فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

فَصْلٌ فِي الْأَسْآرِ وَغَيْرِهَا

العناية شرح الهدايةالحنفيةالمسائل ٧٧٠ إلى ٩٠٠

  1. ١/١٠٧١/١٠٧

    لَمَا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ فَسَادِ الْمَاءِ وَعَدَمِهِ بِاعْتِبَارِ وُقُوعِ نَفْسِ الْحَيَوَانَاتِ فِيهِ ذِكْرُهُمَا بِاعْتِبَارِ مَا يَتَوَلَّدُ مِنْهَا وَهُوَ السُّؤْرُ وَهُوَ بَقِيَّةُ الْمَاءِ الَّتِي يُبْقِيهَا الشَّارِبُ فِي الْإِنَاءِ ثُمَّ عَمَّ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ وَفِي الطَّعَامِ. وَالْجَمْعُ الْأَسْآرُ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ عِنْدَنَا: طَاهِرٌ كَسُؤْرِ الْآدَمِيِّ وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَمَكْرُوهٌ كَسُؤْرِ الْهِرَّةِ، وَنَجِسٌ كَسُؤْرِ الْخِنْزِيرِ وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ

  2. ١/١٠٨١/١٠٨

    (فَصْلٌ فِي الْأَسْآرِ وَغَيْرِهَا)

  3. (وَعَرَقُ كُلِّ شَيْءٍ مُعْتَبَرٌ بِسُؤْرِهِ) لِأَنَّهُمَا يَتَوَلَّدَانِ مِنْ لَحْمِهِ فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا حُكْمَ صَاحِبِهِ. قَالَ (وَسُؤْرُ الْآدَمِيِّ وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ) لِأَنَّ الْمُخْتَلِطَ بِهِ اللُّعَابُ وَقَدْ تَوَلَّدَ مِنْ لَحْمٍ طَاهِرٍ فَيَكُونُ طَاهِرًا، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْجَوَابِ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَالْكَافِرُ.

  4. وَمَشْكُوكٌ فِيهِ كَسُؤْرِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ. قَالَ (وَعَرَقُ كُلِّ شَيْءٍ مُعْتَبَرٌ بِسُؤْرِهِ) قِيلَ كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَقُولَ وَسُؤْرُ كُلِّ شَيْءٍ مُعْتَبَرٌ بِعَرَقِهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي السُّؤْرِ لَا فِي الْعَرَقِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ فِي ضِمْنِ الْأَسْآرِ الْعَرَقَ،

  5. فَلَوْ قَالَ وَسُؤْرُ كُلِّ شَيْءٍ مُعْتَبَرٌ بِعَرَقِهِ لَوَجَبَ أَنْ يَقُولَ بَعْدَهُ عَرَقُ الْآدَمِيِّ كَذَا وَعَرَقُ الْكَلْبِ كَذَا وَعَرَقُ الْخِنْزِيرِ كَذَا، وَكَانَ الْفَصْلُ إذْ ذَاكَ لِلْعَرَقِ لَا لِلسُّؤْرِ،

  6. وَلَا يُنْتَقَضُ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ فَإِنَّهُ مَشْكُوكٌ، وَعَرَقُهُ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي طَهُورِيَّتِهِ لَا فِي طَهَارَتِهِ.

  7. وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّهُمَا) أَيْ اللُّعَابَ وَالْعَرَقَ أُضْمِرَ عَلَى اللُّعَابِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ؛ لِأَنَّ السُّؤْرَ هُوَ مَا خَالَطَهُ اللُّعَابُ فَكَانَ ذِكْرُ السُّؤْرِ ذِكْرًا لَهُ. وَقَوْلُهُ: (وَسُؤْرُ الْآدَمِيِّ وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ) كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَنَحْوِهَا (طَاهِرٌ) قِيلَ يَعْنِي بِغَيْرِ كَرَاهَةٍ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِيهِ سُؤْرُ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ فَإِنَّهُ مَأْكُولُ اللَّحْمِ وَسُؤْرُهُ مَكْرُوهٌ كَمَا سَيَأْتِي، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛

  8. لِأَنَّ مَأْكُولَ اللَّحْمِ طَاهِرُ السُّؤْرِ فَلَا مَانِعَ مِنْ الدُّخُولِ فِيهِ.

  9. وَقَوْلُهُ: (؛ لِأَنَّ الْمُخْتَلِطَ بِهِ اللُّعَابُ) وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ: (وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْجَوَابِ الْجُنُبُ) لِكَوْنِهِ آدَمِيًّا وَالْجَنَابَةُ لَا أَثَرَ لَهَا فِي ذَلِكَ لَمَا رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ حُذَيْفَةَ فَمَدّ يَدَهُ لِيُصَافِحَهُ فَقَبَضَ يَدَهُ وَقَالَ إنِّي جُنُبٌ، فَقَالَ عليه الصلاة والسلام الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ» وَبِهَذَا يَسْقُطُ مَا قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سُؤْرُ الْجُنُبِ نَجِسًا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لِوُجُودِ سُقُوطِ الْفَرْضِ عَنْ فَمِهِ بِشُرْبِهِ؛

  10. لِأَنَّهُ تَعْلِيلٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ عَلَى أَنَّهُ فِي مَكَانِ الضَّرُورَةِ فَيَسْقُطُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ كَسُقُوطِهِ عِنْدَ إدْخَالِ الْيَدِ الْإِنَاءَ وَالْحَائِضِ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها شَرِبَتْ مِنْ إنَاءٍ فِي حَالِ حَيْضِهَا فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَهُ عَلَى مَوْضِعِ فَمِهَا وَشَرِبَ» ، وَالْكَافِرِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْزَلَ وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي الْمَسْجِدِ وَكَانُوا مُشْرِكِينَ» ،

  11. وَلَوْ كَانَ عَيْنُ الْمُشْرِكِ نَجِسًا لَمَا فَعَلَ ذَلِكَ،

  12. وَلَا يُعَارَضُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾

  13. ١/١٠٩١/١٠٩

    (وَسُؤْرُ الْكَلْبِ نَجِسٌ) وَيُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِهِ ثَلَاثًا لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «يُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ ثَلَاثًا» وَلِسَانُهُ يُلَاقِي الْمَاءَ دُونَ الْإِنَاءِ، فَلَمَّا تَنَجَّسَ الْإِنَاءُ فَالْمَاءُ أَوْلَى، وَهَذَا يُفِيدُ النَّجَاسَةَ وَالْعَدَدَ فِي الْغَسْلِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ رحمه الله فِي اشْتِرَاطِ السَّبْعِ، وَلِأَنَّ مَا يُصِيبُهُ بَوْلُهُ يَطْهُرُ بِالثَّلَاثِ، فَمَا يُصِيبُهُ سُؤْرُهُ وَهُوَ دُونَهُ أَوْلَى.

  14. ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّجَسُ فِي الِاعْتِقَادِ.

