كِتَابُ الْوَلَاءِ
العناية شرح الهدايةالحنفيةالمسائل ٣١٬٥٠٨ إلى ٣١٬٦٠٩
-
٩/٢١٨٩/٢١٨
الْوَلَاءُ نَوْعَانِ: وَلَاءُ عَتَاقَةٍ وَيُسَمَّى وَلَاءَ نِعْمَةٍ.
-
وَسَبَبُهُ الْعِتْقُ عَلَى مُلْكِهِ فِي الصَّحِيحِ، حَتَّى لَوْ عَتَقَ قَرِيبُهُ عَلَيْهِ بِالْوِرَاثَةِ كَانَ الْوَلَاءُ لَهُ. وَوَلَاءُ مُوَالَاةٍ، وَسَبَبُهُ الْعَقْدُ وَلِهَذَا يُقَالُ وَلَاءُ الْعَتَاقَةِ وَوَلَاءُ الْمُوَالَاةِ، وَالْحُكْمُ يُضَافُ إلَى
-
وَالْمَحَبَّةِ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْوَلِيِّ وَهُوَ الْقُرْبُ، وَحُصُولُ الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَفِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ تَنَاصُرٍ يُوجِبُ الْإِرْثَ وَالْعَقْلَ. قَالَ (الْوَلَاءُ نَوْعَانِ) يُنَوَّعُ الْوَلَاءُ بِاخْتِلَافِ السَّبَبِ إلَى نَوْعَيْنِ: فَالْأَوَّلُ (وَلَاءُ عَتَاقَةٍ وَيُسَمَّى وَلَاءَ نِعْمَةٍ) اقْتِفَاءً بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ أَيْ بِالْإِعْتَاقِ وَهُوَ زَيْدٌ.
-
(وَسَبَبُهُ الْعِتْقُ عَلَى مِلْكِهِ فِي الصَّحِيحِ) وَقَوْلُهُ فِي الصَّحِيحِ احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا إنَّ سَبَبَهُ الْإِعْتَاقُ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ ﷺ «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا، لِأَنَّهُ لَوْ عَتَقَ عَلَى الرَّجُلِ قَرِيبُهُ بِالْوِرَاثَةِ كَانَ الْوَلَاءُ لَهُ وَلَا إعْتَاقَ، فَجُعِلَ الْعِتْقُ سَبَبًا أَوْلَى لِعُمُومِهِ، وَالثَّانِي وَلَاءُ مُوَالَاةٍ وَسَبَبُهُ الْعَقْدُ عَلَى مَا سَنَذْكُرُ (قَوْلُهُ وَلِهَذَا يُقَالُ وَلَاءُ الْعَتَاقَةِ وَوَلَاءُ الْمُوَالَاةِ) بَيَانٌ لِسَبَبِ النَّوْعَيْنِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُضَافُ
-
٩/٢١٩٩/٢١٩
سَبَبِهِ، وَالْمَعْنَى فِيهِمَا التَّنَاصُرُ، وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَتَنَاصَرُ بِأَشْيَاءَ، وَقَرَّرَ النَّبِيُّ ﷺ تَنَاصُرَهُمْ بِالْوَلَاءِ بِنَوْعَيْهِ فَقَالَ: «إنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ وَحَلِيفُهُمْ مِنْهُمْ» وَالْمُرَادُ بِالْحَلِيفِ مَوْلَى الْمُوَالَاةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُؤَكِّدُونَ الْمُوَالَاةَ بِالْحِلْفِ.
-
قَالَ (وَإِذَا أَعْتَقَ الْمَوْلَى مَمْلُوكَهُ فَوَلَاؤُهُ لَهُ) لِقَوْلِ عليه الصلاة والسلام «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»
-
إلَى شَيْءٍ، وَالْإِضَافَةُ تَدُلُّ عَلَى السَّبَبِيَّةِ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ.
-
وَقَوْلُهُ (وَالْمَعْنَى فِيهِمَا التَّنَاصُرُ) بَيَانُ مَفْهُومِهِمَا الشَّرْعِيِّ (قَوْلُهُ وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَتَنَاصَرُ بِأَشْيَاءَ) بَيَانُ وُجُوهِ التَّنَاصُرِ فِيهِمَا،
-
فَإِنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَتَنَاصَرُ بِهِمَا وَبِالْحَلِفِ وَالْمُنَاطَاةِ (وَ) قَدْ (قَرَّرَ النَّبِيُّ ﷺ تَنَاصُرَهُمْ بِالْوَلَاءِ بِنَوْعَيْهِ فَقَالَ: «إنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ وَحَلِيفُهُمْ مِنْهُمْ» . وَالْمُرَادُ بِالْحَلِيفِ مَوْلَى الْمُوَالَاةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُؤَكِّدُونَ الْمُوَالَاةَ بِالْحَلِفِ) .
-
قَالَ (وَإِذَا أَعْتَقَ الْمَوْلَى مَمْلُوكَهُ إلَخْ) إذَا أَعْتَقَ الْمَوْلَى مَمْلُوكَهُ كَانَ الْوَلَاءُ لَهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الْحُكْمَ إذَا تَرَتَّبَ عَلَى مُشْتَقٍّ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَقَّ مِنْهُ عِلَّةٌ لِذَلِكَ الْحُكْمِ.
-
فَإِنْ قِيلَ: الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُنَاقِضُ جَعْلَ الْعِتْقِ سَبَبًا لِأَنَّ أَعْتَقَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْإِعْتَاقِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاشْتِقَاقِ هُوَ مَصْدَرُ
-
٩/٢٢٠٩/٢٢٠
وَلِأَنَّ التَّنَاصُرَ بِهِ فَيَعْقِلُهُ وَقَدْ أَحْيَاهُ مَعْنًى بِإِزَالَةِ الرِّقِّ عَنْهُ فَيَرِثُهُ وَيَصِيرُ الْوَلَاءُ كَالْوِلَادِ، وَلِأَنَّ الْغُنْمَ بِالْغُرْمِ،
-
وَكَذَا الْمَرْأَةُ تَعْتِقُ لِمَا رَوَيْنَا
-
الثُّلَاثِيِّ وَهُوَ الْعِتْقُ.
