التفليس والحجر
المعاملات
في متون المذاهب الأربعة
-
الأسباب الموجبة للحجر ثلاثة: الصغر والرق والجنون
-
ولا يجوز تصرف الصغير إلا بإذن وليه
-
ولا تصرف العبد إلا بإذن سيده
-
ولا يجوز تصرف المجنون المغلوب على عقله بحال
-
ومن باع من هؤلاء شيئا أو اشتراه وهو يعقل البيع ويقصده فالوالي بالخيار: إن شاء أجازه إذا كان فيه مصلحة وإن شاء فسخه
-
وهذه المعاني الثلاثة توجب الحجر في الأقوال دون الأفعال
-
فالصبي والمجنون لا تصح عقودهما ولا إقرارهما ولا يقع طلاقهما ولا عتاقهما
-
وإن أتلفا شيئا لومهما ضمانه
-
وأما العبد فأقواله نافذة في حق نفسه غير نافذة في حق مولاه
-
فإن أقر بمال لزمه بعد الحرية ولم يلزمه في الحال
-
وإن أقر بحد أو قصاص لزمه في الحال
-
وينفذ طلاقه
-
وقال أبو حنيفة: لا يحجز على السفيه إذا كان بالغا عاقلا حرا
-
وتصرفه في ماله جائز وإن كان مبذرا مفسدا يتلف ماله فيما لا غرض له فيه ولا مصلحة
-
إلا أنه قال: إذا بلغ الغلام غير رشيد لم يسلم إليه ماله حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة
-
فإن تصرف فيه قبل ذلك نفذ تصرفه
-
فإذا بلغ خمسا وعشرين سنة سلم إليه مله وإن لم يؤنس منه الرشد
-
وقال أبو يوسف ومحمد: يحجز على السفينه ويمنع من التصرف في ماله
-
فإن باع لم ينفذ بيعه
-
فإن كان فيه مصلحة أجازه الحاكم
-
وإن أعتق عبدا نفذ عتقه وكان على العبد أن يسعى في قيمته
-
وإن تزوج امرأة جاز نكاحه
-
فإن سمى لها مهرا جاز منه مقدار مهر مثلها وبطل الفضل
-
وقالا فيمن بلغ غير رشيد: لا يدفع أليه ماله أبدا حتى يؤنس منه الرشد ولا يجوز تصرفه فيه
-
وتخرج الزكاة من مال السفيه
-
وينفق منه على أولاده وزوجته ومن تجب نفقته عله من ذوي أرحامه
-
فإن أراد حجة الإسلام لم يمنع منها
-
ولا يسلم القاضي النفقة إليه ويسلمها إلى ثقة من الحاج ينفقها عليه في طريق الحج
-
فإن مرض وأوصى بوصايا في القرب وأبواب الخير جاز ذلك في ثلث ماله
-
وبلوغ الغلام الاحتلام والإحبال والإنزال إذا وطئ
-
فإن لم يوجد ذلك فحتى يتم له ثماني عشرة سنة عند أبي حنيفة
-
وبلوغ الجارية بالحيض والاحتلام والحبل
-
فإن لم يوجد ذلك فحتى يتم لها سبع عشرة سنة
-
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا تم للغلام والجارية خمس عشرة سنة فقد بلغا
-
وإذا راعق الغلام والجارية وأشكل أمرهما في البلوغ وقالا: قد بلغنا فالقول قولهما وأحكامهما أحكام البالغين
-
وقال أبو حنيفة: لا أحجر في الدين:
-
وإذا وجبت الديون على رجل وطلب غرماؤه حبسه والحجر عليه لم أحجر عليه
-
وإن كان له لم يتصرف فيه الحاكم ولكن يحبسه أبدا حتى يبيعه في دينه
-
فإن كا له دراهم ودينه دراهم قضاها القاضي بغير أمره
-
وإن كان دينه دراهم وله دنانير باعها القاضي في دينه
-
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا طلب غرماء المفلس الحجرعليه حجر القاضي عليه ومنعه من البيع والتصرف والإقرار حتى لا يضر بالغرماء
-
وباع ماله إن امتنع من بيعه وقسمه بين غرمائه الحصص
-
فإن أقر في حال الحجر بإقرار لزمه ذلك بعد قضاء الديون
-
وينفق على المفلس من ماله وعلى زوجته وأولاده الصغار وذوي أرحامه
-
وإن لم يعرف للمفلس مال وطلب غرماؤه حبسه وهو يقول لا مال لي حبسه الحاكم في كل دين التزمه بدلا عن مال حصل يده كثمن مبيع وبدل القرض وفي كل دين بعقد كالمهر والكفالة
-
ولم يحبسه فيما سوى ذلك كعوض المغضوب وأرس الجنايات إلا أن تقوم البينة أن له مالا
-
وإذا حبسه القاضي شهرين أو ثلاثة يسأل عن حاله: فإن لم ينكشف له مال خلى سبيله
-
وكذلك إذا أقام البينة أنه لا مال له
-
ولا يحول بينه وبين غرمائه بعد خروجه من الحبس
-
ويلازمونه ولا منعونه من التصرف والسفر ويأخذون فضل كسبه فيقسم بينهم بالحصص
-
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا فلسه الحاكم حال بينه وبين غرمائه إلا أن يقيموا البينه أنه قد حصل له مال
-
ولا يحجر على الفاسق إذا كان مصلحا لماله
-
والفسق الأصلي والطاريء سواء
-
ومن أفلس وعنده متاع لرجل بعينه ابتاعه منه فصاحب المتاع أسوة الغرماء فيه
-
إذا أذن المولى لعبده في التجارة إذنا عاما جاز تصرفه في سائر التجارات: يشتري ويبيع ويرهن ويسترهن
-
وإن أذن له في نوع منها دون غيره فهو مأذون في جمعيها
-
وإن أذن له في شيء بعينه فليس بمأذون
-
وإقرار المأذون بالديون والغصوب جائز
-
وليس له أن يتزوج
-
ولا أن يزوج مماليكه
-
ولا يكاتب
-
ولا يعتق على مال
-
ولا يهب بعوض
-
ولا بغير عوض
-
إلا أن يهدي اليسير من الطعام أو يضيف من يطعمه
-
وديونه متعلقة برقبته: يباع للغرماء إلا أن يفديه المولى ويقسم ثمنه بينهم بالحصص
-
فإن فضل من ديونه شيء طولب به بعد الحرية
-
وإن حجر عليه لم يصر محجورا عليه حتى يظهر الحجر بين أهل سوقه
-
فإن مات المولى أو جن أو لحق بدار الحرب مرتدا صار المأذون محجورا عليه
-
وإن أبق العبد صار محجورا عليه
-
وإذا حجر عليه فإقراره جائز فيما في يده من المال عند أبي حنيفة
-
وإن لزمته ديون تحيط بماله ورقبته لم يملك المولى ما في يده
-
فإن أعتق عبيده لم يعتقوا عند أبي حنيفة
-
وقال أبو يوسف ومحمد: يملك ما في يده
-
وإذا باع من المولى شيئا بمثل قيمته جاز
-
فإن باعه بنقصان لم يجز
-
فإن باعه المولى شيئا بمثل القيمة جاز البيع
-
فإن سلمه إليه قبل قبض الثمن بطل الثمن
-
وإن أمسكه في يده حتى يستوفي الثمن جاز
-
وإن أعتق المولى المأذون وعليه ديون فعتقه جائز
-
والمولى ضامن لقيمته للغرماء
-
وما بقي من الديون يطالب به المعتق
-
وإذا ولدت المأذونة من مولاها فذلك حجر عليها
-
وإن أذن ولي الصبي في التجارة فهو في الشراء والبيع كالعبد المأذون إذا كان يعقل البيع والشراء
كتاب آخر
باب في بيان أحكام إحاطة الدين بمال المدين والتفليس ١
-
لِلْغَرِيمِ مَنْعُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ مِنْ تبرعه
-
ومن سفره إن حل بغيبته
-
وإعطاء غيره قبل أجله
-
أو كل ما بيده:
-
كإقراره لمتهم عليه على المختار والأصح
-
لا بعضه
-
ورهنه
-
وفي كتابته: قولان
-
وله التزوج
-
وفي تزوجه أربعا وتطوعه بالجج: تردد
-
وَفُلِّسَ حَضَرَ أَوْ غَابَ إنْ لَمْ يُعْلَمْ ملاؤه
-
بطلبه وإن أتى غَيْرُهُ دَيْنًا حَلَّ
-
زَادَ عَلَى مَالِهِ
-
أَوْ بقي مالا يفي بالمؤجل
-
فَمُنِعَ مِنْ تَصَرُّفٍ مَالِيٍّ
-
لَا فِي ذِمَّتِهِ:
-
كَخُلْعِهِ
-
وَطَلَاقِهِ
-
وَقِصَاصِهِ
-
وَعَفْوِهِ
-
وَعِتْقِ أُمِّ وَلَدِهِ
-
وتبعها مالها إن قل
-
وحل به وبالموت ما أجل
-
ولو دين كراء
-
أو قدم الغائب مليا
-
وَإِنْ نَكَلَ الْمُفَلَّسُ حَلَفَ كُلٌّ: كَهُوَ وَأَخَذَ حصته
-
ولو نكل غيره على الأصح
-
وقبل إقراره بالمجلس أو قربه: إن ثبت دينه بإقرار
-
لا ببينة
-
وهو في ذمته
-
وقبل تعيينه القراض والوديعة إن قامت بينة بأصله
-
والمختار قبول قول الصانع بلا بينة
-
وحجر أيضا إن تجدد مال
-
وانفك ولو بلا حكم
-
وَلَوْ مَكَّنَهُمْ الْغَرِيمُ فَبَاعُوا وَاقْتَسَمُوا ثُمَّ دَايَنَ غيرهم فلا دخول للأولين:
-
كتفليس الحاكم
-
إلا كإرث وصلة وجناية
-
وبيع ماله بحضرته بالخيار ثلاثا
-
وَلَوْ كُتُبًا
-
أَوْ ثَوْبَيْ جُمُعَتِهِ إنْ كَثُرَتْ قيمتهما
-
وفي بيع آلة الصانع: تردد
-
وأوجر رقيقه
-
بخلاف مستولدته
-
ولا يلزم بتكسب
-
وَتَسَلُّفٌ
-
وَاسْتِشْفَاعٌ
-
وَعَفْوٌ لِلدِّيَةِ
-
وَانْتِزَاعُ مَالِ رَقِيقِهِ أو ما وهبه لولده
-
وعجل بيع الحيوان
-
واستؤني بعقاره كالشهرين
-
وقسم بنسبة الديون
-
بلا بينة حصرهم
-
وَاسْتُؤْنِيَ بِهِ إنْ عُرِفَ بِالدَّيْنِ فِي الْمَوْتِ فقط
-
وَقَوَّمَ مُخَالِفَ النَّقْدِ يَوْمَ الْحِصَاصِ
-
وَاشْتَرَى لَهُ منه بما يخصه
-
ومضى إن رخص أو غلا
-
وهل يشترى في شرط جيد أدناه أو وسطه؟ قولان
-
وجاز الثمن
-
إلا لمانع كالاقتضاء
-
وحاصت الزوجة بما أنفقت
-
وبصداقها:
-
كالموت
-
لا بنفقة الولد
-
وَإِنْ ظَهَرَ دَيْنٌ أَوْ اُسْتُحِقَّ مَبِيعٌ وَإِنْ قبل فلسه: رجع بالحصة
-
كوارث أو موصى له على مثله
-
وَإِنْ اشْتَهَرَ مَيِّتٌ بِدَيْنٍ أَوْ عَلِمَ وَارِثُهُ وأقبض: رجع عليه
-
