بَابُ الْقَسْمِ
العناية شرح الهدايةالحنفيةالمسائل ١٠٬٦٧٥ إلى ١٠٬٧٠٢
-
٣/٤٣٢٣/٤٣٢
(بَابُ الْقَسْمِ) :
-
كَانَ لِلرَّجُلِ امْرَأَتَانِ حُرَّتَانِ لَمَّا ذَكَرَ جَوَازَ عَدَدٍ مِنْ النِّسَاءِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ بَيَانِ الْعَدْلِ الْوَارِدِ مِنْ الشَّارِعِ فِي حَقِّهِنَّ فِي بَابٍ عَلَى حِدَةٍ، لَكِنَّ اعْتِرَاضَ مَا هُوَ أَهَمُّ بِالذِّكْرِ مِنْ بَيَانِ جَوَازِ النِّكَاحِ وَعَدَمِهِ الرَّاجِعَيْنِ إلَى أَمْرِ الْفُرُوجِ وَغَيْرِهِمَا أَوْجَبَ تَأْخِيرَهُ.
-
وَالْقَسْمُ بِفَتْحِ الْقَافِ مَصْدَرٌ، قَسَمَ الْقَسَّامُ الْمَالَ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ: فَرَّقَهُ بَيْنَهُمْ وَعَيَّنَ أَنْصِبَاءَهُمْ، وَمِنْهُ الْقَسْمُ بَيْنَ النِّسَاءِ،
-
٣/٤٣٣٣/٤٣٣
وَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ امْرَأَتَانِ حُرَّتَانِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُمَا فِي الْقَسْمِ بِكْرَيْنِ كَانَتَا أَوْ ثَيِّبَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا بِكْرًا وَالْأُخْرَى ثَيِّبًا) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ وَمَالَ إلَى إحْدَاهُمَا فِي الْقَسْمِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها «أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام كَانَ يَعْدِلُ فِي الْقَسْمِ بَيْنَ نِسَائِهِ. وَكَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تُؤَاخِذْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ: يَعْنِي زِيَادَةَ الْمَحَبَّةِ» وَلَا فَصْلَ فِيمَا رَوَيْنَا.
-
وَالْقَدِيمَةُ وَالْجَدِيدَةُ سَوَاءٌ لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا
-
وَقَدْ وَقَعَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ.
-
(وَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ امْرَأَتَانِ) بِتَذْكِيرِ كَانَ مَعَ إسْنَادِهِ إلَى الْمُؤَنَّثِ الْحَقِيقِيِّ لِوُقُوعِ الْفَصْلِ كَمَا فِي قَوْلِك حَضَرَ الْقَاضِي الْيَوْمَ امْرَأَةٌ، وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ:
-
(وَلَا فَصْلَ فِيمَا رَوَيْنَا) يَعْنِي بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ، (وَالْقَدِيمَةِ وَالْجَدِيدَةِ سَوَاءٌ لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا) مِنْ غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ الْجَدِيدَةِ وَالْقَدِيمَةِ.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ كَانَتْ الْجَدِيدَةُ بِكْرًا يَفْضُلُهَا بِسَبْعِ لَيَالٍ وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَبِثَلَاثٍ،
-
ثُمَّ التَّسْوِيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «تُفَضَّلُ الْبِكْرُ بِسَبْعٍ وَالثَّيِّبُ بِثَلَاثٍ» ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي مَوْضِعَيْنِ: فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ، وَفِي تَفْضِيلِ الْجَدِيدَةِ عَلَى الْقَدِيمَةِ، فَنَفَى الْمُصَنِّفُ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ:
-
وَلَا فَصْلَ فِيمَا رَوَيْنَا، وَالثَّانِي بِقَوْلِهِ: لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا، وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّفْضِيلِ بِالْبُدَاءَةِ دُونَ الزِّيَادَةِ كَمَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ: «إنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَك وَسَبَّعْتُ لَهُنَّ» وَنَحْنُ نَقُولُ لِلزَّوْجِ أَنْ يَبْتَدِئَ بِالْجَدِيدَةِ، وَلَكِنْ
-
٣/٤٣٤٣/٤٣٤
وَلِأَنَّ الْقَسْمَ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ وَلَا تَفَاوُتَ بَيْنَهُنَّ فِي ذَلِكَ، وَالِاخْتِيَارُ فِي مِقْدَارِ الدَّوْرِ إلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ هُوَ التَّسْوِيَةُ دُونَ طَرِيقِهِ.