-
وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّ التَّنَاصُرَ بِهِ) أَيْ بِسَبَبِ الْإِعْتَاقِ دَلِيلٌ عَلَى الْأَثَرَيْنِ الثَّابِتَيْنِ بِهِ وَهُمَا الْعَقْلُ وَالْمِيرَاثُ. وَتَقْرِيرُهُ الْمَوْلَى يَنْتَصِرُ بِمَوْلَاهُ بِسَبَبِ الْعِتْقِ،
-
وَمَنْ يَنْتَصِرُ بِشَخْصٍ يَعْقِلُهُ لِأَنَّ الْغُرْمَ بِالْغُنْمِ فَحَيْثُ يَغْنَمُ بِنَصْرِهِ يَغْرَمُ عَقْلَهُ، وَالْمَوْلَى أَحْيَاهُ مَعْنًى بِإِزَالَةِ الرِّقِّ عَنْهُ، لِأَنَّ الرَّقِيقَ هَالِكٌ حُكْمًا، أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَعَلَّقَتْ بِالْأَحْيَاءِ نَحْوُ الْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ وَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ وَالْخُرُوجِ إلَى الْعِيدَيْنِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَبِالْإِعْتَاقِ تَثْبُتُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ فِي حَقِّهِ فَكَانَ إحْيَاءً مَعْنًى،
-
وَمَنْ أَحْيَا غَيْرَهُ مَعْنًى وَرِثَهُ كَالْوَالِدِ فَيَصِيرُ الْوَلَاءُ كَالْوِلَادِ وَالْوِلَادُ يُوجِبُ الْإِرْثَ، فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ، وَلِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ يَعْقِلُهُ فَيَرِثُهُ لِأَنَّ الْغُنْمَ بِالْغُرْمِ، فَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّ الْغُنْمَ بِالْغُرْمِ) يَخْدُمُ الْوَجْهَيْنِ فَلِهَذَا أَخَّرَهُ (قَوْلُهُ
-
وَكَذَا الْمَرْأَةُ تُعْتَقُ) يَعْنِي أَنَّ وَلَاءَ مُعْتِقِهَا لَهَا لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَوْلِهِ ﷺ
-
٩/٢٢١٩/٢٢١
«وَمَاتَ مُعْتَقٌ لِابْنَةِ حَمْزَةَ رضي الله عنهما عَنْهَا وَعَنْ بِنْتٍ فَجَعَلَ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام الْمَالَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ» . وَيُسْتَوَى فِيهِ الْإِعْتَاقُ بِمَالٍ وَبِغَيْرِهِ لِإِطْلَاقِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
-
قَالَ (فَإِنْ شَرَطَ أَنَّهُ سَائِبَةٌ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَالْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) لِأَنَّ الشَّرْطَ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ فَلَا يَصِحُّ.
-
قَالَ (وَإِذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ عَتَقَ وَوَلَاؤُهُ لِلْمَوْلَى وَإِنْ عَتَقَ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى) لِأَنَّهُ عَتَقَ عَلَيْهِ بِمَا بَاشَرَ مِنْ السَّبَبِ وَهُوَ الْكِتَابَةُ وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي الْمُكَاتَبِ
-
(وَكَذَا الْعَبْدُ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ أَوْ بِشِرَائِهِ وَعِتْقِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ) لِأَنَّ فِعْلَ الْوَصِيِّ بَعْدَ مَوْتِهِ كَفِعْلِهِ وَالتَّرِكَةُ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ
-
(وَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى عَتَقَ مُدَبَّرُوهُ وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ) لِمَا بَيَّنَّا فِي الْعَتَاقِ (وَوَلَاؤُهُمْ لَهُ) لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُمْ بِالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ
-
(وَمَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ عَتَقَ عَلَيْهِ) لِمَا بَيَّنَّا فِي الْعَتَاقِ (وَوَلَاؤُهُ لَهُ) لِوُجُودِ السَّبَبِ وَهُوَ الْعِتْقُ عَلَيْهِ
-
(وَإِذَا تَزَوَّجَ عَبْدُ رَجُلٍ أَمَةً لِآخَرَ فَأَعْتَقَ مَوْلَى الْأَمَةِ الْأَمَةَ وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ الْعَبْدِ عَتَقَتْ وَعَتَقَ حَمْلُهَا، وَوَلَاءُ الْحَمْلِ لِمَوْلَى الْأُمِّ لَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ أَبَدًا) لِأَنَّهُ عَتَقَ عَلَى مُعْتِقِ الْأُمِّ مَقْصُودًا إذْ هُوَ جُزْءٌ مِنْهَا يَقْبَلُ الْإِعْتَاقَ مَقْصُودًا فَلَا يَنْتَقِلُ وَلَاؤُهُ عَنْهُ عَمَلًا بِمَا رَوَيْنَا
-
(وَكَذَلِكَ إذَا وَلَدَتْ وَلَدًا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) لِلتَّيَقُّنِ بِقِيَامِ الْحَمْلِ وَقْتَ الْإِعْتَاقِ (أَوْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ أَحَدُهُمَا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) لِأَنَّهُمَا تَوْأَمَانِ يَتَعَلَّقَانِ مَعًا. وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا إذَا وَالَتْ رَجُلًا وَهِيَ حُبْلَى وَالزَّوْجُ وَالَى غَيْرَهُ حَيْثُ يَكُونُ وَلَاءُ الْوَلَدِ لِمَوْلَى الْأَبِ لِأَنَّ الْجَنِينَ غَيْرُ قَابِلٍ لِهَذَا الْوَلَاءِ مَقْصُودًا، لِأَنَّ تَمَامَهُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لَهُ.
-
«الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَقَوْلُهُ (وَمَاتَ مُعْتِقٌ لِابْنَةِ حَمْزَةَ رضي الله عنهما ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِمَا رَوَيْنَا مَعْنَى ذَكَرَهُ اسْتِدْلَالًا عَلَى ثُبُوتِ الْوَلَاءِ لِلْمَرْأَةِ (رُوِيَ «أَنَّ بِنْتَ حَمْزَةَ رضي الله عنهما أَعْتَقَتْ غُلَامًا لَهَا ثُمَّ مَاتَ الْمُعْتِقُ وَتَرَكَ ابْنَتَهُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَالَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ» .
-
وَيَسْتَوِي فِي ثُبُوتِ الْوَلَاءِ الْإِعْتَاقُ بِمَالٍ وَبِغَيْرِهِ) وَالْعِتْقُ بِقَرَابَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ عِنْدَ الْأَدَاءِ أَوْ تَدْبِيرٍ أَوْ اسْتِيلَادٍ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعِتْقُ حَاصِلًا ابْتِدَاءً أَوْ بِجِهَةِ الْوَاجِبِ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَمَا أَشْبَهَهَا (لِإِطْلَاقِ مَا ذَكَرْنَاهُ) يَعْنِي قَوْلَهُ ﷺ «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَعْنَى الْمَعْقُولِ.
-
(فَإِنْ شُرِطَ أَنَّهُ سَائِبَةٌ) أَيْ يَكُونُ حُرًّا وَلَا وَلَاءَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُعْتِقِهِ (فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَالْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، لِأَنَّ الشَّرْطَ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ فَلَا يَصِحُّ) .