وَأَخَذَ مَلِيءٌ عَنْ مُعْدِمٍ مَا لَمْ يُجَاوِزْ ما قبضه
-
ثم رجع على الغريم
-
وَفِيهَا الْبُدَاءَةُ بِالْغَرِيمِ
-
وَهَلْ خِلَافٌ أَوْ عَلَى التخيير؟ تأويلان:
-
فإن تلف نصيب غائب: عزل له فمنه:
-
كعين وقف لغرمائه
-
لا عرض
-
وهل إلا أن يكون بكدينه؟ تأويلان
-
وَتَرَكَ لَهُ قُوتَهُ وَالنَّفَقَةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ لِظَنِّ يَسْرَتِهِ
-
وكسوتهم كل دستا معتادا
-
وَلَوْ وَرِثَ أَبَاهُ: بِيعَ
-
لَا وُهِبَ لَهُ إن علم واهبه أنه يعتق عليه
-
وَحُبِسَ لِثُبُوتِ عُسْرِهِ إنْ جُهِلَ حَالُهُ وَلَمْ يسأل الصبر له بحميل بوجهه
-
فَغُرْمٌ إنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ
-
وَلَوْ أَثْبَتَ عدمه
-
أو ظهر ملاؤه إن تفالس
-
وإن وعد بقضاء وسأل تأخير كاليوم أعطى حميلا بالمال
-
وإلا سجن
-
كمعلوم الملاء
-
وَأُجِّلَ لِبَيْعِ عَرَضِهِ إنْ أَعْطَى حَمِيلًا بِالْمَالِ
-
وإلا سجن
-
وفي حلفه على عدم الناض تردد
-
وإن علم بالناض لم يؤخر
-
وضرب مرة بعد مرة
-
وَإِنْ شَهِدَ بِعُسْرِهِ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ وَلَا بَاطِنٌ حَلَفَ كَذَلِكَ
-
وَزَادَ وإن وجد ليقضين
-
وأنظر
-
وَحَلَفَ الطَّالِبُ إنْ ادَّعَى عَلَيْهِ عِلْمَ الْعَدَمِ
-
وإن سأل تفتيش داره ففيه تردد
-
ورجحت بينة الملاء إن بينت
-
وأخرج المجهول إن طال سجنه بقدر الدين والشخص
-
وَحَبْسُ النِّسَاءِ عِنْدَ أَمِينَةٍ أَوْ ذَاتِ أَمِينٍ
-
والسيد لمكاتبه
-
والجد
-
والولد لأبيه
-
لا عكسه
-
كَالْيَمِينِ
-
إلَّا الْمُنْقَلِبَةَ
-
وَالْمُتَعَلِّقَ بِهَا حَقٌّ لِغَيْرِهِ
-
ولم يفرق بين كالأخوين والزوجين إن خلا
-
وَلَا يَمْنَعُ مُسَلِّمًا أَوْ خَادِمًا
-
بِخِلَافِ زَوْجَةٍ
-
وأخرج لحد أو ذهاب عقله لعوده
-
وَاسْتُحْسِنَ بِكَفِيلٍ بِوَجْهِهِ لِمَرَضِ أَبَوَيْهِ وَوَلَدِهِ وَأَخِيهِ وقريب جدا ليسلم
-
لَا جُمُعَةٍ
-
وَعِيدٍ
-
وَعَدُوٍّ إلَّا لِخَوْفِ قَتْلِهِ أو أسره
-
وَلِلْغَرِيمِ أَخْذُ عَيْنِ مَالِهِ الْمُحَازِ عَنْهُ فِي الفلس
-
لا الموت
-
ولو مسكوكا
-
وآبقا
-
ولزمه إن لم يجده
-
إن لم يفده غرماؤه
-
ولو بمال لهم
-
وأمكن
-
لا بضع وعصمة وقصاص
-
وَلَمْ يَنْتَقِلْ
-
لَا إنْ طُحِنَتْ الْحِنْطَةُ
-
أَوْ خُلِطَ بِغَيْرِ مِثْلٍ
-
أَوْ سُمِّنَ زُبْدُهُ
-
أَوْ فُصِّلَ ثَوْبُهُ
-
أَوْ ذُبِحَ كَبْشُهُ
-
أَوْ تَتَمَّرَ رطبه
-
كأجير رعي ونحوه
-
وذي حانوت فيما به
-
وَرَادٍّ لِسِلْعَةٍ بِعَيْبٍ - وَإِنْ أُخِذَتْ عَنْ دَيْنٍ -
-
وَهَلْ الْقَرْضُ كَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ مُقْتَرِضُهُ أو كالبيع؟ خلاف
-
وله فك الرهن وحاص بفدائه
-
لا بفداء الجاني
-
ونقض المحاصة إن ردت بعيب وردها
-
والمحاصة بعيب سماوي أَوْ مِنْ مُشْتَرِيهِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ لَمْ يَأْخُذْ أرشه أو أخذه وعاد لهيئته
-
وإلا فبنسبة نقصه
-
ورد بعض ثمن قبض وأخذها
-
وأخذ بعضه وحاص بالفائت:
-
كبيع أم ولدت
-
وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ بَاعَ الْوَلَدَ فَلَا حصة
-
وأخذ الثمرة والغلة
-
إلا صوفا تم أو ثمرة مؤبرة
-
وأخذ المكري دابته وأرضه
-
وَقُدِّمَ فِي زَرْعِهَا فِي الْفَلَسِ
-
ثُمَّ سَاقِيهِ
-
ثم مرتهنه:
-
والصانع أحق ولو بموت بما بيده
-
وإلا فلا إنْ لَمْ يُضِفْ لِصَنْعَتِهِ شَيْئًا
-
إلَّا النَّسْجَ فكالمزيد يشارك بقيمته
-
وَالْمُكْتَرِي بِالْمُعَيَّنَةِ
-
وَبِغَيْرِهَا إنْ قُبِضَتْ وَلَوْ أُدِيرَتْ
-
وَرَبُّهَا بِالْمَحْمُولِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مَا لم يقبضه ربه
-
وَفِي كَوْنِ الْمُشْتَرِي أَحَقَّ بِالسِّلْعَةِ يَفْسَخُ لِفَسَادِ البيع أولا أو في النقد؟ أقوال
-
وهو أحق بثمنه
-
وبالسلعة إن بيعت بسلعة واستحقت
-
وقضي بأخذ المدين الوثيقة أو تقطيعها
-
لا صداق قضي
-
ولربها ردها إن ادعى سقوطها
-
ولراهن بيده رهنه بدفع الدين
-
كوثيقة زعم ربها سقوطها ولم يشهد شاهدها إلا بها.
باب في بيان أسباب الحجر وأحكامه ومتعلقاته
-
المجنون محجور للإفاقة
-
والصبي لبلوغه
-
بثمان عشرة
-
أو الحلم
-
أو الحيض
-
أو الحمل
-
أو الإنبات
-
وهل إلا في حق الله تعالى؟ تردد
-
وصدق إن لم يرب
-
وللولي رد تصرف مميز
-
وله إن رشد
-
ولو حنث بعد بلوغه
-
أو وقع الموقع
-
وَضَمِنَ مَا أَفْسَدَ إنْ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ
-
وصحت وصيته
-
كالسفيه إن لم يخلط
-
إلى حفظ مال ذي الأب بعده
-
وفك وصي ومقدم
-
إلا كدرهم لعيشه
-
لا طلاقه
-
واستلحاق نسب وَنَفْيِهِ
-
وَعِتْقِ مُسْتَوْلَدَتِهِ
-
وَقِصَاصٍ وَنَفْيِهِ
-
وَإِقْرَارٍ بِعُقُوبَةٍ
-
وَتَصَرُّفُهُ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَى الْإِجَازَةِ عِنْدَ مَالِكٍ
-
لَا ابْنُ الْقَاسِمِ
-
وَعَلَيْهِمَا الْعَكْسُ فِي تَصَرُّفِهِ إذَا رَشَدَ بَعْدَهُ
-
وزيد في الأنثى دُخُولٌ زَوْجٍ بِهَا
-
وَشَهَادَةُ الْعُدُولِ عَلَى صَلَاحِ حالها
-
ولو جدد أبوها حجرا على الأرجح
-
وللأب ترشيدها قبل دخولها
-
كَالْوَصِيِّ وَلَوْ لَمْ يَعْرِفْ رُشْدَهَا
-
وَفِي مُقَدَّمِ القاضي: خلاف
-
والولي الأب
-
وله البيع مطلقا وإن لم يذكر سببه
-
ثم وصيه وإن بعد
-
وَهَلْ كَالْأَبِ أَوْ إلَّا الرَّبْعَ فَبِبَيَانِ السَّبَبِ؟ خلاف
-
وليس له هبة للثواب
-
ثُمَّ حَاكِمٌ
-
وَبَاعَ بِثُبُوتِ يُتْمِهِ
-
وَإِهْمَالِهِ
-
وَمِلْكِهِ لِمَا بِيعَ
-
وَأَنَّهُ الْأَوْلَى
-
وَحِيَازَةُ الشُّهُودِ لَهُ
-
وَالتَّسَوُّقُ
-
وَعَدَمُ إلْغَاءِ زَائِدٍ
-
وَالسَّدَادُ فِي الثَّمَنِ
-
وفي تصريحه بأسماء الشهود: قولان
-
لَا حَاضِنٌ: كَجَدٍّ
-
وَعُمِلَ بِإِمْضَاءِ الْيَسِيرِ
-
وَفِي حده: تردد
-
وللولي: ترك التشفع والقصاص فيسقطان
-
ولا يعفو
-
ومضى عتقه بعوض:
-
كأبيه إن أيسر
-
وَإِنَّمَا يَحْكُمُ: فِي الرُّشْدِ وَضِدِّهِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْحَبْسِ المعقب وأمر الغائب, وَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَحَدٍّ وَقِصَاصٍ وَمَالِ يَتِيمٍ: الْقُضَاةُ
-
وَإِنَّمَا يُبَاعُ عَقَارُهُ لِحَاجَةٍ
-
أَوْ غِبْطَةٍ
-
أَوْ لكونه مُوَظَّفًا
-
أَوْ حِصَّةً
-
أَوْ قَلَّتْ غَلَّتُهُ فَيُسْتَبْدَلُ خِلَافُهُ
-
أَوْ بَيْنَ ذِمِّيَّيْنِ
-
أَوْ جِيرَانِ سُوءٍ
-
أَوْ لِإِرَادَةِ شَرِيكِهِ بَيْعًا وَلَا مَالَ لَهُ
-
أَوْ لِخَشْيَةِ انْتِقَالِ الْعِمَارَةِ
-
أَوْ الْخَرَابِ وَلَا مال له أو له والبيع أولى
-
وحجر على الرقيق
-
إلَّا بِإِذْنٍ
-
وَلَوْ فِي نَوْعٍ فَكَوَكِيلٍ مُفَوَّضٍ
-
وله أن يضع ويؤخر ويضيف إن استأنف
-
ويأخذ قراضا ويدفعه
-
وَيَتَصَرَّفُ فِي كَهِبَةٍ
-
وَأُقِيمَ مِنْهَا عَدَمُ مَنْعِهِ مِنْهَا
-
وَلِغَيْرِ مَنْ أَذِنَ لَهُ الْقَبُولُ بِلَا إذْنٍ
-
وَالْحَجْرُ عَلَيْهِ كَالْحُرِّ
-
وَأُخِذَ مِمَّا بِيَدِهِ وَإِنْ مستولدته:
-
كَعَطِيَّتِهِ
-
وَهَلْ إنْ مُنِحَ لِلدَّيْنِ؟ أَوْ مُطْلَقًا؟ تأويلان
-
لا غلته ورقبته
-
وإن لم يكن غريم فكغيره
-
وَلَا يُمَكَّنُ ذِمِّيٌّ مِنْ تَجْرٍ فِي: كَخَمْرٍ إن اتجر لسيده
-
وإلا فقولان
-
وَعَلَى مَرِيضٍ حَكَمَ الطِّبُّ بِكَثْرَةِ الْمَوْتِ بِهِ:
-
كَسِلٍّ
-
وَقُولَنْجِ
-
وَحُمًّى قَوِيَّةٍ
-
وَحَامِلِ سِتَّةٍ
-
وَمَحْبُوسٍ لِقَتْلٍ أَوْ لِقَطْعٍ إنْ خِيفَ الْمَوْتُ
-
وَحَاضِرِ صف القتال
-
لَا كَجَرَبٍ
-
وَمُلْجِجٍ بِبَحْرٍ وَلَوْ حَصَلَ الْهَوْلُ
-
في غير مؤنته وتداويه ومعاوضة مالية
-
وَوُقِفَ تَبَرُّعُهُ
-
إلَّا لِمَالٍ مَأْمُونٍ وَهُوَ الْعَقَارُ
-
فإن مات فمن الثلث
-
وإلا مضى
-
وَعَلَى الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا وَلَوْ عَبْدًا فِي تَبَرُّعٍ زاد على ثلثها
-
وإن بكفالة
-
وفي إقراضها: قولان
-
وهو جائز حتى يرد
-
فمضى - إن لم يعلم حتى تأيمت أو مات أحدهما:
-
كعتق العبد
-
ووفاء الدين
-
وله رد الجميع إن تبرعت بزائد
-
وليس لنا بعد الثلث تبرع إلا أن يبعد.
