بَابُ عِتْقِ أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ
العناية شرح الهدايةالحنفيةالمسائل ١٤٬٣٣٩ إلى ١٤٬٤٧٤
-
٤/٤٩٠٤/٤٩٠
(وَمَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَعْبُدٍ دَخَلَ عَلَيْهِ اثْنَانِ فَقَالَ: أَحَدُكُمَا حُرٌّ ثُمَّ خَرَجَ وَاحِدٌ وَدَخَلَ آخَرُ فَقَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ عِتْقَ مَنْ الَّذِي أُعِيدَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَنِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
-
وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله كَذَلِكَ إلَّا فِي الْعَبْدِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ رُبُعُهُ)
-
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ عِتْقِ بَعْضِ الْعَبْدَيْنِ عِتْقَ أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ لِأَنَّ الْوَاحِدَ قَبْلَ الِاثْنَيْنِ (وَمَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَعْبُدٍ دَخَلَ عَلَيْهِ اثْنَانِ فَقَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ ثُمَّ خَرَجَ وَاحِدٌ وَدَخَلَ آخَرُ فَقَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ) وَلَمْ يُسَمِّ كُلًّا مِنْهُمْ بِاسْمِ الْفِعْلِ الَّذِي اتَّصَفَ بِهِ مِنْ كَوْنِهِ خَارِجًا وَدَاخِلًا وَثَابِتًا يُؤْمَرُ الْمَوْلَى بِالْبَيَانِ مَا دَامَ حَيًّا لِأَنَّهُ هُوَ الْمُجْمِلُ فَيَرْجِعُ فِي الْبَيَانِ إلَيْهِ وَيَعْتِقُ الَّذِي عَيَّنَهُ،
-
فَإِنْ بَيَّنَ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ فِي الْخَارِجِ عَتَقَ الْخَارِجُ، وَيُؤْمَرُ بِالْبَيَانِ فِي الْكَلَامِ الثَّانِي وَيَعْتِقُ مَنْ عَيَّنَهُ،
-
وَإِنْ بَيَّنَ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ فِي الثَّابِتِ عَتَقَ الثَّابِتُ وَبَطَلَ الْكَلَامُ الثَّانِي لِأَنَّهُ صَارَ خَبَرًا فَلَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعِتْقَ، كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ وَقَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ لَا يَعْتِقُ الْعَبْدُ.
-
وَإِنْ بَدَأَ بِبَيَانِ الْكَلَامِ الثَّانِي وَقَالَ عَنَيْت بِالْكَلَامِ الثَّانِي الدَّاخِلَ عَتَقَ الدَّاخِلُ وَيُؤْمَرُ بِبَيَانِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ،
-
وَإِنْ قَالَ عَنَيْت بِالْكَلَامِ الثَّانِي الثَّابِتَ عَتَقَ الثَّابِتُ بِالْكَلَامِ الثَّانِي وَتَعَيَّنَ الْخَارِجُ لِلْكَلَامِ الْأَوَّلِ فَيَعْتِقُ الْخَارِجُ أَيْضًا (وَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ عَتَقَ مِنْ الَّذِي أُعِيدَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) يَعْنِي الثَّابِتَ أُعِيدَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ أَحَدُكُمَا حُرٌّ (ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَنِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرَيْنِ) يَعْنِي الْخَارِجَ وَالدَّاخِلَ (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
-
وَقَالَ مُحَمَّدٌ كَذَلِكَ) يَعْنِي يَعْتِقُ مِنْ الثَّابِتِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَمِنْ الْخَارِجِ نِصْفُهُ (إلَّا فِي الْعَبْدِ الْآخَرِ) وَهُوَ الدَّاخِلُ (فَإِنَّهُ يَعْتِقُ رُبُعُهُ) بِاعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ. وَالْأَصْلُ فِي اعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ فِي حَالَةِ الِاشْتِبَاهِ مَا رُوِيَ
-
٤/٤٩١٤/٤٩١
«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أُنَاسًا إلَى بَنِي خَثْعَمَ لِلْقِتَالِ، فَاعْتَصَمَ نَاسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ فَقَتَلَهُمْ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِنِصْفِ الْعَقْلِ» بِاعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ السُّجُودَ مِنْهُمْ كَانَ مُحْتَمَلًا أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعَالَى فَكَانَ إسْلَامًا.
-
وَيَجِبُ بِقَتْلِهِمْ جَمِيعُ الدِّيَةِ،
-
وَأَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَقِيَّةً مِنْ الْقَتْلِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ عَادَتُهُمْ مِنْ السُّجُودِ لِتَعْظِيمِ عُظَمَائِهِمْ تَوَقِّيًا مِنْ شَرِّهِمْ فَلَا تَجِبُ بِقَتْلِهِمْ
-
٤/٤٩٢٤/٤٩٢
أَمَّا الْخَارِجُ فَلِأَنَّ الْإِيجَابَ الْأَوَّلَ دَائِرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّابِتِ، وَهُوَ الَّذِي أُعِيدَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ فَأَوْجَبَ عِتْقَ رَقَبَةٍ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فَيُصِيبُ كُلًّا مِنْهُمَا النِّصْفُ، غَيْرَ أَنَّ الثَّابِتَ اسْتَفَادَ بِالْإِيجَابِ الثَّانِي رُبُعًا آخَرَ لِأَنَّ الثَّانِيَ دَائِرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّاخِلِ، وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ فِي الْكِتَابِ آخِرًا فَيَتَنَصَّفُ بَيْنَهُمَا، غَيْرَ أَنَّ الثَّابِتَ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْحُرِّيَّةِ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ فَشَاعَ النِّصْفُ الْمُسْتَحَقُّ بِالثَّانِي فِي نِصْفَيْهِ، فَمَا أَصَابَ الْمُسْتَحِقَّ بِالْأَوَّلِ لَغَا، وَمَا أَصَابَ الْفَارِغَ بَقِيَ فَيَكُونُ لَهُ الرُّبُعُ فَتَمَّتْ لَهُ ثَلَاثَةُ الْأَرْبَاعِ وَلِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ هُوَ بِالثَّانِي يَعْتِقُ نِصْفُهُ،
-
وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ الدَّاخِلُ لَا يَعْتِقُ هَذَا النِّصْفُ فَيَنْتَصِفُ فَيَعْتِقُ مِنْهُ الرُّبُعُ بِالثَّانِي وَالنِّصْفُ بِالْأَوَّلِ،
-
وَأَمَّا الدَّاخِلُ فَمُحَمَّدٌ رحمه الله يَقُولُ: لَمَّا دَارَ الْإِيجَابُ الثَّانِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّابِتِ وَقَدْ أَصَابَ الثَّابِتَ مِنْهُ الرُّبُعُ فَكَذَلِكَ يُصِيبُ الدَّاخِلَ وَهُمَا يَقُولَانِ إنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَهُمَا، وَقَضِيَّتُهُ التَّنْصِيفُ وَإِنَّمَا نَزَلَ إلَى الرُّبُعِ فِي حَقِّ الثَّابِتِ لِاسْتِحْقَاقِهِ النِّصْفَ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ كَمَا ذَكَرْنَا،
-
وَلَا اسْتِحْقَاقَ لِلدَّاخِلِ مِنْ قَبْلُ
-
الدِّيَةُ، فَلَمَّا وَجَبَتْ مِنْ وَجْهٍ وَلَمْ تَجِبْ مِنْ وَجْهٍ أَوْجَبَ النِّصْفَ وَأَسْقَطَ النِّصْفَ، وَعَلَى هَذَا مَسَائِلُ أَصْحَابِنَا.