  15. وَقَوْلُهُ: (وَسُؤْرُ الْكَلْبِ نَجِسٌ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ:

  16. (فَإِذَا تَنَجَّسَ الْإِنَاءُ فَالْمَاءُ أَوْلَى) يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ ثَابِتٌ بِالدَّلَالَةِ،

  17. فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ لَمَّا انْعَقَدَ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الْإِنَاءِ بِوُلُوغِهِ وَلِسَانُهُ لَمْ يُلَاقِهِ وَإِنَّمَا لَاقَى الْمَاءَ كَانَ دَلِيلًا عَلَى تَنَجُّسِ مَا يُلَاقِيهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى قِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِوُلُوغِ الْكَلْبِ فِي الْإِنَاءِ لَحْسَهُ فَيَكُونُ لِسَانُهُ مُلَاقِيًا لِلْإِنَاءِ فَلَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال بِالْأَوْلَوِيَّةِ.

  18. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوُلُوغَ حَقِيقَةٌ فِي شُرْبِ الْكَلْبِ وَأَشْبَاهِهِ مِنْ الْمَائِعَاتِ بِطَرَفِ لِسَانِهِ، وَالْكَلَامُ لِلْحَقِيقَةِ إذَا لَمْ يَصْرِفْهُ عَنْهَا قَرِينَةٌ (قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ هَذَا الْحَدِيثُ (يُفِيدُ النَّجَاسَةَ) نَفْيٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ، وَالْعَدَدُ نَفْيٌ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي اشْتِرَاطِ السَّبْعِ.

  19. وَقَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ مَا يُصِيبُهُ بَوْلُهُ يَطْهُرُ بِالثَّلَاثِ) أَيْ بِالِاتِّفَاقِ. وَقَوْلُهُ: (فَمَا يُصِيبُهُ سُؤْرُهُ وَهُوَ دُونَهُ) ؛ لِأَنَّ مَالِكًا يَقُولُ بِطَهَارَةِ سُؤْرِهِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِطَهَارَةِ بَوْلِهِ فَإِذَا طَهُرَ بَوْلُهُ بِالثَّلَاثِ فَلَأَنْ يَطْهُرَ سُؤْرُهُ (أَوْلَى) قِيلَ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بَوْلَهُ وَدَمَهُ وَسَائِرَ مَا هُوَ مِنْهُ نَجِسٌ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ سَبْعًا ذَكَرَهُ فِي التَّهْذِيبِ،

  20. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ عَنْهُ رِوَايَةٌ اطَّلَعَ عَلَيْهَا أَصْحَابُنَا فَيَكُونُ الْإِلْزَامُ عَلَيْهَا.

  21. ١/١١٠١/١١٠

    وَالْأَمْرُ الْوَارِدُ بِالسَّبْعِ مَحْمُولٌ عَلَى ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ.

  22. (وَسُؤْرُ الْخِنْزِيرِ نَجِسٌ) لِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ عَلَى مَا مَرَّ (وَسُؤْرُ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ نَجِسٌ) خِلَافًا لَلشَّافِعِيِّ رحمه الله فِيمَا سِوَى الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ لِأَنَّ لَحْمَهَا نَجِسٌ وَمِنْهُ يَتَوَلَّدُ اللُّعَابُ وَهُوَ

  23. وَقَوْلُهُ: (وَالْأَمْرُ الْوَارِدُ بِالسَّبْعِ) جَوَابٌ عَمَّا يَسْتَدِلُّ بِهِ الشَّافِعِيُّ مِمَّا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَائِكُمْ فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ» بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ مَنْعًا لَهُمْ مِنْ الِاقْتِنَاءِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لَا لِمَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ «وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ» وَالتَّعْفِيرُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِالِاتِّفَاقِ.

  24. فَإِنْ قِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ التَّعَبُّدَ لَا إزَالَةَ النَّجَاسَةِ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ غَسْلُ غَيْرِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَالْوَاجِبُ هَاهُنَا غَسْلُ مَوْضِعِ الْإِصَابَةِ بِالْإِجْمَاعِ، فَكَانَ الْغَسْلُ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ لَا لِلتَّعَبُّدِ.

  25. (وَسُؤْرُ الْخِنْزِيرِ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ) فَكَانَ لَحْمُهُ نَجِسًا وَاللُّعَابُ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ (وَسُؤْرُ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ نَجِسٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِيمَا سِوَى الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ) لِمَا مَرَّ فِي سُؤْرِ الْخِنْزِيرِ، وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ فَقِيلَ: أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفَضَلَتْ الْحُمُرُ؟ فَقَالَ نَعَمْ، وَبِمَا أَفَضَلَتْ السِّبَاعُ كُلُّهَا» وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ لَا يَصِحُّ لَهُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ؛

  26. لِأَنَّ رِوَايَةَ دَاوُد بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ جَابِرٍ وَدَاوُد بْنُ حُصَيْنٍ لَمْ يَلْقَ جَابِرًا كَذَا قَالَهُ الْجَصَّاصُ، وَلَئِنْ صَحَّ فَتَأْوِيلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحُمُرُ الْوَحْشِيَّةُ وَسِبَاعُ الطَّيْرِ أَوْ الْمُرَادُ بِهِ الْمَاءُ الْكَثِيرُ أَوْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قِيلَ تَحْرِيمُهَا تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ نَجَاسَةٌ غَلِيظَةٌ أَوْ خَفِيفَةٌ.

  27. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ نَجَاسَةٌ غَلِيظَةٌ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ كَبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ؛ لِأَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي سُؤْرِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ السِّبَاعِ كَمَا اخْتَلَفُوا فِي بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، فَأَوْجَبَ اخْتِلَافُهُمْ

  28. ١/١١١١/١١١

    الْمُعْتَبَرُ فِي الْبَابِ.

  29. (وَسُؤْرُ الْهِرَّةِ طَاهِرٌ مَكْرُوهٌ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ لِأَنَّ «النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام كَانَ يُصْغِي لَهَا الْإِنَاءَ فَتَشْرَبُ مِنْهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِهِ» . وَلَهُمَا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «الْهِرَّةُ سَبُعٌ» وَالْمُرَادُ بَيَانُ الْحُكْمِ دُونَ الْخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ، إلَّا أَنَّهُ سَقَطَتْ النَّجَاسَةُ لِعِلَّةِ الطَّوْفِ فَبَقِيَتْ الْكَرَاهَةُ.

  30. وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ،

  31. تَخْفِيفًا هَاهُنَا كَمَا أَوْجَبَ هُنَاكَ.