-
من عليه ديون حالة زائدة على ماله يحجر عليه بسؤال الغرماء
-
ولا حجر بالمؤجل
-
وإذا حجر بحال لم يحل المؤجل في الأظهر
-
ولو كانت الديون بقدر المال فإن كان كسوبا ينفق من كسبه فلا حجر
-
وإن لم يكن كسوبا وكانت نفقته من ماله فكذا في الأصح
-
ولا يحجر بغير طلب
-
فلو طلب بعضهم ودينه قدر يحجر به حجر وإلا فلا
-
ويحجر بطلب المفلس في الأصح
-
فإذا حجر تعلق حق الغرماء بماله
-
وأشهد على حجره ليحذر
-
ولو باع أو وهب أو أعتق ففي قول يوقف تصرفه فإن فضل ذلك عن الدين نفذ وإلا لغا
-
والأظهر بطلانه
-
فلو باع ماله لغرمائه بدينهم بطل في الأصح
-
ولو باع سلما أو اشترى في الذمة فالصحيح صحته ويثبت في ذمته
-
ويصح نكاحه وطلاقه وخلعه واقتصاصة وإسقاطه
-
ولو أقر بعين أو دين وجب قبل الحجر فالأظهر قبوله في حق الغرماء
-
وإن أسند وجوبه إلى ما بعد الحجر بمعاملة أو مطلقا لم يقبل في حقهم
-
وإن قال عن جناية قبل في الأصح
-
وله أن يرد بالعيب ما كان اشتراه إن كانت الغبطة في الرد
-
والأصح تعدي الحجر إلى ما حدث بعده بالاصطياد والوصية والشراء إن صححناه
-
وأنه ليس لبائعه أن يفسخ ويتعلق بعين متاعه إن علم الحال
-
وإن جهل فله ذلك
-
وأنه إذا لم يمكن التعلق بها لا يزاحم الغرماء بالثمن.
فصل
-
يبادر القاضي بعد الحجر ببيع ماله وقسمه بين الغرماء
-
ويقدم ما يخاف فساده ثم الحيوان ثم المنقول ثم العقار
-
وليبع بحضرة المفلس وغرمائه كل شيء في سوقه بثمن مثله حالا من نقد البلد
-
ثم إن كان الدين غير جنس النقد ولم يرض الغريم إلا بجنس حقه اشترى
-
وإن رضي جاز صرف النقد إليه إلا في السلم
-
ولا يسلم مبيعا قبل قبض ثمنه
-
وما قبض قسمه بين الغرماء إلا أن يعسر لقلته فيؤخره ليجتمع
-
ولا يكلفون بينة بأن لا غريم غيرهم
-
فلو قسم فظهر غريم شارك بالحصة
-
وقيل: تنقض القسمة
-
ولو خرج شيء باعه قبل الحجر مستحقا والثمن تالف فكدين ظهر
-
وإن استحق شيء باعه الحاكم قدم المشتري بالثمن
-
وفي قول بحاص الغرماء
-
وينفق على من عليه نفقته حتى يقسم ماله إلا أن يستغني بكسب
-
ويباع مسكنه وخادمه في الأصح وإن احتاج إلى خادم لزمانته ومنصبه
-
ويترك له دست ثوب يليق به وهو قميص وسراويل وعمامة ومكعب ويزاد في الشتاء جبة
-
ويترك له قوت يوم القسمة لمن عليه نفقته
-
وليس عليه بعد القسمة أن يكتسب أو يؤجر نفسه لبقية الدين
-
والأصح وجوب إجارة أم ولده والأرض الموقوفة عليه
-
وإذا ادعى أنه معسر أو قسم ماله بين غرمائه وزعم أنه لا يملك غيره وأنكروا فإن لزمه الدين في معاملة مال كشراء أو قرض فعليه البينة
-
وإلا فيصدق بيمينه في الأصح
-
وتقبل بينة الإعسار في الحال
-
وشرط شاهده خبرة باطنه
-
وليقل هو معسر ولا يمحض النفي كقوله لا يملك شيئا
-
وإذا ثبت إعساره لم يجز حبسه ولا ملازمته بل يمهل حتى يوسر
-
والغريب العاجز عن بينة الإعسار يوكل القاضي به من يبحث عن حاله فإذا غلب على ظنه إعساره شهد به.
فصل
-
من باع ولم يقبض الثمن حتى حجر على المشتري بالفلس فله فسخ البيع واسترداد المبلغ
-
والأصح أن خياره على الفور
-
وأنه لا يحصل الفسخ بالوطء والإعتاق والبيع
-
وله الرجوع في سائر المعاوضات كالبيع
-
وله شروط منها كون الثمن حالا
-
وأن يتعذر حصوله بالإفلاس
-
فلو امتنع من دفع الثمن مع إيساره أو هرب فلا فسخ في الأصح
-
ولو قال الغرماء لا تفسخ ونقدمك بالثمن فله الفسخ
-
وكون المبيع باقيا في ملك المشتري
-
فلو فات أو كاتب العبد فلا رجوع
-
ولا يمنع التزويج
-
ولو تعيب بآفة أخذه ناقصا أو ضارب بالثمن
-
أو بجناية أجنبي أو البائع فله أخذه ويضارب من ثمنه بنسبة نقص القيمة
-
وجناية المشتري كآفة في الأصح
-
فلو تلف أحد العبدين ثم أفلس أخذ الباقي وضارب بحصة التالف
-
فلو كان قبض بعض الثمن رجع في الجديد
-
فإن تساوت قيمتها وقبض نصف الثمن أخذ الباقي لباقي الثمن
-
وفي قول يأخذ نصفه بنصف باقي الثمن ويضارب بنصفه
-
ولو زاد المبيع زيادة متصلة كسمن وصنعة فاز البائع بها
-
والمنفصلة كالثمرة والولد للمشتري ويرجع البائع في الأصل
-
فإن كان الولد صغيرا وبذل البائع قيمته أخذه مع أمه وإلا فيباعان وتصرف إليه حصة الأم
-
وقيل: لا رجوع
-
فإن كانت حاملا عند الرجوع دون البيع أو عكسه فالأصح تعدي الرجوع إلى الولد
-
واستتار الثمر بكمامه وظهوره بالتأبير قريب من استتار الجنين وانفصاله وأولى بتعدي الرجوع
-
ولو غرس الأرض أو بنى فإن اتفق الغرماء والمفلس على تفريغها فعلوا وأخذها
-
وإن امتنعوا لم يجبروا بل له أن يرجع ويتملك الغراس والبناء بقيمته وله أن يقلعه ويغرم أرش نقصه
-
والأظهر أنه ليس له أن يرجع فيها ويبقى الغراس والبناء للمفلس
-
ولو كان المبيع حنطة فخلطها بمثلها أو دونها فله أخذ قدر المبيع من المخلوط
-
أو بأجود فلا رجوع في المخلوط في الأظهر
-
ولو طحنها أو قصر الثوب فإن لم تزد القيمة رجع ولا شيء للمفلس
-
وإن زادت فالأظهر أنه يباع وللمفلس من ثمنه بنسبة ما زاد
-
ولو صبغه بصبغه فإن زادت القيمة قدر قيمة الصبغ رجع والمفلس شريك بالصبغ
-
أو أقل فالنقص على الصبغ
-
أو أكثر فالأصح أن الزيادة للمفلس
-
ولو اشترى منه الصبغ والثوب رجع فيهما إلا أن تزيد قيمتهما على قيمة الثوب فيكون فاقدا للصبغ
-
ولو اشتراهما من اثنين فإن لم تزد قيمته مصبوغا على قيمة الثوب فصاحب الصبغ فاقد
-
وإن زادت بقدر قيمة الصبغ اشتركا
-
وإن زادت على قيمتهما فالأصح أن المفلس شريك لهما بالزيادة.
-
منه حجر المفلس لحق الغرماء
-
والراهن للمرتهن
-
والمريض للورثة
-
والعبد لسيده
-
والمرتد للمسلمين ولها أبواب
-
ومقصود الباب حجر المجنون والصبي والمبذر
-
فبالجنون تنسلب الولايات واعتبار الأقوال ويرتفع بالإفاقة
-
وحجر الصبي يرتفع ببلوغه رشيدا
-
والبلوغ باستكمال خمس عشرة سنة أو خروج المنى
-
ووقت إمكانه استكمال تسع سنين
-
ونبات العانة يقتضي الحكم ببلوغ ولد الكافر لا المسلم في الأصح
-
وتزيد المرأة حيضا وحبلا
-
والرشد صلاح الدين والمال
-
فلا يفعل محرما يبطل العدالة ولا يبذر بأن يضيع المال باحتمال غبن فاحش في المعاملة أو رميه في بحر أو إنفاقه في محرم
-
والأصح أن صرفه في الصدقة ووجوه الخير والمطاعم والملابس التي لا تليق بحاله ليس بتبذير
-
ويختبر رشد الصبي ويختلف بالمراتب
-
فيختبر ولد التاجر بالبيع والشراء والمماكسة فيهما وولد الزارع بالزراعة والنفقة على القوام بها والمحترف بما يتعلق بحرفته والمرأة بما يتعلق بالغزل والقطن وصون الأطعمة عن الهرة ونحوها
-
ويشترط تكرر الاختبار مرتين أو أكثر
-
ووقته قبل البلوغ
-
وقيل: بعده
-
فعلى الأول الأصح أنه لا يصح عقده بل يمتحن في المماكسة فإذا أراد العقد عقد الولي
-
فلو بلغ غير رشيد دام الحجر
-
وإن بلغ رشيدا انفك بنفس البلوغ وأعطى ماله
-
وقيل: يشترط فك القاضي
-
فلو بذر بعد ذلك حجر عليه
-
وقيل: يعود الحجر بلا إعادة
-
ولو فسق لم يحجر عليه في الأصح
-
ومن حجر عليه لسفه طرأ فوليه القاضي
-
وقيل: وليه في الصغر
-
ولو طرأ جنون فوليه وليه في الصغر
-
وقيل: القاضي
-
ولا يصح من المحجور عليه لسفه بيع ولا شراء ولا إعتاق وهبة ونكاح بغير إذن وليه
-
فلو اشترى أو اقترض وقبض وتلف المأخوذ في يده أو أتلفه فلا ضمان في الحال ولو بعد فك الحجر سواء علم حاله من عامله أو جهل
-
ويصح بإذن الولي نكاحه لا التصرف المالي في الأصح
-
ولا يصح إقراره بدين قبل الحجر أو بعده
-
وكذا بإتلاف المال في الأظهر
-
ويصح بالحد والقصاص
-
وطلاقه وخلعه وظهاره ونفيه النسب بلعان
-
وحكمه في العبادة كالرشيد لكن لا يفرق الزكاة بنفسه
-
وإذا أحرم بحج فرض أعطى الولي كفايته لثقة ينفق عليه في طريقه
-
وإن أحرم بتطوع وزادت مؤنة سفره على نفقته المعهودة فللولي منعه
-
والمذهب أنه كمحصر فيتحلل.
-
قلت: ويتحلل بالصوم إن قلنا لدم الإحصار بدل لأنه ممنوع من المال
-
ولو كان له في طريقه كسب قدر زيادة المؤنة لم يجز منعه والله أعلم.
فصل
-
ولي الصبي أبوه ثم جده ثم وصيهما ثم القاضي
-
ولا تلي الأم في الأصح
-
ويتصرف الولي بالمصلحة
-
يبني دوره بالطين والآجر لا اللبن والجص
-
ولا يبيع عقاره إلا لحاجة أو غبطة ظاهرة
-
وله بيع ماله بعرض ونسيئة للمصلحة
-
وإذا باع نسيئة أشهد وارتهن به
-
ويأخذ له بالشفعة أو يترك بحسب المصلحة
-
ويزكي ماله
-
وينفق عليه بالمعروف
-
فإذا ادعى بعد بلوغه على الأب والجد بيعا بلا مصلحة صدقا باليمين
-
وإن ادعاه على الوصي والأمين صدق هو بيمينه.
-
ومن لزمه دين مؤجل، لم يجز مطالبته به؛ لأنه لا يلزمه أداؤه قبل أجله،
-
ولا يجوز الحجر عليه به؛ لأنه لا يستحق المطالبة به، فلم يملك منعه من ماله بسببه،
-
فإن أراد سفراً يحل دينه قبل قدومه منه، فلغريمه منعه، إلا برهن أو ضمين مليء؛ لأنه ليس له تأخير الحق عن محله، وفي السفر تأخيره.