-
وَالتَّسْوِيَةُ الْمُسْتَحَقَّةُ فِي الْبَيْتُوتَةِ لَا فِي الْمُجَامَعَةِ؛ لِأَنَّهَا تُبْتَنَى عَلَى النَّشَاطِ. .
-
بِشَرْطِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمَا (وَلِأَنَّ الْقَسْمَ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ) كَالنَّفَقَةِ،
-
وَلَا تَفَاوَتَ فِي ذَلِكَ بَيْن الْبِكْر وَالثَّيِّبِ وَالْجَدِيدَةِ وَالْقَدِيمَةِ، كَمَا لَا تَفَاوُتَ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ وَالْبَالِغَةِ وَالْمُرَاهِقَةِ وَالْمَجْنُونَةِ وَالْعَاقِلَةِ وَالْمَرِيضَةِ وَالصَّحِيحَةِ لِلْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُنَّ فِي سَبَبِ هَذَا الْحَقِّ وَهُوَ الْحِلُّ الثَّابِتُ بِالنِّكَاحِ،
-
وَكَذَلِكَ فِي طَرَفِ الرَّجُلِ الْمَجْبُوبِ وَالْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ وَالْغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ إذَا دَخَلَ بِامْرَأَتِهِ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْقَسْمُ. وَقَوْلُهُ: (وَالِاخْتِيَارُ فِي مِقْدَارِ الدُّورِ لِلزَّوْجِ) ظَاهِرٌ.
-
٣/٤٣٥٣/٤٣٥
وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا حُرَّةً وَالْأُخْرَى أَمَةً فَلِلْحُرَّةِ الثُّلُثَانِ مِنْ الْقَسْمِ وَلِلْأَمَةِ الثُّلُثُ) بِذَلِكَ وَرَدَ الْأَثَرُ، وَلِأَنَّ حِلَّ الْأَمَةِ أَنْقَصُ مِنْ حِلِّ الْحُرَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ إظْهَارِ النُّقْصَانِ فِي الْحُقُوقِ. وَالْمُكَاتَبَةُ وَالْمُدَبَّرَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ بِمَنْزِلَةِ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ فِيهِنَّ قَائِمٌ. .
-
قَالَ (وَلَا حَقَّ لَهُنَّ فِي الْقَسْمِ حَالَةَ السَّفَرِ فَيُسَافِرُ الزَّوْجُ بِمَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ فَيُسَافِرُ بِمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقُرْعَةُ مُسْتَحَقَّةٌ، لِمَا رُوِيَ
-
وَقَوْلُهُ: (بِذَلِكَ وَرَدَ الْأَثَرُ) يَعْنِي مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: «لِلْحُرَّةِ ثُلُثَانِ مِنْ الْقَسْمِ وَلِلْأَمَةِ الثُّلُثُ» ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ خِلَافُهُ فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ. وَقَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ حِلَّ الْأَمَةِ أَنْقَصُ مِنْ حِلِّ الْحُرَّةِ) يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ نِكَاحُهَا مَعَ الْحُرَّةِ وَلَا بَعْدَهَا وَإِنَّمَا يَحِلُّ قَبْلَهَا وَمَوْضِعُهُ أُصُولُ الْفِقْهِ،
-
(فَلَا بُدَّ مِنْ إظْهَارِ النُّقْصَانِ فِي الْحُقُوقِ) ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ بِقَدْرِ دَلِيلِهِ، (وَالْمُكَاتَبَةُ وَالْمُدَبَّرَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ بِمَنْزِلَةِ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ فِيهِنَّ قَائِمٌ) فَيَكُونُ لَهُنَّ الثُّلُثُ مِنْ الْقَسْمِ كَالْأَمَةِ.