-
قَالَ (وَإِذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ) كَلَامُهُ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى شَرْحٍ. وَذَكَرَ مَسْأَلَةَ جَرِّ الْوَلَاءِ وَبَيَّنَ مَوَاضِعَ الْجَرِّ عَنْ غَيْرِهِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْعِتْقَ إذَا وَقَعَ مَقْصُودًا عَلَى
-
٩/٢٢٢٩/٢٢٢
قَالَ (فَإِنْ وَلَدَتْ بَعْدَ عِتْقِهَا لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلَدًا فَوَلَاؤُهُ لِمَوَالِي الْأُمِّ) لِأَنَّهُ عَتَقَ تَبَعًا لِلْأُمِّ لِاتِّصَالِهِ بِهَا بَعْدَ عِتْقِهَا فَيَتْبَعُهَا فِي الْوَلَاءِ وَلَمْ يَتَيَقَّنْ بِقِيَامِهِ وَقْتَ الْإِعْتَاقِ حَتَّى يَعْتِقَ مَقْصُودًا (فَإِنْ أُعْتِقَ الْأَبُ جَرَّ وَلَاءَ ابْنِهِ وَانْتَقَلَ عَنْ مَوَالِي الْأُمِّ إلَى مَوَالِي الْأَبِ) لِأَنَّ الْعِتْقَ هَاهُنَا فِي الْوَلَدِ يَثْبُتُ تَبَعًا لِلْأُمِّ،
-
بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْوَلَاءَ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ قَالَ عليه الصلاة والسلام «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ» ثُمَّ النَّسَبُ إلَى الْآبَاءِ فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ وَالنِّسْبَةُ إلَى مَوَالِي الْأُمِّ كَانَتْ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الْأَبِ ضَرُورَةً،
-
فَإِذَا صَارَ أَهْلًا عَادَ الْوَلَاءُ إلَيْهِ؛ كَوَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ يُنْسَبُ إلَى قَوْمِ الْأُمِّ ضَرُورَةً،
-
فَإِذَا أَكَذَبَ الْمُلَاعِنُ نَفْسَهُ يُنْسَبُ إلَيْهِ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا أُعْتِقَتْ الْمُعْتَدَّةُ عَنْ مَوْتٍ أَوْ طَلَاقٍ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ أَوْ الطَّلَاقِ حَيْثُ يَكُونُ الْوَلَدُ مَوْلًى لِمَوَالِي الْأُمِّ وَإِنْ أُعْتِقَ الْأَبُ لِتَعَذُّرِ إضَافَةِ الْعُلُوقِ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالطَّلَاقِ الْبَائِنِ لِحُرْمَةِ الْوَطْءِ وَبَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ لِمَا أَنَّهُ يَصِيرُ مُرَاجَعًا بِالشَّكِّ فَأُسْنِدَ إلَى حَالَةِ النِّكَاحِ فَكَانَ الْوَلَدُ مَوْجُودًا عِنْدَ الْإِعْتَاقِ فَعَتَقَ مَقْصُودًا
-
(وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ
-
الْوَلَدِ لَا يَنْتَقِلُ وَلَاؤُهُ أَبَدًا،
-
وَإِنْ وَقَعَ تَبَعًا لِأُمِّهِ ثُمَّ أُعْتِقَ الْأَبُ جَرَّ وَلَاءَ ابْنِهِ إلَى مَوَالِيهِ.
-
وَعَلَى هَذَا إذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ أَمَةً وَوَلَدَهَا عَتَقَا وَوَلَاؤُهُمَا لَهُ،
-
فَإِنْ أُعْتِقَ الْأَبُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَجُرُّ وَلَاءَهُ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْ الْأُمِّ كَانَ مَمْلُوكًا لِمَالِكِ الْأُمِّ وَالْعِتْقُ تَنَاوَلَهُ مَقْصُودًا فَلَا يَتَّبِعُ أَحَدًا،
-
وَإِذَا أُعْتِقَتْ الْأُمُّ وَهِيَ حَامِلٌ أَوْ أُعْتِقَتْ وَوَلَدَتْ بَعْدَ الْعِتْقِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ وَلَدَتْ أَحَدَ التَّوْأَمَيْنِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بِيَوْمٍ ثُمَّ أَعْتَقَ الْأَبَ رَجُلٌ آخَرُ فَكَذَلِكَ لَا يَنْتَقِلُ الْوَلَاءُ إلَى مَوَالِي الْأَبِ لِأَنَّ الْمَوْلَى قَصَدَ إعْتَاقَ الْأُمِّ، وَالْقَصْدُ إلَيْهَا بِالْإِعْتَاقِ قَصْدٌ إلَى جَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَالْحَمْلُ جُزْءٌ مِنْهَا،
-
فَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ ظَاهِرًا وَقْتَ الْإِعْتَاقِ فَوَاضِحٌ،
-
وَإِنْ وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ حَصَلَ الْيَقِينُ بِقِيَامِهِ فِيهِ،
-
وَكَذَا إذَا وَلَدَتْ أَحَدَ التَّوْأَمَيْنِ لِأَنَّهُمَا يَتَعَلَّقَانِ مَعًا.
-
فَإِنْ قِيلَ: الْحُبْلَى إذَا وَالَتْ رَجُلًا وَالزَّوْجُ وَالَى غَيْرَهُ كَانَ وَلَاءُ الْوَلَدِ لِمَوْلَى الْأَبِ فَمَا الْفَرْقُ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْجَنِينَ غَيْرُ قَابِلٍ لِهَذَا الْوَلَاءِ مَقْصُودًا، لِأَنَّ تَمَامَهُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لَهُ،
-
وَإِذَا أَعْتَقَهَا ثُمَّ وَلَدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَوَلَاؤُهُ لِمَوَالِي الْأُمِّ لِأَنَّهَا لَمَّا وَلَدَتْ لِذَلِكَ لَمْ يَتَيَقَّنْ لِقِيَامِ الْحَمْلِ وَقْتَ الْإِعْتَاقِ حَتَّى يُعْتَقَ مَقْصُودًا فَيُعْتَقَ تَبَعًا لِلْأُمِّ لِاتِّصَالِهِ بِهَا بَعْدَ عِتْقِهَا فَيَتْبَعُهَا فِي الْوَلَاءِ.
-
فَإِنْ أُعْتِقَ الْأَبُ جَرَّ وَلَاءَ ابْنِهِ إلَى مَوَالِيهِ لِأَنَّ الْوَلَاءَ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ. قَالَ ﷺ «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» الْحَدِيثَ.
