فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

فَصْلٌ فِي اللُّبْسِ

العناية شرح الهدايةالحنفيةالمسائل ٣٤٬٥٨٣ إلى ٣٤٬٦٤٦

  1. ١٠/١٧١٠/١٧

    قَالَ (لَا يَحِلُّ لِلرِّجَالِ لُبْسُ الْحَرِيرِ وَيَحِلُّ لِلنِّسَاءِ) «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَقَالَ: إنَّمَا يَلْبَسُهُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» وَإِنَّمَا حَلَّ لِلنِّسَاءِ بِحَدِيثٍ آخَرَ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ عِدَّةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم مِنْهُمْ عَلِيٌّ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ وَبِإِحْدَى يَدَيْهِ حَرِيرٌ وَبِالْأُخْرَى ذَهَبٌ وَقَالَ: هَذَانِ مُحَرَّمَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حَلَالٌ لِإِنَاثِهِمْ» وَيُرْوَى «حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ»

  2. لَمَّا فَرَغَ مِنْ مُقَدِّمَاتِ مَسَائِلِ الْكَرَاهِيَةِ ذَكَرَ تَفْصِيلَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْإِنْسَانُ، وَقَدَّمَ اللُّبْسَ لِكَثْرَةِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ. قَالَ (لَا يَحِلُّ لِلرِّجَالِ لُبْسُ الْحَرِيرِ وَيَحِلُّ لِلنِّسَاءِ إلَخْ) لَمَّا ذَكَرَ الْحُرْمَةَ وَالْحِلَّ اسْتَدَلَّ عَلَى الْحُرْمَةِ بِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّمَا يَلْبَسُهُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» وَهُوَ عَامٌّ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لَزِمَ أَنْ يَقُولَ (وَإِنَّمَا حَلَّ لِلنِّسَاءِ بِحَدِيثٍ آخَرَ) فَإِنْ قِيلَ: الْحَدِيثُ الدَّالُّ عَلَى حِلِّهِ لَهُنَّ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْأَوَّلِ فَيُنْسَخُ بِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَيَتَعَارَضَانِ، لِأَنَّ الْعَامَّ كَالْخَاصِّ فِي إفَادَةِ الْقَطْعِ عِنْدَنَا، أَوْ لَا يُعْلَمُ التَّارِيخُ فَيُجْعَلُ الْمُحَرَّمُ مُتَأَخِّرًا لِئَلَّا يَلْزَمَ النَّسْخُ مَرَّتَيْنِ.

  3. فَالْجَوَابُ أَنَّهُ بَعْدَهُ بِدَلِيلِ اسْتِعْمَالِهِنَّ إيَّاهُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَذَلِكَ آيَةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى تَأَخُّرِهِ فَيُنْسَخُ بِهِ الْمُحَرَّمُ، وَتَكْرَارُ النَّسْخِ بِالدَّلِيلِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ.

  4. فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﷺ

  5. ١٠/١٨١٠/١٨

    (إلَّا أَنَّ الْقَلِيلَ عَفْوٌ وَهُوَ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ أَوْ أَرْبَعَةٍ كَالْأَعْلَامِ وَالْمَكْفُوفِ بِالْحَرِيرِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ إصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ» أَرَادَ الْأَعْلَامَ.

  6. وَعَنْهُ عليه الصلاة والسلام «أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ جُبَّةً مَكْفُوفَةً بِالْحَرِيرِ»

  7. . قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِتَوَسُّدِهِ وَالنَّوْمِ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يُكْرَهُ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ذَكَرَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَحْدَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَشَايِخِ،

  8. هَذَانِ حَرَامَانِ " إشَارَةٌ إلَى جُزْئِيَّيْنِ فَمِنْ أَيْنَ الْعُمُومُ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْجِنْسُ وَلَئِنْ كَانَ شَخْصًا فَغَيْرُهُ يَلْحَقُ بِهِ بِالدَّلَالَةِ.