-
وإن لم يكن كذلك، ففيه روايتان:
-
إحداهما: له منعه؛ لأن قدومه عند المحل غير متيقن ولا ظاهر، فملك منعه منه كالأول.
-
والثانية: ليس له منعه؛ لأنه لا يملك المطالبة به في الحال،
-
ولا يعلم أن السفر مانع منها عند الحلول، فأشبه السفر القصير.
-
وإن كان الدين حالاً، والغريم معسراً، لم تجز مطالبته، لقول الله تعالى:
-
{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} ولا يملك حبسه ولا ملازمته؛ لأنه دين لا يملك المطالبة به، فلم يملك به ذلك، كالمؤجل.
-
فإن كان ذا صنعة، ففيه روايتان:
-
إحداهما: يجبر على إجارة نفسه؛ لما «روي أن رجلاً دخل المدينة، وذكر أن وراءه مالاً، فداينه الناس، ولم يكن وراءه مال، فسماه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سرقا، وباعه بخمسة أبعر» ، وروى الدارقطني نحوه وفيه أربعة أبعرة.
-
والحر لا يباع، فعلم أنه باع منافعه، ولأن الإجارة عقد معاوضة، فجاز أن يجبر عليه، كبيع ماله، وإجارة أم ولده.
-
والثانية: لا يجبر؛ لما روى أبو سعيد: «أن رجلاً أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: تصدقوا عليه فتصدقوا عليه، فلم يبلغ وفاء دينه، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك» رواه مسلم.
-
ولأنه نوع تكسب، فلم يجبر عليه كالتجارة.
-
وإن كان موسراً، فلغريمه مطالبته، وعليه قضاؤه؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مطل الغني ظلم» متفق عليه.
-
فإن أبى، فله حبسه، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لي الواجد يحل عقوبته وعرضه» من المسند.
-
فإن لم يقضه، باع الحاكم ماله وقضى دينه، لما روي أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: إن أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته أن يقال: سابق الحاج، فادان معرضاً،
-
فمن كان له عليه مال فليحضر، فإنا بائعو ماله وقاسموه بين غرمائه رواه مالك في الموطأ بنحوه،
-
فإن غيب ماله، حبسه وعزره حتى يظهره.
-
ولا يجوز الحجر عليه مع إمكان الوفاء، لعدم الحاجة إليه.
-
وإن تعذر الوفاء، وخيف من تصرفه في ماله، حجر عليه إذا طلبه الغرماء، لئلا يدخل الضرر عليهم.
-
فإن ادعى الإعسار من لم يعرف له مال، فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدمه.
-
وإن عرف له مال، أو كان الحق لزمه في مقابلة مال، كثمن مبيع، أو قرض، لم يقبل قوله إلا ببينة؛ لأن الأصل بقاء المال، ويحبس حتى يقيم البينة.
-
فإن قال: غريمي يعلم إعساري، فعلى غريمه اليمين أنه لا يعلم ذلك.
-
وإن أقام البينة على تلف المال، فعليه اليمين معها أنه معسر؛ لأنه صار بهذه البينة كمن لم يعرف له مال.
-
وإن شهدت بإعساره، فادعى غريمه أن له مالاً باطناً، لم يلزمه يمين؛ لأنه أقام البينة على ما ادعى، وتسمع البينة على التلف.
-
وإن لم يكن ذا خبرة باطنة؛ لأنه أمر يعرف بالمشاهدة ولا تسمع على الإعسار إلا من أهل الخبرة بحاله؛ لأنه من الأمور الباطنة.
-
فإن كان في يده مال فأقر به لغيره، سئل المقر له،
-
فإن كذبه، بيع في الدين،
-
وإن صدقه، سلم إليه.
-
فإن قال الغريم: أحلفوه أنه صادق لم يستحلف؛ لأنه لو رجع عن الإقرار، لم يقبل منه.
-
وإن طلب يمين المقر له؛ لأنه لو رجع قبل رجوعه.
-
فإن كان ماله لا يفي بدينه، فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه، لزمته إجابتهم؛ لما روى «كعب بن مالك: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حجر على معاذ، وباع ماله» رواه سعيد بن منصور بنحوه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، ولأن فيه دفعاً للضرر عن الغرماء، فلزم ذلك كقضائهم.
-
ويستحب الإشهاد على الحجر، ليعلم الناس حاله،
-
فلا يعاملوه إلا على بصيرة، ويتعلق بالحجر عليه أربعة أحكام:
-
أحدها: منع تصرفه في ماله،
-
فلا يصح بيعه ولا هبته،
-
ولا وقفه، ولا غير ذلك؛ لأنه حجر ثبت بالحاكم، فمنع تصرفه، كالحجر للسفه. وفي العتق روايتان:
-
إحداهما: لا يصح لذلك، ولأن حق الغرماء تعلق بماله، فمنع صحة عتقه، كما لو كان مريضاً.
-
والثانية: يصح؛ لأنه عتق من مالك رشيد صحيح، أشبه عتق الراهن.
-
وإن أقر بدين، أو عين في يده، كالقصار والحائك يقر بثوب، لم يقبل إقراره لذلك،
-
ويلزم في حقه، يتبع به بعد فك الحجر عنه،
-
وإن توجهت عليه يمين فنكل عنها، فهو كإقراره.
-
وإن تصرف في ذمته بشراء، أو اقتراض أو ضمان، أو كفالة، صح؛ لأنه أهل للتصرف، والحجر إنما تعلق بماله دون ذمته.
-
ولا يشارك أصحاب هذه الديون الغرماء؛ لأن من علم منهم بفلسه فقد رضي بذلك،
-
ومن لم يعلم، فهو مفرط. ويبيعونه بعد فك الحجر عنه كالمقر له، وهل للبائع والمقرض الرجوع في أعيان أموالهما إن وجداها؟ على وجهين:
-
أحدهما: لهما ذلك، للخبر، ولأنه باعه في وقت الفسخ، فلم يسقط حقه منه، كما لو تزوجت المرأة معسراً بنفقتها.
-
والثاني: لا فسخ لهما؛ لأنهما دخلا على بصيرة بخراب الذمة، أشبها من اشترى معيباً يعلم عيبه.
-
وإن جنى المفلس جناية توجب مالاً، لزمه وشارك صاحبه الغرماء؛ لأنه حق ثبت بغير رضى مستحقه، فوجب قضاؤه من المال كجناية عبده وإن ثبت عليه حق بسبب قبل الفلس ببينة، شارك صاحبه الغرماء؛ لأنه غريم قديم، فهو كغيره.
-
الحكم الثاني: أنه يتعلق حقوق الغرماء بعين ماله، فليس لبعضهم الاختصاص بشيء منه سوى ما سنذكره.
-
ولو قضى المفلس أو الحاكم بعضهم وحده، لم يصح. لأنهم شركاؤه فلم يجز اختصاصه دونهم.
-
ولو جنى عليه جناية أوجبت مالاً، أو ورث مالا تعلقت حقوقهم به.
-
وإن أوجبت قصاصاً لم يملكوا إجباره على العفو إلى مال؛ لأن فيه ضرراً بتفويت القصاص الواجب لحكمة الإحياء،
-
ولا يجبر على قبول هبة،
-
ولا صدقة، ولا قرض عرض عليه،
-
ولا المرأة على التزوج؛ لأنه فيه ضرراً بلحوق المنة، أو التزوج من غير رغبة.
-
ولو باع بشرط الخيار، لم يجبر على ما فيه الحظ من رد، أو إمضاء؛ لأن الفلس يمنعه إحداث العقود، لا إمضاؤها وليس للغرماء الخيار؛ لأن الخيار لم يشرط لهم.
-
وإن وهب هبة بشرط الثواب، لزم قبوله؛ لأنه عوض عن مال، فلزم قبوله، كثمن المبيع.
-
ولا يملك إسقاط ثمن مبيع ولا أجرة،
-
ولا أخذه رديئاً، ولا قبض المسلم فيه صفته، إلا بإذن الغرماء، لما ذكرناه.
-
وإن ادعى مالاً له به شاهد، حلف وثبت المال، وتعلقت حقوقهم به،
-
وإن نكل لم يكن للغرماء أن يحلفوا؛ لأن دعواهم لهذا المال غير مسموعة،
-
فلا يثبت بأيمانهم، كالأجانب، ولأنهم لو حلفوا لحلفوا على إثبات مال لغيرهم،
-
وكذلك الحكم في غرماء الميت، إذا لم يحلف الوارث، لم يحلفوا لما ذكرنا.
-
والحكم الثالث: أن للحاكم بيع ماله، وقضاء دينه.
-
ويستحب أن يحضره عند البيع؛ لأنه أعرف بثمن ماله، وجيده ورديئه، فيتكلم عليه، وهو أطيب لقلبه، ويحضر الغرماء؛ لأنه أبعد من التهمة، ربما رغب بعضهم بشراء شيء، فزاد في ثمنه، أو وجد عين ماله فأخذها،
-
فإن لم يفعل جاز؛ لأن ذلك موكول إليه، ويقيم منادياً ينادي على المتاع.
-
فإن عين المفلس والغرماء منادياً ثقة، أمضاه الحاكم.
-
وإن لم يكن ثقة رده؛ لأن للحاكم نظراً، فإنه ربما ظهر غريم آخر.
-
وإن اختلفوا في المنادي، قدم الحاكم أوثقهما وأعرفهما،
-
فإن تطوع بالنداء ثقة، لم يستأجر؛ لأن فيه بذل الأجرة من غير حاجة،
-
وإن عدم، بذلك الأجرة من مال المفلس؛ لأن البيع حق عليه، ويقدم على الغرماء بها؛ لأنه لو لم يعط، لم يناد.
-
وكذلك أجرة من يحفظ المتاع والثمن، ويحمله ويباع كل شيء في سوقه؛ لأن أهل السوق أعرف بقيمة المتاع وأرغب، وطلابه فيه أكثر.
-
فإن باعه في غيره بثمن مثله، جاز؛ لأنه ربما أداه اجتهاده إلى ذلك لمصلحة فيه، ويبدأ ببيع ما يسرع إليه الفساد؛ لأن في تأخيره هلاكه،
-
ثم بالحيوان؛ لأنه يحتاج إلى العلف، ويخشى عليه التلف،
-
ثم بالأثاث؛ لأنه يخشى تلفه، وتناله اليد،
-
ثم بالعقار؛ لأنه أبعد تلفاً، وتأخيره أكثر لطالبيه، فيزداد ثمنه.
-
ومن وجد من الغرماء عين ماله، فهو أحق بها.
-
ومن اكترى من المفلس داراً، أو ظهراً بعينه قبل الحجر عليه، فهو أحق به؛ لأنه استحق عينه قبل إفلاسه، فأشبه ما لو اشترى منه عبداً.
-
وإن اكترى منه ظهراً في الذمة، فهو أسوة الغرماء؛ لأن دينه في الذمة أشبه سائر الغرماء،
-
وإن كان في المتاع رهن أو جان، قدم الراهن والمجني عليه بثمنه؛ لأن المرتهن لم يرض بمجرد الذمة،
-
بخلاف سائر الغرماء، وحق المجني عليه يقدم على حق المرتهن، فعلى غيره أولى.
-
وإن فضل منه فضل، رده على التركة،
-
وإن لم يف بحقهما،
-
فلا شيء للمجني عليه؛ لأنه لا حق له في غير الجاني، ويضرب المرتهن مع الغرماء بباقي دينه؛ لأن حقه متعلق بالذمة مع تعلقه بالعين،
-
وإن بيع له متاع، فهلك ثمنه، أو استحق المبيع، رجع المشتري بثمنه. وهل يقدم على الغرماء؟ فيه وجهان:
-
أحدهما: يقدم؛ لأن في تقديمه مصلحة، فإنه لو لم يقدم، تجنب الناس شراء ماله خوفاً من الاستحقاق، فيقل ثمنه، فقدم به، كأجرة المنادي.
-
والثاني: لا يقدم؛ لأنه حق لزمه بغير رضى صاحبه، أشبه أرش جنايته،
-
ثم يقسم ما اجتمع من ماله بين الغرماء على قدر ديونهم.
-
فإن ظهر غريم بعد القسمة، نقضت وشاركهم؛ لأنه غريم، لو كان حاضراً لشاركهم،
-
فإذا ظهر بعد ذلك، قاسمهم كما لو ظهر للميت غريم بعد قسم ماله.