-
ثُمَّ النَّسَبُ إلَى الْآبَاءِ فَكَذَلِكَ
-
٩/٢٢٣٩/٢٢٣
وَإِذَا تَزَوَّجَتْ مُعْتَقَةً بِعَبْدٍ فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا فَجَنَى الْأَوْلَادُ فَعَقْلُهُمْ عَلَى مَوَالِي الْأُمِّ) لِأَنَّهُمْ عَتَقُوا تَبَعًا لِأُمِّهِمْ وَلَا عَاقِلَةَ لِأَبِيهِمْ وَلَا مَوْلَى، فَأُلْحِقُوا بِمَوَالِي الْأُمِّ ضَرُورَةً كَمَا فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا (فَإِنْ أُعْتِقَ الْأَبُ جَرَّ وَلَاءَ الْأَوْلَادِ إلَى نَفْسِهِ) لِمَا بَيَّنَّا (وَلَا يَرْجِعُونَ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَبِ بِمَا عَقَلُوا) لِأَنَّهُمْ حِينَ عَقَلُوهُ كَانَ الْوَلَاءُ ثَابِتًا لَهُمْ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِلْأَبِ مَقْصُودًا لِأَنَّ سَبَبَهُ مَقْصُودٌ وَهُوَ الْعِتْقُ،
-
بِخِلَافِ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ إذَا عَقَلَ عَنْهُ قَوْمُ الْأُمِّ ثُمَّ أَكْذَبَ الْمُلَاعِنُ نَفْسَهُ حَيْثُ يَرْجِعُونَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ النَّسَبَ هُنَالِكَ يَثْبُتُ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ وَكَانُوا مَجْبُورِينَ عَلَى
-
الْوَلَاءُ، وَالنِّسْبَةُ إلَى مَوَالِي الْأُمِّ كَانَتْ ضَرُورَةَ عَدَمِ أَهْلِيَّةِ الْأَبِ لِرِقِّهِ،
-
فَإِذَا صَارَ أَهْلًا عَادَ الْوَلَاءُ إلَيْهِ. كَمَا أَنَّ وَلَدَ الْمُلَاعَنَةِ يَنْتَسِبُ إلَى قَوْمِ الْأُمِّ ضَرُورَةً،
-
فَإِذَا أَكْذَبَ الْمُلَاعِنُ نَفْسَهُ عَادَ انْتِسَابُ الْوَلَاءِ إلَيْهِ. وَنُوقِضَ قَوْلُهُ فَإِذَا صَارَ طِفْلًا عَادَ الْوَلَاءُ إلَيْهِ بِمَا إذَا أُعْتِقَتْ الْمُعْتَدَّةُ عَنْ مَوْتٍ بِأَنْ كَانَتْ الْأَمَةُ امْرَأَةَ مُكَاتَبٍ فَمَاتَ عَنْ وَفَاءٍ أَوْ أُعْتِقَتْ الْمُعْتَدَّةُ عَنْ طَلَاقٍ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ أَوْ الطَّلَاقِ حَيْثُ يَكُونُ الْوَلَدُ مَوْلًى لِمَوَالِي الْأُمِّ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهُمْ، وَإِنْ أُعْتِقَ الْأَبُ.
-
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْعَوْدَ إلَيْهِ بِعَوْدِ الْأَهْلِيَّةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ بِهَذَا الْعِتْقِ لِلْأَبِ أَهْلِيَّةٌ لِتَعَذُّرِ إضَافَةِ الْعُلُوقِ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَإِلَى مَا بَعْدَ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ لِحُرْمَةِ الْوَطْءِ
-
وَكَذَلِكَ بَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ لِمَا أَنَّهُ يَصِيرُ مُرَاجِعًا بِالشَّكِّ، لِأَنَّهَا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا
-
٩/٢٢٤٩/٢٢٤
ذَلِكَ فَيَرْجِعُونَ.
-
قَالَ (مَنْ تَزَوَّجَ مِنْ الْعَجَمِ بِمُعْتَقَةٍ مِنْ الْعَرَبِ فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا) فَوَلَاءُ أَوْلَادِهَا لِمَوَالِيهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ رحمه الله . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: حُكْمُهُ حُكْمُ أَبِيهِ، لِأَنَّ النَّسَبَ إلَى الْأَبِ كَمَا إذَا كَانَ الْأَبُ عَرَبِيًّا،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْأَبُ عَبْدًا لِأَنَّهُ هَالِكٌ مَعْنًى
-
عِنْدَ الطَّلَاقِ فَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِ الرَّجْعَةِ لِثُبُوتِ النَّسَبِ، وَاحْتُمِلَ أَنْ لَا يَكُونَ فَيَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِهَا لِيَثْبُتَ النَّسَبُ،
-
وَإِذَا تَعَذَّرَ إضَافَتُهُ إلَى مَا بَعْدَ ذَلِكَ أُسْنِدَ إلَى حَالَةِ النِّكَاحِ فَكَانَ الْوَلَدُ مَوْجُودًا عِنْدَ الْإِعْتَاقِ فَعَتَقَ مَقْصُودًا،
-
وَمَنْ عَتَقَ مَقْصُودًا لَا يَنْتَقِلُ وَلَاؤُهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَتَبَيَّنُ مِنْ هَذَا أَنَّهَا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى الْمُتَيَقَّنِ بِوُجُودِ الْوَلَدِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَالطَّلَاقِ.
-
وَأَمَّا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ فَالْحُكْمُ فِيهِ يَخْتَلِفُ بِالطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَالرَّجْعِيِّ، فَفِي الْبَائِنِ مِثْلُ مَا كَانَ،
-
وَأَمَّا فِي الرَّجْعِيِّ فَوَلَاءُ الْوَلَدِ لِمَوَالِي الْأَبِ لِتَيَقُّنِنَا بِمُرَاجَعَتِهِ. وَذَكَرَ لَفْظَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى بَيَانِ الْعَقْلِ وَبَيَّنَ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ وَكَلَامُهُ فِيهِ وَاضِحٌ.
-
قَالَ (وَمَنْ تَزَوَّجَ مِنْ الْعَجَمِ بِمُعْتَقَةٍ مِنْ الْعَرَبِ إلَخْ) تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ مِنْ الْعَجَمِ لَمْ يُعْتِقْهُ أَحَدُ مُعْتَقَةِ الْعَرَبِ فَوَلَاءُ أَوْلَادِهَا لِمَوَالِيهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَأَمْوَالُهُمْ لَهُمْ لَا لِذَوِي أَرْحَامِهِ، حَتَّى لَوْ تَرَكَ هَذَا الْوَلَدُ عَمَّةً أَوْ خَالَةً لَمْ يَكُنْ لَهُمَا شَيْءٌ فِي وُجُودِ مُعْتِقِ الْأُمِّ وَعَصَبَتِهِ.