  9. وَقَوْلُهُ (قَالَا: وَيُكْرَهُ) يَعْنِي لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ جَمِيعًا، بِخِلَافِ اللُّبْسِ.

  10. ١٠/١٩١٠/١٩

    وَكَذَا الِاخْتِلَافُ فِي سِتْرِ الْحَرِيرِ وَتَعْلِيقِهِ عَلَى الْأَبْوَابِ. لَهُمَا الْعُمُومَاتُ، وَلِأَنَّهُ مِنْ زِيِّ الْأَكَاسِرَةِ وَالْجَبَابِرَةِ وَالتَّشَبُّهُ بِهِمْ حَرَامٌ. وَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه : إيَّاكُمْ وَزِيَّ الْأَعَاجِمِ.

  11. وَلَهُ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام جَلَسَ عَلَى مِرْفَقَةِ حَرِيرٍ» ، وَقَدْ كَانَ عَلَى بِسَاطِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما مِرْفَقَةُ حَرِيرٍ، وَلِأَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ الْمَلْبُوسِ مُبَاحٌ كَالْأَعْلَامِ فَكَذَا الْقَلِيلَ مِنْ اللُّبْسِ وَالِاسْتِعْمَالِ، وَالْجَامِعُ كَوْنُهُ نَمُوذَجًا عَلَى مَا عُرِفَ.

  12. قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ فِي الْحَرْبِ عِنْدَهُمَا) لِمَا رَوَى الشَّعْبِيُّ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام رَخَّصَ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ فِي الْحَرْبِ» وَلِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً فَإِنَّ الْخَالِصَ مِنْهُ أَدْفَعُ لِمَعَرَّةِ السِّلَاحِ وَأَهْيَبُ فِي عَيْنِ الْعَدُوِّ لِبَرِيقِهِ (وَيُكْرَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) ؛

  13. لِأَنَّهُ لَا فَصْلَ فِيمَا رَوَيْنَاهُ، وَالضَّرُورَةُ انْدَفَعَتْ بِالْمَخْلُوطِ وَهُوَ الَّذِي لُحْمَتُهُ حَرِيرٌ وَسَدَّاهُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَالْمَحْظُورُ لَا يُسْتَبَاحُ إلَّا لِضَرُورَةٍ.

  14. وَقَوْلُهُ (لَهُمَا الْعُمُومَاتُ) يُرِيدُ بِهِ قَوْلَهُ «نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ» وَقَوْلُهُ «وَإِنَّمَا يَلْبَسُهُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ اسْتَقْبَلَ جَيْشًا مِنْ الْغُزَاةِ رَجَعُوا بِغَنَائِمَ وَلَبِسُوا الْحَرِيرَ، فَلَمَّا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْهِمْ أَعْرَضَ عَنْهُمْ، فَقَالُوا: لِمَ أَعْرَضْت عَنَّا؟

  15. قَالَ: لِأَنِّي أَرَى عَلَيْكُمْ ثِيَابَ أَهْلِ النَّارِ. وَالْمِرْفَقَةُ بِكَسْرِ الْمِيمِ: وِسَادَةُ الِاتِّكَاءِ. وَقَوْلُهُ (وَالْجَامِعُ كَوْنُهُ نَمُوذَجًا) يُرِيدُ بِهِ أَنَّ الْمُسْتَعْمِلَ يَعْلَمُ بِهَذَا الْمِقْدَارِ لَذَّةَ مَا وُعِدَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْهُ لِيَرْغَبَ فِي تَحْصِيلِ سَبَبٍ يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ.

  16. وَقَوْلُهُ (لَا فَصْلَ فِيمَا رَوَيْنَاهُ) يُرِيدُ بِهِ قَوْلَهُ ﷺ «هَذَانِ حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي» .