-
وإن أكرى داره عاماً، وقبض أجرتها فقسمت،
-
ثم انهدمت الدار، رجع المكتري على المفلس بأجرة ما بقي وشاركهم فيما اقتسموه؛ لأنه دين وجب بسبب قبل الحجر، فشارك به الغرماء كما لو انهدمت قبل القسمة.
-
الحكم الرابع: أن من وجد عين ماله عنده، فهو أحق به؛ لما روى أبو هريرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من وجد متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس، فهو أحق به» متفق عليه. وله الخيار بين أخذه أو تركه، وله أسوة الغرماء، سواء كانت السلعة مساوية لثمنها، أو أقل أو أكثر؛
-
لأن الإعسار ثبت للفسخ فلا يوجبه كالعيب،
-
ولا يفتقر إلى حاكم؛ للخبر، ولأنه فسخ ثبت بنص السنة، فلم يفتقر إلى حاكم، كفسخ النكاح بالعتق تحت العبد. وفيه وجهان:
-
أحدهما: أن الخيار على التراخي؛ لأنه رجوع لا يسقط إلى عوض، كان على التراخي كالرجوع في الهبة.
-
والثاني: هو على الفور. اختاره القاضي؛ لأن في تأخيره إضراراً بالغرماء، لتأخير حقوقهم، ولأنه خيار يثبت في المبيع، لنقص في العوض، أشبه الرد بالعيب،
-
فإن حكم حاكم بسقوط الخيار، فقال أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ينقض حكمه؛ لأنه يخالف صريح السنة، ويحتمل أن لا ينقض؛ لأنه مختلف فيه.
-
ولو بذل الغرماء لصاحب السلعة ثمنها ليتركها، لم يلزمه قبول؛ للخبر، ولأنه تبرع بدفع الحق من غير من هو عليه، فلم يجبر المستحق على قبوله، كما لو أعسر بنفقة زوجته فبذلها غيره. وسواء ملكها المفلس ببيع أو قرض، لعموم الخبر.
-
ولو أصدق امرأة مالاً، وأفلست قبل دخوله بها،
-
ثم ارتدت أو طلقها، ووجد عين ماله فهو أحق بها.
-
ولو استأجر شيئاً فأفلس قبل مضي شيء من المدة، فللمؤجر الرجوع فيه؛ لأنه وجد عين ماله،
-
وإن كان بعد مضي المدة، فهو غريم بالأجرة،
-
وإن كان بعد مضي شيء منها، فهو غريم؛ لأن المدة كالمبيع، ومضي بعضها، كتلف بعضه. وقال القاضي: له الفسخ.
-
فإن كان للمفلس زرع فعليه تبقيته بأجرة مثله.
-
ولا يملك الرجوع إلا بشروط خمسة:
-
أحدها: أن يجدها سالمة.
-
فإن تلف بعضها، أو باعه المفلس، أو وهبه، أو وقفه، فله أسوة الغرماء؛ لقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من أدرك متاعه بعينه فهو أحق به» والذي تلف بعضه لم توجد عينه.
-
فإن كان المبيع عبدين، أو ثوبين، فتلف أحدهما أو بعضه، ففي السالم منهما روايتان:
-
إحداهما: له الرجوع فيه بقسطه؛ لأنه وجده بعينه.
-
والثانية: لا يرجع؛ لأنه لم يجد المبيع بعينه، أشبه العين الواحدة.
-
وإن كان المبيع شجرة مثمرة، فتلفت ثمرتها، فله أسوة الغرماء؛ لأنهما كالعين الواحدة، إلا أن تكون الثمرة مؤبرة حين البيع، فاشترطها المبتاع، فهما كالعينين؛ لأن الثمرة لا تتبع الأصل، فهي كالولد المنفصل.
-
وإن نقص المبيع صفة، مثل أن هزل، أو نسي صناعة، أو كبر، أو كان ثوباً فخلق، لم يمنع الرجوع؛ لأن فقد الصفة لا يخرجه عن كونه عين المال، فيتخير بين أخذه ناقصاً، أو يكون أسوة الغرماء بكل الثمن.
-
وإن فقئت عينه، فهو كتلف بعضه،
-
وإن شج، أو جرح، أو افتضت البكر، فكذلك في قول أبي بكر؛ لأنه نقص جزء ينقص قيمته، فأشبه ما لو فقئت عينه. وقال القاضي: قياس المذهب أن له الرجوع؛ لأنه فقد صفة، فهو كالهزال،
-
ثم إن كان لا أرش له لكونه حصل بفعل الله تعالى، أو فعل المفلس،
-
فلا شيء للبائع مع الرجوع،
-
وإن كان له أرش، فللبائع إذا رجع أن يضرب مع الغرماء بحصة ما نقص من ثمنه، فينظر ما نقص من قيمته فيرجع بقسطه من الثمن؛ لأنه مضمون على المشتري للبائع بالثمن والأرش للمفلس على الجاني.
-
فإن كان المبيع زيتاً، فخلطه بزيت آخر، أو لت به سويقاً، أو صبغاً فصبغ به ثوباً، أو مسامير فسمر بها باباً، أو حجراً فبنى به، أو لوحاً فجعله في سفينة، أو سقف أو نحو ذلك، لم يكن له الرجوع؛ لأنه لا يقدر على أخذ عين ماله في بعض الصور،
-
ولا يقدر في بعضها إلا بإتلاف مال المفلس،
-
ولا يزال الضرر بالضرر.
-
وإن كانت حنطة، فطحنها أو زرعها، أو دقيقاً فخبزه، أو زيتاً فعمله صابوناً، أو غزلاً فنسجه، أو ثوباً فجعله قميصاً، أو حباً فصار زرعاً، أو بيضاً فصار فرخاً، أو نوى فنبت شجراً، أو نحوه مما يزيل اسمه،
-
فلا رجوع له؛ لأنه لم يجد متاعه بعينه، لتعذر اسمه وصفته.
-
وإن اشترى ثوباً فصبغه أو قصره، أو سويقاً فلته بزيت، فلصاحبهما الرجوع فيهما؛ لأن عين مالهما قائمة مشاهدة، لم يتغير اسمها،
-
ولا صفتها، ويصير المفلس شريكهما بما زاد عن قيمتهما؛ لأن ما حصل من زيادة القيمة بالصبغ وغيره، فهي للمفلس؛ لأنها حصلت بفعله في ملكه.
-
وإن نقص الثوب، لم يمنع الرجوع؛ لأنه نقص صفة، فهو كالهزال.
-
وإن لم يزد بالقصارة، سقط حكمها، لعدم أثرها في الزيادة.
-
وإن اشترى أرضاً فزرعها،
-
ثم أفلس، فللبائع الرجوع فيها، لما ذكرنا، ويكون الزرع مبقى إلى الحصاد بغير أجرة؛ لأن العوض في مقابلة الأرض، لا في مقابلة المنفعة فإذا فسخ، عادت إليه الرقبة دون المنفعة المستثناة شرعاً، كما لو باعه أمة فزوجها ثم رجع فيها دون منفعة بضعها.
-
الشرط الثاني: أن لا يكون البائع قبض من ثمنها شيئاً،
-
فإن قبض بعضه، فلا رجوع له، لما روى أبو هريرة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «أيما رجل باع سلعة، فأدرك سلعته بعينها عند رجل قد أفلس، ولم يكن قبض من ثمنها شيئاً، فهي له، وإن كان قد قبض من ثمنها شيئاً، فهو أسوة الغرماء» رواه أبو داود، ولأن في الرجوع بالباقي تبعيض الصفقة على المفلس، فلم يجز، كما لو لم يقبض شيئاً.
-
الشرط الثالث: أن لا يتعلق بها حق غير المفلس،
-
فإن خرجت عن ملكه ببيع أو غيره، لم يرجع؛ لأنه تعلق بها حق غيره، أشبه ما لو أعتقها.
-
وإن رهنها، سقط الرجوع لذلك،
-
وإن تعلق بها أرش جناية، سقط الرجوع؛ لأنه يقدم على حق المرتهن، فهو أولى بالمنع، ويتوجه أن لا يمنع؛ لأنه لا يمنع تصرف المشتري
-
بخلاف الرهن، فعلى هذا إن شاء رجع فيه ناقصه بعيب الجناية،
-
وإن شاء فله أسوة الغرماء،
-
فإن كان دين الرهن، أو أرش الجناية بقدر بعضه، منع الرجوع في الجميع؛ لأنه معنى منع الرجوع في بعضها، فمنعه في جميعها، كبيع بعضها. وقال القاضي: يرجع في باقيها بقسطه؛ لأنه لا مانع فيه،
-
وإن كان المبيع شقصاً مشفوعاً، ففيه وجهان:
-
أحدهما: للبائع الرجوع، اختاره ابن حامد؛ للخبر، ولأنه إذا رجع فيه، عاد الشقص إليه، فزال الضرر عن المبيع، لعدم شركه غير البائع.
-
والثاني: الشفيع أحق؛ لأن حقه آكد بدليل أنه ينزع الشقص من المشتري، وممن نقله إليه المشتري،
-
بخلاف البائع. وإن باعه المفلس أو وهبه،
-
ثم عاد إليه، ففيه وجهان:
-
أحدهما: له الرجوع للخبر، ولأنه وجد عين ماله خالياً عن حق غيره، أشبه إذا لم يبعه.
-
والثاني: لا يرجع؛ لأن هذا الملك لم ينتقل إليه منه، فلم يملك فسخه.
-
وإن كان المبيع صيداً، فوجده البائع بعد أن أحرم، سقط الرجوع؛ لأنه تملك للصيد، فلم يجز مع الإحرام كشرائه.
-
الشرط الرابع: كون المفلس حياً،
-
فإن مات فالبائع أسوة الغرماء، لما روى أبو هريرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:
-
فإن مات فصاحب المتاع أسوى الغرماء رواه أبو داود. وفي لفظ: «أيما امرئ مات وعنده مال امرئ بعينه، اقتضى من ثمنه شيئاً، أو لم يقتض فهو أسوة الغرماء» رواه ابن ماجه. ولأن الملك انتقل عن المفلس، فسقط الرجوع فيه كما لو باعه.
-
الشرط الخامس: أن لا يزيد زيادة متصلة، كالسمن والكبر، وتعلم صنعة،
-
فإن وجد ذلك، منع الرجوع، ذكره الخرقي؛ لأنه فسخ بسبب حادث، فمنعته الزيادة المتصلة، كالرجوع في الصداق للطلاق قبل الدخول. وعن أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: له الرجوع للخبر، ولأنه فسخ فلم تمنعه الزيادة، كالرد بالعيب.
-
فأما الزيادة المنفصلة، كالولد والثمرة الظاهرة والكسب،
-
فلا يمنع الرجوع؛ لأنه يمكن الرجوع في العين دونها، والزيادة للمفلس في ظاهر المذهب؛ لأنها نماء ملكه المنفصل، فكانت له، كما لو ردها بعيب، ورجعت إلى الزوج بالطلاق، ولأن قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الخراج بالضمان» رواه أبو داود.
-
يدل على أن النماء للمشتري، لكون الضمان عليه. وقال أبو بكر: هي للبائع قياساً على المتصلة، والفرق ظاهر؛ لأن المتصلة تتبع في الفسوخ دون المنفصلة.
-
فإن باعها حائلاً فحملت، فالحمل زيادة متصلة؛ لأنه يتبع أمه في العقود والفسوخ،
-
ولا يمكن الرجوع فيها دونه، فهو كالسمن، ويحتمل أن يرجع فيها دون ولدها، يتربص به حتى تضع؛ لأنه جزء لانفصاله غاية، فأشبه الثمرة.
-
وإن أفلس بعد وضعها، فهو زيادة منفصلة، له الرجوع في الأم دون الولد، إلا أن تكون أمة،
-
فلا يجوز التفريق بينهما، ويخير بين دفع قيمة الولد ليملكهما، وبين بيعهما معاً، فيكون له من الثمن ما يخص الأم.
-
وإن باعها حاملاً، فلم تزد قيمتها، فله الرجوع،
-
وإن زادت القيمة لكبر الحمل أو وضعه، فهي زيادة متصلة.
-
وإن زاد أحدهما خرج على الروايتين فيما إذا كان المبيع عينين، فتلفت إحداهما. وقال القاضي: له الرجوع فيهما على كل حال.
-
ومن جعل الحمل لا حكم له، جعل حكمها حكم المبيعة حائلاً سواء.