-
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله حُكْمُهُ حُكْمُ أَبِيهِ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ وَلَاءُ عَتَاقَةٍ وَإِنَّمَا يُورَثُ مَا لَهُ بَيْنَ ذَوِي أَرْحَامِهِ، كَمَا إذَا كَانَ الْأَبُ عَرَبِيًّا وَالْأُمُّ مُعْتَقَةً فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ وَلَاؤُهُ لِمَوَالِي أُمِّهِ لِأَنَّ النَّسَبَ إلَى الْآبَاءِ.
-
فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا كَانَ النَّسَبُ إلَى الْآبَاءِ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ الْأَبُ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. أَجَابَ بِأَنَّ الْعَبْدَ هَالِكٌ مَعْنًى لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا وَلِأَنَّهُ أَثَرُ الْكُفْرِ وَالْكُفْرُ مَوْتٌ حُكْمِيٌّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ فَصَارَ حَالُ هَذَا الْوَلَدِ فِي الْحُكْمِ حَالَ مَنْ لَا أَبَ لَهُ فَيُنْسَبُ إلَى مَوَالِي الْأُمِّ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ إذَا كَانَ الْأَبُ حُرًّا لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ حَيَاةٌ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْعَرَبُ وَالْعَجَمُ فِيهِ سَوَاءٌ.
-
وَوَجْهُ قَوْلِهِمَا مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ حَتَّى اُعْتُبِرَتْ الْكَفَاءَةُ فِيهِ أَنَّ النَّاسَ يَتَفَاخَرُونَ بِالْعَتَاقَةِ وَيَعْتَبِرُونَهَا فِي الْكَفَاءَةِ،
-
فَمَنْ لَهُ أَبٌ وَاحِدٌ فِي الْحُرِّيَّةِ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِمَنْ لَهُ أَبَوَانِ فِيهَا، وَالنَّسَبُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْعَجَمَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ لَمْ يَعْتَبِرُوا ذَلِكَ وَكَانَ تَفَاخُرُهُمْ بِعِمَارَةِ الدُّنْيَا حَتَّى جَعَلُوا مَنْ لَهُ أَبٌ وَاحِدٌ فِي الْإِمَارَةِ كُفُؤًا لِمَنْ لَهُ أَبَوَانِ فِي ذَلِكَ،
-
٩/٢٢٥٩/٢٢٥
وَلَهُمَا أَنَّ وَلَاءَ الْعَتَاقَةِ قَوِيٌّ مُعْتَبَرٌ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ حَتَّى اُعْتُبِرَتْ الْكَفَاءَةُ فِيهِ، وَالنَّسَبُ فِي حَقِّ الْعَجَمِ ضَعِيفٌ فَإِنَّهُمْ ضَيَّعُوا أَنْسَابَهُمْ وَلِهَذَا لَمْ تُعْتَبَرْ الْكَفَاءَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالنَّسَبِ، وَالْقَوِيُّ لَا يُعَارِضُهُ الضَّعِيفُ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْأَبُ عَرِيبًا لِأَنَّ أَنْسَابَ الْعَرَبِ قَوِيَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ فِي حُكْمِ الْكَفَاءَةِ وَالْعَقْلِ، كَمَا أَنَّ تَنَاصُرَهُمْ بِهَا فَأَغْنَتْ عَنْ الْوَلَاءِ.
-
قَالَ رضي الله عنه : الْخِلَافُ فِي مُطْلَقِ الْمُعْتَقَةِ وَالْوَضْعُ فِي مُعْتَقَةِ الْعَرَبِ وَقَعَ اتِّفَاقًا
-
(وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: نَبَطِيٌّ كَافِرٌ تَزَوَّجَ بِمُعْتَقَةٍ كَافِرَةٍ ثُمَّ أَسْلَمَ النَّبَطِيُّ وَوَالَى رَجُلًا ثُمَّ وَلَدَتْ أَوْلَادًا. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: مَوَالِيهِمْ مَوَالِي أُمِّهِمْ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: مَوَالِيهمْ مَوَالِي أَبِيهِمْ) لِأَنَّ الْوَلَاءَ وَإِنْ كَانَ أَضْعَفَ فَهُوَ مِنْ جَانِبِ الْأَبِ فَصَارَ كَالْمَوْلُودِ بَيْنَ وَاحِدٍ مِنْ الْمَوَالِي وَبَيْنَ الْعَرَبِيَّةِ.
-
وَلَهُمَا أَنَّ وَلَاءَ الْمُوَالَاةِ أَضْعَفُ حَتَّى يَقْبَلَ الْفَسْخَ، وَوَلَاءُ الْعَتَاقَةِ لَا يَقْبَلُهُ، وَالضَّعِيفُ لَا يَظْهَرُ فِي مُقَابَلَةِ الْقَوِيِّ،
-
وَإِنْ كَانَ الْأَبَوَانِ مُعْتَقَيْنِ فَالنِّسْبَةُ إلَى قَوْمِ الْأَبِ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا، وَالتَّرْجِيحُ لِجَانِبِهِ لِشَبَهِهِ بِالنَّسَبِ أَوْ لِأَنَّ النُّصْرَةَ بِهِ أَكْثَرُ.
-
قَالَ (وَوَلَاءُ الْعَتَاقَةِ تَعْصِيبٌ وَهُوَ أَحَقُّ بِالْمِيرَاثِ مِنْ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ) «لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام لِلَّذِي اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ هُوَ أَخُوك وَمَوْلَاك، إنْ شَكَرَك فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَشَرٌّ لَك، وَإِنْ كَفَرَك فَهُوَ خَيْرٌ لَك وَشَرٌّ لَهُ، وَلَوْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا كُنْت أَنْتَ عَصَبَتَهُ»
-
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله (الْخِلَافُ فِي مُطْلَقِ الْمُعْتَقَةِ) وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ مُحَمَّدًا رحمه الله ذَكَرَ الْمُعْتَقَةَ مُطْلَقًا، حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَ بِمُعْتَقَةِ غَيْرِ الْعَرَبِيِّ كَانَ كَذَلِكَ، فَكَانَ وَضْعُ الْقُدُورِيِّ فِي مُعْتَقَةِ الْعَرَبِ اتِّفَاقِيًّا.