  17. ١٠/٢٠١٠/٢٠

    وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَخْلُوطِ قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ مَا سُدَاه حَرِيرٌ وَلُحْمَتُهُ غَيْرُ حَرِيرٍ كَالْقُطْنِ وَالْخَزِّ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهِ) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم كَانُوا يَلْبَسُونَ الْخَزَّ، وَالْخَزُّ مُسْدًى بِالْحَرِيرِ، وَلِأَنَّ الثَّوْبَ إنَّمَا يَصِيرُ ثَوْبًا بِالنَّسْجِ وَالنَّسْجُ بِاللُّحْمَةِ فَكَانَتْ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ دُونَ السَّدَى.

  18. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: أَكْرَهُ ثَوْبَ الْقَزِّ يَكُونُ بَيْنَ الْفَرْوِ وَالظِّهَارَةِ،

  19. وَلَا أَرَى بِحَشْوِ الْقَزِّ بَأْسًا؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ مَلْبُوسٌ وَالْحَشْوَ غَيْرُ مَلْبُوسٍ. قَالَ (وَمَا كَانَ لُحْمَتُهُ حَرِيرًا وَسَدَاهُ غَيْرَ حَرِيرٍ لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْحَرْبِ)

  20. لِلضَّرُورَةِ

  21. (وَيُكْرَهُ فِي غَيْرِهِ) لِانْعِدَامِهَا، وَالِاعْتِبَارُ لِلُّحْمَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.

  22. وَقَوْلُهُ (وَالْخَزُّ مُسَدًّى بِالْحَرِيرِ) قِيلَ هُوَ اسْمٌ لِثَوْبٍ سُدَاهُ حَرِيرٌ وَلُحْمَتُهُ صُوفُ حَيَوَانٍ فِي الْمَاءِ. وَجُمْلَةُ وُجُوهِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ ثَلَاثَةٌ:

  23. الْأَوَّلُ مَا يَكُونُ كُلُّهُ حَرِيرًا وَهُوَ الدِّيبَاجُ لَا يَجُوزُ لُبْسُهُ فِي غَيْرِ الْحَرْبِ بِالِاتِّفَاقِ،

  24. وَأَمَّا فِي الْحَرْبِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله لَا يَجُوزُ، وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ وَقَدْ مَرَّ الْوَجْهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ.

  25. وَالثَّانِي مَا يَكُونُ سُدَاهُ حَرِيرًا وَلُحْمَتُهُ غَيْرَهُ فَلَا بَأْسَ بِلُبْسِهِ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا تَعَلَّقَ بِعِلَّةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ يُضَافُ إلَى آخِرِهِمَا وُجُودًا وَاللُّحْمَةُ كَذَلِكَ.

  26. وَالثَّالِثُ عَكْسُ الثَّانِي وَهُوَ مُبَاحٌ فِي الْحَرْبِ لِلضَّرُورَةِ وَهُوَ إيقَاعُ الْهَيْبَةِ فِي عَيْنِ الْعَدُوِّ لِبَرِيقِهِ وَدَفْعِ مَعَرَّةِ السِّلَاحِ،

  27. وَلَا ضَرُورَةَ فِي غَيْرِهِ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا.

  28. وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا بَيَّنَّا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّ الثَّوْبَ إنَّمَا يَصِيرُ ثَوْبًا بِالنَّسْجِ وَالنَّسْجُ بِاللُّحْمَةِ. رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ رحمه الله أَنَّهُ كَانَ يَرَى بِاللِّبَاسِ الْمُرْتَفِعِ جِدًّا بَأْسًا، قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَعَلَيْهِ رِدَاءٌ قِيمَتُهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ. وَرُبَّمَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْهِ رِدَاءٌ قِيمَتُهُ

  29. ١٠/٢١١٠/٢١

    قَالَ (وَلَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ) لِمَا رَوَيْنَا (وَلَا بِالْفِضَّةِ) لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهُ (إلَّا بِالْخَاتَمِ وَالْمِنْطَقَةِ وَحِلْيَةِ السَّيْفِ مِنْ الْفِضَّةِ) تَحْقِيقًا لِمَعْنَى النَّمُوذَجِ، وَالْفِضَّةُ أَغْنَتْ عَنْ الذَّهَبِ إذْ هُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، كَيْفَ