-
فإن باع نخلاً حائلاً فأطلعت،
-
ثم أفلس المشتري قبل تأبيرها، فالطلع زيادة متصلة؛ لأنها تتبع في البيع. وقال ابن حامد: حكمها حكم المنفصل؛ لأنه يمكن فصله، وإفراده بالبيع
-
بخلاف السمن، وإن أفلس بعد تأبيرها، فهي زيادة منفصلة، تكون للمفلس متروكة إلى الجذاذ، كما لو اشترى النخل،
-
وكذلك الحكم في سائر الشجر، وفي الأرض ينبت فيها الزرع،
-
فإن اتفق المفلس والغرماء على تبقيته أو قطعه، فلهم ذلك،
-
وإن اختلفوا، وله قيمته مقطوعاً، قدم قول من طلب القطع؛ لأنه أقل عذراً، ولأن الطالب للقطع، إما غريم يطلب حقه، أو مفلس يطلب تبرئة ذمته،
-
فإن أقر المفلس للبائع بالطلع، لم يقبل إقراره؛ لأنه يسقط به حق الغرماء، فلم يقبل كإقراره بغريم آخر، وعلى الغرماء اليمين؛ لأنهم لا يعلمون برجوع البائع قبل التأبير؛ لأن اليمين تثبت في جنبهم ابتداء.
-
وإن أقر الغرماء، لم يقبل؛ لأن الملك للمفلس، ويحلف المفلس، ويثبت الطلع له، ينفرد به دونهم، لإقرارهم أنه لا حق لهم فيه، وله تخصيص بعضهم به، وقسمته بينهم،
-
فمن أباه قيل له: إما أن تأخذه أو تبرئه؛ لأنه للمفلس حكماً، فقد قضاهم ما ثبت له، فلزمهم، قبوله، كما لو أدى المكاتب نجومه، فادعى سيده تحريمه.
-
فإن قبضوا الثمرة بعينها، لزمهم ردها إلى البائع لإقرارهم له بها،
-
وإن قبضوا ثمنها، لم يلزمهم رده؛ لأنهم إنما اعترفوا له بالعين له بالثمن.
-
وإن شهد الغرماء للبائع بالطلع، وهم عدول، قبلت شهادتهم لأنهم غير متهمين.
-
وإن اشترى أرضاً فغرسها، أو بنى فيها،
-
ثم أفلس، فللبائع الرجوع في الأرض،
-
ثم إن طلب المفلس والغرماء، قلع الغراس والبناء، فلهم ذلك، وعليهم ضمان ما نقصها القلع وتسوية الحفر؛ لأنه نقص حصل بفعلهم، لتخليص ملكهم، فأشبه المشتري مع الشفيع.
-
وإن أبوا القلع، فللبائع دفع قيمته ويملكه؛ لأنه حصل لغيره في ملكه بحق، فملك ذلك، كالشفيع،
-
فإن أبى ذلك سقط الرجوع؛ لأن فيه ضرراً على المشتري، ولأن عين ماله مشغولة بملك غيره، أشبه الحجر المبني عليه، هذا قول ابن حامد.
-
وقال القاضي: يحتمل أن له الرجوع؛ لأن شغل ملكه بملك غيره لا يمنع الرجوع إذا كان أصلاً، كالثوب إذا صبغ،
-
فإذا رجع، فاتفق الجميع على البيع، بيع، وأعطي كل واحد حقه،
-
وإن أبى بعضهم احتمل أن يجبر عليه؛ لأنه معنى ينفصل به أحدهما عن صاحبه، أشبه بيع الثوب المصبوغ، واحتمل أن لا يجبر صاحب الأرض، ويباع الشجر وحده؛ لأنه ممكن بخلاف الصبغ.
-
وإن اشترى غراساً فغرسه،
-
ثم أفلس فلم يزد، فللبائع الرجوع فيه، ويقلعه، ويضمن النقص،
-
فإن أتى قلعه فبذل المفلس والغرماء قيمته ليملكوه، فلهم ذلك كالتي قبلها،
-
وإن أرادوا قلعه، فلهم ذلك،
-
ولا ضمان عليهم؛ لأن المفلس اشتراه مقلوعاً، فلم يلزمهم مع رده لذلك شيء آخر،
-
ولا إبقاءه في أرضهم بغير استحقاق.
-
وإن زاد سقط الرجوع في قول الخرقي، وعلى رواية الميموني يحتمل ذلك أيضاً؛ لأن النماء فيه قد حصل من أرض المفلس، فلم يملك البائع أخذه، ويحتمل أن له الرجوع، كما لو سمن العبد من طعامه.
-
وإن اشترى من رجل أرضاً،
-
ومن آخر غرساً، فغرسه فيها، فلصاحب الأرض الرجوع، وفي صاحب الغرس التفصيل الذي ذكرناه،
-
فإن رجعا معاً، فالحكم فيهما، كما لو كان الغرس في أرض المفلس.
-
وإن أفلس، وعليه دين مؤجل لم يحل؛ لأنه التأجيل حق له، فلم يبطل بفلسه، كسائر حقوقه، قال القاضي: لا يحل رواية واحدة. وقال أبو الخطاب: فيه رواية أخرى أنه يحل؛ لأن الفلس معنى يوجب تعلق الدين بماله، فأسقط الأجل كالموت،
-
فإن قلنا: لا يحل اختص أصحاب الديون الحالة بماله دونه؛ لأنه لا يستحق استيفاء حقه قبل أجله،
-
وإن حل دينه قبل القسمة، شاركهم لمساواته إياهم في استيفائه، فأشبه من تجدد له دين بجناية المفلس عليه،
-
وإن أدرك بعض المال، شاركهم فيه لذلك،
-
فإن كان المؤجل برهن خص به؛ لأن حقه تعلق بعينه،
-
فإن وجد عين ماله، فقال أحمد: يكون موقوفاً إلى أن يحل فيختار الفسخ أو الترك؛ لأن حقه تعلق بالعين، فقدم على غيره كالمرتهن،
-
فإن كان ماله سلماً، فأدرك عين ماله، رجع فيها،
-
وإن لم يدركها، وحل دينه قبل القسمة، ضرب بالمسلم فيه، وأخذ بقسطه من جنس حقه إن كان في المال وإلا اشترى به من جنس حقه، ودفع إليه،
-
ولا يجوز أن يأخذ غير ما أسلم فيه؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» رواه ابن ماجه وأبو داود.
-
فإن مات إنسان، وعليه دين مؤجل، ففيه روايتان:
-
إحداهما: لا يحل، اختارها الخرقي، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من ترك حقاً فلورثته» والتأجيل حق له. فينتقل إلى ورثته؛ لأنه لا يحل به ماله،
-
فلا يحل ما عليه كالجنون.
-
والثاني: يحل؛ لأن بقاءه ضرر على الميت لبقاء ذمته مرتهنة به، وعلى الوارث لمنعه التصرف في التركة، وعلى الغريم تأخير حقه، وربما تلفت التركة، وعلى كلتا الروايتين يتعلق الحق بالتركة، كتعلق الأرش بالجاني، ويمنع الوارث التصرف فيها إلا برضى الغريم، أو توثيق الحق بضمين مليء، أو رهن يفيء بالحق إن كان مؤجلاً، فإنهم قد يكونون أملياء، فيؤدي تصرفهم إلى فوات الحق،
-
فإن تصرفوا قبل ذلك، صح تصرفهم كتصرف السيد في الجاني، ويلزمهم أقل الأمرين من قضاء الدين، أو قيمة التركة؛ لأنه لا يلزمهم أكثر من وفاء الدين،
-
ولا أكثر من التركة، ولهذا لو كانت باقية، لم يلزمهم أكثر من تسليمها.
-
وإن تلفت التركة قبل التصرف فيها والتوثيق منها، سقط الحق كما لو تلف الجاني.
-
وإن قضى الورثة الدين من غير التركة أو منها، جاز.
-
وإن أبى الجميع، باع الحاكم من التركة ما يقضي به الدين.
-
وإن مات المفلس وعليه دين مؤجل، فوثق الورثة للمؤجل، اختص أصحاب الحالة بالتركة،
-
وإن أبوا ذلك، حل دينه فشاركهم، لئلا يفضي إلى إسقاط دينه بالكية.
-
وإذا حجر على المفلس، وهو ذو كسب يفيء بمؤنته ومؤنة من تلزمه مؤنته، فلذلك في كسبه؛ لأن ماله لا يخرج فيما لا حاجة إلى إخراجه فيه.
-
وإن لم يف كسبه بمؤنته، كملناها من ماله.
-
وإن لم يكن ذا كسب، أنفق عليه وعلى من تلزمه مؤنته من ماله بالمعروف في مدة الحجر؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» وفيمن يعوله من تكون نفقته ديناً، كالزوجة.
-
وإذا قدم نفقة نفسه على نفقة الزوجة، وجب تقديمها على سائر الديون، ولأن تجهيز الميت يقدم على دينه اتفاقاً، فنفقة الحي أولى؛ لأن حرمته آكد من حرمة الميت. ويقدم نفقة من تلزمه مؤنته من أقاربه؛ لأنهم جروا مجراه،
-
وكذلك عتقوا عليه إذا ملكهم.
-
وكذلك نفقة زوجته؛ لأنها آكد من نفقة أقاربه، وتجب كسوتهم أيضاً؛ لأن ذلك مما لا بد منه، ويكون ذلك من أدنى ما ينفق على مثلهم، أو يكتسي مثلهم،
-
فإن كانت له ثياب هي أرفع من كسوة مثله، بيعت واشتري لهم كسوة مثلهم، ورد الفضل على الغرماء.
-
وإن مات منهم ميت، كفن من ماله؛ لأنه يجري مجرى كسوة الحي، ويكفن في ثلاثة أثواب كغيره، ويحتمل أن يكفن في ثوب واحد؛ لأن الزائد فضل يستغنى عنه.
-
ولا تباع داره التي لا غناء له عن سكناها؛ لأنه لا بد منه أشبه الكسوة،
-
فإن كانت واسعة، يكفيه بعضها بيع الفاضل منها إن أمكن وإلا بيعت كلها، واشتري له مسكن مثله،
-
وإن لم يكن له مسكن، استؤجر له مسكن؛ لأن ذلك مما لا بد منه. ورد الفضل على الغرماء ولا يباع خادمه الذي لا يستغني عن خدمته.
-
وإن كان مسكنه وخادمه وثيابه أعيان أموال الناس، أفلس بها ووجدوها، فلهم أخذها؛ للخبر، ولأن حقوقهم تعلقت بالعين، فكانت أقوى من غيرها. ويحتمل أن من لم يكن له مسكن،
-
ولا خادم، فاستدان ما اشتراهما به، وأفلس بذلك الدين أن يباع مسكنه وخادمه؛ لأنهما بأموال الغرماء، فتبقيتهما له إضرار بهم، وفتح باب الحيلة للمفاليس في استدانة ما يشترون به ذلك فيبقى لهم.
-
وإذا قسم ماله بين غرمائه، ففيه وجهان:
-
أحدهما: يزول الحجر عنه؛ لأن المعنى الذي حجر عليه من أجله حفظ المال، وقد زال ذلك، فيزول الحجر، لزوال سببه.
-
والثاني: لا يزول إلا بفك الحاكم له؛ لأنه حجر ثبت بالحاكم فلا يزول إلا به، كالحجر على السفيه.
-
وإذا فك الحجر عنه فلزمته ديون ثم حجر عليه ثانياً، شارك غرماء الحجر الأول غرماء الحجر الثاني، إلا أن الأولين يضربون ببقية ديونهم، والآخرون يضربون بجميع ديونهم.
-
يحجر على الإنسان لحق نفسه لثلاثة أمور: صغر، وجنون، وسفه؛ لقول الله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} .
-
فدل على أن لا تسلم إليهم قبل الرشد، وقوله:
-
{وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} . ولأن إطلاقهم في التصرف يفضي إلى ضياع أموالهم، وفيه ضرر عليهم. ويتولى الأب مال الصبي والمجنون؛ لأنها ولاية على الصغير، فقدم فيها الأب، كولاية النكاح.
-
ثم وصيه بعده؛ لأنه نائبه. فأشبه وكيله في الحياة،
-
ثم الحاكم؛ لأن الولاية من جهة القرابة قد سقطت، فثبت للسلطان، كولاية النكاح.
-
ولا تثبت لغيرهم؛ لأن المال محل الخيانة،
-
ومن سواهم قاصر الشفقة، غير مأمون على المال، فلم يله كالأجنبي.
-
ومن شرط ثبوت الولاية العدالة بلا خلاف؛ لأن في تفويضها إلى الفاسق تضييعاً لماله، فلم يجز، كتفويضها إلى سفيه.
