الشهادات
القضاء والشهادات
هذه نصوص المتون كما هي، وليست مقارنة.للمقارنة: مسائل الخلاف في هذا الباب
في متون المذاهب الأربعة
-
الشهادة: فرض يلزم الشهود اداؤها ولا يسعهم كتمانها إذا طالبهم المدعي
-
والشهادة في الحدود يخير فيها الشاهد بين الستر والإظهار والستر أفضل
-
إلا أنه يجب أن يشهد بالمال في السرقة فيقول: أخذ ولا يقول: سرق
-
والشهادة على مراتب: منها الشهادة في الزنا يعتبر فيها أربعة من الرجال ولا تقبل فيها شهادة النساء
-
ومنها الشهادة ببقية الحدود والقصاص تقبل فيها شهادة رجلين ولا تقبل فيها شهادة النساء
-
وما سوى ذلك من الحقوق تقبل فيها شهادة رجلين أو رجلين وامرأتين سواء كان الحق مالا أو غير مال مثل النكاح مثل النكاح والطلاق والوكالة والوصية
-
وتقبل في الولادة والبكارة والعيوب بالنساء في موضع لا يطلع عليه الرجال شهادة امرأة واحدة
-
ولا بد في ذلك كله من العدالة ولفظ الشهادة
-
فإن لم يذكر الشاهد لفظ الشهادة وقال: أعلم أو أتيقن لم تقبل شهادته
-
وقال أبو حنيفة: يقتصر الحاكم على ظاهر عدالة المسلم إلا في الحدود والقصاص فإنه يسأل عن الشهود
-
وإن طعن الخصم فيهم سأل عنهم
-
وقال أبو يوسف ومحمد: لا بد أن يسأل عنهم في السر والعلانية
-
وما يتحمله الشاهد على ضربين: أحدهما: ما يثبت حكمه بنفسه مثل البيع والإقرار والغصب والقتل وحكم الحاكم
-
فإذا سمع ذلك الشاهد أو رآه وسعه أن يشهد به وإن لم يشهد عليه
-
ويقول: أشهد أنه باع ولا يقول: أشهدني
-
ومنه ما لا يثبت حكمه بنفسه مثل الشهادة على الشهادة
-
فإن سمع شاهدا يشهد بشيء لم يجز أن يشهد على شهادته إلا أن يشهده
-
وكذلك لو سمعه يشهد الشاهد على شهادته لم يسع السامع أن يشهد
-
ولا يحل للشاهد إذا رأى خطه أن يشهد إلا أن يذكر الشهادة
-
ولا تقبل شهادة الأعمى
-
ولا المملوك
-
ولا المحدود في قذف وإن تاب
-
ولا شهادة الوالد لولده وولد ولده
-
ولا شهادة الولد لأبويه وأجداده
-
ولا تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر
-
ولا شهادة المولى لعبده
-
ولا لمكاتبه
-
ولا شهادة الشريك لشريكه فيما هو من شركتهما
-
وتقبل شهادة الرجل لأخيه وعمه
-
ولا تقبل شهادة مخنث
-
ولا نائحة
-
ولا مغنية
-
ولا مدمن الشرب على اللهو
-
ولا من يلعب بالطيور
-
ولا من يغني للناس
-
ولا من يأتي بابا من الكبائر التي يتعلق بها الحد
-
ولا من يدخل الحمام بغير إزار أو يأكل الربا
-
ولا المقامر بالنرد والشطرنج
-
ولا من يفعل الأفعال المستخفة كالبول على الطريق والأكل على الطريق
-
ولا تقبل شهادة من يظهر سب السلف
-
وتقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية
-
وتقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض وإن اختلفت مللهم
-
ولا تقبل شهادة الحربي على الذمي
-
وإن كانت الحسنات أغلب من السيئات والرجل ممن يجتنب الكبائر قبلت شهادته وإن أمل بمعصية
-
وتقبل شهادة الأقلف
-
والخصي
-
وولد الزنا
-
وشهادة الخنثى جائزة
-
وإذا وافقت الشهادة الدعوى قبلت
-
وإن خالفتها لم تقبل
-
ويعتبر اتفاق الشاهدين في اللفظ والمعنى عند أبي حنيفة
-
فإن شهد أحدهما بألف والآخر بألفين لم تقبل الشهادة
-
وإن شهد أحدهما بألف والآخر بألف وخمسمائة والمدعي يدعي ألفا وخمسمائة قبلت شهادتهما بألف
-
وإذا شهد أحدهما لأفل وقال: قضاه منها خمسمائة قبلت شهادته بألف ولم يسمع قوله: إنه قضاه إلا أن يشهد معه آخر
-
وينبغي للشاهد إذا علم ذلك أن لا يشهد بألف حتى يقر المدعي أنه قبض خمسمائة
-
وإذا شهد شاهدان أن زيدا قتل يوم النحر بمكة وشهد آخران أنه قتل يوم النحر بالكوفة واجتمعوا عند الحاكم لم يقبل الشهادتين
-
فإن سبقت إحداهما فقضى بها ثم حضرت الأخرى لم تقبل
-
ولا يسمع القاضي الشهادة على جرح ولا يحكم بذلك
-
ولا يجوز للشاهد أن يشهد بشيء لم يعاينه
-
إلا النسب والموت والنكاح والدخول وولاية القاضي فإنه يسعه أن يشهد بهذه الأشياء إذا اخبره بها من يثق به
-
والشهادة على الشهادة جائزة في كل حق لا يسقط بالشبهة
-
ولا تقبل في الحدود والقصاص
-
وتجوز شهادة شاهدين على شهادة شاهدين
-
ولا تقبل شهادة واحد على شهادة واحد
-
وصفة الإشهاد أن يقول شاهد لشاهد الفرع: اشهد على شهادتين أني أشهد أن فلان ابن فلان أقر عندي بكذا وأشهدني على نفسه
-
وإن لم يقل: أشهدني على نفسه جاز
-
ويقول شاهد الفرع عند الأداء: أشهد أن فلان ابن فلان أشهدني على شهادته أنه يشهد أن فلانا أقر عنده بكذا وقال لي: اشهد على شهادتي بذلك
-
ولا تقبل شهادة شهود الفرع إلا أن يموت شهود الأصل أو يغيبوا مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا أو يمرضوا مرضا لا يستطيعون معه حضور مجلس الحاكم
-
وإن عدل شهود الأصل شهود الفرع جاز
-
فإن سكتوا عن تعديلهم جاز وينظر القاضي في حالهم
-
وإن أنكر شهود الأصل الشهادة لم تقبل شهادة شهود الفرع
-
وقال أبو حنيفة في شاهد الزور: أشهر في السوق ولا أعزره
-
وقال أبو يوسف ومحمد: نوجعه ضربا ونحبسه
-
إذا رجع الشهود عن شهادتهم قبل الحكم بها سقطت
-
وإن حكم بشهادتهم ثم رجعوا لم يفسخ الحكم ووجب عليهم ضمان ما أتلفوه بشهادتهم
-
ولا يصح الرجوع إلا بحضرة الحاكم
-
وإذا شهد شاهدان بمال فحكم الحاكم به ثم رجعا ضمنا المال المشهود عليه
-
وإن رجع أحدهما ضمن النصف
-
وإن شهد بالمال ثلاثة فرجع أحدهم فلا ضمان عليه
-
فإن رجع آخر ضمن الراجعان نصف المال
-
وإن شهد رجل وامرأتان فرجعت امرأة ضمنت ربع الحق
-
وإن رجعنا ضمنتا نصف الحق
-
وإن شهد رجل وعشر نسوة ثم رجع ثمان منهن فلا ضمان عليهن
-
وإن رجعت آخرى كان على النسوة ربع الحق
-
فإن رجع الرجل والنساء فعلى الرجل سدس الحق وعلى النسوة خمسة أسداس الحق عند أبي حنيفة
-
وقال أبو يوسف ومحمد: على الرجل النصف وعلى النسوة النصف
-
وإن شهد شاهدان على امرأة بالنكاح بمقدار مهر مثلها ثم رجعا فلا ضمان عليهما
-
وكذلك إن شهدا على رجل بتزوج امرأة بمقدار مهر مثلها
-
وإن شهدا بأكثر من مهر المثل ثم رجعا ضمنا الزيادة
-
وإن شهدا ببيع بمثل القيمة أو أكثر ثم رجعا لم يضمنا
-
وإن كان بأقل من القيمة ضمنا النقصان
-
وإن شهدا على رجل أنه طلق امرأته قبل الدخول ثم رجعا ضمنا نصف المهر
-
فإن كان الدخول لم يضمنا
-
وإن شهدا أنه أعتق عبده ثم رجعا ضمنا قيمته
-
وإن شهدا بقصاص ثم رجعا بعد القتل ضمنا الدية ولا يقتص منهما
-
وإذا رجع شهود الفرع ضنوا
-
وإن رجع شهود الأصل وقالوا: لم نشهد شهود الفرع على شهادتنا فلا ضمان عليهم
-
وإن قالوا: أشهدناهم وغلطنا ضمنوا
-
وإن قال شهود الفرع: كذب شهود الأصل أو غلطوا في شهادتهم ثم يلتفت إلى ذلك
-
وإذا شهدوا أربعة بالزنا وشاهدان بالإحصان فرجع شهود الإحصان لم يضمنوا
-
وإذا رجع المزكون عن التزكية ضمنوا
-
وإذا شهد شاهدان باليمين وشاهدان بوجود الشرط ثم رجعوا فالضمان على شهود اليمين خاصة
-
ما يلزم الرجل الإجابة إذا دعي إلى الشهادة في ابتدائها أو أدائها، وهل يشهد على من يعرف أو على وثيقة لا تقرأ أو غائب عنهم أو كان المقر له غائبا؟ أو في المرأة تشهد على نفسها بغير إذن
-
من المجموعة: قال مالك: قال الله تعالى:
-
(ولا يأبى الشهداء إذا ما دعوا) إنما هو من يدعي إلى أدائها بعد أن يشهد عليه،
-
وكذلك ذكر ابن حبيب [عن مطرف عن مالك، ورواه ابن حبيب] عن ربيعة وزيد بن أسلم.
-
قال مالك في المجموعة:
-
وأما قبل أن يشهد فأرجو أن يكون في سعة إذا كان لم يشهد، ولعله يكون مشغولا، وليس كل أمر يحب الرجل أن يشهد عليه،
-
ومثله في العتبية عن سحنون، وقاله ابن كنانة، وقال:
-
فإن لم يجد غيره، وخاف أن يبطل حقه إن لم يشهد، فعليه أن يجيب،
-
وإن وجد عنه مستغنى فهو بالخيار،
-
وكذلك الكاتب يدعى إلى أن يكتب، ودعي مالك وقد دخل السوق إلى شهادة فلم يجب، واعتذر لمن دعاه، وقال: أخاف أن يكون في أمرك مالا أرى أن أشهد عليه، فيقتدي بي من حضر، فقبل منه.
-
ابن حبيب: وبلغني عن عطاء أنه قال: أتت الآية في الوجهين: ليشهدوا وليؤدوا.
-
ابن حبيب وهو في الابتداء أخف، قال سفيان في قوله تعالى:
-
(ولا يضار كاتب ولا شهيد) قال: يجيئه في حال شغله.
-
ومن المجموعة وكتاب ابن المواز، والعتبية: قال مالك فيمن جاء يذكر حقا عليه في رجل غائب، فأشهدهم فيه،
-
فلا أرى أن يكتبوا [شهادتهم إلا أن يكتبوا] أن فلانا ذكر لنا: أن لفلان عليه كذا
-
وكذا، ولا كن يكتبوا في ذكر حق بغير هذا التفسير، قال ابن القاسم: وذلك خوف أن يقر له بيسير خوف أن يستوجب به الخلط فيستحق عليه اليمين فيما عسى أن يدعيه، ولكن يكتبوا: إن هذا أقر لفلان والآخر غائب. قال ابن عبدوس: قال أشهب عن مالك: قال ابن حبيب: وقاله مطرف عن مالك، وهو في المختصر عن ابن عبد الحكم: لا ينبغي أن يشهد الرجل على من لا يعرف، قال في المجموعة: والعتبية وأن الناس ليشهدوا بكون بعضهم يعرفه، وفي ذلك بعض السعة،
-
وكذلك في العتبية من سماع أشهب، ابن حبيب: قال مالك: إلا أن يكون معك من يعرفه، وقاله ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ، قال ابن القاسم وقد أشهد على رجل وقال: لا أشهد إلا على من أعرف، قال ابن عبدوس: ويخشى من ذلك أن يجد الرجل شهادته في كتاب على من لا يعرف، ويكون الشاهد قليل المعرفة فيقول: أشهد بما في هذا الكتاب.
-
قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: يخشى أن يأتي من لا يعرف فيتسمى باسم رجل فيقر أنه باع داره من هذا، ويكتب عليه شهادته، فيموت الشاهد فيقيم على خطه شاهدين، فتجوز الشهادة، يريد: عند من يجيز ذلك من أصحابنا، وقاله أصبغ.
-
قال ابن القاسم في المجموعة:
-
فإذا دعي ليشهد على مرأة لا يعرفها، وشهد عنده رجلان أنها فلانة،
-
[فلا يشهد أنها فلانة، وإنما يشهد على شهادتهما] .
-
ومن العتبية من سماع ابن القاسم في المرأة يريد عمها أن يزوجها ولا يعرفها أحد، كيف يشهد؟ قال: يدخل عليها من لا يحتشم منه،
-
ثم شهد على رؤيتها، وأفتى به في جارية تزوجت من آل أبي طالب وليها الحسن بن زيد، وقال ابن كنانة فيمن شهد في صبي صغير بيع ثم استحق بملك أو بحرية،
-
ثم قام مبتاعه بشهادته وكتاب شرائه، فيشهدون أن الكتاب حق،
-
ولا يعرفون العبد الآن حين كبر،
-
فلا يقضي له بالثمن حتى يقطعوا بأن هذا العبد المبيع في الكتاب.
-
ومن كتاب ابن سحنون والعتبية: قال سحنون: وللمرأة ذات الزوج أن يدخل عليها في مغيب زوجها رجالا تشهدهم على نفسها بغير إذنه،
-
ولا يدخلون عليها في مغيبه إلا مع ذي محرم منها،
-
ولا يمنعها إن حضر، وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إذا كانت مضطرة لمرض أو غيره، ومعها أهلها، جاز أن تدخل على نفسها العدول،
-
وأما بحضرة زوجها فلا يدخل عليها إلا بإذنه،
-
فإن منعها فاستأذنت عليه فليأمره الامام بذلك أن كان لا تطلب وجهه.
-
ومن العتبية وكتاب ابن المواز من سماع أشهب: قال مالك:
-
ومن أقر لرجل بمائة أردب قمع بغير كتاب،
-
ثم جاء الطالب من الغد بكتاب فيه ذلك،
-
فلا أحب أن يكتبوا فيه، وليكتبوا في إقراره عليه، قال عن أشهب في العتبية: قيل:
-
فإن شهدت في كتاب ثم ذهب بالكتاب لتزداد فيه بينة،
-
ثم أوتيت به بعد يومين، هل أشهد فيه؟ قال: إن عرفت الكتاب فاشهد فيه.
-
قال ابن حبيب عن ابن الماجشون فيمن أشهد على رجل في كتاب ذكر حق ثم ذكر أنه ضاع، وسأل الشهود أن يشهدوا له بما حفظوا،
-
فلا يشهدوا وان كانوا بكل ما فيه حافظين، خوفا أن يكون قد اقتضاه ومحي الكتاب،
-
فإن جهلوا وشهدوا فليقض بها الإمام، وقال مطرف: بل يشهدون [بما حفظوا] وقاله مالك، وهو قول أصبغ، وبه أقول إن كان الطالب مأمونا،
-
وإن لم يكن مأمونا فقول [ابن القاسم] وابن الماجشون أحب إلي، وروى أشهب عن مالك في القاضي يشهد رجلين في كتاب مطبوع بيده: أن هذا كتابي إلى قاضي بلد كذا،
-
ولا يقرؤه، فقد كان بأيديهم الكتاب، قال: أرى أن يشهدوا به،
-
ويجوز ذلك من كتب إليه،
-
ولو كان الكتاب أحد الشاهدين،
-
فإن كانا قد اجتمعا عليه وعرفا الآن خواتمها فليشهدوا عليه.
-
وقال فيمن كتب وصيته منذ أيام،
-
ثم أدخل عليه قوما فأشهدهم أن هذه وصيتي، هل يقولون: تقرؤها فإنها كانت عند أهلك؟ قال: ليس ذلك عليهم، ولهم أن يشهدوا بذلك،
-
فإن كانت بيد بعضهم فليشهد من هي عندهم،
-
وأما الآخرون فلا أدري، قال:
-
ومن أتاه بكتاب طبعه فقال: اكتب شهادتك في أسفله على أنها وصيتي،
-
ولا يعلم الشاهد بما فيها، فكتب الشاهد على إقراره، قال: إن لم يشك في خاتمه فليشهد،
-
وإن شك فلا يشهد، قال أشهب: إذا قال: اشهدوا علي بما فيها جاز ذلك، كانت مختومة أو منشورة، قرأها أو لم يقرأها،
-
ولو قرأها ولم يشهدهم عليها لم تجز لهم الشهادة بذلك،
-
وإن كان بين يديه كتاب مكتوب فقيل له: هذه وصيتك؟ [وشهد بها عليك إنها وصيتك، فحرك رأسه بنعم] فأشار برأسه: أن نعم، فهي نافذة وشهادة جايزة إن كان يعرف أن تحريك رأسه بذلك كالقائل: نعم.
-
قال ابن حبيب: قال مطرف في الصحيفة تكتب على رجل بأمره، يشهد بما فيها على نفسه، وهو ممن لم يقرأها ولا قرئت عليه،
-
فإن كان ممن لم يشك أنه علم ما فيها، فلك أن تكتب شهادتك إذا قال لك: ما فيها حق وإن لم تقرأها عليه،
-
وإن كان أميا، وإن كان ممن يظن أنه لم يحط بها علما، أو يخشى أن يكون مختدعا،
-
فلا تكتب شهادتك حتى تقرأها عليه،
-
وإن قال لك: ما فيها حق، أميا كان أو قارئا.
-
من المجموعة: قال مالك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: خير الشهداء الذي يخبر - أو قال: يأتي - بشهادته قبل أن يسألها يعني: تكون عنده شهادة لرجل لا يعلمها، فيخبره بها ويؤديها إلى الحاكم.
-
ومن المجموعة والعتبية وغيرها: قال أشهب عن مالك فيمن شهد وسألني التزكية، هل علي أن أزكيه؟ قال: لا أرى ذلك عليك،
-
ولا كن حسن أن تعدله. قال سحنون في المجموعة وكتاب ابنه: إن وجد غيرك يزكيه فأنت في سعة،
-
وإن لم يجد غيرك فلا أراك في سعة،
-
وكذلك هي في كتاب ابن المواز.
-
قال ابن القاسم في المجموعة فيمن أخذ في شرب خمر، أخذه رجل ومعه جماعة، فلم يزالوا به حتى خلى سبيله، وكان أراد رفعه إلى الحاكم فتركه،
-
ثم وقع بينه وبينه شر، فأراد رفعه الآن، واستشهد بالقوم، هل يشهدون؟ قال: لا يشهدون في ذلك إلا أن يكون شهد على أحد فليجرحوه بذلك، قيل:
-
فإن علم الإمام بذلك، ألهم كتمان الشهادة؟ قال: نعم إلا في التجريح كما ذكرنا.