-
وَذَكَرَ لَفْظَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِبَيَانِ أَنَّ مُحَمَّدًا رحمه الله ذَكَرَ الْمُعْتَقَةَ مُطْلَقًا وَلِاشْتِمَالِهِ عَلَى وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ، وَذَلِكَ وَاضِحٌ فِي الْكِتَابِ. (قَوْلُهُ كَالْمَوْلُودِ بَيْنَ وَاحِدٍ مِنْ الْمَوَالِي) يَعْنِي الْعَجَمَ،
-
فَإِنَّ الْعَجَمِيَّ إذَا تَزَوَّجَ بِعَرَبِيَّةٍ فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا فَإِنَّهَا تُنْسَبُ إلَى قَوْمِ أَبِيهِمْ، فَكَذَا إذَا كَانَتْ مُعْتَقَةً لِأَنَّ النِّسْبَةَ إلَى الْأُمِّ ضَعِيفَةٌ.
-
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ الْأَبَوَانِ) أَيْ الْوَالِدَانِ (مُعْتَقَيْنَ) رَاجِعٌ إلَى أَوَّلِ الْخِلَافِ: يَعْنِي إنْ كَانَتْ الْأُمُّ مُعْتَقَةً وَالْأَبُ وَالَى رَجُلًا فَفِيهِ الْخِلَافُ.
-
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْوَالِدَانِ مُعْتَقَيْنَ (فَ) قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ (النَّسَبَ) إلَى قَوْمِ الْأَبِ لِاسْتِوَائِهِمَا وَالتَّرْجِيحُ لِجَانِبِهِ لِشَبَهِهِ (بِالنَّسَبِ) قَالَ ﷺ «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» وَفِي حَقِيقَةِ النَّسَبِ يُضَافُ الْوَلَدُ إلَى الْأَبِ فِي الشَّرَفِ وَالدَّنَاءَةِ، فَكَذَلِكَ فِي الْوَلَاءِ، وَلِأَنَّ النُّصْرَةَ بِهِ: أَيْ بِالْأَبِ أَكْثَرُ.
-
قَالَ (وَوَلَاءُ الْعَتَاقَةِ تَعْصِيبٌ) التَّعْصِيبُ هُوَ جَعْلُ الْإِنْسَانِ عَصَبَةً، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ الذَّكَرُ يُعَصِّبُ الْأُنْثَى (وَهُوَ) أَيْ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ (أَحَقُّ بِالْمِيرَاثِ مِنْ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ لِلَّذِي اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ «هُوَ أَخُوك وَمَوْلَاك، إنْ شَكَرَك فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَشَرٌّ لَك، وَإِنْ كَفَرَك فَهُوَ خَيْرٌ لَك وَشَرٌّ لَهُ، وَلَوْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا كُنْت أَنْتَ عَصَبَتَهُ» ) قَوْلُهُ هُوَ أَخُوك: يَعْنِي فِي الدِّينِ، وَقَوْلُهُ إنْ شَكَرَك: يَعْنِي إنْ شَكَرَك بِالْمُجَازَاةِ عَلَى صَنِيعِك فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ لِأَنَّهُ انْتَدَبَ إلَى مَا نُدِبَ إلَيْهِ، وَشَرٌّ لَك لِأَنَّهُ أَوْصَلَ إلَيْك بَعْضَ الثَّوَابِ فِي الدُّنْيَا فَتَنْقُصُ بِقَدْرِهِ مِنْ ثَوَابِ الْآخِرَةِ،
-
وَإِنْ كَفَرَك فَهُوَ خَيْرٌ لَك لِأَنَّهُ يَبْقَى لَك ثَوَابُ الْعَمَلِ كُلُّهُ فِي الْآخِرَةِ، وَشَرٌّ لَهُ لِأَنَّهُ كُفْرُ النِّعْمَةِ. وَقَوْلُهُ كُنْت أَنْتَ عَصَبَتَهُ يَدُلُّ عَلَى
-
٩/٢٢٦٩/٢٢٦
«وَوَرَّثَ ابْنَةَ حَمْزَةَ رضي الله عنهما عَلَى سَبِيلِ الْعُصُوبَةِ مَعَ قِيَامِ وَارِثٍ» وَإِذْ كَانَ عَصَبَةً تَقَدَّمَ عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه (فَإِنْ كَانَ لِلْمُعْتَقِ عَصَبَةٌ مِنْ النَّسَبِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْمُعْتِقِ) ، لِأَنَّ الْمُعْتِقَ آخِرُ الْعَصَبَاتِ، وَهَذَا لِأَنَّ قَوْلَهُ عليه الصلاة والسلام «وَلَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا» قَالُوا: الْمُرَادُ مِنْهُ وَارِثٌ هُوَ عَصَبَةٌ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الثَّانِي فَتَأَخَّرَ عَنْ الْعَصَبَةِ دُونَ ذَوِي الْأَرْحَامِ.
-
قَالَ (فَإِنْ كَانَ لِلْمُعْتَقِ عَصَبَةٌ مِنْ النَّسَبِ فَهُوَ أَوْلَى) لِمَا ذَكَرْنَا (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَصَبَةٌ مِنْ النَّسَبِ فَمِيرَاثُهُ لِلْمُعْتَقِ) تَأْوِيلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ صَاحِبُ فَرْضٍ ذُو حَالٍ، أَمَّا إذَا كَانَ فَلَهُ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِهِ لِأَنَّهُ عَصَبَةٌ عَلَى مَا رَوَيْنَا، وَهَذَا لِأَنَّ الْعَصَبَةَ مَنْ يَكُونُ التَّنَاصُرُ بِهِ لِبَيْتِ النِّسْبَةِ وَبِالْمَوَالِي الِانْتِصَارُ عَلَى مَا مَرَّ وَالْعَصَبَةُ تَأْخُذُ مَا بَقِيَ
-
(فَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى ثُمَّ مَاتَ الْمُعْتَقُ فَمِيرَاثُهُ لِبَنِي الْمَوْلَى دُونَ بَنَاتِهِ) ، وَلَيْسَ لِلنِّسَاءِ مِنْ الْوَلَاءِ إلَّا مَا أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ كَاتَبْنَ أَوْ كَاتَبَ مَنْ كَاتَبْنَ بِهَذَا اللَّفْظِ وَرَدَ الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي آخِرِهِ «أَوْ جَرَّ وَلَاءَ وَلَاءِ مُعْتَقِهِنَّ» وَصُورَةُ الْجَرِّ قَدَّمْنَاهَا، وَلِأَنَّ ثُبُوتَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْقُوَّةِ فِي الْعِتْقِ مِنْ جِهَتِهَا فَيُنْسَبُ بِالْوَلَاءِ إلَيْهَا وَيُنْسَبُ إلَيْهَا مَنْ يُنْسَبُ إلَى مَوْلَاهَا،
-
بِخِلَافِ النَّسَبِ لِأَنَّ سَبَبَ النِّسْبَةِ فِيهِ
-
أَنَّ الْمُرَادَ وَلَمْ يَتْرُكْ عَصَبَةً حَيْثُ لَمْ يَقُلْ كُنْت وَارِثَهُ (وَوَرَّثَ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَةَ حَمْزَةَ رضي الله عنهما عَلَى سَبِيلِ الْعُصُوبَةِ مَعَ قِيَامِ وَارِثٍ) هِيَ بِنْتُ الْمَيِّتِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَى بِنْتَ الْمَيِّتِ النِّصْفَ وَالْبَاقِيَ لِبِنْتِ حَمْزَةَ، وَالْعَصَبَةُ هُوَ الَّذِي يَأْخُذُ مَا أَبْقَتْهُ الْفَرَائِضُ (وَإِذَا كَانَ عَصَبَةً تُقَدَّمُ عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه ) .