-
وليس لوليه التصرف في ماله بما لا حظ له فيه، كالعتق والهبة والتبرعات والمحاباة، لقول الله تعالى:
-
{وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا ضرر ولا ضرار» من المسند. وفي هذه إضرار،
-
فلا يملكه ولا يأكل من ماله إن كان غنياً؛ لقوله سبحانه:
-
ومن كان فقيراً جاز لقول الله تعالى:
-
{وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} وليس له إلا أقل الأمرين من أجرته، أو قدر كفايته؛ لأنه لا يستحقه بالعمل والحاجة معاً، فلم يملك إلا ما وجدا فيه.
-
ثم إن كان أباً،
-
فلا شيء عليه؛ لأن له أن يأخذ من مال ولده،
-
وإن كان غيره ففيه روايتان:
-
إحداهما: يضمن عوض ما أكله إذا أيسر؛ لأنه استباحة للحاجة، فلزمه عوضه كالمضطر.
-
والثانية: لا شيء عليه؛ لأن الله تعالى أمر بالأكل ولم يذكر عوضاً، ولأنه أجيز له الأكل بحق الولاية، فلم يضمنه، كرزق الإمام من بيت المال.
-
وإذا كان خلط مال اليتيم بماله أرفق له، مثل أن يكون ألين في الخبز، وأمكن في الأدم، خلطه.
-
وإن كان إفراده خيراً له أفرده؛ لقول الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} .
-
وله أن يتجر بماله؛ لما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من ولي يتيماً فليتجر بماله، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة» رواه الترمذي. ولأنه أحظ لليتيم؛ لتكون نفقته من ربحه، كما يفعل البالغ في ماله،
-
ولا يتجر إلا في المواضع الآمنة. لئلا يغرر بماله، والربح كله لليتيم؛ لأن المضارب إنما يستحق بعقد، وليس له أن يعقد مع نفسه لنفسه.
-
فإن أعطاه لمن يضارب له به، جاز؛ لأن العلاء بن عبد الرحمن روى عن أبيه عن جده: أن عمر بن الخطاب أعطاه مال يتيم مضاربة. ولأن ذلك يفعله الإنسان في مال نفسه طلباً للحظ، وللمضارب من الربح ما وافقه الولي عليه؛
-
لأن الولي نائبه فيما فيه مصلحته، وهذا من مصلحته، فجاز كفعله له في ماله.
-
ويجوز أن يشتري له العقار؛ لأن الحظ فيه يحصل منه الفضل ويبقى الأصل، فهو أحظ من التجارة، وأقل غرراً، وله أن يبنيه؛ لأنه في معنى الشراء، قال أصحابنا: ويبنيه بالآجر والطين، ليسلم الآجر عند انهدامه.
-
والصحيح أنه يبنيه بما جرت عادة أهل بلده؛ لأنه أحظ وأقل ضرراً.
-
ولا يجوز تحمل ضرر عاجل، لتوهم نفع عند الهدم فالظاهر أنه لا ينهدم إلا بعد زوال ملكه عنه.
-
ولا يجوز بيع عقاره لغير حاجة، لما فيه من تفويت الحظ الحاصل به،
-
ويجوز للحاجة. قال أصحابنا: لا يجوز إلا لحاجة إلى نفقة، أو قضاء دين، أو غبطة لزيادة كثيرة في ثمنه، كالثلث فما فوقه، والمنصوص: أن للوصي بيعه إذا كان نظراً لهم من غير تقييد بهذين. وقد يكون الحظ في بيعه لغير هذا، لكونه في مكان لا غلة له، أو له غلة يسيرة، فيبيعه ويشتري بثمنه ما يكثر عليه، أو يكون له عقاران، يعمر أحدهما بثمن الآخر،
-
فلا وجه لتقييده بهذين.
-
ولا يجوز أن يودع ماله إلا لحاجة،
-
ولا يقرضه إلا لحظه، مثل أن يخاف هلاكه، أو نقصانه ببقائه، فيقرضه ليستوفيه كاملاً، لا يقرضه إلا لمليء يأمن جحده، أو مطله. ويأخذ بالعوض رهنا استيثاقاً له،
-
وإن لم يأخذ، جاز في ظاهر كلامه،
-
وإن أراد الولي السفر لم يكن له المسافرة بماله؛ لأنه يخاطر به، لكنه يقرضه، أو يودعه أميناً، والقرض أولى؛ لأنه مضمون بخلاف الوديعة.
-
وله كتابة رقيقه وعتقه على مال، للحظ فيه، مثل أن يكاتبه، أو يعتقه بمثلي قيمته؛ لأنها معاوضة فتجوز للحظ فيها كالبيع،
-
ولا يجوز ذلك بمثل قيمته؛ لأنه لا حظ فيه. قال أبو بكر: يتوجه جواز العتق بغير عوض للحظ، مثل أن يكون له جارية وابنتها تساويان مائة؛ لأجل اجتماعهما، وتساوي إحداهما مفردة مائتين، فتساوي قيمة الباقية مثلي قيمتها مجتمعتين.
-
وينفق عليه نفقة مثله بالمعروف من غير إسراف ولا إقتار؛ لقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} . ويقعده في المكتب بغير إذن الحاكم، ويؤدي أجرته؛ لأن من مصالحه العامة فجرى مجرى نفقته. ويشتري له الأضحية إن كان موسراً؛
-
لأن فيه توسعة للنفقة عليه في يوم جرت فيه العادة بها، وتطييباً لقلبه، فجرى مجرى رفيع الثياب لمن عادته ذلك.
-
وللأب بيع ماله بماله؛ لأنه غير متهم عليه، لكمال شفقته، وليس ذلك للوصي ولا للحاكم؛ لأنهما متهمان في طلب الحظ لأنفسهما، فلم يجز ذلك لهما.
-
وإذا زال الحجر عنه فادعى وليه الإنفاق عليه، أو تلف ماله، فالقول قوله؛ لأنه أمين عليه، فقبل قوله، كالمودع.
-
وإن ادعى أنه لا حظ له في بيع عقار لم يقبل إلا ببينة.
-
وإن قال الولي: أنفقت عليك عامين، فقال: ما مات أبي إلا منذ عام، فالقول قول الغلام؛ لأن الأصل حياة أبيه، وقد اختلفا فيما ليس الوصي أميناً فيه، فكان القول قول مدعي الأصل.
-
وإن بلغ الصبي، وعقل المجنون، ورشد، انفك الحجر عنهما من غير حاكم،
-
ولا يفك قبل ذلك، لقول الله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} . وقسنا عليهم المجنون؛ لأنه في معناهم. والبلوغ للغلام بأحد ثلاثة أشياء:
-
أحدها: إنزال المني، لقول الله تعالى:
-
{وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا} . وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم» . رواه أبو داود.
-
والثاني: كمال خمسة عشر سنة؛ لما روى «ابن عمر قال: عرضت على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني في القتال، وعرضت عليه وأنا ابن خمسة عشر فأجازني» متفق عليه.
-
والثالث: إنبات الشعر الخشن حول القبل؛ لما روى «عطية القرظي. قال: عرضت على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم قريظة، فشكوا في فأمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن ينظر إلي هل أنبت؟ فنظروا فلم يجدوني أنبت، فخلوا عني وألحقوني بالذرية.»
-
رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال: حسن صحيح. ولأنه خارج يلازمه البلوغ غالبا يستوي فيه الذكر والأنثى، فكان بلوغاً كالاحتلام، وبلوغ الجارية بهذه الثلاث. وتزيد بشيئين: الحيض؛ لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار.»
-
رواه الترمذي. وقال: حديث حسن، ولأنه خارج يلازم البلوغ غالباً، أشبه المني. والثاني: الحمل؛ لأنه لا يكون إلا من المني.
-
فإذا ولدت المرأة، حكمنا ببلوغها حين حكمنا بحملها.
-
فإن كان خنثى مشكل، فحيضه علم على بلوغه، وكونه امرأة، وخروج المني من ذكره، علم على بلوغه، وكونه رجلاً؛ لأن الحيض من الرجل ومني الرجل من المرأة مستحيل، أو نادر. وقال القاضي: ليس ذلك بدليل، لجواز أن يكون من خلقة زائدة، لكن إن اجتمعا، فقد بلغ؛
-
لأنه إن كان رجلاً فقد أمنى،
-
وإن كانت امرأة فقد حاضت.
-
ويستوي الذكر والأنثى في أنه ينفك عنه الحجر برشده وبلوغه، للآية؛ ولأن المرأة أحد نوعي الآدميين، فأشبهت الرجل.
-
وعنه: لا يدفع إليها مالها حتى تلد، أو تتزوج ويمضي عليها حول في بيت الزوج؛ لأن ذلك يروى عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -،
-
فإن لم تتزوج، فقال القاضي: عندي أن يدفع إليها مالها إذا عنست، وبرزت للرجال.
-
والرشد: الصلاح في المال؛ لأن ابن عباس قال في قَوْله تَعَالَى:
-
{فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا} قال: إصلاحاً في أموالهم، ولأن الحجر عليه، لحفظ ماله، فيزول بصلاحه، كالعدل. ولأن الفسق معنى، لو طرأ بعد الرشد، لم يوجب الحجر، فلم يمنع من الرشد، كالمرض.
-
فإن كان فسقه يؤثر في تلف ماله، كشراء الخمر ودفعها في الغناء والقمار، فليس برشيد؛ لأنه مفسد لماله.
-
وإنما يعرف رشده باختباره؛ لقول الله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} . يعني: اختبروهم. واختبارهم: تفويض التصرفات التي يتصرف فيها أمثالهم إليهم، من تجارة أو نيابة. ويفوض إلى المرأة ما يفوض إلى ربة البيت، من استئجار الغزالات، وتوكيلها في شراء الكتان، والاستيفاء عليهن.
-
ووقت الاختيار قبل البلوغ في ظاهر المذهب؛ لقوله سبحانه: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} . ولأن تأخيره يؤدي إلى الحجر على البالغ الرشيد حتى يختبره،
-
ولا يختبر إلا المراهق المميز الذي يعرف البيع والشراء،
-
فإذا تصرف بإذن وليه، صح تصرفه؛ لأنه متصرف بأمر الله تعالى، فصح تصرفه كالرشيد. وفيه رواية أخرى لا يختبر إلا بعد البلوغ؛ لأنه قبله ليس بأهل للتصرف؛ لأنه لم يوجد البلوغ الذي هو مظنة العقل، فكان عقله بمنزلة المعدوم. وفي تصرف الصبي المميزة بإذن وليه روايتان.
-
بناء على هذا. فأما غير المأذون،
-
فلا يصح تصرفه إلا في الشيء اليسير؛ لأن أبا الدرداء اشترى من صبي عصفوراً فأرسله.
-
ومن لم يؤنس منه رشد، لم يدفع إليه ماله، ولم ينفك الحجر عنه،
-
وإن صار شيخاً، للآية. ولأنه غير مصلح لماله، فلم يدفع إليه، كالمجنون.
-
وإن فك الحجر عنه فعاود السفه، أعيد عله الحجر؛ لما روى عروة بن الزبير: أن عبد الله بن جعفر ابتاع بيعاً، فأتى الزبير فقال: إني قد ابتعت بيعاً،
-
وإن علياً يريد أن يأتي أمير المؤمنين عثمان فيسأله الحجر علي، فقال الزبير: أنا شريكك في البيع، فأتى علي عثمان فقال: إن ابن جعفر قد ابتاع بيع كذا فاحجر عليه، فقال الزبير: أنا شريكه، فقال عثمان: كيف أحجر على رجل شريكه الزبير؟
-
وهذه قصة يشتهر مثلها، ولم تنكر فتكون إجماعاً. ولأن السفه يقتضي الحجر لو قارن، فيقتضيه إذا طرأ، كالجنون.
-
ولا يحجر عليه إلا الإمام، أو نائبه؛ لأن علياً سأل عثمان الحجر على ابن جعفر، ولم يفعله بنفسه. ولأن معرفة التبذير تحتاج إلى نظر؛ لأن الغبن قد يكون تبذيراً، وقد يكون غير تبذير، فيحتاج إلى نائب الإمام، كالحجر للفلس، ولأنه مختلف فيه، أشبه الحجر للفلس،
-
ولا يلي عليه إلا الإمام، أو نائبه؛ لأنه حجر ثبت به، فكان هو الولي، كحجر المفلس.
-
ويستحب الإشهاد عليه والجهار بالحجر، لتجتنب معاملته.