  32. (وَسُؤْرُ الْهِرَّةِ طَاهِرٌ مَكْرُوهٌ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ، وَرُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصْغِي لِلْهِرَّةِ الْإِنَاءَ فَتَشْرَبُ مِنْهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِهِ» وَقَالَ: كَيْفَ أَكْرَهُ مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ (وَلَهُمَا قَوْلُهُ: ﷺ «الْهِرَّةُ سَبُعٌ» وَالْمُرَادُ بِهِ بَيَانُ الْفِقْهِ دُونَ الْخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ) ؛

  33. لِأَنَّهُ ﷺ بُعِثَ لِبَيَانِ الشَّرَائِعِ.

  34. فَإِنْ قِيلَ فَكَانَ الْوَاجِبُ الْقَوْلَ بِنَجَاسَتِهِ. أَجَابَ (بِقَوْلِهِ إلَّا أَنَّهُ سَقَطَتْ النَّجَاسَةُ لِعِلَّةِ الطَّوْفِ فَبَقِيَتْ الْكَرَاهَةُ) وَقَوْلُهُ: لِعِلَّةِ الطَّوْفِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إشَارَةً إلَى الضَّرُورَةِ،

  35. فَإِنَّ حُكْمَ النَّجَاسَةِ يَسْقُطُ بِهَا كَمَا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ،

  36. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى مَا رُوِيَ عَنْ «عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي وَفِي بَيْتِهَا قَصْعَةٌ مِنْ هَرِيسَةٍ فَجَاءَتْ هِرَّةٌ وَأَكَلَتْ مِنْهَا، فَلَمَّا فَرَغَتْ مِنْ صَلَاتِهَا دَعَتْ جَارَاتٍ لَهَا فَكُنَّ يَتَحَامَيْنَ مِنْ مَوْضِعِ فَمِهَا فَمَدَّتْ يَدَهَا وَأَخَذَتْ مَوْضِعَ فَمِهَا وَأَكَلَتْ وَقَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ الْهِرَّةُ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ إنَّمَا هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ وَالطَّوَّافَاتِ عَلَيْكُمْ فَمَالُكُنَّ لَا تَأْكُلْنَ» فَإِنْ قِيلَ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَدُلُّ عَلَى النَّجَاسَةِ فَهُوَ مُحَرَّمٌ فَهَلَّا تُرَجِّحَ؟

  37. ١/١١٢١/١١٢

    ثُمَّ قِيلَ كَرَاهَتُهُ لِحُرْمَةِ اللَّحْمِ، وَقُبِلَ لِعَدَمِ تَحَامِيهَا النَّجَاسَةِ وَهَذَا يُشِيرُ إلَى التَّنَزُّهِ وَالْأَوَّلُ إلَى الْقُرْبِ مِنْ التَّحْرِيمِ.

  38. وَلَوْ أَكَلَتْ فَأْرَةً ثُمَّ شَرِبَتْ عَلَى فَوْرِهِ الْمَاءَ تَنَجَّسَ إلَّا إذَا مَكَثَتْ سَاعَةً لَغُسْلِهَا فَمَهَا بِلُعَابِهَا وَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ الصَّبِّ لِلضَّرُورَةِ.

  39. (وَسُؤْرُ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ) مَكْرُوهٌ لِأَنَّهَا تُخَالِطُ النَّجَاسَةَ وَلَوْ كَانَتْ مَحْبُوسَةً بِحَيْثُ لَا يَصِلُ مِنْقَارُهَا إلَى مَا تَحْتَ قَدَمَيْهَا لَا يُكْرَهُ لِوُقُوعِ الْأَمْنِ عَنْ الْمُخَالَطَةِ (وَ) كَذَا سُؤْرُ (سِبَاعِ الطَّيْرِ) لِأَنَّهَا تَأْكُلُ الْمَيْتَاتِ فَأَشْبَهَ الْمُخَلَّاةَ.

  40. فَالْجَوَابُ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مُؤَوَّلٌ دُونَ حَدِيثِ عَائِشَةَ فَيَقْوَى حَدِيثُ عَائِشَةَ بِقُوَّةِ حَالِهَا وَقُوَّةُ دَلَالَتِهِ تُعَارِضُ الْمُحَرَّمَ، وَحُمِلَ مَا رَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ مِنْ إصْغَاءِ الْإِنَاءِ لَهَا عَلَى مَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ.

  41. وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ قِيلَ كَرَاهَتُهُ لِحُرْمَةِ اللَّحْمِ) هُوَ قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إلَى التَّحْرِيمِ أَقْرَبُ (وَقِيلَ لِعَدَمِ تَحَامِيهَا النَّجَاسَةَ) ؛ لِأَنَّهَا تَتَنَاوَلُ الْجِيَفَ وَهُوَ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَرَاهَتَهُ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ قِيلَ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَالْأَقْرَبُ إلَى مُوَافَقَةِ الْأَثَرِ.

  42. وَقَوْلُهُ (وَلَوْ أَكَلَتْ) يَعْنِي الْهِرَّةَ ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ: (وَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ) يَعْنِي قَوْلَهُ إلَّا إذَا مَكَثَتْ سَاعَةً لِغَسْلِ فَمِهَا بِلُعَابِهَا؛ لِأَنَّهُمَا يُجَوِّزَانِ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ بِالْمَائِعَاتِ الطَّاهِرَةِ، وَلَكِنَّ الصَّبَّ شَرْطٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِلتَّطْهِيرِ فِي الْعُضْوِ وَسَقَطَ هَاهُنَا لِلضَّرُورَةِ.

  43. قَالَ (وَسُؤْرُ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ مَكْرُوهٌ) الْمُخَلَّاةُ هِيَ الْجَائِلَةُ فِي عَذِرَاتِ النَّاسِ وَالْمَحْبُوسَةُ عَلَى خِلَافِهَا، وَالْمَحْبُوسَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ مَحْبُوسَةً فِي بَيْتِ نَفْسِهَا، وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ مَحْبُوسَةً لِلتَّسْمِينِ وَيَكُونُ رَأْسُهَا وَأَكْلُهَا وَشُرْبُهَا خَارِجَ الْبَيْتِ، وَالْأُولَى تَجُولُ فِي عَذِرَاتِ نَفْسِهَا دُونَ الثَّانِيَةِ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ (بِحَيْثُ لَا يَصِلُ مِنْقَارُهَا إلَى مَا تَحْتَ قَدَمَيْهَا) إشَارَةٌ إلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، فَإِنَّهَا إذَا كَانَتْ كَذَلِكَ وَقَعَ الْأَمْنُ عَنْ مُخَالَطَةِ النَّجَاسَةِ

  44. بِخِلَافِ غَيْرِهَا. وَقَوْلُهُ: (وَكَذَا سُؤْرُ سِبَاعِ الطَّيْرِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَسُؤْرُ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ لِيَكُونَ دَاخِلًا فِي حُكْمِ الْكَرَاهَةِ، وَفِي الْقِيَاسِ نَجِسٌ اعْتِبَارًا بِسِبَاعِ الْوَحْشِ.