-
فَإِنْ قِيلَ: مَا بَالُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْخُنْثَى يُعْطِيهِ أَقَلَّ النَّصِيبَيْنِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَى
-
٤/٤٩٤٤/٤٩٤
فَيَثْبُتُ فِيهِ النِّصْفُ. قَالَ (فَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ مِنْهُ فِي الْمَرَضِ قُسِمَ الثُّلُثُ عَلَى هَذَا) وَشَرْحُ ذَلِكَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ سِهَامِ الْعِتْقِ وَهِيَ سَبْعَةٌ عَلَى قَوْلِهِمَا لِأَنَّا نَجْعَلُ كُلَّ رَقَبَةٍ عَلَى أَرْبَعَةٍ لِحَاجَتِنَا إلَى ثَلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ فَنَقُولُ: يَعْتِقُ مِنْ الثَّابِتِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَمِنْ الْآخَرَيْنِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَهْمَانِ فَيَبْلُغُ سِهَامُ الْعِتْقِ سَبْعَةً، وَالْعِتْقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَصِيَّةٌ وَمَحَلُّ نَفَاذِهَا الثُّلُثُ،
-
فَلَا بُدَّ أَنْ يُجْعَلَ سِهَامُ الْوَرَثَةِ ضِعْفَ ذَلِكَ فَيُجْعَلَ كُلُّ رَقَبَةٍ عَلَى سَبْعَةٍ وَجَمِيعُ الْمَالِ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ فَيَعْتِقُ مِنْ الثَّابِتِ ثَلَاثَةٌ وَيَسْعَى فِي أَرْبَعَةٍ وَيَعْتِقُ مِنْ الْبَاقِيَيْنِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا سَهْمَانِ وَيَسْعَى فِي خَمْسَةٍ،
-
فَإِذَا تَأَمَّلْت وَجَمَعْت اسْتَقَامَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ.
-
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رحمه الله يُجْعَلُ كُلُّ رَقَبَةٍ عَلَى سِتَّةٍ لِأَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْ الدَّاخِلِ عِنْدَهُ سَهْمٌ فَنَقَصَتْ سِهَامُ الْعِتْقِ بِسَهْمٍ وَصَارَ جَمِيعُ الْمَالِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَبَاقِي التَّخْرِيجِ مَا مَرَّ.
-
اعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ فِي مَوْضِعٍ يَتَحَقَّقُ فِيهِ الِاشْتِبَاهُ بِصِفَةِ الِاسْتِمْرَارِ كَاَلَّذِي نَحْنُ فِيهِ، وَالْخُنْثَى لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا بَلَغَ مَبْلَغَ الرِّجَالِ أَوْ النِّسَاءِ لَا بُدَّ أَنْ يَتَفَلَّكَ لَهَا ثَدْيٌ أَوْ تَنْبُتَ لَهُ لِحْيَةٌ وَحِينَئِذٍ يَرْتَفِعُ الِاشْتِبَاهُ، وَالْوَجْهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ.
-
هَذَا إذَا كَانَ فِي الصِّحَّةِ (فَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ مِنْهُ فِي الْمَرَضِ) فَإِنْ كَانُوا يَخْرُجُونَ مِنْ الثُّلُثِ فَالْجَوَابُ كَذَلِكَ،
-
وَإِنْ لَمْ يَخْرُجُوا كَانَ الثُّلُثَ وَهُوَ عِتْقُ رَقَبَةٍ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ سِهَامِ وَصَايَاهُمْ لِأَنَّ الْعِتْقَ حِينَئِذٍ وَصِيَّةٌ وَالْوَصِيَّةُ تَنْفُذُ مِنْ الثُّلُثِ فَيَضْرِبُ كُلٌّ بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ، فَيَجْعَلُ أَوَّلًا كُلَّ رَقَبَةٍ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ (لِحَاجَتِنَا إلَى ثَلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ) فَالْخَارِجُ يَضْرِبُ بِنِصْفِ الرَّقَبَةِ وَهُوَ سَهْمَانِ، فَكَذَا الدَّاخِلُ وَيَضْرِبُ الثَّابِتُ بِثَلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ فَمَجْمُوعُ سِهَامِ الْوَصَايَا سَبْعَةٌ فَإِذَا كَانَ الثُّلُثُ سَبْعَةً كَانَ الْجَمِيعُ أَحَدًا وَعِشْرِينَ وَثُلُثَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ لَا مَحَالَةَ فَيَعْتِقُ مِنْ الْخَارِجِ سَهْمَانِ وَيَسْعَى فِي خَمْسَةٍ،
-
وَكَذَلِكَ الدَّاخِلُ، وَيَعْتِقُ مِنْ الثَّابِتِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَيَسْعَى فِي الْأَرْبَعَةِ.
-
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَيَضْرِبُ الْخَارِجَ بِسَهْمَيْنِ وَالثَّابِتِ بِثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ وَالدَّاخِلِ بِسَهْمٍ، فَكَانَتْ
-
٤/٤٩٥٤/٤٩٥
(وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي الطَّلَاقِ وَهُنَّ غَيْرُ مَدْخُولَاتٍ وَمَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ الْبَيَانِ سَقَطَ مِنْ مَهْرِ الْخَارِجَةِ رُبُعُهُ وَمِنْ مَهْرِ الثَّابِتَةِ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِهِ وَمِنْ مَهْرِ الدَّاخِلَةِ ثُمُنُهُ)
-
سِهَامُ الْوَصَايَا سِتَّةً، فَإِذَا كَانَ الثُّلُثُ سِتَّةً كَانَ جَمِيعُ الْمَالِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَالْخَارِجُ يَعْتِقُ مِنْهُ سَهْمَانِ وَيَسْعَى فِي أَرْبَعَةٍ وَالثَّابِتُ يَعْتِقُ مِنْهُ ثَلَاثَةٌ وَيَسْعَى فِي ثَلَاثَةٍ، وَالدَّاخِلُ يَعْتِقُ مِنْهُ سَهْمٌ وَيَسْعَى فِي خَمْسَةٍ، فَكَانَ نَصِيبُ السِّعَايَةِ وَهُوَ نَصِيبُ الْوَرَثَةِ اثْنَيْ عَشَرَ وَسِهَامُ الْوَصَايَا سِتَّةً.
-
فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يَعْتِقُوا وَلَا سِعَايَةَ عَلَيْهِمْ أَصْلًا أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ أَوْ لَمْ يُجِيزُوا عِنْدَهُمَا لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لَا يَتَجَزَّأُ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْإِعْتَاقَ عِنْدَهُمَا لَا يَتَجَزَّأُ إذَا صَادَفَ مَحَلًّا مَعْلُومًا، أَمَّا إذَا كَانَ بِطَرِيقِ التَّوْزِيعِ وَالِانْقِسَامِ بِاعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ فَلَا لِأَنَّ ثُبُوتَهُ حِينَئِذٍ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَتَعَدَّى مَوْضِعَهَا.
-
(قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ هَذَا) أَيْ وَلَوْ كَانَ هَذَا الْكَلَامُ (فِي الطَّلَاقِ وَهُنَّ غَيْرُ مَدْخُولَاتٍ وَمَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ الْبَيَانِ سَقَطَ مِنْ مَهْرِ الْخَارِجَةِ رُبُعُهُ.
-
وَمِنْ مَهْرِ الثَّابِتَةِ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِهِ وَمِنْ مَهْرِ الدَّاخِلَةِ ثُمُنُهُ) وَهِيَ مَسْأَلَةُ الزِّيَادَاتِ يَحْتَجُّ بِهَا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِمَا حَيْثُ اخْتَلَفَ فِيهَا نَصِيبُ الدَّاخِلَةِ وَالْخَارِجَةِ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ وَاحِدَةٌ وَالثُّمُنُ فِي الصَّدَاقِ بِمَنْزِلَةِ الرُّبُعِ مِنْ الْعَتَاقِ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِالطَّلَاقِ سُقُوطًا عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعِتْقِ ثُبُوتًا فِي الْإِيجَابِ
-
٤/٤٩٦٤/٤٩٦
قِيلَ هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ رحمه الله خَاصَّةً، وَعِنْدَهُمَا يَسْقُطُ رُبُعُهُ،
-
وَقِيلَ هُوَ قَوْلُهُمَا أَيْضًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ وَتَمَامَ تَفْرِيعَاتِهَا فِي الزِّيَادَاتِ.