-
وَقَوْلُهُ: (وَلَا حَقَّ لَهُنَّ فِي الْقَسْمِ حَالَةَ السَّفَرِ) هَذَا الْكَلَامُ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثِ مَسَائِلَ: إحْدَاهَا أَنَّ الْقُرْعَةَ مُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ
-
٣/٤٣٦٣/٤٣٦
«أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام كَانَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ» إلَّا أَنَّا نَقُولُ: إنَّ الْقُرْعَةَ لِتَطْيِيبِ قُلُوبِهِنَّ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الِاسْتِحْبَابِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ مُسَافَرَةِ الزَّوْجِ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ لَا يَسْتَصْحِبَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ فَكَذَا لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِتِلْكَ الْمُدَّةِ.
-
(وَإِنْ رَضِيَتْ إحْدَى الزَّوْجَاتِ بِتَرْكِ قَسْمِهَا لِصَاحِبَتِهَا جَازَ) ؛ لِأَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ رضي الله عنها
-
مُسْتَحَقَّةٌ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ إذَا سَافَرَ بِوَاحِدَةٍ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ ثُمَّ رَجَعَ هَلْ لِلْبَاقِيَاتِ أَنْ يَحْتَسِبْنَ تِلْكَ الْمُدَّةَ أَوْ لَا؟ عِنْدَنَا لَيْسَ لَهُنَّ ذَلِكَ خِلَافًا لَهُ، وَهَذِهِ بِنَاءً عَلَى الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْإِقْرَاعَ إذَا كَانَ مُسْتَحَقًّا وَلَمْ يَفْعَلْهُ كَانَتْ مُدَّةُ سَفَرِهِ نَوْبَةً الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْأُخْرَى مِثْلُ ذَلِكَ لِيَتَحَقَّقَ الْعَدْلُ، وَلَكِنَّنَا نَقُولُ: وُجُوبُ التَّسْوِيَةِ فِي وَقْتِ
-
٣/٤٣٧٣/٤٣٧
«سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام أَنْ يُرَاجِعَهَا وَتَجْعَلَ يَوْمَ نَوْبَتِهَا لِعَائِشَةَ رضي الله عنها » (وَلَهَا أَنْ تَرْجِعَ فِي ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقًّا لَمْ يَجِبْ بَعْدُ فَلَا يَسْقُطُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
-
اسْتِحْقَاقِ الْقَسْمِ عَلَيْهِ وَفِي حَالَةِ السَّفَرِ لَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ فَلَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ فَلَا تَكُونُ تِلْكَ الْمُدَّةُ مَحْسُوبَةً مِنْ نَوْبَتِهَا. وَالثَّالِثَةُ أَنَّ بَعْضَهُنَّ إنْ رَضِيَتْ بِتَرْكِ قَسْمِهَا لِصَاحِبَتِهَا جَازَ،
-
وَإِنْ رَجَعَتْ فِي ذَلِكَ فَكَذَلِكَ وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ.
-
وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقًّا لَمْ يَجِبْ بَعْدُ فَلَا يَسْقُطُ) تَوْضِيحُهُ أَنَّ الْإِسْقَاطَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْقَائِمِ؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ كَانَ الرُّجُوعُ عَنْهُ امْتِنَاعًا لَا إسْقَاطًا فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْعَارِيَّةِ، وَلِلْمُعِيرِ أَنْ يَرْجِعَ مَتَى شَاءَ لِمَا قُلْنَا فَكَذَا هَذَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.