  45. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهَا تَشْرَبُ بِمِنْقَارِهَا وَهُوَ

  46. ١/١١٣١/١١٣

    وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله أَنَّهَا إذَا كَانَتْ مَحْبُوسَةً وَيَعْلَمُ صَاحِبُهَا أَنَّهُ لَا قَذَرَ عَلَى مِنْقَارِهَا لَا يُكْرَهُ، وَاسْتَحْسَنَ الْمَشَايِخُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ (وَ) سُؤْرُ (مَا يَسْكُنُ الْبُيُوتَ كَالْحَيَّةِ وَالْفَأْرَةِ) (مَكْرُوهٌ) لِأَنَّ حُرْمَةَ اللَّحْمِ أَوْجَبَتْ نَجَاسَةَ السُّؤْرِ إلَّا أَنَّهُ سَقَطَتْ النَّجَاسَةُ لِعِلَّةِ الطَّوْفِ فَبَقِيَتْ الْكَرَاهَةُ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى الْعِلَّةِ فِي الْهِرَّةِ.

  47. قَالَ (وَسُؤْرُ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ مَشْكُوكٌ فِيهِ) قِيلَ الشَّكُّ فِي طَهَارَتِهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ طَاهِرًا لَكَانَ طَهُورًا مَا لَمْ يَغْلِبْ اللُّعَابُ عَلَى الْمَاءِ،

  48. عَظْمٌ جَافٌّ، بِخِلَافِ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ فَإِنَّهَا تَشْرَبُ بِلِسَانِهَا وَهُوَ رَطْبٌ بِلُعَابِهَا، وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى كَرَاهَتِهِ بِمَا تُشْبِهُ بِهِ الْمُخَلَّاةَ وَهُوَ أَكْلُ الْمَيْتَاتِ إلْحَاقًا لَهَا بِهَا (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا) أَيْ سِبَاعَ الطَّيْرِ (إذَا كَانَتْ مَحْبُوسَةً وَيَعْلَمُ صَاحِبُهَا أَنَّهُ لَا قَذَرَ عَلَى مِنْقَارِهَا لَا يُكْرَهُ، وَاسْتَحْسَنَ الْمَشَايِخُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ) قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: رَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ هَذَا الطَّيْرُ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَيْتَةَ كَالْبَازِي الْأَهْلِيِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يُكْرَهُ الْوُضُوءُ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَسُؤْرُ مَا يَسْكُنُ الْبُيُوتَ) طَاهِرٌ.

  49. وَقَوْلُهُ: (وَالتَّنْبِيهُ عَلَى الْعِلَّةِ فِي الْهِرَّةِ) قِيلَ مَعْنَاهُ: وَبَقِيَ التَّنْبِيهُ عَلَى الْعِلَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْهِرَّةِ،

  50. وَقِيلَ هُوَ جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ مَاذَا الَّذِي دَلَّكُمْ عَلَى كَوْنِ الطَّوْفِ عِلَّةً لِسُقُوطِ النَّجَاسَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّلَ لِسُقُوطِ النَّجَاسَةِ عَنْ سُؤْرِ الْهِرَّةِ بِعِلَّةِ الطَّوْفِ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وَقَدْ وُجِدَ الطَّوْفُ فِي سَوَاكِنِ الْبُيُوتِ أَزْيَدَ مِنْهُ فِي الْهِرَّةِ،

  51. فَإِنَّ ثُلْمَةَ الْبَيْتِ إذَا سُدَّتْ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَدْخُلَ الْهِرَّةُ فِيهِ،

  52. وَأَمَّا سَوَاكِنُ الْبُيُوتِ كَالْحَيَّةِ وَالْفَأْرَةِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَنْعُهَا عَنْ الطَّوْفِ، فَكَانَ تَنْبِيهًا عَلَى سُقُوطِ النَّجَاسَةِ فِيهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَكَانَ الْعَلَّامَةُ الْكَرْدَرِيُّ يَقُولُ: اللَّهُ تَعَالَى عَلَّلَ لِسُقُوطِ وُجُوبِ الِاسْتِئْذَانِ بِعِلَّةِ الطَّوْفِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وَاسْتَدَلَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي سُؤْرِ الْهِرَّةِ بِتَعْلِيلِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ عَلَى سُقُوطِ النَّجَاسَةِ،

  53. ثُمَّ اسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله بِتَعْلِيلِهِ ﷺ فِي سُؤْرِ الْهِرَّةِ عَلَى سُقُوطِ نَجَاسَةِ سُؤْرِ سَوَاكِنِ الْبُيُوتِ لِعِلَّةِ الطَّوَافِ.

  54. قَوْلُهُ: (وَسُؤْرُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ مَشْكُوكٌ فِيهِ) هَذِهِ عِبَارَةُ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ، وَأَبُو طَاهِرٍ الدَّبَّاسُ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ مَشْكُوكًا فِيهِ. وَقَالَ: سُؤْرُ الْحِمَارِ طَاهِرٌ لَوْ غُمِسَ فِيهِ ثَوْبٌ جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهُ، إلَّا أَنَّهُ يُحْتَاطُ فِيهِ فَأَمَرَ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ، وَالْمَشَايِخُ قَالُوا: الْمُرَادُ بِالشَّكِّ التَّوَقُّفُ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ، وَالشَّافِعِيُّ رحمه الله يَجْعَلُهُ طَاهِرًا وَطَهُورًا؛

  55. لِأَنَّ كُلَّ حَيَوَانٍ يُنْتَفَعُ بِجِلْدِهِ فَسُؤْرُهُ طَهُورٌ عِنْدَهُ.

  56. وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّ الشَّكَّ فِي طَهَارَتِهِ أَوْ فِي طَهُورِيَّتِهِ، فَقِيلَ فِي طَهَارَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ طَاهِرًا لَكَانَ طَهُورًا مَا لَمْ يَغْلِبْ اللُّعَابُ عَلَى الْمَاءِ؛ لِأَنَّ اخْتِلَاطَ الطَّاهِرِ

  57. ١/١١٤١/١١٤

    وَقِيلَ الشَّكُّ فِي طَهُورِيَّتِهِ لِأَنَّهُ لَوْ وُجِدَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ رَأْسِهِ،

  58. وَكَذَا لَبَنُهُ طَاهِرٌ وَعَرَقُهُ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ وَإِنْ فَحُشْ، فَكَذَا سُؤْرُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَيُرْوَى نَصَّ مُحَمَّدٌ رحمه الله عَلَى طَهَارَتِهِ،

  59. بِالْمَاءِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الطَّهُورِيَّةِ مَا لَمْ يَغْلِبْ كَمَا إذَا اخْتَلَطَ مَاءُ الْوَرْدِ بِالْمَاءِ (وَقِيلَ الشَّكُّ فِي طَهُورِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَدَ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ) لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ رَأْسِهِ: يَعْنِي بَعْدَ مَا مَسَحَ رَأْسَهُ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ،

  60. وَلَوْ كَانَ الشَّكُّ فِي طَهَارَتِهِ لَوَجَبَ، وَإِنَّمَا عَيَّنَ الرَّأْسَ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الْأَعْضَاءِ يَطْهُرُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ:

  61. (وَكَذَا لَبَنُهُ طَاهِرٌ) وَلَا يُؤْكَلُ قِيلَ هَذَا لَيْسَ بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَإِنَّمَا هُوَ فِيهِ نَجِسٌ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ إنَّمَا هُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ. وَقَوْلُهُ: (وَعَرَقُهُ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ وَإِنْ فَحُشَ) هُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ: هُوَ نَجِسٌ نَجَاسَةً خَفِيفَةً، وَفِي رِوَايَةٍ: نَجِسٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةً، وَالْمَشْهُورُ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ.