-
الثَّانِي (فَقِيلَ هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ) فَلَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِمَا لِأَنَّ عِنْدَهُمَا يَسْقُطُ رُبُعُهُ (وَقِيلَ هُوَ قَوْلُهُمَا أَيْضًا) فَلَا بُدَّ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ، وَفُرِّقَ بِأَنَّ الثَّابِتَ فِي الْعِتْقِ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ لِأَنَّهُ حِينَ تَكَلَّمَ كَانَ لَهُ حَقُّ الْبَيَانِ وَصَرْفُ الْعِتْقِ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ مِنْ الثَّابِتِ وَالْخَارِجِ، فَمَا دَامَ لَهُ حَقُّ الْبَيَانِ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَبْدَيْنِ حُرًّا مِنْ وَجْهٍ عَبْدًا مِنْ وَجْهٍ،
-
فَإِذَا كَانَ الثَّابِتُ كَالْمُكَاتَبِ كَانَ الْكَلَامُ الثَّانِي صَحِيحًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِأَنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَالْعَبْدِ إلَّا أَنَّهُ أَصَابَ الثَّابِتُ مِنْهُ الرُّبُعَ وَالدَّاخِلُ النِّصْفَ لِمَا قُلْنَا:
-
فَأَمَّا الثَّابِتَةُ فِي الطَّلَاقِ فَمُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مَنْكُوحَةً وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ أَجْنَبِيَّةً لِأَنَّ الْخَارِجَةَ إذَا كَانَتْ مُرَادَةً بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ كَانَتْ الثَّابِتَةُ مَنْكُوحَةً فَيَصِحُّ الْإِيجَابُ الثَّانِي،
-
وَإِنْ كَانَتْ الثَّابِتَةُ هِيَ الْمُرَادَةُ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً فَيَلْغُو الْإِيجَابُ الثَّانِي، فَجُعِلَتْ أَجْنَبِيَّةً مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَيَصِحُّ الْإِيجَابُ الثَّانِي مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَيَسْقُطُ نِصْفُ النِّصْفِ وَهُوَ الرُّبُعُ مُوَزَّعًا بَيْنَ مَهْرِ الدَّاخِلَةِ وَالثَّابِتَةِ فَيُصِيبُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الثُّمُنَ.
-
وَأَمَّا التَّفْرِيعَاتُ فَمِنْهَا مَا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْبَحْثِ إذَا كَانَ الْمَوْلَى وَالْعَبِيدُ أَحْيَاءً. وَمِنْهَا إذَا كَانَ الْمَوْلَى حَيًّا وَمَاتَ أَحَدُ الْعَبِيدِ،
-
فَإِنْ مَاتَ الثَّابِتُ عَتَقَ الْخَارِجُ وَالدَّاخِلُ، أَمَّا الْخَارِجُ فَلِأَنَّ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ أَوْجَبَ عِتْقَ رَقَبَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّابِتِ فَبَطَلَتْ بِمَوْتِهِ مُزَاحَمَتُهُ،
-
وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ الثَّانِي أَوْجَبَ عِتْقَ رَقَبَةٍ بَيْنَ الثَّابِتِ وَالدَّاخِلِ، وَبَطَلَتْ مُزَاحَمَةُ الثَّابِتِ هَذَا عِنْدَهُمَا،
-
وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَإِنَّمَا يَعْتِقُ الْخَارِجُ لِمَا قُلْنَا،
-
وَأَمَّا الدَّاخِلُ فَلِأَنَّ الثَّابِتَ لَمَّا تَعَيَّنَ لِلرِّقِّ بِمَوْتِهِ ظَهَرَ أَنَّ الْكَلَامَ الثَّانِيَ صَحِيحٌ بِكُلِّ حَالٍ فَصَارَ قَوْلُهُ كَقَوْلِهِمَا وَإِنْ مَاتَ الدَّاخِلُ قِيلَ لِلْمَوْلَى أَوْقِعْ الْعِتْقَ عَلَى أَيِّهِمَا شِئْت مِنْ الْخَارِجِ وَالثَّابِتِ،
-
فَإِنْ أَوْقَعَهُ عَلَى الْخَارِجِ عَتَقَ الثَّابِتُ أَيْضًا لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا عِنْدَ الْإِيجَابِ الثَّانِي وَبَطَلَ مُزَاحَمَةُ الدَّاخِلِ بِمَوْتِهِ،
-
وَإِنْ أَوْقَعَهُ عَلَى الثَّابِتِ لَمْ يَعْتِقْ الْخَارِجُ بِلَا شُبْهَةٍ،
-
وَكَذَا الدَّاخِلُ لِأَنَّ الْمَضْمُومَ إلَيْهِ حُرٌّ. قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ: هَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ،
-
فَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَيَجِبُ أَنْ يُعْتِقَ الْخَارِجَ وَالثَّابِتَ لِأَنَّ الْكَلَامَ الثَّانِيَ صَحِيحٌ تَعَيَّنَ لَهُ الثَّابِتُ بِمَوْتِ الدَّاخِلِ فَأَوْجَبَ تَعْيِينُهُ تَعَيُّنَ الْخَارِجِ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ،
-
وَإِنْ مَاتَ الْخَارِجُ تَعَيَّنَ الثَّابِتُ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ وَبَطَلَ الْكَلَامُ الثَّانِي لِأَنَّ الْمَضْمُومَ إلَيْهِ حُرٌّ، هَذِهِ تَفْرِيعَاتُ الْعَتَاقِ.
-
وَأَمَّا تَفْرِيعَاتُ الطَّلَاقِ: فَمِنْهَا أَنَّ الزَّوْجَ إذَا كَانَ حَيًّا وَالنِّسْوَةُ أَحْيَاءً وَأَوْقَعَ الطَّلَاقَ الْأَوَّلَ عَلَى الْخَارِجَةِ صَحَّ الْكَلَامُ الثَّانِي، وَلَهُ الْخِيَارُ فِي تَعْيِينِ الثَّابِتَةِ أَوْ الدَّاخِلَةِ بِالثَّانِي،
-
وَإِنْ أَوْقَعَهُ عَلَى الثَّابِتَةِ لَغَا الْكَلَامُ الثَّانِي،
-
وَإِنْ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ الثَّانِيَ عَلَى الدَّاخِلَةِ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي تَعْيِينِ الْخَارِجَةِ أَوْ الثَّابِتَةِ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ. وَمِنْهَا أَنَّ الثَّابِتَةَ لَوْ مَاتَتْ وَالزَّوْجُ حَيٌّ طَلُقَتْ الْخَارِجَةُ وَالدَّاخِلَةُ لِمَا قُلْنَا مِنْ بُطْلَانِ الْمُزَاحَمَةِ بِمَوْتِهَا وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَهْرِ، وَإِنْ
-
٤/٤٩٧٤/٤٩٧
مَاتَتْ الدَّاخِلَةُ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الْأُخْرَيَيْنِ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ،
-
فَإِنْ أَوْقَعَهُ عَلَى الْخَارِجَةِ طَلُقَتْ الثَّابِتَةُ أَيْضًا لِانْعِدَامِ مُزَاحَمَةِ الدَّاخِلَةِ بِالْمَوْتِ،
-
وَإِنْ أَوْقَعَهُ عَلَى الثَّابِتَةِ لَمْ تَطْلُقْ الْخَارِجَةُ،
-
فَإِنْ مَاتَتْ الْخَارِجَةُ طَلُقَتْ الثَّابِتَةُ وَلَمْ تَطْلُقْ الدَّاخِلَةُ لِمَا مَرَّ فِي مَسْأَلَة الْعَتَاقِ. وَمِنْهَا أَنَّ مِيرَاثَ النِّسَاءِ وَهُوَ الرُّبُعُ أَوْ الثُّمُنُ يَنْقَسِمُ بَيْنَ الدَّاخِلَةِ وَالْأُولَيَيْنِ نِصْفَيْنِ، نِصْفُهُ لِلدَّاخِلَةِ لِأَنَّهُ لَا يُزَاحِمُهَا إلَّا إحْدَى الْأُولَيَيْنِ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ بَيْنَ الْأُولَيَيْنِ لِأَنَّ إحْدَاهُمَا لَيْسَتْ بِأَوْلَى بِهِ.