-
(فَإِنْ كَانَ لِلْمُعْتِقِ عَصَبَةٌ مِنْ النَّسَبِ فَهُوَ أَوْلَى) لِأَنَّ الْعِتْقَ آخِرُ الْعَصَبَاتِ عَلَى مَا قَالُوا إنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يَتْرُكْ عَصَبَةً وَارِثُ عَصَبَةٍ اسْتِدْلَالًا بِإِشَارَةِ الْحَدِيثِ كَمَا قُلْنَا فِي بَيَانِ قَوْلِهِ كُنْت أَنْتَ عَصَبَتَهُ، وَبِالْحَدِيثِ الثَّانِي: أَيْ بِحَدِيثِ بِنْتِ حَمْزَةَ فَتَأَخَّرَ عَنْ الْعَصَبَةِ دُونَ ذَوِي الْأَرْحَامِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ لِلْمُعْتِقِ (عَصَبَةٌ مِنْ النَّسَبِ فَمِيرَاثُهُ لِلْمُعْتِقِ، تَأْوِيلُهُ) أَيْ تَأْوِيلُ قَوْلِ الْقُدُورِيِّ (إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ صَاحِبُ فَرْضٍ ذُو حَالٍ، أَمَّا إذَا كَانَ فَلَهُ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِهِ) وَذَكَرُوا لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ تَأْوِيلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فَرْضٍ ذُو حَالٍ سِوَى حَالِ الْفَرْضِ كَالْأَبِ وَالْجَدِّ فَإِنَّ لَهُمَا حَالًا سِوَى حَالِ الْفَرْضِ وَهِيَ الْعُصُوبَةُ، أَمَّا إذَا كَانَ فَلَهُ: أَيْ فَلِمِثْلِ هَذَا الْوَارِثِ الْبَاقِي بِالْعُصُوبَةِ وَلَيْسَ لِلْمُعْتِقِ شَيْءٌ.
-
وَالثَّانِي أَنَّ مَعْنَاهُ ذُو حَالٍ وَاحِدٍ كَالْبِنْتِ، أَمَّا إذَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ فَلِلْمُعْتِقِ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ ذَلِكَ الْوَارِثِ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَالثَّانِي أَوْجَهُ لِأَنَّهُ عَلَّلَ قَوْلَهُ فَلَهُ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِهِ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّهُ عَصَبَةٌ عَلَى مَا رَوَيْنَا) وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ وَلَوْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا كُنْت أَنْتَ عَصَبَتَهُ وَهُوَ وَاضِحٌ.
-
وَقَوْلُهُ (وَهَذَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ عَصَبَةٌ: يَعْنِي إنَّمَا كَانَ عَصَبَةً (لِأَنَّ الْعَصَبَةَ مَنْ يَكُونُ التَّنَاصُرُ بِهِ لِبَيْتِ النِّسْبَةِ) أَيْ الْقَبِيلَةِ. وَتَقْرِيرُهُ الْعَصَبَةَ مَنْ يَكُونُ انْتِصَارُ الْقَبِيلَةِ بِهِ، وَبِالْمَوْلَى يَكُونُ الِانْتِصَارُ عَلَى مَا مَرَّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْوَلَاءِ. وَهُوَ قَوْلُهُ وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَتَنَاصَرُ بِأَشْيَاءَ، وَقَرَّرَ النَّبِيُّ ﷺ تَنَاصُرَهُمْ بِالْوَلَاءِ بِنَوْعَيْهِ.
-
وَقَوْلُهُ (وَالْعَصَبَةُ تَأْخُذُ مَا بَقِيَ) تَمَامُ الدَّلِيلِ. وَتَقْرِيرُهُ فَلَهُ الْبَاقِي لِأَنَّهُ عَصَبَةٌ وَالْعَصَبَةُ تَأْخُذُ الْبَاقِيَ (فَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى ثُمَّ مَاتَ الْمُعْتَقُ فَمِيرَاثُهُ لِبَنِي الْمَوْلَى دُونَ بَنَاتِهِ) لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَقَوْلُهُ (قَدَّمْنَاهَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ فَإِنْ وَلَدَتْ بَعْدَ عِتْقِهَا لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، إلَى أَنْ قَالَ: جَرَّ الْأَبُ وَلَاءَ ابْنِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ جَرَّ الْمُعْتِقِ وَمُعْتِقِ الْمُعْتِقِ فِي النِّهَايَةِ نَاقِلًا عَنْ الذَّخِيرَةِ فَلْيُطْلَبْ ثَمَّةَ.
-
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّ ثُبُوتَ الْمَالِكِيَّةِ إلَخْ) دَلِيلٌ مَعْقُولٌ عَلَى ثُبُوتِ الْوَلَاءِ مِمَّنْ أَعْتَقَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ. وَتَقْرِيرُهُ ثُبُوتُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْقُوَّةِ فِي الْمُعْتِقِ مِنْ جِهَةِ الْمُعْتَقَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَكُلُّ مَنْ ثَبَتَ مِنْ جِهَتِهِ شَيْءٌ يُنْسَبُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ عِلِّيَّتُهُ إذْ ذَاكَ فَثُبُوتُ الْمَالِكِيَّةِ يُنْسَبُ إلَيْهَا بِالْوَلَاءِ وَيُنْسَبُ إلَيْهَا مَنْ يُنْسَبُ إلَى مَوْلَاهَا، لِأَنَّ مُعْتَقَ الْمُعْتَقِ يُنْسَبُ إلَى مُعْتِقِهِ بِالْوَلَاءِ،
-
٩/٢٢٧٩/٢٢٧
الْفِرَاشِ، وَصَاحِبُ الْفِرَاشِ إنَّمَا هُوَ الزَّوْجُ، وَالْمَرْأَةُ مَمْلُوكَةٌ لَا مَالِكَةٌ، وَلَيْسَ حُكْمُ مِيرَاثِ الْمُعْتَقِ مَقْصُورًا عَلَى بَنِي الْمَوْلَى بَلْ هُوَ لِعَصَبَتِهِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُورَثُ وَيَخْلُفُهُ فِيهِ مَنْ تَكُونُ النُّصْرَةُ بِهِ، حَتَّى لَوْ تَرَكَ الْمَوْلَى أَبًا وَابْنًا فَالْوَلَاءُ لِلِابْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ أَقْرَبُهُمَا عُصُوبَةً،
-
وَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ لِلْجَدِّ دُونَ الْأَخِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ فِي الْعُصُوبَةِ عِنْدَهُ.