-
قال في كتاب ابن المواز:
-
ومن تاب وقد علم قوم ما تاب منه،
-
فإن تاب مما يلزمه للناس من قذف أو قصاص أو مال: فليؤدها عليه،
-
وأما في حدود الله تعالى فلا يكشفوه، وقد قال صلى الله عليه وسلم، لهزال: هلا سترته بردائك ولو قام بها قائم عند الإمام لم يقبل منه إلى ببينة سوى القائم عليه. قال ابن وهب: قال ابن المسيب: الستر واجب إلا على الوالي، وأحد الشهداء الأربعة في الزنا، والموكل.
-
وقال ابن وهب عن مالك في الجار يظهر شرب الخمر وغيره، فليتقدم إليه وينهاه،
-
فإن انتهى وإلا رفع أمره إلى الامام، وعن الشرطي يأتيه رجل يدعوه إلى ناس في بيت على شراب،
-
فأما البيت الذي لم يكن ذلك يعلم منه فلا يتبعه،
-
وإن كان بيتا معلوما بالسوء قد تقدم ذلك له فيه فليتبعه، وروى عنه ابن نافع فيمن مر على قوم فافترى عليه رجل منهم، فأخبر بذل المقذوف، فأتى إليهم فسألهم الشهادة، قال: إن كانت فرية فليشهدوا لعظم أمرها، وقد تكون الكلام والمشاتمة،
-
وأما الفريه فليشهدوا، قال عنه ابن وهب:
-
وكذلك لو استكتمهم ذلك
-
[وكذلك لو أقر بحق رجل واستكتمهم ذلك فليشهدوا] قال عنه ابن القاسم فيمن بينهما خصومة، فسأل أحدهما رجلين أن يمشيا إلى صاحبه ويصلحا بينهما، فأتياه وكلماه، فقال: أنا أخبركما على أن تشهدا، فقبلا ذلك منه، فاعترف،
-
ثم تجاحدا. قال: اكتب: أحب إلي أن لا يقبلا،
-
فإن قبلا فلا يعجلا بالشهادة حتى يتجاحدا ويكاد أن لا يعترفا، أو يكون عند آخر ذلك،
-
فإن اصطلحا وإلا فليشهدا عليه، قال عنه ابن نافع فيمن دخل بين اثنين فاصلح بينهما،
-
ثم سأله أحدهما أن يشهد له ببعض ما أقر له به فأبى أن يشهد له، قال: ما أرى بما صنع بأسا، قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون:
-
وإذا ادخلا بينهما رجلين على ألا يشهد بينهما، فذكر نحو قول مالك.
-
ومن كتاب ابن عبدوس: قال مالك فيمن سمع رجلا حنث في طلاق، ولم يشهد عليه بذلك غيره، قال: فليرفعه إلى السلطان،
-
وكذلك لو حنيث بذلك في حق للشاهد عليه، فليرفع ذلك حتى يكون السلطان ينظر في أمره. يريد: لا تجوز شهاداته [في حنثه] في دينه عليه، وقد ذكرها بعد هذا،
-
وكذلك لو كان في شهادة بحق فأنت تعلم صحة الحق، قال ابن الماجشون: كل ما فيه حق لمن يشهد به، فيلزمك أن تشهد،
-
وأما ما لاحق فيه لأحد فليس عليك أن تشهد فيه، لأنه لاحق فيه له يذكر،
-
وأما م فيه شبهة، أو لطخ، أو بحق تهمة، أو توجب يمنيا، فأده،
-
وكذلك ذكر عنه ابن سحنون في كتاب الأقضية.
-
في الرجل يعلم بدين رجل ثم يخبره غيره بزواله عنه أو يعلم بملك العبد ولم يسر غيره يحوزه عليه وهل يشهد بالأصل؟
-
من المجموعة: قال سحنون فيمن أشهده رجل بدين لرجل،
-
ثم أخبره عدلان أو رجل وامرأتان أنه قد قضاه إياه، قال:
-
فإذا أخبره من تجوز شهادته،
-
فلا يشهد، قيل: فأخبره شاهد واحد فوقف، وقال: ما تبين لي.
-
قال سحنون في الرجل بشتري العبد بمحضر بينة،
-
ثم يرون العبد بيد زوجة المبتاع بمحضره سنين والعبد في ضيعتها قد بانت عنه،
-
ثم يدعو إلى شهادة على أصل الشراء؟ قال: لا يسعهم أن يشهدوا، لأن الرجل يلي الشراء لامرأته.
-
فيمن يعلم علما لا يجوز عنده والحاكم يجيزه وهل يزيد في الشهدة ما تقوم به أو ينقص منها؟ والرجل هل له أن يشهد على عدوه أو لمن يتهم فيه، ويخبر الحاكم بذلك أو وهو بين الجرحة هل يشهد عنده؟
-
من المجموعة: قيل لسحنون فيمن عنده شهادة، وهي لا تجوز عنده. وتجوز عند القاضي كشاهد على صداق نصفه إلى غير أجل، قال: لا يشهد فيه، وعن شاهدين شهد أحدهما بأربعين، والآخر بخمسة وأربعين، فهما أن أدياها لم يجزها الحاكم، وذلك رأيه، هل يسع الشاهد أن يسقط خمسة ويشهد بأربعين لتجوز الشهادة؟
-
قال: لا بأس به، قيل:
-
فإن وجد الطالب من يشهد له على خمسة، هل يسع الشاهد الذي أسقط خمسة أن يشهد بها مع هذا؟ قال: ذلك له.
-
قال ابن الماجشون: لا يسع الرجل رفع شهادته لنفسه،
-
ولا لابنه، أو جده، أو أمه، أو جدته، أو والده، أو أحد الزوجين مع الآخر،
-
فأما غير هؤلاء فعليه رفعها، ويصف حاله للحاكم من قرابته.
-
قال سحنون في الرجل البين الجرحة قبله شهادة، فليس عليه رفعها إلى الحاكم، ألا ترى أن من العراقيين من يقبل الشهادة ولا يسأل عن شهاد حتى يطعن في الخاصم.
-
قال أشهب في كتاب آخر فيمن رأى هلال رمضان وهو يعلم أنه لا يقبل لجرحه،
-
فلا ينبغي أن يشهد بذلك.
-
قال ابن سحنون عن أبيه:
-
ولا يرفع الرجل شهادته إن كانت عنده حقا إذا كان الحاكم لا يقبلها، مثل شريك الرجل فيما يشهد فيه، أو عدوه فيما يشهد به
-
عليه، أو خصمه أو جار لنفسه، أو دافع، أو أب، أو ابن، أو زوج، أو من لا يجيز الحاكم شهادته في ذلك المعنى، وهو عدل،
-
وإن شهد فليخبر بذلك.
-
قال مالك في العتبية من سماع ابن القاسم، وهو في بقية هذه الدواوين، فيمن عنده شهادة على عدوه، أيشهد بها؟ قال: يشهد ويخبر مع شهادته بعدواته ولا يكتم ذلك.
-
وروى عيسى عن ابن القاسم في رجلين سمعا رجلا طلق امرأته، فكفا عن الشهادة زمانا،
-
ثم قاما بها فقالا: إن ذكرنا تاريخ الشهادة، بطلت شهادتنا، أيسعهما أن يسكتا عن التاريخ؟ [قال: لا وليأتيانها على وجهها] .
-
في الشاهد بحق وأنت تعلم جرحته هل يسعك تجريحه؟
-
من المجموعة، والعتبية، وكتاب ابن سحنون: قال سحنون فيمن شهد عند قاض بحق عنده وهو مستجرح عندك، قال: لا يسعك تجريحه إن دعيت إلى ذلك، لأنك تملك ذلك الحق،
-
وكذلك في كتاب ابنه عنه، قال: وقد قيل لي: يخبر بتجريحه القاضي.، كما لو علمه عبدا أو نصرانيا، لزمه أن يخبر بذلك، قال:
-
وكذلك لو كان شاهد معه في تلك الشهادة، فقال مرة: لا يخبر بجرحته، وقال أيضا: بل يخبر بجرحته.
-
قال ابن القاسم في الكتب الثلاثة في قوم شهدوا على رجل أنهم وجدوا منه ريح شراب، فذكر المشهود عليه أنهم أعداؤه، ورجل يعلم ذلك، فهل يسعه أن يخبر بعداوتهم وقد أقر عنده أنه شرب؟ قال: لا يسعه ذلك،
-
وكذلك لو شهدوا عليه بحق وأنت تعلم أنه حق، وقال ابن سحنون عن أبيه: إنه يخبر بعداوتهم له،
-
كقول مالك في الشاهد يكون عدوا للمشهود عليه أنه يخبر بذلك الحاكم، فذلك على المسؤول أوجب،
-
وإن علم أن الشاهد شهد بحق.
-
في شهادة المفتي على المستفتي فيما ينوي فيه، هل يلزمه أداؤها عليه أم لا؟
-
من العتبية من رواية عيسى عن ابن القاسم -وذكره ابن عبدوس وابن المواز- في الرجل يأتي مستفتيا يسأل عن أمر ينوي فيه،
-
ولو أقر عند الحاكم، أو قامت عليه بينة، فرق بينه وبين امرأته، فيفتى: أن لا شيء عليه، فطلبت المرأة شهادة المفتي، قال:
-
فلا يشهد عليه، قال ابن المواز:
-
ولو شهد لم ينفعها، لأن إقراره على غير الاشهاد. (ع) يعني: لا شيء في الفتيا، قال: وما أقر به عند الفقيه من طلاق أو حق أو حد ثم أنكر، فليشهد عليه إن كان مما ليس له رجوع عنه. قال يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في العتبية مثله،
-
وكذلك من حضر الفقيه إذا سمعوا القصة كلها حتى لا يخفى عليه منها شيء لما يخاف أن يفسد الشهادة [إن لم يذكر] .
-
فيمن سمع قذفا أو إقرارا أو نص شهادة شاهد هل عليه أن يشهد بذلك؟ وهل يقضي به؟
-
من كتاب ابن المواز وغيره: قال مالك:
-
ومن سمع رجلين يتنازعان فأقر أحدهما للآخر ولم يشهده، قال: لا يشهد إلا أن يكون قذفا فليشهد إن سمعه
-
معه غيره، قال أشهب: هذه رواية فيها وهم، وليشهد بما سمع من إقرار أو غصب أو حد ولا يكتمها،
-
فإن لم يعلم من هي له: فعليه أن يعلمه.
-
قال ابن القاسم في المجموعة وكتاب محمد فيمن مر برجلين يتحاسبان،
-
فإن سمع كلامهما من أوله فاستقصاه فليشهد،
-
وإن سمع جاره طلق امرأته فليشهد عليه.
-
قال أشهب في العتبية عن مالك في فريقين قضي لأحدهما فحدث بذلك المقضي عليه للناس،
-
ثم احتيج إلى تلك القضية، فلم يؤخذ عليها إلا من أقر عنده المقضي عليه، قال: أراها ضعيفة؛ (وليأتوا بالشهادة على وجهها) ولا أراها نافعة له.
-
وكذلك في المجموعة، وقال أشهب: نحوه.
-
قال في الكتابين وكتاب ابن المواز:
-
وإن سمع قوما يقولون لقوم: اشهدوا على شهادتنا. أن لفلان على فلان كذا،
-
فلا يشهدوا على شهادتهم وان احتيج إليه،
-
بخلاف من سمع الإقرار.
-
قال ابن القاسم وأشهب في الكتابين في رجلين سمعا رجلا يذكر أن عنده شهادة في كذا،
-
فلا ينقلا ذلك عنه،
-
فإن فعلا لم يقبل ذلك. قال أشهب: وليس بضيق أن رفع ذلك إلى الإمام وقد قيل: لا يرفعها خوفا أن يغلط فيقضي بها،
-
وإن أشهده لزمه أن يشهد وإن كان وحده.
-
ومن سمع رجلا عند القاضي يشهد بشهادة،
-
ثم مات القاضي أو عزل،
-
فلا ينقل ذلك عن الشاهد.
-
قال أشهب عن مالك فيه وفي العتبية:
-
ومن قال: اكتب على هذا عشرة دنانير فلم اكتبها، هل اشهد عليه؟ قال: نعم.
-
في الشهادة على الرجل يقرر فيقر وقد أوقفت له بينة حيث لا يراهم ومن أشهدك على أن لا تؤديها حتى يموت
-
من كتاب ابن المواز: قال مالك في رجلين أقعد الرجل من وراء حجاب ليشهدا عليهم قال: إن كان ضعيفا أو مختدعا أو خائفا لم يلزمه وحلف ما أقر إلا لما يذكر،
-
وإن كان على غير ذلك لزمه، ولعله أن يقر خاليا ويأبى من البينة، فهذا يلزمه ما سمع منه. قيل له: فرجل لا يقر إلا خاليا، هل أقعد له بموضع لا يعلم في الشهادة؟ قال: لو أعلم أنك تستوعب أمرها. ولكن أخاف أن يسمع جوابه لسؤال، ولعله يقول له في الشيء: ما الذي لي عليك إن جئتك بكذا
-
وكذا؟ فيقول: لك عندي كذا،
-
فإن قدرت أن تحيط بسرهم فجائز.
-
قال في المجموعة من [رواية ابن وهب عن مالك وهو في العتبية] من رواية عيسى بن دينار عن ابن القاسم فيمن قرر رجلا وقد خبأ له بينة في بيت ليشهدا على ما سعما منه، فأقر هل يشهدان عليه بما أقر؟
-
قال: أما الضعيف والمختدع أو الخائف الذي يخاف أن يكون اختدع أو استعجل أو استضعف،
-
فلا أرى ذلك يثبت عليه وبحلف: ما أقر إلا بما يذكر،
-
ولا يدري ما يقول: أقر لك خاليا،
-
ولا أقر لك عند البينة بأمر بعرف به وجه إقراره، فعسى أن يثبت ذلك عليه، قال عيسى: أراه ثابتا.
-
ومن المجموعة: قال ابن كنانة فيمن له قبل رجل حق وأراد أن يأخذ عليه يمينا، وقد حجده، فخبأ له قوما فشهدوا عليه بالحق أو باليمين، قال: شهادتهم مقبولة، وبئس ما صنعوا حين دخلوا ذلك المدخل.
-
وروى أشهب عن مالك في العتبية وهو في كتاب ابن المواز في امرأة أشهدتنا على صدقة على أن لا نؤدي الشهادة إلا بعد موتها: قال: لا تنفع الابنة هذه الشهادة.
-
من العتبية من سماع ابن القاسم وهو في المجموعة من روايته ورواية أشهب، وابن وهب [عن مالك] وشهادة الأعمى جائزة إذا عرف ما شهد به وأثبته يقينا. وقد كان ابن أم مكتوم أعمى يؤذن لرسول) صلى الله عليه وسلم، وقد نقل الصحابة عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، من وراء حجاب.
-
قال مالك: وكذلك الرجل يشهد على المرأة من وراء ستر قد عرفها [وعرف صوتها] وأثبتها قبل ذلك. فذلك جائز.
-
ومن كتاب ابن سحنون قال ربيعة كما يعرف البصير شخص من يشهد عليه. فكذلك هذا يعرف كلام من يشهد عليه،
-
ولو لم يجز هذا لم يجز له وطء أمته ولا امرأته.
-
قال المغيرة في كتاب ابن سحنون في الرجل يولد أعمى أو يعمى بعد ذلك: أن شهادته مقبولة إن كان عدلا. وقال ابن نافع وسحنون في كتاب ابنه: كما يعلم امرأته فيطؤها أو يلاعبها، فكذلك يشهد على ما يدرك. وقال ابن أبي ليلى
-
وأبو يوسف: ما شهد عليه قبل أن يعمى قبلناه. قال سحنون:
-
ولا فرق في ذلك لأنه حين قبولها أعمى.
-
ومن المجموعة وكتاب ابن سحنون: قال ابن القاسم وأشهب وابن الماجشون: لا تجوز شهادة الأعمى على الزنا، قال أشهب: لأنه شيء إنما يشهد فيه على الرؤية،
-
ولو شهد هو وثلاثة معه على ذلك حدوا حد الفرية،
-
وأما إن شهدوا أنه أقيم عليه حد الزنا جازت شهادتهم، لأن الأعمى في هذا لم يشهد على رؤية، لكن على سماع أن الوالي حده.
-
قال ابن سحنون: قال أشهب: وللأعمى أن يقسم في الدماء وليس بشهادة، فكيف وشهادته جائزة عندنا
-
[وكذلك في اللعان يحلف على ما يعرف من لمس أو غيره،
-
وكذلك العمياء تلاعن] .
-
من كتاب ابن سحنون وغيره: قال مالك وأصحابه: الشهادة على خط المقر جائزة، وقد اجمعوا على أن الخط رسم يدرك بحاسة النظر، وأصبنا البصير يميز بين الشخصين والخطين مع جواز الاشتباه، فلما جوزها في الشخصين مع جواز الاشتباه فيه جازت في الخطين.
-
وفي العتبية من سماع ابن القاسم عن مالك - وهو في بقية هذه الدواوين- فيمن كتب على نفسه ذكر حق، وكتب في أسفله بخطه، فهلك الشهود ثم جحد، فشهد رجلان أن ذلك خطه: إن ذلك يجوز عليه لإقراره،
-
بخلاف من شهد على شهادته فأنكرها،
-
فلا يمين عليه مع شهادة شاهدين على خط المقر.
-
ومن العتبية: قال عيسى عن ابن القاسم، وذكره ابن المواز:
-
ولو شهد على خطه حلف الطالب واستحق.
-
وقال أشهب عن مالك في امرأة كتب إليها زوجها بطلاقها، فشهد عليه خطه رجلان: أن ذلك ينفعها. قال ابن المواز: أما الشهدة على خط المقر فلم يختلف فيه قوله،
-
وأما على خط الشاهد: فما علمت من حكم به، وهما لو سمعا الشاهد ينص شهادته لم يجز لهما أن ينقلاها حتى يقول لهما: انقلا واشهدا بذلك. قال: والذي آخذ به: أن لا تجوز الشهادة على الخط إلا خط من كتب شهادته على الخط [إلا خط من كتب شهادته على نفسه] فهو كالإقرار.
-
وقال ابن القاسم ورواه عن مالك:
-
[وأما على معرفة خط الشاهد علما أقول به، وقد روي عن مالك، قال عبد الملك] وقال عبد الله: تجوز شهادتهما على خط عرفا أنه خط شاهدين في كتاب ويقضي بذلك،
-
ويجوز أن يشهدا بها على الوكالة في ذلك الخط لمن يخاصم به [وعلى وارثه ذلك شهدا فيه] وقال مثله سحنون في العتبية.
-
ومن العتبية وكتاب محمد: قال ابن القاسم عن مالك فيمن أوصى أن ينظر فيما في كتبه فيقضي ما عليه فيها، ويقتضي ماله، فوجد فيها ذكر حق له بأربعة عشر دينارا على رجل، وفي آخره بخطه: قبضت منها ثمانية دنانير،
-
فلا يمين فيها على المطلوب،
-
ولا يؤدي إلا ما بقي،
-
ولو لم يعرف خطه إلا شاهد، حلف معه المطلوب وثبت له ما قضاه.