-
قَالَ
-
٤/٤٩٨٤/٤٩٨
(وَمَنْ قَالَ لِعَبْدَيْهِ أَحَدُكُمَا حُرٌّ فَبَاعَ أَحَدَهُمَا أَوْ مَاتَ أَوْ قَالَ لَهُ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي عَتَقَ الْآخَرُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلْعِتْقِ أَصْلًا بِالْمَوْتِ وَلِلْعِتْقِ مِنْ جِهَتِهِ بِالْبَيْعِ وَلِلْعِتْقِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِالتَّدْبِيرِ فَتَعَيَّنَ لَهُ الْآخَرُ، وَلِأَنَّهُ بِالْبَيْعِ قَصَدَ الْوُصُولَ إلَى الثَّمَنِ وَبِالتَّدْبِيرِ إبْقَاءَ الِانْتِفَاعِ إلَى مَوْتِهِ، وَالْمَقْصُودَانِ
-
وَمَنْ قَالَ لِعَبْدَيْهِ أَحَدُكُمَا حُرٌّ) كَلَامُهُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَاضِحٌ، خَلَا أَنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلْعِتْقِ أَصْلًا بِالْمَوْتِ. أَوْرَدَ عَلَيْهِ مَا لَوْ قَالَ لِأَمَتَيْهِ إحْدَى هَاتَيْنِ ابْنَتِي أَوْ أُمُّ وَلَدِي وَمَاتَتْ إحْدَاهُمَا لَمْ تَتَعَيَّنْ الْحُرِّيَّةُ وَالِاسْتِيلَادُ
-
٤/٤٩٩٤/٤٩٩
يُنَافِيَانِ الْعِتْقَ الْمُلْتَزَمَ فَتَعَيَّنَ لَهُ الْآخَرُ دَلَالَةً
-
وَكَذَا إذَا اسْتَوْلَدَ إحْدَاهُمَا لِلْمَعْنَيَيْنِ،
-
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ مَعَ الْقَبْضِ وَبِدُونِهِ وَالْمُطْلَقِ وَبِشَرْطِ الْخِيَارِ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لِإِطْلَاقِ جَوَابِ الْكِتَابِ وَالْمَعْنَى مَا قُلْنَا، وَالْعَرْضُ عَلَى الْبَيْعِ مُلْحَقٌ بِهِ فِي الْمَحْفُوظِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَالْهِبَةُ وَالتَّسْلِيمُ وَالصَّدَقَةُ وَالتَّسْلِيمُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ؛.
-
فِي الْحَيَّةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَيْسَ بِإِيقَاعٍ بِصِيغَتِهِ بَلْ هُوَ إخْبَارٌ،
-
وَيَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ بِهَذَا عَنْ الْمَيِّتِ وَالْحَيِّ فَيَرْجِعَ إلَى بَيَانِ الْمَوْلَى وَأَمَّا الْإِنْشَاءُ فَلَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْحَيِّ،
-
وَأَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا لِلْحُرِّيَّةِ إذَا مَاتَ الْآخَرُ لِأَنَّ الْبَيَانَ قَائِمٌ بِوَصْفَيْنِ، بِوَصْفِ الْإِنْشَاءِ، وَبِوَصْفِ الْإِظْهَارِ، وَهَذَا لِأَنَّ قَوْلَهُ أَحَدُكُمَا حُرٌّ لَا يُثْبِتُ الْعِتْقَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ، وَلِهَذَا قِيلَ فِيهِ الْعِتْقُ غَيْرُ ثَابِتٍ، فَبِالنَّظَرِ إلَى هَذَا يَكُونُ الْبَيَانُ إنْشَاءً،
-
وَمِنْ حَيْثُ إنَّ الْعِتْقَ لَا يَعْدُوهُمَا كَانَ الْبَيَانُ إظْهَارًا، وَلِهَذَا يُعْتَبَرُ الْبَيَانُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ إنْ كَانَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ لِوُجُودِ الْعِتْقِ الْمُبْهَمِ فِي الصِّحَّةِ،
-
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّمَا يَصِحُّ الْبَيَانُ فِي مَحَلٍّ يَحْتَمِلُ الْإِنْشَاءَ وَالْمَيِّتُ لَا يَحْتَمِلُ الْإِنْشَاءَ فَتَعَيَّنَ الْآخَرُ لِلْعِتْقِ ضَرُورَةً.
-
وَقَوْلُهُ (وَكَذَا إذَا اسْتَوْلَدَ إحْدَاهُمَا) يَعْنِي إذَا وَطِئَ إحْدَاهُمَا فَعَلِقَتْ مِنْهُ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ،
-
فَمِنْ ضَرُورَةِ صِحَّةِ أُمَيَّةِ الْوَلَدِ وَاسْتِحْقَاقِ الْعِتْقِ بِهَا انْتِفَاءُ الْعِتْقِ الْمُنَجَّزِ عَنْهَا،
-
وَإِذَا انْتَفَى عَنْ إحْدَاهُمَا تَعَيَّنَ فِي الْأُخْرَى لِزَوَالِ الْمُزَاحَمَةِ. وَقَوْلُهُ (لِلْمَعْنَيَيْنِ) يَعْنِي عَدَمَ مَحَلِّيَّةِ الْعِتْقِ بِالِاسْتِيلَادِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَإِبْقَاءَ الِانْتِفَاعِ إلَى مَوْتِهِ (وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ مَعَ الْقَبْضِ وَبِدُونِهِ وَ) (الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ) عَنْ الْخِيَارِ (وَ) الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ (لِإِطْلَاقِ جَوَابِ الْكِتَابِ) يَعْنِي الْجَامِعَ الصَّغِيرَ حَيْثُ قَالَ فِيهِ بَاعَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ (وَالْمَعْنَى مَا قُلْنَا) وَهُوَ أَنَّهُ قَصَدَ الْوُصُولَ إلَى الثَّمَنِ وَالْوُصُولُ إلَيْهِ يُنَافِي الْعِتْقَ فَتَعَيَّنَ الْآخَرُ لَهُ (وَالْعَرْضُ عَلَى الْبَيْعِ مُلْحَقٌ بِالْبَيْعِ فِي الْمَحْفُوظِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ) رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: إذَا سَاوَمَ أَحَدَهُمَا كَانَ بَيَانًا: يَعْنِي لِتَعَيُّنِ الْعِتْقِ فِي الْآخَرِ قِيلَ مِثْلُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا سُمِعَ وَحُفِظَ وَلَمْ تَثْبُتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ مَكْتُوبَةً.