-
وَكَذَا الْوَلَاءُ لِابْنِ الْمُعْتَقَةِ حَتَّى يَرِثَهُ دُونَ أَخِيهَا لِمَا ذَكَرْنَا، إلَّا أَنَّ عَقْلَ جِنَايَةِ الْمُعْتَقِ عَلَى أَخِيهَا لِأَنَّهُ مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا وَجِنَايَتُهُ كَجِنَايَتِهَا
-
(وَلَوْ تَرَكَ الْمَوْلَى ابْنًا وَأَوْلَادَ ابْنٍ آخَرَ) مَعْنَاهُ بَنِي ابْنٍ آخَرَ (فَمِيرَاثُ الْمُعْتَقِ لِلِابْنِ دُونَ بَنِي الِابْنِ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِلْكِبَرِ) هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم مِنْهُمْ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُمْ رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ، وَمَعْنَاهُ الْقُرْبُ عَلَى مَا قَالُوا، وَالصُّلْبِيُّ أَقْرَبُ.
-
وَفِي ذَلِكَ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ.
-
بِخِلَافِ النَّسَبِ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا مِنْ الْآبَاءِ، لِأَنَّ سَبَبَ النِّسْبَةِ فِيهِ الْفِرَاشُ، وَالْفِرَاشُ إنَّمَا هُوَ لِلزَّوْجِ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ وَالْمَرْأَةُ مَمْلُوكَةٌ، وَلَيْسَ حُكْمُ مِيرَاثِ الْمُعْتِقِ مَقْصُورًا عَلَى بَنِي الْمَوْلَى بَلْ هُوَ لِعَصَبَتِهِ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ. لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُورَثُ حَتَّى يَكُونَ لِأَصْحَابِ الْفُرُوضِ مِنْهُ نَصِيبٌ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ بِاعْتِبَارِ النُّصْرَةِ فَيَخْلُفُهُ فِيهِ مَنْ تَكُونُ بِهِ النُّصْرَةُ، وَالنُّصْرَةُ بِالذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، حَتَّى لَوْ تَرَكَ الْمَوْلَى أَبًا وَابْنًا فَالْوَلَاءُ لِلِابْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
-
وَصُورَتُهُ: امْرَأَةٌ أَعْتَقَتْ عَبْدًا ثُمَّ مَاتَتْ عَنْ ابْنٍ وَأَبٍ ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ فَمِيرَاثُهُ لِلِابْنِ خَاصَّةً عِنْدَهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا،
-
ثُمَّ رَاجَعَ فَقَالَ: لِأَبِيهَا السُّدُسُ وَالْبَاقِي لِلِابْنِ. لِأَنَّ الْأُبُوَّةَ تُسْتَحَقُّ بِهَا كَالْبُنُوَّةِ، لِأَنَّ الْوَلَاءَ يُسْتَحَقُّ بِالْعُصُوبَةِ وَالْأَبُ عَصَبَةٌ عِنْدَ عَدَمِ الِابْنِ، وَوُجُودُ الِابْنِ لَا يُوجِبُ حِرْمَانَ الْأَبِ وَلِهَذَا لَمْ يَصِرْ مَحْرُومًا عِنْدَ مِيرَاثِهَا فَكَذَا عَنْ مِيرَاثِ مُعْتِقِهَا. وَلَهُمَا أَنَّ أَقْرَبَ الْعَصَبَاتِ يَقُومُ مَقَامَ الْمُعْتِقِ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي مِيرَاثِ الْمُعْتِقِ وَالِابْنُ هُوَ الْعَصَبَةُ دُونَ الْأَبِ، وَاسْتِحْقَاقُ الْأَبِ السُّدُسَ مِنْهَا بِالْفَرِيضَةِ دُونَ الْعُصُوبَةِ
-
وَكَذَا لَوْ تَرَكَ جَدُّ مَوْلَاهُ أَبَا أَبِيهِ وَأَخَاهُ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ كَانَ مِيرَاثُهُ لِلْجَدِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه لِأَنَّهُ لَا يُوَرِّثُ الْإِخْوَةَ وَالْأَخَوَاتِ، فَالْجَدُّ عِنْدَهُ أَقْرَبُ فِي الْعُصُوبَةِ.
-
وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً أَعْتَقَتْ عَبْدًا ثُمَّ مَاتَتْ وَتَرَكَتْ ابْنَهَا وَأَخَاهَا ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُمَا فَالْمِيرَاثُ لِابْنِهَا دُونَ أَخِيهَا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الِابْنَ أَقْرَبُ فِي الْعُصُوبَةِ إلَّا أَنَّ عَقْلَ جِنَايَةِ الْمُعْتِقِ عَلَى أَخِيهَا لِأَنَّهُ مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا وَجِنَايَتُهُ كَجِنَايَتِهَا وَجِنَايَتُهَا عَلَى قَوْمِ أَبِيهَا فَكَذَلِكَ جِنَايَةُ مُعْتِقِهَا وَابْنِهَا لَيْسَ مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا.
-
وَلَوْ تَرَكَ الْمَوْلَى ابْنًا وَبَنِي ابْنٍ آخَرَ فَمِيرَاثُ الْمُعْتِقِ لِلِابْنِ دُونَ بَنِي الِابْنِ، لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِلْكِبَرِ هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمْ رضي الله عنهم وَمَعْنَى الْكِبَرِ الْقُرْبُ فِي الْعُصُوبَةِ لَا فِي السِّنِّ عَلَى مَا قَالُوا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُعْتِقَ إذَا مَاتَ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ صَغِيرًا وَكَبِيرًا ثُمَّ مَاتَ الْمُعْتِقُ فَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْقُرْبِ إلَى الْمَيِّتِ مِنْ حَيْثُ النَّسَبُ وَالصُّلْبِيُّ أَقْرَبُ فَيَسْتَحِقُّ الْجَمِيعَ.