-
قال أشهب في المجموعة في صك بخط رجل على نفسه بيد رجل على نفسه، ولم يكتب شهادته في أسفله، فشهد على خط ذلك شاهد، فليحلف الطالب معه ويقضى له به،
-
وإن كان الصك بغير خطه، وفي آخره شهادة بخطه،
-
فإن كان في الشهادة ذكر الدين الذي في صدر الصحيفة فذلك يجوز عليه إن قام بخطه
-
شاهد، وحلف مع الطالب،
-
وإن لم يكن في الشهادة ذكر الدين لم يلزم ذلك المطلوب من قبل أن القرطاس يقطع ويوصل، فيخاف أن يكون قطع ووصل بشيء آخر، ولأنه قد يكتب الرجل بشهدته ولا ينظر في الكتاب. فلهذا كله لم يجزه.
-
وروي ابن وهب وابن القاسم عن مالك في العتبية وكتاب محمد في ذكر حق فيه شهادة رجل بخطه يشهد رجلان على أن ذلك خطه، فشهادته جائزة. قال عنه ابن وهب: ويحلف الطالب ويقضى له به، قال ابن القاسم:
-
ولا يقبل في ذلك إلا شهيدين.
-
قال ابن سحنون: وقال يحيى بن سعيد وربيعة في الشهادة على [كتاب ذكر حق، فهو شاهد فيه. محمد: ولسنا نأخذ بهذا في الشهادة على] خط الشاهد إلا أن يكون على خط المقر بنفسه.
-
قال ابن وهب عن مالك في العتبية:
-
ولو مات الطالب وقام ورثته بذلك الكتاب مع شهادة رجلين على كتاب الكاتب، قال: يحلفون: ما علموا أن وليهم اقتضى من ذلك شيئا، ويقضى لهم، وقال في كتاب ابن سحنون من رواية ابن وهب: يحلفون: أنهم ما علموا أنه قبض منه شيئا،
-
فإن نكلوا حلف المطلوب: إنه لباطل،
-
فإن مات حلف ورثته: إنا ما علمنا أن هذا كان على فلان ولا كتمنا علما كان عندنا،
-
فإن نكلوا أخذ من مال الميت.
-
ومن العتبية: قال سحنون:
-
وإن شهد جلان على معرفة خط رجلين في كتاب: جازت الشهادة،
-
ويجوز أن يشهدا على الوكالة في ذلك الحق.
-
ومن كتاب ابن سحنون عن أبيه: قال ابن كنانة عن مالك في العدل يشهد على خط رجل، قال: ما أحب أن أشهد على خط أحد، ولكن إن شهد به عدلان قبلته وحسب بذلك شهادة الشاهد.
-
ومن العتبية من سماع ابن القاسم في الميت يوجد ذكر حق له على رجل فيه بينة، وفي آخره بخط الميت: أني قبضت ما في هذا الكتاب: ثمانية دنانير، قال مالك: يؤخذ من المطلوب ما بقي،
-
ولا يمين عليه، يريد: وقد قامت بينة أنه خط الميت، أو اعترف بذلك ورثته.
-
وقال ابن الماجشون في الميت، أو المريض، أو الغائب يشهد على خطه،
-
فأما المريض: فإنه يسأل عنها وينقل قوله،
-
وأما الغائب والميت: فليشهد على معرفة كتابتهما وإن لم يشهدا بها، ويقضى به،
-
وكذلك في المجموعة. وإذا قيل: ما حد تلك الغيبة؟ قال: البينة في البعد، وليس لمن يغيب من يومه ثم يشهد على خطه حينئذ، قيل:
-
فإن كان أشهده على شهادته في كم ينقل عنه في غيبته؟ قال: أما ما قرب كالروحاء وشبهها فلا، إلا في السفر البعيد، وما في تربصه الضرورة، ونحو ذلك عنه في كتاب ابن حبيب.
-
قال في كتاب ابن حبيب: وأصل ما خف من ذلك أن يكون رجلا لا يقنع فيه الحاكم بتعديل رجلين لما يترتب عنه عند رؤيته أن يقبح في غيبته،
-
فلا يقنع فيه بظاهر التزكية، فيدفع ما خف من هذا بغيبته، ويودعهما الشهادة، أو يعلم أنهما يشهدان على ما في كتابه، فيصل بهذا إلى دفع ما كان يبقى من ذلك.
-
ابن حبيب: قال أصبغ: الشهادة على خط الشاهد الغائب والميت قوية في الحكم بها، ولكن لا يعجل الشاهد بذلك وليثبت.
-
وقال مطرف في الميت يقام عليه بذكر حق فيه شهادة ولدي الميت فأنكر ذلك وشهد على خطهما شاهدان وقال: كنا شهدنا بذلك في باطل، قال: يؤخذان بذلك، ويحمل محمل الإقرار لا محمل الشهادة،
-
وكذلك لو كان واحدا وهو وارث المال وحده إن شهد على خطه، وقال ابن الماجشون: لا يؤخذ إلا بالإقرار منه سوى خط شهادته، وقال ابن الماجشون: ومحمله محمل الشهادة لا محمل الإقرار، وقال أصبغ بقول مطرف.
-
قال ابن الماجشون: ولو شهد بذلك على أبيه فلم يقض بذلك حتى مات أبوه فرجع عن شهادته، قال: لا ينفعه ذلك ويؤخذ بشهادته. قال ابن حبيب: وهذا يقوي الأول، قال مطرف وابن الماجشون:
-
وأما كتاب قاض بخطه في حكم أو كتاب إلى قاض،
-
فلا يثبتها بالشهادة على أنه خط فلان في الشهادات إلا في عتق أو طلاق أو حد أو غير ذلك،
-
وأما على معرفة خط الشاهد:
-
فلا يجو ذلك إلا في الأموال خاصة، حيث يجوز اليمين مع الشاهد. وقال أصبغ: قال محمد بن عبد الحكم:
-
ولا أدري أن يقضي في عهدنا بالشهادة على الخط لما أحدث الناس من الفجور والضرب على الخطوط، وقد كان الناس فيما مضى يجيزون الشهادة على خاتم القاضي،
-
ثم رأى مالك: ألا يجوز.
-
في الرجل يعرف خطه في الوثيقة ولا يثبت شهادته، والرجل يقول للحاكم: أشهد علي بما في هذا كتاب ولا ينصه
-
من العتبية: قال أشهب عن مالك فيمن رأى خطه في كتاب على شهادة لا يذكرها، قال: يرفعها للسلطان على وجهها ويقول: إنه كتاب يشبه كتابي وأطنه إياه، ولست أذكر شهادتي،
-
ولا أني كتبتها، يحكي ذلك على وجهها ولا يقضى بها، قيل:
-
فإن لم يكن في الكتاب محو ولا شيء، وعرف خطه. قال: قد يضرب على على خطه [ولكن ليرفعها كما ذكرنا. من المجموعة: قال عنه ابن نافع: إذا عرف خطه] . ولم يذكر الشهادة،
-
فلا أرى أن يشهد، وقد أتيت غير مرة بخط يدي أعرفه، ولم أثبت الشهادة عليه فلم أشهد، قال: أرأيت إن لم يشك في كتابه، وفي خطه بعض الضعف، أيشهد؟ قال: لا، قال الله تعالى: (وما شهدنا إلا بما علمنا) وقال عنه ابن نافع في موضع آخر: أما ما عرف أنه حضره، وشهد فيه، وعرف خطه فيه وأنه خطه، فعسى به أن يشهد.
-
قال ابن نافع: أرى أن يشهد من عرف خطه إذا لم يستنكر من الصحيفة شيئا ولا محوا، قال ابن المواز في كتابه: قال مالك: لا يجوز أن يقول: هذا خطي، والجائز أن يقول: إن خطه حق، واختلف فيه عن مالك إذا عرف خطه بشهادته: فروى ابن نافع: أنه يؤديها.
-
قيل: فإن عرف أنه شهد ولم يذرك عدة المال؟ قال: يرفع ذلك إلى الإمام، ويخبره أنه لا يعرف عدة المال. وما أرى ذلك
-
نافعا، قال ابن القاسم:
-
ولو عرف خطه وذكر أنه حضر،
-
فلا ينفع حتى يعرف بقلبه ما شهد عليه.
-
ومن كتاب ابن سحنون: قال ابن وهب: قال يحيى بن سعيد: إذا عرف خطه،
-
فإن أيقن به فليشهد،
-
وإن شك فلا يشهد، وروى ابن وهب عن مالك نحوه، قال:
-
وإن عرف خطه ولم يذكر الشهادة ولا شيئا منها، فقال له من معه في الكتاب: نحن نعلم انك كنت معنا.
-
فإن أيقن هو أنه خطه فليشهد، أما بخبر غيره فلا يشهد، وليخبر بعلمه بالغا ما بلغ،
-
ولا يجيزه الحاكم إلا أن يشهد أنه كتابه وشهادته، وروى عنه ابن وهب أيضا أنه إن أثبت أنه خطه، ولم يثبت عدة المال،
-
وإن كان يخاف أن يشبه كتابه فلا يشهد،
-
ولا يخبره الإمام، وفي المجموعة: نحوه كله من رواية ابن وهب، وفي العتبية: نحوه. قال عنه ابن القاسم: إذا عرف خطه ولم يعرف عدة المال، فليؤد شهادته على نحو ما يستيقن من معرفة كتابه، وأنه لا يثبت التسمية،
-
ولا يقضي بها السلطان،
-
وكذلك لو ذكر أنه كان أشهد مع معرفته بخطه. وقال عنه ابن القاسم أيضا: إذا عرف خطه ولم يذكر الشهادة.
-
فلا يشهد حتى يستيقن ويعرفها.
-
ومن العتبية: قال سحنون: إذا عرف خطه في الكتاب لا يشك فيه،
-
ولا يذكر كل ما فيه، فقج اختلف فيه أصحابنا. وقولي: إنه إن لم ير في الكتاب محوا ولا إلحاقا ولا ما يستنكر، ورأى الكتاب خطا واحدا فليشهد بما فيه،
-
وأن يقول: أشهد بما فيه، وهذا الأمر لا يجد الناس منه بدا وإن لم يذكر من الكتاب شيئا. قيل:
-
ولو كان الكتاب كله بخطه، وعرف خطه، وفيه شهادته، ولم يذكر منه شيئا: قال: أرى أن يشهد
-
بها، ولو أنه أعلم بذلك القاضي، رأيت للقاضي أن يجيز شهادته إذا عرف أن الكتاب كله خطه بيده، وجميع أصحابنا يجيزون شهادته إذا ذكر أنه خط الكتاب ولا محو فيه.
-
قال أبو زيد عن ابن القاسم في الرجل يؤتى بالكتاب فيه شهادته وعرف خطه وأثبت أن الذي جاءه بالكتاب أشهده في أمر دار،
-
ولا يذكر أنها التي في هذا الكتاب، قال:
-
فإن لم يثبت شهادته كما في الكتاب حرفا بحرف،
-
فلا يشهد، وقال ابن نافع في المجموعة: إذا كتب جميع الكتاب بيده، وأثبت خطه، فشهادته جائزة وإن لم يعرف الشهادة. وقال ابن كنانة: إن ذكرت بعض ما في الكتاب ولم تذكر بعضا، وفي الكتاب شهادتك،
-
ولا محو فيها ولا شيئا يستريبه، والكتاب مفسر، وذكرت حين كتبت، فاشهد بكل ما فيه،
-
ومن الواضحة: قال مطرف عن مالك: إن عرف خطه ولم يذكر الشهادة ولا شيئا منها،
-
فإن لم يكن في الكتاب محو ولا ريبة، فليشهد بها.
-
وإن كان الرق طللسا أو مغسولا أو فيه محو،
-
فلا يشهد، ثم رجع فقال: لا يشهد وإن عرف خطه حتى يذكر الشهادة أو بعضها، أو ما يدل منها على أكثرها، وبالأول أقول، ولابد للناس من ذلك، وبه قال ابن الماجشون، والمغيرة [وابن حازم، وابن دينار] وإن كان لم يحفظ مما في الكتاب عددا ولا مقصدا فليشهد ولا يقول للسلطان: إنه لا يعرف منه إلا خطه، وليشهد: أن ما فيه حق، وذلك لازم له أن يفعله،
-
وإن ذكر للحاكم أنه لا يعرف من الشهادة شيئا. وقد عرف خطه ولم يثبت في شيء،
-
فلا يغسلها الحاكم، وقال ابن وهب وابن عبد الحكم بقول مالك الأول، وقال ابن القاسم وأصبغ بقول مالك الثاني أنه لا يشهد. قال ابن حبيب: هذا أحوط، والأول جائز، قال مطرف: ولم يختلف قول مالك في الشهادة على خط الشاهد الميت والغائب
-
كاختلاف قوله في الشهادة على خط نفسه. ع قال: أبو بكر: كان القاسم ابن محمد إذا شهد بشهادة كتبها، وكان مالك يفعله.
-
ومن العتبية: روى أشهب عن مالك - وهو في المجموعة- قيل لمالك: أيجزئه أن يقول: هذه شهادتي أعرفها بخط يدي؟ قال: لا يجزئه في ذلك حتى يقول: إن حقه لحق،
-
وأما إن شهد أن هذا كتابه فلا، قال مالك. وكان مالك يقول للشاهدين: بشهادتكما أقضي أتشهدان أن الحق لهذا؟
-
فإذا قالا: نعم، أجاز شهادتهما.
-
وروى عيسى عن ابن القاسم في الأمي يقرأ عليه كتاب [فقال: اشهد علي بما فيه،
-
ولا يصف مما فيه شيئا حتى يقرأ عليه] ، قال: شهادته جائزة، وليس كل الناس يستوفون كل ما أشهدوا عليه،
-
وإن كان ممن يكتب فحتى يقرأ الكتاب،
-
فإذا قرأ عرف شهادته وهو لا يستظهرها،
-
فإن كان عدلا وثبت ما قرئ عليه جازت شهادته.
-
ومن العتبية: روى أشهب عن مالك فيمن قام بصك على ميت فيه كراء،
-
وكذا صاع عجوة، وعلى موضع العجوة محو، ولم يشهد على الصك إلا كاتبه، فعرف ما فيه إلا العجوة فإنه ليس بكتابه وقد محي،
-
فلا يدري أعجوة هو أم لا؟ قال مالك: أنتم لا تختلفون في غير العجوة، فأرى أن يحلف مع شاهده: أنه عجوة وأن هذا الحق له. ويعطاه.
-
ومن كتاب ابن حبيب: قال ربيعة: إذا كان رجال صالح وهو ضعيف أبله،
-
فإن جاء يشهد فيما يعلم أنه يطيقه عقله، ويحيط به فهمه ولا يجهله، جازت
-
شهادته، وإذا جاء شهيدا على الكتاب الطويل الكثير القصص، ومالا يحاط به إلا عن حفظ وحسن روية، فقال: أشهد أن ما في ذلك حق،
-
فلا يقبل منه ذلك، لأنه يخاف أن يختدع،
-
وأن يشهد بما لا يحيط به علما.
-
قال مطرف: قال مالك: العدل عدل في كل شيء ولا يميزه هذا التمييز، وبقول ربيعة أقول. قال مطرف: ولكن أحب للحاكم أن يتزيد المشهود شهودا في لطف ولا يرده. وروى عن سعيد بن عبد الرحمن بن عوف: نحو قول ربيعة.
-
ومن كتاب ابن سحنون: وقال في الشاهد يقرأ عليه القاضي الكتاب فيقول: ما في هذا الكتاب حق؟ فيقول: نعم، فتلك شهادة تامة،
-
وإن لم ينص ما في الكتاب من التوثيق، فيجزيه أن يقول: جميع ما فيه حق، وأنا أشهد به.
-
في القوم عندهم شهادة في مال أو فرج أو غيره فلا يرفعون شهادتهم إلى الحاكم وهم يرون ذلك الشيء يستحل
-
من العتبية: روى عيسى عن ابن القاسم -وهو في المجموعة- في شاهد شهد على شيء من الأموال غير الفروج والحرية من حيوان أو عقار يعلمه لرجل، ويراه بيد غيره يبيعه ويهبه ويحوله عن حاله،
-
فلا يقوم بعلمه، ثم شهد عند القاضي أن هذه الدار لفلان، فيقول له: لم لم تقم حين رأيت هذه الدار تباع أو توهب؟ فيقول: لم اسأل عن علمي، ولم أر فرجا يوطأ ولا حرا يستخدم، وليس علي أن أخاصم الناس، قال: لا أرى أن تجوز شهادته إذا لم يعلم بعلمه حين رأى الدار والعقار يباع،
-
وكذلك في الفروج والحيوان، إذا كانت الأشياء تحول عن حاله بعلمه، قال غيره في المجموعة: وهذا إذا كان المشهود له غائبا، أو كان
-
حاضرا لا يعلم، فأما إن كان حاضرا يرى ما لم يباع، فهو كالإقرار. قال ابن سحنون عن أبيه: لا أرى ذلك إلا فيما كان حقا لله تعالى، وما لم يلزم الشاهد أن يقوم به وإن كذبه المدعي، كالحرية والطلاق،
-
وأما العروض والرباع والحيوان:
-
فلا تبطل شهادته في ذلك، لأن رب ذلك إن كان حاضرا فهو أضاع حقه،
-
وإن كان غائبا فليس للشاهد شهادة، فلذلك لا يضر الشاهد إن لم يقم بها.
-
قال ابن كنانة فيه وفي المجموعة في قوم شهدوا على حبس أو أرض لرجل، أو أن رجلا طلق امرأته أو أعتق عبده،
-
فإذا رأوا الحبس يكتب في المهور، أو يباع، ويتداول ويطول زمنه، ولم يرفعوا ذلك،
-
فلا تقبل شهادتهم بعد ذلك،
-
وإن كانوا قد تكلموا وأشهدوا، أو كان لهم عذر أو كانوا غيبا تثبت شهادتهم،
-
ثم ذكر في الأرض والعتق والطلاق كقول سحنون.
-
ومن المجموعة: قال أشهب [وإن شهدوا] بحنث في عتق رقيق، فأمسكوا عن الشهادة حتى حال حول، أو مضى شهر أو شهران، قال: لا تجوز شهادتهم إن كانوا معه في موضع ويرونه يسترقه.
-
ومن العتبية: روى ابن وهب عن ربيعة فيمن شهد في عتق أو طلاق فأخفى شهادته حتى بيع العبد واستحل في ذلك الحرام،
-
ثم جاء يشهد، قال: لا شهادة له وإن كان عالما به،
-
وإن كانت شهادته قد قطعت الطلاق والعتق، لم أجز ذلك،
-
وإن ادعى أنه لا يعلم كالذي يقول: لا شهادة عندي، ثم يشهد.
-
قال أصبغ عن ابن القاسم في رجلين شهدا على رجل أنهما رأياه سكرانا، أو يسرق، فجرحاه بذلك في شهادة شهدا بها، فليقم عليه الحد،
-
ولا يضرهما تأخير ذلك، وهو ستر عليه.
-
قال ابن حبيب: قال أصبغ في الشهود بالطلاق يكتمون ذلك عن الزوجة حتى طال ذلك، ووقعت الخلوة بها، فذلك جرحة إلا أن يقوموا بحدثان الطلاق وإذا اعتزل مسيسها وهو يدخل عليها كدخول الزوج على زوجته، وهي في بيته، وستره، وكتموها ذلك، فشهادتهم ساقطة إلا أن يقولوا: ظنناها قد علمت، وحسبنا هذا الاعتزال فراقا، ولم نرد الكتمان، فتجوز شهادتهم.