-
وَقَوْلُهُ (وَالْهِبَةُ وَالتَّسْلِيمُ وَالصَّدَقَةُ وَالتَّسْلِيمُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ) قِيلَ التَّسْلِيمُ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ تَأْكِيدًا لِأَنَّ مُحَمَّدًا رحمه الله ذَكَرَ فِي الْإِمْلَاءِ: إذَا وَهَبَ أَحَدَهُمَا وَأَقْبَضَهُ أَوْ تَصَدَّقَ وَأَقْبَضَ
-
٤/٥٠٠٤/٥٠٠
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ ثُمَّ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا لِمَا قُلْنَا،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ وَطِئَ إحْدَاهُمَا لِمَا نُبَيِّنُ (وَلَوْ قَالَ لِأَمَتَيْهِ إحْدَاكُمَا حُرَّةٌ ثُمَّ جَامَعَ إحْدَاهُمَا) لَمْ تَعْتِقْ الْأُخْرَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله . وَقَالَا تَعْتِقُ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَحِلُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ وَإِحْدَاهُمَا حُرَّةٌ فَكَانَ بِالْوَطْءِ مُسْتَبْقِيًا الْمِلْكَ فِي الْمَوْطُوءَةِ فَتَعَيَّنَتْ الْأُخْرَى لِزَوَالِهِ بِالْعِتْقِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَلَهُ أَنَّ الْمِلْكَ قَائِمٌ فِي الْمَوْطُوءَةِ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ فِي الْمُنَكَّرَةِ وَهِيَ مُعَيَّنَةٌ فَكَانَ وَطْؤُهَا حَلَالًا فَلَا يُجْعَلُ بَيَانًا وَلِهَذَا حَلَّ وَطْؤُهُمَا عَلَى مَذْهَبِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُفْتِي بِهِ،
-
عَتَقَ الْآخَرُ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ يُعَيِّنُ الْآخَرَ لِلْعِتْقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَ، فَكَذَلِكَ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ بِدُونِ الْقَبْضِ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّعْيِينَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِوُجُودِ تَصَرُّفٍ يَخْتَصُّ بِالْمِلْكِ وَقَدْ وُجِدَ.
-
(وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ ثُمَّ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا لِمَا بَيَّنَّا) أَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلْعِتْقِ فَكَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ فَتُعَيَّنُ الْأُخْرَى لَهُ
-
(وَكَذَا لَوْ وَطِئَ إحْدَاهُمَا لِمَا نُبَيِّنُ) فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ (وَلَوْ قَالَ لِأَمَتَيْهِ إحْدَاكُمَا حُرَّةٌ ثُمَّ جَامَعَ إحْدَاهُمَا لَمْ تَعْتِقْ الْأُخْرَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: تَعْتِقُ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَحِلُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ وَإِحْدَاهُمَا حُرَّةٌ) لَا مِلْكَ فِيهَا فَالْوَطْءُ لَا يَحِلُّ فِيهَا،
-
فَإِذَا وَطِئَ إحْدَاهُمَا جُعِلَ مُسْتَبْقِيًا لِلْمِلْكِ فِيهَا لِيَقَعَ الْوَطْءُ حَلَالًا حَمْلًا لِأَمْرِهِ عَلَى الصَّلَاحِ،
-
فَإِذَا تَعَيَّنَتْ تِلْكَ لِلْمِلْكِ تَعَيَّنَتْ الْأُخْرَى لِزَوَالِهِ بِالْعِتْقِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ الْمِلْكَ قَائِمٌ فِي الْمَوْطُوءَةِ) أَيْ فِي الَّتِي تُوطَأُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا،
-
وَإِذَا كَانَ الْمِلْكُ قَائِمًا كَانَ وَطْؤُهَا حَلَالًا، أَمَّا أَنَّ الْمِلْكَ قَائِمٌ فَلِأَنَّ إيقَاعَ الْعِتْقِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُنْكِرَةِ (وَهِيَ) أَيْ الْمَوْطُوءَةُ غَيْرُ مُنْكِرَةٍ بَلْ هِيَ (مَعْنِيَّةٌ) فَلَا يَكُونُ الْإِيقَاعُ فِيهَا،
-
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْإِيقَاعُ فِيهَا لَا يَكُونُ الْمِلْكُ عَنْهَا زَائِلًا،
-
وَأَمَّا أَنَّ الْمِلْكَ إذَا كَانَ قَائِمًا كَانَ الْوَطْءُ حَلَالًا فَظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ،
-
وَإِذَا كَانَ الْوَطْءُ حَلَالًا لَمْ يَكُنْ بَيَانًا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ (وَلِهَذَا حَلَّ وَطْؤُهُمَا عَلَى مَذْهَبِهِ) وَهَذَا فِي غَايَةِ الدِّقَّةِ وَيَلُوحُ مِنْهُ سِيَّمَا التَّحْقِيقُ (إلَّا أَنَّهُ لَا يُفْتَى بِهِ) قِيلَ لِأَنَّ الْمُنْكِرَةَ الَّتِي يَثْبُتُ فِيهَا الْعِتْقُ لَا تَخْلُو عَنْهُمَا، وَمَبْنَى الْحِلِّ
-
٤/٥٠١٤/٥٠١
ثُمَّ يُقَالُ الْعِتْقُ غَيْرُ نَازِلٍ قَبْلَ الْبَيَانِ لِتَعَلُّقِهِ بِهِ أَوْ يُقَالُ نَازِلٌ فِي الْمُنَكَّرَةِ فَيَظْهَرُ فِي حَقِّ حُكْمِ تَقَبُّلِهِ وَالْوَطْءُ يُصَادِفُ الْمُعَيَّنَةَ،
-
بِخِلَافِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ مِنْ النِّكَاحِ الْوَلَدُ، وَقَصْدُ الْوَلَدِ بِالْوَطْءِ يَدُلُّ عَلَى اسْتِبْقَاءِ الْمِلْكِ فِي الْمَوْطُوءَةِ صِيَانَةً لِلْوَلَدِ، أَمَّا الْأَمَةُ فَالْمَقْصُودُ مِنْ وَطْئِهَا قَضَاءُ الشَّهْوَةِ دُونَ الْوَلَدِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِبْقَاءِ
-
وَالْحُرْمَةِ عَلَى الِاحْتِيَاطِ، وَهُوَ فَاسِدٌ لِأَنَّ فِيهِ تَلْوِيحًا إلَى تَرْكِ أَبِي حَنِيفَةَ الِاحْتِيَاطَ، وَأَرَى أَنَّهُ لَا يُفْتَى بِهِ لِئَلَّا يُتَّخَذَ مَغْمَزًا لِأَبِي حَنِيفَةَ بِتَرْكِ الِاحْتِيَاطِ.
-
فَإِنْ قِيلَ: الْعِتْقُ إمَّا أَنْ يَكُونَ نَازِلًا أَوْ لَا،
-
فَإِنْ كَانَ غَيْرَ نَازِلٍ كَانَ إهْمَالًا لِلَّفْظِ عَنْ مَدْلُولِهِ،
-
وَإِنْ كَانَ نَازِلًا لَا يَجُوزُ وَطْؤُهُمَا. أَجَابَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشِّقَّيْنِ فَقَالَ عَلَى الشِّقِّ الثَّانِي (ثُمَّ يُقَالُ الْعِتْقُ غَيْرُ نَازِلٍ قِيلَ الْبَيَانُ لِتَعَلُّقِهِ بِهِ) أَيْ لِتَعَلُّقِ الْعِتْقِ بِالْبَيَانِ فَكَانَ كَالْعِتْقِ الْمُعَلَّقِ بِدُخُولِ الدَّارِ وَهُوَ غَيْرُ نَازِلٍ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَكَذَا هَذَا، وَقَالَ عَلَى الشِّقِّ الْأَوَّلِ (أَوْ يُقَالُ نَازِلٌ) أَيْ الْعِتْقُ نَازِلٌ (فِي الْمُنْكِرَةِ فَيَظْهَرُ فِي حَقِّ حُكْمٍ تَقْبَلُهُ) كَالْبَيْعِ فَإِنَّ الْمُنْكِرَ يَقْبَلُهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ أَحَدَ الْعَبْدَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ فِيهِمَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ (وَالْوَطْءُ) لَا تَقْبَلُهُ الْمُنْكِرَةُ لِأَنَّهُ (يُصَادِفُ الْمُعَيَّنَةَ) إذْ هُوَ أَمْرٌ حِسِّيٌّ لَا يَقَعُ إلَّا فِي الْمُعَيَّنِ، وَوَطْءُ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلَا يَكُونُ الْوَطْءُ بَيَانًا فِي الْأُخْرَى.