  62. قَالَ الْقُدُورِيُّ رحمه الله : عَرَقُ الْحِمَارِ طَاهِرٌ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةِ. وَقَوْلُهُ: (فَكَذَا سُؤْرُهُ) يَعْنِي أَنَّ اللَّبَنَ وَالْعَرَقَ وَالسُّؤْرَ تَتَوَلَّدُ كُلُّهَا مِنْهُ،

  63. فَإِذَا كَانَا طَاهِرَيْنِ كَانَ السُّؤْرُ كَذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ الْأَصَحُّ) أَيْ الْقَوْلُ بِأَنَّ الشَّكَّ فِي طَهُورِيَّتِهِ أَصَحُّ. وَقَوْلُهُ: (نَصَّ مُحَمَّدٌ عَلَى طَهَارَتِهِ) هُوَ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ رحمه الله أَنَّهُ قَالَ: أَرْبَعٌ لَوْ غُمِسَ فِيهَا الثَّوْبُ لَمْ يَنْجَسْ، وَهِيَ سُؤْرُ الْحِمَارِ، وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ، وَلَبَنُ

  64. ١/١١٥١/١١٥

    وَسَبَبُ الشَّكِّ تَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ فِي إبَاحَتِهِ وَحُرْمَتِهِ، أَوْ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم فِي نَجَاسَتِهِ وَطَهَارَتِهِ.

  65. الْأَتَانِ وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ.

  66. وَقَوْلُهُ: (وَسَبَبُ الشَّكِّ تَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ) اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي سَبَبِ الشَّكِّ فِي سُؤْرِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ تَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ (فِي إبَاحَتِهِ وَحُرْمَتِهِ) فَإِنَّهُ رُوِيَ «أَنَّ غَالِبَ بْنَ أَبْجَرَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: لَمْ يَبْقَ لِي قَالَ إلَّا حُمَيْرَاتٍ، فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : كُلْ مِنْ سَمِينِ مَالِكَ» وَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ» .

  67. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: هَذَا لَا يَقْوَى؛ لِأَنَّ لَحْمَهُ حَرَامٌ بِلَا إشْكَالٍ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ الْمُحَرِّمُ وَالْمُبِيحُ فَغَلَبَ الْمُحَرِّمُ عَلَى الْمُبِيحِ. كَمَا لَوْ أَخْبَرَ عَدْلٌ بِأَنَّ هَذَا اللَّحْمَ ذَبِيحَةُ مَجُوسِيٍّ وَآخَرُ أَنَّهُ ذَبِيحَةُ مُسْلِمٍ: فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ لِغَلَبَةِ الْحُرْمَةِ فَكَانَ لَحْمُهُ حَرَامًا بِلَا إشْكَالٍ وَلُعَابُهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْهُ فَيَكُونُ نَجِسًا بِلَا إشْكَالٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛

  68. لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ نَجَاسَةَ لَبَنِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ طَاهِرٌ وَالْجَوَابُ بِالِالْتِزَامِ فَإِنَّهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ نَجِسٌ كَمَا تَقَدَّمَ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي طَهَارَتِهِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ التَّوَضُّؤَ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِالتَّوَضُّؤِ بِهِ وَلَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فَأَوْجَبَ شَكًّا.

  69. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَلَكِنْ هَذَا لَا يَقْوَى؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ لَا يُوجِبُ الْإِشْكَالَ كَمَا فِي إنَاءٍ أَخْبَرَ عَدْلٌ أَنَّهُ طَاهِرٌ وَأَخْبَرَ آخَرُ أَنَّهُ نَجِسٌ فَإِنَّ الْمَاءَ لَا يَصِيرُ مُشْكِلًا،

  70. وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ وَقَدْ اسْتَوَى الْخَبَرَانِ فَكَذَا هَذَا،

  71. ثُمَّ قَالَ وَالْأَصَحُّ أَنَّ دَلِيلَ الشَّكِّ هُوَ التَّرَدُّدُ فِي الضَّرُورَةِ،

  72. فَإِنَّ الْحِمَارَ يُرْبَطُ فِي الدُّورِ وَالْأَفْنِيَةِ فَكَانَ فِيهِ الضَّرُورَةُ إلَّا أَنَّهَا دُونَ ضَرُورَةِ الْهِرَّةِ وَالْفَأْرَةِ لِدُخُولِهِمَا الْمَضَايِقَ دُونَ الْحِمَارِ،

  73. فَلَوْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ أَصْلًا كَانَ كَالسِّبَاعِ فِي الْحُكْمِ بِالنَّجَاسَةِ بِلَا إشْكَالٍ،

  74. وَلَوْ كَانَتْ الضَّرُورَةُ كَضَرُورَتِهِمَا كَانَ مِثْلَهُمَا فِي سُقُوطِ النَّجَاسَةِ، وَحَيْثُ ثَبَتَتْ الضَّرُورَةُ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَاسْتَوَى مَا يُوجِبُ الطَّهَارَةَ وَالنَّجَاسَةَ تَسَاقَطَا لِلتَّعَارُضِ وَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى الْأَصْلِ.

  75. وَالْأَصْلُ شَيْئَانِ: الطَّهَارَةُ فِي جَانِبِ الْمَاءِ، وَالنَّجَاسَةُ فِي جَانِبِ اللُّعَابِ؛ لِأَنَّ لُعَابَهُ نَجِسٌ كَمَا بَيَّنَّا وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، فَبَقِيَ الْأَمْرُ مُشْكِلًا نَجِسًا مِنْ وَجْهٍ طَاهِرًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَكَانَ إشْكَالُ سُؤْرِهِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا بِهَذَا الطَّرِيقِ لَا لِإِشْكَالِ لَحْمِهِ وَلَا لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِي سُؤْرِهِ، هَذَا حَاصِلُ مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ.