-
قال ابن الماجشون: ومن سمع رجلا يطلق امرأته فعليه أن يأتي الإمام حتى يشهد عليه ويحلفه إن لم يكن معه غيره،
-
فإن نكل سجنه حتى يحلف قال مطرف في امرأته أعتقت جاريتها عند موتها وابنها غائب،
-
ثم قدم فأقام شاهدين أنها له، وقد حضرا عتقها لها وسكنا عن علمها. وشهد آخران أنهما يعرفانها في خدمة الأم، قال: شهيدا الابن حق ولا يغرهما عتق الأم، وقاله أصبغ .
-
ومن كتاب ابن سحنون: وكتب شجرة إلى سحنون في عبيد ادعوا أن سيدهم حنث بعتقهم، وجاؤا ببينة وشهدوا أن فلانا مولاهم أشهدنا قبل خروجه مع العبد ابق أن قد حنث فيهم، وسماهم، فقيل: يتهمون في شهادتهم إذا كانت ممن يتصل من الحنث، إنما وجه شهادتهم: أنهم أحرار فيمن حنث فيها، وكيف إن لم يرفع ذلك إلى الحاكم؟
-
فكتب إليه: هذه شهادة تقبل إلا أن يكونوا من حين أشهدهم يرونه يستخدم ويستغل، وطال ذلك به قبل خروجه إلى العسكر، فتبطل شهادتهم بذلك،
-
فإن كان خروجهم بعد الشهادة بأمد قريب،
-
فلا يضرهم إلا أن يروهم بعد التوابع يستخدمون ويستغلون إلى يوم شهادتهم عندك، فذلك يضرهم أيضا،
-
فإن لم يعلموا بذلك وكانوا غيبا قبل الخروج وبعده في طول المدة، فأخر شهادتهم.
-
وسأله عن رجل شهد أنه طلق امرأته ثلاثا منذ سنين، فقلت له: لم لم ترفع ذلك؟ فقال لي: لم أدر. ونحو ذلك في صالح رضي، وشهد آخر أنه قال لها بالأمس: أنت علي حرام، فقال: شهادة الأول ساقطة، ويحلف الزوج مع شاهد الحرام.
-
وسأله حبيب عن رجل يدخل من زقاق المسلمين شيئا في داره، والزقاق نافذ،
-
فلا يرفع الجيران ذلك إلى الحاكم إلا بعد عشرين سنة، قال: يهدم بناؤه ويرد إلى الزقاق إذا صحت البينة،
-
ولا تملك الأزقة ولا تحاز، وليس فيها حيازة. قال أبو محمد: وأعرف في موضع آخر إذا كان أمراً بيناً من القطع من طريق المسلمين، يرونه عشرين سنة لا يشهدون به فهو جرحة، إلا أن يعني أن ذلك ثبت لغير الذي عاينوه ورفعوه.
-
وقد ذكرنا الاختلاف فيما يدخل الرجل في داره من الفضاء والفناء في كتاب الأقضية، وهو الثاني من آداب القضاء.
-
ومن كتاب ابن حبيب عن مطرف في امرأة أعتقت جاريتها عند موتها وابنها غائب، فقدم فأقام بينة، أن الجارية له إلا أنهم حضروا عتق الأم إياها، ولم ينكروا عليها، وشهدت بينة أنهم يعرفونها في خدمة الأم، لا يعرفون لغيرها فيها حقا.
-
قال: شهادة الذين يعلمون أن الإبن يملكها أولى ولا يضرهم علمهم بعتق الأم، ولم ينكروا، لأنه ليس بموضع حكم، وقد يظنون أنها صارت إليها من ولدها بما لم يعلموه، وقاله أصبغ [في صفة العدل وكيف صفة التزكية،
-
ومن يجوز له أن يزكيه] .
-
من كتاب ابن سحنون فيه عن عمر: قال: لا يقبل من الشهود إلا العدل ها هنا والعدل ها هنا.
-
ومن المجموعة وكتاب ابن حبيب: قال ابن الماجشون: الشهود ثلاثة: عدل تتبين لك عدالته تعرفه بذلك فأمضه، أو تتبين لك جرحته فاردده، أو
-
مشكل عليك فسل عنه وأكثر حتى يتواطأ لك منه سرا وعلانية ما يدلك عليه،
-
وإن أشكل على من تسأل دعوته: فالتعديل والعدالة تختلف، فيكون بالواحد والاثنين والجماعة بقدر ما يسمعك الحكم وتتأكد.
-
ومن المجموعة: قال ابن القاسم: قال مالك:
-
ولا يجوز في التزكية أقل من عدلين، [ويقبل القاضي ما ينقل إليه من وصيه للكشف،
-
ولا يقبل ذلك الرجل إلا بتزكية رجلين] ، قال عنه ابن نافع: ويكشف عن الشهود سراً،
-
ولا يسأل إلا العدول، قال عنه ابن القاسم:
-
وإن لم يعرف القاضي الشاهد وعرفه بعض من يعرفه بالعدالة: رأيت أن يجيز شهادته بمعرفة ذلك العدل إياه،
-
ولا يجوز في التعديل إلا عدلان،
-
ولو سأل عنه بعض من جعله يكشف له في القبائل فعرفه بعدالته، فليقبل ذلك،
-
فأما التعديل فلا يقبل فيه إلا عدلان.
-
ومن العتبية: قال سحنون عن ابن القاسم عن مالك:
-
ولا أحب أن يسأل في السر أقل من اثنين [ولا يقبل في التعديل أقل من اثنين] .
-
ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: وليس تعديل الشاهد للمشهود عليه، ذلك للحاكم،
-
فإن كان يعرفه بالعدالة أجازه، وينبغي للحاكم أن يستكثر من المعدلين على الشاهد.
-
ولا يكتفي باثنين إلا في مثل التأبين في العدالة والعلم بالتعديل،
-
ولا يكتفي بتعديل العلانية دون تعديل السر.
-
وقال ابن سحنون عن أبيه:
-
ومن عدل رجلا ولم يعرف اسمه قبل تعديله. وقال ابن كنانة:
-
ولا تقبل تزكية الأبله من الناس،
-
ولا تقبل تزكية من يرى تعديل كل مسلم يلزمه. وقال سحنون: وليس كل من تجوز شهادته يجوز تعديله،
-
ولا يجوز في التزكية إلا المبرز الناقد الفطن الذي لا يخدع في عقله، ولا
-
يستزل في رأيه. ولا تطلب التزكية من الشاهد. وذلك على الحاكم لا على الشاهد، وإنما عليه أن يخبر الحاكم بمن يعرفه ومن يعدله.
-
ابن حبيب: قال مطرف عن مالك: وقد تجوز شهادة رجل واحد ولا يجوز تعديله، وقد يكون عدلا ولا يعرف وجه التعديل،
-
ولا يقبل التعديل إلا من عارف بوجهه، وقاله أصبغ وابن الماجشون وابن عبد الحكم.
-
قال محمد بن عبد الحكم:
-
ولا يقبل إلا شهادة العدل المأمون على ما يقول، وقد يكون عدلا ولا يؤمن من أن يغفل ويضرب على خطه، ويشهد على الرجل بشهادته ولا يعرفه، وتسمى له بغير اسمه،
-
فمن كانت هذه حاله لم تقبل شهادته.
-
ومن العتبية: قال سحنون:
-
ومن صفة العدل الذي على الحاكم أن يقبله، مثل الرجل المشهور بالعدالة في بلده، المتواتر عليه بها، وعند الحاكم من معرفته مثل ما عند من يعدله، قال:
-
وأما من لك أن تعدله:
-
فمن تعرف باطنه كما تعرف ظاهره، لأنك قد تعرفه بظاهر جميل من أهل المساجد والجهاد،
-
فلا ينبغي أن تزكيه بذلك إلا بالصحبة الطويلة والمعاملة والأخذ والإعطاء، فحينئذ تزكيه، قال مالك: كان يقال لمن مدح الرجل: أصبحته في سفر؟ أخالطته في مال؟
-
وأما من يقارف بعض الذنوب: فلن يسلم من ذلك أحد، ولكن لو كان الأمر الخفيف من الزلة والغفلة فلا يضره ذلك،
-
ولا يقدح في عدالته، قال مالك: من الرجال رجال لا تذكر عيوبهم، يقول: يكون عيبا خفيفا، والأمر كله حسن،
-
فلا يذكر اليسير الذي ليس بمعصوم منه أحد في أهل الصلاح الكثير. وقد قال مالك في لاعب الشطرنج: تقبل شهادته،
-
ولو كان لا يقبل إلا من لا يقارف شيئا من العيوب ما قبلت لأحد من شهادة.
-
ومن قبل هذا يقال: اتقوا زلة العالم. وهذا يعني به البدعة، فهذا يسقط شهادته،
-
وأما من قبل جوائز العمال المضروب على أيديهم فهو ساقط الشهادة،
-
وأما الأكل عندهم: فمن كان ذلك منه المرة والفلتة، فغير
-
مردود الشهادة، وهذا قد قدمنا ذكره،
-
وأما المدمن على ذلك: فساقط الشهادة،
-
وأما جوائز: الخلفاء فمجتمع على قبول جوائزهم من يرضي به منهم ومن لا يرضى، وجل ما يدخل بيوت الأموال على الأمر المستقيم، والذين يظلمون فيه فقليل في كثير،
-
ولا نعلم من العلماء من أنكر أخذ العطاء ومن زمن معاوية إلى اليوم، وقد قبلها ابن شهاب ومالك، وأنكر أن يكون ابن عمر قبلها.
-
وقال مالك في الرجل ينازل الرجل شهراً ولا يعلم منه إلا خيراً، قال: لا يزكيه بهذا، أنت ليس لك به علم، وهو كبعض من يجالسك، هكذا قال.
-
ومن علمه القاضي يجرحه فلا يقبل منه من يزكيه ولا يقبلها. وذكر مثله في كتاب ابن المواز عن مالك في تزكيته،
-
وأما التجريح: فبالصحبة اليسيرة واللقاء، وبأيسر ما يكون من أمر يطلع به عليه أنه من غير أهل الورع، أو يسمع منه، أو يطلع منه على مالا تجوز به شهادته، أو يقع له ذلك في قلبه فلا يزكيه.
-
ومن العتبية: روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم - وهو في كتاب ابن سحنون عن أبيه - في الشاهد لا يعرفه القاضي بعدالة منقطعة،
-
ولا بفساد ظاهر، ولكنه ممن يشهد الصلوات في المساجد. لا يعرف بأمر قبيح، قال:
-
فلا ينبغي له أن يقبل شهادته إلا بتزكية ثانية وعند الربية، وينبغي للقاضي أن ينظر فيمن يعرفه من الناس ومن لا يعرفه،
-
ومن يجوز له الوقوف في أمره حتى يعدل عنده.
-
فإذا كان الرجل يعرف بالعدالة، ممن لو لم يكن قاضيا لزمه أن يعدله عند غيره، فهذا الذي يسعه قبول شهادته،
-
ومن عرفه يجرحه رد شهادته،
-
وأما من لم يخبر أمره حسنا ولا يداخله وهو يرى ظاهره حسنا ولا يطلع منه على قبيح: فليسأل من يعدله،
-
فإن لم يأته بذلك فلا يقبله. وفي المجموعة عن سحنون مثله.
-
ومن المجموعة: قال أشهب عن مالك في الذي شهد فيعدل،
-
ثم يشهد ثانية: أنه تقبل شهادته بالتعديل الأول، وليس كل الناس سواء، منهم المشهور
-
بالعدالة، ومنهم من يغمض فيه بعض الناس، قال ابن كنانة: أما الذي ليس بمعروف فيعدل ثم يشهد: فليؤتنف فيه تعديل ثان،
-
فأما المعروف بالعدالة في بلده يشهد فيعدل ثم يشهد في شيء آخر فالتعديل الأول يجزئ فيه حتى يجرح بأمر بين. وقال أشهب: إذا شهد فعدل ثم شهد،
-
فإن كان بعد زمن نحو الخمس سنين سئل عنه المعدل الأول،
-
فإن مات سأله معدلا ثانيا وإلا لم يقبل. قال سحنون في العتبية: إذا عدل فقبل،
-
ثم شهد بعد شهر أو شهرين، أو عام أو عامين، قال: فيسأله التعديل حتى يكثر تعديله وتشتهر تزكيته،
-
فإذا كثر ذلك وتأكد فلا يسأله تزكيته في [المستقبل، وقال عنه ابنه: أما الرجل المشهور عدالته] في البلد،
-
فإن كان القاضي لا يعرفه إلا أنه صح عنده شهرته بذلك،
-
فلا يكلفه التعديل ثانية.
-
ومن العتبية: قال عيسى عن ابن القاسم في الشاهد يعدل ويقبل،
-
ثم يشهد ثانية، فإن كان قريبا من الشهادة الأولى مثل الشهر وشبه ذلك ولم يطل جدا،
-
فلا يكلف تزكيته، وإن كان طال فليكشف عنه ثانية، وليطلب ذلك المشهود عليه أو لم يطلبه والسنة فيه كثيرة، قال أشهب: إلا المشهور المعروف بالخير الذي لا يؤتنف في مثله السؤال.
-
قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: إذا عدل ثم شهد بعد شهر أو سنة أو أكثر من ذلك فليس عليه إئتناف تعديل إلا أن يعرفه بشيء أو يستريب في أمره أو يجرح، وإلا فلا يزيده طول ذلك إلا خيرا، وقاله ملك، وذكر عن ابن القاسم نحو ما ذكر عنه عيسى، وعن أصبغ نحو ما ذكر عنه العتبي، وبه أخذ ابن حبيب، قال مطرف:
-
وإذا عدله رجل وعجز عن آخر، ثم عدله آخر
-
بعد سنة، ولم ينفذ الحكم في الأمر الأول،
-
فلا يقبل ذلك، ولا يعتد بالأول، وليؤتنف الآن معدلين له،
-
وإن كان منهما الأول فليقبله،
-
وإن مات فسواه، وقاله ابن الماجشون وأصبغ وأشهب.
-
قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون في الشاهد يعدله غير أهل مكانه ومسجده أو سوقه، وفيهم من يقبل تعديله،
-
فإن كان الشاهد غير مشهور بالعدالة:
-
فلا يعدل بذلك، فترك أولئك تعديلة ريبة، وينبغي للحاكم أن يكون مترقبا في أموره، فهو أشد لتبينه،
-
شرط الشاهد مسلم حر مكلف عدل ذو مروءوة غير متهم
-
وشرط العدالة اجتناب الكبائر والإصرار على صغيرة
-
ويحرم اللعب بالنرد على الصحيح
-
ويكره بشطرنج
-
فإن شرط فيه مال من الجانبين فقمار
-
ويباح الحداء وسماعه
-
ويكره الغناء بلا آلة وسماعه
-
ويحرم استعمال آلة من شعار الشربة كطنبور وعود وصنج ومزمار عراقي وإسماعها
-
لا يراع في الأصح.
-
قلت: الأصح تحريمه والله أعلم
-
ويجوز دف لعرس وختان
-
وكذا غيرهما في الأصح وإن كان فيه جلاجل
-
ويحرم ضرب الكوبة
-
وهي طبل طويل ضيق الوسط
-
لا الرقص
-
إلا أن يكون فيه تكسر كفعل المخنث
-
ويباح قول شعر وإنشاده
-
إلا أن يهجو أو يفحش أو يعرض بامرأة معينة
-
والمروءة تخلق بخلق أمثاله في زمانه ومكانه
-
فالأكل في سوق والمشي مكشوف الرأس وقبلة زوجة وأمة بحضرة الناس وإكثار حكايات مضحكة ولبس فقيه قباء وقلنسوة حيث لا يعتاد وإكباب على لعب الشطرنج أو غناء أو سماعه وإدامة رقص يسقطها
-
والأمر فيه يختلف بالأشخاص والأحوال والأماكن
-
وحرفة دنيئة كحجامة وكنس ودبغ ممن لا تليق به تسقطها
-
فإن اعتادها وكانت حرفة أبيه فلا في الأصح
-
والتهمة أن يجر إليه نفعا أو يدفع عنه ضررا
-
فترد شهادته لعبده ومكاتبه
-
وغريم له ميت أو عليه حجر فليس
-
وبما هو وكيل فيه
-
وببراءة من ضمنه
-
وبجراحة مورثه
-
ولو شهد لمورث له مريض أو جريح بمال قبل الاندمال قبلت في الأصح
-
وترد شهادة عاقلة بفسق شهود قتل
-
وغرماء مفلس بفسق وشهودا دين آخر.
-
ولو شهدا لاثنين بوصية فشهدا للشاهدين بوصية من تلك التركة قبلت الشهادتان في الأصح
-
ولا تقبل لأصل
-
ولا فرع
-
وتقبل عليهما
-
وكذا على أبيهما بطلاق ضرة أمهما أو قذفها في الأظهر
-
وإذا شهد لفرع وأجنبي قبلت للأجنبي في الأظهر.
-
قلت: وتقبل لكل من الزوجين ولأخ وصديق والله أعلم
-
ولا تقبل من عدو
-
وهو من يبغضه بحيث يتمنى زوال نعمته ويحزن بسروره ويفرح بمصيبته
-
وتقبل له
-
وكذا عليه في عدواة دين ككافر ومبتدع
-
وتقبل شهادة مبتدع لا نكفره
-
لا مغفل لا يضبط
-
ولا مبادر
-
وتقبل شهادة الحسبة في حقوق الله تعالى وفيما له فيه حق مؤكد كطلاق وعتق وعفو عن قصاص وبقاء عدة وانقضائها وحد له.
-
وكذا النسب على الصحيح
-
ومتى حكم بالشاهدين فبانا كافرين أو عبدين أو صبيين نقضه هو وغيره.
-
وكذا فاسقان في الأظهر
-
ولو شهد كافر أو عبد وصبي ثم أعادها بعد كماله قبلت
-
أو فاسق تاب فلا
-
وتقبل شهادة غيرها بشرط اختباره بعد التوبة مدة يظن بها صدق توبته
-
وقدرها الأكثرون بسنة
-
ويشترط في توبة معصية قولية القول فيقول القاذف قذفي باطل وأنا نادم عليه لا أعود إليه
-
وكذا شهادة الزور.
-
قلت: وغير القولية يشترط إقلاع وندم وعزم أن لا يعود ورد ظلامه آدمي إن تعلقت به. والله أعلم.
فصل
-
لا يحكم بشاهد إلا في هلال رمضان في الأظهر
-
ويشترط للزنا أربعة رجال
-
وللإقرار به اثنان
-
وفي قول أربعة
-
ولمال وعقد مالي كبيع وإقالة وحوالة وضمان وحق مالي كخيار وأجل رجلان أو رجل وامرأتان
-
ولغير ذلك من عقوبة الله تعالى أو لآدمي وما يطلع عليه رجال غالبا كنكاح وطلاق ورجعة وإسلام وردة وجرح وتعديل وموت وإعسار ووكالة ووصاية وشهادة على شهادة رجلان
-
وما يختص بمعرفته النساء أو لا يراه رجال غالبا كبكارة وولادة وحيض ورضاع وعيوب تحت الثياب يثبت بما سبق وبأربع سنوة
-
وما لا يثبت برجل وامرأتين لا يثبت برجل ويمين
-
وما ثبت بهم ثبت برجل ويمين
-
إلا عيوب النساء ونحوها
-
ولا يثبت شيء بامرأتين ويمين
-
وإنما يحلف المدعي بعد شهادة شاهده وتعديله
-
ويذكر في حلفه صدق الشاهد
-
فإن ترك الحلف وطلب يمين خصمه فله ذلك
-
فإن نكل فله أن يحلف يمين الرد في الأظهر.