  30. أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ» وَأَبُو حَنِيفَةَ كَانَ يَرْتَدِي بِرِدَاءٍ قِيمَتُهُ أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾

  31. قَالَ (وَلَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ إلَخْ) لَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «هَذَانِ

  32. ١٠/٢٢١٠/٢٢

    وَقَدْ جَاءَ فِي إبَاحَةِ ذَلِكَ آثَارٌ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ:

  33. وَلَا يَتَخَتَّمُ إلَّا بِالْفِضَّةِ، وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ التَّخَتُّمَ بِالْحَجَرِ وَالْحَدِيدِ وَالصُّفْرِ حَرَامٌ. «وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام عَلَى رَجُلٍ خَاتَمَ صُفْرٍ فَقَالَ: مَالِي أَجِدُ مِنْك رَائِحَةَ الْأَصْنَامِ. وَرَأَى عَلَى آخَرَ خَاتَمَ حَدِيدٍ فَقَالَ: مَالِي أَرَى عَلَيْك حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ» وَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَطْلَقَ الْحَجَرَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ يَشْبُ؛

  34. لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَجَرٍ، إذْ لَيْسَ لَهُ ثِقَلُ الْحَجَرِ، وَإِطْلَاقُ الْجَوَابِ فِي الْكِتَابِ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ (وَالتَّخَتُّمُ بِالذَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ حَرَامٌ) لِمَا رَوَيْنَا. وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام نَهَى عَنْ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ» وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ التَّحْرِيمُ، وَالْإِبَاحَةُ ضَرُورَةُ الْخَتْمِ أَوْ النَّمُوذَجِ، وَقَدْ انْدَفَعَتْ بِالْأَدْنَى وَهُوَ الْفِضَّةُ، وَالْحَلْقَةُ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ؛

  35. لِأَنَّ قِوَامَ الْخَاتَمِ بِهَا،

  36. وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْفَصِّ حَتَّى يَجُوزَ أَنْ يَكُونَ مِنْ

  37. حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي» وَلَا بِالْفِضَّةِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ.

  38. فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﷺ «هَذَانِ حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي» لِكَوْنِهِ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُعَارِضُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى " ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ " الْآيَةَ،

  39. وَلَا يُقَيِّدُهُ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ نَسْخٌ. فَالْجَوَابُ أَنَّهُ مَشْهُورٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ فَجَازَ التَّقْيِيدُ بِهِ. وَقَوْلُهُ (وَقَدْ جَاءَ فِي إبَاحَةِ ذَلِكَ آثَارٌ) هُوَ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاتَمُ فِضَّةٍ فَصُّهُ مِنْهُ وَنَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ سَطْرٌ وَرَسُولُ سَطْرٌ وَاَللَّهُ سَطْرٌ» .

  40. وَعَنْ مُعَاذٍ رضي الله عنه «أَنَّهُ كَانَ لَهُ خَاتَمٌ مِنْ فِضَّةٍ وَنَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : مَا نَقْشُ خَاتَمِك يَا مُعَاذُ؟ فَقَالَ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : آمَنَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ مُعَاذٍ حَتَّى خَاتَمُهُ،

  41. ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مُعَاذٍ فَوَهَبَهُ مِنْهُ، فَكَانَ فِي يَدِهِ ﷺ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ.