  76. وَهَاهُنَا نُكْتَةٌ لَا بَأْسَ بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهَا، وَهِيَ أَنَّ طَهَارَةَ اللُّعَابِ وَنَجَاسَتَهُ دَائِرَتَانِ عَلَى طَهَارَةِ اللَّحْمِ وَنَجَاسَتِهِ، وَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْفَصْلِ وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْبَابِ،

  77. فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّجَاسَةِ النَّجَاسَةَ قَبْلَ الذَّبْحِ أَوْ بَعْدَهُ،

  78. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ كَانَتْ الشَّاةُ مُسَاوِيَةً لِلْكَلْبِ فِي أَنَّ لَحْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَجِسٌ بِالْمُجَاوَرَةِ،

  79. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَكَذَلِكَ فِي أَنَّ لَحْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَاهِرٌ بَعْدَ الذَّبْحِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي

  80. ١/١١٦١/١١٦

    وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّهُ نَجِسٌ تَرْجِيحًا لِلْحُرْمَةِ وَالنَّجَاسَةِ، وَالْبَغْلُ مِنْ نَسْلِ الْحِمَارِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَتِهِ،

  81. شُمُولَ الطَّهَارَةِ أَوْ النَّجَاسَةِ، وَحَلُّهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّحْمِ الطَّاهِرُ الْمُتَوَلِّدُ مِنْهُ اللُّعَابُ فِي غَيْرِ الْآدَمِيِّ مَا يَحِلُّ أَكْلُهُ بَعْدَ الذَّبْحِ وَبِالنَّجِسِ مَا يُقَابِلُهُ، وَطَهَارَةُ سُؤْرِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ فِي رِوَايَةٍ وَالْهِرَّةِ لِلضَّرُورَةِ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي النَّجَاسَةِ الْمُجَاوِرَةِ لِلدَّمِ الْمَسْفُوحِ قَبْلَ الذَّبْحِ،

  82. فَإِنَّ الشَّاةَ لَا تُؤْكَلُ إذَا مَاتَتْ حَتْفَ أَنْفِهَا، وَاشْتَرَكَا فِي الطَّهَارَةِ بَعْدَهُ لِزَوَالِ الْمُنَجِّسِ وَهُوَ الدَّمُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنَّ الشَّاةَ تُؤْكَلُ بَعْدَ الذَّبْحِ

  83. بِخِلَافِ الْكَلْبِ وَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى طَهَارَةِ سُؤْرِ الشَّاةِ دُونَ الْكَلْبِ،

  84. وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا أَيْضًا فِي الظَّاهِرِ إلَّا اخْتِلَاطُ اللُّعَابِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ اللَّحْمِ، فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ اللُّعَابَ الْمُتَوَلِّدَ مِنْ اللَّحْمِ الْمَأْكُولِ بَعْدَ الذَّبْحِ طَاهِرٌ بِلَا كَرَاهَةٍ دُونَ غَيْرِهِ إضَافَةً لِلْحَكَمِ إلَى الْفَارِقِ صِيَانَةً لِحُكْمِ الشَّرْعِ عَنْ الْمُنَاقَضَةِ ظَاهِرًا، هَذَا مَا سَنَحَ لِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

  85. قَوْلُهُ: (وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّهُ) أَيْ سُؤْرَ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ (نَجِسٌ) وَقَوْلُهُ: (تَرْجِيحًا لِلْحُرْمَةِ وَلِلنَّجَاسَةِ) يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْحُرْمَةُ مُتَعَلِّقَةً بِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ وَالنَّجَاسَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ،

  86. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ تَرْجِيحًا لِلْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ الْمُحَرِّمَ مُرَجِّحُ النَّجَاسَةِ،؛ لِأَنَّهُ إذَا تَرَجَّحَ الْمُحَرِّمُ تَتَرَجَّحُ النَّجَاسَةُ أَيْضًا لِامْتِنَاعِ الطَّهَارَةِ مَعَ الْحُرْمَةِ.

  87. وَاسْتُشْكِلَ بِمَا إذَا أَخْبَرَ عَدْلٌ بِحِلِّ طَعَامٍ وَآخَرُ بِحُرْمَتِهِ فَإِنَّهُ يُرَجَّحُ خَبَرُ الْحِلِّ، وَبِمَا إذَا أَخْبَرَ عَدْلٌ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ وَآخَرُ بِنَجَاسَتِهِ تُرَجَّحُ الطَّهَارَةُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَعَارُضَ الْخَبَرَيْنِ فِي الطَّعَامِ يُوجِبُ التَّهَاتُرَ وَالْعَمَلَ بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْحِلُّ،

  88. وَلَا يَجُوزُ تَرْجِيحُ الْحُرْمَةِ بِالِاحْتِيَاطِ لِاسْتِلْزَامِهِ تَكْذِيبَ الْمُخْبِرِ بِالْحِلِّ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ،

  89. فَأَمَّا أَدِلَّةُ الشَّرْعِ فِي حِلِّ الطَّعَامِ وَحُرْمَتِهِ فَتُوجِبُ التَّرْجِيحَ بِدَلِيلٍ، وَهُوَ تَقْلِيلُ النَّسْخِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، وَالْعَمَلُ بِالِاحْتِيَاطِ وَاجِبٌ عِنْدَ عَدَمِ الْمَانِعِ،

  90. وَكَذَا تَعَارُضُ الْخَبَرَيْنِ فِي الْمَاءِ يُوجِبُ التَّهَاتُرَ وَالْعَمَلَ بِالْأَصْلِ لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي اخْتِلَاطِ النَّجَاسَةِ بِهِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ فَبَقِيَ الْمَاءُ عَلَى أَصْلِهِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ فَأَمَّا هَاهُنَا فَقَدْ اخْتَلَطَ اللُّعَابُ الْمُتَوَلِّدُ مِنْ اللَّحْمِ بِالْمَاءِ بِيَقِينٍ وَقَدْ تَرَجَّحَ جِهَةُ الْحُرْمَةُ فِيهِ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَصْحَابِنَا وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى النَّجَاسَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَيَجِبُ تَرْجِيحُ النَّجَاسَةِ بِهَذَا الدَّلِيلِ.

  91. وَقَوْلُهُ: (وَالْبَغْلُ مِنْ نَسْلِ الْحِمَارِ)

  92. ١/١١٧١/١١٧

    (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمَا يَتَوَضَّأُ وَيَتَيَمَّمُ وَيَجُوزُ أَيُّهُمَا قَدَّمَ) وَقَالَ زُفَرُ رحمه الله : لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُقَدِّمَ الْوُضُوءَ لِأَنَّهُ مَاءٌ وَاجِبُ الِاسْتِعْمَالِ فَأَشْبَهَ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ. وَلَنَا أَنَّ الْمُطَهِّرَ أَحَدُهُمَا فَيُفِيدُ الْجَمْعُ دُونَ التَّرْتِيبِ.

  93. (وَسُؤْرُ الْفَرَسِ طَاهِرٌ عِنْدَهُمَا) لِأَنَّ لَحْمَهُ مَأْكُولٌ

  94. (وَكَذَا عِنْدَهُ فِي الصَّحِيحِ) لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لِإِظْهَارِ شَرَفِهِ.