-
فمن عامله ببيع، أو قرض، لم يصح، ولم يثبت به الملك.
-
فإن وجد المعامل له مالاً، أخذه.
-
وإن أتلفه السفيه، فهو من ضمان مالكه، علم أو لم يعلم؛ لأنه سلطه عليه برضاه.
-
وإن غصب مالاً أو أتلفه، ضمنه؛ لأن صاحبه لم يرض ذلك، ولأن الحجر على الصبي والمجنون لا يسقط عنهما ضمان المتلف، فهذا أولى.
-
وإن أودع مالاً فتلف، لم يضمنه، سواء فرط في الحفظ أو لم يفرط؛ لأنه تلف بتفريط صاحبه بتسليمه إليه.
-
وإن أتلفه، ففيه وجهان:
-
أحدهما: يضمنه؛ لأن صاحبه لم يرض إتلافه، أشبه المغصوب.
-
والثاني: لا يضمنه؛ لأن صاحبه فرط في التسليم إليه.
-
وإن أقر بمال، لم يلزمه حال حجره؛ لأنه حجر عليه لحظه، فلم يقبل إقراره بالمال، كالصبي والمجنون. ولأن قبول إقراره يبطل معنى الحجر؛ لأنه يداين الناس، ويقر لهم. قال أصحابنا: ويلزمه ما أقر به بعد فك الحجر عنه، كالمفلس. وفيه نظر؛
-
لأن الحجر عليه لعدم رشده، فهو كالصبي. ولأن ثبوت إقراره في ذمته لا يفيد الحجر معه إلا تأخير الضرر إلى أكمل حالتيه إلا أن يريدوا أن يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى:
-
فإن ما كان ثابتاً في ذمته لا يسقط بالحجر عليه.
-
وإن أقر بحد أو قصاص، لزمه؛ لأنه محجور عليه في ماله لا في نفسه.
-
فإن عفا ولي القصاص إلى ماله، ففيه وجهان:
-
أحدهما: له ذلك؛ لأن من ثبت له القصاص ثبتت له الخبرة. كما لو ثبت ببينة.
-
والثاني: لا يصح، لئلا يواطئ من يقر له بالقصاص، ليعفو على مال يأخذه.
-
وإن أقر بنسب قبل؛ لأنه ليس بمال، وينفق على الغلام من بيت المال؛ لأن إقرار السفيه بما يوجب المال غير مقبول.
-
وإن طلق امرأته، صح؛ لأن الحجر يحفظ المال، والطلاق يوفره ولا يضيعه.
-
فإن خالع، جاز؛ لأنه إذا جاز الطلاق بغير مال فبالمال أولى ولا تدفع المرأة إليه المال،
-
فإن فعلت، لم يصح القبض، ولم تبرأ منه إلا بالدفع إلى وليه.
-
وإن تلف، كان من ضمانها.
-
وإن أذن له في النكاح، صح منه؛ لأن حاجته تدعوه إلى ذلك. وليس بآلة للتبذير. وقال القاضي: يصح من غير إذن الولي؛ لما ذكرنا.
-
وإن أذن له في البيع، ففيه وجهان:
-
أحدهما: يصح منه؛ لأنه عقد معاوضة فصح منه بالإذن. كالنكاح.
-
والثاني: لا يصح؛ لأن المقصود منه المال وهو محجور عليه فيه. ولأن الحجر عليه لتبذيره، فالإذن له إذن فيما لا مصلحة فيه.
-
وإن حلف، انعقدت يمينه؛ لأنه مكلف. ويكفر بالصوم؛ لأنه ممنوع من التصرف في المال فأشبه العبد.
-
وإن أحرم بالحج، صح. لأنه من أهل العبادات،
-
فإن كان فرضاً، لزمه إتمامه ويجب الإنفاق عليه إلى أن يفرغ منه؛ لأنه مال يحتاج إليه لأداء الفرض فوجب.
-
وإن كان تطوعاً لا تزيد نفقته على نفقة الإقامة، أو تزيد وله كسب، إذا أضافه إليه، أمكنه الحج، لزمه إتمامه.
-
وإن لم يكن كذلك، ففيه وجهان:
-
أحدهما: على الولي تحليله؛ لأن في إتمامه تضييعاً للمال فيما لا يلزمه.
-
والثاني: ليس له تحليله، بناء على إحرام العبد بغير إذن سيده، ويتحلل بالصوم كالعبد.
-
وإن وجب له القصاص، فله استيفاؤه؛ لأن القصد التشفي ودرك الثأر، وله العفو على مال؛ لأنه تحصيل.
-
فإن عفا إلى غير مال، وقلنا: الواجب القصاص عيناً، سقط إلى غير شيء.
-
وإن قلنا: الواجب أحد شيئين، وجبت الدية؛ لأنه ليس له إسقاط المال.
-
ولا ينفذ عتقه؛ لأنه إتلاف لماله. وحكي عنه: أنه يصح؛ لأنه مكلف مالك، أشبه الراهن.
-
ويصح تدبيره ووصيته؛ لأنه محض مصلحة، لتقربه به إلى الله تعالى عند غناه عن المال.
-
وإن نذر عبادة بدنية انعقد نذره؛ لأنه لا حجر عليه في بدنه.
-
وإن نذر صدقة مال، لم يصح، ويكفر عن نذره بالصيام. وقياس قول أصحابنا: أنه يلزمه الوفاء به عند فك حجره كالإقرار.
-
وهل للمرأة الرشيدة التبرع من مالها بغير إذن زوجها؟ فيه روايتان:
-
إحداهما: لها ذلك لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
-
{فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} .
-
وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن» وقبوله لصدقتهن حين تصدقن، ولأن من وجب دفع ماله إليه لرشده، نفذ تصرف فيه بغير إذن غيره كالرجل.
-
وعنه: لا تهب شيئاً إلا بإذن زوجها،
-
ولا ينفذ عتقها؛ لما روى عبد الله بن عمرو أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها» . رواه أبو داود، وكلام أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عام في القليل والكثير.
-
وقال أصحابنا: لها التبرع بالثلث فما دون، وما زاد فعلى روايتين.
-
وهل لها الصدقة من ماله بالشيء اليسير بغير إذنه؟ فيه روايتان:
-
إحداهما: لها ذلك؛ لأن عائشة قالت: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة كان لها أجرها، وله مثله بما كسب، ولها بما أنفقت، وللخازن مثل ذلك من غير أن ينتقص من أجورهم شيء» وعن «أسماء أنها قالت: يا رسول الله، ليس لي شيء إلا ما أدخل علي الزبير، فهل علي جناح أن أرضخ مما أدخل علي؟ قال: ارضخي ما استطعت، ولا توعي، فيوعي الله عليك» متفق عليهما.
-
ولأن العادة السماح بذلك، فجرى مجرى صريح الإذن.
-
والثانية: لا يجوز؛ لما روى أبو أمامة قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لا تنفق المرأة شيئاً من بيتها إلا بإذن زوجها، قيل: يا رسول الله، ولا الطعام، قال: ذلك أفضل أموالنا» رواه سعيد والترمذي.
-
ولأنه تبرع بمال غيرها، فلم يجز، كالصدقة بثيابه والله تعالى أعلم.
-
لا يجوز للعبد التجارة بغير إذن مولاه؛ لأن منافعه مملوكة له،
-
فلا يملك التصرف فيها بغير إذنه،
-
فإن رآه يتجر فسكت، لم يصر مأذوناً له؛ لأنه بيع يفتقر إلى الإذن، فلم يكن السكوت إذناً فيه كبيع مال الأجنبي،
-
وإن اشترى في ذمته، لم يصح؛ لأنه عقد معاوضة، فأشبه النكاح.
-
فإن قبض المبيع فتلف في يده، تعلقت برقبته، كجنايته؛ لأنه تلف، في يده على وجه يلزمه ضمانه فأشبه ما لو أتلفه.
-
وإذا أذن له المولى، جاز؛ لأن الحجر لحقه فملك إزالته،
-
ولا يملك التجارة إلا فيما أذن فيه؛ لأن تصرفه بالإذن فلم يملك إلا ما دخل فيه، كالوكيل.
-
فإن عين له نوعاً أو قدراً، لم يملك التجارة في غيره،
-
وإن أذن له في التجارة مطلقاً، جاز ولم يكن له أن يؤجر نفسه ولا يتوكل؛ لأنه عقد على نفسه فلم يملكه، كبيع نفسه وتزوجه،
-
ولا ينصرف إلا على النظر والاحتياط كالمضارب؛ لأن إطلاق الإذن يحمل على العرف، وهو ما قلناه،
-
ولا يبطل الإذن الإباق؛ لأنه لا يمنع ابتداء الإذن فلا يقطع استدامته كما لو غصبه غاصب.
-
ولا يجوز تبرع المأذون له بالدراهم والكسوة؛ لأنه ليس بتجارة ولا من توابعها، فلم يدخل في الإذن فيها، وتجوز هديته المأكول، واتخاذ الدعوة وإعارة دابته ما لم يسرف لما «روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يجيب دعوة المملوك» ولأن العادة جارية به بين التجار، فجاز، كصدقة المرأة بالكسرة من بيت زوجها.
-
وما كسب العبد من المباح، أو وهب له فقبله، ملكه مولاه؛ لأنه كسب ماله فملكه، كصيد فهده،
-
وإن ملكه سيده مالاً، ملكه؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من باع وله مال، فماله للبائع» ولأنه يملك البضع فملك المال، كالحر،
-
وعنه: لا يملك؛ لأنه مال فلم يملك المال كالبهيمة.
-
فإن ملكه سيده جارية لم يملك وطأها قبل الإذن فيه؛ لأن ملكه غير تام،
-
فإن أذن له فيه، ملكه.
-
قال أبو بكر: على كلتا الروايتين؛ لأنه يملك الاستمتاع بالنكاح، فملكه بالشراء كالحر، وقال القاضي: بل هذا بناء على الرواية التي يملك المال،
-
ولا يملك ذلك على الأخرى؛ لقول الله تعالى: {إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} وإن لزمته كفارة، فكفارته الصيام لا غير إن لم يأذن له سيده في التكفير بالمال،
-
وإن أذن له فيه، انبنى على الروايتين في ملكه.
-
فإن قلنا: لا يملك، لم يكفر بغير الصيام،
-
وإن قلنا: يملك، فله التكفير بالإطعام والكسوة، وفي العتق وجهان: أحدهما: يملكه، قياساً على الإطعام والكسوة.
-
والثاني، لا يملكه؛ لأنه يتضمن الولاء، والعبد ليس من أهله.
-
فعلى الأول إن أذن له في التكفير بإعتاق نفسه فهل يجزئه؟ على وجهين، والله تعالى أعلم.
في كتب الخلاف
الإجماعابن المنذركتاب الحوالة والكفالة، كتاب التفليس٥ مسائل
التجريدالقدوريمسألة ٧١٢، - صلى الله عليه وسلم -، مسألة ٧١٣٧٣١ مسألة
المبسوطالسرخسيبَابُ كِتَابَةِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ، بَابُ وَكَالَةِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ وَالْمُكَاتَبِ، كِتَابُ الْحَجْرِ٣٬٠٨٥ مسألة
بداية المجتهدابن رشدكِتَابُ الْحَجْرِ [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي أَصْنَافِ الْمَحْجُورِينَ]، الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي أَصْنَافِ الْمَحْجُورِينَ، الْبَابُ الْأَوَّلُ١٧٩ مسألة
المغنيابن قدامة، على «مختصر الخرقي»باب المفلس، كتاب الحجر٧٠٠ سطرًا
المجموع شرح المهذبالنووي، على «المهذب»لا كلام له في هذا الباب
الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر، على «المقنع»كِتَابُ الْحَجْرِ، فَصْلٌ، فَصْلٌ٨١٤ سطرًا
الفقه على المذاهب الأربعةعبد الرحمن الجزيريمباحث الحجر، أسباب الحجر، الحجر على الصغير٤٣١ مسألة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميأسامة القحطاني وآخرونالباب الرابع: المسائل المجمع عليها في المشاركاتمسألتان
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)بإشراف علوي السقافالمطلب السادس: دخول الحِجْر (١٤) ضمن الطواف، المطلب السابع: أن يقع الطواف في المكان الخاص وهو داخل المسجد الحرام، المطلب الثامن: الطواف بالبيت سبعاً٣٢٩ مسألة
عرضٌ لما في كتب المذاهب، وليس فتوى.في الخريطة: التفليس والحجر