-
ولو كان بيده أمة وولدها فقال رجل هذه مستولدتي علقت بهذا في ملكي وحلف مع شاهد ثبت الإستيلاد
-
لا نسب الولد وحريته في الأظهر.
-
ولو كان بيده غلام فقال رجل كان لي وأعتقته وحلف مع شاهد فالمذهب انتزاعه ومصيره حرا
-
ولو ادعت ورثة مالا لمورثهم وأقاموا شاهدا وحلف معه بعضهم أخذ نصيبه ولا يشارك فيه
-
ويبطل حق من لم يحلف بنكوله إن حضر وهو كامل
-
فإن كان غائبا أو صبيا أو مجنونا فالمذهب أنه لا يقبض نصيبه
-
فإذا زال عذره حلف وأخذ بغير إعادة شهادة
-
ولا تجوز شهادة على فعل كربا وغصب وإتلاف وولادة إلا بالأبصار
-
وتقبل من أصم
-
والأقوال كعقد يشترط سمعها وإبصار قائلها
-
ولا يقبل أعمى
-
إلا أن يقر في أذنه فيتعلق به حتى يشهد عند قاض به على الصحيح
-
ولو حملها بصير ثم عمى شهد إن كان المشهود له وعليه معروفي الاسم والنسب
-
ومن سمع قول شخص أو رأى فعله فإن عرف عينه واسمه ونسبه شهد عليه في حضوره إشارة وعند غيبته وموته باسمه
-
فإن جهلهما لم يشهد عند موته وغيبته
-
ولا يصح تحمل شهادة على منتقبة اعتمادا على صوتها
-
فإن عرفها بعينها أو باسم ونسب جاز
-
ويشهد عند الأداء بما يعلم
-
ولا يجوز التحمل عليها بتعريف عدل أو عدلين على الأشهر
-
والعمل على خلافه.
-
ولو قامت بينة على عينه بحق فطلب المدعي التسجيل سجل القاضي بالحلية
-
لا الاسم والنسب ما لم يثبتا
-
وله الشهادة بالتسامع على نسب من أبيه وقبيله
-
وكذا أم في الأصح
-
وموت على المذهب
-
لا عتق وولاء ووقف ونكاح وملك في الأصح.
-
قلت: الأصح عند المحققين والأكثرين في الجميع الجواز والله أعلم
-
وشرط التسامع سماعه من جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب
-
وقيل: يكفي من عدلين
-
ولا تجوز الشهادة على ملك بمجرد يد
-
ولا بيد وتصرف في مدة قصيرة
-
وتجوز في طويلة في الأصح
-
وشرطه تصرف ملاك من سكنى وهدم وبناء وبيع ورهن
-
وتبني شهادة الإعسار على قرائن ومخائل الضر والإضافة.
فصل
-
تحمل الشهادة فرض كفاية في النكاح
-
وكذا الإقرار والتصرف المالي وكتابة الصك في الأصح
-
وإذا لم يكن في القضية إلا اثنان لزمهما الأداء
-
فلو أدى واحد وامتنع الآخر وقال احلف معه عصى
-
وإن كان شهود فالأداء فرض كفاية
-
فلو طولب من اثنين لزمهما في الأصح
-
وإن لم يكن إلا واحد لزمه إن كان فيما يثبت بشاهد ويمين وإلا فلا
-
وقيل: لا يلزم الأداء إلا من تحمل قصدا لا اتفاقا
-
ولوجوب الأداء شروط أن يدعي من مسافة العدوى
-
وقيل: دون مسافة قصر
-
وأن يكون عدلا
-
فإن ادعى ذو فسق مجمع عليه قيل: أو مختلف فيه لم يجب
-
وأن لا يكون معذورا بمرض ونحوه
-
فإن كان أشهد على شهادته أو بعث القاضي من يسمعها.
فصل
-
تقبل الشهادة على الشهادة في غير عقوبة
-
وفي عقوبة الآدمي على المذهب
-
وتحملها بان يسترعيه فيقول أنا شاهد بكذا وأشهدك أو أشهد على شهادتي أو يسمعه يشهد عند قاض أو يقول أشهد أن لفلان على فلان ألفا عن ثمن مبيع أو غيره
-
وفي هذا وجه
-
ولا يكفي سماع قوله لفلان على فلان كذا أو أشهد بكذا أو عندي شهادة بكذا
-
وليبين الفرع عند الأداء جهة التحمل
-
فإن لم يبن ووثق القاضي بعلمه فلا بأس
-
ولا يصح التحمل على شهادة مردود الشهادة
-
ولا تحمل النسوة
-
فإن مات الأصل أو غاب أو مرض لم يمنع شهادة الفرع
-
وإن حدث ردة أو فسق أو عداوة منعت
-
وجنونه كموته على الصحيح
-
ولو تحمل فرع فاسق أو عبد فأدى وهو كامل قبلت
-
ويكفي شهادة اثنين على الشاهدين
-
وفي قول يشترط لكل رجل أو امرأة اثنان
-
وشرط قبولها تعذر أو تعسر الأصيل بموت أو عمى أو مرض يشق حضوره أو غيبة لمسافة عدوى
-
وقيل: قصر
-
وأن يسمى الأصول
-
ولا يشترط أن يزكيهم الفروع فإن زكوهم
-
ولو شهدوا على شهادة عدلين أو عدول ولم يسموهم لم يجز.
فصل
-
رجعوا عن الشهادة قبل الحكم امتنع
-
أو بعده وقبل استيفاء مال استوفى
-
أو عقوبة فلا
-
أو بعده لم ينقض
-
فإن كان المستوفى قصاصا أو قتل ردة أو رجم زنا أو جلده ومات وقالوا تعمدنا فعليهم قصاص أودية مغلظة
-
وعلى القاضي قصاص إن قال تعمدت
-
وإن رجع هو وهم فعلى الجميع قصاص إن قالوا تعمدنا
-
فإن قالوا أخطأنا فعليه نصف دية وعليهم نصف
-
ولو رجع مزك فالأصح أنه يضمن
-
أو ولي وحده فعليه قصاص أو دية
-
أو مع الشهود فكذلك.
-
وقيل: هو وهم شكراء
-
ولو شهدا بطلاق بائن أو رضاع أو لعان وفرق القاضي فرجعا دام الفراق وعليهم طلاق مثل
-
وفي قول نصفه إن كان قبل وطء
-
ولو شهدا بطلاق وفرق فرجعا فقامت بينة أنه كان بينهما رضاع فلا غرم
-
ولو رجع شهود مال غرموا في الأظهر
-
ومتى رجعوا كلهم وزع عليهم الغرم
-
أو بعضهم وبقي نصاب فلا غرم
-
وقيل: يغرم قسطه
-
وإن نقص النصاب ولم تزد الشهود عليه فقسط
-
وإن زاد فقسط من النصاب.
-
وقيل: من العدد
-
وإن شهد رجل وامرأتان فعليه نصف وهما نصف
-
أو أربع في رضاع فعليه ثلث وهن ثلثان
-
فإن رجع هو أو ثنتان فلا غرم في الأصح
-
وإن شهد هو وأربع بمال فقيل: كرضاع
-
والأصح هو نصف وهن نصف سواء رجعن معه أو وحدهن
-
وإن رجع ثنتان فالأصح لا غرم
-
وأن شهود إحصان أو صفة مع شهود تعليق طلاق وعتق لا يغرمون.
كتاب آخر
- زاد المستقنع٤٥
- الكافي في فقه الإمام أحمد٤٣٨
- الإقناع٣٣٨
- الفروع٣١٠
- غاية المنتهى٢٥٤
- منتهى الإرادات٢٣٦
- المقنع١٥٨
- التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع١٤٢
- المحرر في الفقه١٣٠
- دليل الطالب لنيل المطالب٦٤
- مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله٦٣
- عمدة الفقه٤٠
- عمدة الطالب لنيل المآرب٣٣
- كافي المبتدي٣١
- مختصر الخرقي٢٦
- منظومة مفردات الإمام أحمد١٥
-
تحملها وأداؤها فرض؛ لقول الله تعالى:
-
وقوله سبحانه: {وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} ، ولأنها أمانة، فيلزمه أداؤها عند طلبها، كالوديعة، وهي فرض كفاية، إن لم يوجد من يكتفى به غير اثنين، تعين عليهما؛ لأن المقصود لا يحصل إلا بهما،
-
وإن قام بها من يكفي، سقطت عمن سواهم؛ لأن القصد حفظ الحقوق، وقد حصل.
-
ويستحب الإشهاد على العقود كلها؛ لقول الله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} ، وقَوْله تَعَالَى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} - يعني: في المداينة -.
-
ولا يجب في عقد غير النكاح والرجعة؛ لأن أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانوا يتبايعون في عصره في الأسواق من غير إشهاد، فلم ينكر عليهم، ولأن في إيجابه حرجاً، فسقط بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} .
-
ومن كانت عنده شهادة لآدمي عالم بها، لم يشهد حتى يسأله صاحبها، لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم ينذرون ولا يوفون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون» ، متفق عليه.
-
وإن لم يعلم بها، استحب إعلامه بها، وله أداؤها قبل إعلامه؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ألا أنبئكم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها» رواه أبو داود، فتعين حمل الحديث على هذه الصورة، جمعاً بين الخبرين.
-
ومن كانت عنده شهادة في حد الله، لم يستحب أداؤها؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من ستر عورة مسلم، ستره الله في الدنيا والآخرة» .
-
وتجوز الشهادة به؛ لقول الله تعالى: {لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} ، والله أعلم.
-
يعتبر في الشاهد المقبول شهادته ستة شروط: أحدها: العقل،
-
فلا تقبل شهادة طفل،
-
ولا مجنون، ولا سكران،
-
ولا مبرسم؛ لأن قولهم على أنفسهم لا يقبل، فعلى غيرهم أولى.
-
والثاني: البلوغ، فلا تقبل شهادة صبي؛ لقول الله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} ، والصبي ليس من رجالنا، ولأنه ليس بمكلف، أشبه المجنون،
-
وعنه: تقبل شهادة ابن العشر إذا كان عاقلاً؛ لأنه يؤمر بالصلاة، ويضرب عليها، أشبه البالغ.
-
وعنه: تقبل شهادته في الجروح خاصة، إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحال التي تجارحوا عليها؛ لأنه قول ابن الزبير، والمذهب الأول.
-
والثالث: الضبط فلا تقبل شهادة من يعرف بكثرة الغلط والغفلة؛ لأنه لا تحصل الثقة بقوله، لاحتمال أن يكون من غلطه، وتقبل شهادته من يقبل ذلك منه؛ لأن أحداً لا يسلم من الغلط.
-
والرابع: النطق، فلا تقبل شهادة الأخرس بالإشارة؛ لأنها محتملة، فلم تقبل، كإشارة الناطق، وإنما قبلت في أحكامه المختصة به، للضرورة، وهي ها هنا معدومة.
-
والخامس: الإسلام، فلا تقبل شهادة كافر بحال؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} ، وقال تعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} ، والكافر ليس بعدل،
-
ولا مرضي، ولا هو منا، إلا أن شهادة أهل الكتاب، تقبل في الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم، ويستحلف مع شهادته بعد العصر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} الآيات، نزلت في تميم الداري وعدي وكانا نصرانيين، شهدا بوصية مولى لعمرو بن العاص، روى هذه القصة أبو داود وغيره، وروى حنبل عن أحمد: أن شهادة بعضهم على بعض جائزة، لما روى جابر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أجاز شهادة بعض أهل الذمة على بعض» ، رواه ابن ماجة، ولأن بعضهم يلي بعضاً، فتجوز شهادتهم عليهم، كالمسلمين، والمذهب الأول.
-
قال الخلال: غلط حنبل فيما رواه لا شك فيه، والخبر يرويه مجالد، وهو ضعيف، ويحتمل أنه أراد اليمين فإنها شهادة.
-
الشرط السادس: العدالة، فلا تقبل شهادة فاسق؛ لقول الله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} ، وقوله سبحانه وتعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} ، وقَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} ، إلى قَوْله تَعَالَى:
-
{وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تجوز شهادة خائن، ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه» ، رواه أبو داود.
-
ويعتبر في العدالة شيئان: أحدهما: اجتناب الكبائر، والإدمان على الصغائر، والكبائر كل ما فيه حد، أو وعيد،
-
فمن فعل كبيرة، أو أكثر من الصغائر،
-
فلا تقبل شهادته؛ لأنه لا يؤمن من مثله شهادة الزور، ولأن الله تعالى نص على القاذف، فقسنا عليه مرتكب الكبائر، واعتبرنا في مرتكب الصغائر الأغلب؛ لأن الحكم للأغلب، بدليل قَوْله تَعَالَى:
-
{فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ، والآية التي بعدها.
-
ولا يقدح فيه في عمل صغيرة نادراً؛ لأن أحداً لا يسلم منها، ولهذا روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: «إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما» والثاني: المروءة،
-
فلا تقبل شهادة غير ذي المروءة، كالمغني، والرقاص، والطفيلي، والمتمسخر،
-
ومن يحدث بمباضعة أهله،
-
ومن يكشف عورته في الحمام، أو غيره، أو يكشف رأسه في موضع لا عادة بكشفه فيه، ويمد رجليه في مجمع الناس وأشباه ذلك مما يجتنبه أهل المروءات؛ لأنه لا يأنف من الكذب، بدليل ما روى أبو مسعود البدري، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح، فاصنع ما شئت» ، وفي أصحاب الصنائع الدنيئة، كالكساح، والزبال، والقمام، والقراد، والكباش، والمشعوذ، والحجام وجهان: أحدهما: لا تقبل شهادته؛
-
لأن هذا دناءة يجتنبه أهل المروءات، فأشبه ما قبله.
-
والثاني: تقبل شهادتهم إذا حسنت طريقتهم في دينهم؛ لأن الله تعالى قال: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ، وألحق أصحابنا بهذه الصنائع، الحياكة، والدباغة، والحراسة، لدناءتها، والأولى في هذه قبول الشهادة؛ لأنه قد تولاها كثير من الصالحين وأهل المروءة.
-
ومن كانت صناعته محرمة، كصانع المزامير، والطنابير، لا تقبل شهادته؛ لأنه مدمن على المعاصي، ساقط المروءة،
-
وكذلك المقامر؛ لأن القمار من الميسر الذي أمر الله باجتنابه، وفيه دناءة، وسفه، وأكل مال بالباطل.
-
ويحرم اللعب بالنرد والشطرنج،
-
وإن خلا من القمار، لما روى أبو موسى قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «من لعب بالنردشير، فقد عصى الله ورسوله» ، رواه أبو داود.
-
وعن واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن لله تعالى ثلاثمائة وستين نظرة، ليس لصاحب الشاه فيها نصيب» ، رواه أبو بكر.
-
ومر علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على قوم يلعبون بالشطرنج، فقال: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} ، ولأنه لعب يصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، فأشبه القمار، والنرد أشد من الشطرنج، نص عليه أحمد للاتفاق عليه، وثبوت الخبر.
-
فأما اللعب بالحمام، فإن كان يقصد به تعليمها حمل الكتب ونحوها مما تدعو الحاجة إليه،
-
فلا بأس به؛ لأنه كتأديب الفرس،
-
وإن كان لغرض محرم من القمار، أو أخذ حمام غيره ونحوه، فهو محرم،
-
وإن كان عبثاً، فهو دناءة وسفه، فما دام عليه صاحبه من المحرم والسفه، لم تقبل شهادته، لزوال عدالته، وما ندر لم يمنع؛ لأنه من الصغائر،
-
فأما اللعب بآلات الحرب، كالمناضلة، وتأديب الفرس، والثقاف، فمندوب إليه، لما فيه من القوة للجهاد، وقد لعب الحبشة بالحراب والدوق، بين يدي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في مسجده.
-
وهي نوعان: محرم: وهي الآلات المطربة، من غير غناء كالمزمار، وسواء كان من عود أو قصب، كالشبابة، أو غيره، كالطنبور، والعود، والمعزفة، لما روى أبو أمامة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله بعثني رحمة للعالمين، وأمرني بمحق المعازف والمزامير» رواه سعيد في " سننه " ، ولأنها تطرب، وتصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، فحرمت كالخمر.
-
النوع الثاني: مباح، وهو: الدف في النكاح؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالدف» رواه الترمذي، وابن ماجة.
-
وفي معناه، ما كان في حادث سرور،
-
ويكره في غيره، لما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أنه كان إذا سمع صوت الدف، بعث فنظر،
-
فإن كان في وليمة سكت،
-
وإن كان في غيره، عمد بالدرة، وهو مكروه للرجل على كل حال، لتشبهه بالنساء.
-
وأما الضرب بالقصب، فليس بمطرب،
-
فلا يحرم، وإنما هو تابع للغناء، فيتبعه في الكراهة،
-
ومن أدمن على شيء من ذلك، ردت شهادته؛ لأنه إما معصية،
-
وإما دناءة وسقوط مروءة.
-
قال أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا يعجبني الغناء؛ لأنه ينبت النفاق في القلب، وقال: من خلف ولداً يتيماً له جارية مغنية تباع ساذجة، واختلف أصحابنا فيه، فذهب طائفة إلى تحريمه؛ لأنه يروى عن ابن عباس، وابن مسعود، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «الغناء ينبت النفاق في القلب» ، وذهب أبو بكر والخلال، إلى إباحته مع الكراهة، وهو قول القاضي: «لأن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: كانت عندي جاريتان تغنيان، فدخل أبو بكر، فقال: مزمور الشيطان في بيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟! فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: دعهما فإنها أيام عيد» .
-
قال أبو بكر: الغناء والنوح واحد، مباح ما لم يكن معهما منكر،
-
ولا فيه طعن، وفي الجملة، من اتخذه صناعة يؤتى له، أو اتخذ غلاماً أو جارية مغنيين يجمع عليهما الناس،
-
فلا شهادة له؛ لأنه سفه وسقوط مروءة،
-
ومن كان يغشى بيوت الغناء، أو يغشاه المغنون للسماع متظاهراً به، وكثر منه، ردت شهادته،
-
ومن استتر بذلك، أو غنى لنفسه قليلاً، لم ترد شهادته،
-
فإن كثر مع الاستتار به، ردت شهادة صاحبه عند من حرمه؛ لأنه معصية،
-
ومن أباحه، لم يردها؛ لأنه لا معصية فيه، ولم يتظاهر به،
-
وأما الحداء، فمباح، لما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، قالت: «كنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سفر، وكان عبد الله بن رواحة جيد الحداء، وكان مع الرجال، وكان أنجشة مع النساء، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لابن رواحة: حرك بالقوم، فاندفع يرتجز فتبعه أنجشة، فأعنقت الإبل، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأنجشة: رويدك، رفقاً بالقوارير» .