  95. (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا نَبِيذَ التَّمْرِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ

  96. ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمَا) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (وَلَنَا أَنَّ الْمُطَهِّرَ أَحَدُهُمَا) يَعْنِي أَنَّ الْمُطَهِّرَ فِي الْوَاقِعِ إمَّا السُّؤْرُ أَوْ التُّرَابُ،

  97. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلَا فَائِدَةَ فِي اسْتِعْمَالِ الثَّانِي تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ،

  98. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَلَا يَضُرُّ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فَوَجَبَ الضَّمُّ دُونَ التَّرْتِيبِ، وَالضَّمِيرُ فِي يُفِيدُ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ يَتَوَضَّأُ بِهِمَا وَيَتَيَمَّمُ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ.

  99. وَقَوْلُهُ: (وَسُؤْرُ الْفَرَسِ طَاهِرٌ عِنْدَهُمَا) مَعْنَاهُ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (فِي الصَّحِيحِ) احْتِرَازٌ عَنْ الرِّوَايَاتِ الْبَاقِيَةِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ فِي سُؤْرِ الْفَرَسِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَرْبَعَ رِوَايَاتٍ: قَالَ فِي رِوَايَةٍ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِغَيْرِهِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْبَلْخِيّ عَنْهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَلَحْمِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: هُوَ مَشْكُوكٌ كَسُؤْرِ الْحِمَارِ، وَفِي رِوَايَةِ كِتَابِ الصَّلَاةِ: هُوَ طَاهِرٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ.

  100. قَالَ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا نَبِيذَ التَّمْرِ) إنَّمَا ذَكَرَ نَبِيذَ التَّمْرِ فِي فَصْلِ الْأَسْآرِ؛ لِأَنَّ لَهُ شَبَهًا خَاصًّا بِسُؤْرِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ يَقُولُ يُضَمُّ التَّيَمُّمُ إلَى الْوُضُوءِ بِهِ احْتِيَاطًا كَمَا

  101. ١/١١٨١/١١٨

    - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا يَتَيَمَّمُ) لِحَدِيثِ لَيْلَةِ الْجِنِّ،

  102. فَإِنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام تَوَضَّأَ بِهِ حِينَ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله : يَتَيَمَّمُ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله عَمَلًا بِآيَةِ التَّيَمُّمِ لِأَنَّهَا أَقْوَى، أَوْ هُوَ مَنْسُوخٌ بِهَا لِأَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ، وَلَيْلَةُ الْجِنِّ كَانَتْ مَكِّيَّةً.

  103. وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله : يَتَوَضَّأُ

  104. سَنَذْكُرُهُ.

  105. وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: فِي وَقْتِ الْجَوَازِ، وَفِي جَوَازِ الْوُضُوءِ بِهِ، وَفِي نَفْسِهِ.

  106. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ التَّيَمُّمُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا نَبِيذَ التَّمْرِ: يَعْنِي إذَا عَدِمَ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ.

  107. وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالزِّيَادَاتِ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا يَتَيَمَّمُ، وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. أَنَّهُ إنْ تَوَضَّأَ بِهِ وَتَيَمَّمَ أَحَبُّ إلَيَّ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ تَوَضَّأَ بِهِ وَلَمْ يَتَيَمَّمْ جَازَ،

  108. وَلَوْ عَكَسَ لَمْ يَجُزْ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُسْتَحَبٌّ.

  109. وَالثَّالِثَةُ مَا رَوَى نُوحٌ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو يُوسُفَ. أَمَّا وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى فَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ مِنْ قَوْلِهِ لِحَدِيثِ لَيْلَةِ الْجِنِّ وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو رَافِعٍ وَابْنُ الْمُعْتَمِرِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ ذَاتَ لَيْلَةٍ ثُمَّ قَالَ: لِيَقُمْ مَعِي مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، فَقَامَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه ، فَحَمَلَهُ: أَيْ أَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ نَفْسِهِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: خَرَجْنَا مِنْ مَكَّةَ وَخَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَوْلِي خَطًّا وَقَالَ: لَا تَخْرُجْ عَنْ هَذَا الْخَطِّ فَإِنَّك إنْ خَرَجَتْ عَنْهُ لَمْ تَلْقَنِي إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ ذَهَبَ يَدْعُو الْجِنَّ إلَى الْإِيمَانِ وَيَقْرَأُ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَقَالَ لِي: هَلْ بَقِيَ مَعَك مَاءٌ أَتَوَضَّأُ بِهِ؟ فَقُلْت لَا إلَّا نَبِيذُ التَّمْرِ فِي إدَاوَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَمْرَةٌ طَيْبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ، وَأَخَذَهُ وَتَوَضَّأَ بِهِ وَصَلَّى الْفَجْرَ» وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْعَمَلُ بِآيَةِ التَّيَمُّمِ فَإِنَّهَا تَنْقُلُ التَّطْهِيرَ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ إلَى التُّرَابِ وَنَبِيذُ التَّمْرِ مَاءٌ مِنْ وَجْهٍ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مَرْدُودًا بِهَا لِكَوْنِهَا أَقْوَى مِنْ الْحَدِيثِ أَوْ هُوَ مَنْسُوخٌ بِهَا، أَيْ بِآيَةِ التَّيَمُّمِ؛

  110. لِأَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ وَلَيْلَةَ الْجِنِّ كَانَتْ بِمَكَّةَ.

  111. فَإِنْ قِيلَ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ: أَوْ هُوَ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ التَّيَمُّمِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ جَوَابُ أَبِي يُوسُفَ خَاصَّةً، وَالْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا هُوَ قَوْلُهُ: عَمَلًا بِآيَةِ التَّيَمُّمِ

  112. ١/١١٩١/١١٩

    بِهِ وَيَتَيَمَّمُ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ اضْطِرَابًا وَفِي التَّارِيخِ جَهَالَةً فَوَجَبَ الْجَمْعُ احْتِيَاطًا. قُلْنَا لَيْلَةَ الْجِنِّ كَانَتْ غَيْرَ وَاحِدَةٍ فَلَا يَصِحُّ دَعْوَى النَّسْخِ، وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ عَمِلَتْ بِهِ الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم ، وَبِمِثْلِهِ يُزَادُ عَلَى الْكِتَابِ.