  42. ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه إلَى أَنْ تُوُفِّيَ،

  43. ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُمَرَ رضي الله عنه إلَى أَنْ تُوُفِّيَ،

  44. ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ رضي الله عنه حَتَّى وَقَعَ مِنْ يَدِهِ فِي الْبِئْرِ فَأَنْفَقَ مَالًا عَظِيمًا فِي طَلَبِهِ فَلَمْ يَجِدْهُ» فَوَقَعَ الْخِلَافُ وَالتَّشْوِيشُ بَيْنَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ. وَأَتَى بِلَفْظِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِأَدَاءِ الْحَصْرِ فِيهِ (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَطْلَقَ) مِنْهُمْ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ رحمه الله فَقَالَ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ كَالْعَقِيقِ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ تَخَتَّمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَجَرٍ إذْ لَيْسَ لَهُ ثِقَلُ الْحَجَرِ، وَإِطْلَاقُ جَوَابِ الْكِتَابِ: يَعْنِي الْجَامِعَ الصَّغِيرَ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَلِأَنَّهُ يُتَّخَذُ مِنْهُ الْأَصْنَامُ فَأَشْبَهَ الصُّفْرَ الَّذِي هُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ.

  45. وَقَوْلُهُ (لِمَا رَوَيْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ " هَذَانِ حَرَامَانِ " وَمِنْ النَّاسِ مَنْ جَوَّزَ التَّخَتُّمَ بِالذَّهَبِ لِمَا رُوِيَ «عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه أَنَّهُ لَبِسَ خَاتَمَ ذَهَبٍ وَقَالَ: كَسَانِيهِ رَسُولُ اللَّهِ

  46. ١٠/٢٣١٠/٢٣

    حَجَرٍ وَيَجْعَلَ الْفَصَّ إلَى بَاطِنِ كَفِّهِ

  47. بِخِلَافِ النِّسْوَانِ؛ لِأَنَّهُ تَزَيُّنٌ فِي حَقِّهِنَّ، وَإِنَّمَا يَتَخَتَّمُ الْقَاضِي

  48. وَالسُّلْطَانُ لِحَاجَتِهِ

  49. إلَى الْخَتْمِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتْرُكَهُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ

  50. . قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِمِسْمَارِ الذَّهَبِ يُجْعَلُ فِي حَجَرِ الْفَصِّ) أَيْ فِي ثُقْبِهِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ كَالْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ فَلَا يُعَدُّ لَابِسًا لَهُ. قَالَ (وَلَا تُشَدُّ الْأَسْنَانُ بِالذَّهَبِ وَتُشَدُّ بِالْفِضَّةِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا بَأْسَ بِالذَّهَبِ أَيْضًا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مِثْلَ قَوْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا.

  51. لَهُمَا «أَنَّ عَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدَ الْكِنَانِيَّ أُصِيبَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ فَاِتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ فِضَّةٍ فَأَنْتَنَ. فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام بِأَنْ يَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ» وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ التَّحْرِيمُ وَالْإِبَاحَةُ

  52. لِلضَّرُورَةِ

  53. ، وَقَدْ انْدَفَعَتْ بِالْفِضَّةِ وَهِيَ الْأَدْنَى فَبَقِيَ الذَّهَبُ عَلَى التَّحْرِيمِ.

  54. وَالضَّرُورَةُ فِيمَا رُوِيَ لَمْ تَنْدَفِعْ فِي الْأَنْفِ دُونَهُ حَيْثُ أَنْتَنَ. قَالَ (وَيُكْرَهُ أَنْ يَلْبَسَ الذُّكُورُ مِنْ الصِّبْيَانِ الذَّهَبَ وَالْحَرِيرَ) ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَمَّا ثَبَتَ فِي حَقِّ الذُّكُورِ وَحَرُمَ اللُّبْسُ حَرُمَ الْإِلْبَاسُ كَالْخَمْرِ لَمَّا حَرُمَ شُرْبُهَا حَرُمَ سَقْيُهَا. قَالَ (وَتُكْرَهُ الْخِرْقَةُ الَّتِي تُحْمَلُ فَيُمْسَحُ بِهَا الْعَرَقُ) ؛