-
ونشيد الأعراب لا بأس به؛ لأنه كالحداء،
-
وكذلك سائر الأصوات، إلا القراءة بالألحان، قال القاضي: هي مكروهة، وقال غيره: إن فرط فيها، فأشبع الحركات، حتى صارت الفتحة ألفاً، والضمة واواً، والكسرة ياء، حرم، لما فيه من تغيير القرآن،
-
وإن لم يكن كذلك،
-
فلا بأس به، فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد قرأ ورجع، وقال: «ما أذن الله لشيء، كإذنه لنبي حسن الصوت، يتغنى بالقرآن، يجهر به» أي: استمع.
-
«وكان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يستمع إلى أبي موسى، وقال: لقد أوتيت مزماراً، من مزامير آل داود فقال أبو موسى: لو علمت أنك تستمع، لحبرته لك تحبيراً» .
-
والشعر كالكلام، حسنه كحسنه، وقبيحه كقبيحه؛ لأنه كلام موزون مشغوله، وقد روى عمرو بن العاص: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الشعر كالكلام حسنه كحسنه، وقبيحه كقبيحه» ، وقول الشعر مباح؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان له شعراء، ويأتيه الشعراء فيسمع منهم.
-
وتمنع التهمة قبول الشهادة، وهي ستة أنواع؛ أحدها: كونه والداً وإن علا، أو ولداً وإن سفل، لما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: «لا تجوز شهادة خائن، ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه ولا ظنين في قرابة، ولا ولاء» ، والظنين المتهم، وكل واحد منهما، متهم في حق صاحبه؛
-
لأنه يميل إليه بطبعه، ولهذا قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فاطمة بضعة مني، يريبني ما أرابها» .
-
ويستحق أحدهما النفقة على صاحبه، ويعتق عليه إذا ملكه،
-
وعنه: تقبل شهادتهما؛ لأنهما عدلان من رجالنا، فيدخلان في عموم الآيات والأخبار،
-
وعنه: تقبل شهادة الولد لوالده، لدخوله في العموم،
-
ولا تقبل شهادة الأب لابنه؛ لأن ماله كماله؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أنت ومالك لأبيك» فكانت شهادته لنفسه،
-
فأما شهادة أحدهما على صاحبه، فمقبولة؛ لأنه لا يتهم عليه، ولذلك قال الله تعالى: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} .
-
وحكى القاضي رواية أخرى عن أحمد: أن شهادته عليه لا تقبل؛ لأن من لم تقبل شهادته له، لم تقبل عليه، كغير العدل،
-
والمذهب الأول كما ذكرنا، ولأن شهادته له ردت للتهمة،
-
ولا تهمة في الشهادة عليه.
-
الثاني: لا تقبل شهادة أحد الزوجين لصاحبه؛ لأنه ينتفع بشهادته لتبسط كل واحد منهما في مال الآخر عادة، واتساعه سعته، وإضافة مال كل منهما إلى الآخر.
-
قال ابن مسعود لرجل قال له: إن غلامي سرق مرآة امرأتي قال: غلامكم سرق مالكم، لا قطع عليه، ولأنه إن كان الزوج الشاهد، فهو يجر إلى نفسه نفعاً؛ لأن قيمة بضع المرآة المملوك له، يزداد بيسارها،
-
وإن كان الشاهد المرأة، فنفقتها تزداد بيساره،
-
وعنه: أن شهادة أحدهما للآخر مقبولة، لدخوله في العموم.
-
الثالث: الجار إلى نفسه، أو الدافع عنها، كشهادة الغرماء للمفلس أو الميت بدين، أو عين، فإنه لو ثبت له، تعلقت حقوقهم به
-
بخلاف غيرهما من الغرماء، فإنه لا يتعلق حق الشاهد بما يشهد به،
-
وكذلك لا تقبل شهادة الورثة للمورث، للجرح قبل الاندمال؛ لأنه قد يسري إلى نفسه، فتجب الدية لهم،
-
ولا شهادة الوصي بمال الميت؛ لأنه يثبت له فيه حق التصرف،
-
وكذلك شهادة الشريك لشريكه بمال الشركة،
-
ولا الوكيل لموكله، فيما هو موكل فيه،
-
ولا الشفيع ببيع الشقص المشفوع،
-
ولا السيد لعبده المأذون، ولا لمكاتبه.
-
قال القاضي: ولا تقبل شهادة الأجير لمستأجره، نص عليه أحمد.
-
وأما الدافع عن نفسه، فمثل شهادة المشهود عليه بجرح الشهود، أو شهادة العاقلة بجرح شهود القتل الذين يحملون عقله، وشهادة الضامن بقضاء الدين، أو البراءة منه،
-
فلا تقبل شهادة أحد؛ لقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -:
-
«ولا ظنين في قرابة» ولا الظنين المتهم.
-
فإن شهد الشريك لشريكه بغير مال الشركة، أو الوكيل بغير ما وكل به، أو العاقلة بما لا تحمل عقله، قبلت شهادتهم، لعدم التهمة فيهم،
-
وإن شهد من العاقلة بجرح شهود قتل الخطأ من لا يحمل العقل، لفقره أو بعده، احتمل أن تقبل شهادته كذلك، واحتمل أن لا تقبل؛ لأنه قد يوسر عند الحول فيحمل، أو يموت القريب فيحمل البعيد.
-
الرابع: من ترد شهادته لفسقه،
-
ثم أعادها بعد عدالته، لم تقبل للتهمة في أدائها، لكونه تعير بردها، فربما قصد بأدائها أن تقبل لإزالة العار الذي لحقه بردها، ولأنها ردت بالاجتهاد، فقبولها ينقض لذلك الاجتهاد،
-
وإن شهد عبد فردت شهادته،
-
ثم عتق، وأعادها، ففيه روايتان:
-
إحداهما: لا تقبل؛ لأنها شهادة مجتهد فيها،
-
فإذا ردت لم تقبل مرة أخرى، كشهادة الفاسق.
-
والثانية: تقبل؛ لأن العتق يظهر، وليس من فعله فيتهم في إظهاره،
-
بخلاف العدالة، وإن شهد السيد لمكاتبه، أو الوارث لمورثه بالجرح قبل الاندمال، فردت شهادتهم،
-
ثم زالت الموانع، فأعادوا الشهادة، ففي قبولها وجهان، كالروايتين والأولى أنها لا تقبل؛ لأنها شهادة ردت للتهمة،
-
فلا تقبل إذا أعيدت، كالمردود للفسق.
-
الخامس: من شهد بشهادة ترد في البعض، ردت في الكل، مثل من شهد على رجل، أنه قذفه وأجنبياً، أو قطع الطريق عليه، أو على أجنبي، أو شهد الأب لابنه وأجنبي بدين، أو لشريكه وأجنبي،
-
فلا تقبل؛ لأنها شهادة متهم فيها، فلم تقبل.
-
السادس: العداوة تمنع قبول شهادة العدو على عدوه؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه» ولأنه يتهم في إرادة الضرر بعدوه،
-
فلا تقبل شهادة الرجل على زوجته بالزنا؛ لأنه يقر بعدواته لها، ولأنه دعوى جناية في حقه، فلم تقبل؛ لأنه خصم،
-
ولا تقبل شهادة المقطوع عليه الطريق على القاطع،
-
ولا المقذوف على القاذف؛ لأنه عدو،
-
فأما المتحاكمان على مال،
-
فلا يمنع ذلك قبول شهادة أحدهما على صاحبه؛ لأنه ليس بعدواة.
-
وتقبل شهادة العدو لعدوه؛ لأنه غير متهم في شهادته له وشهادة الرجل لأبيه من الرضاع، وابنه، وسائر أقاربه، جائزة؛ لأنه لا نسب بينهما يوجب الإنفاق والصلة، وعتق أحدهما على صاحبه،
-
بخلاف قرابة النسب، وتقبل شهادة الأخ من النسب لأخيه؛ لأنه عدل غير متهم، فيدخل في عموم الآيات والأخبار،
-
ولا يصح قياسه على الوالد والولد، لما بينهما من التقارب، وتقبل شهادة الصديق الملاطف، وسائر الأقارب، لما ذكرنا، وتقبل شهادة ولد الزنى، والجندي، إذا سلما في دينهما كذلك، وتقبل شهادة الوصي والوكيل بعد العزل في أحد الوجهين كذلك، إلا أن يكونا قد خاصما فيما شهدا به؛
-
لأنهما صارا خصمين فيه، وتقبل شهادة الوارث بالجرح بعد الاندمال، لما ذكرناه.
-
ومن شهد شهادة زور، فسق، وردت شهادته؛ لأنها من الكبائر؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين وكان متكئاً فجلس، فقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور، فما زال يكررها، حتى قلنا: ليته سكت» متفق عليه.
-
ويثبت أنه شاهد زور بأحد ثلاثة أشياء: أحدهما: أن يقر بذلك.
-
والثاني: أن تقوم البينة به.
-
الثالث: أن يشهد بما يقطع بكذبه، مثل أن يشهد بموت من تعلم حياته، أو يقتله في مكان، والمشهود عليه في ذلك الوقت في بلد آخر.
-
ولا يثبت ذلك بتعارض الشهادتين؛ لأنه ليس تكذيب إحداهما أولى من الأخرى،
-
ومتى ثبت أنه شاهد زور، عزره الحاكم، بما يراه من الضرب أو الحبس، وشهره، بأن يقيمه للناس في موضع يشتهر أنه شاهد زور؛ لأن فيه زجراً له ولغيره عن فعل مثله،
-
فأما الغلط والنسيان، فلا يصير به شاهد زور؛ لأنه لم يتعمده،
-
ولو غير العدل شهادته بحضرة الحاكم، فزاد فيها، أو نقص، قبلت ما يحكم بشهادته؛ لأنه يجوز أن يكون نسيه.
-
ومن قذف، أو فعل معصية توجب رد شهادته، فتاب، قبلت شهادته؛ لقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} {إِلا الَّذِينَ تَابُوا} ، نص على قبول شهادة القاذف إذا تاب، وقسنا عليه سائر من ذكرنا.
-
إن قذف ولم يتب، لم تقبل شهادته، سواء جلد أو لم يجلد، للآية، ولأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال لأبي بكرة: تب، أقبل شهادتك، ولأن القذف معصية توجب حداً، فوجب أن ترد بها الشهادة قبل التوبة، وتقبل بعد التوبة، كالزنا، والتوبة من الذنب: الاستغفار، والندم على الفعل، والعزم على أن لا يعود، والإقلاع عن الذنب؛
-
لقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} ، الآية، والتي بعدها،
-
وإن كانت مظلمة لآدمي، فالإقلاع عنها، والتخلص منها، بإيفاء صاحبها، أو التحلل منه؛ لأن الحق لأدمي،
-
فلا يبرأ منه إلا بأدائه أو إبرائه،
-
وإن عجز عن ذلك، عزم على إيفائه متى قدر،
-
وإن كان قذفاً فإقلاعه عنه، إكذابه لنفسه؛ لما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: توبة القاذف إكذابه نفسه، ولأنه بالقذف ألحق العار به، فإكذابه نفسه يزيله،
-
فإن لم يكن كاذباً، قال: قذفي لفلان كان باطلاً، وقد ندمت عليه،
-
ولا يعتبر مع التوبة إصلاح العمل؛ لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال لأبي بكرة: تب، أقبل شهادتك، ويحتمل أن يعتبر مضي مدة تعلم توبته فيها؛ لأن الله تعالى قال: {إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، وقال:
-
وتقبل شهادة العبد، فيما خلا الحد، والقصاص لقول الله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} ، والعبد عدل تقبل روايته، وفتياه، وأخباره الدينية، فيدخل في العموم.
-
وعن عقبة بن الحارث، أنه قال: «تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء، فقالت: أرضعتكما، فذكرت ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: كيف وقد زعمت ذلك» متفق عليه، ولأنه عدل غير متهم، فأشبه الحر،
-
ولا تقبل شهادته في الحد؛ لأنه يدرأ بالشبهات، وفي شهادة العبد شبهة، لوقوع الخلاف فيها، وفي القصاص احتمالان: أحدهما: لا تقبل فيه كذلك.
-
والثاني: تقبل؛ لأنه حق آدمي، لا يصح الرجوع عن الإقرار به، فأشبه الأموال، وذكر الشريف، وأبو الخطاب في جميع العقوبات روايتين.
-
وتجوز شهادة الأمة، فيما تجوز به شهادة النساء، لحديث عقبة بن الحارث، وحكم المدبر، والمكاتب، وأم الولد، حكم القن في ذلك؛ لأنهم أرقاء.
-
ويعتبر استمرار شروط العدالة حتى يتصل بها الحكم،
-
فإن شهد عند الحاكم، فلم يحكم بشهادته، حتى حدث منه ما لا تجوز معه شهادته، لم يحكم بها؛ لأن العدالة أن الإنسان يستبطن الفسق، ويظهر العدالة،
-
فلا يؤمن أن يكون فاسقاً حين أداء شهادته، فلم يجز الحكم بها مع الشك فيها،
-
وإن حدث ذلك منه بعد الحكم وقبل الاستيفاء،
-
فإن كان ذلك حداً لله تعالى، لم يستوف؛ لأنه يدرأ بالشبهات ولا مطالب به، وهذه شبهة،
-
وإن كان مالاً، استوفي؛ لأن الحكم قد تم، وثبت الاستحقاق بأمر ظاهر الصحة،
-
فلا نبطله بأمر محتمل،
-
وإن كان حد قذف، أو قصاص، ففيه وجهان: أحدهما: يستوفى؛ لأنه حق آدمي له مطالب، فأشبه المال.
-
والثاني: لا يستوفى؛ لأنه عقوبة على البدن، تدرأ بالشبهات، أشبه الحد،
-
فأما إن أديا الشهادة وهما من أهلها،
-
ثم ماتا قبل الحكم بها، أو جنا، أو أغمي عليهما، حكم بها؛ لأن ذلك لا يؤثر في شهادتهما،
-
فلا يدل على الكذب فيها.
-
والحقوق تنقسم ستة أقسام؛ أحدها: ما لا يكفي فيه إلا أربعة شهداء وهو الزنا؛ لقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} .
-
واللواط زناً، فلا يقبل فيه إلا أربعة كذلك، ولأنه فاحشة، بدليل قول الله تعالى لقوم لوط: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} ، فيعتبر فيه الأربعة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} ،
-
فأما إتيان البهيمة، فإن قلنا: يجب به الحد، فهو كالزنا في الشهادة؛ لأنه فاحشة موجبة للحد، فأشبه الزنا،
-
وإن قلنا: الواجب به التعزير، ففيه وجهان: أحدهما: يعتبر فيه الأربعة؛ لأنه فاحشة.
-
والثاني: يثبت بشاهدين؛ لأنه لا يوجب الحد، فأشبه قبلة الأجنبية، وفي الإقرار بالزنا، وجهان: أحدهما: تعتبر له الأربعة؛ لأنه سبب يثبت به الزنا، فاعتبر فيه أربعة، كالشهادة.
-
والثاني: يثبت بشاهدين؛ لأنه إقرار، فثبت بشاهدين، كسائر الأقارير،
-
وإن كان المقر أعجمياً، ففي الترجمة وجهان، كالشهادة على الإقرار،
-
فأما المباشرة دون الفرج، وسائر ما يوجب التعزير، فيكتفى فيه بشاهدين؛ لأنه ليس بزنا موجب للحد، فأشبه ظلم الناس.
-
الثاني: سائر العقوبات كالقصاص وسائر الحدود،
-
فلا يقبل فيه إلا شهادة رجلين، لما روي عن الزهري قال: «جرت السنة، من عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ألا تقبل شهادة النساء في الحدود،» ولأنها عقوبة مشروعة،
-
فلا يقبل فيها إلا شهادة الرجال الأحرار، كحد الزنا، وسواء كان القصاص في النفس، أو ما دونها، كالموضحة، والأطراف،،
-
فأما جنايات العمد التي لا توجب القصاص، كالجائفة، والمأمومة، وجناية الأب، فقال الخرقي: يقبل فيه رجل وامرأتان، أو رجل ويمين، وهذا ظاهر المذهب؛ لأنه لا يوجب إلا المال، فأشبه البيع، وقال ابن أبي موسى: فيه روايتان: إحداهما: كما ذكرنا.
-
والثانية: لا يقبل إلا رجلان، قال: وهذا اختياري، وهو قول أبي بكر؛ لأنه جناية عمد، فأشبه الموضحة،
-
وقيل: يقبل في الجائفة؛ لأنها لا توجب قصاصاً بحال،
-
ولا يقبل في المأمومة وشبهها؛ لأنها لا توجب القود في الموضحة،
-
ومن قال بالأول، لم يوجب القصاص في الموضحة، حتى يشهد بها من يثبت القصاص بشهادته.
-
القسم الثالث: المال وما يوجبه، كالبيع، والإجارة، والهبة، والوصية له، والضمان، والكفالة، فيقبل فيه شهادة رجل وامرأتين؛ لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ} إلى قوله:
-
{فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} ، نص على المداينة، وقسنا عليه سائر ما ذكرنا.
-
وقال ابن أبي موسى: لا تثبت الوصية إلا بشاهدين؛ لقول الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} .
-
القسم الرابع: ما ليس بمال ولا عقوبة، كالنكاح، والطلاق، والرجعة، والعتق، والوكالة، والوصية إليه، والولاية، والعزل وشبهه، ففيه روايتان: إحداهما: لا يقبل فيه إلا رجلان؛ لقول الله تعالى في الرجعة: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} فنقيس عليه سائر ما ذكرنا، ولأنه ليس بمال،
-
ولا المقصود منه المال، أشبه العقوبات.
-
والثانية: يقبل فيه رجل وامرأتان، أو يمين؛ لأنه ليس بعقوبة،
-
ولا يسقط بالشبهة، أشبه المال، وقال القاضي: النكاح وحقوقه لا يثبت إلا بشاهدين، وما عداه يخرج فيه روايتان، وكل ما يثبت بشاهد ويمين، لا يقبل فيه شهادة امرأتين ويمين،
-
ولا أربع نسوة؛ لأن شهادة النساء ناقصة، وإنما انجبرت بانضمام الذكر إليهن،
-
فلا يقبلن منفردات وإن كثرن.
-
وإن اختلف الزوجان في الصداق، ثبت بشهادة رجل وامرأتين؛ لأنه مال،
-
وإن اختلفا في الخلع فادعاه الرجل، وأنكرته المرأة، قبل فيه رجل وامرأتان؛ لأنه بينة لإثبات المال،
-
فإن ادعته المرأة وأنكره الرجل، لم يقبل فيه إلا رجلان؛ لأنه بينتهما لإثبات الفسخ،
-
وإن اختلفا في عوضه خاصة، ثبت برجل وامرأتين؛ لأن الخلاف في المال،
-
وإن شهد رجل وامرأتان بسرقة، ثبت المال دون القطع،
-
وإن شهدوا بقتل عمد، لم يجب قصاص ولا دية؛ لأن السرقة توجب المال والقطع،
-
فإذا قصرت عن أحدهما، ثبت الآخر، والقتل يوجب القصاص، والمال بدل،
-
فإذا لم يثبت الأصل، لم توجب بدله،
-
وإن قلنا: موجبه أحد شيئين، لم يتعين أحدهما إلا بالاختيار،
-
فلو أوجبنا الدية وحدها، أوجبنا معيناً، وقال ابن أبي موسى: لا يجب المال فيما إذا شهدوا بالسرقة؛ لأنها شهادة لا توجب الحد، وهو أحد موجبيها،
-
فإذا بطلت في أحدهما، بطلت في الآخر ولو كان في يد رجل جارية ذات ولد، فادعى رجل أنها أم ولده، وولدها منه، وشهد بذلك رجل وامرأتان، قضي له بالجارية؛ لأنها مملوكته، فثبت ذلك برجل وامرأتين،
-
وإذا مات عتقت بإقراره، وفي الولد وجهان: أحدهما: يثبت نسبه وحريته؛ لأن الولد نماء الجارية، وقد ثبتت له، فتبعها الولد في الحكم،
-
ثم ثبت نسبه وحريته بإقراره.