  113. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ اضْطِرَابًا؛ لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى أَبِي زَيْدٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْحُرَيْثِ رَوَى عَنْهُ أَبُو فَزَارَةَ وَكَانَ نَبَّاذًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ لِيُهَوِّنَ عَلَى النَّاسِ أَمْرَ النَّبِيذِ، وَأَبُو زَيْدٍ كَانَ مَجْهُولًا عِنْدَ النَّقَلَةِ؛ وَلِأَنَّهُ رَوَى عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَلْ كَانَ أَبُوك مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟

  114. فَقَالَ: وَلَوَدِدْت أَنْ لَوْ كَانَ أَبِي صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ،

  115. وَلَوْ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَكَانَ فَخْرًا عَظِيمًا وَمَنْقَبَةً لَهُ وَلِعَقِبِهِ بَعْدَهُ، فَأَنْكَرَ كَوْنَ أَبِيهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ،

  116. وَلَوْ كَانَ لَمَا خَفِيَ عَلَى ابْنِهِ، وَفِي التَّارِيخِ جَهَالَةٌ، فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي انْتِسَاخِ هَذَا الْحَدِيثِ لِجَهَالَةِ التَّارِيخِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ التَّيَمُّمِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يُنْسَخْ؛ لِأَنَّ آيَةَ التَّيَمُّمِ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ الْأَسْفَارِ، وَالنَّبِيذُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْعَادَاتِ فِيمَا قَرُبَ مِنْ الْأَمْصَارِ فَيَجِبُ الْجَمْعُ احْتِيَاطًا، قُلْنَا لَيْلَةُ الْجِنِّ كَانَتْ غَيْرَ وَاحِدَةٍ: يَعْنِي أَنَّهَا تَكَرَّرَتْ.

  117. قَالَ فِي التَّيْسِيرِ: «إنَّ الْجِنَّ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَفْعَتَيْنِ» ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الدَّفْعَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْمَدِينَةِ بَعْدَ آيَةِ التَّيَمُّمِ فَلَا يَصِحُّ دَعْوَى النَّسْخِ، وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ ثَبَتَ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ وَعَمِلَتْ بِهِ الصَّحَابَةُ كَعَلِيٍّ رَوَى عَنْهُ الْحَارِثُ أَنَّهُ قَالَ: الْوُضُوءُ بِنَبِيذِ التَّمْرِ وُضُوءُ مَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ.

  118. وَرَوَى عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالْوُضُوءِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ.

  119. رَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: تَوَضَّئُوا بِنَبِيذِ التَّمْرِ وَلَا تَتَوَضَّئُوا بِاللَّبَنِ. وَرَوَى عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ أَنَّهُ كَانَ يُجَوِّزُ الْوُضُوءَ بِنَبِيذِ التَّمْرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يُجَوِّزُ الْوُضُوءَ بِنَبِيذِ التَّمْرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَهْم كِبَارُ الصَّحَابَةِ أَئِمَّةُ الْفَتْوَى فَيَكُونُ قَوْلُهُمْ مَعْمُولًا بِهِ (وَبِمِثْلِهِ) أَيْ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ (يُزَادُ عَلَى الْكِتَابِ) قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ اشْتَبَهَ كَوْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ

  120. ١/١٢٠١/١٢٠

    وَأَمَّا الِاغْتِسَالُ بِهِ فَقَدْ قِيلَ يَجُوزُ عِنْدَهُ اعْتِبَارًا بِالْوُضُوءِ،

  121. وَقِيلَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ فَوْقَهُ، وَالنَّبِيذُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ حُلْوًا رَقِيقًا يَسِيلُ عَلَى الْأَعْضَاءِ كَالْمَاءِ، وَمَا اشْتَدَّ مِنْهَا صَارَ حَرَامًا لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ،

  122. وَإِنْ غَيَّرَتْهُ النَّارُ فَمَا دَامَ حُلْوًا رَقِيقًا فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ،

  123. وَإِنْ اشْتَدَّ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ لِأَنَّهُ يَحِلُّ شُرْبُهُ عِنْدَهُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رحمه الله لَا يَتَوَضَّأُ بِهِ لِحُرْمَةِ شُرْبِهِ عِنْدَهُ،

  124. وَلَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِمَا سِوَاهُ مِنْ الْأَنْبِذَةِ جَرْيًا عَلَى قَضِيَّةِ الْقِيَاسِ.

  125. قُلْنَا فِي الْبَابِ مَا يَكْفِي الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ وَهُوَ رِوَايَةُ هَؤُلَاءِ الْكِبَارِ مِنْ الصَّحَابَةِ (قَوْلُهُ:

  126. وَأَمَّا الِاغْتِسَالُ بِهِ) أَيْ بِنَبِيذِ التَّمْرِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ اعْتِبَارًا بِالْوُضُوءِ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي وَهُوَ وُجُودُ الْحَدَثِ وَعَدَمُ الْمَاءِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ؛ لِأَنَّ الْأَثَرَ جَاءَ فِي الْوُضُوءِ خَاصَّةً وَالْغُسْلُ فَوْقَهُ فَلَا يُلْحَقُ بِهِ.

  127. وَقَوْلُهُ: (وَالنَّبِيذُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ) بَيَانُ الْمَوْضِعِ الثَّالِثِ، ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي النَّوَادِرِ هُوَ أَنْ يُلْقِيَ تُمَيْرَاتٍ فِي مَاءٍ حَتَّى صَارَ الْمَاءُ حُلْوًا رَقِيقًا وَلَا يَكُونُ مُشْتَدًّا وَمُسْكِرًا، وَمَا اشْتَدَّ مِنْهَا وَصَارَ مُرًّا لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْكِرًا حَرَامًا،

  128. وَإِنْ غَيَّرَتْهُ النَّارُ، فَمَا دَامَ حُلْوًا رَقِيقًا يَسِيلُ عَلَى الْأَعْضَاءِ فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ،

  129. وَإِنْ اشْتَدَّ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِحِلِّ شُرْبِهِ عِنْدَهُ، وَلَمْ يَجُزْ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِحُرْمَتِهِ عِنْدَهُ،

  130. وَلَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِمَا سِوَاهُ مِنْ الْأَنْبِذَةِ كَنَبِيذِ الزَّبِيبِ وَالتِّينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ نَبِيذَ التَّمْرِ خُصَّ بِالْأَثَرِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَيَبْقَى الْبَاقِي عَلَى مُوجِبِ الْقِيَاسِ، وَلِأَنَّهُ عَلَّلَ بِعِلَّةٍ قَاصِرَةٍ وَهِيَ كَوْنُهَا تَمْرَةً طَيْبَةً عَلَّلَ بِاسْمٍ وَصِفَةٍ وَهُوَ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ.

  131. اعْلَمْ أَنَّ الْقُدُورِيَّ رحمه الله ذَكَرَ فِي شَرْحِهِ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِنَبِيذِ التَّمْرِ إلَّا بِالنِّيَّةِ كَالتَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْمَاءِ كَالتَّيَمُّمِ، حَتَّى لَا يَجُوزَ التَّوَضُّؤُ بِهِ حَالَ وُجُودِ الْمَاءِ،

  132. وَلَوْ تَوَضَّأَ بِالنَّبِيذِ ثُمَّ وَجَدَ مَاءً مُطْلَقًا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ كَمَا يُنْتَقَضُ التَّيَمُّمُ بِوُجُودِ الْمَاءِ.