  55. لِأَنَّهُ نَوْعُ تَجَبُّرٍ وَتَكَبُّرٍ

  56. (وَكَذَا الَّتِي يُمْسَحُ بِهَا الْوُضُوءَ أَوْ يُمْتَخَطُ بِهَا) وَقِيلَ إذَا كَانَ عَنْ حَاجَةٍ لَا يُكْرَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ عَنْ تَكَبُّرٍ وَتَجَبُّرٍ وَصَارَ كَالتَّرَبُّعِ فِي الْجُلُوسِ (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَرْبِطَ الرَّجُلُ فِي أُصْبُعِهِ أَوْ خَاتَمِهِ الْخَيْطَ لِلْحَاجَةِ) وَيُسَمَّى ذَلِكَ الرَّتَمُ وَالرَّتِيمَةُ.

  57. وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ. قَالَ قَائِلُهُمْ: لَا يَنْفَعَنَّكَ الْيَوْمَ إنْ هَمَّتْ بِهِمْ كَثْرَةُ مَا تُوصِي وَتَعْقَادُ الرَّتَمِ

  58. - ﷺ ». وَلِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ اسْتِعْمَالِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ سَوَاءٌ. فَلَمَّا حَلَّ التَّخَتُّمُ بِالْفِضَّةِ لِقِلَّتِهِ وَلِكَوْنِهِ نَمُوذَجًا وَجُعِلَ كَالْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ فَكَذَا فِي الْآخَرِ.

  59. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلِكَ " وَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فَاِتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ ذَهَبٍ فَرَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا، فَرَمَاهُ النَّاسُ» وَقَوْلُهُ (وَيُجْعَلُ الْفَصُّ إلَى بَاطِنِ كَفِّهِ) أَيْ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَكَذَا.

  60. وَقَوْلُهُ (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله مِثْلُ قَوْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا) يَعْنِي اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، فَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ قَوْلَهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله هَكَذَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ رحمه الله ، وَذَكَرَ فِي الْأَمَالِي مَعَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ رحمه الله ، وَالْكُلَابُ بِضَمِّ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ اسْمُ مَاءٍ كَانَتْ عِنْدَهُ وَقْعَةٌ لَهُمْ.

  61. وَقَوْلُهُ (وَهُوَ الصَّحِيحُ) لِأَنَّ عَامَّةَ الْمُسْلِمِينَ اسْتَعْمَلُوا هَكَذَا فِي عَامَّةِ الْبُلْدَانِ لِدَفْعِ الْأَذَى عَنْ الثِّيَابِ النَّفِيسَةِ وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْسَحُ وُضُوءُهُ بِالْخِرْقَةِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ» فَلَمْ يَكُنْ بِدْعَةً.

  62. وَحَاصِلُهُ أَنَّ كُلَّ مَا فُعِلَ عَلَى وَجْهِ التَّجَبُّرِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ بِدْعَةٌ، وَمَا فُعِلَ لِحَاجَةٍ وَضَرُورَةٍ لَا يُكْرَهُ، وَهُوَ نَظِيرُ التَّرَبُّعِ فِي الْجُلُوسِ وَالِاتِّكَاءِ. وَمَعْنَى قَوْلِ الشَّاعِرِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا خَرَجَ فِي سَفَرٍ عَمَدَ إلَى شَجَرٍ يُقَالُ لَهُ رَتَمٌ فَشَدَّ بَعْضَ أَغْصَانِهِ بِبَعْضٍ،

  63. فَإِذَا رَجَعَ وَأَصَابَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ قَالَ لَمْ تَخُنِّي امْرَأَتِي،

  64. وَإِنْ أَصَابَهُ وَقَدْ انْحَلَّ قَالَ خَانَتْنِي، هَكَذَا الْمَرْوِيُّ عَنْ

  65. ١٠/٢٤١٠/٢٤

    وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام أَمَرَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَبَثٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَضِ الصَّحِيحِ وَهُوَ التَّذَكُّرُ عَنْدَ النِّسْيَانِ.