-
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ وَقَعَ بَيَانًا فِي الطَّلَاقِ؟ أَجَابَ بِقَوْلِهِ
-
(بِخِلَافِ الطَّلَاقِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ مِنْ النِّكَاحِ الْوَلَدُ، وَقَصْدُ الْوَلَدِ بِالْوَطْءِ يَدُلُّ عَلَى اسْتِبْقَاءِ الْمِلْكِ فِي الْمَوْطُوءَةِ صِيَانَةً لِلْوَلَدِ أَمَّا الْأَمَةُ فَالْمَقْصُودُ مِنْ وَطْئِهَا قَضَاءُ الشَّهْوَةِ دُونَ الْوَلَدِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِبْقَاءِ) وَهَذَا عَلَى طَرِيقَةِ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ،
-
فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ اخْتَارَ جِوَارَهُ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْمَخْلَصِ الْمَعْرُوفِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي التَّقْرِيرِ أَوْ فِي تَقْرِيرٍ.
-
٤/٥٠٢٤/٥٠٢
(وَمَنْ قَالَ لِأَمَتِهِ إنْ كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ غُلَامًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَوَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً وَلَا يَدْرِي أَيَّهمَا وُلِدَ أَوَّلًا عَتَقَ نِصْفُ الْأُمِّ وَنِصْفُ الْجَارِيَةِ وَالْغُلَامُ عَبْدٌ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَعْتِقُ فِي حَالٍ وَهُوَ مَا إذَا وَلَدَتْ الْغُلَامَ أَوَّلَ مَرَّةٍ
-
قَالَ (وَمَنْ قَالَ لِأَمَتِهِ إنْ كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ غُلَامًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ) كَلَامُهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ وَاضِحٌ. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ
-
٤/٥٠٣٤/٥٠٣
الْأُمُّ بِشَرْطٍ وَالْجَارِيَةُ لِكَوْنِهَا تَبَعًا لَهَا، إذْ الْأُمُّ حُرَّةٌ حِينَ وَلَدَتْهَا، وَتَرِقُّ فِي حَالٍ وَهُوَ مَا إذَا وَلَدَتْ الْجَارِيَةَ أَوَّلًا لِعَدَمِ الشَّرْطِ فَيَعْتِقُ نِصْفُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَتَسْعَى فِي النِّصْفِ، أَمَّا الْغُلَامُ يَرِقُّ فِي الْحَالَيْنِ فَلِهَذَا يَكُونُ عَبْدًا،
-
فِي الْمَبْسُوطِ وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ رحمه الله فِي الْكَيْسَانِيَّاتِ هَذَا الْجَوَابُ الَّذِي ذُكِرَ لَيْسَ جَوَابَ هَذَا الْفَصْلِ، بَلْ فِي هَذَا الْفَصْلِ لَا يُحْكَمُ بِعِتْقِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ يَحْلِفُ الْمَوْلَى بِاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا وَلَدَتْ الْغُلَامَ أَوَّلًا،
-
فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَنُكُولُهُ كَإِقْرَارِهِ،
-
وَإِنْ حَلَفَ فَهُمْ أَرِقَّاءٌ.
-
وَأَمَّا جَوَابُ الْكِتَابِ فَفِي فَصْلٍ آخَرَ، وَهُوَ مَا إذَا قَالَ الْمَوْلَى لِأَمَتِهِ إنْ كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ غُلَامًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ،
-
وَإِنْ كَانَ جَارِيَةً فَهِيَ حُرَّةٌ، فَوَلَدَتْهُمَا جَمِيعًا وَلَا يَدْرِي أَيُّهُمَا أَوَّلُ فَالْغُلَامُ رَقِيقٌ وَالِابْنَةُ حُرَّةٌ، وَيَعْتِقُ نِصْفُ الْأُمِّ لِأَنَّهَا إنْ وَلَدَتْ الْغُلَامَ أَوَّلًا فَهِيَ حُرَّةٌ وَالْغُلَامُ رَقِيقٌ،
-
وَإِنْ وَلَدَتْ الْجَارِيَةَ أَوَّلًا فَالْجَارِيَةُ حُرَّةٌ وَالْغُلَامُ وَالْأُمُّ رَقِيقَانِ، فَالْأُمُّ تَعْتِقُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ، فَيَعْتِقُ نِصْفُهَا وَالْغُلَامُ عَبْدٌ بِيَقِينٍ وَالْجَارِيَةُ حُرَّةٌ بِيَقِينٍ إمَّا بِعِتْقِ نَفْسِهَا وَإِمَّا بِعِتْقِ الْأُمِّ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكَيْسَانِيَّاتِ هُوَ الصَّحِيحُ لِمَا أَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي لَمْ يَتَيَقَّنْ بِوُجُودِهِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ فِي طَرَفٍ وَاحِدٍ كَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ مَنْ يُنْكِرُ وُجُودَهُ بِالْيَمِينِ، كَمَا إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ غَدًا فَأَنْتَ حُرٌّ فَمَضَى الْغَدُ وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ دَخَلَ الدَّارَ أَمْ لَا لَا يَعْتِقُ لِأَنَّهُ وَقَعَ الشَّكُّ فِي شَرْطِ الْعِتْقِ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي شَرْطِ الْعِتْقِ وَهُوَ وِلَادَةُ الْغُلَامِ أَوَّلًا،
-
وَأَمَّا إذَا كَانَ الشَّرْطُ مَذْكُورًا فِي طَرَفَيْ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ كَانَ أَحَدُهُمَا مَوْجُودًا لَا مَحَالَةَ فَحِينَئِذٍ يَحْتَاجُ إلَى اعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ كَمَا
-
٤/٥٠٤٤/٥٠٤
وَإِنْ ادَّعَتْ الْأُمُّ أَنَّ الْغُلَامَ هُوَ الْمَوْلُودُ أَوَّلًا وَأَنْكَرَ الْمَوْلَى وَالْجَارِيَةُ صَغِيرَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ الْيَمِينِ لِإِنْكَارِهِ شَرْطَ الْعِتْقِ،
-
فَإِنْ حَلَفَ يَعْتِقُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ،
-
وَإِنْ نَكَلَ عَتَقَتْ الْأُمُّ وَالْجَارِيَةُ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْأُمِّ حُرِّيَّةَ الصَّغِيرَةِ مُعْتَبَرَةٌ لِكَوْنِهَا نَفْعًا مَحْضًا فَاعْتُبِرَ النُّكُولُ فِي حَقِّ حُرِّيَّتِهِمَا فَعَتَقَتَا،
-
وَلَوْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ كَبِيرَةً وَلَمْ تَدَّعِ شَيْئًا وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا عَتَقَتْ الْأُمُّ بِنُكُولِ الْمَوْلَى خَاصَّةً دُونَ الْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْأُمِّ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي حَقِّ الْجَارِيَةِ الْكَبِيرَةِ، وَصِحَّةُ النُّكُولِ تُبْتَنَى عَلَى الدَّعْوَى فَلَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِّ الْجَارِيَةِ
-
٤/٥٠٥٤/٥٠٥
وَلَوْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ الْكَبِيرَةُ هِيَ الْمُدَّعِيَةُ لِسَبْقِ وِلَادَةِ الْغُلَامِ وَالْأُمُّ سَاكِتَةٌ يَثْبُتُ عِتْقُ الْجَارِيَةِ بِنُكُولِ الْمَوْلَى دُونَ الْأُمِّ لِمَا قُلْنَا، وَالتَّحْلِيفُ عَلَى الْعِلْمِ فِيمَا ذَكَرْنَا لِأَنَّهُ اسْتِحْلَافٌ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ، وَبِهَذَا الْقَدْرِ يُعْرَفُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ
-
فِي مَسْأَلَةِ الْكَيْسَانِيَّاتِ. وَقَوْلُهُ (وَبِهَذَا الْقَدْرِ يُعْرَفُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْوُجُوهِ فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى) قِيلَ هِيَ سِتَّةُ أَوْجُهٍ فَصَّلُوهَا فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ:
-
أَحَدُهَا أَنْ يَتَصَادَقُوا أَنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ أَيُّهُمَا وُلِدَ أَوَّلًا وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ أَوَّلًا، وَجَوَابُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِيهِ أَنْ يَعْتِقَ نِصْفُ الْأُمِّ وَالْجَارِيَةِ وَيُسْتَسْعَيَانِ فِي النِّصْفِ وَالْغُلَامُ رَقِيقٌ لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
-
وَالثَّانِي أَنْ تَدَّعِيَ الْأُمُّ أَنَّ الْغُلَامَ هُوَ الْمَوْلُودُ أَوَّلًا وَيُنْكِرُ الْمَوْلَى ذَلِكَ وَالْجَارِيَةُ صَغِيرَةٌ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ ثَانِيًا؛ وَجَوَابُهُ وَوَجْهُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ.