-
والثاني: لا يثبتان؛ لأنهما لا يثبتان إلا بشاهدين،
-
فإن ادعى أنها كانت ملكه فأعتقها، لم يثبت ذلك بشاهد وامرأتين؛ لأن البينة شهدت بملك قديم، فلم يثبت، والحرية لا تثبت برجلين وامرأتين، ويحتمل أن تثبت كالتي قبلها.
-
القسم الخامس: ما لا يطلع عليه الرجال، من الولادة، والرضاع، والعيوب تحت الثياب، والحيض، والعدة، فيقبل فيه شهادة امرأة عدلة، لحديث عقبة بن الحارث، ولأنه معنى يقبل فيه قول النساء المنفردات، فأشبه الرواية،
-
وعنه: لا يقبل فيه إلا شهادة امرأتين؛ لأن الرجال أكمل منهن،
-
ولا يقبل منهم إلا اثنان، فالنساء أولى، وتقبل شهادة النساء في الاستهلال؛ لأنه يكون عند الولادة،
-
ولا يحضرها الرجال، وتقبل شهادة المرضعة على الرضاع، لحديث عقبة،
-
وإن شهد الرجل الواحد بما تقبل فيه شهادة المرأة الواحدة، فقال أبو الخطاب: يكتفى به؛ لأنه أكمل منها، ولأن ما يقبل فيه قول المرأة، يقبل فيه قول الرجل، كالرواية.
-
القسم السادس: ما لا يعرفه إلا أهل الطب، كالموضحة وشبهها، وداء الدواب الذي لا يعرفه إلا البيطار،
-
فإذا لم يقدر على اثنين، قبل فيه قول الواحد العدل من أهل المعرفة؛ لأن مما يعسر عليه إشهاد اثنين، فيقبل فيه قول الواحد، كالمسألة قبلها،
-
وإن أمكن إشهاد اثنين، لم يكتف بدونهما؛ لأنه الأصل.
-
لا يجوز تحملها، وأداؤها، إلا عن علم؛ لقول الله تعالى:
-
{وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ، وقوله سبحانه: {إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ،
-
فإن كانت الشهادة على فعل، كالخيانة والغصب، لم تجز إلا عن مشاهدة؛ لأنه لا يعمل إلا بها،
-
فإن أراد أن ينظر إلى فرجي الزانيين، ليتحمل الشهادة عليهما، جاز؛ «لأن سعد بن عبادة قال للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أرأيت لو وجدت مع امرأتي رجلاً، أمهله حتى آتي بأربعة شهداء قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: نعم» ولأن أبا بكرة، ونافعاً، وشبل بن معبد، شهدوا على المغيرة بالزنا عند عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فلم ينكر عليهم نظرهم.
-
وإن كانت الشهادة على قول، كالبيع، والنكاح، والطلاق، والرجعة، والإقرار، لم يجز التحمل فيها إلا بسماع القول، ومعرفة القائل يقيناً؛ لأن العلم لا يحصل بدونهما،
-
وإن لم يحصل العلم إلا بمشاهدة القائل، اعتبر ذلك، لتوقف العلم عليه،
-
وإن حصل العلم بدونه، لمعرفته صوت القائل، كفى؛ لأنه علم المشهود عليه، فجازت الشهادة عليه، كما لو رآه.
-
وتجوز الشهادة بما علمه بالاستفاضة، في تسعة أشياء: النسب، والنكاح، والملك المطلق، والوقف، ومصرفه، والموت، والعتق، والولاية، والعزل؛ لأننا نشهد أن فاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، ابنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وزوج علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -،
-
وأن نافعاً مولى ابن عمر، وأنهم قد ماتوا، ونعلم ذلك يقيناً، ولم نشاهده، قال مالك: ليس عندنا أحد يشهد على أجناس أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا على السماع، ولأن هذه الأمور، يتعذر في الغالب معرفة أسبابها، ويحصل العلم فيها بالاستفاضة، فجاز أن يشهد عليها بها، كالنسب، وظاهر كلام أحمد والخرقي، أنه لا يشهد بذلك، حتى يسمعه من عدد كثير يحصل له به العلم؛
-
لأن الشهادة لا تجوز إلا على ما علمه، وقال القاضي: يكفي أن يسمع من عدلين يسكن قلبه إلى خبرهما،
-
فإن الحق يثبت بقول اثنين،
-
فإن سمع رجلاً يقر بنسب أب، أو ابن، وصدقة المقر به، جاز أن يشهد به؛ لأنها شهادة على إقرار،
-
وإن سكت، شهد به أيضاً؛ لأن السكوت في النسب إقرار به، بدليل أن من بشر بولد فسكت، كان مقراً به، ويحتمل أن لا يشهد به حتى يكرر؛ لأن السكوت محتمل، فاعتبر له التكرار، ليزول الاحتمال،
-
وإن كذبه المقر به، لم يشهد به.
-
وإن سمع إنساناً يقر بحق، جاز أن يشهد عليه،
-
وإن لم يقل له: اشهد علي؛ لأنه سمع إقراره يقيناً، فجاز أن يشهد به، كما يشهد على الفعل برؤيته،
-
وعنه: لا يشهد حتى يستدعيه المقر ذلك، فيقول: اشهد علي، قياساً على الشهادة،
-
وعنه: إن سمعه يقر بالدين، شهد عليه؛ لأنه معترف بثبوته،
-
وإن سمعه يقر بسببه، كالقرض ونحوه، لم يشهد به؛ لأنه يجوز أن يكون قد وفاه،
-
وعنه: يجوز أن يشهد بما سمعه،
-
ولا يجب أداؤه حتى يقول له: اشهد علي،
-
فإذا قاله، وجب عليه الأداء، إذا دعي لقول الله تعالى:
-
{وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} ، قال: إذا أشهدوا، والأول المذهب؛ لأنه يشهد بما سمعه يقيناً، فأشبه الشهادة بالاستفاضة، وفارق الشهادة على الشهادة؛ لأنها ضعيفة، فاعتبر تقويتها، بالاستدعاء.
-
ومن رأى في يد إنسان شيئاً مدة يسيرة، لم يجز أن يشهد له بالملك؛ لأن ملك غيره قد يكون في يده،
-
ويجوز أن يشهد له باليد؛ لأنه شاهدها،
-
وإن رآه في يده مدة طويلة يتصرف فيه تصرف الملاك، من النقص، والبناء، والسكنى، والاستغلال ونحوه، جاز أن يشهد له بالملك في قول ابن حامد؛ لأن اليد دليل الملك، واستمرارها من غير منازع يقويها، فجرت مجرى الاستفاضة، ويحتمل أن لا يشهد له إلا باليد؛
-
لأن اليد قد تكون من غصب، وتوكيل، وإجارة، وعارية، فلم تحصر في الملك، فلم تجز الشهادة به مع الاحتمال.
-
وتجوز شهادة الأعمى بالاستفاضة؛ لأنه يحصل له العلم بها، كالبصير، وبالترجمة؛ لأنه يترجم ما يسمعه عند الحاكم، وفيما طريقه السماع، إذا عرف القائل يقيناً؛ لأنه تجوز روايته بالسماع، واستمتاعه بزوجته، فجازت شهادته، كالبصير،
-
ولا يجوز أن يشهد على ما طريقه الرؤية؛ لأنه لا رؤية له،
-
فإن تحمل الشهادة عليها وهو بصير،
-
ثم عمي، جاز أن يشهد، إذا عرف الفاعل باسمه ونسبه؛ لأنه يشهد على ما يعلمه،
-
فإن لم يعرفه إلا بعينه، لم يشهد عليه، إلا أن يتيقن صوته، فيجوز أن يشهد عليه، لعلمه به.
-
قال القاضي: يجوز أن يشهد عليه إذا وصفه بما يتميز به، ويحتمل ألا يشهد؛ لأن هذا مما لا ينضبط غالباً.
-
ولا تجوز الشهادة حتى يعرف المشهود عليه، والمشهود له، نص عليه أحمد، وقال: لا يشهد على امرأة، حتى ينظر إلى وجهها، ويعرف كلامها،
-
فإن كانت ممن عرف اسمها، ودعيت، وذهبت، وجاءت فليشهد، وإلا فلا يشهد،
-
ولا يجوز أن يقول لرجل: أتشهد أن هذه فلانة؟ ويشهد على شهادته.
-
قال القاضي: يجوز أن يحمل هذا على الاستحباب، لتجويز الشهادة بالاستفاضة.
-
قال: ولا يشهد على امرأة إلا بإذن زوجها،
-
ولا يشهد لرجل على رجل بحق وهو لا يعرف اسميهما، إلا إذا كانا شاهدين، فقال أشهد أن لهذا على هذا كذا،
-
فأما إذا كانا غائبين، فلا.
-
ولا يجوز أن يشهد إلا بما يعلم، قال أحمد: لا يشهد على الوصية المختومة حتى يقرأها،
-
فإن حضر جماعة، فقرأ الكتاب بعضهم، وسمعه بعضهم، جاز لجميعهم الشهادة به.
-
ويعتبر في أداء الشهادة الإتيان بلفظها فيقول: أشهد بكذا،
-
فإن قال: أعلم وأتيقن، أو أحق ونحوه، لم يعتد به؛ لأنها مشتقة من اللفظ،
-
وإذا شهد بأرض، أو دار،
-
فلا بد من ذكر حدودها؛ لأنها لا تعلم إلا بذلك،
-
وإن شهد بنكاح، اشترط ذكر شروطه، من الولي، والشهود، والإيجاب، والقبول؛ لأن الناس يختلفون فيها،
-
وإن شهد بالرضاع، احتاج إلى وصفه، وأنه ارتضع من ثديها، أو من لبن حلب منه، وذكر عدد الرضعات وأنه في الحولين،
-
ولو شهد أنه ابنها من الرضاع، لم يكف، لاختلاف الناس فيما يصير به ابناً.
-
وإن رأى امرأة أخذت صبياً تحت ثيابها فأرضعته، لم يجز أن يشهد برضاعه؛ لأنه يجوز أن يتخذ شيئاً على هيئة الثدي يمتصه، غير الثدي،
-
وإن شهد بالجناية، ذكر صفتها، فيقول: ضربه بالسيف، فقتله، أو أماته، أو فمات منه، أو فضربه فأوضحه،
-
وإن قال: ضربه بالسيف، فمات، أو فاتضح، أو فوجدته ميتاً، أو موضحاً، لم تصح شهادته؛ لأنه قد يموت، أو يتضح من غير ضربة،
-
وإن قال: ضربه فسال دمه، لم تثبت البازلة كذلك،
-
وإن قال: فأسال دمه، ثبتت،
-
وإن قال: ضربه فأوضحه، فوجدت في رأسه موضحتين، وجب دية موضحة؛ لأنه قد أثبتها، ولم يجب قصاص؛ لأننا لا ندري أيتهما التي شهد بها.
-
ومن شهد بالزنا، فلا بد من ذكر الزاني والمزني بها، لئلا يراه على بهيمة، أو جارية ابنه، فيعتقده زنا، ويحتمل أن لا يقتصر إلى ذكر المزني بها؛ لأنه لا يفتقر إليه في الإقرار، ويفتقر إلى ذكر صفة الزنا، وأنه رأى ذكره في فرجها؛
-
لأن زياداً شهد على المغيرة، فلم يذكر ذلك، فلم يقم الحد عليه،
-
فإن لم يذكر الشهود ذلك، سألهم الحاكم عنه، وهل يفتقر إلى ذكر الزمان والمكان؟ يحتمل وجهين: أحدهما: لا يفتقر إلى ذكرهما؛ لأن الأزمنة في الزنا واحد، فلا تختلف.
-
والثاني: يفتقر إلى ذكره، لتكون شهادتهم على فعل واحد، لئلا يكون ما شهد به أحدهما غير ما شهد به الآخر، ولأن الناس اختلفوا في الشهادة بالحد مع تقادم الزمان، فقال ابن أبي موسى: لا تقبل؛ لأن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: من شهد على رجل بحد، فلم يشهد عليه حين يصيبه، فإنما يشهد على ضغن، وقال غيره من أصحابنا: تقبل؛
-
لأنها شهادة بحق، فجازت مع تقادم الزمان، كالقصاص، ولأنه قد يعرض ما يمنعه الشهادة في حينها، ويتمكن منها بعد ذلك،
-
ومن شهد على سرقة، ذكر السارق، والمسروق منه، الحرز، والنصاب؛ لأن الحكم يختلف باختلافها.
-
ومن شهد بالردة بين ما سمع منه لاختلاف الناس فيما يصير به مرتداً، فلم يجز الحكم به قبل البيان، كما لا يجوز الحكم بجرح الشاهد قبل بيان الجرح.
-
ويجوز للحاكم أن يعرض للشهود بالوقوف عن الشهادة في حدود الله تعالى؛ لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عرض لزياد في شهادته على المغيرة، فقال: إني لأرجو أن لا يفضح الله على يدك أحداً من أصحاب محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقال أبو الخطاب: في ذلك وجهان.
-
وكل حق لله تعالى، كالحدود، والحقوق المالية، وما كان حقاً لآدمي غير معين، كالوقوف على الفقراء، والمساجد، والمقبرة المسبلة،
-
فلا يفتقر أداء الشهادة فيه إلى تقدم دعوى؛ لأنه لا يستحقها آدمي معين فيدعيها،
-
وكذلك شهد أبو بكرة وأصحابه من غير دعوى، وما عدا ذلك،
-
فلا تسمع الشهادة فيه إلا بعد تقدم الدعوى؛ لأن الشهادة فيه حق لآدمي،
-
فلا يستوفى إلى بمطالبة وإذنه.
-
ومن كان له على غيره حق، فقضى بعضه، وأشهد البينة بقضائه،
-
ثم جحد الباقي، شهد الشهود للمدعي بالدين، وعليه بما اقتضى،
-
وإن قال: أشهد أن عليه ألفاً،
-
ثم قال: قضاه منه بعضه، أفسد شهادته؛ لأن ما قضاه لم يبق عليه،
-
وإن لم يقبض منه شيئاً، فقال المدعي للشاهد: اشهد لي ببعض الدين، فعنه: أنه لا يشهد إلا كما تحمل؛ لقول الله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا} ، وقال أبو الخطاب: عندي يجوز ذلك؛ لأن من شهد بألف، فهو شاهد بخمسمائة،
-
وإن غير العدل شهادته بحضرة الحاكم، فزاد، أو نقص، قبلت ما لم يحكم بشهادته،
-
وإن ادعت عنده شهادة، فأنكر،
-
ثم شهد بها وقال: كنت أنسيتها، قبلت؛ لأن ما قاله محتمل،
-
فلا يجوز تكذيبه مع إمكان تصديقه.
-
تجوز الشهادة على الشهادة فيما يثبت بشاهد وامرأتين؛ لأنه مبني على المساهلة، فجازت فيه الشهادة، كالأموال،
-
ولا يقبل في حد الله تعالى؛ لأن مبناه على الدرء بالشبهات، وهذه لا تخلو من شبهة، ولهذا اشترطنا لها عدم شهود الأصل، وظاهر كلام أحمد: أنها لا تقبل في قصاص،
-
ولا حد قذف؛ لأنه عقوبة، فأشبه سائر الحدود.
-
ونص على قبولها في الطلاق؛ لأنه لا يدرأ بالشبهات، فيخرج من هذا، وجوب قبولها في كل ما عدا الحدود والقصاص كذلك، وقال ابن حامد: لا تقبل في النكاح، ونحوه قول أبي بكر، فعلى قولهما: لا تقبل في غير المال، وما قصد به المال؛
-
لأنه لا يثبت إلا بشاهدين، فأشبه الحد، وما ثبت بالشهادة على الشهادة ثبت بكتاب القاضي إلى القاضي وما لا فلا؛ لأن الكتاب لا يثبت إلا بتحمل الشهادة من جهة القاضي فكان حكمه، حكم الشهادة على الشهادة.
-
ولها أربعة شروط
-
أحدهما: تعذر شهود الأصل، لموت، أو مرض، أو غيبة، أو خوف، أو غيره؛ لأن شهادة الأصل أقوى؛ لأنها تثبت بنفس الحق وهذه لا تثبته ولأن سماع القاضي منهما متيقن، وصدق شاهدي الفرع عليهما مظنون فلم يقبل الأدنى مع القدرة على الأقوى، وفي قدر الغيبة وجهان: أحدهما: مسافة القصر؛
-
لأن من دونها في حكم الحاضر، ذكره أبو الخطاب.
-
والثاني: أن يكون بمكان لا يمكنه الرجوع إلى منزله من يومه؛ لأن في تكليفه الحضور مع ذلك ضرراً، وقد نفاه الله تعالى بقوله:
-
{وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ} ، وما دون ذلك؛ لا مشقة فيه فوجب حضورهما منه.
-
والشرط الثاني: أن يتحقق شروط الشهادة، من العدالة، وغيرها، في كل واحد من شهود الأصل والفرع؛ لأن الحكم ينبني على الشهادتين معاً،
-
فإن عدل شهود الفرع شهود الأصل، فشهدوا على شهادتهم وعدالتهم، كفى ذلك؛ لأن شهادتهما بالحق مقبولة، فكذلك في العدالة،
-
وإن لم يشهدوا بعدالتهم، تولى الحاكم ذلك.
-
الشرط الثالث: أن يعين شهود الفرع شهود الأصل بأسمائهم، وأنسابهم،
-
ولو قالوا: نشهد على شهادة عدلين، لم تقبل؛ لأنهما ربما كانا عدلين عندهما غير عدلين عند الحاكم، ولأنه يتعذر على الخصم جرحهما إذا لم يعرف عينهما.
-
الشرط الرابع: أن يسترعيه شاهد الأصل الشهادة، فيقول: اشهد على شهادتي، آني أشهد لفلان على فلان بكذا، أو أقر عندي بكذا، نص عليه،
-
ولو سمع رجلاً يقول: أشهد أن لفلان على فلان كذا، لم يجز أن يشهد به؛ لأنه يحتمل أنه أراد أن له ذلك عليه من وعد، فلم يجز أن يشهد مع الاحتمال
-
بخلاف ما إذا استرعاه؛ لأنه لا يسترعيه إلا على واجب،
-
وإن سمعه يسترعي غيره، جاز أن يشهد به كذلك، ويحتمل ألا يجوز؛ لأن في الشهادة على الشهادة معنى النيابة،
-
فلا ينوب عنه إلا بأذنه،
-
وإن سمعه يشهد عند الحاكم، أو سمعه يشهد بحق يعزيه إلى سببه كقوله: أشهد أن لفلان على فلان ألفاً، من ثمن مبيع، ففيه روايتان:
-
إحداهما: لا يشهد به لما ذكرنا.
