الجزية لا تجب بالحول، وإنما تجب بالمساكنة، والدية تجب بالقتل، والحول يطلب للحلول.
-
١/٦٤٢٧١/٦٤٢٧
قلنا: وكذلك نقول: إن الزكاة تجب بوجود المال والحول لتكامل النماء،
-
ثم الزكاة تجب بوجود المال، وحلول الحول شرط،
-
فإذا وجد الحول وجبت الزكاة لأجل المال، والمال موجود قبل الحول، فجاز إخراج الزكاة. والكفارة تتعلق بالحنث، واليمين شرط، بدلالة أنها لا تجب قط باليمين،
-
وإن وجد الحنث وجبت ولا يمين، فلم يجز أن تؤدى قبل الحنث.
-
ولو سلمنا أن الحول والنصاب سببان،
-
فلا يجوز أن يجتمعا، ولما لم يجتمع اليمين والحنث لم يكونا سببين.
-
قالوا: انعقدت يمينه بالله، فجاز أن يكفر بالمال، أصله: بعد الحنث.
-
قلنا: بعد الحنث وجدنا يفتقر إليه التكفير، فجاز التكفير، وقبله لم يوجد ما يحتاج إلى التكفير، فلم يجز التفكير كما قبل اليمين. والمعنى فيما عد الحنث، أنها حالة التكفير بالصوم، فلم تكن حالة للتكفير بالعتق.
-
قالوا: كفارة بالعتق، فجاز تقديمها على حال وجوبها ككفارة القتل وكفارة الصيد.
-
قلنا: تخصيص العتق لا يتقدم على وجوبها. والمعنى في كفارة العين: أنها تتعلق بالجرح بشرط الموت؛ لأن الجرح فعله والموت ليس من فعله،
-
فإذا وجد الجرح، وجد ما يتعلق الوجوب به.
-
وفي مسألتنا الكفارة لا تجب باليمين، بدلالة إذا بر فيها، وإنما تجب بالحنث ولم يوجد.
-
قالوا: حالة تجوز فيها كفارة اليمين كما بعد الوجوب.
-
قلنا: الحالة التي يجوز فيها كفارة القتل، وهي الحالة اتي وجدت ~ الوجوب، مثل تلك الحالة التي ني اليمين لا توجد الا بعد الحنث.
-
قالوا: الدليل على اليمين سبب قوله - صلى الله عليه وسلم -: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه) . فعلق الكفارة بهما على وجه واحد.
-
قلنا: ليس إذا تعلق الوجوب بهما كانا سببين، بل يجوز أن يكون أحدهما شرطًا، وعندنا اليمين شرط في تعلق الإمارة بالحنث وليس بسبب.
-
قالوا: الكفارة حكم يتعلق بالحنث، فوجب أن يتعلق باليمين، أصله: إذا قال: إذا دخلت الدار فامرأتي طالق. والدليل على أن اليمين سبب أن الشهود إذا رجعوا، ضمن شهود اليمين دون شهود الشرط.
-
١/٦٤٢٨١/٦٤٢٨
قلنا: عندنا اليمين بالطلاق علة وقع الطلاق والدخول شرط بدلالة أن الطلاق يقع عند وجود الشرط باليمين، فشهود اليمين حصل في شهادتهم إيجاب الإتلاف، فلذلك ضمنوا.
-
قالوا: أجمعوا على إضافة هذه الكفارة إلى اليمين، فقالوا: كفارة اليمين. وهذه الإضافة متفق عليها لاختلاف بينهم فيها، فدل هذا على أن اليمين سببها.
-
قالوا: زكاة الفطر، وزكاة المال، وكفارة الظهار، وكفارة القتل.
-
قنا: الإضافة لا تدل على أن المضاف إليه سبب؛ لأنه يضاف إلى السبب ويضاف إلى الشرط، وقد يضاف إلى صفة في الوقوع فيقال: طلاق السنة وطلاق البدعة،
-
وإن لم تكن السنة سببًا ولا شرطًا،
-
ويبطل ما لو قالوه كفارات الحج وكفارة الأداء يضاف الكفارة إلى الحج وإلى الأداء، وليس ذلك بسبب.
-
وقولهم: لم يجمع عل هذه التسمية؛ لأن منهم من يقول: كفارة الأذى، وقومًا يقولون: كفارة الحلق.
-
قلنا: هذا غلط؛ لأنهم إذا أرادوا الإجمال قالوا: كفارة الأداء.
-
فإذا فصلوا قالوا: كفارة الحلق وكفارة اللبس.
-
ثم هذا غلط؛ لأنهم جعلوا الإضافة دليلًا فلما ناقضناهم، قالوا: لم نجمع على الإضافة،
-
فلو كانت الإضافة دليلًا لم نختلف بالإجماع والاختلاف،
-
ثم الكفارة بالصوم تضاف إلى اليمين كما يضاف التكفير بالعتق، ولم تدل الإضافة على أن اليمين سبب في الصوم.
-
فإن قالوا: قولهم: كفارة الأداء. فيه حذف وتقديره: فدية إزالة الأذى.
-
قلنا: وكذلك نقول: في كفارة اليمين حذف وتقديره: كفارة الحنث في اليمين.
-
قالوا: الإحرام طاعة وعبادة،
-
ولا يجوز أن تكون الطاعة سببًا لوجوب الكفارة، وإنما سبب لتحريم الأفعال الموجبة للكفارة، واليمين لا يحرم الحنث فكان سببًا.
-
قلنا: الإحرام يمنع أسباب التكفير، واليمين تعقد للوفاء والمنع من الحنث، فكما لا يكون الإحرام سببًا كذلك اليمين.