-
وَالثَّالِثُ أَنْ تَدَّعِيَ الْأُمُّ أَنَّ الْغُلَامَ أَوَّلٌ وَالْجَارِيَةَ كَبِيرَةٌ وَلَمْ تَدَّعِ شَيْئًا وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ ثَالِثًا؛ وَجَوَابُهُ وَوَجْهُهُ مَا ذَكَرَهُ أَيْضًا فِيهِ.
-
وَالرَّابِعُ أَنْ تَدَّعِيَ الْجَارِيَةُ وَهِيَ كَبِيرَةٌ وَالْأُمُّ سَاكِتَةٌ أَنَّ الْغُلَامَ وُلِدَ أَوَّلًا وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ رَابِعًا بِجَوَابِهِ وَوَجْهِهِ.
-
وَالْخَامِسُ أَنْ يَتَصَادَقُوا أَنَّ الْجَارِيَةَ هِيَ الَّتِي وُلِدَتْ أَوَّلًا وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لِعَدَمِ شَرْطِ الْعِتْقِ.
-
وَالسَّادِسُ أَنْ يَتَصَادَقُوا أَنَّ الْغُلَامَ وُلِدَ أَوَّلًا، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْأُمَّ تَعْتِقُ لِوُجُودِ شَرْطِ الْعِتْقِ
-
وَكَذَلِكَ الْجَارِيَةُ تَبَعًا لِلْأُمِّ، وَالْغُلَامُ عَبْدًا لِأَنَّهُ قَدْ انْفَصَلَ عَنْ الْأُمِّ فِي حَالِ الرِّقِّ لِكَوْنِ وِلَادَتِهِ شَرْطَ عِتْقِهَا وَالشَّرْطُ يَسْبِقُ الْمَشْرُوطَ فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ تَابِعًا لَهَا
-
٤/٥٠٦٤/٥٠٦
الْوَجْهِ فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى
-
قَالَ (وَإِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي وَصِيَّةٍ) اسْتِحْسَانًا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْعَتَاقِ (وَإِنْ شُهِدَ أَنَّهُ طَلَّقَ إحْدَى نِسَائِهِ جَازَتْ الشَّهَادَةُ وَيُجْبَرُ الزَّوْجُ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ إحْدَاهُنَّ) وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: الشَّهَادَةُ فِي الْعِتْقِ مِثْلُ ذَلِكَ) وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى عِتْقِ الْعَبْدِ لَا تُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى الْعَبْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله ، وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى عِتْقِ الْأَمَةِ وَطَلَاقِ الْمَنْكُوحَةِ مَقْبُولَةٌ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى بِالِاتِّفَاقِ وَالْمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ.
-
فِيهِ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَذْكُرْهُمَا فِي الْكِتَابِ لِظُهُورِهِمَا.
-
قَالَ (وَإِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ) الشَّهَادَةُ عَلَى طَلَاقِ إحْدَى نِسَائِهِ جَائِزَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَيُجْبَرُ عَلَى الْبَيَانِ وَعَلَى إعْتَاقِ أَحَدِ عَبْدَيْهِ، كَذَلِكَ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هِيَ بَاطِلَةٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ فِي وَصِيَّةٍ اسْتِحْسَانًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ (وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى عِتْقِ الْعَبْدِ لَا تُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى عِتْقِ الْأَمَةِ وَطَلَاقِ الْمَنْكُوحَةِ مَقْبُولَةٌ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى بِالِاتِّفَاقِ) وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْحُكْمُ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ عِنْدَهُ وَمِنْ حُقُوقِ الشَّرْعِ عِنْدَهُمَا.
-
وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى قَبُولِ الْعَبْدِ وَلَا يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ،
-
وَيَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ بِهِ وَيَصِحُّ إيجَابُهُ فِي الْمَجْهُولِ وَكُلُّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ حَقُّ الشَّرْعِ.
-
وَوَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الْإِعْتَاقَ إثْبَاتُ قُوَّةِ الْمَالِكِيَّةِ وَفِيهِ انْتِفَاءُ ذُلِّ الرِّقِّ وَالْمَمْلُوكِيَّة وَكُلُّ ذَلِكَ حَقُّ الْعَبْدِ لَا مَحَالَةَ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُودُ بِهِ وَلَا يُعْتَبَرُ بِغَيْرِهِ لِكَوْنِهِ مِنْ ثَمَرَاتِهِ، فَمَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ فِيهِ بِدُونِ الدَّعْوَى، وَمَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الشَّرْعِ تُقْبَلُ بِدُونِهَا، وَعِتْقُ الْأَمَةِ مِنْ حُقُوقِهِ
-
٤/٥٠٧٤/٥٠٧
بِالِاتِّفَاقِ فَلِذَلِكَ تُقْبَلُ بِدُونِهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ عِتْقَهَا يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَ فَرْجِهَا عَلَى مَوْلَاهَا، وَذَلِكَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الشَّرْعِ فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ فِيهِ كَالشَّهَادَةِ بِهِلَالِ رَمَضَانَ.
-
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَاكْتَفَى بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ لِكَوْنِ خَبَرِ الْوَاحِدِ حُجَّةً فِي الْأَمْرِ الدِّينِيِّ وَلَمَا قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى عِتْقِ أَمَةٍ وَهِيَ أُخْتُ مَوْلَاهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ إذَا جَحَدَتْهُ، إذْ لَيْسَ فِيهَا تَحْرِيمُ الْفَرْجِ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ ثَابِتٌ بِحُكْمِ الرَّضَاعِ قَبْلَ شَهَادَتِهِمَا بِالْإِعْتَاقِ.
-
أُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ فِي الْأَمْرِ الدِّينِيِّ إذَا لَمْ تَقَعْ الْحَاجَةُ إلَى إلْزَامِ الْمُنْكِرِ، وَهَاهُنَا وَقَعَتْ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الزِّنَا لِأَنَّ فِعْلَ الْمَوْلَى بِهَا قَبْلَ الْعِتْقِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَبَعْدَهُ يُوجِبُهُ لِكَوْنِ بُضْعِهَا مَمْلُوكًا لِلْمَوْلَى وَإِنْ كَانَ هُوَ مَمْنُوعًا عَنْ وَطْئِهَا بِالْمَحْرَمِيَّةِ؛
-
أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَازَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَبَدَلُ بُضْعِهَا يَكُونُ لَهُ،
-
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ فِيهِ تَحْرِيمُ الْفَرْجِ، وَإِذَا ثَبَتَ الْأَصْلُ
-
٤/٥٠٨٤/٥٠٨
وَإِذَا كَانَ دَعْوَى الْعَبْدِ شَرْطًا عِنْدَهُ لَمْ تَتَحَقَّقْ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى مِنْ الْمَجْهُولِ لَا تَتَحَقَّقُ فَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ. وَعِنْدَهُمَا لَيْسَ بِشَرْطٍ فَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ وَإِنْ انْعَدَمَ الدَّعْوَى.