-
والثانية: يجوز أن يشهد به؛ لأنه لا يحتمل مع ذلك إلا الوجوب، فيزول به الاحتمال، ويرتفع به الإشكال، فجاز أن يشهد به، كما لو استرعاه.
-
ويعتبر دوام هذه الشروط، إلى حين الحكم،
-
فلو شهد الفروع عند الحاكم، فلم يحكم حتى حضر شهود الأصل، أو صحوا من المرض، وقف الحكم على سماع شهادتهم؛ لأنه قدر على الأصل قبل العمل بالبدل فأشبه المتيمم يقدر على الماء،
-
وإن فسق شهود الأصل، أو رجعوا عن الشهادة قبل الحكم، لم يحكم بها؛ لأن الحكم ينبني عليها، فأشبه ما لو فسق شهود الفرع، أو رجعوا.
-
واختلفت الرواية، في شرط خامس: هو اعتبار الذكورية في شهود الفرع، فعنه: لا يشترط؛ لأن الغرض إثبات المال، فجاز أن يثبت بشهادة النساء مع الرجال، كشهادة الأصل، والثانية يشترط؛ لأنه شهادتهم على شهادة الشاهدين، وليس ذلك بمال،
-
ولا المقصود منه المال، ويطلع عليه الرجال، أشبه النكاح،
-
وأما شهود الأصل، فلا تعتبر فيهم الذكورية؛ لأنها شهادة بمال،
-
وعنه: أنها تعتبر؛ لأن في الشهادة على الشهادة ضعفاً، فاعتبر تقويتها باعتبار الذكورية فيها.
-
ويجوز أن يشهد على كل واحد من شهود الأصل، شاهد فرع، فيشهد شاهدا فرع، على شاهدي أصل؛ لأن شهود الفرع، بدل من شهود الأصل، فاكتفي بمثل عددهم، وذكر ابن بطة أنه يشترط أن يشهد على كل واحد من شاهدي الأصل، شاهدا فرع؛
-
لأن شاهدي الفرع، يثبتان شهادة شاهدي الأصل،
-
فلا يثبت كل واحد منهما إلا باثنين، كما لو كانت الشهادة على إقراره، لكن إن شهد شاهدا الفرع على كل واحد من شاهدي الأصل، جاز؛ لأنه إثبات قول اثنين، فجاز بشاهدين، كالشهادة على إقرار نفسين.
-
ويؤدي الشهادة على الصفة التي تحملها، فيقول: أشهد أن فلاناً يشهد أن لفلان على فلان كذا، وأشهدني على شهادته،
-
وإن سمعه يشهد عند الحاكم، أو يعزي الحق إلى سبب، ذكره.
-
إذا ادعى ألفين على رجل فشهد له شاهد بهما، وشهد له آخر بألف، ثبت له الألف بشهادتهما، لاتفاقهما، ويحلف مع شاهده على الألف الآخر؛ لأن له بها شاهداً، وسواء شهدت البينة، بإقرار الخصم، أو ثبوت الحق عليه، وسواء ادعى ألفاً، أو أقل منه؛
-
لأنه يجوز أن يكون له حق فيدعي بعضه،
-
ويجوز أن لا يعلم أن له من يشهد له بجميعه والله أعلم.
-
وإن شهد اثنان أنه زنى بها في بيت، وشهد آخران أنه زنى بها في بيت آخر، أو شهد اثنان أنه زنى بها غدوة، وشهد اثنان أنه زنى بها عشياً، فهم قذفة، وعليهم الحد، وقال أبو بكر: تكمل شهادتهم، ويحد المشهود عليه، وحكاه عن أحمد؛
-
لأنه قد شهد عليه أربعة بالزنا، فيدخل في عموم قوله سبحانه: {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ} ، والأول المذهب؛ لأنه لم يشهد الأربعة على فعل واحد، فأشبه ما لو شهد اثنان على رجل أنه زنا بامرأة، وشهد اثنان أنه زنا بامرأة أخرى، فيلزم الشهود الحد، دون المشهود عليه،
-
وإن شهد اثنان أنه زنا بها في هذه الزاوية، واثنان أنه زنا بها في الزاوية الأخرى، وهما متباعدتان، فكذلك؛ لأنهما فعلان،
-
وإن كانتا متقاربتين، كملت الشهادة؛ لأنه أمكن صدقهم، بأن تكون كل بينة نسبية إلى إحدى الروايتين، لقربه منهما.
-
وإن شهد اثنان، أنه زنا بها مطاوعة، واثنان أنه زنا بها مكرهة،
-
فلا حد على المرأة،
-
ولا على الرجل؛ لأن الشهادة لم تكمل على واحد من الفعلين،
-
فإن زنا المكرهة غير الزنا من المطاوعة، فأشبهت التي قبلها هذا قول أبي بكر والقاضي، واختار أبو الخطاب: أن الحد يجب على الرجل دون المرأة لاتفاق الأربعة على الشهادة بزناه،
-
ولا حد على الشهود في قوله لكمالها، وعلى قول أبي بكر: فيهم وجهان: أحدهما: عليهم الحد؛ لأن البينة لم تكمل على فعل واحد، أشبه ما لو اختلفوا في البيت.
-
والآخر أن الحد على شهود المطاوعة؛ لأنهم قذفوا المرأة، ولم تكمل البينة عليها.
-
وإن شهد أحدهما أنه قتله عمداً، وشهد الآخر أنه قتله خطأ، ثبت القتل، لاتفاقهما عليه، ولم يثبت العمد، والقول قول المشهود عليه مع يمينه في أنه خطأ،
-
ولا تحمله العاقلة؛ لأنه لم يثبت ببينة،
-
وإن شهد أحدهما أنه قتله غدوة، وشهد الآخر أنه قتله عشياً، أو شهد أحدهما أنه قتله بسيف، وشهد الآخر أنه قتله بسكين، لم يثبت القتل، اختاره القاضي؛ لأنهما لم يشهدا بفعل واحد، وعند أبي بكر: يثبت كالتي قبلها،
-
فإن شهد شاهد أنه قذفه غدوة، وشهد آخر أنه قذفه عشياً، أو اختلفا في المكان، أو شهد أحدهما أنه قذفه بالعربية، وشهد الآخر أنه قذفه بالعجمية، لم تكمل شهادتهما؛ لأن البينة لم تكمل على قذف واحد،
-
وكذلك إن كانت الشهادة بالنكاح أو بفعل، كالقتل، والسرقة، والغصب فاختلفا في المكان، أو الزمان، لم تكمل البينة كذلك، إلا على قول أبي بكر فإنها تكمل، ويثبت المشهود به،
-
والمذهب: الأول، وإن شهد أحدهما أنه أقر بقذفه، أو بقتله يوم الجمعة، وشهد الآخر: أنه أقر بذلك يوم الخميس، أو اختلفا في المكان، أو شهد أحدهما أنه أقر بالعربية، وشهد الآخر أنه أقر بالعجمية، ثبت المشهود به؛ لأنه المشهود به واحد وإن اختلفت العبارة،
-
وإن كانت الشهادة بعقد غير النكاح، كالبيع، والطلاق، والرجعة، فقال أصحابنا: تكمل الشهادة؛ لأن المشهود به، قول، فأشبه الإقرار، ويحتمل أن لا تكمل الشهادة؛ لأن كل بيع أو طلاق لم يشهد به إلا واحد، فلم تكمل البينة، كالنكاح،
-
وإن شهد أحدهما أنه غصبه هذا، وشهد الآخر أنه أقر بغصبه، كملت الشهادة، نص عليه أحمد في القتل؛ لأنه يجوز أن يكون الإقرار بالغصب الذي شهد به الآخر، فتكمل البينة على شيء واحد.
-
وقال القاضي: لا تكمل؛ لأن ما شهد به أحدهما غير ما شهد به الآخر.
-
وإن شهد أحدهما أنه سرق ثوباً غدوة، وشهد الآخر أنه سرقه بعينه عشياً، لم يجب الحد؛ لأن البينة لم تكمل على سرقة واحدة، وله أن يحلف مع أحدهما، ويغرم المشهود عليه؛ لأن الغرم يثبت بشاهد ويمين،
-
فإن كان مكان كل شاهد شاهدان، تعارضت البينتان.
-
ذكره القاضي لأن كل شاهدين بينة، والتعارض إنما يكون في البينة،
-
بخلاف التي قبلها، فإن كل شاهد، ليس بينة،
-
فلا يتعارضان، ويحتمل أن لا يتعارضا هاهنا؛ لأنه يمكن الجمع بينهما بأن يسرقه غدوة،
-
ثم يعود إلى مالكه فيسرقه عشية، ومع إمكان الجمع لا تعارض، فعلى هذا يجب على السارق الحد والغرم،
-
وإن لم تعين البينة الثوب،
-
فلا تعارض بينهما وجهاً واحداً،
-
ويجب للمسروق منه الثوبان، وعلى السارق القطع،
-
وإن شهد أحدهما أنه سرق ثوباً قيمته ثمن دينار، وشهد الآخر أنه سرق ذلك الثوب وقيمته ربع دينار.
-
لم تكمل بينة الحد، لاختلافهما في النصاب، ووجب للمشهود له ثمن دينار، لاتفاقهما عليه، وحلف مع الآخر على الثمن الآخر إن أحب؛ لأن الغرم يثبت بشاهد واحد ويمين،
-
وإن كان مكان كل شاهد شاهدان، تعارضت البينتان،
-
ولا حد، ووجب ما اتفقوا عليه، وسقط الزائد، لتعارض البينتين فيه.
-
وإذا شهد عدلان على ميت أحدهما شهد) أنه أعتق سالماً في مرضه: وهو ثلث ماله، وشهد الآخر أنه أعتق غانماً، وهو ثلث ماله، عتق السابق منهما،
-
فإن جهل السابق منهما، أقرع بينهما فأعتق من تخرج له القرعة، كما لو أعتقهما بكلمة واحدة،
-
وإن شهدت إحداهما أنه وصى بعتق سالم، وشهدت الأخرى أنه وصى بعتق غانم، أقرع بينهما، فأعتق أحدهما بالقرعة، سواء تقدمت وصيته أو تأخرت؛ لأن الوصية يستوي فيها المقدم والمؤخر.
-
وقال أبو بكر وابن أبي موسى: يعتق من كل واحد منهما نصفه؛ لأنهما سواء في الوصية، فيجب أن يتساويا في الحرية، والأول قياس المذهب، بدليل ما لو أعتقهما بكلمة واحدة،
-
وإن كانت إحدى البينتين وارثة عادلة، ولم تطعن في شهادة الأجنبية، فالحكم كذلك،
-
وإن كذبت الأجنبية، وقالت: ما أعتق إلا سالما وحده، عتق سالم كله، لإقرار الورثة بحريته، ولم يقبل تكذيبهم، لأنه نفي فيكون حكم غانم على ما تقدم، في أنه يعتق إذا تقدم تاريخ عتقه، ويرق إذا تأخر ويقرع بينهما إذا استويا، أو جهل الحال،
-
وإن كانت الوارثة غير عادلة، عتق غانم كله، ولم يزاحمه من شهدت به الوارثة؛ لأن شهادة الفاسق كعدمها،
-
ثم إن طعنت في شهادة الأجنبية، عتق سالم كله، لإقرارها بحريته،
-
وإن لم تطعن فيها، فذكر القاضي: أنه يعتق من سالم نصفه؛ لأنه ثبت عتقه بإقرارهم، وعتق غانم بالبينة، فصار كأنه أعتق العبدين معاً إلا في أنه لا ينتقض عتق غانم، لشهادة الوارثة لفسقها.
-
فإن شهد اثنان على اثنين بقتل رجل، فشهد الآخران أن الأولين قتلاه، فصدق الولي الأولين، حكم بشهادتهما؛ لأنهما غير متهمين،
-
وإن صدق الآخرين وحدهما، لم يحكم له بشيء؛ لأنهما متهمان، لكونهما يدفعان عن أنفسهما القتل،
-
وإن صدق الجميع، فكذلك لأنهما متعارضتان،
-
فلا يمكن الجمع بينهما.
-
وإن ادعى على رجل، أنه قتل وليه عمداً، وأقام شاهداً، فأقر بقتله خطأ، ثبت قتل الخطأ بإقراره، وعليه الدية، ولم يثبت العمد؛ لأنه لا يثبت إلا بشاهدين، وهل يحلف على نفيه؟ على وجهين،
-
وإن قتل رجل رجلاً عمداً، وله وارثان، فشهد أحدهما على الآخر أنه عفا عن القود والمال، سقط القود،
-
وإن كان الشاهد فاسقاً؛ لأنه شهادته تضمنت الإقرار بسقوطه، ويثبت نصيب الشاهد من الدية؛ لأنه ما عفا،
-
وأما نصيب المشهود عليه،
-
فإن كان الشاهد فاسقاً، حلف: ما عفوت، واستحق نصيبه من الدية،
-
وإن كان عدلاً، حلف القاتل معه، وسقط نصف الدية؛ لأن ما طريقه المال يثبت بشاهد ويمين، وفي كيفية اليمين وجهان: أحدهما: أنه قد عفا عن المال؛ لأن القود سقط بغير يمين.
-
والثاني: يحلف أنه قد عفا عن القود والمال؛ لأنه قد يعفو عن الدية ولا يسقط حقه منها، إذا قلنا: موجب العمد القصاص عيناً.
-
وإذا ادعى على رجلين، أنهما رهناه عبداً لهما بدين له عليهما، فأنكراه وشهد كل واحد منهما، على صاحبه، فشهادتهما صحيحة، وله أن يحلف مع كل واحد منهما ويصير رهناً، أو مع أحدهما ويصير نصفه رهناً؛ لأن إنكاره لا يقدح في شهادته، كما لو كانت الدعوى في عين أخرى، ويحتمل أن لا تقبل شهادتهما؛
-
لأنه يدعي أن كل واحد منهما كاذب.
-
إذا رجع الشاهدان قبل الحكم بشهادتهما، لم يحكم بها؛ لأنها شرط الحكم، فيشترط استدامتها إلى انقضائه، كعدالتهما.
-
فإن رجعا بعد الحكم بها في حد، أو قصاص، قبل الاستيفاء، لم يجز استيفاؤه؛ لأنه يدرأ بالشبهات، وهذا من أعظمها،
-
وإن كان المشهود به غير ذلك، وجب استيفاؤه؛ لأن حق المشهود له قد وجب وحكم به، فلم يسقط بقولهما المشكوك فيه،
-
وإن رجعا بعد الاستيفاء في حد، أو قصاص، وقالا: عمدنا ذلك ليقتل، فعليهما القصاص، لما ذكرنا في الجنايات،
-
وإن قالا: عمدنا الشهادة، ولم نعلم أنه يقتل، فعليهما دية مغلظة؛ لأنه شبه عمد وإن قالا: أخطأنا، فعليهما الدية مخففة،
-
ولا تحملها العاقلة؛ لأنها وجبت باعترافهما،
-
وإن اتفقا على أن أحدهما عامد، والآخر مخطىء،
-
فلا قصاص عليهما، وعلى العامد نصف دية مغلظة، وعلى الآخر نصفها مخففة،
-
وإن قال أحدهما: عمدنا جميعاً.
-
وقال الآخر: أخطأنا جميعاً، فعلى العامد القود، لإقراره بما يوجبه، وعلى المخطئ نصف الدية مخففاً،
-
وإن قال كل واحد منهما: عمدت، وأخطأ صاحبي، ففيه وجهان: أحدهما: لا قود عليهما؛ لأنه لا يؤاخذ كل واحد منهما إلا بإقراره، ولم يقر بما يوجب القصاص؛ لأنه أقر بعمد فيه شركة خطأ.
-
والثاني: عليهما القود؛ لأن كل واحد منهما مقر بالعمد،
-
وإن قال أحدهما: عمدنا معاً، وقال الآخر: عمدت وأخطأ صاحبي فعلى الأول القود.
-
وفي الثاني وجهان.
-
وإن قال: كل واحد منهما عمدت،
-
ولا أدري ما فعل صاحبي فعليهما القود؛ لأننا تبينا وقوعهما عمداً،
-
وإن رجع أحدهما وحده، فحكمه حكم ما لو رجع صاحبه معه.
-
إذا شهد خمسة بالزنا على رجل، فقتل ثم رجعوا وقالوا: عمدنا، قتلوا كلهم،
-
وإن قالوا: أخطأنا غرموا الدية أخماساً؛ لأن القتل حصل بقول جميعهم،
-
وإن رجع واحد منهم، وقال: عمدنا اقتص منه،
-
وإن قال: أخطأنا فعليه خمس الدية، لأنه يقر بما لو وافقه أصحابه عليه، لزمهم القود أو قسطه من الدية، فلزمه ذلك وإن لم يوافقوه، كما لو كانوا أربعة،
-
وإن رجع اثنان، فعليهما خمسا الدية،
-
وإن كانوا ثلاثة، فعليهم ثلاثة أخماس الدية؛ لأن الإتلاف حصل بشهادتهم، فأشبه ما لو رجعوا كلهم،
-
وإن شهد أربعة بالزنا واثنان بالإحصان، فقتل،
-
ثم رجعوا عن الشهادة، فالضمان على الجميع؛ لأن القتل حصل بقولهم، فأشبه ما لو شهد الجميع بالزنا.
-
وفي كيفية الضمان وجهان: أحدهما: توزع الدية على عددهم؛ لأن القتل حصل بجميعهم، أشبه ما لو اتفقت شهادتهم.
-
والثاني: على شهود الإحصان النصف، وعلى شهود الزنا النصف؛ لأنه قتل بنوعين من البينة، فقسمت الدية عليهما،
-
وإن شهد أربعة بالزنا، واثنان منهم بالإحصان، فعلى الوجه الأول على شهود الإحصان ثلثا الدية، وعلى الآخر ثلاثة أرباعها، ويحتمل أن لا يجب عليهما إلا النصف، لأنهم كأربعة أنفس، جنى اثنان جنايتين، وجنى الآخران أربع جنايات.
في كتب الخلاف
الإجماعابن المنذركتاب القضاة١٦ مسألة
التجريدالقدوريلا كلام له في هذا الباب
المبسوطالسرخسيبَابُ الشَّهَادَةِ فِي الطَّلَاقِ، بَابُ طَلَاقِ الْمَرِيضِ، بَابُ الْوَلَدِ عِنْدَ مَنْ يَكُونُ فِي الْفُرْقَةِ٤٬٢٠٢ مسألة
بداية المجتهدابن رشدلا كلام له في هذا الباب
المغنيابن قدامة، على «مختصر الخرقي»كتاب الشهادات٦٩٦ سطرًا
المجموع شرح المهذبالنووي، على «المهذب»لا كلام له في هذا الباب
الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر، على «المقنع»كِتَابُ الشَّهَادَاتِ، فصل، فصل٨٧٣ سطرًا
الفقه على المذاهب الأربعةعبد الرحمن الجزيريمبحث الشهادة في الزنا١١٦ مسألة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميأسامة القحطاني وآخرونالباب الثاني: مسائل الإجماع في كتاب الشهادات٤ مسائل
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)بإشراف علوي السقافمسألة: الشهادة على عقد النكاح، المطلب الأول: حكم الجماع للمحرم في النسك، ٢ - الشهادة١١٥ مسألة
عرضٌ لما في كتب المذاهب، وليس فتوى.في الخريطة: الشهادات