-
أَمَّا فِي الطَّلَاقِ فَعَدَمُ الدَّعْوَى لَا يُوجِبُ خَلَلًا فِي الشَّهَادَةِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِيهَا.
-
وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ إحْدَى أَمَتَيْهِ لَا تُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الدَّعْوَى شَرْطًا فِيهَا لِأَنَّهُ إنَّمَا لَا تُشْتَرَطُ الدَّعْوَى لِمَا أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَ الْفَرْجِ فَشَابَهُ الطَّلَاقَ، وَالْعِتْقُ الْمُبْهَمُ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ الْفَرْجِ عِنْدَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَصَارَ كَالشَّهَادَةِ عَلَى عِتْقِ أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ.
-
تَبَيَّنَ وَجْهُ الِاخْتِلَافِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَإِذَا كَانَ دَعْوَى الْعَبْدِ شَرْطًا عِنْدَهُ) إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ.
-
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ الدَّعْوَى مِنْ الْمَجْهُولِ لَا تَتَحَقَّقُ) قِيلَ عَلَيْهِ إذَا ادَّعَيَا ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ تُقْبَلَ الْبَيِّنَةُ لِأَنَّ الدَّعْوَى حَصَلَتْ مِنْ مُعَيَّنٍ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ، فَدَعْوَاهُمَا دَعْوَى غَيْرِ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَبِأَنَّ الدَّعْوَى حِينَئِذٍ لَا تَكُونُ مُطَابِقَةً لِلشَّهَادَةِ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ لَا عَلَى الْعَبْدَيْنِ.
-
قَوْلُهُ (وَلَوْ شَهِدَ أَنَّهُ أَعْتَقَ إحْدَى أَمَتَيْهِ) كَصُورَةِ نَقْضٍ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الدَّعْوَى لَيْسَتْ شَرْطًا فِي حَقِّ الْأَمَةِ وَلَمْ تُسْمَعْ الْبَيِّنَةُ هَاهُنَا. وَوَجْهُ دَفْعِهِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّهُ إنَّمَا لَا تُشْتَرَطُ الدَّعْوَى لِمَا أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَ الْفَرْجِ فَشَابَهَ الطَّلَاقَ، وَالْعِتْقُ الْمُبْهَمُ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ الْفَرْجِ عِنْدَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ) يَعْنِي قَوْلَهُ لَهُ أَنَّ الْمِلْكَ قَائِمٌ فِي الْمَوْطُوءَةِ إلَى قَوْلِهِ وَلِهَذَا حَلَّ وَطْؤُهُمَا، وَمَعْنَى قَوْلِهِ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَ الْفَرْجِ أَنَّ الْعِتْقَ إذَا حَصَلَ اسْتَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ بَعْدَهُ زِنًا.
-
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ عِتْقَ الْعَبْدِ الْمُعَيَّنِ يَسْتَلْزِمُ تَحْرِيمَ اسْتِرْقَاقِهِ، وَذَلِكَ أَيْضًا حَقُّ اللَّهِ فَوَجَبَ أَنْ تُسْتَغْنَى الشَّهَادَةُ فِيهِ عَنْ الدَّعْوَى. وَالْجَوَابُ أَنَّ لَازِمَ عِتْقِهَا مِنْ أَعْظَمِ الْكَبَائِرِ وَلَازَمَ عِتْقِهِ حُرْمَةٌ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهَا الشَّرْعُ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْكَبَائِرِ فَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا خَطَأٌ.
-
٤/٥٠٩٤/٥٠٩
وَهَذَا كُلُّهُ إذَا شَهِدَا فِي صِحَّتِهِ عَلَى أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ.
-
أَمَّا إذَا شَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَوْ شَهِدَا عَلَى تَدْبِيرِهِ فِي صِحَّتِهِ أَوْ فِي مَرَضِهِ وَأَدَاءُ الشَّهَادَةِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَوْ بَعْدَ الْوَفَاةِ تُقْبَلُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ حَيْثُمَا وَقَعَ وَصِيَّةً،
-
وَكَذَا الْعِتْقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَصِيَّةٌ، وَالْخَصْمُ فِي الْوَصِيَّةِ إنَّمَا هُوَ الْمُوصِي وَهُوَ مَعْلُومٌ.
-
وَعَنْهُ خَلَفٌ وَهُوَ الْوَصِيُّ أَوْ الْوَارِثُ، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ يَشِيعُ بِالْمَوْتِ فِيهِمَا فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَصْمًا مُتَعَيَّنًا.
-
وَقَوْلُهُ (أَمَّا إذَا شَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ) بَيَانُ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ فِي وَصِيَّةٍ اسْتِحْسَانًا. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ التَّدْبِيرَ حَيْثُمَا وَقَعَ وَقَعَ وَصِيَّةً) يَعْنِي سَوَاءٌ وَقَعَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ أَوْ فِي حَالِ الْمَرَضِ. وَلِلِاسْتِحْسَانِ وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ: أَحَدُهُمَا أَنَّ التَّدْبِيرَ مُطْلَقًا وَالْعِتْقَ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ (وَالْخَصْمُ فِي الْوَصِيَّةِ إنَّمَا هُوَ الْمُوصِي) لِأَنَّ تَنْفِيذَ الْوَصَايَا حَقُّ الْمَيِّتِ فَكَانَ الْمَيِّتُ مُدَّعِيًا تَقْدِيرًا (وَعَنْهُ خَلَفٌ وَهُوَ الْوَصِيُّ أَوْ الْوَارِثُ) فَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ وَالثَّانِي أَنَّ الْعِتْقَ يَشِيعُ بِالْمَوْتِ فِيهِمَا لِأَنَّهُ أَوْجَبَ الْعِتْقَ فِي أَحَدِهِمَا فِي حَالِ عَجْزِهِ عَنْ الْبَيَانِ فَكَانَ إيجَابًا لَهُمَا وَلِهَذَا يَعْتِقُ نِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَصْمًا مُتَعَيِّنًا) وَلَمْ يَذْكُرْ وَجْهَ الْقِيَاسِ، وَهُوَ أَنَّ الْمَقْضِيَّ لَهُ مَجْهُولٌ وَالدَّعْوَى مِنْ الْمَجْهُولِ لِظُهُورِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ.
-
٤/٥١٠٤/٥١٠
وَلَوْ شَهِدَا بَعْدَ مَوْتِهِ أَنَّهُ قَالَ فِي صِحَّتِهِ أَحَدُكُمَا حُرٌّ فَقَدْ قِيلَ: لَا تُقْبَلُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَصِيَّةٍ.
-
وَقِيلَ تُقْبَلُ لِلشُّيُوعِ هُوَ الصَّحِيحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَلَوْ شَهِدَا بَعْدَ مَوْتِهِ أَنَّهُ قَالَ فِي صِحَّتِهِ أَحَدُكُمَا حُرٌّ) قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: لَا نَصَّ فِيهِ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ مَشَايِخُنَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ (لَا تُقْبَلُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَصِيَّةٍ) حَتَّى يَكُونَ الْخَصْمُ هُوَ الْمُوصِي وَهُوَ مَعْلُومٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُقْبَلُ لِشُيُوعِ الْعِتْقِ فِيهِمَا، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَصْمًا مُتَعَيَّنًا فَكَانَتْ دَعْوَاهُمَا صَحِيحَةً وَهُوَ يَقْتَضِي قَبُولَ الشَّهَادَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.